٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : قد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة، وبقي ههنا مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الأعراب يقتضي أن يقال: والصابئين، وهكذا قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وابن كثير، وللنحويين في علة القراءة المشهورة وجوه: الأول: وهو مذهب الخليل وسيبويه ارتفع الصائبون بالابتداء على نية التأخير، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصائبون كذلك، فحذف خبره، والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو أن الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالاً، فكأنه قيل: كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأزال ذنبهم، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك. الوجه الثاني: وهو قول الفراء أن كلمة {إن} ضعيفة في العمل ههنا، وبيانه من وجوه: الأول: أن كلمة {إن} إنما تعمل لكونها مشابهة للفعل، ومعلوم أن المشابهة بين الفعل وبين الحرف ضعيفة. الثاني: أنها وإن كانت تعمل لكن إنما تعمل في الإسم فقط، أما الخبر فإنه بقي مرفوعاً بكونه خبر المبتدأ، وليس لهذا الحرف في رفع الخبر تأثير، وهذا مذهب الكوفيين، وقد بيناه بالدليل في سورة البقرة في تفسير قوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ } تفسير : [البقرة: 6] الثالث: أنها إنما يظهر أثرها في بعض الأسماء، أما الأسماء التي لا يتغير حالها عند اختلاف العوامل فلا يظهر أثر هذا الحرف فيها، والأمر ههنا كذلك، لأن الاسم ههنا هو قوله {ٱلَّذِينَ } وهذه الكلمة لا يظهر فيها أثر الرفع والنصب والخفض. إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا كان اسم {إن} بحيث لا يظهر فيه أثر الإعراب، فالذي يعطف عليه يجوز النصب على إعمال هذا الحرف، والرفع على إسقاط عمله، فلا يجوز أن يقال: إن زيداً وعمرو قائمان لأن زيداً ظهر فيه أثر الإعراب، لكن إنما يجوز أن يقال: إن هؤلاء وإخوتك يكرموننا، وإن هذا نفسه شجاع، وإن قطام وهند عندنا، والسبب في جواز ذلك أن كلمة {إن } كانت في الأصل ضعيفة العمل، وإذا صارت بحيث لا يظهر لها أثر في اسمها صارت في غاية الضعف، فجاز الرفع بمقتضى الحكم الثابت قبل دخول هذا الحرف عليه، وهو كونه مبتدأ، فهذا تقرير قول الفراء، وهو مذهب حسن وأولى من مذهب البصريين، لأن الذي قالوه يقتضي أن كلام الله على الترتيب الذي ورد عليه ليس بصحيح، وإنما تحصل الصحة عند تفكيك هذا النظم، وأما على قول الفراء فلا حاجة إليه، فكان ذلك أولى. المسألة الثانية: قال بعض النحويين: لا شك أن كلمة «إن» من العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، وكون المبتدأ مبتدأ والخبر خبراً وصف حقيقي ثابت حال دخول هذا الحرف وقبله، وكونه مبتدأ يقتضي الرفع. إذا ثبت هذا فنقول: المعطوف على اسم «إن» يجوز انتصابه بناء على إعمال هذا الحرف، ويجوز ارتفاعه أيضاً لكونه في الحقيقة مبتدأ محدثاً عنه ومخبراً عنه. طعن صاحب «الكشاف» فيه وقال: إنما يجوز ارتفاعه على العطف على محل (إن واسمها) بعد ذكر الخبر، تقول: إن زيداً منطلق وعمراً وعمرو بالنصب على اللفظ، والرفع على موضع (إن) واسمها، لأن الخبر قد تقدم، وأما قبل ذلك الخبر فهو غير جائز، لأنا لو رفعناه على محل (إن واسمها) لكان العامل في خبرهما هو المبتدأ، ولو كان كذلك لكان العامل في خبرهما هو الابتداء، لأن الابتداء هو المؤثر في المبتدأ والخبر معاً، وحينئذٍ يلزم في الخبر المتأخر أن يكون مرفوعاً بحرف (إن) وبمعنى الاتبداء فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان، وأنه محال. وأعلم أن هذا الكلام ضعيف، وبيانه من وجوه: الأول: أن هذه الأشياء التي يسميها االنحويون: رافعة وناصبة ليس معناها أنها كذلك لذواتها أو لأعيانها، فإن هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنها معرفات بحسب الوضع والاصطلاح لهذه الحركات، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد غير محال، ألا ترى أن جميع أجزاء المحدثات دالة على وجود الله تعالى. والوجه الثاني: في ضعف هذا الجواب أنه بناه على أن كلمة (أن) مؤثرة في نصب الإسم ورفع الخبر، والكوفيون ينكرون ذلك ويقولون: لا تأثير لهذا الحرف في رفع الخبر ألبتة، وقد أحكمنا هذه المسألة في سورة البقرة. والوجه الثالث: وهو أن الأشياء الكثيرة إذا عطف بعضها على البعض فالخبر الواحد لا يكون خبراً عنها، لأن الخبر عن الشيء عبارة عن تعريف حاله وبيان صفته، ومن المحال أن يكون حال الشيء وصفته عين حال الآخر وصفته، لامتناع قيام الصفة الواحدة بالذوات المختلفة. وإذا ثبت هذا ظهر أن الخبر وإن كان في اللفظ واحداً إلا أنه في التقدير متعدد، وهو لا محالة موجود بحسب التقدير والنية، وإذا حصل التعدد في الحقيقة لم يمتنع كون البعض مرتفعاً بالحرف والبعض بالابتداء، وبهذا التقدير لم يلزم اجتماع الرافعين على مرفوع واحد. والذي يحقق ذلك أنه سلم أن بعد ذكر الاسم وخبره جاز الرفع والنصب في المعطوف عليه، ولا شك أن هذا المعطوف إنما جاز ذلك فيه لأنا نضمر له خبراً، وحكمنا بأن ذلك الخبر المضمر مرتفع بالاتبداء. وإذا ثبت هذا فنقول: إن قبل ذكر الخبر إذا عطفنا اسماً على حكم اسم صريح العقل أنه لا بدّ من الحكم بتقدير الخبر، وذلك إنما يحصل بإضمار الأخبار الكثيرة، وعلى هذا التقدير يسقط ما ذكر من الالتزام والله أعلم. المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بيّـن أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا، بين أن هذا الحكم عام في الكل، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، وذلك لأن الإنسان له قوتان: القوة النظرية، والقوة العملية، أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق، وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير، وأعظم المعارف شرفاً معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى، وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادراً على الحشر والنشر، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وأفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله»تفسير : ثم بيّـن تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل فإنه يرد القيامة من غير خوف ولا حزن. والفائدة في ذكرهما أن الخوف يتعلق بالمستقبل، والحزن بالماضي، فقال {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف وأطيب مما كانت لهم حاصلة في الدنيا، ومن كان كذلك فإنه لا يحزن بسبب طيبات الدنيا. فإن قيل: كيف يمكن خلو المكلف الذي لا يكون معصوماً عن أهوال القيامة؟ والجواب من وجيهن: الأول: أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح، ولا يكون آتياً بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركاً لجميع المعاصي، والثاني: أنه إن حصل خوف فذلك عارض قليل لا يعتد به. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: أنه تعالى شرط عدم الخوف وعدم الحزن بالإيمان والعمل الصالح، والمشروط بشيء عدم عند عدم الشرط، فلزم أن من لم يأت مع الإيمان بالعمل الصالح فإنه يحصل له الخوف والحزن، وذلك يمنع من العفو عن صاحب الكبيرة. والجواب: أن صاحب الكبيرة لا يقطع بأن الله يعفو عنه لا محالة، فكان الخوف والحزن حاصلاً قبل إظهار العفو. المسألة الخامسة: أنه تعالى قال في أول الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } ثم قال في آخر الآية {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ } وفي هذا التكرير فائدتان، الأولى: أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، فالفائدة في هذا التكرير إخراجهم عن وعد عدم الخوف وعدم الحزن. الفائدة الثانية: أنه تعالى أطلق لفظ الإيمان، والإيمان يدخل تحته أقسام، وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، فكانت الفائدة في الإعادة التنبيه على أن هذين القسمين أشرف أقسام الإيمان، وقد ذكرنا وجوهاً كثيرة في قوله {يا أيها الذين آمنوا} وكلها صالحة لهذا الموضع. المسألة السادسة: الراجع إلى اسم {إن} محذوف، والتقدير: من آمن منهم، إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوماً، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : تقدم الكلام في هذا كله فلا معنى لإعادته. {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} معطوف، وكذا {وَٱلصَّابِئُونَ} معطوف على المضمر في «هَادُوا» في قول الكسائي والأخفش. قال النحاس: سمعت الزجاج يقول ـ وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي: هذا خطأ من جهتين؛ إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكَّد. والجهة الأُخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال. وقال الفرّاء: إنما جاز الرفع في «وَالصَّابِئُونَ» لأن «إنّ» ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر؛ و «الَّذِين» هنا لا يتبيّن فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة الأمران، فجاز رفع الصابئين رجوعاً إلى أصل الكلام. قال الزّجاج: وسبيل ما يتبيّن فيه الإعراب وما لا يتبيّن فيه الإعراب واحد. وقال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير؛ والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك. وأنشد سيبويه وهو نظيره: شعر : وإلاّ فٱعلموا أَنَّا وأنتم بُغَاةٌ ما بَقِيْنَا في شِقَاقِ تفسير : وقال ضَابِىء البُرْجُمي: شعر : فمن يكُ أمسى بالمدينةِ رَحْلُه فإنّى وَقَيَّارٌ بِها لَغَريبُ تفسير : وقيل: «إنّ» بمعنى «نَعَم» فالصابئون مرتفع بالإبتداء، وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه، فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وٱنقضاء الاسم والخبر. وقال قيس الرقيات: شعر : بَكرَ العواذِلُ في الصَّبا حِ يَلُمْنَني وأَلُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قد عَلاَ كَ وقد كبِرت فقلت إنّهْ تفسير : قال الأخفش: «إنَّه» بمعنى «نَعَم»، وهذه «الهاء» أدخلت للسكت.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئُونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} سبق تفسيره في سورة «البقرة» والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك كقوله:شعر : فإنِّي وَقَيَّارٌ بها لَغَرِيبُ تفسير : وقوله:شعر : وَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم بُغَاةٌ مَا بَقينا فِي شِقَاق تفسير : أي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، وهو كاعتراض دل به على أنه لما كان الصابئون مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح، كان غيرهم أولى بذلك. ويجوز أن يكون والنصارى معطوفاً عليه ومن آمن خبرهما وخبر إن مقدر دل عليه ما بعده كقوله:شعر : نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ تفسير : ولا يجوز عطفه على محل إن واسمها فإنه مشروط بالفراغ من الخبر، إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ وخبر إن معاً فيجتمع عليه عاملان ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل، ولأنه يوجب كون الصابئين هوداً. وقيل إن بمعنى نعم وما بعدها في موضع الرفع بالابتداء. وقيل {الصابئون} منصوب بالفتحة وذلك كما جوز بالياء جوز بالواو. {مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} في محل الرفع بالابتداء وخبره. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} والجملة خبر إن أو خبر المبتدأ كما مر والراجع محذوف، أي: من آمن منهم، أو النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه. وقرىء و «الصابئين» وهو الظاهر و «الصابيون» بقلب الهمزة ياء و «الصابون» بحذفها من صبأ بإبدال الهمزة ألفاً، أو من صبوت لأنهم صبوا إلى اتباع الشهوات ولم يتبعوا شرعاً ولا عقلاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ } هم اليهود مبتدأ {وَٱلصَّٰبِئُونَ } فرقة منهم {وَٱلنَّصَٰرَىٰ } ويبدل من المبتدأ {مَنْ ءَامَنَ } منهم {بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وعَمِلَ صَٰلِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة خبر المبتدأ ودالّ على خبر (إنّ).
ابن عطية
تفسير : {الذين} لفظ عام لكل مؤمن من ملة محمد ومن غيرها من الملل، فكأن ألفاظ الآية حصر بها الناس كلهم وبينت الطوائف على اختلافها، وهذا تأويل جمهور المفسرين، وقال الزجاج المراد بقوله: {إن الذين آمنوا} المنافقون، فالمعنى أن الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. قال القاضي أبو محمد: فكأن ألفاظ الآية عدت الطوائف التي يمكن أن تنتقل إلى الإيمان، ثم نفى عنهم الخوف والحزن بشرط انتقالهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى التأويل الأول يكون قوله {من آمن} في حيز المؤمنين بمعنى ثبت واستمر، وقد تقدم تفسير {هادوا} وتفسير"الصابئين" وتفسير {النصارى} في سورة البقرة، واختلف القراء في إعراب الصابئين في هذه الآية فقرأ الجمهور و "الصابئون" بالرفع وعليه مصاحف الأمصار والقراء السبعة، وقرأ عثمان بن عفان وعائشة وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والجحدري "والصابين" وهذه قراءة بينة الإعراب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري "والصابيون" بكسر الباء وضم الياء دون همز, وقد تقدم في سورة البقرة, وأما قراءة الجمهور "والصابئون" فمذهب سيبويه والخليل ونحاة البصرة أنه من المقدم الذي معناه التأخير وهو المراد به، كأنه قال "إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون والنصارى" كذلك، وأنشد الزجاج نظيراً في ذلك: شعر : وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق تفسير : فقوله وأنتم مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى أي وأنتم كذلك، وحكى الزجّاج عن الكسائي والفراء أنهما قالا: و {الصابئون} عطف على {الذين} ، إذ الأصل في {الذين} الرفع وإذ نصب {إن} ضعيف وخطأ الزجّاج هذا القول وقال: {إن} أقوى النواصب، وحكي أيضاً عن الكسائي أنه قال و {الصابئون} عطف على الضمير في {هادوا} والتقدير هادوا هم الصابئون، وهذا قول يرده المعنى لأنه يقتضي أن الصابئين هادوا، وقيل إن معنى نعم، وما بعدها مرفوع بالابتداء، وروي عن بعضهم أنه قرأ "والصابئون" بالهمز، واتصال هذه الآية بالتي قبلها هو أن قيل لهم ليس الحق في نفسه على ما تزعمون من أنكم أبناء الله وأحباؤه، بل لستم على شيء مستقيم حتى تؤمنوا وتقيموا الكتب المنزلة، ثم استأنف الإخبار عن الحق في نفسه بأنه من آمن في كل العالم فهو الفائز الذي لا خوف عليه. قوله عز وجل: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} الآية، استئناف خبر بفعل أوائلهم وما نقضوا من العهود واجترحوا من الجرائم، أي إن العصا من العصية، وهؤلاء يا محمد من أولئك فليس قبيح فعلهم ببدع، و {كلما} ظرف والعالم فيه كذبوا ويقتلون.. وقوله تعالى: {بما لا تهوى أنفسهم} يقتضي أن هواهم كان غير الحق وهو ظاهر هوى النفس متى أطلق، فمتى قيد بالخير ساغ ذلك، ومنه قول عمر رضي الله عنه في قصة أسارى بدر: فهوى رسول الله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت أنا، وقوله تعالى: {فريقاً كذبوا} معناه كذبوه فقط، يريد الفريق من الرسل ولم يقتلوه، وفريقاً من الرسل كذبوه وقتلوه، فاكتفى بذكر القتل إذ هو يستغرق التكذيب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئُونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: الذين آمنوا: لفظٌ عامٌّ لكلِّ مؤمنٍ من مِلَّةِ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم ومِنْ غَيْرها من المِلَلِ، فكأنَّ ألفاظ الآية حُصِرَ بها الناسُ كلُّهم، وبُيِّنَتِ الطوائفُ على ٱختلافِهَا، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقد مَضَى الكلامُ في «سورة البقرة»، فراجعْهُ هناك، وقرأ الجمهورُ: «وَالصَّابِئُونَ»، وقرىء خارجَ السبعة: «والصَّابِئِينَ»، وهي بيِّنة الإعراب، وأما على قراءة الجمهورِ، فٱختلف في إعرابها، ومَذْهَبُ سبيَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ونُحَاةِ البَصْرة: أنه من المقدَّم الذي معناه التأْخِيرُ، كأنَّه قال: إنَّ الذين آمنوا والذين هَادُوا، مَنْ آمَنَ باللَّه واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً، فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يحزنُونَ، والصَّابِئُونَ والنصارَىٰ كذلك. قال * ص *: ووجه ثانٍ أنَّ خبر «إنَّ» محذوفٌ، أي: إنَّ الذين آمنوا لهم أجْرُهُمْ، وخبر «الصَّابئين»: {مَنْ ءَامَنَ} وما بعده، قال ابنُ عُصْفُورٍ؛ وهو حَسَنٌ جدًّا؛ إذ ليس فيه أكثر من حَذْفِ خبرِ «إنَّ»؛ للفهم، وهو جائزٌ في فصيحِ الكلامِ. انتهى. قلتُ: قال ابْنُ مالكٍ: وهو أسهلُ من التقديمِ والتأخيرِ، وقيل: إن الصابِئين في موضِعِ نَصْبٍ، ولكنه جاء على لغة بَلْحَارِثِ الذين يَجْعَلُونَ التثنيةَ بالأَلِفِ علَىٰ كل حال، والجَمْعَ بالواو علَىٰ كُلِّ حال؛ قاله أبو البقاء، وقيل غير هذا.
ابن عادل
تفسير : قرأ الجمهور: "والصَّابئُونَ" بالواو، وكذلك هو في مصاحِفِ الأمْصَار، وفي رفعه تسعة أوجه: أحدها: وهو قول جمهورِ أهلِ البصرة: الخليل وسيبويه وأتباعهما أنه مرفوعٌ بالابتداء وخبرُه محذوفٌ؛ لدلالةِ خبر الأول عليه، والنيةُ به التأخيرُ، والتقديرُ: إنَّ الذينَ آمَنُوا والذينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ منهم إلى آخره والصَّابِئُونَ كذلك، ونحوه: "إنَّ زَيْداً وعمرٌو قائمٌ"، [أي: إنَّ زَيْداً قائِم وعمرٌو قائمٌ]، فإذا فعَلْنا ذلك، فهل الحذفُ من الأول أي: [يكونُ] خبرُ الثاني مثبتاً، والتقديرُ: إنَّ زَيْداً قائِمٌ وعمرٌو قائمٌ، فحذف "قائمٌ" الأول، أو بالعكس؟ قولان مشهوران، وقد وَرَد كلٌّ منهما؛ قال: [المنسرح] شعر : 2009- نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأنْتَ بِمَا عِنْدَكَ رَاضٍ والرَّأيُ مُخْتَلِفُ تفسير : أي: نحنُ راضُونَ، وعكْسُه قوله: [الطويل] شعر : 2010- فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ تفسير : التقدير: وقيارٌ بها كذلِكَ، فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ الحذفُ من الأول أيضاً؟ فالجوابُ: أنه يلزم من ذلك دخولُ اللامِ في خَبَر المبتدأ غيرِ المَنْسُوخِ بـ "إنَّ"، وهو قليلٌ لا يقع إلا في ضَرُورة شِعْرٍ، فالآيةُ يجوزُ فيها هذان التقديران على هذا التخْريج، قال الزمخشريُّ: "والصَّابئُونَ: رفعٌ على الابتداء، وخبرُه محذوفٌ، والنيةُ به التأخير عمَّا في حَيِّز "إنَّ" من اسمها وخبرها؛ كأنه قيل: إنَّ الذين آمَنُوا والذينَ هَادُوا والنَّصارى حُكْمُهُمْ كَذَلِكَ والصَّابِئُونَ كذلكِ؛ وأنشد سيبويه شاهداً على ذلك: [الوافر] شعر : 2011- وَإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْ بُغَاةٌ مَا بَقِينَا في شِقَاقِ تفسير : أي: فاعلموا أنَّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كذلك" ثم قال بعد كلامٍ: "فإنْ قلْتَ: فقوله "والصَّابئُونَ" معطوفٌ لا بدَّ له من معطوفٍ عليه، فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوفِ جملةٌ معطوفة على جملة قوله: {إنَّ الذِين آمَنُوا} إلى آخره، ولا محلَّ لها؛ كما لا محلَّ للتي عطفتْ عليها، فإن قلتَ: فالتقديمُ والتأخيرُ لا يكون إلا لفائدةً، فما هي؟ قلتُ: فائدتُه التنبيهُ على أن الصابئين يُتابُ عليهم، إنْ صحَّ منهم الإيمانُ والعملُ الصالحُ، فما الظنُّ بغيرهم؟ وذلك أنَّ الصابئين أبينُ هؤلاءِ المعدُودِينَ ضَلاَلاً وأشدُّهم عِتِيًّا، وما سُمُّوا صابئين إلا أنهم صَبَئُوا عن الأديان كلِّها، أي: خَرَجُوا؛ كما أن الشاعر قدَّمَ قوله: "وأنْتُمْ"؛ تنبيهاً على أن المخاطبينَ أوغلُ في الوصْفِ بالبغْيِ من قومِه، حيثُ عاجلَ به قبل الخبر الذي هو "بُغاةٌ"؛ لئلا يدخُلَ قومُه في البغيِ قبلهم مع كونهم أوغلَ فيه منهم وأثبتَ قدماً، فإن قُلْتَ: فلو قيل: "والصَّابئينَ وإيَّاكُمْ"، لكان التقديمُ حاصلاً، قلت: لو قيل هكذا لم يَكُنْ من التقديم في شيء؛ لأنه لا إزالةَ فيه عن موضعه، وإنما يُقال مقدَّمٌ ومؤخَّرٌ للمُزَالِ لا للقارِّ في مكانه، وتجْرِي هذه الجملة مَجْرَى الاعتراض". الوجه الثاني: أنَّ "إنَّ" بمعنى "نَعَمْ" فهي حرفُ جوابٍ، ولا محلَّ لها حينئذ، وعلى هذا فما بعدها مرفوعُ المحلِّ على الابتداء، وما بعده معطوفٌ عليه بالرفعِ، وخبرُ الجميعِ قوله: "مَنْ آمَنَ" إلى آخره، وكونُها بمعنى "نَعَمْ" قولٌ مرجوحٌ، قال به بعضُ النحْويِّين، وجعل من ذلك قوله تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} تفسير : [طه: 63] في قراءةِ من قرأهُ بالألف، وفي الآية كلامٌ طويلٌ يأتي - إنْ شاء الله تعالى - في موضعه، وجعل منه أيضاً قول عبد الله بْنِ الزُّبَيْر: "إنَّ وصاحبهَا" جواباً لمنْ قال له: "لَعَنَ الله ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ"، أي: نَعَمْ وصاحِبهَا، وجعل منه قول الآخر: [الكامل] شعر : 2012- بَرَزَ الغَوَانِي فِي الشَّبَا بِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَ كَ وَقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ تفسير : أي: نَعَمْ، والهاءُ للسكْتِ، وأجيبَ: بأنَّ الاسم والخبر محذوفان في قول ابن الزُّبَيْرِ، وبقي المعطوفُ على الاسمِ دليلاً عليه، والتقديرُ: إنَّها وصاحِبُهَا ملعونَانِ، وتقدير البيتِ: إنَّهُ كذلِكَ، وعلى تقدير أَنْ تكون بمعنى "نَعَمْ"، فلا يَصِحُّ هنا جعلُهَا بمعناها؛ لأنها لم يتقدَّمْها شيءٌ تكونُ جواباً له، و"نَعَمْ" لا تقعُ ابتداءَ كلامٍ، إنما تقع جواباً لسؤالٍ، فتكونُ تصديقاً له، ولقائل أن يقول: يجوزُ أن يكُونَ ثَمَّ سُؤالٌ مقدَّرٌ، وقد ذَكرُوا ذلك في مواضِعَ كثيرةٍ منها قوله تعالى: {أية : لاَ أُقْسِمُ} تفسير : [القيامة: 1] {أية : لاَ جَرَمَ} تفسير : [هود: 22]، قالوا: يُحتملُ أن يكونَ ردًّا لقائلِ كَيْتَ وكَيْتَ. الوجه الثالث: أن يكون معطوفاً على الضَّميرِ المستكنِّ في "هَادُوا" أي: هَادُوا هم والصَّابئُونَ، وهذا قول الكسائيِّ، ورَدَّه تلميذُهُ الفرَّاء والزَّجَّاج. قال الزَّجَّاج: "هو خطأٌ من جهتَيْن": إحداهما: أن الصابئ في هذا القولِ يشاركُ اليهوديَّ في اليهوديَّة، وليس كذلك، فإن الصابئ هو غيرُ اليهوديِّ، وإن جُعِلَ "هَادُوا" بمعنى "تَابُوا" من قوله تعالى: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] لا من اليهوديَّة، ويكون المعنى: تابوا هم والصابئون، فالتفسيرُ قد جاء بغير ذلك؛ لأنَّ معنى "الَّذِينَ آمَنُوا" في هذه الآية؛ إنما هو إيمانٌ بأفواهِهِم؛ لأنه يريد به المنافقين؛ لأنه وصفُ الذين آمَنُوا بأفواههمْ ولم تؤمِنْ قلوبُهُمْ، ثم ذكر اليهودَ والنصارى، فقال: مَنْ آمَنَ منهُمْ بالله، فله كذا، فجعَلَهُمْ يهوداً ونصارى، فلو كانوا مؤمنين، لم يحتجْ أنْ يقال: "مَنْ آمَنَ، فَلَهُمْ أجْرُهُمْ"، وأُجِيبَ بأن هذا على أحدِ القولينِ، أعني: أنَّ "الَّذِينَ آمَنُوا" مؤمنُونَ نفاقاً، ورَدَّه أبو البقاء ومكي بن أبي طالبٍ بوجهٍ آخر، وهو عدمُ تأكيدِ الضمير المعْطُوفِ عليه، قال شهاب الدين: هذا لا يلزمُ الكسائيَّ؛ لأنَّ مذهبه عدمُ اشتراطِ ذلك، وإن كان الصحيحُ الاشتراطَ، نعم، يلزم الكسائيَّ من حيث إنه قال بقولٍ تردُّه الدلائلُ الصحيحةُ، والله أعلم، وهذا القولُ قد نقله مكيٌّ عن الفرَّاء، كما نقله غيره عن الكسائيِّ، وردَّ عليه بما تقدَّمَ، فيحتملُ أن يكونَ الفرَّاء كان يوافق الكسائيَّ، ثم رجَع، ويحتمل أن يكون مخالفاً له، ثم رجع إليه، وعلى الجُمْلةِ، فيجوز أن يكونَ له في المَسْألة قولان. الوجه الرابع: أنه مرفوعٌ نسقاً على محلِّ اسم "إنَّ"؛ لأنه قبل دخولها مرفوعٌ بالابتداء، فلمَّا دخلَتْ عليه، لم تُغَيِّر معناه، بل أكدَتْهُ، غايةُ ما في الباب: أنها عَمِلَتْ فيه لفظاً، ولذلك اختصَّتْ هي و"أنَّ" بالفتح، ولكن على رأي بذلك، دون سائر أخواتها؛ لبقاء معنى الابتداء فيها، بخلاف "لَيْتَ ولعلَّ وكَأنَّ"، فإنه خرج إلى التمنِّي والتَّرَجِّي والتشبيه، وأجرى الفراء الباب مُجْرًى واحداً، فأجاز ذلك في لَيْتَ ولعلَّ، وأنشد: [الرجز] شعر : 2013- يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ بِهَا أنِيسُ تفسير : فأتى بـ "أنْتِ"، وهو ضميرُ رفع نسقاً على الياء في "لَيْتَنِي"، وهل يَجْري غيرُ العطْفِ من التوابع مَجْرَاهُ في ذلك؟ فذهَبَ الفرَّاء ويونُسُ إلى جوازِ ذلك، وجعلا منه قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [سبأ: 48] فرفعُ "علاَّم" عندهما على النعْتِ لـ "رَبِّي" على المحلِّ، وحكوا "إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ"، وغلَّط سيبويه مَنْ قال من العرب: "إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ"، فقال: "واعلمْ أنَّ قوماً من العرب يَغْلطُونَ فيقولونَ: إنَّهُمْ أجْمَعُونَ ذَاهِبُونَ"، وأخذ الناس عليه في ذلك من حيْثُ إنه غَلَّط أهْلَ اللسان، وهم الواضعُون أو المتلقُّون من الواضعِ، وأجيبَ بأنهم بالنسبة إلى عامَّة العرب غالطُونَ، وفي الجملة: فالناسُ قد رَدُّوا هذا المَذهبَ، أعني: جواز الرفع عطفاً على محلِّ اسم "إنَّ" مطلقاً، أعني قبل الخبر وبعده، خَفِيَ إعرابُ الاسم أو ظهر، ونقل بعضهم الإجماع على جوازِ الرفْعِ على المحلِّ بعد الخبر، وليس بَشْيء، وفي الجملة: ففي المسألةِ أربعةُ مذاهبَ: مذهبُ المحقِّقين: المنعُ مطلقاً، ومذهبُ بعضهم: التفصيلُ قبل الخَبَر؛ فيمتنعُ، وبعده؛ فيجوز، ومذهب الفراء: إنْ خَفِيَ إعرابُ الاسمِ، جاز ذلك؛ لزوال الكراهية اللفظية، وحُكِيَ من كلامهم: "إنَّكَ وَزَيْد ذَاهِبَانِ"، الرابع: مذهب الكسائيِّ: وهو الجوازُ مطلقاً؛ ويستدلُّ بظاهر قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} الآية، وبقول ضَابِىءٍ البُرْجُمِيِّ: [الطويل] شعر : 2014- فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدينةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ تفسير : وبقوله: [البسيط] شعر : 2015- يَا لَيْتَنَا وَهُمَا نَخْلُو بِمَنْزِلَةٍ حَتَّى يَرَى بعْضُنَا بَعْضاً وَنَأتَلِفُ تفسير : وبقوله: [الوافر] شعر : 2016- وَإلاَّ فاعْلَمُوا أنَّا وأنْتُمْ ................... تفسير : وبقوله: [الرجز] شعر : 2017- يَا لَيْتَنِي وأنْتِ يَا لَمِيسُ تفسير : وبقولهم: "إنَّكَ وَزَيْدٌ ذَاهِبَانِ"، وكلُّ هذه تَصْلُحُ أن تكونَ دليلاً للكسائيِّ والفراء معاً، وينبغي أن يُوردَ الكسائيُّ دليلاً على جوازِ ذلك مع ظهور إعراب الاسم؛ نحو: "إنَّ زَيْداً وعَمْرو قائِمَانِ"، وردَّ الزمخشريُّ الرفع على المحلِّ؛ فقال: "فإنْ قلتَ: هلاَّ زَعَمْتَ أن ارتفاعه للعطْفِ على محَلِّ "إنَّ" واسمها، قلتُ: لا يَصِحُّ ذلك قبل الفراغ من الخَبَرِ، لا تقول: "إنَّ زَيْداً وعمرٌو مُنْطَلِقَانِ"، فإنْ قلتَ: لِمَ لا يَصِحُّ والنيةُ به التأخيرُ، وكأنك قلتَ: إنَّ زَيْداً مُنْطلقٌ وعمرٌو؟ قلتُ: لأني إذا رفعته رفعتُه على محلِّ "إنَّ" واسمها، والعاملُ في محلِّهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العاملَ في الخَبَرِ؛ لأنَّ الابتداء ينتظم الجزأيْنِ في عمله، كما تنتظِمُها "إنَّ" في عملها، فلو رَفَعْتَ "الصَّابِئُونَ" المنويَّ به التأخيرُ بالابتداء، وقد رفعت الخبر بـ "إنَّ"، لأعْمَلْتَ فيهما رافعيْن مختلفين"، وهو واضحٌ فيما رَدَّ به، إلاَّ أنه يُفْهِمُ كلامُه أنه يُجيزُ ذلك بعد استكمال الخَبَر، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم نقل الاجماع على جوازه. وضعَّف ابنُ الخطيب ما قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، قال: هذا الكلام ضَعِيفٌ وبَيَانُه من وجوه: الأوَّل: أنَّ هذه الأشْيَاء التي يُسَمِّيها النَّحْويُّونَ: رَافِعَةً وناصبةً، ليس معناهُ أنَّهَا كذلك لذَوَاتها ولأعْيَانِها، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، بل المراد أنَّهُمَا مُعَرَّفانِ بحسَبِ الوضْعِ والاصْطِلاَح لهذه الحركات، واجْتِمَاع المُعَرَّفَات الكَثيرَة على الشَّيْءِ والوَاحِدِ غير مُحَالٍ، ألا ترى أنَّ جَمِيع أجْزَاء المُحْدَثَاتِ دَالَّةٌ على وُجُودِ اللَّه تعالى؟ الثاني: أنَّ هذا الجواب بناءٌ على أنَّ كلمة "إنَّ" مُؤثِّرة في نَصْبِ الاسْم ورفْعِ الخبر، والكُوفِيُّونَ يُنْكِرون ذلك، ويقولون: لا تَأثِير لهذا الحَرْفِ في رَفْعِ الخَبَرِ ألْبَتَّةً. الثالث: أنَّ الأشْيَاء الكَثِيرة إذا عُطِفَتْ بَعْضُهَا على بَعْض، فالخَبَرُ الوَاحِدُ لا يكُونُ خَبَراً عنهم؛ لأنَّ الخبر عن الشَّيْءِ إخبارٌ عن تَعْريف حالِهِ وبيان صِفَتِهِ، ومن المُحَال أن يكون حالُ الشَّيء وَصِفَتُهُ عينُ حَالِ الآخَرِ وعيْنُ صفتِهِ، لامتناع قيام الصِّفة الواحدة للذَّوات المُخْتَلِفَة، وإذا ثَبَتَ هذا ظهر أنَّ الخَبَر، وإنْ كان في اللَّفْظِ واحِداً، لكنَّه في التقدير مُتَعَدِّدٌ، وإذا حصل التَّعَدُّدُ في الحقيقةِ، لم يمتنع كَوْنُ البَعْضِ مرتَفِعاً بالخَبَر، وبَعْض بالابْتِدَاء بهذا التَّقْدير، ولم يلزم اجْتِمَاعُ الرَّافِعَيْن على مَرْفُوعٍ واحدٍ. والذي يُحَقِّقُ ذلك أنَّهُ سَلَّم أنَّ بعد ذِكْرِ الاسْمِ وخَبَرهِ جَازَ الرَّفْعُ والنَّصْبُ في المَعْطُوفِ عليه، ولا شكَّ أنَّ هذا المَعْطُوفَ إنَّما جَازَ ذَلِكَ فيه؛ لأنَّا نُضْمِرُ له خَبَراً، وحَكَمْنَا بأنَّ ذلك الخَبَرَ المُضْمَر مُرْتَفِعٌ بالابْتِدَاء. وإذا ثَبَت هذا فَنَقُول: إن قبل ذكر الخبر إذا عَطَفْنَا اسماً على اسم، حكم صَريح العَقْل، بأنَّهُ لا بُدَّ من الحُكْمِ بتقدير الخَبَرِ، وذلك إنَّما يحصل بإضمار الأخْبَار الكَثِيرَة، وعلى هذا التقديرِ يَسْقُطُ ما ذكر من الإلْزَام. الوجه الخامس: قال الواحديُّ: "وفي الآية قولٌ رابعٌ لهشام بن معاوية: وهو أنْ تُضْمِرَ خبرَ "إنَّ"، وتبتدىء "الصَّابِئُونَ"، والتقدير: "إنَّ الذينَ آمَنُوا والذين هَادُوا يُرْحَمُونُ" على قولِ من يقولُ: إنَّهم مسْلِمُونَ، و"يُعَذَّبُونَ" على قولِ من يقول: إنهم كفَّار، فيُحْذَفُ الخبرُ؛ إذ عُرِف موضِعُه؛ كما حُذِف من قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ} تفسير : [فصلت: 41]، أي: يُعَاقَبُونَ" ثم قال الواحديُّ: وهذا القولُ قريبٌ من قولِ البصريِّينَ، غيرَ أنَّهم يُضْمِرُون خبر الابتداءِ، ويجعلُونَ "مَنْ آمَنَ" خبرَ "إنَّ"، وهذا على العكْسِ من ذلك؛ لأنه جعل "مَنْ آمنَ" خبر الابتداء، وحذفَ خبرَ "إنَّ"، قال شهاب الدين: هو كما قال، وقد نَبَّهْت على ذلك في قَوْلِي أولاً: إنَّ مِنْهُم مَنْ يُقَدِّر الحذف من الأوَّلِ، ومنهم مَنْ يَعْكِسُ. الوجه السادس: أنَّ "الصَّابِئُونَ" مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ؛ كمذهب سيبويه والخليلِ، إلا أنه لا يُنْوى بهذا المبتدأ التأخيرُ، فالفرقُ بينه وبين مذهب سيبويه نيةُ التأخيرِ وعدمُها، قال أبو البقاء: "وهو ضعيفٌ أيضاً؛ لما فيه من لزومِ الحذْفِ والفصلِ"، أي: لِما يلزمُ من الجَمْع بين الحذفِ والفَصْلِ، ولا يَعْنِي بذلك؛ أنَّ المكان من مواضع الحذف اللازمِ؛ لأنَّ القرآن يلزمُ أنْ يُتْلَى على ما أُنْزِلَ، وإنْ كان ذلك المكان في غيره يجوزُ فيه الذكرُ والحذفُ. الوجه السابع: أنَّ "الصَّابِئُونَ" منصوبٌ، وإنما جاء على لغةِ بني الحرثِ وغيرهمُ الذين يَجْعَلون المثنَّى بالألفِ في كل حال؛ نحو: "رأيْتُ الزَّيْدَانِ، ومَرَرْتُ بالزَّيْدَانِ" نقل ذلك مكي بن أبي طالب وأبو البقاء، وكأنَّ شبهةَ هذا القائلِ على ضَعْفِها؛ أنه رأى الألف علامةَ رفعِ المثنَّى، وقد جُعِلَتْ في هذه اللغةِ نائبةً رفعاً ونصباً وجرًّا، وكذا الواو هي علامةُ رفعِ المجموعِ سلامةً، فيبقى في حالةِ النصْب والجرِّ؛ كما بَقِيت الألفُ، وهذا ضعيفٌ، بل فَاسدٌ. الوجه الثامن: أنَّ علامةَ النصب في "الصَّابِئُونَ" فتحةُ النون، والنونُ حرفُ الإعراب، كهي في "الزَّيْتُونِ" و"عُرْبُونٍ"، قال أبو البقاء: "فإنْ قيلَ: إنما أجاز أبو عليٍّ ذلك مع الياءِ، لا مع الواوِ، قيل: قد أجازه غيرُه، والقياسُ لا يدفعُهُ"، قال شهاب الدين: يشير إلى مسألة، وهو: أن الفارسيَّ أجازَ في بعضِ جموعِ السَّلامة، وهي ما جَرَتْ مجرى المكسَّرِ كَبنينَ وسِنينَ؛ أن يَحُلَّ الإعرابُ نونها؛ بشرطِ أن يكونَ ذلك مع الياءِ خاصَّةً دونَ الواوِ، فيقال: "جاءَ البَنِينُ"؛ قال: [الوافر] شعر : 2018- وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَلِيٌّ أباً بَرًّا ونَحْنُ لَهُ بَنِينُ تفسير : وفي الحديث: "حديث : اللَّهُمَّ، اجْعَلْهَا عَلَيهِمْ سِنيناً كَسِنين يُوسُفَ"تفسير : ؛ وقال: [الطويل] شعر : 2019- دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سنينَهُ لَعِبْنَ بِنَا شِيباً وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا تفسير : فأثْبَتَ النونَ في الإضافةِ، فلمَّا جاءت هذه القراءةُ؛ ووجِّهتْ بأن علامة النصب فتحةُ النونِ، وكانَ المشْهُورُ بهذا القولِ إنما هو الفارسيُّ، سأل أبو البقاء هذه المسألة، وأجاب بأنَّ غيره يُجيزُهُ حتَّى مع الواو، وجعل أنَّ القياسَ لا يأباه، قال شهاب الدين: القياسُ يأباه، والفرقُ بين حال كونه بالياء وبين كونه بالواوِ ظاهرٌ قد حَقَّقْته في "شَرْحِ التَّسْهِيلِ"، نعم، إذا سُمِّي بجمعِ المذكرِ السالمِ، جاز فيه خمسةُ أوجه: أحدها: أنْ يُعْرَبَ بالحركاتِ مع الواوِ، ويصيرَ نظيرَ "الذون"، فيقال: "جَاءَ الزَّيْدُونُ ورَأيْتُ الزَّيْدُونَ ومَرَرْتُ بالزَّيْدُونِ"، كـ "جَاءَ الذُونُ ورَأيْتُ الذونَ ومَرَرْتُ بالذونِ"، هذا إذا سُمِّيَ به، أمَّا ما دام جمعاً، فلا أحْفَظُ فيه ما ذكره أبو البقاءِ، ومن أثْبَتَ حجةٌ على مَنْ نَفَى، لا سيما مع تقدُّمِه في العلمِ والزمان. الوجه التاسع: قال مكيٌّ: "وإنما رفع "الصَّابِئُونَ"؛ لأن "إنَّ" لم يظهر لها عملٌ في "الَّذينَ" فبقي المعطوفُ على رفعه الأصليِّ قبل دخول "إنَّ" على الجملة"، قلت: وهذا هو بعينه مذهَبُ الفراء، أعني: أنه يجيز العطف على محلِّ اسم "إنَّ" إذا لم يظهر فيه إعرابٌ، إلا أن عبارة مَكيٍّ لا توافق هذا ظاهراً. قال ابنُ الخطيبِ مُعَلِّلاً قول الفرَّاء: أن "إنَّ" ضعيفةٌ في العَمَلِ هاهنا، وبيانُهُ مِنْ وجوه: الأوَّلُ: أنَّ كلمة "إنَّ" لم تَعْمَلْ إلاَّ لكوْنِهَا مُشابِهَة للفِعْل، ومعلُومٌ أنَّ المشابَهَة بين الفِعْلِ والحَرْفِ ضَعِيفَةٌ. الثاني: أنَّها، وإن كانَت تَعْمَل في الاسمِ فقط، أمَّا الخَبَر، فإنَّه يبقى مَرْفُوعاً، لِكَوْنِه خَبَرَ المُبْتَدَأ، وليس لهذا الحرف في رَفْعٍ الخَبَرِ تَأثيرٌ، وهذا مَذْهَبُ الكُوفيِّين. والثالث: أنَّهَا إنما يَظْهَرُ أثَرُهَا في تَغْيير الأسْمَاءِ أمَّا الأسماءُ الَّتِي لا تَتَغيَّرُ عند اختلافِ العوامل، فلا يظهر أثَرُ هذا الحرف فيها، والأمر هاهُنا كذلك؛ لأنَّ الاسمَ هاهُنَا هو قوله "الَّذِين" وهذه الكَلِمَةُ لا يظهر فيها أثَرُ النَّصْبِ والرَّفْعِ والخَفْضِ. وَإذا ثبت هذا فَنَقُولُ: إذَا كان اسم "إنَّ" بحيث لا يَظْهَرُ فيه أثَرُ الإعراب، فالَّذِي يُعْطَفُ عليه يجُوز النَّصْبُ فيه على إعْمَال هذا الحَرْفِ، والرَّفْعُ على إسْقَاطِ عَمَلِه، فلا يَجُوز أن يُقَال: "إنَّ زيداً وعَمْراً قَائِمَان" لأنَّ زيْداً ظهر فِيهَا أثَرُ الإعراب، ويجُوزُ أن يُقَال: "إنَّ هؤلاءِ إخْوتكَ يُكْرِمُونَنَا، وإنَّ قَطَامَ وهِنْد عِنْدنَا" والسَّبَبُ في جَوَازِ ذلك أنَّ كَلِمَة "إنَّ" كانَتْ في الأصْلِ ضعيفَةُ العَمَل، فإذَا صارت بِحَيْثُ لا يَظْهَرُ لَهَا أثَرٌ في اسمهَا صَارَتْ في غاية الضَّعفِ، فجاز الرَّفعُ بِمُقْتَضَى الحُكْم الثَّابِتِ قبل دخول هذا الحَرْفِ عليه، وهو كَونُهُ مُبْتَدأ، فهذا تَقْرِير قول الفرَّاء، وهو مَذْهَبٌ حَسَنٌ، وأولى من مذهَبِ البصْرِيِّين؛ لأن الَّذي قالوه يَقْتَضِي أنَّ كلام الله على التَّرْتِيب الَّذِي وردَ عليه ليس بصحيح، وإنَّمَا تَحصُل الصِّحَّة عند تَفْكيكِ هذا النَّظْمِ، وعلى قوْلِ الفرَّاءِ فلا حاجَةَ إليه، فكَانَ ذلك أوْلَى. وقرأ أبيُّ بن كعْبٍ، وعثمان بنُ عفان، وعائشةُ، والجحْدَرِيُّ وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، وجماعة: "والصَّابئينَ" بالياء، ونقلها صاحب "الكَشَّاف" عن ابن كثيرٍ، وهذا غير مشهُور عنه، وهذه القراءةُ واضحةُ التخريج؛ عطفاً على لفظِ اسْم "إنَّ"، وإن كان فيها مخالفةٌ لسوادِ المصْحَفِ، فيه مخالفةٌ يسيرةٌ، ولها نظائرُ كقراءة قُنْبُلٍ عن ابن كثيرٍ: {سراط} [الفاتحة: 7] وبابه بالسين، وكقراءة حمزة إيَّاهُ في روايةٍ بالزَّاي، وهو مرسومٌ بالصَّاد في سائر المصاحِف، ونحو قراءة الجميع: {إيلافهم} [قريش: 2] بالياء، والرسم بدونها في الجميعِ، وقرأ الحسن البصريُّ والزهريُّ: "والصَّابيُون" بكسر الباء بعدها ياءٌ خالصة، وهو تخفيف للهمزة، كقراءة من قرأ: "يستهزيون" [الأنعام: 5] بخلوص الياء، وقد تقدَّم قراءة نافعٍ في البقرة [الآية 62]. وأما "النَّصَارى"، فهو منصوب عطْفاً على لفظ اسمِ "إنَّ"، ولا حاجة إلى ادِّعاء كونه مرفوعاً على ما رفع به "الصابئُونَ"؛ لكلفةِ ذلك. قوله تعالى: "مَنْ آمَنَ" يجوز في "مَنْ" وجهان: أحدهما: أنها شرطيةٌ، وقوله: "فلا خَوْفٌ" إلى آخره جوابُ الشرط، وعلى هذا فـ "آمَنَ" في محل جزمٍ بالشرط، و"فلا خَوْفٌ" في محلِّ جزمٍ بكونه جوابه، والفاءُ لازمةٌ. والثاني: أن تكون موصولةً والخبر "فلا خوفٌ"، ودخلت الفاءُ لشبهِ المبتدأ بالشرطِ، فـ "آمَنَ" على هذا لا محلَّ له؛ لوقوعه صلةً، و"فَلا خَوفٌ" محلُّه الرفعُ لوقوعه خبراً، والفاءُ جائزةُ الدخولِ، لو كان في غير القرآن، وعلى هذين الوجهين، فمحلُّ "مَنْ" رفعٌ بالابتداء، ويجوز على كونها موصولةً: أن تكون في محلِّ نصب بدلاً من اسم "إنَّ" وما عُطِف عليه، أو تكون بدلاً من المعطوفِ فقط، وهذا على الخلافِ في "الَّذِينَ آمَنُوا": هل المرادُ بهم المؤمنونَ حقيقةً، أو المؤمنونَ نِفَاقاً؟ وعلى كلِّ تقدير من التقادير المتقدِّمة، فالعائدُ من هذه الجملة على "مَنْ" محذوفٌ، تقديرُه: "مَنْ آمن مِنْهُمْ"؛ كما صَرَّح به في موضعٍ آخر، وتقدَّم إعرابُ باقي الجُمْلَةِ فيما مَضَى. فصل في معنى الآية معنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، أي: باللِّسَان وقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ} بالقَلْبِ، وعلى هذا فالمُرَادُ بِهِم: المنافقون، وقيل: إنَّ الذين على حقيقةِ الإيمان {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ} أي: ثبتَ على الإيمان باللَّه واليومِ الآخر وعمل صالحاً فلا خَوْفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنُون. ولهذا التكرير فائدتان: الأولى: أن المُنَافِقِين كانوا يَزْعُمُون أنَّهُم مُؤمِنُون، فأخْرَجَهُمْ بهذا التكرير عن [وعد] عدمِ الخَوْف، وعدمِ الحزن. والثاني: أنَّهُ تعالى ذكر لَفْظَ الإيمان، والإيمانُ يدخل تحته أقسامٌ: فأشرُفها: الإيمان باللَّهِ واليوم الآخر، فكرره تنبيهاً على أنَّ هذيْنِ القسمَيْن أشْرَف أقْسَام الإيمان. وقد تقدَّمَ في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [المائدة: 35] كلامٌ يناسب هذا الموضع. واعلم أنَّه لما بَيَّنَ أن أهل الكِتاب ليسُوا على شَيء ما لم يُؤمِنُوا بيَّن أنَّ هذا الحُكْمَ عامٌّ في الكُلِّ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ لأحدٍ فضيلة إلاَّ إذا آمَنَ باللَّهِ واليَوْمِ الآخَرِ، وعَمِلَ صَالِحاً. قالت المُعَتزِلَة: إنَّه تعالى شرَطَ عدمَ الخَوْفِ والحُزْن بالإيمان والعَمَلِ الصَّالح، والمشروط بالشَّيء عدم عند عدمِ الشَّرْطِ، فإنْ لم يَأتِ مع الإيمان بالعملِ الصَّالِح، فإنَّهُ يحصل له الخَوْفُ والحزن، وذلكَ يَمْنَعُ من العَفْوِ عن صاحبِ الكَبيرَة. والجواب: أنَّ صاحِبَ الكَبيرَةِ لا يقطعُ بأنَّ الله يَعْفُو عنه لا مَحَالَة، فكان الخَوْفُ والحزن حاصِلاً قبل إظهَارِ العَفْو والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلام مستأنَفٌ مسوق لترغيب مَنْ عدا المذكورين في الإيمان والعمل الصالح أي الذين آمنوا بألسنتهم فقط وهم المنافقون، وقيل: أعمُّ من أن يُواطِئَها قلوبُهم أو لا {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي دخلوا في اليهودية {وَٱلصَّـٰبِئُونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} جمعُ نَصْرانَ وقد مر تفصيله في سورة البقرة، وقوله تعالى: {وَٱلصَّـٰبِئُونَ} رفع على الابتداء وخبرُه محذوف والنيةُ به التأخرُ عما في حيّز إنّ والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمُهم كيتَ وكيتَ والصابئون كذلك كقوله: [الطويل] شعر : فإني وقيارٌ بها لغريبُ تفسير : وقــولــه: [الوافر] شعر : وإلا فاعلموا أَنّا وأنتم بُغاةٌ ما بقِينا في شقاق تفسير : خلا أنه وسَطٌ بـين اسْمِ إن وخبرِها دلالةً على أن الصابئين ـ مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلِّها حيث قُبلت توبتُهم ـ إن صحَّ منهم الإيمانُ والعملُ الصالح، فغيرُهم أولى بذلك، وقيل: الجملة الآتية خبرٌ للمبتدأ المذكور، وخبرُ إن مقدر كما في قوله: [المنسرح] شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأْيُ مختلِفُ تفسير : وقيل: (النصارى) مرفوعٌ على الابتداء كقوله تعالى: {وَٱلصَّـٰبِئُونَ}، عطفاً عليه وهو مع خبره عطفٌ على الجملة المصدَّرة بإن ولا مَساغَ لعطفه وحده على محل إن واسمها لاشتراط ذلك بالفراغ عن الخبر وإلا لارتفع الخبر بإن والابتداء معاً، واعتُذر عنه بأن ذلك إذا كان المذكورُ خبراً لهما، وأما إذا كان خبرُ المعطوف محذوفاً فلا محذورَ فيه ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل، ولاستلزامه كونَ الصابئين هُوداً، وقرىء (والصابـيون) بـياء صريحةٍ بتخفيف الهمزة، وقرىء (والصابون) وهو من صبا يصبو لأنهم صبَوْا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم، وقرىء(والصابئين)، وقرىء يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، وقوله تعالى: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} إما في محل الرفع على أنه مبتدأ خبره {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفرادَ ما في صلته باعتبار لفظه، والجملة خبر إن والعائد إلى اسمها محذوف، أي من آمن منهم، وإما في محل النصب على أنه بدل من اسم إن وما عُطف عليه، والخبر قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ} والفاء كما في قوله عز وعلا: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } تفسير : [البروج، الآية: 10] الآية، فالمعنى على تقديم كون المراد بالذين آمنوا المنافقين وهو الأظهر أي من أحدث من هذه الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ والمَعادِ على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإن ذلك بمعزل من أن يكون إيماناً بهما، وعمل عملاً صالحاً حسبما يقتضيه الإيمانُ بهما فلا خوف عليهم حين يخاف الكفارُ العقابَ ولا هم يحزنون حيث يحزن المقصرون على تضيـيع العمر وتفويت الثواب، والمراد بـيانُ دوام انتفائهما لا بـيانُ انتفاء دوامهما كما يوهمُه كونُ الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما مر مراراً لأن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا مطلقَ المتدينين بدين الإسلام المخلِصين منهم والمنافقين، فالمرادُ بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بالمبدأ والمَعادِ على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه كما هو شأن المخلصين أو بطريق إحداثه وإنشائه كما هو حالُ من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف، وفائدةُ التعميم للمخلصين المبالغةُ في ترغيب الباقين في الإيمان ببـيان أن تأخرهم في الاتصاف به غيرُ مُخلَ بكونهم أسوةً لأولئك الأقدمين الأعلام، وأما ما قيل: المعنى من كان منهم في دينه قبل أن يُنسَخَ مصدِّقاً بقلبه بالمبدأ أو المعاد عاملاً بمقتضىٰ شرعه فمما لا سبـيل إليه أصلاً كما مر تفصيله في سورة البقرة.
القشيري
تفسير : بَيَّنَ أنهم - وإنْ تجنَّسَتْ أحوالهم - فبعدما تجمعهم أصولُ التوحيد فلهم الأمانُ من الوعيد، والفوزُ بالمزيد.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن الذين آمنوا} اى بألسنتهم فقط وهم المنافقون {والذين هادوا} اى دخلوا فى اليهودية {والصابئون} اى الذين صبت قلوبهم ومالت الى الجهل وهم صنف من النصارى يقال لهم السائحون يحلقون اوساط رؤسهم وقد سبق فى سورة البقرة {والنصارى} جمع نصران وهو معطوف على الذين هادوا. وقوله والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والجملة معطوفة على جملة قوله {ان الذين آمنوا} الخ والتقدير ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك وانما لم يعطف على ما قبله جعل مع خبره المحذوف جملة مستقلة اتى بها فى خلال الجملة الاولى على نية التأخير للدلالة على ان الصابئين مع كونهم اشد الفرق المذكورين فى هذه الآية ضلالا اذا قبل توبتهم وغفر ذنوبهم على تقدير الايمان الصحيح والعمل الصالح فقبول توبة باقى الفرق اولى واحرى {من آمن بالله واليوم الآخر} اى من احدث من هذه الطوائف ايمانا خالصا بالمبدأ والمعاد {وعمل صالحا} حسبما يقتضيه الايمان بهما. قوله من فى محل الرفع بالابتداء وخبره فلا خوف الخ والجملة خبر ان {فلا خوف عليهم} حين يخاف الكفار العقاب {ولا هم يحزنون} حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما لا بيان انتفاء دوامهما. قال الحدادى فى تفسيره اما نفى الحزن عن المؤمنين ههنا فقد ذهب بعض المفسرين الى انه لا يكون عليهم حزن فى الآخرة ولا خوف ونظيره قوله تعالى {أية : تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا} تفسير : [فصلت: 30]. وقال بعضهم ان المؤمنين يخافون ويحزنون لقوله تعالى {أية : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} تفسير : [الحج: 2]. وقوله {أية : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه} تفسير : [عبس: 34-35]. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة" فقالت عائشة واسوءتاه فقال صلى الله تعالى عليه وسلم "اما سمعت قول الله تعالى لكل امرىء منهم يومئذ شان يغنيه"" تفسير : قالوا وانما نفى الله تعالى فى هذه الآية الحزن عن المؤمنين لان حزنهم لما كان فى معرض الزوال ولم يكن له بقاء معهم لم يعتد بذلك انتهى: وفى المثنوى شعر : هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترشنده راساكن كنند لاتخافوا هست نزل خائفان هست درخور از براى خائف آن آنكه خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست او محتاج درس تفسير : واعلم ان اولياء الله لا خوف عليهم فيما لا يكون على شىء لانهم يقيمون القرآن عملا بالظاهر والباطن ولا هم يحزنون على ما يقاسون من شدائد الرياضات والمجاهدات ومخالفات النفس فى ترك الدنيا وقمع الهوى ولا على ما اصابهم من البلاء والمحن والمصيبات والآفات لانهم تخلصوا من التقليد وفازوا بالتحقيق وارتفع عنهم تعب التكاليف فهم مع الله فى جميع احوالهم فعلى المؤمن معالجة مرضه القلبى من الاوصاف الرذيلة والتخلص من النفاق واللحاق باهل الاتفاق. قال ابراهيم الخواص قدس سره دواء القلب خمسة. قراءة القرآن بالتدبر. وخلاء البطن. وقيام الليل والتضرع. الى الله عند السحر. ومجالسة الصالحين. قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائى قدس سره ونحن نقول المصلح فى الحقيقة هو الله ولكن اشد الاشياء تأثيرا هو الذكر قال الله تعالى {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تفسير : [الرعد: 28]. قال على رضى الله عنه [يأتى على الناس زمان لا يبقى من الاسلام الا اسمه ولا من القرآن الا رسمه يعمرون مساجدهم وهى خراب من ذكر الله شر اهل ذلك الزمان علماؤهم منهم تخرج الفتنة واليهم تعود]: قال السعدى شعر : علم جند انكه بيشتر خوانى جون عمل در تونيست نادانى نه محقق بود نه دانشمند جاربايى برو كتابى جند آن تهى مغزرا جه علم وخبر كه بروهيز مست ويا دفتر تفسير : واعلم ان زبدة العلوم هى العلم بالله وما سواه فمن محسناته ومن علم فهو كامل فى نفسه الا ان العمل هو المقصود ومجرد القراءة لا يغنى شيئاً ولا يجلب نفعا لمن صاحب رفيق التوفيق.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {والصابئون}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون كذلك. انظر البيضاوي وابن هشام. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم {والذين هادوا والصابئون}: قوم بين النصارى والمجوس، أو عباد الكواكب، أو قوم بقوا على دين نوح ـ عليه السلام ـ {والنصارى}: قوم عيسى، {من آمن} منه {بالله} إيمانًا حقيقيًا؛ بلا شرك ولا تفريق، وآمن باليوم الآخر، {وعمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}، قال ابن عباس: نسخها: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } تفسير : [آل عِمرَان:85]، وقيل: إن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانًا صحيحًا فله أجره، فيكون في حق المؤمنين: الثبات عليه إلى الموت، وفي حق غيرهم: الدخول في الإسلام، فلا نسخ. وقيل: إنها فيمن كان قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا نسخ أيضًا. قاله ابن جزي. الإشارة: الذي طلب الله من العباد ورغبهم في تحصيله، وجعله سببًا للنجاة من كل هول في الدنيا والآخرة ثلاثة أمور: أحدها: تحقيق الإيمان بالله، والترقي فيه إلى محل شهود المعبود، والثاني: تحقيق الإيمان بالبعث وما بعده، حتى يكون نصب عينيه، ويقربه كأنه واقع يشاهده؛ إذ كل آت قريب. والثالث: إتقان العمل إظهارًا للعبودية، وتعظيمًا لكمال الربوبية، على قدر الاستطاعة من غير تفريط ولا إفراط، وبالله التوفيق. ثم خصّ اليهود بالعتاب لعظم جرأتهم، فقال: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أن الذين صدقوا الله وأقروا بنبوة نبيه (صلى الله عليه وسلم) {والذين هادوا} يعني الذين اعتقدوا اليهودية ونبوة موسى، وتأييد شرعه {والصابئون} وهو جمع صابئ، وهو الخارج عن دين عليه امَّة عظيمة من الناس الى ما عليه فرقة قليلة، وهم عباد الكواكب. وعندنا لا يؤخذ منهم الجزية. وعند المخالفين يجرون مجرى أهل الكتاب وصبأ ناب البعير وسن الصبي إِذا خرج. وضبأ - بالضاد المعجمة - معناه اختبأ في الأرض، ومنه اشتق ضابي البرجمي. و {النصارى} وهم الذين يقرون بالمسيح (ع) وقوله: {من آمن بالله} قيل فيه قولان: أحدهما - يعني الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم المنافقون ذكره الزجاج. الثاني - من دام على الايمان والاخلاص ولم يرتد عن الاسلام. وقيل في معنى رفع الصابئين ثلاثة أقوال: أحدها - قال سيبويه: إِنه على التقديم والتأخير والتقدير: ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصابئون كذلك. قال الشاعر: شعر : وإِلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق تفسير : والمعنى فاعلموا انا بغاة ما بقينا في شقاق وأنتم كذلك. وقال ضابئ البرجمي: شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فاني وقياربها لغريب تفسير : والثاني - قال الكسائي هو عطف على الضمير في {هادوا} وكأنه قال هادوا هم والصابئون. قال الرماني هذا غلط من وجهين: أحدهما ان الصابئ لا يشارك اليهود في اليهودية. والآخر أنه عطف على الضمير المتصل من غير تأكيد بالمنفصل. والثالث قال الفراء: إِنه عطف على ما لا يتبين فيه الاعراب وهو {الذين} ويجوز النسق على مثل {الذين} وعلى المضمر نحو اني وزيد قائمان، فعطف على موضع {أن}. وقوله {وعمل صالحاً} فالعمل والفعل واحد. وقال الرماني: فعل الشئ إِحداثه وايجاده بعد أن لم يكن وعمله إِحداث ما يكون به متغيراًَ سواء كان إِحداثه نفسه أو احداث حادث فيه. وقوله تعالى {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} مع ما يمر بهم من أجل يوم القيامة لأمرين: أحدهما - أن ذلك لا يعتد به لأنه عارض، ثم يصيرون الى النعيم الدائم. ومنه قوله {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر }تفسير : وهو عذاب النار كما يقال للمريض لا بأس عليك. الثاني أن أهوال يوم القيامة إِنما تنال الضالين دون المؤمنون. والأول أقوى لعموم قوله: { أية : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } تفسير : وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم)أن الناس يلجمهم العرق. وانهم يحشرون حفاة عراة عزلا، فقالت عائشة لا يحتشمون من ذلك، فقال (صلى الله عليه وسلم): {أية : لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} تفسير : فأما قوله {من آمن بالله} وقد ذكر الذين آمنوا، فلأن المعني بالذين آمنوا ها هنا - في قول الزجاج - المنافقون بدلالة قوله {أية : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم }تفسير : والتقدير من آمن منهم. وقال قوم: من آمن يرجع الى من عدا الذين آمنوا وحمل {الذين آمنوا} على ظاهره من حقيقة الايمان. ومنهم من قال: يرجع الى الجميع ويكون المعنى في {من آمن} من يستديم على الايمان ويستمر عليه. وقد استوفينا ما يتعلق بذلك في سورة البقرة.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمّد (ص) بقبول الدّعوة الظّاهرة وبالبيعة العامّة النّبويّة {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ} عطف على محلّ اسم انّ على ضعف او على محلّ ان واسمها {وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ} بقبول الدّعوة الباطنة والبيعة مع علىّ (ع) بالبيعة الخاصّة الولويّة ودخول الايمان فى قلوبهم، فانّ به فتح باب القلب، وبفتحه رفع الخوف والحزن والايقان باليوم الآخر، وبه يعمل العمل الصّالح {بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً} الاعمال المرتبطة بالايمان الدّاخل فى القلب الّذى هو اصل كلّ صالح، وغيره بتوسّطه يصير صالحاً {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} لانّ الخوف والحزن من صفات النّفس وهؤلاء قد خرجوا من دار النّفس ودخلوا فى حدود دار القلب فتبدّل خوفهم خشيةً وحزنهم قبضاً، ولا ينافى هذا ما ورد كثيراً من نسبة الخوف والحزن الى المؤمن الخاصّ فى الآيات والاخبار، لانّ اطلاق الخوف والحزن على ما للمؤمن الخاصّ انّما هو باعتبار معناهما العامّ وقد عدّ الفرح من جنود العقل والحزن من جنود الجهل، وما ورد من انّ المؤمن خوفه ورجاءه متساويان ككفّتى الميزان فانّما يراد بالخوف معناه الاعمّ، وورد انّ المراد نفى الخوف والحزن فى الآخرة.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {إن الذين آمنوا} يعني صدقوا واستقاموا على الدين، وقيل: المراد به الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم المنافقون، وقيل: من آمن أي داوم على الايمان والاخلاص {والذين هادوا} اليهود {والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} {لقد أخذنا ميثاق بني اسرائيل} بالتوحيد {وأرسلنا إليهم رسلاً كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم} بما يخالف أهواءهم {فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون وحسبوا الاَّ تكون فتنة} يعني حسب بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله فتنة أي بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة {فعموا} عن الدين {وصموا} حين عبدوا العجل ثم تابوا عن ذلك فتاب الله عليهم {ثم عموا وصموا} مرة ثانية بطلبهم المحال في صفات الله سبحانه وهو الرؤية، قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله} الآية وهذا احتجاج على النصارى أنه من يشرك بالله في عبادته وفيما هو مختص به من صفاته ومن أفعاله فقد حرم الله عليه الجنة التي هي دار الموحدين أي حرمه دخلوها ومنعه منها كالمنع من المحرم عليه {ومأواه النار} أي مصيره {وما للظالمين من أنصار} من معين ينجيهم من عذاب الله تعالى، قال جار الله: هذا من كلام الله تعالى على أنهم ظلموا أنفسهم وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولون على عيسى (عليه السلام)، فلذلك لم يساعدهم عليه وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين، أو من قول عيسى (عليه السلام) على معنى ولا ينصركم أحد فيما تقولون عليَّ ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن المعقول أو ولا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أي أحد ثلاثة قيل: هؤلاء صنف آخر، وقيل: هو جمهوراً لفرق الملائكة والنسطورية واليعقوبية لأنهم يقولون ثلاثة أقانيم جوهر واحد أب وابن وروح القدس إله واحد ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى قولهم، قال جار الله في معنى قوله: {وما من إله إلا إله واحد} للاستغراق المقدرة وهي المقدرة مع لا التي لنفي الجنس في قوله: {أية : لا إله إلا هو} تفسير : [البقرة: 163] أي لا إله في الوجود قط إلا الله موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله وحده لا شريك له {وإن لم ينتهوا} يمتنعوا ويكفوا {عمَّا يقولون} من المذاهب الفاسدة {ليمسّن الذين كفروا منهم عذاب أليم}، قيل: في الدنيا، وقيل: في الآخرة {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} عن هذه الشهادة المقررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد، ويرجعون عما يقولون ويطلبون المغفرة منه بالتوبة {والله غفور رحيم} ولما تقدم ذكر مقالة النصارى عقبه بالاحتجاج عليهم والرد فقال سبحانه: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي مضت من قبله الرسل، يعني لم يكن المسيح وإن آتاكم بالأعاجيب من الآيات والمعجزات إلا كسائر الأنبياء قبله فكما أنهم لم يكونوا آلهة كذلك عيسى (عليه السلام) أحيى الميت وأبرأ الأكمه والأبرص، وموسى ألقى العصا فصارت حية وفلق البحر وإن خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر وأنثى، وإبراهيم ألقي في النار فلم يحرق والجميع سواء في الاعجاز، قوله تعالى: {وأمه صدِّيقة} أي وما أُمُّه إلا كسائر النساء المصدقات للأنبياء فما منزلتهما إلا منزلة بشرين أحدهما أنثى والآخر صحابي فمن أي اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لو يوصف به سائر الأنبياء، وقيل: بصدق رسول الله ومنزلة ولدها ومنزلتها وما أخبرها به، قوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} لأن من احتاج إلى الغذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم والنفض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وعصب ودم وأخلاط وأمزجة مع شهوة وقرم وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبّر كغيره من الأجسام، قوله تعالى: {انظر كيف نبيّن لهم الآيات} أي الاعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم: {ثم انظر أنَّى يؤفكون} كيف يصرفون عن استماع القول وتأمله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}: خبر ان محذوف تقديره لا خوف عليهم ولا هم يحزنون دل عليه ما ذكر بقوله: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف تفسير : أى نحن راضون بما عندنا. {وَالَّذِينَ هَادُوا}: مبتدأ مرفوع المحل. {وَالصَابِئُونَ}: معطوف على الذين هادوا، فهو مرفوع معطوف على مرفوع المحل. {وَالنَّصَارَى}: معطوف على الذين هادوا. {مَن آمَنَ}: مبتدأ ثان شرطية. {باللهَ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيِّهم وَلا هُم يَحْزَنُونَ}: جواب من الشرطية وخبرها شرطها أو جوابها، أو كلاهما، وهذا المبتدأ وخبره خبر المبتدأ، وهو الذين هادوا، والرابط محذوف أى من آمن منهم، أو من بدل، والرابط مقدر كذلك، وجملة لا خوف عليهم خبر الذين هادوا، قرن بالفاء لشبهه باسم الشرط، أو من بدل من اسم ان، ولا خوف عليهم خبرها قرن بالفاء كذلك، أو من مبتدأ، ولا خوف عليهم خبره، والجملة خبر ان، والرابط أيضا محذوف، والمبتدأ والذين هادوا فى هذين معطوف على اسم ان فى محل نصب، والصابئون مبتدأ خبره محذوف، أى كذلك، والجملة فى نية التأخير، وهذا مذهب سيبويه، وأنشد سيبويه شاهداً على ذلك قول الشاعر: شعر : والا فاعملوا أنا وأنتم بغات ما بقينا فى شقاق تفسير : أى انا بغاة وأنتم كذلك، وقدم على الخبر معترضاً ليفيد التنبيه من أول على أن الصابئين مع ضلالهم البليغ بالنسبة الى اليهود والنصارى، حتى أنهم سموا صابئين، لأنهم مالوا عن الأديان كلها لو آمنوا وعملوا الصالحات لأثابهم الله جل وعلا، ولو نصبه لم يفد أنهم أبعد عن الثواب من اليهود والنصارى، لما رفع أفاد الرفع أنهم ملحقون فى الثواب، اذ قدرنا والصابئون كذلك. ويجوز عطف النصارى على الصابئون فهو مرفوع، ويجوز جعل الذين هادوا مبتدأ والصابئون معطوف عليه، وكذا النصارى، واختار ابن عصفور وابن مالك ما تقدم من حذف خبر ان لسلامته من التقديم والتأخير، وأما الحذف لدليل فكثير. وزعم بعض أن الصابئون بالواو منصوب، وانه لغة تلزم الواو الأحوال كلزوم التثنية الألف فى لغة، وقيل: هو منصوب بالفتح على النون، وانه لغة تلزم الواو، والاعراب على النون، وقيل: ان بمعنى نعم فالذين آمنوا وما بعده مرفوعات، وقرىء والصابئين بالياء بعد الهمزة، وقرىء والصابئون بالواو بعد الهمزة، والصابيون بالواو بعد الياء المخففة من الهمزة، والمراد بآمنوا الأول الايمان الحقيقى وهو المتبوع بالعمل الصالح، واجتناب المحرمات، أو يقدر وعملوا الصالحات، والمراد بأن الثانى ايمان اليهود والنصارى والصابئين، فانه لا حظ لهم فى الجنة ان لم يؤمنوا ويعملوا صالحاً، ومن الصالح العمل بما فى القرآن، وان أريد من قبل القرآن فالمراد العمل بما فى كتبهم المنزلة، ففى وجه الابدال يكون من الذين هادوا والنصارى، وان أريد بالايمان الثانى الدوام عليه المشعر باشتراط دخول اليهود والنصارى فى أصل الايمان حتى يشترط الدوام عليه كان الابدال من الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، وتقدم الكلام على الآية فى البقرة، ويجوز أن يراد بالايمان الأول مطلق الايمان، وخرج الثانى ايمان المنافقين لأجل ما بعده.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بأَلسنتهم وقيل مطلقا فيراد بالإِيمان على الأَول فى قوله من آمن الإِيمان المخلص السابق المستمر والمخلص الحادث جميعا بين الحقيقة والمجاز وحملا على عموم المجاز، كذا قيل، قلت: بل حقيقة لأَنَّ حاصله ثبوت الإِيمان المخلص هكذا سبق واستمر أَو حدث {والَّذِينَ هَادُوا والصَّابِئُونَ} قلبت الهمزة ياءً فثقلت عليها الضمة فحذفت لثقلها وضمت الباء الموحدة أَو نقلت للباء وحذفت الباء لالتقاء الساكنين أَو هو من صبا بالألف يصبو بالواو قلبت ياءً كذلك وهو مبتدأ عطف عليه بقوله {والنَّصَارَى} وخبره جملة قوله {مَنْ آمَنَ} منهم {بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحزَنُونَ} في الآخرة، وخبر إِن محذوف يقدر مثل هذا قبل قوله والصابئون، أَو هذا خبر إِن وخبر الصابئون يقدر هكذا والصابئون والنصارى كذلك، وقال الكسائى: معطوف على واو هادوا ويعترض عليه فإِنه لا يعطف على ضمير الرفع المتصل بلا فصل ولعل الكسائي أَجازه لكن إِجازته ضعيفة، ويرده أَن الصابئين على ذلك يهود، وقد بعض والذين هم الصابئون بحذف الوصول وصدر الصلة وقيل الرفع عطف على محل إِن واسمها، ويرده عدم استقامة المعنى وتوارد عاملين هما إِن والابتداء أَو إِن والمبتدأ على معمول واحد وهو الخبر، وقيل إِن بمعنى نعم فكل ما بعدها مرفوع، ويرده أَنه لا يوجد ما تكون له جوابا إِلا بتكلف وحذف ولا تكون أَول الكلام ولا شئَ فى القرآن يصح أَن تكون فيه إِن بمعنى نعم أَو يترجح، وإِنما صح أَن يكون الصابئون من أَهل الجنة باعتبار أَنهم جمعوا نوافل ومصالح من التوراة والإِنجيل وأَدوا ما وجب وتركوا ما حرم، أَما لو تركوا فرضا أَو عملوا محرما فلا، وذلك قبل البعثه وأَما بعدها فكل يهودى أَو صابئ أَو نصرانى في النار إِلا إِن آمن به صلى الله عليه وسلم واتبعه أَو لم يبلغه خبره وكان على دين غير منسوخ أَو على دين منسوخ لم يبلغه نسخه. روى أَبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم حديث : والذي نفس محمد بيده لا يسمع بى أَحد من هذه الأُمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به إِلا كان من أَصحاب النارتفسير : ، وشهر أَن الصابئين خرجوا عن دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة وهم في النار إِلا من تاب، ووجدت في نسخة عتيقة للسيوطى وفي أُخرى بالغالب أَن إِدريس عليه السلام حمل الناس على دين الصابئين وهو التوحيد والطهارة والصلاة والصوم وعبادات الله عز وجل وأَنه عم الأَرض بالتوحيد. وقيل الصابئين نسب إلى صابئ بن متوشلخ بن إدريس وكان على دين الإِسلام، وقيل إِلى الصابئ بن ملوى في عصر الخليل عليه السلام قلت: لا إِشكال في ذلك لأَن الصابئة الكفرة ينتسبون إِلى الصابئ المسلم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} كلام مستأنف مسوق للترغيب في الإيمان والعمل الصالح. وقد تقدم في آية البقرة [62] الاختلاف في المراد ـ من الذين آمنوا ـ والمروي عن الثوري أنهم الذين آمنوا بألسنتهم ـ وهم المنافقون ـ وهو الذي اختاره الزجاج، واختار القاضي أن المراد بهم المتدينون بدين محمد صلى الله عليه وسلم مخلصين كانوا أو منافقين، وقيل: غير ذلك {وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} أي دخلوا في اليهودية {وَٱلصَّائبونَ}، «وهم كما قال حسن جلبـي وغيره: قوم خرجوا عن دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة، وقد تقدم الكلام على ذلك، وفي «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» للجلال السيوطي ما لفظه: ذكر أئمة التاريخ أن آدم عليه الصلاة والسلام أوصى لابنه شيث ـ وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين ـ وأنزل عليه تسع وعشرون صحيفة وأنه جاء إلى أرض مصر، وكانت تدعى باب لون فنزلها هو وأولاد أخيه، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد قابيل أسفل الوادي، واستخلف شيث ابنه أنوش واستخلف أنوش ابنه قَيْنَان. واستخلف قَيْنَان ابنه مهليائيل، / واستخلف مهليائيل ابنه يرد، ودفع الوصية إليه وعلمه جميع العلوم وأخبره بما يحدث في العالم، ونظر في النجوم وفي الكتاب الذي أنزل على آدم عليه الصلاة والسلام، وولد ليرد أخنوخ ـ وهو إدريس عليه الصلاة والسلام ـ ويقال له: هرمس، وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن أخنوخ بن قابيل، وتنبأ إدريس عليه الصلاة والسلام وهو ابن أربعين سنة، وأراد به الملك سوءاً فعصمه الله تعالى وأنزل عليه ثلاثين صحيفة، ودفع إليه أبوه وصية جده والعلوم التي عنده وكان قد ولد بمصر وخرج منها، وطاف الأرض كلها (ورجع فدعا الخلق إلى الله تعالى فأجابوه حتى عمت ملته الأرض)، وكانت ملته الصابئة، وهي توحيد الله تعالى والطهارة [والصلاة] والصوم وغير ذلك من رسوم التعبدات، وكان في رحلته إلى المشرق قد أطاعه جميع ملوكها، وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرها، ثم عاد إلى مصر وأطاعه ملكها وآمن به» ـ إلى آخر ما قاله ـ ونقله عن التيفاشي، ويفهم منه قول في الصابئة غير الأقوال المتقدمة. وفي «شذرات الذهب» لعبد الحي بن أحمد بن العماد الحنبلي في ترجمة أبـي إسحق الصابىء ما نصه: «والصابىء بهمز آخره، قيل: نسبة إلى صابىء بن متوشلخ بن إدريس عليه الصلاة والسلام، وكان على الحنيفية الأولى، وقيل: الصابىء بن ماوى، وكان في عصره الخليل عليه الصلاة والسلام، وقيل: الصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه» انتهى. {وَٱلنَّصَـٰرَىٰ} جمع نصران، وقد مر تفصيله، ورفع {الصابئون} على الابتداء وخبره محذوف لدلالة خبر ـ إن ـ عليه، والنية فيه التأخير عما في خبر {إن}، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كيت وكيت والصابئون كذلك بناءاً على أن المحذوف في إن زيداً، وعمرو قائم خبر الثاني لا الأول كما هو مذهب بعض النحاة واستدل عليه بقول صابىء بن الحرث البرجمي:شعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني، وقيار بها (لغريب) تفسير : فإن قوله: «لغريب» خبر إن، ولذا دخلت عليه اللام لأنها تدخل على خبر (إن) لا على خبر المبتدأ إلا شذوذاً، وقيل: إن «غريب» فيه خبر عن الإسمين جميعاً لأن فعيلاً يستوي فيه الواحد وغيره نحو {أية : وَالْمَلَٰـئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4]، ورده الخلخالي بأنه لم يرد للإثنين، وإن ورد للجمع، وأجاب عنه ابن هشام بأنهم قالوا في قوله تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ} تفسير : [ق: 17]: إن المراد قعيدان، وهذا يدل على إطلاقه على الإثنين أيضاً، فالصواب منع هذا الوجه بأنه يلزم عليه توارد عاملين على معمول واحد، ومثله لا يصح على الأصح خلافاً للكوفيين، وبقول بشر بن أبـي حازم:شعر : إذا جزت نواصي آل بدر فأدوها وأسرى في الوثاق وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق تفسير : فإن قوله: «بغاة ما بقينا» خبر إن ولو كان خبر ـ أنتم ـ لقال: ما بقيتم، و ـ بغاة ـ جمع باغ بمعنى طالب، وقيل: إنه جمع باغي من البغي والتعدي ـ وأنتم بغاة ـ جملة معترضة لأنه لا يقول في قومه إنهم بغاة و ـ ما بقينا في شقاق ـ خبر إن، وحينئذ لا يصلح البيت شاهداً لما ذكر لأن ضمير المتكلم مع الغير في محله، وإنما وسطت الجملة هنا بين إن وخبرها مع اعتبار نية التأخير ليسلم الكلام عن الفصل بين الاسم والخبر، وليعلم أن الخبر ماذا دلالة ـ كما قيل ـ على أن الصابئين ـ مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها حيث قبلت توبتهم ـ إن صح منهم / الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى بذلك، ومن هنا قيل: إن الجملة كاعتراض دل به على ما ذكر، وإنما لم تجعل اعتراضاً حقيقة لأنها معطوفة على جملة {إِنَّ ٱلَّذِينَ} وخبرها، وأورد عليه ما قاله ابن هشام من أن فيه تقديم الجملة المعطوفة على بعض الجملة المعطوف عليها، وإنما يتقدم المعطوف على المعطوف عليه في الشعر، فكذا ينبغي أن يكون تقديمه على بعض المعطوف عليه بل هو أولى منه بالمنع، وأما ما أجاب به عنه بأن الواو واو الاستئناف التي تدخل على الجمل المعترضة، كقوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} تفسير : [البقرة: 24] الخ، وهذه الجملة معترضة لا معطوفة، فلا يتمشى فيما نحن فيه لأنه يفوّت نكتة التقديم من تأخير التي أشير إليها لأنها إذا كانت معترضة لا تكون مقدمة من تأخير، وبعض المحققين صرف الخبر المذكور إلى قوله تعالى: {وَٱلصَّـٰبِئُونَ} وجعل خبر {إنَّ} محذوفاً، وهو القول الآخر للنحاة في مثل هذا التركيب، وهو موافق للاستعمال أيضاً كما في قوله:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك (راض) والرأي مختلف تفسير : فإن قوله: ـ راض ـ خبر ـ أنت ـ وخبر ـ نحن ـ محذوف، ورجح بأن الإلحاق بالأقرب أقرب، وبأنه خال عما يلزم على التوجيه الأول، نعم غاية ما يرد عليه أن الأكثر الحذف من الثاني لدلالة الأول، وعكسه قليل لكنه جائز، وعورض بأن الكلام فيما نحن فيه مسوق لبيان حال أهل الكتاب، فصرف الخبر إليهم أولى، وفي توسيط بيان حال الصابئين ما علمت من التأكيد، وأيضاً في صرف الخبر إلى الثاني فصل للنصارى عن اليهود وتفرقة بين أهل الكتاب لأنه حينئذ عطف على قوله سبحانه: {وَٱلصَّـٰبِئُونَ} قطعاً، نعم لو صح أن المنافقين واليهود أوغل المعدودين في الضلال، والصابئين والنصارى أسهل حسن تعاطفهما وجعل المذكور خبراً عنهما، وترك كلمة التحقيق المذكورة في الأولين دليلاً على هذا المعنى، وقيل: إن {الصابئون} عطف على محل {إن} واسمها، وقد أجازه بعضهم مطلقاً، وبعضهم منعه مطلقاً، وفصل آخرون فقالوا: يمتنع قبل مضي الخبر ويجوز بعده. وذهب الفراء إلى أنه إن خفى إعراب الاسم جاز لزوال الكراهة اللفظية نحو: إنك وزيد ذاهبان وإلا امتنع، والمانع عند الجمهور لزوم توارد عاملين، وهما (إن) والإبتداء أو المبتدأ على معمول واحد وهو الخبر، ولهذا ضعفوا هذا القول في الآية، وبنوا على مذهب الكوفيين، وكون خبر المعطوف فيها محذوفاً ـ وحينئذ لا يلزم التوارد ـ ليس بشيء لأن الجملة حينئذ تكون معطوفة على الجملة، ولم يكن ذلك من العطف على المحل في شيء، ومن قال: إن خبر {إنَّ} مرفوع بما كان مرفوعاً به قبل دخولها لم يلزم عليه حديث التوارد. ونقل عن الكسائي إن العطف على الضمير في {هَادُواْ} وخطأه الزجاج بأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل، وبأنه لو عطف على الفاعل لكان التقدير ـ وهاد الصابئون ـ فيقتضي أنهم هود ـ وليس كذلك ـ ولعل الكسائي يرى صحة العطف من غير فاصل فلا يرد عليه الاعتراض الأول، وقيل: {إنَّ} بمعنى نعم الجوابية ولا عمل لها حينئذ، فما بعدها مرفوع المحل على الابتداء والمرفوع معطوف عليه، وضعفه أبو حيان بأن ثبوت {إنَّ} بمعنى نعم فيه خلاف بين النحويين. وعلى تقدير ثبوته فيحتاج إلى شيء يتقدمها تكون تصديقاً له ولا يجيىء أول الكلام، والجواب بأن ثمة سؤالاً مقدراً بعيد ركيك، وقيل: إن ـ الصابئين ـ عطف على الصلة بحذف الصدر أي الذين هم الصابئون، ولا يخفى / بعده، وإن عُدّ أحسن الوجوه، وقيل: إنه منصوب بفتحة مقدرة على الواو والعطف حينئذ مما لا خفاء فيه، واعترض بأن لغة ـ بلحارث وغيرهم ـ الذين جعلوا المثنى دائماً بالألف نحو ـ رأيت الزيدان ومررت بالزيدان ـ وأعربوه بحركات مقدرة، إنما هي في المثنى خاصة، ولم ينقل نحو ذلك عنهم في الجمع خلافاً لما تقتضيه عبارة أبـي البقاء، والمسألة مما لا يجري فيها القياس فلا ينبغي تخريج القرآن العظيم على ذلك، وقرأ أبـي وكذا ابن كثير ـ والصابئين ـ وهو الظاهر ـ والصابيون ـ بقلب الهمزة ياءاً على خلاف القياس ـ والصابون ـ بحذفها من صبا بإبدال الهمزة ألفاً فهو كرامون من رمى. وقرأ عبد الله ـ يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ـ. وقوله سبحانه وتعالى: {مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} إما في محل رفع على أنه مبتدأ خبره قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وجمع الضمائر الأخيرة باعتبار معنى الموصول كما أن إفراد ما في صلته باعتبار لفظه، والجملة خبر {إنَّ} أو خبر المبتدأ، وعلى كل لا بدّ من تقدير العائد أي من آمن منهم، وإما في محل النصب على أنه بدل من اسم {إنَّ} وما عطف عليه، أو ما عطف عليه فقط، وهو بدل بعض، ولا بدّ فيه من الضمير كما تقرر في العربية فيقدر أيضاً، وقوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ} الخ خبر، والفاء كما في قوله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} تفسير : [البروج: 10] الآية، والمعنى ـ كما قال غير واحد ـ على تقدير كون المراد ـ بالذين آمنوا ـ المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون من أحدث من هؤلاء الطوائف إيماناً خالصاً بالمبدأ والمعاد على الوجه اللائق لا كما يزعمه أهل الكتاب فإنه بمعزل عن ذلك، وعمل عملاً صالحاً حسبما يقتضيه الإيمان فلا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب ولا هم يحزنون حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب، والمراد بيان [دوام] انتفاء الأمرين لا [بيان] انتفاء دوامهما على ما مرت الإشارة إليه غير مرة، وأما على تقدير كون المراد ـ بالذين آمنوا ـ المتدينين بدين النبـي صلى الله عليه وسلم مخلصين كانوا أو منافقين، فالمراد بمن آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص بما ذكر على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام ـ كما في المخلصين ـ أو بطريق الإحداث والإنشاء ـ كما هو حال من عداهم من المنافقين، وسائر الطوائف ـ وليس هناك الجمع بين الحقيقة والمجاز كما لا يخفى لأن الثبات على الإيمان والإحداث فردان من مطلق الإيمان إلا أن في هذا الوجه ضم المخلصين إلى الكفرة، وفيه إخلال بتكريمهم، وربما يقال: إن فائدة ذلك المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام؛ وتمام الكلام قد مر في آية البقرة [62] فليراجع.
ابن عاشور
تفسير : موقع هذه الآية دقيق، ومعناها أدقّ، وإعرابها تابع لدقّة الأمرين. فموقعها أدقّ من موقع نظيرتها المتقدّمة في سورة البقرة (62)، فلم يكن ما تقدّم من البيان في نظيرتها بمغن عن بيان ما يختصّ بموقع هذه. ومعناها يزيد دقّة على معنى نظيرتها تبعاً لدقّة موقع هذه. وإعرابها يتعقّد إشكاله بوقوع قوله: {والصابون} بحالة رفع بالواو في حين أنّه معطوف على اسم {إنّ} في ظاهر الكلام. فحقّ علينا أن نخصّها من البيان بما لم يسبق لنا مثله في نظيرتها ولنبدأ بموقعها فإنّه مَعْقَد معناها. فاعلم أنّ هذه الجملة يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً على تقدير سؤال يخطر في نفس السامع لِقوله: {أية : قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التّوراة والإنجيل}تفسير : [المائدة: 68] فيسأل سائل عن حال من انقرضوا من أهل الكتاب قبل مجيء الإسلام: هل هم على شيء أو ليسوا على شيء، وهل نفعهم اتّباع دينهم أيّامئذٍ؛ فوقع قوله: {إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا} الآية جواباً لهذا السؤال المقدّر. والمراد بالّذين آمنوا المؤمنون بالله وبمحمّد صلى الله عليه وسلم أي المسلمون. وإنّما المقصود من الإخبار الّذين هَادوا والصابون والنّصارى، وأمّا التعرّض لذكر الّذين آمنوا فلاهْتماممٍ بهم سنبيّنه قريباً. ويجوز أن تكون هذه الجملة مؤكِّدة لجملة {أية : ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا واتّقوا}تفسير : [المائدة: 65] الخ، فبعد أن أُتبعت تلك الجملة بما أُتبعت به من الجُمل عاد الكلام بما يفيد معنى تلك الجملة تأكيداً للوعد، ووصلاً لربط الكلام، وليُلحق بأهل الكتاب الصابئون، وليظهر الاهتمام بذكر حال المسلمين في جنّات النّعيم. فالتّصدير بذكر الّذين آمنوا في طالعة المعدودين إدماج للتنويه بالمسلمين في هذه المناسبة، لأنّ المسلمين هم المثال الصّالح في كمال الإيمان والتحرّز عن الغرور وعن تسرّب مسارب الشرك إلى عقائدهم (كما بشّر بذلك النّبيء صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع بقوله: «حديث : إنّ الشيطان قد يَئس أن يُعبد من دون الله في أرضكم هذه»تفسير : ) فكان المسلمون، لأنّهم الأوحدون في الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصّالح، أوّلين في هذا الفضل. وأمّا معنى الآية فافتتاحها بحرف {إنّ} هنا للاهتمام بالخبر لعروّ المقام عن إرادة ردّ إنكار أو تردّد في الحكم أو تنزيل غير المتردّد منزلة المتردّد. وقد تحيّر النّاظرون في الإخبار عن جميع المذكورين بقوله: {من آمن بالله واليوم الآخر}، إذ من جملة المذكورين المؤمنون، وهل الإيمان إلاّ بالله واليوم الآخر؟ وذهب النّاظرون في تأويله مذاهب: فقيل: أريد بالّذين آمنوا من آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، وهم المنافقون، وقيل: أريد بمن آمن من دام على إيمانه ولم يرتد. وقيل: غير ذلك. والوجه عندي أنّ المراد بالَّذين آمنوا أصحاب الوصف المعروف بالإيمان واشتهر به المسلمون، ولا يكون إلاّ بالقلب واللّسان لأنّ هذا الكلام وعد بجزاء الله تعالى، فهو راجع إلى علم الله، والله يعلم المؤمن الحقّ والمتظاهر بالإيمان نِفاقاً. فالّذي أراه أن يجعل خبر (إنّ) محذوفاً. وحذفُ خبر (إنّ) وارد في الكلام الفصيح غير قليل، كما ذكر سيبويه في «كتابه». وقد دلّ على الخبر ما ذكر بعده من قوله: {فلا خوف عليهم} إلخ. ويكون قوله: {والّذين هادوا} عطفَ جملة على جملة، فيجعل {الّذين هادوا} مبتدأ، ولذلك حقّ رفع ما عُطف عليه، وهو {والصابُون}. وهذا أولى من جعل {والصابون} مَبْدأ الجملة وتقدير خبر له، أي والصابون كذلك، كما ذهب إليه الأكثرون لأنّ ذلك يفضي إلى اختلاف المتعاطفات في الحكم وتشتيتها مع إمكان التفصّي عن ذلك، ويكون قوله: {من آمن بالله} مبتدأ ثانياً، وتكون (من) موصولة، والرّابط للجملة بالّتي قبلها محذوفاً، أي من آمن منهم، وجملة {فلا خوف عليهم} خبراً عن (مَن) الموصولة، واقترانها بالفاء لأنّ الموصول شبيه بالشرط. وذلك كثير في الكلام، كقوله تعالى: {أية : إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثمّ لم يتوبوا فلهم عذاب جهنّم}تفسير : [البروج: 10] الآية، ووجود الفاء فيه يعيّن كونه خبراً عن (مَن) الموصولة وليس خبر ـــ إنّ ـــ على عكس قول ضابي بن الحارث:شعر : ومن يَك أمسى بالمدينة رحلُه فإنّي وقبّار بها لغريب تفسير : فإنّ وجود لام الابتداء في قوله: «لغريب» عيَّن أنّه خبر (إنّ) وتقديرَ خبر عن قبّار، فلا ينظّر به قوله تعالى: {والصابون}. ومعنى {من آمن بالله واليوم الآخر} من آمن ودَام، وهم الّذين لم يغيّروا أديانهم بالإشراك وإنكارِ البعث؛ فإنّ كثيراً من اليهود خلطوا أمور الشرك بأديانهم وعبدوا الآلهة كما تقول التّوراة. ومنهم من جعل عُزيراً ابناً لله، وإنّ النّصارى ألَّهوا عيسى وعبدوه، والصابئة عبدوا الكواكب بعد أن كانوا على دين له كتاب. وقد مضى بيان دينهم في تفسير نظير هذه الآية من سورة البقرة (62). ثمّ إنّ اليهود والنّصارى قد أحْدثوا في عقيدتهم من الغرور في نجاتهم من عذاب الآخرة بقولهم: {أية : نحن أبناء الله وأحِبَّاؤه}تفسير : [المائدة: 18] وقولِهم {أية : لن تمسّنا النّار إلاّ أيَّاماً معدودة}تفسير : [البقرة: 80]، وقول النّصارى: إنّ عيسى قد كفَّر خطايا البشر بما تحمّله من عذاب الطّعن والإهانة والصّلب والقتل، فصاروا بمنزلة من لا يؤمن باليوم الآخر، لأنّهم عطّلوا الجزاء وهو الحكمة الّتي قُدّر البعث لتحقيقها. وجمهور المفسّرين جعلوا قوله {والصابون} مبتدأ وجعلوه مقدّماً من وتأخير وقدّروا له خبراً محذوفاً لدلالة خبر (إنّ) عليه، وأنّ أصل النظم: أنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والنّصارى لهم أجْرهم إلخ، والصابون كذلك، جعلوه كقول ضابي بن الحارث:شعر : فإنّي وقبّار بها لغريب تفسير : وبعض المفسّرين قدّروا تقادير أخرى أنهاها الألوسي إلى خمسة. والّذي سلكناه أوضح وأجرى على أسلوب النّظم وأليق بمعنى هذه الآية. وبعدُ فممّا يجب أن يُوقن به أنّ هذا اللّفظ كذلك نزل، وكذلك نطق به النّبيء صلى الله عليه وسلم وكذلك تلقّاه المسلمون منه وقرؤوه، وكُتب في المصاحف، وهم عَرب خلّص، فكان لنا أصلاً نتعرّف منه أسلوباً من أساليب استعمال العرب في العطف وإن كان استعمالاً غير شائع لكنّه من الفصاحة والإيجاز بمكان، وذلك أنّ من الشائع في الكلام أنّه إذا أتي بكلام موكّد بحرف (إنّ) وأتي باسم إنّ وخبرها وأريد أن يعطفوا على اسمها معطوفاً هو غريب عن ذلك الحكم جيء بالمعطوف الغريب مرفوعاً ليدلّوا بذلك على أنّهم أرادوا عطف الجمل لا عطف المفردات، فيقدّرَ السامع خبراً يقدّره بحسب سياق الكلام. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : أنّ الله بريء من المشركين ورسولُه}تفسير : [التوبة: 3]، أي ورسوله كذلك، فإنّ براءته منهم في حال كونه من ذي نسبهم وصهرهم أمر كالغريب ليظهر منه أنّ آصرة الدّين أعظم من جميع تلك الأواصر، وكذلك هذا المعطوف هنا لمّا كان الصابون أبعد عن الهدى من اليهود والنّصارى في حال الجاهلية قبل مجيء الإسلام، لأنّهم التزموا عبادة الكواكب، وكانوا مع ذلك تحقّ لهم النّجاة إن آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً، كان الإتيان بلفظهم مرفوعاً تنبيهاً على ذلك. لكن كان الجري على الغالب يقتضي أن لا يؤتى بهذا المعطوف مرفوعاً إلاّ بعد أن تستوفي (إنّ) خبرها، إنَّما كان الغالب في كلام العرب أن يؤتى بالاسم المقصود به هذا الحكم مؤخّراً، فأمّا تقديمه كما في هذه الآية فقد يتراءى للنّاصر أنّه ينافي المقصد الّذي لأجله خولف حكم إعرابه، ولكن هذا أيضاً استعمال عزيز، وهو أن يجمع بين مقتضيي حالين، وهما للدّلالة على غرابة المُخبر عنه في هذا الحكم. والتّنبيه على تعجيل الإعلام بهذا الخبر فإنّ الصابئين يكادون ييأسون من هذا الحكم أو ييأس منهم من يسمع الحكم على المسلمين واليهود. فنبّه الكلّ على أنّ عفو الله عظيم لا يضيق عن شمولهم، فهذا موجب التّقديم مع الرّفع، ولو لم يقدّم ما حصل ذلك الاعتبار، كما أنّه لو لم يرفع لصار معطوفاً على اسم (إنّ) فلم يكن عطفه عطف جملة.وقد جاء ذكر الصابين في سورة الحجّ مقدّماً على النّصارى ومنصوباً، فحصل هناك مقتضى حال واحدة وهو المبادرة بتعجيل الإعلام بشمول فصل القضاء بينهم وأنّهم أمام عدل الله يساوون غيرهم. ثمّ عقّب ذلك كلّه بقوله: {وعمل صالحاً}، وهو المقصود بالذّات من ربط السلامة من الخوف والحزن، به، فهو قيد في المذكورين كلّهم من المسلمين وغيرهم، وأوّل الأعمال الصّالحة تصديق الرّسول والإيمان بالقرآن، ثم يأتي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات كما قال تعالى: {أية : وما أدراك ما العقبة} تفسير : [البلد: 12] إلى قوله {أية : ثم كان من الّذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17].
القطان
تفسير : الصابئون: الكلمة آرامية الأصل، تدل على التطهير والتعميد. والصابئة فرقتان: جماعة المندائيّين أتباعِ يوحنّا المعمدان، وصابئةُ حرّان الّذين عاشوا زمناً في كنف الاسلام، ولهم عقائدهم وعلماؤهم، من أشهرهم ابراهيم من هلال الصابي الأديبُ الكبير، والعالِم بالفلك والفلسفة الرياضية. ورد ذكرهم في القرآن ثلاث مرات بجانب اليهود والنصارى، مما يؤْذِن بأنهم من أهل الكتاب. كتب عنهم المؤرخون المسلمون. وخاصة الشهرستاني في "المِلل والنِّحل"، والدمشقي في "نخبة الدهر في عجائب البحر". وهم يُعَدّون بين الروحانيين، الّذين يقولون بوسائط بين الله والعالم، ويحرصون على تطهير أنفسهم من دنَسِ الشهوات والارتقاء بها إلى عالم الروحانيات. وللقوم طقوس ثابته، منها أنهم يتطهرون بالماء إذاى لمسوا جسداً، ويحرّمون الختان كما يحرّمون الطلاق إلا بأمر من القاضي، ويمنعون تعدُّد الزوجات، ويؤدون ثلاث صلوات كل يوم بالسريانية. أما قِبلتهم فهي القطب الشمالي. وقد خدموا الإسلام في مجالات العلم والسياسة والترجمة. ولا يزال منهم بضعة آلاف في العراق الى الآن، كتب عنهم السيد عبد الرزاق الحسن رسالةً مطبوعة بمصر، وقال إنهم إربع فِرق. وتفسير الآية الكريمة ان الذين صدقوا الله ورسوله، واليهود، والصابئين، والنصارى وغيرهم كل اولئك اذا أخلصوا في الإيمان بالله، وصدّقوا بالبعث والجزاء، وأتوا الأعمال الصالحة التي جاء بها الاسلام ـ فسيكونون في مأمن من العذاب، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {وَٱلصَّابِئُونَ} {وَٱلنَّصَارَىٰ} {آمَنَ} {صَالِحاً} (69) - الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم (المُسْلِمُونَ)، وَالذِينَ هَادُوا (أهْلُ التَّوْرَاةِ)، وَالصَّابِئُونَ (وَهُمْ طَائِفَةٌ يَعْبِدُونَ النُّجُومَ، وَقيلَ بَلْ إنَّهُمْ يَعْبُدُونَ المَلاَئِكَةَ وَيَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ)، وَالنَّصَارَى (أهْلُ الإِنْجِيلِ)، مَنْ أَخْلَصَ مِنْهُم الإِيمَانَ للهِ، وَمَنْ آمَنَ بِاليَومِ الآخَرِ، وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً يَرْضَاهُ اللهُ، فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أهْوَالِ القِيَامَةِ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيا وَعَيْشِهَا، بَعْدَ أنْ يُعَايِنوا مَا أكْرَمَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ. الصَّابِئُونَ - عُبَّادُ الكَوَاكِبِ أوْ عُبَّادُ المَلاَئِكَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هم - إذن - أربعة ألوان من الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله. وهذه الآية وردت في صورتها العامة ثلاث مرات، مرة في سورة البقرة، ومرة هنا في سورة المائدة، ومرة في سورة الحج. ففي سورة البقرة يقول الحق: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 62]. ولنلحظ أن كلمة "الصابئين" في هذه الآية منصوبة. وفي سورة المائدة نجد قول الحق: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69]. ولنلحظ أن كلمة "الصابئون" هنا مرفوعة ومقدمة على كلمة "النصارى". وفي آية سورة الحج يقول الحق: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [الحج: 17]. هنا إخبار عن أربعة، وزاد الحق عليهم اثنين في آية الحج، ونجد أن الإخبار يختلف، وكذلك يختلف الأسلوب، فمرة تتقدم النصارى على الصابئين، ومرة تتقدم الصابئون على النصارى، ومرة تكون الصابئون مرفوعة، ومرة تكون منصوبة بالياء. وأما اختلاف الإخبار، فهو سبحانه يخبرنا في سورة البقرة فيقول: {أية : مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 62]. والخبر في سورة المائدة هو: {مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69]. والخبر في سورة الحج هو: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [الحج: 17]. والآيات الثلاث في مجموعها تتعرض لمعنى واحد، ولكن الأساليب مختلفة وكذلك الغايات فيها مختلفة. ونلحظ هنا أن الحق قال: "آمنوا" والإيمان هنا هو الإيمان اللفظي أي بالفم وليس بالقلب، والمتصفون بذلك هم المنافقون والذين هادوا، هم أتباع موسى، والنصارى هم أتباع عيسى، والصابئون ليسوا أتباعاً لأحد فقد كانوا أتباعاً لنوح ثم صبأوا عن ديانة نوح وعبدوا الكواكب، أو هم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة. والمجوس وهم عبدة النار. إذن الحق يريد أن يجري تصفية إيمانية في الكون، فمن يبادر ويدخل في هذه التصفية. يسلم من شر ما فعله قبل ما مجيء الإسلام، ذلك أنهم أضلُّوا أناساً أو حكموا بالظلم. والحق في سورة البقرة يقول: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي أنه - سبحانه - غفر لهم ما فعلوا من سوء وجزاهم على عملهم الصالح الذي لم يحبطوه ويذهبوه بعمل السيئات والآثام. هذا ما يتعلق بالآيتين... آية سورة البقرة، وآية سورة المائدة، ونلاحظ أن آية سورة المائدة لم يرد فيها قوله: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} ولعل ذلك راجع إلى الاكتفاء بذكرها في سورة البقرة، وذلك له نظير في القرآن الكريم. كحمل المطلق على المقيد ونحو ذلك. أما في آية سورة الحج فهي التي يأتي فيها الحكم: {إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ} كأنهم لن يؤمنوا ولن يعملوا الصالح، فتكون هذه هي التصفية العقدية في الكون. وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصفي المسألة الإيمانية في الأرض ويقول عن المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهو ابتداء الخبر، وتكون فيه "الذين آمنوا" في محل نصب لأنه اسم "إن" كما يقول النحاة، وهو سبحانه قال هنا: و"الصابئون" وهي معطوفة على منصوب. وهذا كسر للإعراب. إنّ الإعراب يقتضي أن تكون الكلمة منصوبة فتكون "الصابئين" لماذا إذن عدل الحق عن إنزال الكلمة حسب سياقها من الإعراب وأنزلها بكسر الإعراب مع أنه في آية أخرى قال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ}. لقد جاءت هنا في مكانها ودون كسر للإعراب، وهي قد جاءت مرة قبل كلمة "النصارى" وجاءت مرة أخرى بعد كلمة "النصارى". وهنا لا بد أن نتعرف على زمنية الصابئين، فقد كانوا قوماً متقدمين قبل مجيء النصرانية، فإن أردنا أن نعرف زمانهم نجد القول الحق يقدمهم على النصارى، وإن أردنا أن نعرف منزلتهم فإننا نقرؤها في موضع آخر من القرآن ونجدهم يأتون بعد "النصارى". إذن فعندما أرّخ الحق لزمانهم جاء بهم متقدمين، وعندما أرّخ لكمّهم وعددهم ومقدارهم يؤخرهم عن النصارى؛ لأنهم أقل عدداً فهم لا يمثلون جمهرة كثيرة كالنصارى. وجاء بها الحق مرة منصوبة ومرة مرفوعة، لنعرف ونلتفت إليهم. وكسر الإعراب كان لمقتضى لفت الانتباه. وكان الصابئة قوماً يعبدون الكواكب والملائكة، وهذا لون من الضلال. إذن فهناك اليهود الذي عرفوا أن هناك إلهاً، وجاء موسى عليه السلام مبلغاً عنه، وهناك النصارى الذين عرفوا أن هناك إلهاً، وجاء عيسى ابن مريم - عليه السلام - مبلغاً عنه، وهناك المنافقون الذي أعلنوا الإيمان بألسنتهم ولكن لم يلمس الإيمان قلوبهم. وأراد الحق أن يلفتنا إلى أن الصابئين هم قوم خرجوا عن دائرة التسليم بوجود إله خالق غيب، ويحدثنا الحق أنه يغفر لهم إن آمنوا وعملوا صالحاً. فالإيمان بالله شرط أساسي لقبول العمل الصالح والإثابة عليه. وجاء بهم متقدمين على النصارى احتراساً وتوقيا من مظنة أنه لا يعفو عنهم إن آمنوا وعملوا العمل الصالح. ونلحظ أنها جاءت أيضاً في معرض جمع الله فيه بينهم وبين من يعبدون أغياراً من دون الله؛ لأن من يلصق ألوهية بغير الله يكون كمن عبد الكواكب وخرج عن التوحيد. إنه سبحانه وتعالى يتيح لكل إنسان أن يدخل حظيرة الإيمان ويقيم تصفية عقدية يدخل فيها الكل إلى رحاب الإيمان ويقطعون صلة لهم بالشرك. فلو آمن المنافقون واليهود والنصارى والصابئون وعملوا الصالحات فلهم الأجر والمثوبة من الله ولا خوف عليهم من عذاب الآخرة ولا يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، وجاء العمل الصالح بعد الإيمان؛ لأن الإيمان إذا لم يقترن بعمل صالح يكون عرضة للسلب والعياذ بالله ولا فائدة فيه، وسبحانه يريد أن يسيطر الإيمان على حركة الحياة بالعمل الصالح فيأمر كل مؤمن بصالح العمل حتى يكون لهم الأجر عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أما الذين يصرّون على موقفهم الكفري، فإن الله يفصل بينهم يوم القيامة لأنه على كل شيء شهيد. وكلمة "يفصل" تدلنا على أنه سبحانه وتعالى سيصدر الحكم الذي يبين صاحب الحق من غيره. ونعرف أن الذي يحكم إنما يحكم ببينة. والبينة هي الإقرار، والإقرار - بلغة القانون - سيد الأدلة. أو الحكم بشهود. أو الحكم باليمين، وهو سبحانه يفصل بين المواقف المختلفة. والفصل هو القضاء بحكم. وعندما يكون الذي يحكم هو الذي شهد، فهو العادل. لذلك قال الحق: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. ويقول الحق بعد ذلك: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ} فالصَّابِئونَ: فِرقةٌ مِن أَهلِ الكِتابِ يَقرأونَ الزَّبورَ. ويقالُ: لاَ كِتَابَ لَهُمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن أهل الكتب من أهل القرآن والتوراة والإنجيل، أن سعادتهم ونجاتهم في طريق واحد، وأصل واحد، وهو الإيمان بالله واليوم الآخر [والعمل الصالح] فمن آمن منهم بالله واليوم الآخر، فله النجاة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من الأمور المخوفة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا منها. وهذا الحكم المذكور يشمل سائر الأزمنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):