٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد الله، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة، وهو قوله {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] فقال {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } يعني خلقنا الدلائل وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال، وأرسلنا إليهم رسلاً بتعريف الشرائع والأحكام. وقوله {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ } جملة شرطية وقعت صفة لقوله {رُسُلاً } والراجع محذوف، والتقدير: كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم، أي بما يخالف أهواءهم وما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف. وههنا سؤالات: الأول: أي جواب الشرط؟ فإن قوله {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } لا يصلح أن يكون جواباً لهذا الشرط، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين. والجواب: أن جواب الشرط محذوف، وإنما جاز حدفه لأن الكلام المذكور دليل عليه، والتقدير: كلما جاءهم رسول ناصبوه، ثم إنه قيل: فكيف ناصبوه؟ فقيل: فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون. وقوله: الرسول الواحد لا يكون فريقين. فنقول: إن قوله {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ } يدل على كثرة الرسل، فلا جرم جعلهم فريقين. السؤال الثاني: لم ذكر أحد الفعلين ماضياً، والآخر مضارعاً؟ والجواب: أنه تعالى بيّـن أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام، وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه، وأنه عليه السلام إنما توفى في التيه على قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين. وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام، وكانوا قد قصدوا أيضاً قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام، لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريباً فكان كالحاضر. السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ }. والجواب: قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية، فالتكذيب والقتل وإن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح، فكان التقديم لهذه الفائدة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً}. قد تقدّم في «البقرة» معنى الميثاق وهو ألا يعبدوا إلاَّ الله، وما يتصل به. والمعنى في هذه الآية لا تأس على القوم الكافرين فإنا قد أعذرنا إليهم، وأرسلنا الرسل فنقضوا العهود. وكل هذا يرجع إلى ما افتتحت به السورة وهو قوله: {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}. {كُلَّمَا جَآءَهُمْ} أي اليهود {رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ} لا يوافق هواهم {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} أي كذبوا فريقاً وقتلوا فريقاً؛ فمن كذبوه عيسى ومن مثله من الأنبياء، وقتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من الأنبياء. وإنما قال: «يقتلون» لمراعاة رأس الآية. وقيل: أراد فريقاً كذبوا، وفريقاً قتلوا، وفريقاً يكذبون وفريقاً يقتلون، فهذا دأبهم وعادتهم فاختصر. وقيل فريقاً كذبوا لم يقتلوهم وفريقاً قتلوهم فكذبوا. و «يقتلون» نعت لفريق. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرٰءيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً} ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم. {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ} بما يخالَف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف. {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} جواب الشرط والجملة صفة رسلاً والراجع محذوف أي رسول منهم. وقيل الجواب محذوف دل عليه ذلك وهو استئناف، وإنما جيء بـ {يَقْتُلُونَ} موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها واستفظاعاً للقتل وتنبيهاً على أن ذلك من ديدنهم ماضياً ومستقبلاً ومحافظة على رؤوس الآي.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها، قبلوه، وما خالفهم، ردوه، ولهذا قال تعالى: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: وحسبوا أن لايترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق، وصموا، فلا يسمعون حقاً، ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم، أي: مما كانوا فيه، {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} أي: بعد ذلك، {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: مطلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } على الإيمان بالله ورسله {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ } منهم {بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ } من الحق كذبوه {فَرِيقاً } منهم {كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً } منهم {يَقْتُلُونَ } كزكريا ويحيى والتعبير به دون (قتلوا) حكاية للحال الماضية للفاصلة.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِيثَاقَ} أيمان أخذها عليهم أنبياءهم أن يعلموا بها، وأُمروا بتصديق الرسل، أو آيات ظاهرة تقرّر بها علم ذلك عندهم. {وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ} بعد أخذ الميثاق {رُسُلاً}. {تَهْوَى} أخذ الهوى من هواء الجو لاستمتاع النفس بكل واحد منهما. {فَرِيقاً كَذَّبُواْ} اقتصروا على تكذيبه. {فَرِيقاً} كذبوه وقتلوه.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أن لا تكون} بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد. الباقون بالنصب. الوقوف: {رسلاً} ط {أنفسهم} لا لأن عامل {كلما} قوله {كذبوا} {يقتلون} ه {كثير منهم} ط {بما يعملون} ه {ابن مريم} ط {وربكم} ط {النار} ط {من أنصار} ه {ثلاثة} لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار {واحد} ط {أليم} ه {ويستغفرونه} ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور {رحيم} ه {رسول} ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف {الرسل} ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل {صدّيقة} ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في {كانا} مثنى {الطعام} ط {يؤفكون} ه {ولا نفعاً} ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر {العليم} ه {السبيل} ه {ابن مريم} ط {يعتدون} ه {فعلوه} ط {يفعلون} ه {كفروا} ط {خالدون} ه {فاسقون} ه {أشركوا} ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين {نصارى} ط {لا يستكبرون} ه {من الحق} ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف {الشاهدين} 5 {من الحق} لا لأن الواو بعده للحال. {الصالحين} ه {خالدين فيها} ط {المحسنين} ه {الجحيم} ه. /التفسير: افتتح الله تعالى السورة بقوله {أوفوا بالعقود} وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال {وأرسلنا إليهم رسلاً} لتعريف الشرائع والأحكام. قال في الكشاف {كلما جاءهم رسول} الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ {رسلاً} والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم. وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟ ولهذا كان الوقف على {رسلاً} مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله {فريقاً كذبوا} جواب قائل: كيف فعلوا؟ وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله {كلما} يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى {بما لا تهوى أنفسهم} بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد {يقتلون} مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر. {وحسبوا أن لا تكون فتنة} قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: {أية : ويعلمون أن الله هو الحق المبين} تفسير : [النور:25] فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل {أية : علم أن سيكون} تفسير : [المزمل:20] وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله {أية : والذي أطمع أن يغفر لي} تفسير : [الشعراء:82] وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله {وحسبوا أن لا تكون} قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة. والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم. ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به {ثم عموا وصموا كثير منهم} في زمان محمد صلى الله عليه وسلم فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه. وقوله {كثير منهم} بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: {عموا وصموا} حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم {ثم عموا وصموا كثير منهم} بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة. وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل {أية : فإذا جاء وعد أولاهما} تفسير : [الإسراء:5] {أية : فإذا جاء وعد الآخرة} تفسير : [الإسراء:7] وقرئ {فعموا وصموا} بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة. ثم إنه سبحانه لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم {قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه تعالى حل في ذات عيسى أو اتحد به. ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: {إنه من يشرك بالله} أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس {فقد حرم الله عليه الجنة} التي هي دار الموحدين أي منعه منها {وما للظالمين من أنصار} من كلام الله تعالى أو من حكاية قول عيسى عليه السلام لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله تعالى أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه. قال المفسرون {ثالث ثلاثة} معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما. يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة. وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد. واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: {وما من إله إلا إله واحد} فزاد من الاستغراقية. والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك. ثم زجرهم بقوله {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا} قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله {منهم} للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة. ومعنى {عذاب أليم} نوع شديد الألم من العذاب {أفلا يتوبون} قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد. ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله {ما المسيح ابن مريم إلا رسول} وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى {وأمه صديقة} كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال تعالى في وصفها: {أية : وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين} تفسير : [التحريم:12] أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية. ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب. وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً. ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله {كانا يأكلان الطعام} فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان. ثم عجب من غاية غوايتهم {انظر} يا محمد أو كل من له أهلية النظر {كيف نبين لهم الآيات} الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم. والعامل في {كيف} قوله {نبين} ومفعول {انظر} مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله {ثم انظر أنى يؤفكون} كيف يصرفون عن الحق. أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء. ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر. ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً. ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك} أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم. ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان عليه السلام مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له {والله هو السميع العليم} يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه. ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال {يا أهل الكتاب لا تغلوا} والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير. ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية. قال في الكشاف: قوله {غير الحق} صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: شعر : كلا طرفي قصد الأمور ذميم تفسير : فالأصوب أن يقال: انتصب {غير الحق} على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: {أية : ولا تعثوا في الأرض مفسدين} تفسير : [البقرة:60] أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً. ولو سلم أن المصدر محذوف كان {غير الحق} صفة مؤكدة مثل {أية : نفخة واحدة} تفسير : [الحاقة:13] و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم {ولا تتبعوا أهواء قوم} هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه {أية : ولا تتبع الهوى فيضلك} تفسير : [ص:26] {أية : وما ينطق عن الهوى} تفسير : [النجم:3] {أية : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} تفسير : [الجاثية:23] قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/ الشر. لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه. وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك. فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة {قد ضلوا من قبل} يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم {وأضلوا كثيراً} ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها {وضلوا عن سواء السبيل} عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فكذبوه. والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً. وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة. وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق {لعنهم الله} في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة. وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي. وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم. ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله {كانوا لا يتناهون} وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً. عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم"تفسير : وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً. والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون. والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه. ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال {لبئس ما كانوا يفعلون} ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله {أية : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} تفسير : [النساء:51] {لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم} من العمل لمعادهم. ومحل {أن سخط} رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى {ولكن كثيراً منهم فاسقون} في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى. ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين. وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذهم اليهود أولياء.
ابن عادل
تفسير : والمقصودُ: بيان عُيُوب بني إسرائيل، وشدَّة تَمَرُّدهم عن الوفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وهذا مُتعلِّقٌ بأوَّلِ السُّورة، وهو قولُه تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]. قوله تعالى: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ}: قد تقدَّم الكلامُ [الآية 20 من البقرة] على "كُلَّمَا" مشبَعاً، فأغْنَى عن إعادته، وقال الزمخشريُّ: "كُلَّمَا جاءَهُمْ رسولٌ" جملةٌ شرطيةٌ وقعت صفةٌ لـ "رُسُلاً"، والراجعٌ محذوفٌ، أي: "رسولٌ منهُمْ"، ثم قال: "فإنْ قلتَ: أينَ جوابُ الشرط، فإنَّ قوله: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وفرِيقاً يقتُلُونَ} ناب عن الجواب؛ لأنَّ الرسولَ الواحدَ لا يكون فريقَيْن؛ ولأنه لا يحسُن أن تقول: "إنْ أكْرَمْتَ أخِي، أخَاك أكْرَمْتُ"؟ قلتُ: هو محذوفٌ؛ يَدُلُّ عليه قوله: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ، وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}، كأنه قيل: كلما جاءهم رسولٌ، ناصَبُوه، وقوله: "فَرِيقاً كَذَّبُوا" جوابٌ مستأنفٌ لقائلٍ يقول: كيف فعلُوا برسُلِهِمْ؟" قال أبو حيان: "وليس "كُلَّمَا" شرطاً، بل "كُلَّ" منصوبٌ على الظرف و"مَا" مصدريةٌ ظرفيةٌ، ولم يجزم العربُ بـ "كُلَّمَا" أصلاً، ومع تسليم أن "كُلَّمَا" شرط؛ فلا يمتنع؛ لما ذكر، أمّا الأول؛ فلأنَّ المرادَ بـ "رَسُول" الجنسُ لا واحدٌ بعينه، فيصحُّ انقسامُه إلى فريقَيْن؛ نحو: "لا أصْحَبُكَ ما طَلَع نَجْمٌ" أي: جنس النجوم، وأما الثاني؛ فيعني أنه لا يجوزُ تقديمُ معمولِ جوابِ الشرط عليه". وهذا الذي منعه إنما منعه الفرَّاءُ وحدَه، وأما غيرُه، فأجاز ذلك، وهذا مع تسليم أنَّ "كُلَّمَا" شرط، وأمَّا إذا مشينا على أنَّها ظرفيةٌ، فلا حاجة إلى الاعتذارِ عن ذلك، ولا يمتنعُ تقديمُ معمولِ الفعلِ العاملِ في "كُلَّمَا" تقول: "كُلَّمَا جِئْتَنِي أخَاكَ أكْرَمْتُ"، قال شهاب الدين: هذا واضحٌ من أنها ليستْ شرطاً، وهذه العبارةُ تكثُرُ في عبارة الفقهاءِ دُونَ النُّحَاةِ، وفي عبارة أبي البقاء ما يُشْعر بما قاله الزمخشريُّ، فإنه قال: "وَكَذَّبُوا" جواب "كُلَّمَا" و"فَرِيقاً" مفعول بـ "كَذَّبُوا"، و"فَرِيقاً" منصوب بـ "يَقْتُلُونَ"، وإنما قدَّمَ مفعول "يَقْتُلُونَ" لتواخي رؤوس الآي، وقدَّم مفعولَ "كَذَّبُوا" مناسبةً لما بعده. قال الزمخشريُّ: "فإنْ قلت: لِمَ جِيءَ بأحد الفعلَيْن ماضياً، وبالآخر مضارعاً؟ قلتُ: جِيء بـ "يَقْتُلُونَ" على حكايةِ الحالِ الماضية؛ استفظاعاً للقتلِ، واستحضاراً لتلْكَ الحالِ الشنيعةِ؛ للتعجُّبِ منها". انتهى، وقد يقال: فلِمَ لا حُكِيَتْ حالُ التكْذيبِ أيضاً، فيُجَاءُ بالفعْلِ مضارعاً لذلك؟ ويجَابُ بأنَّ الاستفظاع في القتلِ وشناعَتِهِ أكثرُ من فظاعةِ التكذيبِ، وأيضاً؛ فإنه لمَّا جيء به مضارعاً ناسب رؤوس الآي.
البقاعي
تفسير : ولما كانت هذه البشارة - الصادقة من العزيز العليم الذي أهل الكتاب أعرف الناس به لمن آمن كائناً من كان - موجبة للدخول في الإيمان والتعجب ممن لم يسارع إليه، وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر، كان الحال مقتضياً لتذكر ما مضى من قوله تعالى {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} تفسير : [المائدة: 12] وزيادة العجب منهم مع ذلك، فأعاد سبحانه الإخبار به مؤكداً له تحقيقاً لأمره وتفخيماً لشأنه، وساقه على وجه يرد دعوى البنوى والمحبة، ملتفتاً مع التذكير بأول قصصهم في هذه السورة إلى أول السورة {أية : أوفوا بالعقود} تفسير : [المائدة: 1] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة، وجعل بدل النقباء الرسل فقال مستأنفاً: {لقد أخذنا} أي على ما لنا من العظمة {ميثاق بني إسرائيل} أي على الإيمان بالله ثم بمن يأتي بالمعجز مصدقاً لما عنده بحيث يقوم الدليل على أنه من رسل الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم بالإيمان بهم، ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة: {وأرسلنا إليهم رسلاً} أي لم نكتف بهذا العهد، بل لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين يرونهم الآيات ويجددون لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه - البخاري في بني إسرائيل ومسلم في المغازي - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم"تفسير : انتهى. ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا في زمن موسى ولا في زمن من بعده من الأنبياء عليهم السلام، حتى قتلوا كثيراً من الرسل وهو معنى قوله - جواباً لمن كأنه قال: ما فعلوا بالرسل: {كلما جاءهم رسول} أي من أولئك الرسل أي رسول كان {بما لا تهوى أنفسهم} أي بشيء لا تحبه نفوسهم محبة تتساقط بها إليه، خالفوه، فكأنه قيل: أي مخالفة؟ فقيل: {فريقاً} أي من الرسل {كذبوا} أي كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل، ودل على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته بالتعبير بالمضارع تصويراً للحال الماضية وتنبيهاً على أن هذا ديدنهم وهو أشد من التكذيب فقال: {وفريقاً يقتلون *} أي مع التكذيب وليدل على ما وقع منهم في سم النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المفعول للدلالة على انحصار أمرهم في حال التكذيب والقتل، فلا حظ لهم في تصديق مخالف لأهوتيهم {وحسبوا} أي لقلة عقولهم مع مباشرتهم لهذه العظائم التي ليس بعدها شيء {ألاّ تكون} أي توجد {فتنة} أي أنه لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا خزي في الأخرى، بل استحقوا بأمرها، فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرىء: تكون - بالرفع تنزيلاً للحسبان منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة التي للتحقيق، وبالنصب كان الحسبان على بابه، وأن، على بابها خفيفة ناصبه للفعل، لأن القاعدة - كما ذكر الواحدي - أن الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل للثبات والاستقرار كالعلم والتيقن والبيان، تفع بعده الثقيلة دون الخفيفة، وفعل للزلزلة والاضطراب كالطمع والخوف والرجاء، فلا يكون بعده إلا الخفيفة الناصبة للمضارع، وفعل يقع على وجهين كحسب: تارة تكون بمعنى طمع فتنصب، وتارة بمعنى علم فترفع، فإن رفع هنا كان الحسبان بمعنى العلم عندهم لقوة عنادهم، وإن نصب كان بمعنى الطمع لأنهم عالمون بأن قتلهم لهم خطأ، فتنزل القراءتان على فريقين - والله أعلم، وأيضاً فقراءة الرفع تفيد تأكيد حسبانهم المفيد لعدم خوفهم بزيادة عماهم {فعموا} أي فتسبب عن إدلالهم إدلال الولد والمحبوب جهلاً منهم وحماقة بظنهم أنهم لا تنالهم فتنة أنهم وُجِد عماهم العمى الذي لا عمى في الحقيقة سواه، وهو انطماس البصائر {أية : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}تفسير : [الحج: 46] حتى في زمن موسى عليه السلام {وصموا} أي بعده وبعد يوشع عليهما السلام، لأن الصمم أضر من العمى، فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلاً، لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع {ثم تاب الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال {عليهم} أي فرجعوا إلى الحق وتكرر لهم ذلك {ثم عموا} أي في زمن المسيح عليه السلام {وصموا} أي بعده. ولما كان الإتيان بالضمير مفهماً لأن ذلك عمهم كلهم، أعلم سبحانه أن ذلك ليس كذلك بقوله: {كثير منهم} إلا أن سوقه للعبارة هذا المساق يدل على أن من لم يكفر منهم كان مزلزلاً غير راسخ القدم في الهدى - والله أعلم، وربما دل عليه قوله: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {بصير بما يعملون *} أي وإن دق وإن كانوا يظنون أنهم أسسوا عملهم على علم، وقد مضى في قوله "من لعنه الله وغضب عليه" ما يشهد لهذا من عبادتهم بعلا الصنم وغيره من الأصنام مرة بعد مرة. ولما أخبر تعالى بفساد أعمالهم، دل على ذلك بقوله مستفتحاً مبيناً من حال النصارى ما بين من حال اليهود، ومؤكداً لختم آية التبليغ بما ينقض دعواهم في البنوة والمحبة: {لقد كفر} أي ستر ما دل عليه النقل وهدى إليه العقل {الذين قالوا إن الله} أي على ما له من نعوت الجلال والجمال {هو المسيح} فبين بصيغة فعيل - التي لا مانع من أن تكون للمفعول - بُعْدَه عما ادعوه فيه، ثم أوضح ذلك بقوله: {ابن مريم} أيضاحاً لا خفاء معه. ولما كانت دعوى الاتحاد الذي هو قول اليعقوبية أشد في الكفر وأنفى للإله من دعوى التثليث الذي هو قول النسطورية والملكية القائلين بالأقانيم، قدمها وبين تعالى أنهم خالفوا فيها أمر المسيح الذي ادعوا أنه الإله فقال: {وقال} أي قالوا هذا الذي كفروا به والحال أنه قال لهم {المسيح} ضغطه عليهم ودعاء إلى ما هو الحق {يا بني إسرائيل} أي الذي كان يتشرف بعبادة الله وتسميته بأنه عبده {اعبدوا الله} أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره، فأمرهم بأداء الحق لأهله مذكراً لهم بعظمته، ثم ذكرهم بإحسانه وأنه وإياهم في ذلك شرع واحد، فقال مقدماً لما يتعلق به لأنه أهم لإنكارهم له {ربي وربكم} فلم يطيعوا الإله الحق ولا الذي ادعوه إلهاً، فلا أضل منهم ولا أسفه، قال أبو حيان في النهر: وهذا الذي ذكره الله تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به، وهو قول المسيح: يا معشر بني المعمودية - وفي رواية: يا معشر الشعوب - قوموا بنا إلى أبي وأبيكم وإلى إلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم - انتهى. وقد أسلفت أنا في آل عمران وغيرها عن الإنجيل كثيراً من شواهد ذلك، ويأتي في هذه السورة وغيرها كثير منه. ولما أمرهم بما يفهم منه الإخلاص لله تعالى في العبادة لما ذكر من جلاله وأن ما سواه مربوب، ولأنه أغنى الأغنياء، فمن أشرك به شيئاً لم يعتد له بعبادة، علل ذلك بقوله: {إنه من يشرك} أي الآن أو بعد الآن في زمن من الأزمان {بالله} أي الذي تفرد بالجلال في عبادة أو فيما هو مختص به من صفة أو فعل {فقد حرم الله} أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه {عليه الجنة} أي منعه من دخولها منعاً عظيماً متحتماً. ولما كان المنع من دار السعداء مفهماً لكونه في دار الأشقياء، صرح به فقال: {ومأواه} أي محل سكناه {النار} ولما جرت عادة الدنيا بأن من نزل به ضيم يسعى في الخلاص منه بأنصاره وأعوانه، نفى ذلك سبحانه مظهراً للوصف المقتضي لشقائهم تعليلاً وتعميماً فقال: {وما للظالمين} أي لهم لظلمهم {من أنصار *} لا بفداء ولا بشفاعة ولا مقاهرة بمجاهرة ولا مساترة، لأن من وضع عمله في غير موضعه فكان ماشياً في الظلام، لا تمكنه أصلاً مقاومة من هو في أتم ضياء، وهذا على التهديد على الكفر فلا يصح أن يكون على مطلق المعصية ولو كانت كبيرة، فبطل قول المعتزلة. ولما انقضى هذا النقض، وقدمه لأنه كما مضى أشد، أتبعه إبطال دعوى التثليث بقوله مبدلاً من تلك النتيجة نتيجة أخرى: {لقد كفر الذين قالوا} بجرأة على الكلام المتناقض وعدم حياء {إن الله} أي على ما له من العظمة التي منها الغنى المطلق {ثالث} أي واحد {ثلاثة} أي كلهم آلهة، وأما القائل بأنه ثالث بالعلم فلا يكفر. ولما أعلم بكفرهم، أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما سلف بما لا يخفى على أحد، تحقيقاً لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ظاهر فقال: {وما} وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال: {من إله إلا إله واحد} أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح ولا يتصور في العقل أن يكون الإله متعدداً لا تحقيقاً ولا تقديراً بوجه من الوجوه، لا يكون إلا واحداً بكل اعتبار، وهو الله تعالى لا غيره، وقد بين عيسى عليه السلام في الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه لا يصح أن يكون الإله إلا واحداً - بالمعتمد من أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع المشار إليه في كتابنا بقوله تعالى {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : [الأنبياء: 22] فقال مترجمهم في إنجيل متى: حينئذ أتى إليه - أي عيسى عليه لاسلام - بأعمى أخرس له شيطان، فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر، فبهت الجمع كلهم وقالوا: لعل هذا هو ابن داود! فسمع الفريسيون فقالوا: هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين، فلما علم مكرهم قال لهم: كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت، فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم فكيف يقوم ملكه؟ فإن كنت أنا أخرج الشياطين بباعل زبول فأبناؤكم بما تخرجونهم! من أجل هذا هم يكونون عليكم، وإن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله، وكيف يستطيع حد أن يدخل بيت القوي ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي أولاً، حينئذ ينهب بيته. وقال مرقس: وأما الكتبة الذين أتوا من يروشليم فقالا: إن بعل زبول معه، وباركون الشياطين يخرج الشياطين؛ فدعاهم وقال لهم: كيف يقدر شيطان أن يخرج شيطاناً! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة، فإذا اختلف أهل البيت لا يثبت ذلك البيت، وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته وينقسم فلن يقدر أن يثبت، لكن له انقضاء، لا يقدر أحد أن يدخل بيت القوي وينتهب بيته إلا أن يربطه أولاً, وينتهب متاعه, الحق أقول لكم! إن كل شيء يغفر لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه، والمجدفين على روح القدس ليس يغفر لهم إلى لأبد، بل يحل بهم العقاب الدائم، لأنهم يقولون: إن معه روحاً نجساً. قال متى: من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق، من أجل هذا أقول لكم: إن كل خطيئة وتجديف يترك للناس، والتجديف على روح القدس لا يترك، ومن يقل كلمة على ابن الإنسان يترك له، والذي يقول على روح القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في الآتي، إما أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة، وإما أن تصيروا الشجرة الرديئة وثمرتها رديئة، لأن من الثمرة تعرف الشجرة، يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصلاح وأنتم أشرار! إنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب، الرجل الصالح من كنزه الصالح يخرج الصلاح، والرجل الشرير من كنزه الشرير يخرج الشر، أقول لكم: إن كل كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون عنها جواباً في يوم الدين، لأنك من كلامك تبرّر، ومن كلامك يحكم عليك. وفي إنجيل لوقا: وفيما هو يتكلم إذا رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت: طوبى لبطن التي حملتك، ولثدي التي أرضعتك، فقال لها: مهلاً! طوبى لمن يسمع كلام الله ويحفظه - انتهى. حينئذ أجابه قوم من الكتبة والفريسين قائلين: نريد يا معلم أن ترينا آية, أجابهم وقال لهم: الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا يعطي آية إلا آية يونان النبي؛ قال لوقا: فكما كان في يونان آية لأهل نينوى، كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى. رجال نينوى يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل، لأنهم تابوا بكريزة يونان - وقال لوقا: بإنذار يونان - وهاهنا أفضل من يونان ملكة التيمن تقوم في الحكم مع هذا الجيل وتحاكمه، لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان، وههنا أفضل من سليمان، إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها ماء، يطلب راحة فلا يجد، فيقول حينئذ: أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي فيجد المكان فارغاً مكنوساً مزيناً، فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح أخر شراً منه ويأتي ويسكن هناك، فتصير آخرة ذلك الإنسان شراً من أوليته، وهكذا يكون لهذا الجيل الشرير - انتهى. والتجديف هو الكفر بالنعم، ويونان: يونس عليه السلام، والكريزة - بينها لوقا بأنها الإنذار، والتيمن: اليمن، والأركون - بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ساكنة: الكبير، ويروشليم - بفتح التحتانية وضم المهملة ثم شين معجمة: بيت المقدس، وباعل زبول - لا تصح أصلاً، وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه عليهما السلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى {أية : كانا يأكلان الطعام}تفسير : [المائدة: 75] والمراد من ذلك كله أنه متى دخلت الشركة أتى النقص فعلاً أو إمكاناً، ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلهاً. ولما أخبر أنهم كفروا، وأشار إلى نقض قولهم، كان أنسب الأشياء بعده أن يعطف عليه ترهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى: {وإن لم ينتهوا} أي الكفرة بجميع أصنافهم {عما يقولون} أي من هاتين المقالتين وما داناهما {ليمسن} أي مباشرة من غير حائل {الذين كفروا} أي داموا على الكفر، وبشر سبحانه بأنه يتوب على بعضهم بقوله: {منهم عذاب أليم}.
ابو السعود
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} كلام مبتدأٌ مَسوق لبـيان بعضٍ آخرَ من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي بالله لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة. {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً} ذوي عددٍ كثير وأولي شأنٍ خطير ليقرِّروهم على مراعاة حقوق الميثاق ويُطْلعوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم ويتعهدوهم بالعظة والتذكير، وقوله تعالى: {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ} جملة شرطيةٌ مستأنَفةٌ وقعت جواباً عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق وإرسال الرسل، وجواب الشرط محذوف، كأنه قيل: فما فعلوا بالرسل؟ فقيل: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تُحبه أنفسُهم المنهمكةُ في الغيِّ والفساد من الأحكام الحَقّة والشرائعِ عَصَوْه وعادَوْه، وقوله تعالى: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} جواب مستأنَفٌ عن استفسار كيفية ما أظهروه من آثار المخالفة المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال كأنه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل: فريقاً منهم كذبوهم من غير أن يتعرضوا لهم بشيء آخرَ من المَضارِّ وفريقاً آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم أيضاً، وإنما أُوثر عليه صيغة المضارع على حكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها الهائلة للتعجيب منها وللتنبـيه على أن ذلك دَيْدنُهم المستمرُّ، وللمحافظة على رؤوس الآي الكريمة، وتقديم فريقاً في الموضعين للاهتمام به وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر هذا، وأما جعلُ الشرطية صفةً (لرسلاً) كما ذهب إليه الجمهور فلا يساعده المقام أصلاً ضرورةَ أن الجملة الخبرية إذا جُعلتْ صفةً أو صلةً يُنسخ ما فيها من الحكم وتُجعل عنواناً للموصوف تتمةً له في إثباتِ أمرٍ آخَرَ له ولذلك يجب أن يكون الوصفُ معلومَ الانتساب إلى الموصوف عند السامع قبل جعله وصفاً له، ومن هٰهنا قالوا: إن الصفاتِ قبل العلم بها أخبارٌ، والأخبارُ بعد العلم بها أوصافٌ، ولا ريب في أن ما سبق له النظم إنما هو بـيانُ أنهم جعلوا كل من جاءهم من رسل الله تعالى عُرضةً للقتل أو التكذيب حسبما يفيده جعلُها استئنافاً على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، لا بـيانُ أنه تعالى أرسل إليهم رسلاً موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضىٰ جعلِها صفةً.
القشيري
تفسير : داروا مع الهوى فوقعوا في البلاء. ومِنْ أمارات الشقاء الإصرارُ على متابعة الهوى، وحسبوا ألا تكون فتنة، فعموا وصموا. واغتروا بطول الإمهال فأصروا على قبيح الأعمال، فلما أَخَذَتْهم فجاءةُ الانتقام لم ينفعهم الندم، وبَرَّحَ بهم الألم.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد اخذنا ميثاق بنى اسرائيل} اى بالله قد اخذنا عهدهم بالتوحيد وسائر الشرائع والاحكام المكتوبة عليهم فى التوراة {وارسلنا اليهم رسلا} ذوى عدد كثير واولى شأن خطير ليذكروهم وليبينوا لهم امر دينهم {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى انفسهم} جواب شرط محذوف كأنه قيل فماذا فعلوا بالرسل فقيل كلما جاءهم رسول من اولئك الرسل بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف عصوه وعادوه كأنه قيل كيف عصوهم فقيل {فريقا كذبوا} اى فريقا منهم كذبوهم من غير ان يتعرضوا لهم بشىء آخر من المضار {وفريقا يقتلون} اى فريقا آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم بل قتلوهم ايضا كزكريا ويحيى عليهما السلام.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: المضارع إذا وقع بعد العلم وجب إهمال (إن) معه، فتكون مخففة، وإن وقعت بعد الظن يصح فيها الوجهان، فمن قرأ: {وحسبوا ألا تكون} بالرفع، فأن مخففة، ومن قرأ بالنصب فأن مصدرية. والفرق بين العلم والظن، أن علم العبد إنما يتعلق بالحال، و(أن) تُخلص للاستقبال، فلا يصح وقوعها بعد العلم، فأهملت وكانت مخففة من الثقيلة، بخلاف الظن؛ فيتعلق بالحال والاستقبال، فصح وقوع (أن) بعده. و {كلما}: ظرف لكذبوا أو يقتلون، و {كثير}؛ بدل من فاعل عموا وصموا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أن يعملوا بأحكام التوراة، {وأرسلنا إليهم رسلاً} يجددون العهد ويحثون على الوفاء به، ثم إنهم طغوا وعتوا؛ {كلما جاءهم رسول} من عند الله {بما لا تهوى أنفسهم} من الشرائع التي تخالف أهواءهم ومشاق الطاعة، {فريقًا} منهم كذبوهم {وفريقًا} يقتلونهم، أي: كذبوا فريقًا كداود وسليمان، وفريقًا قتلوهم بعد تكذيبهم كزكريا ويحيى، وقصدوا قتل عيسى عليه السلام فليس ما فعلوا معك ببدع منهم، فلهم سلف في ذلك. {وحسبوا} أي: ظنوا {ألا تكون فتنة} أي: لا يقع بهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء ـ عليهم السلام ـ، وتكذيبهم، {فعموا} عن أدلة الهدى، أو عن الدين، {وصموا} عن استماع الوعظ والتذكير، كما فعلوا حيث عبدوا العجل، {ثم تاب الله عليهم} لما تابوا، {ثم عموا وصموا} لما قتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء، واستمر على ذلك {كثير منهم}، وقليل منهم بقوا على العهد {والله بصير بما يعملون} فيجازيهم وفق أعمالهم. الإشارة: لقد أخذ الله العهد على جميع بني آدم في شأن حمل الأمانة، التي حملها أبوهم آدم، وبعث الأنبياء والأولياء يجددون العهد في حملها، ويعرفون الناس بشأنها، وهي المعرفة الخاصة، التي هي شهود عظمة الربوبية في مظاهر العبودية، وحملها لا يكون إلا بمخالفة الهوى وخرق عوائد النفوس، ولا يطيقها إلا الخصوص، فلذلك كثر الإنكار على الأنبياء والأولياء؛ إذ لم يأت أحد بخرق العوائد إلا عودي وأنكر، فكلما جاءهم رسول أو ولي بما لا تهوي أنفسهم فريقًا منهم كذبوا وفريقًا يقتلون، وظنوا أن الله لا يعاقبهم على ذلك، ولا تصيبهم فتنة في قلوبهم على ما هنالك، فعموا عن مشاهدة أنوار الحق، وصموا عمن يذكرهم بالحق، وقد تلمع لهم تارة قبس من أنوارهم، فيتوبون، ثم يُصّرون على الإنكار. والله بصير بما يعملون. ثم ذكر مساوئ النصارى، فقال: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ}.
الطوسي
تفسير : اللام في قوله {لقد} لام القسم. أقسم الله تعالى أنه أخذ الميثاق وهو الأيمان المؤكدة التي أخذها أنبياءهم على بني اسرائيل في قول ابي علي. وقال غيره: يجوز أن يكون الميثاق هي الآيات البينة التي قرر بها علم ذلك عندهم. وإِنما أخذ ميثاقهم على الاخلاص لتوحيد الله تعالى، والعمل بها أمر به، والانتهاء عما نهى عنه والتصديق برسله والبشارة بالنبي الاميِّ والاقرار به، حسب ما تقدمت صفته عندهم. ووجه الاحتجاج على أهل الكتاب بما أخذ على آبائهم من الميثاق أنهم قد عرفوا ذلك في كتبهم، وأقروا بصحته، فحجته لازمة لهم، والعمل به واجب عليهم، وعيب المخالفة يلحقهم كما لحق آباءهم الذين نقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم. وقوله {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم} والهوى هو لطف محل الشئ من النفس مع الميل اليه بما لا ينبغي، فلذلك غلب على الهوى صفة الذم، كما قال تعالى {أية : ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى }تفسير : ويقال: منه: هوى يهوى ويقال: هوى يهوي هوياً إِذا انحط في الهواء وأهوى بيده إِذا انحط بها ليأخذ شيئاً. و { أية : فأمُّه هاوية }تفسير : أي جهنم، لأنه يهوي فيها. وهم يتهاوون في الهواء اذا سقط بعضهم في أثر بعض والفرق بين الهوى والشهوة: أن الشهوة تتعلق بالمدركات فيشتهي الانسان الطعام، ولا يهوى الطعام. وهواء الجو ممدود، وهوى النفس مقصور. وقوله {وأفئدتهم هواء} قيل فيه قولان: أحدهما - أنها منحرفة لا تعي شيئاً كهواء الجو. والآخر أنه قد أطارها الخوف. ومنه قوله {أية : كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران } تفسير : أي استهوته من هوى النفس. وقوله {فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون} نصب فريقاً في الموضعين بأنه مفعول به قدم. وإِنما قال في الأول {كذبوا} بلفظ الماضي. وفي الثاني {يقتلون} بلفظ المستقبل لأمرين: أحدهما - ليدل بذلك على أن من شأنهم ذلك وعادتهم ففيه معنى كذبوا وقتلوا ويكذبون ويقتلون مع موافقته لرؤوس الآي. الثاني - أن يكون على معنى فريقاً كذبوا، ولم يقتلوا وفريقاً كذبوا وقتلوا فيكون يقتلون صفة الفريق.
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يعنى كما أخذنا ميثاقكم بولاية علىّ (ع) فاحذروا ان تكونوا مثلهم فتكذّبوا فريقاً وتقتلوا فريقاً كما فعلوا بعلىّ (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) {وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} الاتيان بالاستقبال لاستحضار الحال الماضية تفضيحاً لهم باحضار اشنع أحوالهم وللمحافظة على رؤس الآى.
اطفيش
تفسير : {لَقَد أَخَذنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ}: أن يعملوا بما فى التوراة، فالمراد بهم هنا اليهود لا كل ولد يعقوب. {وَأَرْسَلنَا إِلَيْهِم رُسُلاً}: تقريراً لأحكام التوراة، وربما نزل عليهم كتاب أيضاً بعد التوراة كزبور داود وكتاب أشعياء. {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولُ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ}: من ميثاق التكاليف والعمل بالشرائع. {فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}: فمن كذبوه عيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل راموا قتلهما أيضاً فنجاهما الله، وممن كذبوا زكريا ويحيى، وكل ظرف مضاف لمصدر ما بعد ما المصدرية النائب عن اسم الزمان متعلق بكذبوا، ويقدر مثله ليقتلون، وجملة كذبوا نعت لرسلا من قوله: {وَأَرْسَلنَا إِلَيْهِم رُسُلاً} والرابط محذوف، أى كلما جاءهم رسول منهم كذبوا فريقاً منهم، ويقتلون فريقاً، ورسول من قوله كلما جاءهم رسول، ولو كان مفرداً لكنه تضمن رسلا كثيرة لقوله: كلما فجاز تقسيمه الى فريقين، وقيل: كلما يتعلق بمحذوف تقديره كلما جاءهم رسول عادوه وحاربوه، وقوله: {فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} مستأنف دال عليه، وكلما على الوجهين كاسم الشرط فى التلازم، كقولك: كلما طلعت الشمس كان النهار موجوداً.
اطفيش
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ} في التوراة بالتوحيد والعمل بما فيها ومما فيها الإِيمان بمحمد والقرآن والعمل {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ} منهم {رُسُلاً} كثيرة عظاما جارين على حكم التوراة {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ} من تلك الرسل {بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ} لصعوبته أَو لغيرها. ونحو كلما كان كذا كان كذا كهذه الآية يعده المناطقة قضية شرطية لشبهه بالشرط والجواب في الارتباط والتعلق ونصبه على الظرفية لإضافته للمصدر النائب عن الزمان المؤول من ما المصدرية والفعل بعدها يتعلق بجوابه محذوفا أَى شاقوه أَو استكبروا، وفسره بقوله {فَرِيقاً} من الرسل {كَذَّبُوا} بلا قتل {وَفَرِيقاً} منهم {يَقْتُلُونَ} كزكرياءَ ويحيى، وتعاطوا قتل عيسى فنجاه الله، وفى زعمهم الباطل أَنهم قتلوه وكتب الله عليهم ذنب القتل وقدم المفعول للفاصلة والاهتمام والمضارع لحكاية الحال الماضية كأَنه صلى الله عليه وسلم يشاهد قتلهم وهذا أَقوى، ليدل على التكرير فإِن قتل الأَنبياءِ عادتهم فكأَنه يشاهد تكريره أَيضا، وليس كذبوا ويقتلون جوابا يتعلق بهما لأَن الرسول الواحد لا ينقسم إِلى فريق مكذب بفتح الذال وفريق مقتول، ولأَنه إِن علق بكذبوا بقى يقتلون أَو بيقتلون بقى كذبوا أَو بهما لم يصح إِذا لا يعمل عاملان في معمول فيحتاج إِلى تقدير كلما لأحدهما من مطلق الحذف مع ركة المعنى، وإِن اعتبرنا الرسول عاما للرسل للفظ كلما اندفع به قولنا إِن الرسول الواحد لا ينقسم إِلخ وبقى قولنا أَنه إِن علق بكذبوا إِلخ إِشكالا عليه لا يندفع فأَجرى على قولى الجواب محذوف تقديره شاقوه أَو استكبروا.
الالوسي
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} كلام مبتدأ مسوق لبيان بعض آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم، وجعله بعضهم متعلقاً بما افتتح الله تعالى به السورة، وهو قوله سبحانه: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] ولا يخفى بعده. والمراد بالميثاق المأخوذ العهد المؤكد الذي أخذه أنبياؤهم عليهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم واتباعه فيما يأتي ويذر، أو في التوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة. {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً} ذوي عدد كثير وأولي شأن خطير، يعرفونهم ذلك ويتعهدونهم بالعظة والتذكير ويطلعونهم على ما يأتون ويذرون في دينهم. {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ} أي بما لا تميل إليه من / الشرائع ومشاق التكاليف، والتعبير بذلك دون بما تكرهه أنفسهم للمبالغة في ذمهم، وكلمة {كُلَّمَا} كما قال أبو حيان: منصوبة على الظرفية لإضافتها إلى (ما) المصدرية الظرفية وليست كلمة شرط، وقد أطلق ذلك عليها الفقهاء وأهل المعقول، ووجه ذلك السفاقسي بأن تسميتها شرطاً لاقتضائها جواباً كالشرط الغير الجازم فهي مثل ـ إذا ـ ولا بعد فيه، وجوابها ـ كما قيل ـ قوله تعالى: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ}. وقيل: الجواب محذوف دل عليه المذكور، وقدره ابن المنير استكبروا لظهور ذلك في قوله تعالى: {أية : أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا} تفسير : [البقرة: 87] الخ، والبعض ناصبوه لأنه أدخل في التوبيخ على ما قابلوا به مجيء الرسول الهادي لهم، وأنسب بما وقع في التفصيل مستقبحاً غاية الاستقباح، وهو القتل على ما سنشير إليه إن شاء الله تعالى، فإن الاستكبار إنما يفضى إليه بواسطة المناصبة، وأما في الآية الأخرى فقد قصد إلى استقباح الاستكبار نظراً إليه في نفسه لاقتضاء المقام، وادعى بعضهم أن في الإتيان بالفاء في آية الاستكبار إشارة إلى اعتبار الواسطة كأنه قيل: استكبرتم فناصبتم (ففريقاً) الخ، وفيه نظر، والجملة حينئذ استئناف لبيان الجواب، وجعل الزمخشري هذا القول متعيناً لأن الكلام تفصيل لحكم أفراد جمع الرسل الواقع قبل، أي ـ كلما جاءهم رسول من الرسل ـ والمذكور بقوله سبحانه: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ} الخ يقتضي أن الجائي في كل مرة فريقان فبينهما تدافع، وعلى تقدير قطع النظر عن هذا لا يحسن في مثل هذا المقام تقديم المفعول مثل ـ إن أكرمت أخي، أخاك أكرمت ـ لأنه يشعر بالاختصاص المستلزم للجزم بوقوع أصل الفعل مع النزاع في المفعول، وتعليقه بالشرط يشعر بالشك في أصل الفعل، ولأن تقديم المفعول على ما قيل: يوجب الفاء إما لجعله الفعل بعيداً عن المؤثر فيحوجه إلى رابط، وإما لأنه بتقديم المفعول أشبه الجملة الاسمية المفتقرة إلى الفاء، وقيل: فيه مانع آخر لأن المعنى على أنهم كلما جاءهم رسول وقع أحد الأمرين لا كلاهما، فلو كان جواباً لكان الظاهر أو بدل الواو، ومن جعل الجملة جواباً لم ينظر إلى هذه الموانع، قال بعض المحققين: أما الأول: فلأنه لقصد التغليظ جعل قتل واحد كقتل فريق، وقيل: المراد بالرسول جنسه الصادق بالكثير؛ ويؤيده {كُلَّمَا} الدالة على الكثرة، وأما الثاني: فلأنه لا يقتضي قواعد العربية مثله، وما ذكر من الوجوه أوهام لا يلتفت إليها، ولا يوجد مثله في كتب النحو، ومنه يعلم دفع الأخير، وتعقب ذلك مولانا شهاب الدين بأنه عجيب من المتبحر الغفلة عن مثل هذا، وقد قال في «شرح التسهيل» ويجوز أن ينطلق خيراً يصب ـ خلافاً للفراء ـ فقال شراحه: أجاز سيبويه والكسائي تقديم المنصوب بالجواب مع بقاء جزمه، وأنشد الكسائي:شعر : وللخير أيام فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها (الخير يعقب) تفسير : تقديره يعقب الخير، ومنع ذلك الفراء مع بقاء الجزم، وقال: بل يجب الرفع على التقديم والتأخير أو على إضمار الفاء، وتأول البيت بأن الخير صفة للأيام، كأنه قال: أيامها الصالحة. واختار ابن مالك هذا المذهب في بعض كتبه، ولما رأى الزمخشري اشتراك المانع بين الشرط الجازم وما في معناه مال إليه خصوصاً، وقول المعنى تقتضيه فهو الحق انتهى. والجملة الشرطية صفة {رُسُلاً} والرابط محذوف أي رسول منهم، وإلى هذا ذهب جمهور المعربين. واختار مولانا شيخ الإسلام أن الجملة الشرطية مستأنفة وقعت جواباً عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق إرسال الرسل كأنه قيل: فماذا فعلوا بالرسل؟ فقيل: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم / المنهمكة في الغي والفساد من الأحكام الحقة والشرائع عصوه وعادوه، واعترض رحمه الله تعالى على ما ذهب إليه الجمهور من القول بالوصفية بأنه لا يساعده المقام لأن الجملة الخبرية إذا جعلت صفة أو صلة ينسخ ما فيها من الحكم، ويجعل عنواناً للموصوف وتتمة له، ولذا وجب أن تكون معلومة الانتساب له، ومن هنا قالوا: إن الصفات قبل العلم بها إخبار والإخبار بعد العلم بها أوصاف، ولا ريب في أن ما سيق له النظم إنما هو بيان أنهم جعلوا كل من جاءهم من الرسول عرضة للقتل والتكذيب حسبما يفيده جعلها استئنافاً على أبلغ وجه وآكده لا بيان أنه أرسل إليهم رسلاً موصوفين بكون كل منهم كذلك كما هو مقتضى جعلها صفة انتهى. وتعقبه الشهاب بأنه تخيل لا طائل تحته، فإن قوله سبحانه: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} الخ مسوق لبيان جناياتهم والنعي عليهم بذلك كما اعترف به المعترض وهو لا يفيده إلا بالنظر إلى الصفة التي هي مرمى النظر كما في سائر القيود، وأما كونها معلومة فلا ضير فيه فإنك إذا وبخت شخصاً، وقلت له: فعلت كيت وكيت وهو أعلم بما فعل لا يضر ذلك في تقريعه وتعييره بل هو أقوى ـ كما لا يخفى ـ على الخبير بأساليب الكلام، فلا تلتفت إلى مثل هذه الأوهام انتهى، ولا يخفى ما في قوله، وهو لا يفيده إلا بالنظر إلى الصفة الخ من المنع الظاهر، وكذا جعل ما نحن فيه نظير قولك لشخص تريد توبيخه فعلت كيت وكيت ـ وهو أعلم بما فعل ـ فيه خفاء، والذي يحكم به الانصاف بعد التأمل جواز الأمرين، وأن ما ذهب إليه شيخ الإسلام أولى فتأمل وانصف. والتعبير ـ بيقتلون ـ مع أن الظاهر قتلوا ككذبوا لاستحضار الحال الماضية من أسلافهم للتعجيب منها ولم يقصد ذلك في التكذيب لمزيد الاهتمام بالقتل، وفي ذلك أيضاً رعاية الفواصل، وعلل بعضهم التعبير بصيغة المضارع فيه، بالتنبيه على أن ذلك ديدنهم المستمر فهم بعد يحومون حول قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتصر البعض على قصد حكاية الحال لقرينة ضمائر الغيبة، وتقدم {فَرِيقاً} في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف عاد به الكلام على أحوال اليهود وجراءتهم على الله وعلى رسله. وذلك تعريض باليأس من هديهم بما جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم وبأنّ ما قابلوا به دعوته ليس بدعاً منهم بل ذلك دأبهم جيلاً بعد جيل. وقد تقدّم الكلام على أخذ الميثاق على اليهود غير مرّة. أُولاها في سورة البقرة (83). والرسل الّذين أرسلوا إليهم هم موسى وهارون ومن جاء بعدهما مثل يوشع بن نون وأشعيا وأرْميا وحزقيال وداوود وعيسى. فالمراد بالرّسل هنا الأنبياء: من جاء منهم بشرع وكتاب، مثل موسى وداوود وعيسى، ومن جاء معزّزاً للشّرع مبيّنا له، مثل يوشع وأشعيا وأرميا. وإطلاق الرّسول على النّبيء الّذي لم يجىء بشريعة إطلاق شائع في القرآن كما تقدّم، لأنّه لمَّا ذكر أنّهم قَتَلوا فريقاً من الرسل تعيَّن تأويل الرسل بالأنبياء فإنّهم ما قتلوا إلاّ أنبياء لا رسلاً. وقوله: {كلّما جاءهم رسول بما لا تهوَى أنفسهم فريقاً كذّبوا} إلخ انتصب {كلّما} على الظرفيّة، لأنّه دالّ على استغراق أزمنة مَجيء الرسل إليهم فيدلّ على استغراق الرسل تبعاً لاستغراق أزمنة مجيئهم، إذْ استغراق أزمنة وجود شَيْء يستلزم استغراق أفراد ذلك الشيء، فما ظرفية مصدريّة دالّة على الزّمان. وانتصب (كلَّ) على النّيابة عن الزّمان لإضافته إلى اسم الزّمان المبهم، وهو (مَا) الظرفية المصدرية. والتقدير: في كلّ أوقات مجيء الرّسل إليهم كَذّبوا ويَقتلون. وانتصب {كلَّما} بالفعلين وهو {كَذّبوا} وَ{يَقْتلون} على التّنازع. وتقديم {كلّما} على العامل استعمال شائع لا يكاد يتخلّف، لأنّهم يريدون بتقديمه الاهتمام به، ليظهر أنّه هو محلّ الغرض المسوقة له جملتهُ، فإنّ استمرار صنيعهم ذلك مع جميع الرّسل في جميع الأوقات دليل على أنّ التّكذيب والقتل صارا سجيتين لهم لا تتخلّفان، إذ لم ينظروا إلى حال رسول دون آخر ولا إلى زمان دون آخر، وذلك أظهر في فظاعة حالهم، وهي المقصود هنا. وبهذا التّقديم يُشرَبُ ظرف {كلّما} معنى الشرطية فيصير العامل فيه بمنزلة الجواب له، كما تصير أسماء الشّرط متقدّمة على أفعالها وأجوبتها في نحو {أية : أينما تكونوا يدرككم الموت}تفسير : [النساء: 78]. إلاّ أنّ {كُلّما} لم يسمع الجزم بعدها ولذلك لم تعدّ في أسماء الشرط لأنّ (كلّ) بعيد عن معنى الشرطية. والحقّ أنّ إطلاق الشرط عليها في كلام بعض النّحاة تسامح. وقد أطلقه صاحب «الكشاف» في هذه الآية، لأنّه لم يجد لها سبباً لفظياً يوجب تقديمها بخلاف ما في قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم }تفسير : في سورة البقرة: (87)، وفي قوله: {أية : أو كُلّما عاهدوا عهداً نبذة فريق منهم }تفسير : (100) في تلك السورة، فإنّ التّقديم فيهما تبع لوقوعهما متّصلتين بهمزة الاستفهام كما ذكرناه هنالك، وإن كان قد سكت عليهما في الكشاف لظهور أمرهما في تينك الآيتين. فالأحسن أن تكون جملة {فريقاً كذّبوا} حالاً من ضمير {إليهم} لاقترانها بضمير موافِق لصاحب الحال، ولأنّ المقصود من الخبر تفظيع حال بني إسرائيل في سوء معاملتهم لهداتهم، وذلك لا يحصل إلاّ باعتبار كون المرسَل إليهم هذه حالهم مع رسلهم. وليست جملة {فريقاً كذبوا} وما تقدّمها من متعلّقها استئنافاً، إذ ليس المقصود الإخبار بأنّ الله أرسل إليهم رسلاً بل بمدلول هذا الحال. وبهذا يظهر لك أنّ التّقسيم في قوله: {فريقاً كذّبوا وفريقاً يقتلون} ليس لرسول من قوله: {كلّما جاءهم رسول} بل لــ {رُسلاً}، لأنَّنا اعتبرنا قوله: {كلّما جاءهم رسول} مقدّماً من تأخير. والتقدير: وأرسلنا إليهم رسلاً كذّبوا منهم فريقاً وقتلوا فريقاً كُلّما جاءهم رسول من الرسل. وبهذا نستغني عن تكلّفات وتقدير في نظم الآية الآتي على أبرع وجوه الإيجاز وأوضح المعاني. وقوله: {بما لا تهوى أنفسهم} أي بما لا تحبّه. يقال: هَوِي يهوَى بمعنى أحبّ ومَالت نفسه إلى ملابسة شيء. إنّ بعثة الرسل القصد منها كبح الأنفس عن كثير من هواها الموقع لها في الفساد عاجلاً والخسران آجلاً، ولولا ذلك لتُرك النّاس وما يهوَوْن، فالشرائع مشتملة لا محالة على كثير من منع النّفوس من هواها. ولمّا وصفت بنو إسرائيل بأنّهم يكذّبون الرسل ويقتلونهم إذا جاؤوهم بما يخالف هواهم علمنا أنّه لم يَخْلُ رسول جاءهم من أحد الأمرين أو كليهما: وهما التّكذيب والقتل. وذلك مستفاد من {كلّما جاءهم رسول}، فلم يبق لقوله: {بما لا تهوى أنفسهم} فائدة إلاّ الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنّهم يكذّبون الرسل أو يقتلونهم في غير حالة يلتمسون لأنفسهم فيها عُذراً من تكليفٍ بمشقّة فادحة، أو من حدوث حادثثِ ثائرة، أو من أجل التّمسّك بدين يأبون مفارقته، كما فعل المشركون من العرب في مجيء الإسلام، بل لمجرّد مخالفة هوى أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه فتتعطّل بتمرّدهم فائدة التّشريع وفائدة طاعة الأمّة لهُداتها. وهذا تعليم عظيم من القرآن بأنّ من حقّ الأمم أن تكون سائرة في طريق إرشاد علمائها وهداتها، وأنّها إذا رامت حمل علمائها وهدَاتها على مسايرة أهوئها، بحيث يُعْصَوْن إذا دَعوا إلى ما يخالف هوى الأقوام فقد حقّ عليهم الخسران كما حقّ على بني إسرائيل، لأنّ في ذلك قلباً للحقائق ومحاولة انقلاب التّابع متبوعاً والقائد مقوداً، وأنّ قادة الأمم وعلماءها ونصحاءها إذا سايروا الأمم على هذا الخُلق كانوا غاشِّين لهم، وزالت فائدة علمهم وحكمتهم واختلط المَرْعِيّ بالهَمَل والحَابِلُ بالنابل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من استرعاه الله رعيّة فغشّها لم يَشُمّ رائحةَ الجنّة»تفسير : . فالمشركون من العرب أقرب إلى المعذرة لأنّهم قابلوا الرسول من أوّل وهلة بقولهم: {أية : إنّا وجدنا آباءَنَا على أمّة وإنَّا على آثارهم مهتدون}تفسير : [الزخرف: 22]، وقال قوم شعيب {أية : أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا}تفسير : [هود: 87]، بخلاف اليهود آمنوا برسلهم ابتداء ثُمّ انتقضوا عليهم بالتّكذيب والتّقتيل إذا حملوهم على ما فيه خيرهم ممّا لا يهُوونه. وتقديم المفعول في قوله: {فريقاً كذّبوا} لمجرّد الاهتمام بالتفصيل لأنّ الكلام مَسوق مساق التّفصيل لأحوال رُسل بني إسرائيل باعتبار ما لاَقوه من قومهم، ولأنّ في تقديم مفعول {يقتلون} رعاية على فاصلة الآي، فقدّم مفعول {كَذّبوا} ليكون المفعولان على وتيرة واحدة. وجيء في قوله: {يَقتلون} بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار تلك الحالة الفظيعة إبلاغاً في التعجيب من شناعة فاعليها. والضّمائر كلّها راجعة إلى بني إسرائيل باعتبار أنّهم أمّة يخلُف بعضُ أجيالها بعضاً، وأنّها رسخت فيها أخلاق متماثلة وعوائدُ متّبعة بحيث يكون الخَلف منهم فيها على ما كان عليه السلف؛ فلذلك أسندت الأفعال الواقعة في عصور متفاوتة إلى ضمائرهم مع اختلاف الفاعِلين، فإنّ الّذين قتلوا بعض الأنبياء فريق غير الّذين اقتصروا على التكذيب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. بما لا تهوى أنفسهم: بما لا يحبونه ولا تميل إليه أنفسهم المريضة. فريقاً كذبوا: أي كذبوا طائفة من الرسل وقتلوا طائفة أخرى. أن لا تكون فتنة: أي أن لا يبتلوا بذنوبهم بالشدائد والمحن. فعموا وصموا: عموا عن العبر وصموا عن سماع المواعظ. من يشرك بالله: أي يشرك بالله غيره تعالى من سائر الكائنات فيعبده مع الله بأي نوع من أنواع العبادات. حرم الله عليه الجنة: حكم بمنعه من دخولها أبداً إلا أن يتوب من الشرك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحديث عن أهل الكتاب فقد أقسم تعالى على أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل وذلك في التوراة بأن يعبدوا الله وحده بما شرع لهم فيطيعوه في أمره ونهيه وأرسل إليهم رسله تترا كلما جاءهم رسول بما لا يوافق أهواءهم كذبوه فيما جاءهم به ودعاهم إليه. أو قتلوه. وحسبوا أن لا يؤاخذوا بذنوبهم فعموا عن الحق وصموا عن سماع المواعظ فابتلاهم ربهم وسلط عليهم من سامهم سوء العذاب، ثم تاب الله عليهم فتابوا واستقام أمرهم وصلحت أحوالهم ثم عموا وصموا مرة أخرى إلا قليلاً منهم فسلط عليهم من سامهم سوء العذاب أيضاً وها هم أولاء في عمى وصمم والله بصير بما يعملون وسوف ينزل بهم بأساءه، إن لم يتوبوا فيؤمنوا بالله ورسوله ويدينوا بالدين الحق الذي هو الإِسلام. هذا ما تضمنته الآيتان الأولى والثانية [70 - 71] أما الآية الثالثة [72] وهي قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} فقد أخبر تعالى مقرراً حكمه بالكفر على من افترى عليه وعلى رسوله فادعى أن الله جل جلاله وعظم سلطانه هو المسيح بن مريم تعالى الله ان يكون عبداً من عباده، وحاشا عيسى عبد الله ورسوله أن يرضى أن يقال له أنت الله. وكيف وهو القائل: {يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} فهل مثل هذا القول يصدر عمن يدعي أنه الله أو ابن الله؟ سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان تاريخ بني إسرائيل، والكشف عن مختبئات جرائمهم من الكفر والقتل. 2- إكرام الله تعالى لبني إسرائيل ولطفه بهم مع تمردهم عليه ورفض ميثاقه وقتل أنبيائه وتكذيبهم، والمكر بهم. 3- تقرير كفر النصارى بقولهم المسيح هو الله. 4- تقرير عبودية عيسى عليه السلام لربه تعالى. 5- تحريم الجنة على من لقي ربه وهو يشرك به سواه.
القطان
تفسير : الميثاق: العهد. الفتنة: الاختبار، وما يسّبب التخريب والقتل. لقد أخذ الله العهد على بني اسرائيل في التوراة أن يتّبعوا أحكامها، لكنهم نقضوا هذا الميثاق (كما تقدم في أول السورة)، وعاملوا الرسل أسوأ معاملة، فكانوا كلّما جاءهم رسول لم يوافق هواهم كذّبوه أو قتلوه. وقد أوغلوا في الضلال، حتى لم يعد يؤثّر في قلوبهم وعظ الرسل ولا هديهم. لقد تمكّن من نفوسهم أنه لن تقع لهم فتنة بما فعلوا من الفساد، انطلاقاً من زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه. لذلك لم يعودوا يبالون بآثامهم. وهكذا أصابهم العمى عن آيات الله التي أنزلها في كتبه، وصَمُّوا عن سماع المواعظ التي جاءهم بها أولئك الرسل. وإذ ظلموا انفسهم فقد سلّط عليهم الله من أذاقهم الخسف. لقد غزاهم بختنصّر، فأهلكهم واستباهم وسقاهم الى بابل. ثم رحمهم الله وأعاد اليهم مُلكهم على يد كورش، أحد ملوك الفرس، فرجع عدد كبير منهم الى القدس. لكنهم ما لبثوا ان عَمُوا وصمّوا مرة أخرى، وعادوا الى ظلمهم وفسادهم في الأرض، فقتلوا زكريّا وأشعيا، وأرادوا قتل عيسى عليه السلام، فسلّط الله عليهم الفُرس ثم الرومان فأزالوا ملكهم. وفي قوله تعالى: {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} إشارةٌ الى أنه فيهم أناسٌ خيرون أتقياء. لكن الله سبحانه يعاقب الأمم بذنوبها اذا كثرت وشاعت فيها، ولو كان فيهم قلة من الصالحين. لذلك يقول تعالى في آية أخرى {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}تفسير : [الأنفال:25]. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} الله مطلع عليهم مشاهدٌ لأعمالهم، ومجازيهم عليها. قراءات: قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي {أَلاَّ تَكُونَ} بالرفع والباقون بالنصب.
د. أسعد حومد
تفسير : {مِيثَاقَ} {ۤ إِسْرَائِيلَ} (70) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ أَخَذَ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ، فِي التَّوْرَاةِ، عَلَى تَوْحِيدِهِ تَعَالَى، وَعَلَى اتِّبَاعِ الأحْكَامِ التِي شَرَعَهَا لِهَدْيِ خَلْقِهِ، وَعَلَى تَحَلِّيهِمْ بِالفَضَائِلِ وَمَكَارِمِ الأخْلاَقِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ للهِ وَرَسُولِهِ، وَأنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النًّبِيِّينَ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ، وَيُؤَكِّدُوا عَهْدَ اللهِ، فَنَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، وَاتَّبَعُوا آرَاءَهُمْ، وَقَدَّمُوهَا عَلَى الشَرَائِع، فًَمَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ مِنَ الشَرَائِعِ قَبلُوهُ، وَمَا خَالَفَهَا رَدُّوهُ، وَرَفَضُوهُ، وَكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَاه أنْفُسُهُمْ، وَلاَ يَتَّفِقُ مَعَ رَغَبَاتِهِمْ وَأهْوَائِهِمْ، كَذَّبُوهُ أوْ قَتَلُوهُ. المِيثَاقُ - العَهْدُ المُوَثَّقُ بِالإِيمَانِ. بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ - بِمَا لا يُحِبُّونَ وَلاَ يُوافِقُ مِزَاجَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والميثاق هو العهد المؤكد الموثق، الذي يقتضي الوفاء الشديد. ولا تُوثق العهود إلا مظنة المخالفة. والمواثيق في الإيمان بالله كثيرة. فهناك الميثاق الأول عندما كنا جميعاً في ظهور الآباء. {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} تفسير : [الأعراف: 172]. أو الميثاق الذي أخذه الله لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. أو الميثاق الخاص الذي أخذ على كل أمة. وفي كل جزئية من جزئيات الدين يؤخذ ميثاق، فنحن في الإسلام مأخوذ علينا الكثير من المواثيق. وكذلك رأينا النبي وقد أخذ لنفسه الميثاق في العقبة، رأى الرسول أن ما يربطه بالأوس والخزرج الكثير، كما يربطه بكل قوم يحنون إلى الوحدة تحت راية إيمان واحد، وكان اليهود يعتبرون عرب الأوس والخزرج مجرد همج وخدم يعملون لهم، وأرتأوا السيادة لأنفسهم. وكلما اختلفوا معهم هددوهم بمجيء رسول قادم سيؤمنون به وسيقتلونهم تقتيلاً. وكان كل من الأوس والخزرج يحاول أن يستميل اليهود إليه، فالأوس حالفت بني قريظة. وحالف الخزرج بني قينقاع وبني النضير. وتلقى الاثنان الوعيد من اليهود بعد ظهور النبي القادم، وذلك ما جعل كلاً من الأوس والخزرج يُسرع إلى التعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء في موسم الحج نفر من ستة رجال ودعاهم صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فآمنوا به صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. وجاءوا في العام الذي يلي ذلك إلى موسم الحج وزادوا حتى صاروا اثني عشر رجلاً. وكانت المعاهدة ألا يشرك منهم أحد بالله وألا يسرق ألا يزني وألا يقتل أولاده وألا يأتي ببهتان يفتريه بين يديه ورجليه، ولا يعصي رسول الله في معروف. وعادوا إلى المدينة ومعهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن. وفي العام الثالث جاء ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان هما نسبية بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرة بن عديّ، وكانت مبايعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد من ذلك إرباك قريش، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: (حديث : "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم" فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلْقَة (السلاح) وتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالاً وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "بل الدم الدم والهدم والهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم". وبسط يده صلى الله عليه وسلم فبايعوهتفسير : . وكانت بيعة العقبة ميثاقاً يضمن لأهل البيعة الجنة إن أوفوا به. وقد أوفوا. وهذا لون من العهود والمواثيق. وحين يخبرنا الحق هنا أنه أخذ من بني إسرائيل الميثاق، فمعنى ذلك أن هناك عهداً موثقاً مؤكداً: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70]. وقد أخذ الحق الميثاق وأرسل رسلاً بالمنهج، لكنهم كلما جاء إليهم رسول تباحثوا: هل المنهج الذي جاء به على هواهم أولا؟. فإن لم يكن المنهج على هواهم قتلوا الرسول أو كذبوه على الرغم من أن الميثاق عهد مؤكد باتباع الرسول إن جاء بمعجزة ومنهج بلاغاً عن الله وتنفيذاً له في حركة الحياة. لكنّ بني إسرائيل كانوا يتمردون على مناهج الرسل لأنها لا تأتي بما تهواه أنفسهم وأول التمرد التكذيب. وهو أول خطوة في طريق الإخلال بالميثاق، ولم يكتفوا بالتكذيب، إنما حاولوا حصار الرسول حتى لا يصل المنهج إلى آذان تهتدي به. ولذلك لا يكتفون بالتكذيب بل قد يقتلون الرسول لأنه جاء بما لا تهوى أنفسهم. ما هو الهوى أولاً؟. هو من مادة "الهاء والواو والألف المقصورة التي ترسم ياء". ونجدها منطوقة مرة هَوى ومرة هواء. ومرة "هوى" بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، وكلها تدل على التغلغل والانحياز. والهوى هو لطف الشيء في النفس والميل إليه. فالشيء تستلطفه في نفسك فتنزع إليه نزوعاً وقد يكون غير مستحب أو غير مقبول ولا مشروع. وهل كل الهوى كذلك؟. لا، لأن هناك هوى الإيمان الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ". تفسير : إذن فمن الممكن أن يتجه الهوى إلى الخير. وهو الهوى الذي يحمل النفس على أن يسير الإنسان تبعاً للحق. أما الهواء فهو الذي يتنفسه الإنسان ويستخلص منه الأوكسجين ليغذي به الجسم وتسير به الحياة. ولذلك يقول الأثر: وأقبلْت كالنَّفَس المرتَدِّ. إنه الإقبال الرقيق، فنحن نعرف أننا إن أكلنا شيئاً نحبه فإننا نشعر بطعمه، وعندما نشرب شيئاً نحبه نتذوق طعمه، أما التنفس فهو أمر لا إرادي فعندما نتنفس شيئاً نحبه يكون إحساساً لطيفاً. وهناك نطق ثالث ويعبر عن السقوط، وهو الهُوِىّ من هَوى يهوى - بالكسر للواو - ولذلك يقال: هُوِىّ الدلو، أي نزول الدلو إلى المياه التي في البئر. فأي نوع من الهوى تقصده الآية؟ يقول الحق: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} إذن الهوى الذي يُتَحَدّث عنه هنا هو هوى النفس المجردة عن المنهج، وهو الذي يتحكم في حركة هذه النفس ويقودها إلى غير طاعة الله. وهل ترك الحق النفس الإنسانية دون عاصم لها؟ لا؛ لأنه أنزل الرسل تحمل منهجاً ملخصه "افعل" و "لا تفعل". وهكذا يمكن أن يصير المنهج قَيِّماً على خواطر النفس. لكن ما دام الحق قد أراد أن يكون المنهج قَيِّماً على خواطر النفس، فلماذا أوجد النفس؟. لقد أوجد سبحانه النفس لأن وجودها ينبني عليه أن يَهوَى إنسان الحق والحلال لاستبقاء النوع وتجويد العمل لحلال الرزق. إذن فالغريزة تكون موجودة وقد خلقها الله لمهمة، ولكنه يعصمها بالمنهج من الخروج عن مهمتها. ويقول قائل: ما دام الله قد خلق غريزة الجنس.. فلماذا لا نتركها لتعبر عن نفسها؟ ونقول له: اتق الله واعلم أن الغريزة الجنسية إنما جاءت لبقاء النوع، واستخدامها فيما يغضب الله فناء للنوع وانحراف يعاقب عليه المنهج. وكذلك أوجد الحق غريزة حب الطعام ليقيم الإنسان حياته ولم يوجدها للقضاء على الحياة بالنهم والتخمة والشره. وكذلك غريزة حب الاستطلاع ليست موجودة للتجسس على الناس، ولكن هي لاستكشاف أسرار الكون واستنباط الجديد فيما ينفع الناس. إذن فكل غريزة إنما توجد من أجل مهمة، فإن خرجت عن مهمتها، فالشرع يتحكم ويقول: لا. إن هناك إطاراً يمكن أن تستخدم فيه الغرائز، والشرع إنما يأتي لا ليمحو الغرائز، ولكن ليعلِىَ من الغرائز ليستعملها الإنسان فيما ينفع لا فيما يضر. ويقال في المثل العربي: " آفة الرأي الهوى" فإذا ما وقف اثنان أمام القاضي وأحدهما مظلوم والآخر ظالم فالقاضي العادل هو الذي يرفع الظلم عن المظلوم حتى وإن كان له هوى مع الظالم. ولذلك نجد الحق قد عصم رسوله فقال: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3]. والسطحيون هم الذين لا يلتفتون إلى عظمة هذا الأداء البياني ويتساءلون: ما دام الحق يصوب لمحمد فكيف إذن لا ينطق عن الهوى. ونقول: أنتم لا تحسنون الفهم عن الله ولا عن رسول الله، فعندما صوّب الله لرسوله لم يكن الرسول قد خرج عن حكم إراده الله، ولم يعدل حكماً لله حسب هواه الشخصي، وإنما هو ببشريته صلى الله عليه وسلم كان يصل إلى حكم ما ويراه ثم ترى السماء تعديلاً له، فينطق محمد بالتعديل كما انزله الله. ولم يخالف صلى الله عليه وسلم ربه في أي أمر. وجاء كل تصويب لله في أشياء لم يسبق فيها لله حكم، وكان كل تصويب قد جاء لاجتهاد بشرى من رسول الله، ولم يكن في ذلك أي هوى. وحين قال الحق: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}. إنما يبلغنا أنه لم يكن عند محمد حكم من الله فخالفه الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعاً لهوى، فمعنى الهوى أن يكون هناك منهج ثم يعدل عنه، وكل التصويبات التي صوّبها الله جاءت في أمور لم يكن فيها حكم. ولهذا نجد تصويب الحق لرسوله يتسم باللطف، فيقول سبحانه: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [التوبة: 43]. وهذا العفو لم يكن نتيجة لمخالفة حكم من أحكام السماء، ولكن هو عفو سمح؛ لأن رسول الله أخذ بالاجتهاد البشرى في الأمور التي لم يكن فيها حكم الله، وهو قول الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرّم أموراً على نفسه، ولم يحرمها على الناس، وهنا يوضح له الحق: لا تحرم على نفسك ما أحللتُ لك. إذن هذا أمر لمصلحة الرسول. وعندما جاء زيد بن حارثة ليخبر بين أن يكون مع رسول الله كعبد له، وأن يكون مع أهله، آثر زيدٌ رسول الله، فكافأه صلى الله عليه وسلم بأن جعله في مقام الابن، وكان التبني معروفاً عند العرب، ونادى الناس زيدا بزيد بن محمد، فلما أراد الله أن يبطل التبني قال: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ}. وكلمة "أقسط" تعني أعدل، ومعناها أن القسط أيضاً في دائرة العدل. وعندما يقال: فلان له القسط، أي له العدل. إذن فالقسط أولاً لرسول الله، والأكثر قسطاً هو حكم الله، فكأنك يا محمد قمت بالقسط عند البشر، ولكن الله يريد لك الأقسط. إذن فقوله الحق سبحانه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ}. هو قول لا يستدرك عليه من مخالف لمنهج الإسلام، فإذا ما قال مخالف لمنهج الإسلام: إن الله يصوب لمحمد، فكيف لا ينطق محمد عن الهوى؟. نقول: وهل تعرف معنى الهوى؟ إن الحكم بالهوى يعني أنّه وجد حكما لله فيعدل الحكم لهواه، ولم يحدث ذلك من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل تصويب من الله لم يأت على لسان رجل آخر، إنما جاء على لسان رسول الله نفسه. وهذه هي منتهى الأمانة في البلاغ عن الله. والحق يقول عن بني إسرائيل: {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} إذن فهم فريقان: منهم من لا يقبل عن الإيمان بالمنهج لهوى في نفسه فيكذب. ومنهم من تمتلئ نفسه باللدد وشدة الخصومة على الرسول، ويخشى أن يحيا الرسول لإبلاغ قوم آخرين، فيحاول أن يقتل الرسول. والتكذيب هو أول نقطة في اللدد، ثم هناك من يترقى في اللدد ويخشى أن يصل البلاغ إلى قوم آخرين فيحاول أن يقتل الرسول. والتكذيب هو إنكار لقول أو فعل. أما القتل فهو إزالة لأصل الحياة. والذي يقتل هو الأكثر لدداً. وتتجلى دقة القرآن حين يأتي الحق بصيغة الماضي، لفئة وصيغة المضارع لفئة أخرى: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} لأن التكذيب هو تأب من المكذِّب، أما القتل فهو تأبٍ على وجود الرسول من الذين يكذبون. والأبشع هو القتل؛ لأنه إزالة لكل أثر من آثار وجود المقتول. وجاء التكذيب في صيغة الماضي. وجاء في المسألة البشعة بصيغة المضارع. فالحدث حين يكون بشعاً فهو يبرد بعد مرور فترة من الزمن. وهذا ما يجعل المجتمع يثور عندما تحدث جريمة بشعة، ولكن ما إن تمر عليها عشر سنوات ويصدر الحكم بقتل المجرم لا ينفعل الناس، بل منهم من يتعاطف مع المجرم. ولذلك يحذرنا الحق أن ننسخ من الأذهان صورة قتلهم للرسل، بل يجب أن نستحضر بشاعته دائما فلا نعطف على الذين قتلوا الرسل، وقد قال علماء العربية: إن التعبير بالفعل المضارع يكون لاستحضار صورة الفعل. وساعة يأمر القاضي العادل بالقصاص من إنسان قتل إنساناً آخر، فهو لا يجعل القتل حدثاً منسياً لأنه ماضٍ، بل يستحضره في ذهنه وكأن دمه ما زال ينزف ومكان الطعنة واضحاً؛ لأنه لا يأخذ شيئاً مستوراً بالماضي، بل يأخذ شيئاً واقعاً في الحال. وكأن الحق يأمرنا باستحضار صورة ما حدث أمامنا. ومثال آخر لاستحضار الصورة: نجد الحق يقول لنا: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تفسير : [الحج: 63]. إنه أنزل الماء، لكنه يتبع ذلك: {أية : فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} تفسير : [الحج: 63]. هو سبحانه يستخدم الفعل المضارع لتظل الصورة في أذهاننا مستحضرة في الحال وفي الاستقبال. والحق يقول: {فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} وكيف يقول الحق: إنهم يقتلون الرسل، والرسل لا تقتل، وأنه سبحانه يريد أن يجعل لهم من العمر ما يمكنهم من تمام البلاغ عنه، إن الأنبياء فقط هو الذين يجوز عليهم القتل؟ ونقول: إن الأنبياء رسل أيضاً بدليل أن الحق قال: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} تفسير : [الحج: 52]. إن كليهما مرسل، والفرق أن الرسول يصحب وينزل معه منهجه، والنبي مرسل كنموذج هداية بمنهج قد سبق. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ...}
الأندلسي
تفسير : {لَقَدْ أَخَذْنَا} الآية هذا إخبار بما صدر من أسلاف اليهود من نقض الميثاق الذي أخذه الله تعالى عليهم وما اجترحوه من الجرائم العظام من تكذيب الأنبياء وقتل بعضهم والذين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أخلاف أولئك فغير بدع ما يصدر منهم للرسول من الأذى والعصيان إن ذلك شنشنة من أسلافهم. {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ} الآية تقدم تفسير مثلها في البقرة. وقال الزمخشري: هنا فإِن قلت: أين جواب الشرط؟ فإِن قوله: فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون، ناب عن الجواب، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن تقول: ان أكرمت أخي أخاك أكرمت. قلت: هو محذوف ودل عليه قوله: فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون، كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه. وقوله: فريقاً كذبوا، جواب مستأنف لقائل يقول: كيف فعلوا برسلهم. "انتهى". فقوله فإِن قلت: أين جواب الشرط؟ سمي قوله: كلما جاءهم رسول شرطاً وليس بشرط بل كل منصوبة على الظرف لإِضافتها إلى المصدر المنسبك من ما المصدرية الظرفية والعامل فيها هو ما يأتي بعد ما المذكورة وصلتها في الفعل كقوله تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ}تفسير : [النساء: 56]، وقوله: {أية : إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ} تفسير : [الملك: 7]. وأجمعت العرب على أنه لا يجزم بكلما وعلى تسليم تسميته شرطاً فذكر ان قوله: فريقاً كذبوا ينبوا على الجواب لوجهين، أحدهما: قوله لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين وليس كما ذكر لأن الرسول في هذا التركيب لا يراد به الواحد بل المراد به الجنس، ألا قرىء انك إذا قلت: لا أصحبك ما طلع نجم، لا يراد به واحد بل يراد به الجنس وأي نجم طلع، وإذا كان المراد به الجنس انقسم إلى الفريقين فريق كذب وفريق قتل. والوجه الثاني: في قوله: ولأنه لا يحسن أن تقول: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت، يعني أنه لا يجوز تقديم منصوب فعل الجواب عليه وليس كما ذكر بل مذهب البصريين الكسائي أن ذلك جائز حسن ولم يمنعه إلا الفراء وحده وهذا كله على تقدير تسليم أن كلما شرط وإلا فلا يلزم أن يعتذر بهذا بل يجوز تقديم منصوب الفعل العامل في كلما عليه فتقول: كلما جئتني أخاك أكرمت. وعموم نصوص النحويين على ذلك لأنهم حين حصروا ما يجب تقديم المفعول به على العامل وحصروا ما يجب تأخيره عنه قالوا: وما سوى ذلك يجوز فيه التقديم على العامل والتأخير عنه ولم يستثنوا هذه الصورة ولا ذكروا فيها خلافاً فعلى هذا الذي قررناه يكون العامل في كلما قوله كذبوا وما عطف عليه ولا يكون محذوفاً. وقال الحوفي وابن عطية: كلما ظرف والعامل فيه كذبوا. وقال أبو البقاء: كذبوا جواب كلما. "انتهى". وجاء بلفظ يقتلون على حكاية الحال الماضية استنباطاً للقتل واستحضاراً لتلك الحال الشنيعة للتعجب منها، قاله الزمخشري: ويحسن مجيئه كونه رأس آية والمعنى أنهم كذبوا فريقاً فقط وقتلوا فريقاً ولا يقتلونه إلا مع التكذيب فاكتفي بذكر القتل عن ذكر التكذيب أي اقتصر ناس على تكذيب فريق وزاد ناس على التكذيب القتل. {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال ابن الأنباري: نزلت في قوم كانوا على الكفر قبل البعثة فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه بغياً وحسداً. {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} بمجانبة الحق. {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي عرضهم للتوبة بإِرسال الرسول وإن لم يتوبوا. {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} لأنهم كلهم لم يجمعوا على خلافة. "انتهى". وقرىء: أن لا تكون بنصب النون بأن. وقرىء برفعها على أنّ أنْ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الأمر محذوف تقديره أنه لا تكون ولا تكون جملة في موضع خبر أنّ وفي كلتا القراءتين نائب مناب مفعولي حسب فعموا عن النظر في دلائل الحق وصموا عن سماع الآيات الإِلهية ثم تاب الله عليهم ببعثه عيسى عليه وسلم ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فاتبع ناس منهم عيسى ومحمداً عليهما السلام. و{كَثِيرٌ} بدل من الضمير في صموا أو في عمو الآن فيهم من آمن بالنبيين المذكورين. {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} الآية تقدِّم تفسير هذه الجملة مستوفى في أول السورة. {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ} الآية رد تعالى عليهم مقالتهم بقول من يدّعون الإِلهية فيه وهو عيسى عليه السلام أنه لا فرق بينه وبينهم في أنهم كلهم مربوبون وأمرهم بإِخلاص العبادة له ونبه على الوصف الموجب للعبادة وهو الربوبية وفي ذلك أعظم دليل عليهم في فساد دعواهم وهو أن الذي يعظمونه ويرفعون قدره عما ليس له يرد عليهم مقالتهم وهذا الذي ذكره تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به وهو قول المسيح: يا معشر بني المعمودية. وفي رواية: يا معشر الشعوب قوموا بنا إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم. {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} الظاهر أنه من كلام المسيح فهو داخل تحت القول وفيه أعظم ردع منه عن عبادته إذ أخبر أنه من عبد غير الله منعه الله دار من أفرده بالعبادة وجعل مأواه النار ان الله لا يغفر أن يشرك به. وقيل: هو من كلام الله تعالى مستأنف أخبر بذلك على سبيل الوعيد والتهديد. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} ظاهره أنه من كلام عيسى عليه السلام أخبرهم أنه من تجاوز وضع الشيء غير موضعه فلا ناصر له ولا مساعد فيما افترى وتقول وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقه من دعوى أنه إله وأن ذلك ظلم إذ جعلوا ما هو مستحيل في العقل واجباً وقوعه أو فلا ناصر له ولا منجي من عذاب الله في الآخرة ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى وتقولهم عليه فلا ناصر لهم. {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} هؤلاء هم الملكانية من النصارى القائلون بالتثليث. وظاهر قوله: ثالث ثلاثة، أحد آلهة ثلاثة. قال المفسرون: أرادوا بذلك أن الله وعيسى وأمه آلهة ثلاثة ويؤكده أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي الهين من دون الله ما اتخذ الله صاحبة ولا ولداً أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله. وحكى المتكلمون عن النصارى أنهم يقولون: وجوهر واحد ثلاثة أقانيم أب وأم وروح قدس، وهذه الثلاثة إله واحد كما أن الشمس تناول القرص والشعاع والحرارة وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة. وأثبتوا الذات والكلمة والحياة وقالوا أن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر واختلاط اللبن بالماء وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد، وهذا معلوم البطلان ببديهة العقل أن الثلاثة لا تكون واحداً وإن الواحد لا يكون ثلاثة. ولا يجوز في العربية في ثالث ثلاثة إلا الإِضافة لأنك لا تقول ثلثت الثلاثة وأجاز النصب أحمد بن يحيى ثعلب وردوه عليه. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} معناه لا يكون إله في الوجود إلا متصفاً بالوحدانية وأكد ذلك بزيادة من الاستغراقية وحصر الهيئة في صفة الوحدانية. وإله رفع على البدل من إله على الموضع. وأجاز الكسائي اتباعه على اللفظ فيجر لأنه لا يجيز زيادة من في الواجب. والتقدير وما إله في الوجود إلا إله واحد أي موصوف بالوحدانية لا ثاني له وهو الله تعالى. {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ} قبل ان قسم محذوف والأكثر مجيء اللام الموطنة لجواب القسم المحذوف كقوله تعالى: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ}تفسير : [المنافقون: 8]، وقد تحذف اللام فيكون التقدير لئن لم ينتهوا كما حذف في قوله: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ} تفسير : [الأعراف: 23]، وما في قوله: عما يقولون، أي عن قولهم أو موصولة تقديره عن الذي يقولونه وحذف الضمير العائد على ما. و{لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ} اللام فيه جواب قسم محذوف قبل أداة الشرط وأكثر ما يجيء هذا التركيب وقد صحبت أن اللام المؤذنة بالقسم المحذوف كقوله تعالى: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ}تفسير : [الأحزاب: 60]، {أية : وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِي ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 60]. ومعنى الذين كفروا أي الذين ثبتوا على هذا الاعتقاد فأقام الظاهر مقام المضمر إذ كان الربط يحصل بقوله: وليمسنهم لتكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: {لَقَدْ كَفَرَ}، الآية والاعلام بأنهم كانوا بمكان من الكفر إذ جعل الفعل في صلة الذين وهي تقتضي كونها معلومة للسامع مفروغاً من ثبوتها واستقرارها لهم ومن في فهم للتبعيض أي كائناً منهم والربط حاصل بالضمير، فكأنه قيل: كافرهم وليسوا كلهم بقوا على الكفر بل قد تاب كثير منهم عن النصرانية. ومن أثبت أن منْ تكون لبيان الجنس أجاز ذلك هنا. {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ} هذا لطف منه سبحانه وتعالى بهم واستدعاء أبى التنصل من تلك المقالة الشنعاء بعد أن كرر عليهم الشهادة بالكفر والفاء في أخلا للعطف حجزت بين همزة الاستفهام ولا النافية والتقدير فأولاً، وقال ابن عطية: رفق جل وعلا بهم بتحقيقه إياهم على التوبة وطلب المغفرة. "انتهى". وما ذكره من الحث والتحضيض على التوبة هو من حيث المعنى لا من حيث مدلول اللفظ لأن مدلول أفلا غير مداول الا التي للحض والحث.
الجيلاني
تفسير : والله {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} على لسان أنبيائهم ألاَّ تشركوا بالله، ولا تخاصموا مع أنبيائه ورسوله {وَ} بعدما أخذنا منهم الميثاق {أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً} مبشرين ومنذرين تخاصموا، وصاروا من خبث بواطنهم {كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ} وبما لا ترضى به عقولهم {فَرِيقاً كَذَّبُواْ} عندنا؛ مكابرةً وعناداً {وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70] الأنبياء؛ ظلماً وعتواً. {وَ} هم من غاية عمههم وانهماكهم في الإعراض عن الحق {حَسِبُوۤاْ} وظنوا {أَلاَّ تَكُونَ} وتدور عليهم {فِتْنَةٌ} مصيبة وبلاء بواسطة التكذيب والقتل {فَعَمُواْ} عن أمارات الدين، وعلامات اليقين {وَصَمُّواْ} عن استماع دلائل التوحيد والعرفان {ثُمَّ} بعدما تنبهوا تابوا مخلصين {تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} عفا عنهم وقَبِل توبتهم، ثم بعدما تابوا {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} كرةً أخرى؛ لخباثتهم الجبلية {وَٱللَّهُ} المطلع لجميع حالاتهم {بَصِيرٌ} خبير {بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 71] بمقتضى أهويتهم الباطلة يجازيهم على مقتضى علمه وخبرته. {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} من غاية جهلهم بقدر الله وما يليق بجانبه: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي على عروش الذرائر الكائنة شهادة وغيباً {هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} أي: متحد به محصور عليه؛ إفراطاً وعلواً {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ} لهم حين سمع منهم ما قالوا: {يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} التائهين بتيه الجهل والإفراط {ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} المنزه عن الحصر والحلول والاتحاد بل هو {رَبِّي} رباني بأنواع اللطف والكرم. {وَرَبَّكُمْ} أيضاً بإفاضة العقل الموصل إلى معرفة توحيده، لا فرق بيني وبينكم في العبودية والربوبية، لا تشركوا معه، ولا تحصروه فيّ {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} المنزه عن الشريك مطلقاً غيرَه من مخلوقاته {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} التي هي منزل السعداء الموحدين {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} المعدة للأشقياء الظالمين، المشركين {وَ} اعلموا أن {مَا لِلظَّالِمِينَ} المفترين على الله ما هو بريء عنه بذاته {مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72] ينصرونهم ويشفعون لهم عند أخذ سبحانه وبطشه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: عهدهم الثقيل بالإيمان بالله، والقيام بواجباته التي تقدم الكلام عليها في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } إلى آخر الآيات. { وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا } يتوالون عليهم بالدعوة، ويتعاهدونهم بالإرشاد، ولكن ذلك لم ينجع فيهم، ولم يفد { كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ } من الحق كذبوه وعاندوه، وعاملوه أقبح المعاملة { فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } . { وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: ظنوا أن معصيتهم وتكذيبهم لا يجر عليهم عذابا ولا عقوبة، فاستمروا على باطلهم. { فَعَمُوا وَصَمُّوا } عن الحق { ثُمَّ } نعشهم و { تاب الله عَلَيْهِمْ } حين تابوا إليه وأنابوا { ثُمَّ } لم يستمروا على ذلك حتى انقلب أكثرهم إلى الحال القبيحة. فَـ { عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ } بهذا الوصف، والقليل استمروا على توبتهم وإيمانهم. { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فيجازي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):