٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
71
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَحَسِبُواْ ألا تَكُونَ فِتْنَةً } في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو {ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ } برفع نون (تكون) والباقون بالنصب، وذكر الواحدي لهذا تقريراً حسناً فقال: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء واستقراره نحو: العلم والتيقن والتبين، فما كان مثل هذا يقع بعده (أن) الثقيلة ولم يقع بعده (أن) الخفيفة الناصبة للفعل، وذلك لأن الثقيلة تدل على ثبات الشيء، واستقراره، فإذا كان العلم يدل على الاستقرار والثبات و(أن) الثقيلة تفيد هذا المعنى حصلت بينهما موافقة ومجانسة، ومثاله من القرآن قوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ }تفسير : [النور: 25] {أية : أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } تفسير : [التوبة: 104] {أية : أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ } تفسير : [العلق: 14] والباء زائدة. والضرب الثاني: فعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار، نحو: أطمع وأخاف وأرجو، فهذا لا يستعمل فيه إلا الخفيفة الناصبة للفعل، قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } تفسير : [الشعراء: 82] {أية : تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ }تفسير : [الأنفال: 26] {أية : فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } تفسير : [الكهف: 80]. والضرب الثالث: فعل يحذو مرة إلى هذا القبيل ومرة أخرى إلى ذلك القبيل نحو: حسب وأخواتها، فتارة تستعمل بمعنى أطمع وأرجو فيما لا يكون ثابتاً ومستقراً، وتارة بمعنى العلم فيما يكون مستقراً. إذا عرفت هذا فنقول: يمكن إجراء الحسبان ههنا بحيث يفيد الثبات والاستقرار، لأن القوم كانوا جازمين بأنهم لا يقعون بسبب ذلك التكذيب والقتل في الفتنة والعذاب، ويمكن إجراؤه بحيث لا يفيد هذا الثبات من حيث إنهم كانوا يكذبون ويقتلون بسبب حفظ الجاه والتبع، فكانوا بقلوبهم عارفين بأن ذلك خطأ ومعصية، وإذا كان اللفظ محتملاً لكل واحد من هذين المعنيين لا جرم ظهر الوجه في صحة كل واحدة من هاتين القراءتين، فمن رفع قوله {أَن لا تَكُونُ } كان المعنى: أنه لا تكون، ثم خففت المشددة وجعلت (لا) عوضاً من حذف الضمير، فلو قلت: علمت أن يقول: بالرفع لم يحسن حتى تأتي بما يكون عوضاً من حذف الضمير: نحو السين وسوف وقد، كقوله {أية : علم أن سيكون }تفسير : [المزمل: 20] ووجه النصب ظاهر. ثم قال الواحدي: وكلا الوجهين قد جاء به القرآن، فمثل قراءة من نصب وأوقع بعده الخفيفة قوله {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا } تفسير : [العنكبوت: 4] {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ } تفسير : [الجاثية: 21] {أية : الم أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } تفسير : [العنكبوت: 1، 2] ومثل قراءة من رفع {أية : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } تفسير : [الزخرف: 80] {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ } تفسير : [المؤمنون: 55] {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ } تفسير : [القيامة: 3] فهذه مخففة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا يقع بعدها (لن) ومثل المذهبين في الظن قوله {أية : تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ } تفسير : [القيامة: 25] {أية : إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا } تفسير : [البقرة: 230] ومن الرفع قوله: {أية : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ } تفسير : [الجن: 5] {أية : وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً } تفسير : [الجن: 7] فأن ههنا الخفيفة من الشديدة كقوله {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ } تفسير : [المزمل: 20] لأن (أن) الناصبة للفعل لا تجتمع مع لن، لأن (لن) تفيد التأكيد، و(أن) الناصبة تفيد عدم الثبات كما قررناه. المسألة الثانية: أن باب حسب من الأفعال التي لا بدّ لها من مفعولين، إلا أن قوله {أَن لا *** تَكُونَ فِتْنَةٌ } جملة قامت مقام مفعولي حسب لأن معناه: وحسبوا الفتنة غير نازلة بهم. المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في (الفتنة) وجوهاً، وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ثم عذاب الدنيا أقسام: منها القحط، ومنها الوباء، ومنها القتل، ومنها العداوة، ومنها البغضاء فيما بينهم، ومنها الادبار والنحوسة، وكل ذلك قد وقع بهم، وكل واحد من المفسرين حمل الفتنة على واحد من هذه الوجوه. وأعلم أن حسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن النسخ ممتنع على شرع موسى عليه السلام، وكانوا يعتقدون أن الواجب عليهم في كل رسول جاء بشرع آخر أنه يجب عليهم تكذيبه وقتله، والثاني: أنهم وإن اعتقدوا في أنفسهم كونهم مخطئين في ذلك التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وكانوا يعتقدون أن نبوّة أسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب. ثم قال تعالى: {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }. فيه مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على أن عماهم وصممهم عن الهداية إلى الحق حصل مرتين. واختلف المفسرون في المراد بهاتين المرتين على وجوه: الأول: المراد أنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام، ثم تاب الله على بعضهم حيث وفق بعضهم للإيمان به، ثم عموا وصموا كثير منهم في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فأن أنكروا نبوّته ورسالته، وإنما قال {كَثِيرٌ مّنْهُمْ } لأن أكثر اليهود وإن أصروا على الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام إلا أن جمعاً منهم آمنوا به: مثل عبد الله بن سلام وأصحابه. الثاني: عموا وصموا حين عبدوا العجل، ثم تابوا عنه فتاب الله عليهم، ثم عموا وصموا كثير منهم بالتعنت، وهو طلبهم رؤية الله جهرة ونزول الملائكة: الثالث: قال القفال رحمه الله تعالى: ذكر الله تعالى في سورة بني إسرائيل ما يجوز أن يكون تفسيراً لهذه الآية فقال {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ لَتُفْسِدُنَّ فِى ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآء وَعْدُ أُولَـٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلَـٰلَ ٱلدّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوٰلٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَـٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } تفسير : [الإسراء: 4 ـ 6] فهذا في معنى {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ } ثم قال {أية : فَإِذَا جَاء وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا } تفسير : [الإسراء: 7] فهذا في معنى قوله {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ } الرابع: أن قوله {فَعَمُواْ وَصَمُّواْ } إنما كان برسول أرسل إليهم مثل داود وسليمان وغيرهما فآمنوا به فتاب الله عليهم، ثم وقعت فترة فعموا وصموا مرة أخرى. المسألة الثانية: قريء. {عموا وصموا} بالضم على تقدير: عماهم الله وصمهم الله، أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما تقول نزكته إذا ضربته بالنزك، وهو رمح قصير، وركبته إذا ضربته بركبتك. المسألة الثالثة: في قوله {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ } وجوه: الأول: على مذهب من يقول من العرب «أكلوني البراغيث» والثاني: أن يكون {كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدلاً عن الضمير في قوله {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ } والإبدال كثير في القرآن قال تعالى: {أية : ٱلَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْء خَلَقَهُ } تفسير : [السجدة: 7] وقال: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } تفسير : [آل عمران: 97] وهذا الإبدال هٰهنا في غاية الحسن، لأنه لو قال: عموا وصموا لأوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك، فلما قال {كَثِيرٌ مّنْهُمْ } دل على أن ذلك حاصل للأكثر لا للكل. الثالث: أن قوله {كَثِيرٌ مّنْهُمْ } خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم كثير منهم. المسألة الرابعة: لا شك أن المراد بهذا العمى والصمم الجهل والكفر، فنقول: إن فاعل هذا الجهل هو الله تعالى أو العبد، والأول: يبطل قوله المعتزلة، والثاني: باطل لأن الإنسان لا يختار ألبتة تحصيل الجهل والكفر لنفسه. فإن قالوا: إنما اختاروا ذلك لأنهم ظنوا أنه علم. قلنا: حاصل هذا أنهم إنما اختاروا هذا الجهل لسبق جهل آخر، إلا أن الجهالات لا تتسلسل بل لا بدّ من انتهائها إلى الجهل الأول، ولا يجوز أن يكون فاعله هو العبد لما ذكرناه، فوجب أن يكون فاعله هو الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل، والمقصود منه التهديد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. المعنى ظن هؤلاء الذين أخذ عليهم الميثاق أنه لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد، اغتراراً بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإنما اغتروا بطول الإمهال. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي «تَكُونُ» بالرفع؛ ونصب الباقون؛ فالرفع على أن حَسِب بمعنى عَلِمَ وتَيقن. و «أنْ» مخففّة من الثقيلة ودخول «لا» عوض من التخفيف، وحذف الضمير لأنهم كرهوا أن يليها الفعل وليس من حكمها أن تدخل عليه؛ ففصلوا بينهما بـ «لا». ومن نصب جعل «أَنْ» ناصبة للفعل، وبقي حَسِب على بابه من الشك وغيره. قال سيبويه: حسبت ألاّ يقولُ ذلك؛ أي حسبت أنه قال ذلك. وإن شئت نصبت؛ قال النحاس: والرفع عند النحويين في حَسِب وأخواتها أجود كما قال: شعر : أَلاَ زعمتْ بَسْبَاسَةُ اليومَ أنّني كَبِرتُ وألاّ يَشْهَدُ اللّهْو أمثالي تفسير : وإنما صار الرفع أجود؛ لأن حسِب وأخواتها بمنزلة العلم لأنه شيء ثابت. قوله تعالى: {فَعَمُواْ} أي عن الهدى. {وَصَمُّواْ} أي عن سماع الحق؛ لأنهم لم ينتفعوا بما رأوه ولا سمعوه. {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} في الكلام إضمار، أي أوقعت بهم الفتنة فتابوا فتاب الله عليهم بكشف القحط، أو بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يخبرهم بأن الله يتوب عليهم إن آمنوا؛ فهذا بيان {تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي يتوب عليهم إن آمنوا وصدّقوا لا أنهم تابوا على الحقيقة. {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي عمي كثير منهم وصَمّ بعد تبيّن الحق لهم بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ فارتفع «كثير» على البدل من الواو. وقال الأخفش سعيد: كما تقول رأيت قومك ثلثيهم. وإن شئت كان على إضمار مبتدأ أي العُمْيُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم. وإن شئت كان التقدير العُمْيُ والصُّمُّ منهم كثيرٌ. وجواب رابع أن يكون على لغة من قال: «أكلوني البراغيثُ» وعليه قول الشاعر: شعر : ولكِن دِيَافيٌّ أبوه وأمُّه بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُه تفسير : ومن هذا المعنى قوله: { أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [الأنبياء: 3]. ويجوز في غير القرآن «كثيراً» بالنصب يكون نعتاً لمصدر محذوف.
البيضاوي
تفسير : {وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب {لاَ تَكُونَ} بالرفع على أن هي المخففة من الثقيلة، وأصله أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن فصار: أن لا تكون وإدخال فعل الحسبان عليها وهي للتحقيق تنزيل له منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم، و {أن} أو {أن} بما في حيزها ساد مسد مفعوليه. {فَعَمُواْ} عن الدين أو الدلائل والهدى. {وَصَمُّواْ} عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل. {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي ثم تابوا فتاب الله عليهم. {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} كرة أخرى. وقرىء بالضم فيهما على أن الله تعالى أعماهم وأصمهم أي رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم. {كَثِيرٌ مّنْهُمْ} بدل من الضمير، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم: أكلوني البراغيث، أو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصم كثير منهم. وقيل مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فيجازيهم على وفق أعمالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَحَسِبُواْ } ظنوا {أَلاَّ تَكُونَ } بالرفع ف «أن» مخففة والنصب فهي ناصبة أي تقع {فِتْنَةٌ } عذاب بهم على تكذيب الرسل وقتلهم {فَعَمُواْ } عن الحق فلم يبصروه {وَصَمُّواْ } عن استماعه {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } لما تابوا {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ } ثانياً {كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدل من الضمير {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فيجازيهم به.
ابن عطية
تفسير : المعنى في هذه الآية وظن هؤلاء الكفرة والعصاة من بني إسرائيل أن لا يكون من الله ابتلاء لهم وأخذ في الدنيا وتمحيص فلجوا في شهواتهم وعموا فيها إذ لم يبصروا الحق شبهوا بالصم، ونحو هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : حبك الشيء يعمي ويصم" تفسير : وقوله تعالى: {ثم تاب الله عليهم} قالت جماعة من المفسرين: هذه التوبة هي ردهم إلى بيت المقدس بعد الإخراج الأول ورد ملكهم وحالهم، ثم عموا وصموا بعد ذلك حتى أخرجوا الخرجة الثانية ولم ينجبروا أبداً وقالت جماعة ثم تاب الله عليهم ببعث عيسى عليه السلام إليهم، وقالت جماعة: توبته تعالى عليهم بعث محمد عليه السلام وخص بهذا المعنى كثيراً منهم لأن منهم قليلاً آمن، ثم توعدهم بقوله تعالى: {والله بصير بما يعملون} وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر "ألا تكونَ" بنصب النون، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي " أن لا تكونُ " برفع النون، ولم يختلفوا في رفع {فتنةٌ} لأن "كان" هنا هي التامة، فوجه قراءة النصب أن تكون "أن" هي الخفيفة الناصبة، ووجه قراءة الرفع أن تكون المخففة من الثقيلة، وحسن دخولها لأن "لا" قد وطأت أن يليها الفعل وقامت مقام الضمير المحذوف عوضاً منه، ولا بد في مثل هذا من عوض، مثل قولك علمت أن قد يقوم زيد، وقوله عز وجل {أية : علم أن سيكون منكم مرضى} تفسير : [المزمل: 20] وقولك علمت أن سوف يقوم زيد وأن لا تكون فتنة، وقوله تعالى {أية : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} تفسير : [النجم:39] حسن فيه أن لا يكون عوض لأن ليس بفعل حقيقي والأفعال ثلاثة ضروب ضرب يجري مجرى تيقنت نحو علمت ودريت فهذا الضرب تليه "أن" الثقيلة التي تناسبه في الثبوت وحصول الوقوع، وضرب في الضد من ذلك نحو طمعت ورجوت وخفت هو مصرح بأن لم يقع، فهذا الضرب تليه "أنْ" الخفيفة إذ هي تناسبه، كقوله تعالى، {أية : والذي أطمع أن يغفر لي} تفسير : [الشعراء:82] {أية : وتخافون أن يتخطفكم الناس} تفسير : [الأنفال:26] {أية : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} تفسير : [البقرة:229] و {أية : فخشينا أن يرهقهما طغياناً} تفسير : [الكهف:80] أشفقتم نحو ظننت وحسبت وزعمت فيجري مجرى أرجو وأطمع، من حيث الظن والزعم والمحسبة أمور غير ثابتة ولا مستقرة، وقد تنزل منزلة العلم من حيث تستعمل استعماله، كقوله تعالى: {أية : والذين يظنون أنهم ملاقو ربهم} تفسير : [البقرة:46] وقوله {أية : إني ظننت أني ملاق حسابيه} تفسير : [الحاقة:20] وقرأ جمهور الناس "عَموا وصَموا" بفتح العين والصاد، وقرأ ابن وثاب والنخعي "عُموا وصُموا" بضم العين والميم مخففة وبضم الصاد وهذا هو على أن تجرى مجرى زكم الرجل وأزكمه الله وحم الرجل وأحمه الله، ولا يقال زكمه الله ولا حمه الله، فكذلك يجيء هذا عمى الرجل وأعماه غيره، وصم وأصمه غيره، ولا يقال عميته ولا صممته، وقوله تعالى: {ثم تاب الله عليهم} أي رجع بهم إلى الطاعة والحق، ومن فصاحة اللفظ استناد هذا الفعل الشريف إلى الله تعالى، واستناد العمى والصمم اللذين هما عبارة عن الضلال إليهم، وقوله تعالى {كثير} يرتفع من إحدى ثلاث جهات، إما على البدل من الواو في قوله {عموا وصموا} وإما على جمع الفعل وإن تقدم على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وإما على أن يكون {كثير} خبر ابتداء مضمر. ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكداً بلام القسم عن كفر القائلين: {إن الله هو المسيح ابن مريم} وهذا قول اليعقوبية من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيح لهم وتبليغه كيف كان؟ قال: {وقال المسيح يا بني إسرائيل} الآية، وهذه المعاني قول المسيح بألفاظ لغته، وهي بعينها موجودة في تبليغ محمد صلى الله عليه وسلم في قوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به} تفسير : [النساء:48 - 116] إلى غير ذلك من الآيات، وأخبرهم عيسى عليه السلام أن الله تعالى هو ربه وربهم فضلوا هم وكفروا بسبب ما رأوا على يديه من الآيات، و " المأوى " هو المحل الذي يسكنه المرء ويرجع إليه، وقوله تعالى {وما للظالمين من أنصار} يحتمل أن يكون من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أن يكون إخباراً مستأنفاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم القول في تفسير لفظة المسيح في سورة آل عمران.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِتْنَةٌ} عقوبة من السماء، أو ما ابتلوا به من قتل الأنبياء وتكذيبهم، أو ما ابتلوا به ممن تغلب عليهم من الكفار. {فَعَمُواْ} عن الرشد {وَصَمُّواْ} عن الوعظ حتى قتلوا الأنبياء ظناً أن لا تكون فتنة. {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ} ـ تعالى ـ عليهم بعد معاينة الفتنة. {ثُمَّ عَمُواْ} عادوا إلى ما كانوا عليه قبل التوبة وكان العود من أكثرهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}: المعنى في هذه الآيةِ: وظَنَّ هؤلاءِ الكفرةُ باللَّه، والعصاةُ مِنْ بني إسرائيل ألاَّ يكونَ مِنَ اللَّه ابتلاءٌ لهُمْ وأخذ في الدنيا، فلَجُّوا في شهواتهم، وعَمُوا فيها، إذْ لم يُبْصِرُوا الحقَّ، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»تفسير : . وقوله سبحانه: {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}، قالتْ جماعة من المفسِّرين: هذه التوبةُ هِيَ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِس بعد الإخراج الأول، ورَدُّ مُلْكِهِمْ وحَالِهِم، ثم عَمُوا وصَمُّوا بعد ذلك؛ حتى أُخْرِجُوا الخرجةَ الثانيةَ، ولم ينجبرُوا أبداً، ومعنى: {تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}؛ أي: رجَعَ بهم إلى الطاعةِ والحقِّ، ومِنْ فصاحة القُرآن: ٱستنادُ هذا الفعْلِ الشريفِ إلى اللَّه تعالَىٰ، وٱستنادُ العَمَىٰ وَالصَّمَمَ اللَّذَيْن هما عبارةٌ عن الضَّلال؛ إليهم، ثم أخبر تعالَىٰ إخباراً مؤكَّداً بلام القَسَمِ عن كُفْر القائلين: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} وهذا قولُ اليَعْقُوبِيَّةِ من النَّصَارَىٰ، ثم أخبر تعالَىٰ عن قول المسيحِ لهم، فقال: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِي إِسْرٰءِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ...} الآية: فضَلُّوا هم، وكفروا؛ بسَبَب ما رأَوْا علَىٰ يديه من الآيات. وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}، يحتملُ أنْ يكون مِنْ قولِ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ لبني إسرائيل، ويحتمل أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه لنبيِّه محمد ـــ عليه السلام ـــ. وقوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ...} الآية: إخبارٌ مؤكِّد؛ كالذي قبله، عن هذه الطائفة النَّاطقة بالتثليث، وهم فِرَقٌ، منهم النُّسْطُورِيَّة وغيرهم، ولا معنَىٰ لذكْر أقوالهم في كُتُب التَّفْسِير. وقوله سبحانه: {ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ}: لا يَجوزُ فيه إلاَّ الإضافةُ، وخفض «ثلاثة»؛ لأن المعنَىٰ أحدُ ثلاثةٍ، فإنْ قلت: زَيْدٌ ثَالِثُ ٱثْنَيْنِ، أَوْ رَابِعُ ثَلاَثَةٍ، جاز لك أنْ تضيفَ؛ كما تقدَّم، وجاز ألاَّ تضيفَ، وتَنْصِب «ثَلاَثة»؛ على معنى: زَيْدٌ يربِّع ثلاثةً. وقوله سبحانه: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ...} الآية: خَبَرٌ صادِعٌ بالحَقِّ، وهو سبحانه الخالِقُ المُبْدِعُ المتَّصِفُ بالصفات العُلاَ، سبحانه وتعالى عَمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً، ثم توعَّدهم، إنْ لم ينتهوا عما يقولُونَ، ثم رَفَق جلَّ وعلا بهم؛ بتحضيضه إيَّاهم على التوبة، وطَلَبِ المَغْفرة، ثم وصَفَ نفسه سبحانه بالغُفْرَانِ والرَّحْمة؛ ٱستجلاباً للتائِبِينَ وتَأْنيساً لهم؛ ليكونوا علَىٰ ثِقَةٍ من الانتفاعِ بتوبتهم. قال * ص *: {لَيَمَسَّنَّ}: اللامُ فيه جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ قبل أداة الشرطِ. انتهى. وقوله تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}: بناءُ مبالغةٍ مِنَ الصِّدْقِ، ويحتملُ من التَّصْديق؛ وبه سُمِّيَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ (رضي اللَّه عنه)؛ وهذه الصفةُ لمريم تدفع قولَ مَنْ قال: إنها نَبِيَّةٌ. وقوله سبحانه: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ}: تنبيهٌ علَىٰ نقص البشريَّة، وعلَىٰ حالٍ مِنَ الاحتياجِ إلى الغذاءِ تنتفِي معها الألوهيَّةُ، و {يُؤْفَكُونَ}: معناه: يُصْرَفُونَ؛ ومنه قوله عز وجل: {أية : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} تفسير : [الذاريات:9]، والأرْضُ المأْفُوكَةُ الَّتِي صُرِفَتْ عن أن ينالها المَطَرُ، والمَطَرُ في الحقيقةِ هو المَصْرُوفُ، ولكنْ قيل: أرضٌ مأفوكةٌ؛ لما كانَتْ مأفوكاً عنها.
ابن عادل
تفسير : قرأ حمزةُ والكسائيُّ وأبو عمرو "تَكونُ" برفع النون، والباقون بنصبها، فمنْ رفع فـ "أنْ" عنده مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمها ضميرُ الأمرِ والشأنِ محذوفٌ، تقديرُه، أنهُ، و"لاَ" نافية، و"تَكُونُ" تامة، و"فِتْنَةٌ" فاعلها، والجملةُ خبر "أن"، وهي مفسِّرةٌ لضميرِ الأمرِ والشأن، وعلى هذا، فـ "حَسِبَ" هنا لليقين، لا للشكِّ؛ ومن مجيئها لليقين قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : 2020- حَسِبْتُ التُّقَى والْجُودَ خَيْرَ تِجَارةٍ رَبَاحاً إذَا مَا المَرْءُ أصْبَحَ ثَاقِلا تفسير : أي: تيقَّنْتُ؛ لأنه لا يليقُ الشكُّ بذلك، وإنما اضْطُرِرْنَا إلى جعلها في الآية الكريمة بمعنى اليقين؛ لأنَّ "أن" المخففةَ لا تقع إلا بعد يقينٍ، فأمَّا قوله: [البسيط] شعر : 2021- أرْجُو وَآمُلُ أنْ تَدْنُوْ مَوَدَّتُهَا وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكَ تَنْوِيلُ تفسير : فظاهرُه: أنها مخفَّفةٌ؛ لعدم إعمالها، وقد وقعت بعد "أرْجُو" و"آمُلُ" وليسا بيقينٍ، والجوابُ من وجهين: أحدهما: أنَّ "أنْ" ناصبةٌ، وإنما أُهْمِلَتْ؛ حَمْلاً على "مَا" المصدريَّة؛ ويَدُلُّ على ذلك أنها لو كانت مخفَّفةً، لفُصِلَ بينها وبين الجملة الفعليةِ بما سنذكره، ويكون هذا مثل قولِ الله تعالى: {أية : لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233]؛ وكقوله: [البسيط] شعر : 2022- يَا صَاحِبَيَّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُمَا وَحَيْثُمَا كُنْتُمَا لُقِّيتُمَا رَشَدَا أنْ تَحْمِلا حَاجَةً لِي خَفَّ مَحْمَلُهَا تَستْوَجِبَا نِعْمَةً عِنْدِي بِهَا وَيَدَا أنْ تَقْرَآنِ عَلَى أسْمَاءَ وَيْحَكُمَا مِنِّي السَّلامَ وألاَّ تُشْعِرا أحَدَا تفسير : فقوله: "أنْ تَقْرآنِ" بدلٌ من "حَاجَة"، وقد أهْمَلَ "أنْ"؛ ومثلُه قوله: [مجزوء الكامل] شعر : 2023- إنِّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْـ ـقَةُ إنْ نَجَوْتِ مِنَ الرَّزَاحِ وَنَجَوْتِ مِنْ وَصَبِ الْعَدْوْ وِ مِنَ الغُدُو إلى الرَّوَاح أنْ تَهْبِطِينَ بِلاَدَ قوْ مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلاحِ تفسير : وكيفما قُدِّر فيما ذكرته من الأبيات، يلزم أحد شذوذَيْنِ قد قيل باحتمال كلٍّ منهما: إمَّا إهمالُ "أنْ"، وإمَّا وقوعُ المخفَّفة بعد غير علمٍ، وعدمُ الفصل بينها، وبين الجملة الفعليَّة. والثاني من وجهي الجواب: أنَّ رجاءَهُ وأملَهُ قويَا حتَّى قربا من اليقينِ، فأجراهما مُجْراهُ في ذلك. وأما قول الشاعر: [الخفيف] شعر : 2024- عَلِمُوا أنْ يُؤمَّلُونَ فَجَادُوا قَبْلَ أنْ يُسْألُوا بأعْظَمِ سُؤلِ تفسير : فالظاهرُ أنها المخفَّفة، وشَذَّ عدمُ الفصْلِ، ويحتملُ أن تكون الناصبة شذَّ وقوعُها بعد العلْمِ، وشذَّ إهمالُها، ففي الأوَّلِ شذوذٌ واحدٌ، وهو عدم الفصلِ، وفي الثاني شذوذَانِ: وقوعُ الناصبةِ بعد العلمِ، وإهمالُها حَمْلاً على "مَا" أختِها. وجاءَ هنا على الواجب - عند بعضهم - أو الأحسنِ - عند آخرين - وهو الفصلُ بين "أن" الخفيفةِ وبين خبرها، إذا كان جملة فعليةً متصرفةً غير دعاءٍ، والفاصلُ: إمَّا نفي كهذه الآية، وإمَّا حرفُ تنفيس؛ كقوله تعالى: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ} تفسير : [المزمل: 20]، ومثله: "عَلِمْتُ أنْ سوْفَ تقُومُ"، وإمَّا "قَدْ"؛ كقوله تعالى: {أية : وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} تفسير : [المائدة: 113]، وإمَّا "لَوْ" - وهي غريبةٌ -؛ كقوله: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} تفسير : [الجن: 16] {أية : أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ} تفسير : [سبأ: 14]. وتحرَّزْتُ بالفعلية من الاسمية؛ فإنها لا تحتاج إلى فاصل؛ كقوله تعالى: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]، وكقوله: [البسيط] شعر : 2025- فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد قَدْ عَلِمُوا أنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ تفسير : وبالمتصرِّفةِ من غيرِ المتصرِّفة؛ فإنه لا تحتاج إلى فاصلٍ؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39] {أية : وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ} تفسير : [الأعراف: 185]، وبغير دعاءٍ من الواقعةِ دعاءً؛ كقوله تعالى:"أنْ غَضِبَ اللَّهِ" [النور: 9] في قراءة نافعٍ. ومَنْ نصب "تَكُونَ" فـ "أنْ" عنده هي الناصبة للمضارعِ، دخلت على فعلٍ منفيٍّ بـ "لاَ"، و"لاَ" لا يمنعُ أن يعملَ ما قبلها فيما بعدها من ناصبٍ، ولا جازم، ولا جارٍّ، فالناصبُ كهذه الآية؛ والجازم كقوله تعالى: {أية : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 73] {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} تفسير : [التوبة: 40]، والجارُّ نحو: "جِئْتُ بِلا زادٍ". و"حَسِبَ" هنا على بابها من الظَّنِّ، فالناصبة لا تقعُ بعد علْم، كما أنَّ المخففة لا تقع بعده غيرِه، وقد شَذَّ وقوعُ الناصبةِ بعد يَقِينٍ، وهو نصٌّ فيه كقوله: [البسيط] شعر : 2026- نَرْضَى عَنِ النَّاسِ إنَّ النَّاسَ قَدْ عَلِمُوا ألاَّ يُدانِيَنَا مِنْ خَلْقِهِ بَشَرُ تفسير : وليس لقائلٍ أن يقول: العلمُ هنا بمعنى الظَّنِّ؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه، والأكثرُ بعد أفعالِ الشكِّ النصبُ بـ "أنْ"، ولذلك أُجْمِع على النصْب في قوله تعالى: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} تفسير : [العنكبوت: 2]، وأمَّا قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} تفسير : [طه: 89] فالجمهورُ على الرفع؛ لأن الرؤية تقعُ على العلْمِ. والحاصل أنه متى وقَعَتْ بعد علْمٍ، وجبَ أن تكونَ المخفَّفةَ، وإذا وقعت بعد ما ليس بعلمٍ ولا شكٍّ، وجَبَ أن تكونَ الناصبةَ، وإن وقعت بعد فعْلٍ يحتملُ اليقينَ والشك جاز فيها وجهان باعتباريْنِ: إنْ جعلناه يقيناً، جعلناها المخففةَ ورفعنا ما بعدها، وإن جعلناه شكّاً جعلناها الناصبةَ ونصبْنَا ما بعدها، والآيةُ الكريمةُ من هذا الباب، وكذلك قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ} تفسير : [طه: 89] وقوله: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ} تفسير : [العنكبوت: 2] لكن لم يُقرأ في الأولى إلا بالرفعِ، ولا في الثانية إلا بالنصْب، لأن القراءة سنةٌ متبعة، وهذا تحريرُ العبارة فيها، وإنما قلنا ذلك؛ لأن بعضهم يقول: يجوزُ فيها بعد أفعال الشكِّ وجهان، فيوهمُ هذا أنه يجوزُ فيها أن تكونَ المخفَّفةَ، والفعلُ قبلها باقٍ على معناه من الشكِّ، لكن يريد ما ذكرتُه لك من الصلاحيةِ اللفظيةِ بالاعتبارين المتقدمَيْن، ولهذا قال الزمخشريُّ: "فإنْ قلْتَ: كيف دخَلَ فعلُ الحُسْبَانِ على "أن" التي هي للتحْقِيق؟ قلْتُ: نَزَّل حسبانَهم؛ لقوَّته في صدورِهِمْ منزلةَ العلْمِ" والسببُ المقتضي لوقوعِ المخفَّفةِ بعد اليقين، والناصبةِ بعد غيره، وجواز الوجهَيْن فيما تردَّد بين الشَّكِّ واليقينِ: ما ذكروه، وهو "أن" المخفَّفة تَدُلُّ على ثباتِ الأمر واستقراره؛ لأنها للتوكيدِ كالمشدَّدة، والعلمُ وبابُه كذلك، فنَاسَبَ أنْ تُوقِعَها بعد اليقين للملاءمةِ بينهما، ويدلُّ على ذلك وقوعُها مشدَّدةً بعد اليقين؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [النور: 25] {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 106] {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 107] إلى غير ذلك، والنوعُ الذي لا يدلُّ على ثبات واستقرارٍ تقع بعده الناصبة؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي} تفسير : [الشعراء: 82] {أية : نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ} تفسير : [المائدة: 52] {أية : فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا} تفسير : [الكهف: 80] {أية : ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ} تفسير : [المجادلة: 13] إلى غير ذلك، والنوعُ المحتملُ للأمرين تقع بعده تارة المخففةُ، وتارةً الناصبةُ؛ كما تقدَّم من الاعتبارَيْنِ، وعلى كلا التقديرين، أعني: كونها المخففةَ أو الناصبةَ، فهي سادَّةٌ مسدَّ المفعوليْنِ عند جمهورِ البصْريين، ومسدَّ الأولِ، والثاني محذوفٌ عند أبي الحسن، أي: حَسِبُوا عدمَ الفتنةِ كائناً أو حاصلاً، وحكَى بعض النحويِّين أنه ينبغي لِمَنْ رفع أن يَفْصِلَ "أنْ" من "لاَ" في الكتابة؛ لأنَّ الهاء المضْمَرة حائلةٌ في المعنى، ومن نصب، لم يَفْصِلْ لعدمِ الحائل بينهما، قال أبو عبد الله: "هذا ربَّما ساغَ في غير المُصْحفِ، أمَّا المُصْحَفُ، فلَم يُرْسَمْ إلا على الاتِّصَال". انتهى، وفي هذه العبارة تجوُّزٌ؛ إذ لفظُ الاتصالِ يُشْعِرُ بأنْ تُكْتَبَ "أنلا" فتوصل "أنْ" بـ "لاَ" في الخطِّ، فينبغي أن يقال: لا تُثْبَتُ لها صورةٌ، أو تُثْبتُ لها صورةٌ منفصلة. فصل اختَلَفُوا في الفِتْنَةِ فقِيلَ: هِيَ العَذَابُ أي: وظنُّوا ألا يكون عذابٌ، وقيل: هي الابْتِلاءُ والاخْتِبَارُ بالقَحْطِ، والوَبَاء، والقَتْلِ والعَدَاوَةِ، والبَغْضَاءِ فيما بَيْنَهُم، وكُلُّ ذلك قد وقعَ بِهِم، وكُلُّ واحدٍ من المُفَسِّرين حَمَل الفِتْنَةَ على واحدٍ من هذِهِ الوُجُوه. واعلم أنَّ حُسْبَانَهُمْ ألاَّ تقع فِتْنَةٌ يحتمل وجهين: إمَّا أنهم كانوا يَعْتقدُون أنَّ الواجِبَ عليْهِم في كل رَسُول جَاءَ بِشَرْعٍ آخَر؛ أنَّه يجب عَلَيْهِم قَتْلُه وتَكْذِيبُه. وإمَّا أنهم وإن اعْتَقَدُوا في أنْفُسِهِم كَوْنهم مُخْطِئِين في ذلك التَّكْذِيب والقَتْلِ، إلاَّ أنَّهُم كانوا يَقُولُون: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] وكانوا يعتقدون أنَّ نُبُوَّةَ أسْلاَفهم وآبَائِهم تَدْفَعُ عَنْهُم العذاب الذي يَسْتَحِقُّونَهُ بِسَببِ ذلِكَ القَتْلِ والتَّكْذِيب. قوله تعالى: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي: فَعَمُوا عن الحقِّ فلم يُبْصِرُوا "وصَمُّوا" بعد مُوسَى {ثُمَّ تاب اللَّه عَلَيْهِم} ببعْثَ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - وقيل: عَمُوا وَصمُّوا في زَمَان زَكريَّا، ويحيى، وعيسى - عليهم الصلاة والسلام -، ثم تاب اللَّهُ على بعضهم، حيْثُ آمَنَ بعضُهُم به ثمَّ عمُوا وصمُّوا كثيرٌ منهم في زَمَانِ مُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، بأنْ أنْكَرُوا نُبُوَّتَه ورِسَالَتَهُ، وإنَّما قال "كثيرٌ مِنْهُم"؛ لأنَّ أكثرَ اليهُود وإنْ أصَرُّوا على الكفر بمُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، إلاَّ أنَّ جَمْعاً آمَنُوا به كَعَبْدِ اللَّه بن سلام وأصحَابِه. وقيل: عَمُوا حين عَبَدُوا الْعِجْلَ، ثمَّ تَابُوا عَنْهُ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِم، ثمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُم بالتعَنُّتِ، وهو طَلَبُهُم رُؤيَةَ اللَّهِ جَهْرَةً، ونُزُولَ الملائِكة. وقال القَفَّال: ذَكَرَ اللَّهُ تعالى في سُورةِ بَنِي إسْرائيل ما يجُوزُ أنْ يكُونَ تَفْسيراً لِهَذِه الآية، فقالَ تعالى: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} تفسير : [الإسراء: 4، 5، 6]، فهذا في معنى "فَعَمُوا وصمَّوا" ثم قال تعالى {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلأَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} تفسير : [الإسراء: 7] فهذا في معنى قوله "فَعَمُوا وصَمُّوا". قوله تعالى: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} في هذا التركيب خمسة أوجه: أحدها: أنَّ الواوَ علامةُ جمع الفاعلِ، كما يَلْحق الفعل تاءُ التأنيث؛ ليدلَّ على تأنيثِ الفاعل، كـ"قَامَتْ هِنْدٌ"، وهذه اللغة جاريةٌ في المثنى وجمع الإناث أيضاً، فيقال: "قَامَا أخَواكَ، وقُمْنَ أخَوَاتُكَ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2027-................... وَقَدْ أسْلَمَاهُ مُبْعَدٌ وحَمِيمُ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2028- ولَكِنْ دِيَافِيٌّ أبُوهُ وأمُّهُ بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّليطَ أقَارِبُهْ تفسير : واستدلَّ بعضُهم بقوله - عليه السلام -: "حديث : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ ملائِكَةٌ"تفسير : ، ويعبِّر النحاة عن هذه اللغةِ بلغةِ "أكَلُونِي البَرَاغِيثُ"، ولكنَّ الأفصحَ ألاَّ تلحقَ الفعلَ علامةٌ، وفرَّق النحويُّون بين لحاقِهِ علامةَ التأنيث، وعلامةَ التثنية والجمع؛ بأنَّ علامةَ التأنيث ألزمُ؛ لأن التأنيث في ذاتِ الفاعلِ بخلافِ التثنيةِ والجمعِ؛ فإنه غيرُ لازمٍ. الوجه الثاني: أنَّ الواوَ ضميرٌ عائدٌ على المذكورينَ العائد عليهم واو "حَسِبُوا"، و"كَثِيرٌ" بدلٌ من هذا الضمير، كقولك: "إخْوَتُكَ قَامُوا كَبِيرُهُمْ وصَغِيرُهُمْ" ونحوه. والإبْدَال كَثيرٌ في القُرْآنِ قال تعالى: {أية : ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} تفسير : [السجدة: 7]. وقال تعالى: {أية : وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} تفسير : [آل عمران: 97]. الوجه الثالث: أن الواو ضمير أيضاً، و"كَثِيرٌ" بدلٌ منه، والفرقُ بين هذا الوجه والذي قبله: أن الضمير في الوجْهِ الأوَّلِ مفسَّرٌ بما قبلَه وهم بنو إسْرائِيلَ، وأمَّا في هذا الوجه، فهو مفسَّرٌ بما بعده، وهذا أحدُ المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعده، وهو أن يُبْدَلَ منه ما يفسرهُ، وهي مسألةُ خلافٍ، وقد تقدَّم تحريرها. الوجه الرابع: أن الضمير عائدٌ على مَنْ تقدَّم، و"كَثِيرٌ" خبر مبتدأ محذوف، وقدَّره مكي تقديرين: أحدهما: قال: "تقديرُه العُمْيُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم"، والثاني: العَمَى والصَّمَمُ كثيرٌ منهم؛ ودلَّ على ذلك قوله: {ثُمَّ عَمُوا وصمُّوا}، فعلى تقديره الأوَّل: يكون "كَثِيرٌ" صادقاً عليهم و"مِنْهُمْ" صفة لـ "كَثِير"؛ وعلى التقدير الثاني: يكون "كَثِيرٌ" صادقاً على العَمَى والصَّمَمِ لا عليهِمْ، و"مِنْهُمْ" صفةٌ له بمعنى أنه صادرٌ منهم، وهذا الثاني غيرُ ظاهرٍ، وقدَّره الزمخشريُّ فقال: "أولَئِكَ كَثِيرٌ منهم". الوجه الخامس: أنَّ "كَثيرٌ" مبتدأ والجملةُ الفعليَّة قبله خبرٌ، ولا يُقالُ: إنَّ الفعلَ متى وقع خبراً، وجبَ تأخيرُه؛ لأنَّ ذلك مشروطٌ بكونِ الفاعل مستتراً؛ نحو: "زَيْدٌ قَامَ"؛ لأنه لو قُدِّم، فقيل: "قَامَ زَيْدٌ"، لألبس بالفاعل، فإن قيلَ: وهذا أيضاً يُلْبِس بالفاعلِ في لغة "أكَلُونِي البَراغيثُ"، فالجواب: أنها لغةٌ ضعيفةٌ لا نبالي بها، وضعَّفَ أبو البقاء هذا الوجه بمعنًى آخَرَ، فقال: "لأنَّ الفعل قد وقَعَ في موضِعِه، فلا يُنْوَى به غيرُه"، وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنه وقع موقعه، وإنما كان واقعاً لو كان مجرَّداً من علامةٍ، ومثلُ هذه الآيةِ أيضاً قوله تعالى: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} تفسير : [الأنبياء: 3]. والجمهورُ على "عَمُوا وصَمُّوا" بفتح العين والصاد، والأصل: عَمِيُوا وصَمِمُوا؛ كَشَرِبُوا، فأعِلَّ الأولُ بالحذفِ، والثَّاني بالإدغامِ، وقرأ يحيى بن وثَّاب وإبراهيم النخعي بضم العين والصاد وتخفيف الميم من "عَمُوا"، قال الزمخشريُّ: "على تقدير عَمَاهُمُ الله وصَمَّهُمْ، أي: رَمَاهُمْ وضَرَبَهُمْ بالعَمَى والصَّمَمِ؛ كما يقال: نَزَكْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بالنَّيْزَكِ، وركَبْتُهُ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ"، ولم يعترضْ عليه أبو حيان - رحمه الله -، وكان قد قال قبل ذلك بعد أن حكى القراءة: "جَرَتْ مَجْرَى زُكِمَ الرجُلُ، وأزْكَمَهُ الله، وحُمَّ وأحَمَّه الله، ولا يقال: زَكَمَهُ الله ولا حَمَّهُ؛ كما لا يقال: عَمَيْتُهُ ولا صَمَمْتُه، وهي أفعالٌ جاءت مبنيَّةً للمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعلُه، وهي متعدِّيةٌ ثلاثيةٌ، فإذا بُنيتْ للفاعلِ، صارتْ قاصرةً، فإذا أردت بناءَها للفاعلِ متعدِّيةً، أدخَلْتَ همزة النقْلِ، وهي نوعٌ غريبٌ في الأفعال". انتهى، فقوله: "كمَا لا يُقَالُ عَمَيْتُهُ ولا صَمَمْتُهُ" يقتضي أن الثلاثيَّ منها لا يتعدَّى، والزمخشريُّ قد قال على تقدير: "عَمَاهُمُ الله وصَمَّهُمْ" فاستعملَ ثلاثيَّةُ متعدِّياً، فإن كان ما قاله أبو حيان صحيحاً، فينبغي أن يكون كلام الزمخشريِّ فاسداً أو بالعكس. وقرأ ابن أبي عَبْلة "كَثِيراً" نصباً؛ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف، وتقدم غيرَ مرَّة أنه عند سيبويه حالٌ، وقال مكي: "ولو نَصَبْتَ "كَثِيراً" في الكلام، لجازَ أن تجعله نعتاً لمصدر محذوف، أي: عَمى وصَمَماً كثيراً"، قلت: كأنه لم يطَّلِعْ عليها قراءةً، أو لم تَصِحَّ عنده؛ لشذُوذها. وقوله: "فَعَمُوا" عطفَه بالفاء، وقوله: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} عطفه بـ "ثُمَّ"، وهو معنى حسنٌ؛ وذلك أنهم عَقِيبَ الحُسْبَانِ، حصل لهم العمى والصَّمَمُ من غير تَرَاخٍ، وأسند الفعلين إليهم، بخلافِ قوله: {أية : فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ} تفسير : [محمد: 23]، لأنَّ هذا فيمن لم يَسْبِقْ له هدايةٌ، وأسند الفعل الحسنَ لنفسِه في قوله: {ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ}، وعطف قوله: "ثُمَّ عَمُوا" بِحَرْفِ التراخِي؛ دلالةً على أنهم تمادَوْا في الضَّلال إلى وقْتِ التوبة. فصل في معنى العمى والصّمم المُرَادُ بهذا العمى والصّمم الجَهْلُ والكُفْرُ، وإذا كان كذلِكَ فنقول: فَاعِلُ هذا الجَهْلِ إمَّا أن يكون هو اللَّهُ - تعالى - أو العَبْدُ. فالأول: يُبْطِلُ قول المُعْتَزِلَةِ. والثاني: بَاطِل؛ لأنَّ الإنسان لا يَخْتَارُ ألْبَتَّةَ تَحْصِيلَ الجَهْلِ والكُفْرِ لِنَفْسِهِ. فإن قيل: إنَّمَا اختاروا ذلك؛ لأنَّهُمْ ظَنُّوا أنَّهُ علمٌ. قلنا: هذا الجَهْلُ يسبقه جَهْلٌ آخَر، إلاَّ أنَّ الجهالات لا تتَسَلْسَلُ، بل لا بد من انْتِهائِهَا إلى الجَهْلِ الأوَّل، ولا يجوز أنْ يَكُون هو العَبْدُ لِما ذَكَرْنَا فوَجَب أن يكون فاعله هو اللَّهُ تعالى. ثُمَّ قال تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: مِنْ قَتْل الأنْبيَاء وتكْذِيب الرُّسُلِ المقصود منه التَّهْدِيد.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد {وحسبوا ألا تكون فتنة} قال: يهود. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {وحسبوا ألا تكون فتنة} قال: بلاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة {وحسبوا ألا تكون فتنة} قال: حسب القوم أن لا يكون بلاء {فعموا وصموا} قال: كلما عرض لهم بلاء ابتلوا به هلكوا فيه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي {وحسبوا ألا تكون فتنة} قال: حسبوا أن لا يبتلوا فعموا عن الحق.
ابو السعود
تفسير : {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي حسِب بنو إسرائيلَ أن لا يصيبَهم من الله تعالى بما أتَوْا من الداهية الدهياء والخُطة الشنعاء بلاءٌ وعذاب، وقرىء (لا تكونُ) بالرفع على أنّ أنْ هي المخففة من أنّ، واسمها ضمير الشأن المحذوف، وأصله أنه لا تكون فتنةٌ، وتعليقُ فعل الحُسْبان بها وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته، و(أن) بما في حيِّزها سادٌّ مَسدَّ مفعوليه. {فَعَمُواْ} عطف على (حسِبوا) والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها أي أمِنوا بأسَ الله تعالى فتمادَوْا في فُنون الغيِّ والفساد وعمُوا عن الدين بعد ما هداهم الرسلُ إلى معالمه الظاهرة وبـينوا لهم مناهجه الواضحة {وَصَمُّواْ} عن استماع الحق الذي ألقَوْه عليهم ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرّتَيْ إفساد بني إسرائيلَ حين خالفوا أحكام التوراة وركِبوا المحارم وقتلوا شعياء، وقيل: حبسوا أرمياء عليهما السلام لا إلى عبادتهم العجلَ كما قيل، فإنها وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمَى والصمَم لكنها في عصر موسى عليه السلام، ولا تعلُّقَ لها بما حُكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاؤوهم بعده عليه السلام بأعصار {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ما كانوا ببابلَ دهراً طويلاً تحت قهر بُخْتَ نَصَّرَ أسارى في غاية الذل والمهانة فوجه الله عز وجل ملكاً عظيماً من ملوك فارسَ إلى بـيت المقدس ليعمُرَه ونجّى بقايا بني إسرائيل من أسر بختَ نصَّرَ بعد مهلكه وردَّهم إلى وطنهم وتراجَعَ من تفرق منهم في الأكناف فعَمَروه ثلاثين سنة فكثُروا وكانوا كأحسنَ ما كانوا عليه، وقيل: لما ورث بَهْمنُ بنُ اسفنديارَ المُلك من جدِّه كستاسُفَ ألقى الله عز وجل في قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختَ نصّر فقامت فيهم الأنبـياءُ فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال، وذلك قوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ }تفسير : [الإسراء، الآية 6] وأما ما قيل من أن المراد قبولُ توبتهم عن عبادة العجل فقد عرفت أن ذلك لا تعلُّق له بالمقام ولم يُسنِد التوبةَ إليهم كسائر أحوالهم من الحُسبان والعمَى والصمم تجافياً عن التصريح بنسبة الخير إليهم وإنما أشير إليها في ضمن بـيان توبته تعالى عليهم تمهيداً لبـيان نقضهم إياها بقوله تعالى: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} وهو إشارة إلى المرة الآخرة من مرّتيْ إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيـى وقصدُهم قتلَ عيسى عليهم السلام لا إلى طلبهم الرؤية كما قيل لِما عرفت سره، فإن فنون الجناياتِ الصادرةِ عنهم لا تكاد تتناهى خلا أن انحصار ما حُكي عنهم هٰهنا في المرتين وترتّبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام يقضي بأن المراد ما ذكرناه والله عنده علم الكتاب، وقرىء (عُموا وصُمّوا) بالضم على تقدير أعماهم الله وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال: نَزَكتَهُ إذا ضربتَه بالنَّيْزَك ورَكَبتَهُ إذا ضربتَه بركبتك، وقوله تعالى: {كَثِيرٌ مّنْهُمْ} بدل من الضمير في الفعلين، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي بما عملوا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة ورعايةً للفواصل، والجملة تذيـيلٌ أشير به إلى بطلان حُسْبانهم المذكور ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا، إشارةٌ إجمالية اكتُفيَ بها تعويلاً على ما فُصِّل نوع تفصيل في سورة بني إسرائيلَ، والمعنى حسبوا أن لا يصيبهم عذابٌ ففعلوا ما فعلوا من الجنايات العظيمة المستوجبة لأشد العقوبات والله بصيرٌ بتفاصيلها فكيف لا يؤاخذهم بها؟ ومن أين لهم ذلك الحسبانُ الباطل؟ ولقد وقع ذلك في المرة الأولى حيث سلط الله تعالى عليهم بُخْتَ نصَّر عامل لهراسِبَ على بابل، وقيل: جالوتَ الجزري، وقيل: سنحاريبَ من أهل نينوىٰ، والأول هو الأظهر فاستولى على بـيت المقدس فقتل من أهله أربعين ألفاً ممن يقرأ التوراة، وذهب بالبقية إلى أرضه فبقُوا هناك على أقصى ما يكون من الذل والنكد إلى أن أحدثوا توبةً صحيحة، فردهم الله عز وجل إلى ما حكي عنهم من حسنِ الحال، ثم عادوا إلى المرة الآخرة من الإفساد، فبعث الله تعالى عليهم الفرسَ فغزاهم ملكُ بابلَ من ملوك الطوائف اسمُه خيدرود، وقيل: خيدروس، ففعل بهم ما فعل، قيل: دخل صاحب الجيش مذبحَ قرابـينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم، فقالوا: دمُ قربانٍ لم يقبل منا، فقال: ما صَدَقوني، فقتل عليه ألوفاً منهم، ثم قال: إن لم تصدُقوني ما تركت منكم أحداً، فقالوا: إنه دمُ يحيـى عليه السلام، فقال: بمثل هذا ينتقم الله منكم، ثم قال: يا يحيـى قد علم ربـي وربك ما أصاب قومَك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل ألا أبقيَ أحداً منهم، فهدأ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} [الآية: 71]. قال بعضهم ظنوا أن لا يفتتنوا فى آرائهم وأهوائهم فعموا عن رؤية لحق وصموا عن استماعه، إلا من أدركته رحمة الله وفضله فتاب عليه وفتح عينه لرشده. وقيل: ظنوا أنهم لن يقعوا فى الفتنة وهم طالبون للدنيا معتمدون على الخلق، عميت أبصار قلوبهم وصمت آذان سرائرهم، إلا من يتداركه الله بكشف الغطا فيحله محل التابعين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ} وصف الله قوما بعميهم عن روية الحق --- فهم الخطاب بما على عيونهم من غشاوة الغيرة وبمافى اذانهم من وقرا الضلالة فلم يعرفوا ---- ستدراج الامتحان فى امهال الله اياهم فى ظلمة العصيان حسبوا انهم يحسنون فيما بينهم وبين الله سقوطه عن الدرجات الى الدركات ولما فتح الله باب الرحمة عليهم عرفوا تقصيرهم ثم جاء اعلام ---- باب العصمة والتوفيق عليهم فرجعوا الى الضلالة وعم الباطن لانهم ليسوا باهل الله وخاصته --- بشرط العناية لم يرجعوا عنه ابدا قال بعضهم ظنو ان لا يفتتنوا فى اذانهم واهوائهم فعموا -- الحق وصموا عن استماعه الا من ادركته رحمة الله وفضله فتاب عليه وفتح عينه لرشده انهم لن يقعوا فى الفتنة وهم طالبون الدنيا معتمدين على الخلق عميت ابصار قلوبهم وصمت ارهم لا من يتدراكه الله بكشف الغطاء ويحله محل التائبين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وحسبوا ان لا تكون فتنة} اى حسب بنوا اسرائيل وظنوا ان لا يصيبهم من الله تعالى بلاء وعذاب بقتل الانبياء وتكذيبهم وجه حسبانهم انهم وان اعتقدوا فى انفسهم انهم مخطئون فى ذلك التكذيب والقتل الا انهم كانوا يقولون نحن ابناؤه واحباؤه وكانوا يعتقدون ان نبوة اسلافهم وآبائهم تدفع عنهم العذاب الذى يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب {فعموا} عطف على حسبوا والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها اى أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا فى فنون الغى والفساد وعموا عن الدين بعد ما هداهم الرسل الى المعاملة الظاهرة وبينوا لهم مناهجة الواضحة اى عملوا معاملة الاعمى الذى لا يبصر {وصموا} عن استماع الحق الذى القوه عليهم اى عملوا معاملة الاصم الذى لا يسمع ولذلك فعلوا بهم ما فعلوا. قال المولى ابو السعود وهذا اشارة الى المرة الاولى من مرتى افساد بنى اسرائيل حين خالفوا احكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعيبا وقيل حبسوا ارمياء عليه السلام {ثم تاب الله عليهم} حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد وبعدما كانوا ببابل دهرا طويلا تحت قهر بخت نصر اسارى فى غاية الذل والمهانة فوجه الله عز وجل ملكا عظيما من ملوك فارس الى بيت المقدس ليعمره وينجى بقايا بنى اسرائيل من اسر بخت نصر بعد مهلكهم وردهم الى وطنهم وتراجع من تفرق منهم فى الاكناف فعمروه فى ثلاثين سنة فكثروا وكانوا كاحسن ما كانوا عليه {ثم عموا وصموا} وهو اشارة الى المرة الاخرى من مرتى افسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيى وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام {وكثير منهم} بدل من الضمير فى الفعلين. قال الحدادى قوله {كثير منهم} يقتضى فى المرة الثانية انهم لم يكفروا كلهم وانما كفر اكثرهم كما قال تعالى {أية : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة} تفسير : [آل عمران: 113]. وقال تعالى {أية : منهم أمة مقتصدة} تفسير : [المائدة: 66]. {والله بصير بما يعملون} فيجازيهم وفق اعمالهم ومن اين لهم ذلك الحسبان الباطل ولقد وقع ذلك فى المرة الاولى حيث سلط عليهم بخت نصر فاستولى على بيت المقدس فقتل من اهله اربعين الفا ممن يقرأ التوراة وذهب بالبقية الى ارضه فبقوا هناك على اقصى ما يكون من الذل والنكد الى ان احدثوا توبة صحيحة فردهم الله عز وعلا الى ما حكى عنهم من حسن الحال ثم عادوا الى المرة الاخرى من الافساد فبعث الله عليهم الفرس فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف ففعل بهم ما فعل. قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دما يغلى فسألهم فقالوا دم قربان لم يقبل منا فقال ما صدقتمونى فقتل عليه الوفا منهم ثم قال ان لم تصدقونى ما تركت منكم احدا فقالوا انه دم يحيى عليه السلام فقال بمثل هذا ينتقم الله منكم ثم قال يا يحيى قد علم ربى وربك ما اصاب قومك من اجلك فاهدأ باذن الله تعالى قبل ان لا ابقى احدا منهم فهدأ. واعلم ان من مقتضى النفس نسيان العهد بينها وبين الله ونسيان نعمه بالكفران وكيف الكفران والانسان غريق فى بحر كرمه ولطفه فيجب عليه شكر ذلك وارسال الرسل وتوضيح السبل ونزول المطر وانبات الارض وصحة البدن وقوة القلب واندفاع الموانع ومساعدة الاسباب كل ذلك من النعم الجليلة ـ وحكى ـ ان دانيال عليه السلام وجد خاتمه فى عهد عمر رضى الله عنه وكان على فصه اسدان وبينهما رجل يلحسانه وذلك ان بخت نصر لما تتبع الصبيان وقتلهم وولد هو القته امه فى غيضة رجاء ان ينجو منه فقيض الله سبحانه اسدا يحفظه ولبوة ترضعه وهما يلحسانه فلما كبر صور ذلك فى خاتمه حتى لا ينسى نعمة الله عليه ولا بد فى قطع طريق الآخرة من تحمل المشاق والقيام بالحقوق الواجبة بينه وبين الخلاق. ذكر عن الفضيل انه قال من عزم على طريق الآخرة فليجعل فى نفسه اربعة الوان من الموت الابيض والاحمر والاسود والاخضر. فالموت الابيض الجوع. والاسود ذم الناس. والاحمر مخالفة الشيطان. والاخضر الوقائع بعضها على بعض الى المصائب والاوجاع واذا كان المرء اعمى واصم فى هذا الطريق فلا جرم يضل ولا يهتدى: قال فى المثنوى شعر : كوررا هر كام باشد ترس جاه باهزاران ترس مى آيد براه مرد بينا ديده عرض راه را بس بداند او مغاك و جاه را ماهيا نرا بحر نكذارد برون خاكيانرا بحر نكذارد درون اصل ما هى آب وحيوان از كلست حيله وتدبير اينجا باطلست قفل زفتست و كشاينده خدا دست درتسليم زن اندر رضا تفسير : والعصيان وان كان سببا للنسيان ورين العمى والصمم الا ان ما قضاه الله وقدره لا يتغير فليبك على نفسه من ضاع عمره فى الهوى وتتبع الشهوات فلم يجد الى طلب الحق سبيلا والى طريق الرشيد دليلا اللهم انك انت الهادى.
الطوسي
تفسير : قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي {ألا تكون} بالرفع. الباقون بالنصب. ولم يختلفوا في رفع {فتنة} فمن رفع، فالمعنى حسبوا فعلهم غير فاتن لهم، لأنهم كانوا يقولون {نحن أبناء الله وأحباؤه} ومن نصبه فلأن "أن" تنصب الفعل المضارع. وقال أبو علي الفارسي الافعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشئ واستقراره نحو العلم، وفعل يدل على خلاف الاستقرار والثبات، وفعل يحتمل الأمرين، فما كان معناه العلم وقع بعده (أن) الثقيلة، ولم تقع بعده الخفيفة الناصبة للفعل، لأن الثقيلة معناها إِثبات الشئ واستقراره والعلم بأنه كذلك أيضاً، فاذا أوقع عليه واستعمل معه كان وقعه ملائماً له. ولو استعملت الناصبة للفعل بعد ما معناه العلم واستقرار الشئ له لتباينا وتدافعا، فمن استعمال الثقيلة بعد العلم وايقاعه عليها قوله: {أية : ويعلمون أن الله هو الحق المبين } تفسير : و {أية : ألم يعلم بأن الله يرى } تفسير : ، لأن الباء زائدة. وكذلك التبين والتيقن، وما كان معناه العلم كقوله { أية : ثم بدا لهم من بعد ما رءوا الآيات } تفسير : فهذا ضرب من العلم لأنه تبين لأمر قد بان فلذلك كان قسما كما كان علمت قسما في نحو قوله: شعر : ولقد علمت لتأتين منيتي تفسير : وكذلك {أية : ثم بدا لهم من بعد مارءوا الآيات ليسجننه حتى حين} تفسير : فهو بمنزلة علموا ليسجننه وعلى ذلك قول الشاعر: شعر : بدا لي أني لست مدرك ما مضى (ولا سابقاً شيئاً اذا كان جائيا) تفسير : فأوقع بعدها الشديدة كما يوقعها بعد علمت واما ما كان معناه ما لم يثبت ولم يستقر فنحو (أطمع) و (أخاف) و (اشفق) و (أرجو) فهذا ونحوه لا يستعمل بعده إِلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله تعالى: {أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } تفسير : وقوله {أية : تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم } تفسير : وقوله: { أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله. فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله } تفسير : وقوله: {أية : فخشينا أن يرهقهما }تفسير : وقوله { أية : أأشفقتم أن تقدموا } تفسير : وكذلك أرجو، وعسى، ولعل فأما ما يستعمل في الامرين نحو حسبت وظننت وزعمت فهذا النحو يجعل مرة بمنزلة (أرجو) و (أطمع) من حيث كان أمراً غير مستقر ومرة يجعل بمنزلة العلم من حيث استعمل استعماله. ومن حيث كان خلافه. والشئ قد يجري مجرى الخلاف نحو (عطشان) و (ريان) فاما استعمالهم استعمال العلم، فلأنهم قد أجابوه بجواب القسم. حكى سيبويه ظننت ليسقيني. وقيل في قوله {أية : وظنوا ما لهم من محيص } تفسير : ان النفي جواب الظن كما كان جواباً لعلمت في قوله{ أية : علمت ما أنزل هؤلاء إِلا رب السماوات } تفسير : وكلا الوجهين جاء به القرآن مثل قراءة من نصب قوله {أية : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا}{أية : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم } {أية : ألم أحسب الناس أن يتركوا }تفسير : ومثل قراءة من رفع قوله {أية : أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم } {أية : أيحسبون إِنما نمدهم به من مال وبنين} {أية : أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه }تفسير : فهذه مخففة من الشديدة. ومثل ذلك في الظن قوله: {أية : تظن أن يفعل بها فاقرة } تفسير : وقوله {أية : إِن ظنا أن يقيما حدود الله } تفسير : ومن الرفع قوله: {أية : وأَنا ظننا أن لن تقول الانس والجن.. وأَنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً } تفسير : وإِن ها هنا الخفيفة من الثقيلة لأن الناصبة للفعل لا تقع بعدها (أن) لاجتماع الحرفين في الدلالة على الاستقبال كما لم تجتمع الناصبة مع السين، ولم يجتمعا كما لم يجتمع الحرفان بمعنى واحد. ولذلك كانت (ان) في قوله { أية : علم أن سيكون } تفسير : المخففة من الشديدة. ومن ذلك قوله {أية : وظنوا أنهم أحيط بهم }تفسير : فاما قوله: {أية : الذين يظنون إنهم ملاقوا ربهم }تفسير : وقوله: {أية : ظننت أني ملاق حسابيه } تفسير : فالظن ها هنا بمعنى العلم، وحسن وقوع الخفيفة من الشديدة في قول من رفع وإن كان بعده فعل لدخول (لا) وكونها عوضاً من حذف الضمير معه وايلاء ما لم يكن يليه. ولو قلت علمت أن يقول لم يجز حتى يأتي بما يكون عوضاً نحو (قد) و (لا) والسين وسوف، كما قال {علم أن سيكون} ولا يدخل على ذلك قوله: {أية : وأَن ليس للإنسان إلا ما سعى }تفسير : فلم يدخل بين (أن) و (ليس) شئ لأن (ليس) ليس بفعل على الحقيقة. وأما (فتنة) فلو نصب لكان صحيحاً في العربية على تقدير: أن لا يكون قولهم فتنة. ولكن لم يقرأ به أحد. قال الرماني: وحد الحسبان هو قوة أحد النقيضين. في النفس على الآخر وأصله الحساب، فالنقيض القوي يحتسب به دون الآخر أي هو فيما يحتسب ولا يطرح ومنه الحسب لانه مما يحسب ولا يطرح لأجل الشرف ومنه قولهم: حسبك أي يكفيك، لأنه بحساب الكفاية ومنه احتساب الأجر، لأنه فيما يحتسب ويكفي. والفتنة ها هنا العقوبة. وقيل البلية - في قول السدي وقتادة والحسن ومجاهد - وقيل: الشدة. وكل ذلك متقارب. وقال ابن عباس: الفتنة - ها هنا - الشرك. وأصل الفتنة الاختبار، ومنه افتتن بفلانة اذا هواها، لأنه يظهر ما يطوي من خبره بها. وفتنت الذهب في النار اذا خلصته ليظهر خبره في نفسه متميزاً من شائب غيره. وقوله {أية : يوم هم على النار يفتنون }تفسير : أي يحرقون. فاذا هم خبث كلهم {أية : وفتناك فتوناً } تفسير : أي اختبرناك اختباراً أي ليظهر خبرك على خلوص أمرك في طاعتك أو غير ذلك من حالك. وقوله {فعموا وصموا} معناه عن الحق على وجه التشبيه بالأعمى والاصم لانه لا يهدي الى طريق الرشد في الدين كما لا يهتدي هذا الى طريق الرشد في الدنيا لأجل العمى والصمم، فكذلك اولئك لاعراضهم عن النظر. وقوله {ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا} إِخبار منه تعالى أن هؤلاء الكفار حسبوا أن لا يكون فتنة على ما فسرناها {فعموا وصموا} وقتلوا الأنبياء وكذبوهم ثم أن فريقاً منهم تابوا فتاب الله عليهم {ثم عموا وصموا} يعني عادوا الى ما كانوا عليه. وقيل قوله {ثم عموا وصموا} في الاقرار بالنبي (صلى الله عليه وسلم) وقوله: {كثير منهم} قال الزجاج يحتمل رفعه ثلاثة أوجه: أحدها - ان يكون بدلاً من الفاء، فكأنه لما قال {عموا وصموا} ابدل الكثير منهم أي عمي وصم كثير منهم كما يقول جاءني قومك أكثرهم. والثاني - أن يكون جمع الفعل متقدماً على لغة من قال اكلوني البراغيث، وذهبوا قومك. قال أبو عمرو الهذلي: شعر : ولكن ديا في ابوه وامه بحوران يعصرن السليط اقاربه تفسير : الثالث ان يكون (كثيراً) خبر ابتداء محذوف والتقدير ذو العمى والصمم {كثير منهم} ثم بين تعالى {إِنه بصير} أي عالم {بما يعملون} أي بأعمالهم.
الجنابذي
تفسير : {وَحَسِبُوۤاْ} من تماديهم فى الغفلة والاعراض {أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} عذاب وابتلاء من الله بسبب هذا التّكذيب والقتل واستصغاراً للّّذنب العظيم {فَعَمُواْ} عن الاعتبار بمن مضى {وَصَمُّواْ} عن استماع حكاياتهم وعن استماع الحقّ {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} بتوبتهم وقبول نصح الانبياء واوصيائهم {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} كرّة اخرى {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} بدل بعض من الكلّ {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} وقد وقع هذا فى امّة محمّد (ص) والمقصود بالآية التّعريض بهم، فى الكافى عن الصّادق (ع) فى بيان وجه التّعريض وحسبوا ان لا تكون فتنة قال حيث كان النّبىّ (ص) بين اظهرهم فعموا وصمّوا حيث قبض رسول الله (ص) ثم تاب الله عليهم حيث قام امير المؤمنين (ع) ثمّ عموا وصمّوا الى السّاعة، ويمكن بيان التّعريض بوجهٍ آخرٍ وهو ان يقال: حسبوا ان لا تكون فتنة حيث تعاهدوا فى مكّة فعموا وصمّوا عن دلائل صدق محمّد (ص) ثمّ تاب الله عليهم حيث بايعوا عليّاً (ع) بالخلافة ثمّ عموا وصمّوا حيث نقضوا بيعته.
اطفيش
تفسير : {وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ}: أى ظن اليهود أنه لا يكون عليهم بلاء بقتل الأنبياء، ولحسب مفعولان وناب عنهما واحد لاشتمال اللفظ على المسند والمسند اليه، والكون لا خبر له، أى وحسبوا عدم كون فتنة، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائى ويعقوب برفع تكون، وأن مخففة واسمها ضمير الشأن، وحسبوا على هذا بمعنى علموا، وله مفعول واحد كما مر فى قراءة النصب، وقال أبو الحسن والأخفش فى مثل القراءتين: المفعول الثانى محذوف وجوباً أى حسبوا عدم كونها حاصلا. {فَعَمُوا}: عن الحق فلم يدركوه بالدلائل، وعموا عن الدلائل. {وَصَمُوا} عن سماع الحق، كما عبدو العجل فى زمان سيدنا موسى عليه السلام. {ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِم ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا}: قدر الله لهم أنهم تركوا عبادة العجل، ورجعوا عنها، وهكذا معنى التوبة فى هذا المقام، فان ولاية الله وعداوته لا تنقلب، فمن علم الله أنه يشقى لم يتب الله عليه، بل هو فى براءة الله، وان قيل تاب عليه فما معناه الا أنه قدر له أنه رجع عن المعصية وسيرجع اليها، وقد أصر على غيرها الا أن يفسر بالتوبة الحقيقة باعتبار القليل الذى لا يعمى ولا يصم بعد ذلك، فذلك كل لا كلية، وقرىء، عموا وقرىء عموا وصموا بضم العين والصاد بناء للمفعول على لغة تعدية عمى وصم بنفسهما، والمشهور تعديتهما بالهمزة. {كَثِيرٌ مِّنْهُم}: بدل من واو صموا بدل بعض، ويقدر مثله لواو عموا أو فاعل لقوله: عموا على لغة: يتعاقبون فيكم ملائكة، ويقدر مثله لعموا على التنازع أو بالعكس، والواو ان على هذا حرف يدل على جماعة الذكور، واذا أضمر على التنازع فى هذه اللغة استتر الضمير وجوباً، وذلك لأنه يمكن كره هنا ضميراً لاشتغال الفعل بالواو الحرفية، وقيل خبر لمحذوف أى العمى والصم كثير، وقيل: مبتدأ وعموا خبر مقدم، وسوغ ذلك أنه لا يلبس التقديم لاتصال الواو بهما بالفعل والفاعل. {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}: عليهم به فلا يفوته عقابهم، وذلك عادتهم يعصون ويتوبوا، ثم ينكصون على أعقابهم فيموتون عاصين، وقيل: العصيان الأول فى زمان عبادة العجل فتابوا فقبلت توبتهم، والثانى فى زمان زكريا ويحيى وعيسى، وقيل: عموا وصموا بعد موسى، وتاب الله عليهم بارسال عيسى، ثم عموا وصموا لارسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَحَسِبُوا} ظن بنو إِسرائيل {أَلا تَكُونَ} تحصل {فِتْنَةٌ} بلاء وعذاب بتكذيب الأَنبياءِ وقتلهم، وذلك لأَنهم اعتقدوا أَن كل من جاءَهم بشرع غير شرعهم الأَول يجب قتله كذا قيل، وفيه أَن أَنبياءَهم متواردون على التوراة بلا مخالفة، ولعل المراد أَنهم يجيئون من الله بأَشياءَ ليست في التوراة ولا تناقضها أَو يقتلونهم تشهيا وخوفا من زوال الجاه وتفرق الأَتباع كما عبدوا العجل ويزعمون أَن أَسلافهم يشفعون لهم {فَعَمُوا} فعموا عن إِدراك الدين ودلائله بمجرد ما وجدوا فى التوراة بلا إِسماع مسمع كمن لا يرى بعينه ما هو ظاهر لعماه كما عبدوا العجل {وصَمُّوا} عن سماع المسمع لهم سماع قبول كمن لا تسمع أُذناه لصمم فيهما، ويجوز أَن يكون العمى والصمم بمعنى واحد مجازى وهو المبالغة في الإِعراض عن الحق كبعد من اجتمع فيه العمى والصمم عن الإِدراك {ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ} أَى وفقهم للتوبة، والسعيد منهم في ولاية الله تعالى له ولو فى حال المعصية لما يختم له به لا لها، والشقى في براءَة الله ولو في حال طاعته وتوبته لما يختم له به فليس في ذلك تقلب ولاية الله وبراءَته بحسب التوبة ونقضها {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} بدل من واو عموا فهو في نية التقديم عن صموا أَو تجعل الواو في عموا علامة الجمع وكثير فاعله وهو فى نية التقديم وواو صموا فاعل أَو كثير مبتدأ وعموا وصموا خبران بعطف لجواز تقديم الخبر الفعلى إِذا لم يكن ليس كقولك قام أَبوه زيد، وإِنما يمتنع إِذا كان تقديمه يوهم المبتدأ بالفاعل كقولك فى زيد قام، قام زيد، أَو اللبس بالتأكيد نحو أَنا قمت، ويقال فعموا وصموا إِشارة إِلى المرة الأُولى من مرتى الفساد حين خالفوا التوراة وقتلوا شعياءَ أَو حبسوا أَرمياءَ وإنما تابوا في أَسر بخت نصر وكانوا دهراً تحته في بابل في ذل عظيم وأهلك الله بخت نصر وبعث ملكا عظيما من فارس وعمر بيت المقدس ثلاثين سنة ورد بنى إِسرائيل وتراجعوا كأَحسن ما كانوا وكثروا كذلك، وقيل: لما ورث بهمان ابن اسنفنديار الملك من جده كاسف أَلقى الله تعالى شفقة عليهم في قلبه فردهم إِلى الشام وملك عليهم دانيال عليه السلام فاستولوا على من كان فيها من أَتباع بخت نصر فقامت عليهم الأَنبياء فرجعوا إِلى أحسن ما كانوا عليه، وذلك قوله تعالى{أية : ثم رددنا لكم الكرة عليهم} تفسير : [الإِسراء: 6] والمرة الثانية من مرتى الفساد حين قتلوا زكرياءَ ويحيى وقصدوا قتل عيسى عليه السلام، ويقال المراد بالتوبة أَنهم تابوا من عبادة العجل وفيه ضعف لأنه على عهد سيدنا موسى عليه السلام لا يناسب المقام، وكذا ما قيل فعموا وصموا بعبادة العجل ثم تابوا ثم عموا وصموا بطلب الرؤية والاعتداء في السبت إِلاَّ أَن الاعتداءَ فيه في زمان داود بعد موسى عليهما السلام، ولو قيل المراد من فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لجاز لرضاهم عن إِسلامهم فيسند إِليهم مالآبائهم، وقدم العمى لأَنه أَول ما يعرض لمن أَنكر ما أَتى به من الحق ثم لو أَبصره لم يتبعه كأَنه لم يسمعه وثم للتراخى رتبة وزمانا {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فلن ينجوا من عقابه، ومقتضى الظاهر بما عملوا لكن المضارع للفاصلة وحكاية الحال والتكرير.
الالوسي
تفسير : {وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي ظن بنو إسرائيل أن لا يصيبهم من الله تعالى بما فعلوا بلاء وعذاب لزعمهم ـ كما قال الزجاج ـ أنهم أبناء الله تعالى وأحباؤه أو لإمهال الله تعالى لهم أو لنحو ذلك، وعن مقاتل تفسير الفتنة بالشدة والقحط، والأولى حملها على العموم، وعلى التقديرين ليس المراد منها معناها المعروف. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب {أَن لا تَكُونُ} بالرفع على {أن} هي المخففة من الثقيلة، وأصله أنه لا تكون فخفف {أن} وحذف ضمير الشأن ـ وهو اسمها ـ وتعليق فعل الحسبان بها، وهي للتحقيق لتنزيله منزلة العلم لكمال قوته. و {أن} بما في حيزها سادّ مسد مفعوليه، وقيل: إن حسب هنا بمعنى علم، و {أن} لا تخفف إلا بعدما يفيد اليقين، وقيل: إن المفعول الثاني محذوف أي وحسبوا عدم الفتنة كائناً، ونقل ذلك عن الأخفش، و {تَكُونُ} على كل تقدير تامة. وقوله تعالى: {فَعَمُواْ} عطف على {حَسِبُواْ} والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها أي أمنوا بأس الله تعالى فتمادوا في فنون الغي والفساد وعموا عن الدين بعدما هداهم الرسل إلى معالمه وبينوا لهم مناهجه {وَصَمُّواْ} عن استماع الحق الذي ألقوه إليهم، وهذا إشارة إلى المرة الأولى من مرتي إفساد بني إسرائيل حين خالفوا أحكام التوراة وركبوا المحارم وقتلوا شعيا، وقيل: حبسوا أرميا عليهما السلام. {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه / من الفساد بعدما كانوا ببابل دهراً طويلاً تحت قهر بختنصر أسارى في غاية الذل والمهانة، فوجه الله عز وجل ملكاً عظيماً من ملوك فارس إلى بيت المقدس فعمره ورد من بقي من بني إسرائيل في أسر بختنصر إلى وطنهم وتراجع من تفرق منهم في الأكناف فاستقروا وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا عليه، وقيل: لما ورث بهمن بن أسفنديار الملك من جده كستاسف ألقى الله تعالى في قلبه شفقة عليهم فردهم إلى الشام، وملك عليهم دانيال عليه السلام فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر فقامت فيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه من الحال، وذلك قوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الإسراء: 6] ولم يسند سبحانه التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان والعمى والصمم تجافياً عن التصريح بنسبة الخير إليهم، وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبة الله تعالى عليهم تمهيداً لبيان نقضهم إياها بقوله سبحانه: {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} وهو إشارة إلى المرة الآخرة من مرتي إفسادهم وهو اجتراؤهم على قتل زكريا ويحيـى وقصدهم قتل عيسى عليهم السلام، وجعل الزمخشري العمى والصمم أولاً: إشارة إلى ما صدر منهم من عبادة العجل، وثانياً: إشارة إلى ما وقع منهم من طلبهم الرؤية، وفيه أن عبادة العجل وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في عصر موسى عليه السلام، ولا تعلق لها بما حكي عنهم بما فعلوا بالرسل الذين جاءوهم بعده عليه السلام بأعصار، وكذا القول ـ على زعمه ـ في طلب الرؤية على أن طلب الرؤية كان من القوم الذين مع موسى عليه السلام حين توجه للمناجاة، وعبادة العجل كانت من القوم المتخلفين فلا يتحقق تأخره عنها، وحمل {ثُمَّ} للتراخي الرتبـي دون الزماني مما لا ضرورة إليه، وقيل: إن العمى والصمم أولاً: إشارة إلى ما كان في زمن زكريا ويحيـى عليهما السلام، وثانياً: إشارة إلى ما كان في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم من الكفر والعصيان، وبدأ بالعمى لأنه أول ما يعرض للمعرض عن الشرائع فلا يبصر من أتى بها من عند الله تعالى ولا يلتفت إلى معجزاته، ثم لو أبصره لم يسمع كلامه فيكون عروض الصمم بعد عروض العمى، وقرىء {عَمُواْ وَصَمُّواْ} بالضم على تقدير عماهم الله تعالى وصمهم أي رماهم وضربهم بالعمى والصمم، كما يقال: نزكته إذا ضربته بالنيزك، وركبته إذا ضربته بركبتك. وقوله تعالى: {كَثِيرٌ مّنْهُمْ} بدل من الضمير في الفعلين، وقيل: هو فاعل والواو علامة الجمع لا ضمير، وهذه لغة لبعض العرب يعبر عنها النحاة ـ بأكلوني البراغيث ـ أو هو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصمم كثير منهم. وقيل: أي العمى والصمم كثير منهم أي صادر ذلك منهم كثيراً وهو خلاف الظاهر، وجوز أن يكون مبتدأ والجملة قبله خبره، وضعف بأن الخبر للفعلي لا يتقدم على المبتدأ لالتباسه بالفاعل، ورد بأن منع التقديم مشروط بكون الفاعل ضميراً مستتراً إذ لا التباس فيما إذا كان بارزاً، والتباسه بالفاعل في لغة ـ أكلوني البراغيث ـ لم يعتبروه مانعاً لأن تلك اللغة ضعيفة لا يلتفت إليها، ومن هنا صرح النحاة بجواز التقديم في مثل الزيدان قاما لكن صرحوا بعدم جواز تقديم الخبر فيما يصلح المبتدأ أن يكون تأكيداً للفاعل، نحو ـ أنا قمت ـ فإن أنا لو أخر لالتبس بتأكيد الفاعل، وما نحن فيه مثله إلا أن الالتباس فيه بتابع آخر أعني البدل فتدبر، وإنما قال سبحانه: {كَثِيرٌ مّنْهُمْ} لأن بعضاً منهم لم يكونوا كذلك. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي بما عملوا وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً لصورتها الفظيعة مع ما في ذلك من رعاية الفواصل، والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور؛ ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا إشارة إجمالية اكتفى بها تعويلاً / على ما فصل نوع تفصيل في سورة بني إسرائيل، ولا يخفى موقع {بَصِيرٌ} هنا مع قوله سبحانه: {عَمُواْ}.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : كَذّبوا}تفسير : [المائدة: 70] و{أية : يقتلون}تفسير : [المائدة: 70] لبيان فساد اعتقادهم النّاشيء عنه فاسد أعمالهم، أي فعلوا ما فعلوا من الفظائع عن تعمّد بغرور، لا عنْ فلتة أو ثائرة نفس حتّى يُنيبُوا ويتوبوا. والضّمائر البارزة عائدة مثل الضّمائر المتقدّمة في قوله {كذّبوا} و{يقتلون}. وظنّوا أنّ فعلهم لا تلحقهم منه فتنة. والفتنة مَرْج أحوال النّاس واضطرابُ نظامهم من جرّاء أضرار ومصائب متواليّة، وقد تقدّم تحقيقها عند قوله: {أية : إنَّما نحن فتنة} تفسير : في سورة البقرة (102). وهي قد تكون عقاباً من الله للنّاس جزاء عن سوء فعلهم أو تمحيصاً لصادق إيمانهم لتعلوَ بذلك درجاتهم {أية : إنّ الّذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات}تفسير : [البروج: 10] الآية. وسمَّى القرآن هاروت وماروت فتنة، وسمَّى النبيءُ صلى الله عليه وسلم الدجّال فتنة، وسمَّى القرآن مزالّ الشيطان فتنة {أية : لا يفتننّكم الشيطان}تفسير : [الأعراف: 27]. فكان معنى الابتلاء ملازماً لها. والمعنى: وظنّوا أنّ الله لا يُصيبهم بفتنة في الدّنيا جزاء على ما عاملوا به أنبياءهم، فهنالك مجرور مقدّر دالّ عليه السّياق، أي ظنّوا أن لا تنزل بهم مصائب في الدّنيا فأمنوا عقاب الله في الدّنيا بعد أن استخفّوا بعذاب الآخرة، وتوهّموا أنّهم ناجون منه، لأنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، وأنّهم لن تمسّهم النّار إلاّ أياماً معدودة. فمن بديع إيجاز القرآن أن أومأ إلى سوء اعتقادهم في جزاء الآخرة وأنّهم نبذوا الفكرة فيه ظهرياً وأنّهم لا يراقبون الله في ارتكاب القبائح، وإلى سوء غفلتهم عن فتنة الدّنيا وأنّهم ضالّون في كلا الأمرين. ودلّ قوله: {وحَسبوا أن لا تكون فتنة} على أنّهم لو لم يحسبوا ذلك لارتدعوا، لأنّهم كانوا أحرص عَلى سلامة الدّنيا منهم على السلامة في الآخرة لانحطاط إيمانهم وضعف يقينهم. وهذا شأن الأمم إذا تطرّق إليها الخِذلان أن يفسد اعتقادهم ويختلط إيمانهم ويصير همّهم مقصوراً على تدبير عاجلتهم، فإذا ظنّوا استقامة العاجلة أغمضوا أعينهم عن الآخرة، فتطلّبوا السلامة من غير أسبابها، فأضاعوا الفوز الأبدي وتعلّقوا بالفوز العاجل فأساؤوا العمل فأصابهم العذابان العاجلُ بالفتنة والآجلُ. واستعير {عَمُوا وصَمُّوا} للإعراض عن دلائل الرشاد من رسلهم وكتبهم لأنّ العمى والصمم يوقعان في الضلال عن الطريق وانعدام استفادة ما ينفع. فالجمع بين العمى والصمم جمع في الاستعارة بين أصناف حرمان الانتفاع بأفضللِ نافع، فإذا حصل الإعراض عن ذلك غلب الهوى على النّفوس، لأنّ الانسياق إليه في الجبلّة، فتجنّبه محتاج إلى الوازع، فإذا انعدم الوازع جاء سوء الفعل، ولذلك كان قوله: {فعموا وصمّوا} مراداً منه معناه الكنائي أيضاً، وهو أنّهم أساءوا الأعمال وأفسدوا، فلذلك استقام أن يعطف عليه قوله {ثُمّ تاب الله عليهم}. وقد تأكّد هذا المراد بقوله في تذييل الآية {والله بصير بما يعملون}. وقوله: {ثُمّ تاب الله عليهم} أي بعد ذلك الضّلال والإعْراض عن الرّشد وما أعقبه من سوء العمل والفساد في الأرض. وقد استفيد من قوله: {أن لا تكون فتنة} وقوله: {ثُمّ تاب الله عليهم} أنّهم قد أصابتهم الفتنة بعد ذلك العمى والصمم وما نشأ عنها عقوبة لهم، وأنّ الله لمّا تاب عليهم رفع عنهم الفتنة، {ثم عَمُوا وصموا}، أي عادوا إلى ضلالهم القديم وعملهم الذّميم، لأنّهم مصرّون على حُسبان أن لا تكون فتنة فأصابتهم فتنة أخرى. وقد وقف الكلام عند هذا العمى والصمم الثّاني ولم يُذكر أنّ الله تاب عليهم بعده، فدلّ على أنّهم أعرضوا عن الحَقّ إعراضاً شديداً مرّة ثانية فأصابتهم فتنة لم يتب الله عليهم بعدها. ويتعيّن أنّ ذلك إشارة إلى حادثين عظيمين من حوادث عصور بني إسرائيل بعد موسى ـــ عليه السّلام، والأظهر أنّهما حادث الأسْر البابِلي إذ سلّط الله عليهم (بخنتصر) ملك (أشُور) فدخل بيت المقدّس مرات سنة 606 وسنة 598 وسنة 588 قبل المسيح. وأتى في ثالثتها على مدينة أورشليم فأحرقها وأحرق المسجد وحَمَل جميع بني إسرائيل إلى بابل أسارى، وأنّ توبة الله عليهم كان مظهرها حين غلب (كُورش) ملك (فَارس) على الأشوريين واستولى على بابل سنة 530 قبل المسيح فأذن لليهود أن يرجعوا إلى بلادهم ويعمّروها فرجعوا وبنوا مسجدهم. وحادث الخراب الواقع في زمن (تِيطس) القائد الرّوماني (وهو ابن الأنبراطور الرّوماني (وسبسيانوس) فإنّه حاصر (أورشليم) حتّى اضطرّ اليهود إلى أكل الجلود وأن يأكل بعضُهم بعضاً من الجوع، وقتَل منهم ألفَ ألففِ رجللٍ، وسبى سبعة وتسعين ألفاً، على ما في ذلك من مبالغة، وذلك سنة 69 للمسيح. ثمّ قفّاه الأنبراطور (أدريان) الرّوماني من سنة 117 إلى سنة 138 للمسيح فهدَم المدينة وجعلها أرضاً وخلط ترابها بالمِلح. فكان ذلك انقراض دولة اليهود ومدينتهم وتفرّقَهم في الأرض. وقد أشار القرآن إلى هذين الحديثين بقوله: {أية : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتُفْسِدُنّ في الأرض مرّتَيْن ولتَعَلُنّ عُلُوّاً كبيراً فإذا جاء وعد أُولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولِي بأسٍ شديد فجاسوا خِلال الدّيار وكان وَعْداً مفعولاً ثُمّ رددنا لكم الكَرّة عليهم وأمددناكم بأموالٍ وبنِين وجعلناكم أكثر نَفيراً إنْ أحسنتُم أحسنتم لأنفسكم وإنْ أسأتم فلها فإذا جاء وعْد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّل مرّة وليُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تتبيراً عسى ربّكم أن يرحمكم}تفسير : [الإسراء: 4 ـــ 8] وهذا هو الّذي اختاره القفّال. وفي الآية أقوال أخر استقصاها الفخر. وقد دلّت {ثُمَّ} على تراخي الفعلين المعطوفين بها عن الفعلين المعطوف عليهما وأنّ هنالك عَمَيَيْننِ وصَمَمَيْننِ في زمنين سابققٍ ولاحققٍ، ومع ذلك كانت الضّمائر المتّصلة بالفعلين المعطوفين عينَ الضمائر المتّصلة بالفعلين المعطوف عليهما، والّذي سوّغ ذلك أنّ المراد بيان تكرّر الأفعال في العصور وادّعاءُ أنّ الفاعل واحد؛ لأنّ ذلك شأن الأخبار والصفات المثبتة للأمم والمسجّل بها عليهم تَوَارُثُ السجايا فيهم من حَسَن أو قبيح، وقد علم أنّ الّذين عَمُوا وصَمُّوا ثانية غير الّذين عَمُوا وصَمُّوا أوّل مرّة، ولكنّهم لمّا كانوا خلفاً عن سلف، وكانوا قد أورَثُوا أخلاقهم أبناءَهم اعتُبروا كالشيء الواحد، كقولهم: بنو فلان لهم تِرات مع بني فلان. وقوله: {كثير منهم} بدل من الضّمير في قوله: {ثمّ عَمُوا وصَمّوا}، قصد منه تخصيص أهل الفضل والصّلاح منهم في كلّ عصر بأنّهم بُرآء ممّا كان عليه دهماؤهم صدعاً بالحق وثناء على الفضل. وإذ قد كان مرجع الضّميرين الأخيرين في قوله: {ثمّ عمُوا وصمّوا} هو عين مرجع الضميرين الأوّلين في قوله: {فَعَمُوا وصمّوا} كان الإبدال من الضميرين الأخيرين المفيدُ تخصيصاً من عمومهما، مفيداً تخصيصاً من عموم الضميرين الّذين قبلهما بحكم المساواة بين الضّمائر، إذ قد اعتُبرت ضمائر أمّة واحدة، فإنّ مرجع تلك الضّمائر هو قوله {أية : بني إسرائيل}تفسير : [المائدة: 70]. ومن الضّروري أنّه لا تخلوا أمّة ضالّة في كلّ جيل من وجود صالحين فيها، فقد كان في المتأخّرين منهم أمثالُ عبد الله بن سَلام، وكان في المتقدّمين يُوشَعُ وكالب اللّذيْن قال الله في شأنها {أية : قال رجلان من الّذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب}تفسير : [المائدة: 23]. وقوله: {والله بصير بما يعملون} تذييل. والبصير مبالغة في المُبصر، كالحَكيم بمعنى المُحْكم، وهو هنا بمعنى العَليم بكلّ ما يقع في أفعالهم الّتي من شأنها أن يُبصرها النّاس سواء ما أبصره النّاس منها أم مَا لم يبصروه، والمقصود من هذا الخبر لازم معناه، وهو الإنذار والتّذكير بأنّ الله لا يخفى عليه شيء، فهو وعيد لهم على ما ارتكبوه بعد أن تاب الله عليهم. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر {أن لا تكونَ} ـــ بفتح نون تكون على اعتبار (أنْ) حرف مصدر ناصب للفعل. وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ويعقوبُ، وخَلَف ـــ بضم النّون ـــ على اعتبار (أنْ) مخفّفة من (أنّ) أخت (إنّ) المكسورةِ الهمزة، وأنّ إذا خفّفت يبطل عملها المعتاد وتصير داخلة على جملة. وزعم بعض النّحاة أنّها مع ذلك عاملة، وأنّ اسمها ملتزَم الحذف، وأنّ خبرها ملتزم كونه جملة. وهذا توهّم لا دليل عليه. وزاد بعضهم فزعم أنّ اسمها المحذوف ضمير الشأن. وهذا أيضاً توهّم على توهّم وليس من شأن ضمير الشأن أن يكون مَحذوفاً لأنّه مجْتلب للتّأكيد، على أنّ عدم ظهوره في أي استعمال يفنّد دعوى تقديره.
الشنقيطي
تفسير : ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين، تتخللهما توبة مِن الله عليهم، وبيَّن تفصيل ذلك في قوله: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} تفسير : [الإسراء: 4] الآية فبين جزاء عَماهم، وصَمَمهِم في المرة الأولى بقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} تفسير : [الإسراء: 5]، وبين جَزاء عماهم، وصَمَمِهم في المرة الآخرة بقوله {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرا} تفسير : [الإسراء: 7]، وبين التوبة التي بينهما بقوله: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} تفسير : [الإسراء: 6]. ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَ} تفسير : [الإسراء: 8] فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم، وذراريهم وأجلى بني قينقاع، وبني النضير. كما ذكر تعالى طرفاً من ذلك في سورة الحشر، وهذا البيان الذي ذكرنا في هذه الآية ذكره بعض المفسرين، وكثير منهم لم يذكره، ولكن ظاهر القرآن يقتضيه، لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية من قتل الرسل وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة {أية : كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُون} تفسير : [المائدة: 70]. ومعنى {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} ظنوا ألا يصيبهم بلاء وعذاب من الله، بسبب كُفرهم، وقتلهم الأنبياء، لزعمهم الباطل، أنهم أبناء الله، وأحباؤه، وقوله: {كَثِيرٌ مِنْهُمْ} أحسن، أوجه الإعراب فيه. أنه بدل من واو الفاعل في قوله: {عَمُوا وَصَمُّوا}، كقولك: جاء القوم أكثرهم، وقوله: {أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} قرأه حمزة، والكسائي، وأبو عمرو بالرفع، والباقون بالنصب، فوجه قراءة النصب ظاهر، لأن الحسبان بمعنى الظن، ووجه قراءة الرفع، تنزيل اعتقادهم لذلك - ولو كان باطلاً - منزلة العلم. فتكون أن مخففة من الثقيلة، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {وحسبوا ألا تكون فتنة} ظنُّوا وقدَّروا إلا تقع بهم عقوبة، وعذابٌ في الإِصرار على الكفر بقتل الأنبياء، وتكذيب الرُّسل {فعموا وصموا} عن الهدى فلم يعقلوه {ثمَّ تاب الله عليهم} بإرساله محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً إلى الصِّراط المستقيم {ثمَّ عموا وصموا كثيرٌ منهم} بعد تبيُّن الحقِّ لهم بمحمَّد عليه السَّلام {والله بصيرٌ بما يعملون} من قتل الأنبياء وتكذيب الرُّسل.
د. أسعد حومد
تفسير : (71) - وَظَنُّوا أنَّ اللهَ لَنْ يَخْتَبِرَهُمْ بِشَدَائِدِ الأمُورِ، كَتَسْلِيط الأمَمِ القَوِيَّةِ عَلَيْهِم بِالقَتْلِ وَالتَّخْرِيبِ وَالاضْطِهَادِ، لِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ أَنَّهُمْ أبْنَاءُ اللهِ وَأحِبَّاؤُهُ، وَلِمَا كَانُوا يَظُنُّونَهُ مِنْ أنَّ نُبُوَّةِ أنْبِيَائِهِمْ سَتَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقَابَ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِسَبَبِ قَتْلِ الأنْبِياءِ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَعَمُوا عَنْ آيَاتِ اللهِ التِي أَنْزَلَها فِي كُتُبِهِ عَنْ عِقَابِ المُفْسِدِينَ، فَلَمْ يُبْصِرُوهَا، وَصَمُّوا أَسْمَاعَهُمْ عَنْ سَمَاعِ المَوَاعِظِ فَلَمْ يَهْتَدُوا بِهَا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِم مَنْ أَذَاقَهُمُ الذُّلَّ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللهِ تَائِبينَ فَتَقَّبلَ مِنْهُم تَوْبَتَهُمْ، وَأعَادَ إليهِمْ عَزْمَهُمْ، ثُمَّ عَادَ كَثيرٌ مِنْهُمْ إلى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، وَصَارُوا كَالعُمْيِ الصُّمِّ، بِسَبَبِ عَوْدَتِهِمْ إلى ظُلْمِهِمْ، وَأعْمَالِهِمْ السَّيِّئَةِ، وَاللهُ مُطَّلِعٌ عَلَى أعْمَالِهِمْ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا. الفِتْنَةُ - الاخْتِبَارُ وَالابْتِلاَءُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : "وحسب" إن كانت بفتح الحاء وكسر العين فمعناها الظن، وإن كانت بفتح الحاء وفتح السين فبمعنى "عد"، والحسبان هو أن تظن وترجع وجود الشيء. والذين أخذ الله عليهم الله الميثاق وهم - بنو إسرائيل - ظنوا أن تكذيب الرسل وقتلهم لا يكون فتنة. ويعني أنهم لم يعلموا علم اليقين، وقد رجحوا ألا تكون فتنة. والأصل في الفتنة - كما نعرف - هي الاختبار، إما أن ينجح فيه الإنسان وإما ألاّ ينجح. فكيف جاءهم الظن أن هذا ليس اختباراً؟ لقد جاءهم هذا الظن من الخطأ الذي وقعوا فيه عندما قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18]. والخطأ الذي تمادوا فيه عندما قالوا: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80]. لقد ظنوا أن الحق سيعاقبهم فقط على عبادة العجل ولن يعاقبهم على أي شيء آخر. وكان هذا ظناً خاطئاً. إن المنهج لم يأت لينجي أناساً بذواتهم مهما فعلوا، ولكن المنهج جاء ليحاسب كل إنسان حسب ما عمل. ومن العجيب أنهم ظنوا الظن الخاطئ ولم يقوموا بحساب الأمر بحسابه الصحيح على الرغم من أنهم أهل تفوق في العد والحساب، فالحساب هو الذي يضمن صحة أمر أو يكذبه. ومن العجيب أن من رحمة الحق بالخلق ساعة يؤاخذهم فهو يقول: لك كذا وعليك كذا. لكن ساعة يرزقهم فهو يرزقهم بغير حساب. ولكنهم لم يلتفتوا إلى ذلك وقال عنهم الحق: {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي ظنوا أن ذلك الأمر لا اختبار فيه وأنهم غير محاسبين عليه. ونعرف أن "أَنْ" تنصب الفعل. وقال لي سائل: لقد سمعت قارئ القرآن في المذياع ينطقها {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. وقلت له: إن هناك ثلاثة من أكابر القراء في صدر الإسلام هم: "أبو عمرو" و"حمزة" و"الكسائي"، وكان لكل منهم أسلوب متميز. وعندما نعلم أن "أنْ" تنصب الفعل لا بد أن يكون الفعل الذي يليها لا يدل على العلم واليقين والتبين، "فأن" بعد العلم لا تنصب، كقوله الحق: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المزمل: 20]. وألفية ابن مالك تقول: (وبلن انصبه وكي كذابِأَنْ لا بعد علم). أما "أن" التي من بعد ظن فمن الممكن أن تنصب ومن الممكن أن يُرفع الفعل بعدها، فالذي رجح وجود الفعل وأدركه إدراكاً راجحا يرفع، والذي لم يكن لديه هذا الإدراك الراجح ينصب، والرفع هو قراءة الكسائي وأبي عمرو وحمزة. فقد بنوا الأمر على أنَّ الرجحان يقرب من اليقين. وما دام قد حدث ذلك تكون "أَنْ" هنا هي "أن" المؤكدة، لا "أن" الناصبة ويسمونها أن المخففة من الثقيلة فأصلها أنّ. {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. وتأتي "فتنة" بالرفع لأنها اسم تكون. و "تكون" من "كان. و"كان" لها اسم مرفوع وخبر منصوب. وهي هنا ليس لها خبر؛ لأنها مِن "كان التامة". فهناك "كان الناقصة" وهناك "كان التامة". ونقول ذلك حتى نتقن فهم القرآن، مثلما نقرأ قوله الحق: أية : {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ..} تفسير : [البقرة: 280]. و"كان" فعل ماضي، و "ذو عسرة" اسم كان التامة؛ لذلك لا خبر لها؛ لأن المقصود هو القول: وإن وُجِد ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. ولا بد لنا أن نعرف ما معنى "تام" وما معنى "ناقص"؟ نعلم أن كل لفظ ننطق به ويدور حول أمرين اثنين، إما لفظ مهمل وغير مستعمل وإمّا لفظ مستعمل. والمستعمل هو الذي له معنى يصل إلى الذهن ساعة نطقه ويستقل به الفهم، فإن كان لا دخل للزمن فيه فهو الاسم ككلمة "أرض" و "شمس" و "قمر". وهناك لفظ لا يستقل بالفهم كحرف الجر "في" مثلاً. صحيح أنه يدل على شيء في شيء؛ ولكنه لا يستقل بالفهم؛ لذلك لا بد أن ينضم لشيء، كقولنا: الماء في الكوب أو قولنا: التلميذ في الفصل. فإذا كان للفظ معنى ومستقل بالفهم، والزمن له دخل فيه فهو الفعل. مثال ذلك قولنا: السماء. إن السماء كانت في الماضي وهي في الحاضر وهي في المستقبل. إذن فالزمن لا دخل له بها، وكلمة: كلُوا نجدها تأتي من الأكل، وهي معنى مستقل بالفهم والزمن جزء منه. ولفظ "في" يدل على معنى غير مستقل بالفهم فلا بد من أن ينضم لشيء آخر. إذن كل لفظ له معنى، وهذا المعنى قد يكون مستقلا بالفهم أو غير مستقل، فإن كان مستقلاً بالفهم فإننا نسأل: هل الزمن جزء منه؟ وفي هذه الحالة يكون "فعلاً" وإن لم يكن الزمن جزء منه فهو الاسم. وإن كان غير مستقل بالفهم ويريد شيئاً آخر ليستقيم المعنى فهو "حرف". وهكذا تعرف الألفاظ. والفعل هو "معنى زائد عليه زمن" كقولنا: أكل؛ فهي تعني تناول إنسان طعاماً في زمن ماضٍ، وهكذا نفهم قولنا: "كان". فإن قلنا: "كان" بمعنى حدوث شيء في الماضي، كقولنا "كان زيد مسافراً" فهي ناقصة. وفي ضوء هذا نفهم قول الحق: {أية : وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} تفسير : [البقرة: 280]. فإن أردت الوجود فقط من غير شيء جديد طارئ عليه، فالفعل يكون تاماً لا يحتاج إلى خبر. وإن أردت الوجود مع أي شيء آخر فهو الفعل الناقص الذي تكمله بخبر. مثل قوله تعالى: {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي ألا توجد فتنة، فهي لا تحتاج إلى خبر. وكان مثل بني إسرائيل كمثل التلميذ الذي يذهب إلى المدرسة ولا يعلم أن فيها اختباراً آخر العام فيُمضي الوقَت في تحصيل ولا جد ولا اجتهاد بل في لهو ولعب، وكان هذا حسباناً خاطئاً؛ لأن المنهج لم يأت اعتباطاً، ولكنه جاء كنظام حركة للحياة ليعمله المؤمن. وكان المفروض أن يستقبلوا المنهج على حسب تعاليم المنهج. ومن العجيب أنهم ظنوا ولم يحسبوا بالحساب على الرغم من أنهم أهل علم بالحساب، فهم حسبوا - بكسر السين - وما حسبوا - بفتح السين - وكان المفروض أن يقوموا بالحساب، فالحساب هو الذي يضمن صحة المسائل. وكل شيء عند الله يكون بالحساب، حساب للعبد وحساب على العبد. {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي ظنوا أنها ليست اختباراً. وظنوا أن الرسالات والمناهج هي مسألة لا اختبار لهم فيها، فلما عرفوا تعاموا عن ذلك وصموا آذانهم عنه. ونعلم أن وسائل الإدراك في النفس البشرية هي السمع والأَبْصار والأفئدة: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. إذن فوسائل الإدراك: سمع، وبصر، وفؤاد. وما تراه العين هو تجربة الإنسان بنفسه. أما ما يسمعه الإنسان فهو تجربة كل غير له. وبذلك يكون السمع اكثر اتساعاً من العين. والسمع هو وسيلة الإدراك التي توجد أولاً في الإنسان حين يولد. ونجد المولود لا يهتز عندما يقترب شيء من عينيه؛ لأنه لا يرى بدقة وقد يستمر ذلك لمدة عشرة أيام ومن بعد ذلك يبدأ في الرؤية. لكن الطفل إذا سمع صوتاً بجانب أذنيه ينفعل، كأن حاسة السمع هي التي توجد أولاً، ولذلك يأتي لنا الحق بذك السمع أولاً ومن بعد ذلك الأبصار ثم الأفئدة. "فعموا وصموا" وهو سبحانه يسألهم أولاً عن التجربة الشخصية فيهم. ولم يسألهم عن الذي سمعوه عن غيرهم فقط، "فعموا" أي لم يروا حتى الأمور المتعلقة بهم، ولم ينظروا في آيات الكون ولم يسمعوا البشير ولا النذير ولا المنهج من الله ولا اتفقوا على تنفيذه. وسبحانه يعاتبهم أولاً أنهم لم يستعملوا عيونهم. وحتى لو افترضنا أنهم لم يروا آيات الكون بأنفسهم فما بالهم لا ينظرون وقد جاءهم الرسول ودعاهم لينظروا في كون الله وأن يعتبروا. فإذا كانوا أولاً في غفلة فلم يروا، فلماذا لم ينتبهوا ويسمعوا سماع إذعان وانقياد عندما جاءهم البشير والنذير لينبههم؛ لذلك "فعموا وصموا" منطقية جداً هنا. وبعد ذلك قبل الله منهم، وأنجاهم من فرعون وفلق لهم البحر، وعبروا، ولكنهم بمجرد خروجهم من البحر، ومروا على قوم يعكفون ويلزمون ويقبلون على أصنام لهم يعبدونها. قالوا لموسى: نريد إلهاً كما لهم آلهة. وأمرهم موسى أن يتوبوا وقبل الله توبتهم. مع كثرة ما ارتكبوا من ذنوب. ومن بعد ذلك يتوب الله عليهم. {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}. والتوبة هي فتح مجال للنفس السوية لتنطلق في الخير من جديد، فلو لم يتب الله على من أذنب فماذا يكون موقف المذنب بلا توبة؟ إنه يتمادى ويحس أنه ذاهب في طريق الشر بلا عودة. وحين يقبل الحق توبة المذنب، فذلك معناه أنه سبحانه يريد أن يحمي المجتمع من شره. والتوبة مراحل: الأولى: حين يشرع الله التوبة، والثانية: أن يتوب العبيد، والثالثة: هي قبول الله للتوبة. وهذا ما جاء به الحق: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 118]. ماذا تعني توبة الله عليهم؟ سبحانه لن يتوب عليهم توبة القبول إلا بعد أن يتوبوا. إذن فتوبة الله عليهم الأولى هي التشريع لهم بالتوبة، ثم توبتهم، ثم قبول الحق للتوبة. لكن هؤلاء عموا وصموا، وعلى الرغم من ذلك لطف الله بهم. فماذا حدث منهم بعد ذلك؟ عموا وصموا مرة أخرى {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. و "عموا" مأخوذة من الفعل "عمى"، ومثلها مثل "أكلوا" و "شربوا" و "حضروا"، فأين الفاعل؟ الفاعل هو "واو الجماعة". وابن مالك قعّد لهذه المسألة، فساعة تسند الفعل إلى اثنين أو إلى جماعة، فلا بد أن تجرد الفعل من علامة التثنية أو الجمع، فلا تقول: "قاما زيد وعمرو" ولكن تقول: "قام زيد وعمرو"، ولا نقول: "قاموا التلاميذ" بل نقول: "قام التلاميذ"، لأن مدلول "الواو" هو مدلول "التلاميذ"؛ قال ابن مالك: شعر : وجرد الفعل إذا ما أسندا لاثنين أو جمع كـ "فاز الشهدا" تفسير : أي أن الفعل إذا أسند لمثنى أو مجموع وجب تجريده من العلامة التي تدل على التثنية أو على الجمع. أما كلمة كثير فتعرب إما على أنها البدل من واو الجماعة، وإما على إضمار مبتدأ أي العُمْىُ والصُّم كثير منهم، وإما على أنها فاعل ويكون ذلك قد جاء على لغة طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب، وهؤلاء قد يأتون بعلامة تدل على التثنية أو الجمع إذا أسند الفعل إلى اسم ظاهر مثنى أو مجموع مثل: قاموا الرجال وسافرا محمد وعلي. وحمل بعضهم قوله تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} على هذا، وكان قول الحق: {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} صيانة للاحتمال بأن قلة منهم تدير أمر الإيمان في قلوبهم، وكلمة "كثير" جاءت حتى تنبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يهمل أبداً القلة التي تدير أمر الإيمان في خواطرهم. ليؤكد ويعاضد ما جاء في قوله تعالى: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}. {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} و "بصير" مثلها مثل "عليم"، أي شاهد وليس مع العين أين. ويقول الحق من بعد ذلك: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ} [المائدة: 71]، عبادة الهوى وتكذيب الرسل وقتلهم {فِتْنَةٌ} [المائدة: 71]، عليهم وإن سألوا عقوبتها عاجلاً دون أجلاً {فَعَمُواْ} [المائدة: 71]، بعيون القلوب عن شواهد الحق {وَصَمُّواْ} [المائدة: 71]، بآذان القلوب عن استماع الإلهامات وإحساس الواردات عقب غلبة الهوى، وتكذيب الرسل وقتلهم عقوبة لذلك عاجلاً {ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 71]؛ أي: على بعضهم من قابل التوبة وأهل الرجوع إلى الحق {ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ} [المائدة: 71]؛ يعني: بعضهم ممن لم يكونوا قابلي التوبة وأهل الرجوع، كما بين وقال: {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ} [المائدة: 71]، في الأزل بتقدير {بِمَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 71]، اليوم من الخير والشر، فقدر ما شاء كما شاء لمن شاء، فيجازيهم ما يشاء ومهما يشاء. ثم أخبر عن بعض ما قدر لمن قدر كيف قدر بقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72]، إشارة أن النصارى لما أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بعدم العقل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات؛ فانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن إدراك الأنس هيهات هيهات، وهو حال من يقفوا أثرهم فأطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل في أمره، فوجدوا مولوداً من أم بلا أب فحكم عقلهم أن لا يكون مولود بلا أب، فينبغي أن يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر عما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله، ولو لم يكن المسيح ابن الله لما أمكنهم هذا، وإنما أمكنه لأن الولد سرُّ أبيه، وقال بعضهم: إن المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حلَّت لاهوتية الحق في مكان ناسوتيته؛ فصار هو الله تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيراً، ثم اعلم أن أمة محمداً صلى الله عليه وسلم لما سلكوا طريق الحق بأقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الحبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال، كما كان حال الشبلي - رحمه الله - حين غسل كتبه بالماء فكان يقول: نعم الدليل أنتم، ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال، فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بأنوار صفات الجمال أن الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر المخلوقات، وهي فيض نور الإلوهية بوساطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال؛ فيتحقق لهم أن عيسى عليه السلام لما صار قابلاً بعد التزكية والتخلية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله؛ أعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقين حضرة الألوهية، وهذا كما أن لكرة البلور المخروط استعداد في قبول فيض الشمس إذا كانت في محاذاتها، فتقبل الفيض وتحرق اللوح المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهراً ومنشأ الصفة المحرقية حذرة الشمس حقيقة؛ فصارت الكرة بحسن الاستعداد قابلة للفيض والظهر منها صفات الشمس، وما حلت الشمس في كرة البلور تفهم إن شاء الله وحده. وكذلك حال الأنبياء في المعجزات وكبار الأولياء في الكرامات والفرق أن الأنبياء مشتغلون بهذا المقام والأولياء متبعون، فالله تعالى كفر الحلولية والأقانيمية وهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية من النصارى، وقال: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 72]؛ أي: ضل به وأثنى على توحيده عليه السلام وإقراره في العبودية {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 72]، بالخالقية والمالكية؛ يعني: الذي أعبده وأنتم عبيده وهو ربه وربكم بالخالقية {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} [المائدة: 72]؛ أي: يقول بإلهية أحد غير الله فهذا شرك لا يغفر، ولهذا قال: {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} [المائدة: 72]، وأما شرك الرياء فيحمل المغفرة ولا يحرم عليه الجنة بل يحرم عليه القربة، ومن حُرَّم الجنة {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} [المائدة: 72]، فيعذب بنار الفرقة مع الحرقة {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} [المائدة: 72]، الذين وضعوا الإلهية غير موضعها {مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72]، يوصلون لهم ما قطعوا على أنفسهم من عقد التوحيد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):