٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِى إِسْرٰءيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ }. اعلم أنه تعالى لما استقصى الكلام مع اليهود شرع هٰهنا في الكلام مع النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وهذا هو قول اليعقوبية لأنهم يقولون: إن مريم ولدت إلۤهاً، ولعلّ معنى هذا المذهب أنهم يقولون: إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، ثم حكى تعالى عن المسيح أنه قال. وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفرق بين نفسه وبين غيره في أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النار وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ومعناه ظاهر. واحتج أصحابنا على أن عقاب الفساق لا يكون مخلداً، قالوا: وذلك لأنه تعالى جعل أعظم أنواع الوعيد والتهديد في حق المشركين هو أن الله حرم عليهم الجنة وجعل مأواهم النار، وأنه ليس لهم ناصر ينصرهم ولا شافع يشفع لهم، فلو كان حال الفساق من المؤمنين كذلك لما بقي لتهديد المشركين على شركهم بهذا الوعيد فائدة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}. هذا قول اليعقوبية فردّ الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يقرّون به؛ فقال: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أي إذا كان المسيح يقول: يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها؟ هذا محال. {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} قيل: وهو من قول عيسى. وقيل: ابتداء كلام من الله تعالى. والإشراك أن يعتقد معه موجداً. وقد مضى في «آل عمران» القول في اشتقاق المسيح فلا معنى لإعادته. {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}.
البيضاوي
تفسير : {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرٰءيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّي وَرَبَّكُمْ} أي إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم. {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أي في عبادته أو فيما يختص به من الصفات والأفعال. {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} يمنع من دخولها كما يمنع المحرم عليه من المحرم فإنها دار الموحدين. {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} فإنها المعدة للمشركين. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } أي وما لهم أحد ينصرهم من النار، فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً على أنهم ظلموا بالاشراك وعدلوا عن طريق الحق، وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى عليه الصلاة والسلام وأن يكون من كلام الله تعالى نبه به على أنهم قالوا ذلك تعظيماً لعيسى صلى الله عليه وسلم، وتقرباً إليه وهو معاديهم بذلك ومخاصمهم فيه فما ظنك بغيره. {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} أي أحد ثلاثة، وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية منهم القائلون بالأقانيم الثلاثة وما سبق قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد. {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } وما في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدىء جميع الموجودات إلا إله واحد، موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة ومن مزيدة للاستغراق. {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ } ولم يوحدوا. {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر، أو ليمسن الذين كفروا من النصارى، وضعه موضع ليمسنهم تكريراً للشهادة على كفرهم وتنبيهاً على أن العذاب على من دام على الكفر ولم ينقلع عنه فلذلك عقبه بقوله: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} أي أفلا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا. وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم. {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} أي ما هو إلا رسول كالرسل قبله خصه الله سبحانه وتعالى بالآيات كما خصهم بها، فإن إحياء الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى عليه السلام وهو أعجب، وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم أغرب. {وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ} كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق، أو يصدقن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} ويفتقران إليه افتقار الحيوانات، بين أولاً أقصى ما لهما من الكمال ودل على أنه لا يوجب لهما ألوهية لأن كثيراً من الناس يشاركهما في مثله، ثم نبه على نقصهما وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات الكائنة الفاسدة، ثم عجب لمن يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة فقال: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ ٱلآيَـٰتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله وثم لتفاوت ما بين العجبين أي إن بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب. {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَالا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} يعني عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو وإن ملك ذلك بتمليك الله سبحانه وتعالى إياه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله تعالى به من البلايا والمصائب، وما ينفع به من الصحة والسعة وإنما قال ما نظراً إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً، وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقّ} أي غلوا باطلاً فترفعوا عيسى عليه الصلاة والسلام إلى أن تدعوا له الألوهية، أو تضعوه فتزعموا أنه لغير رشدة. وقيل الخطاب للنصارى خاصة. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم في شريعتهم. {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} ممن شايعهم على بدعهم وضلالهم. {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم لما كذبوه وبغوا عليه، وقيل الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع. {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرٰءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي لعنهم الله في الزبور والإِنجيل على لسانهما. وقيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت لعنهم الله تعالى على لسان داود فمسخهم الله تعالى قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا دعا عليهم عيسى عليه السلام ولعنهم فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل. {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} أي ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم. {كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} أي لا ينهى بعضهم بعضاً عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له، أو لا ينتهون عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع. {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم. {تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ} من أهل الكتاب. {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يوالون المشركين بغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي لبئس شيئاً قدموه ليزدادوا عليه يوم القيامة {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} هو المخصوص بالذم، والمعنى موجب سخط الله والخلود في العذاب، أو علة الذم والمخصوص محذوف أي لبئس شيئاً ذلك لأنه كسبهم السخط والخلود.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية؛ ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم، وتنزه وتقدس علواً كبيراً، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله، بل قال: {أية : إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيّاً} تفسير : [مريم: 30] إلى أن قال: {أية : وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تفسير : [مريم: 36] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمراً لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَابَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبُّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أي: فيعبد معه غيره، {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} أي: فقد أوجب له النار، وحرم عليه الجنة؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. وقال تعالى: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 50]، وفي الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعث منادياً ينادي في الناس: «حديث : إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة» تفسير : وفي لفظ: «مؤمنة». وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به، حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديواناً لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: {مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ}، والحديث في مسند أحمد، ولهذا قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أي: وما له عند الله ناصر ولا معين، ولا منقذ مما هو فيه. وقوله: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} قال: هو قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة، وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها نزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، قال ابن جرير وغيره: و الطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافاً متبايناً، ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة. وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَءَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ} الآية، وهذا القول هو الأظهر - والله أعلم - قال الله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ} أي: ليس متعدداً، بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ} أي: من هذا الافتراء والكذب، {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الآخرة؛ من الأغلال والنكال، ثم قال: { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا من كرمه تعالى، وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه، تاب عليه. وقوله تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} أي: له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله، ورسول من رسله الكرام، كما قال: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلاً لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ } تفسير : [الزخرف: 59]. وقوله: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} أي: مؤمنة به، مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى؛ استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} تفسير : [القصص: 7] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 109] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله الإجماع على ذلك. وقوله تعالى: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} أي: يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَـٰتِ} أي: نوضحها ونظهرها، {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي: قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } سبق مثله [17:5] {وَقَالَ } لهم {ٱلْمَسِيحُ يَٰابَنِى إِسْرٰءيلَ *ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ } فإني عبد ولست بإلٰه {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ } في العبادة غيره {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ } منعه أن يدخلها {وَمَأْوَاٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ } زائدة {أَنصَارٍ } يمنعونهم من عذاب الله.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} رد الله بذلك على اليهود والنصارى، فرده على اليهود فى تكذيبهم لنبوته ونسبتهم له إلى غير رِشْدة، ورده على النصارى في قولهم إنه ابن الله. {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} رد على اليهود في نسبتها إلى الفاحشة. وفي قوله: {صِدِّيقَةٌ} تأويلان: أحدهما: أنه مبالغة فى صدقها ونفي الفاحشة عنها. والثاني: أنها مصدقة بآيات ربها فهي بمنزلة ولدها، قاله الحسن. {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} فيه قولان: أحدهما: أنه كنى بذلك عن الغائط لحدوثه منه، وهذه صفة تُنْفَى عن الإِله. والثاني: أنه أراد نفس الأكل لأن الحاجة إليه عجز والإِله لا يكون عاجزاً. {انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآْيَاتِ} يعني الحجج البراهين. {ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني يصرفون، من قولهم أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر. والثاني: يعني يقلبون، والمؤتفكات: المنقلبات من الرياح وغيرها. والثالث: يكذبون، من الإفك، وهو الكذب.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} لما حكى الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل وغير ذلك شرع في الأخبار عن كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد فقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} وهذا قول اليعقوبية والملكانية من النصارى لأنهم لا يقولون إن مريم ولدت إلهاً ولأنهم يقولون إن الإله جل وعلا حل في ذات عيسى واتحد به فصار إلهاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} يعني وقد كان المسيح قال هذا لبني إسرائيل عند مبعثه إليهم وهذا تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى ذلك لأنه عليه السلام لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية والإقرار بالربوبية وإن دلائل الحدوث ظاهرة عليه {أنه يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} يعني أنه من يجعل له شريكاً من خلقه فقد حرم الله عليه الجنة يعني إذا مات على شركه {ومأواه النار} يعني أنه يصير إلى النار في الآخرة {وما للظالمين} يعني وما للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بالشرك {من أنصار} يعني ما لهم من أنصار ينصرونهم ويمنعونهم من العذاب يوم القيامة. قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} وهذا قول المرقوسية والنساورية من النصارى. ولتفسير قول النصارى طريقان: أحدهما وهو قول أكثر المفسرين إنهم أرادوا بهذه المقالة أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة وأن الإلهية مشتركة بينهم وأن كل واحد منهم إله ويبين ذلك قوله تعالى للمسيح: {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} تفسير : [المائدة: 116] فقوله ثالث ثلاثة فيه إضمار تقديره إن الله أحد ثلاثة آلهة أو واحد من ثلاثة آلهة. قال الواحدي: ولا يكفر من يقول إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به أنه ثالث ثلاثة آلهة لأنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم ويدل عليه قوله تعالى في سورة المجادلة {أية : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم}تفسير : [المجادلة: 7] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟"تفسير : . والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: إنه جوهر واحد ثلاثة أقانيم أب وابن وروح القدس وهذه الثلاثة إله واحد كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات وبالابن الكلمة وبالروح الحياة وأثبتوا الذات والكلمة والحياة قالوا إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد واعلم ان هذا الكلام معلوم البطلان لبديهة العقل، فإن الثلاة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة، ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فساداً ولا أظهر بطلاناً من مقالة النصارى وعلى هذا أخبر الله عنهم في قوله {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} فهذا معنى مذهبهم وإن لم يصرحوا بأنه واحد من ثلاثة آلهة فذلك لازم لهم وإنما يمتنعون من هذه العبارة لأنهم إذا قالوا: إن كل واحد من الأقانيم إله فقد جعلوه ثالث ثلاثة. وقولهم بعد هذا: هو إله واحد فيه مناقضة لما قالوا أولاً فهذا بيان فساد قول النصارى ثم رد الله عليهم فقال تعالى: {وما من إله إلا إله واحد} يعني أنه ليس في الوجود إله واحد موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك له ولا والد له ولا ولد له ولا صاحبة له إلا الله تعالى: {وإن لم ينتهوا عما يقولون} يعني وإن لم ينته النصارى عن هذه المقالة الخبيثة {ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} يعني ليصيبن الذين أقاموا على هذا القول الخبيث وهذا الدين الذي ليس بمرضي عذاب وجيع في الآخرة وإنما قال تعالى منهم لعلمه السابق أن من النصارى من سيؤمن ويخلص ويترك هذا القول ويعلم أنه فاسد ثم ندب سائر النصارى إلى التوبة من هذه المقالة الخبيثة فقال تعالى: {أفلا يتوبون إلى الله} يعني من قولهم بالتثليث {ويستغفرونه} وهذا استفهام بمعنى الأمر أي: توبوا إلى الله واستغفروه من هذا الذنب العظيم فإنه تعالى يغفر الذنوب {والله غفور} يعني لمن استغفره وتاب إليه {رحيم} به وبسائر خلقه. قوله عز وجل: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} يعني أن المسيح رسول من الله عز وجل ليس بإله كما أن الرسل الذين كانوا من قبله لم يكونوا آلهة وقد أتى عيسى عليه السلام بالمعجزات الدالة على صدقه كما أن الذين من قبله أتوا بالمعجزات الدالة على صدقهم {وأمه صديقة} يعني أنها كثيرة الصدق وقيل: سميت مريم صديقة، لأنها صدقت بآيات ربها وكتبه. وقوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} في احتجاج على فساد قول النصارى بإلهية المسيح. يعني: أن المسيح وأمه مريم كانا بشرين يأكلان الطعام ويعيشان به كسائر بني آدم، فكيف يكون إلهاً مَنْ يحتاج إلى الطعام ولا يعيش إلا به؟ وقيل: معناه أنه لو كان إلهاً كما يزعمون لدفع عن نفسه ألم الجوع وألم العطش ولم يوجد ذلك فكيف يكون إلهاً وقيل هذا كناية عن الحدث وذلك أن كل من أكل وشرب لا بد له من الغائط والبول ومن كانت هذه صفته فكيف يكون إلهاً؟ وبالجملة فإن فساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج إلى إقامة دليل عليه ثم قال تعالى: {انظر} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي انظر يا محمد {كيف نبين لهم الآيات} يعني الدالة على بطلان قولهم {ثم انظر أنى يؤفكون} أي كيف يصرفون عن استماع الحق وقبوله.
ابن عادل
تفسير : لمَّا تكلم مع اليهود شَرَعَ في الكلام هَاهُنا مع النَّصارى. فحكى عَنْ فَريقٍ مِنْهُم أنَّهُمْ قالوا: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ المسيحُ ابْنُ مَرْيَم} وهذا قول المَلْكَانِيَّة واليَعْقُوبِيَّة؛ لأنهم يَقُولُون: إنَّ مَرْيم ولدَت إلهاً، ولعلَّ معنى هذا المَذْهَب أنَّهُمْ يقولون: إنَّ الله تعالى حَلَّ في ذَاتِ عيسى واتّحد بِذاتِ عيسى، ثم حكى - سبحانه وتعالى - عن المسيح أنَّهُ قال: {يَٱبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ}، وهذا تنبيه على ما هُوَ الحُجَّةُ القَاطِعَةُ على فسَاد قول النَّصَارى؛ وذلك لأنَّه - عليه الصَّلاةُ والسلام - لم يُفَرِّقْ بينه وبين غيره، في أنَّ دلائل الحُدُوثِ ظَاهِرَةٌ عليه، ثم قال تعالى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} ومعْنَاهُ ظاهرٌ واحتَجَّ أهْلُ السُّنَّةِ بهذا على أنَّ عِقَابِ الفُسَّاقِ لا يكون مُخَلَّداً قالوا: لأنَّه تعالى جَعَل أعظم أنواع الوعيدِ والتَّهْديد في حَقِّ المُشْرِكينِ، وهو أنَّ اللَّه - تعالى - حَرَّم عليهم الجَنَّة ومأوَاهُمُ النَّار، وأنَّهُ ليس لهم نَاصِرٌ يَنْصُرهُم، ولا شَافِعٌ يَشْفَعُ لهُمْ، فلو كان حال الفُسَّاقِ من المُؤمنين كَذَلِك لما بَقِي لتهْدِيدِ المُشركين على شِرْكِهِم بهذَا الوعيد فائدة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل، فقال بعضهم: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير نتخوف الفرقة، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة، ثم قالوا: أنتم كثير فاخرجوا عشرة حتى بقي عشرة، فقالوا: أنتم كثير حتى الآن فاخرجوا ستة وبقي أربعة، فقال بعضهم: ما تقولون في عيسى؟ فقال رجل منهم: أتعلمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟ قالوا: لا. فقال الرجل: هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعد إلى السماء حين بدا له. وقال الآخر: قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه هو ولده، وقال الآخر: لا أقول كما تقولون، قد كان عيسى يخبرنا أنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، فنقول كما قال لنفسه، لقد خشيت أن تكونوا قلتم قولاً عظيماً. قال: فخرجوا على الناس فقالوا لرجل منهم: ماذا قلت؟ قال: قلت هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء حين بدا له. قال: فاتبعه عنق من الناس وهؤلاء النسطورية واليعقوبية، ثم خرج الرابع فقالوا له: ماذا قلت؟ قال: قلت هو عبد الله وروحهُ وكلمته ألقاها إلى مريم، فاتبعه عنق من الناس فقال محمد بن كعب، فكل قد ذكره الله في القرآن {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة...} الآية. ثم قرأ {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً} [النساء: 156] ثم قرأ {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} [المائدة: 65] إلى قوله {منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون} [المائدة: 66] قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمة مقتصدة، الذين قالوا: عيسى عبد الله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} قال: النصارى يقولون: {إن الله ثالث ثلاثة} وكذبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تفرق بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى، فقالت فرقة! هو الله. وقالت فرقة: هو ابن الله. وقالت فرقة: هو عبد الله وروحه، وهي المقتصدة، وهي مسلمة أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} قال: قالت النصارى: إن الله هو المسيح وأمه، فذلك قوله {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} تفسير : [المائدة: 116]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن هلال الدمشقي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان الداراني: يا أحمد - والله - ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو، ولو شاء الله لأخرس ألسنتهم.
ابو السعود
تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} شروع في تفصيل قبائح النصارى وإبطالِ أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن مريم وَلَدت إلٰهاً، قيل: هم الملكانية والمار يعقوبـية منهم، وقيل: هم اليعقوبـية خاصة، قالوا: ومعنى هذا أن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بذاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبـيراً. {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ} حال من فاعل قالوا بتقدير قد، مفيدةٌ لمزيد تقبـيحِ حالهم ببـيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارِهم عما أصروا عليه بما أوعدهم به، أي قالوا ذلك، وقد قال المسيح مخاطباً لهم: {يَابَنِى إِسْرٰءيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ} فإني عبدٌ مربوبٌ مثلُكم، فاعبدوا خالقي وخالقَكم {إٍِنَّهُ} أي الشأن {مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أي شيئاً في عبادته أو فيما يختص به من صفات الألوهية {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} فلن يدخلها أبداً، كما لا يصل المحرم عليه إلى المحرم، فإنها دار الموحدين، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل الأمر وتربـية المهابة {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} فإنها هي المعدّة للمشركين، وهذا بـيان لابتلائهم بالعقاب إثرَ بـيانِ حرمانِهم الثوابَ. {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أي ما لهم من أحد ينصُرهم بإنقاذهم من النار، إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، والجمع لمراعاة المقابلة بالظالمين، واللام إما للعهد والجمع باعتبار معنى (مَنْ) كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، ووضعه على الأول موضع الضمير للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق، والجملة تذيـيل مقرر لما قبله، وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما واردٌ من جهته تعالى تأكيداً لمقالته عليه السلام، وتقريراً لمضمونها، وقد قيل: إنه من كلامه عز وجل على معنى أنهم ظلموا وعدلوا عن سبـيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدْهم عليه ولم ينصُرْ قولهم، ورده وأنكره، وإن كانوا معظِّمين له بذلك، ورافعين من مقداره. أو من قول عيسى عليه السلام على معنى لا ينصركم أحد فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبُعْده عن المعقول، وأنت خبـير بأن التعبـيرَ عما حُكي عنه عليه السلام ـ من مقابلته لقولهم الباطل بصريح الرد والإنكار، والوعيد بحرمان الجنة ودخول النار بمجرد عدم مساعدته على ذلك، ونفْي نُصْرته له، مع خُلوِّه عن الفائدة ـ تصويرٌ للقوي بصورة الضعيف وتهوين للخطب في مقام تهويله، بل ربما يوهم ذلك بحسب الظاهر ما لا يليق بشأنه عليه السلام من توهم المساعدةِ والنُصرة، لا سيما مع ملاحظة قوله: وإن كانوا معظمين له الخ، إلا أن يحمل الكلامُ على التهكم بهم، وكذا الحالُ على تقدير كونه من تمام كلامِه عليه السلام، فإن زجْرَه عليه السلام إياهم عن قولهم الفاسد ـ بما ذُكر من عدم الناصرِ والمساعدِ بعد زجره إياهم بما مر من الرد الأكيدِ والوعيدِ الشديد ـ بمعزِلٍ من الإفادة والتأثير، ولا سبـيل هٰهنا إلى الاعتذار بالتهكم.
القشيري
تفسير : سَقِمَتْ بصائرهم والتبست عليهم أمارات الحدوث، فخَلَطُوا في عقائدهم استحقاقَ أوصافِ القِدَمِ بنعوت الحدوث!.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم} نزلت فى نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما وهم المار يعقوبية قالوا ان الله حل فى ذات عيسى واتحد بذاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا {وقال المسيح} اى قالوا ذلك والحال قد قال المسيح مخاطبا لهم {يا بنى اسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم} فانى عبد مربوب مثلكم فاعبدوا الله خالقى وخالقكم {إنه} اى الشان {من يشرك بالله} اى شيئاً فى عبادته او فيما يخص به من الصفات والافعال {فقد حرم الله عليه الجنة} فلن يدخلها ابدا كما لا يصل المحرم عليه الى المحرم فانها دار الموحدين {ومأواه النار} فانها هى المعدة للمشركين {وما للظالمين} بالاشراك {من أنصار} اى من احد ينصرهم بانقاذهم من النار اما بطريق المغالبة او بطريق الشفاعة وهو من تمام كلام عيسى. ثم حكى ما قاله النسطورية والملكانية من النصارى فقال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}، لِما رأوا على يديه من الخوارق، {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} المعنى: لقد كفر من اتخذ عيسى إلهًا مع أنه كان يتبرأ من هذا الاعتقاد، ويقول لبني إسرائيل: اعبدوا الله خالقي وخالقكم. والمشهور في الأخبار، أن النصارى هم الذين اعتقدوا هذا الاعتقاد دون بني إسرائيل، نعم، أصل دخول هذه الشبهة على النصارى من يهودي يقال له: بولس، حسدًا منه، وذلك أنه دخل في دينهم، وفرق أموالهم، وتأهب للتعبد معهم، ثم سار إلى بيت المقدس وقطّع نفسه تقربًا عند قبري مريم وعيسى ـ عليهما السلام ـ في زعمهم، وكان معه رجلان اسمهما: يعقوب وناسور، فأخذ يعلمهما ذلك الفساد ويقول لهما: عيسى هو الله أو ابن الله، فلما قطع نفسه صار الرجلان يُفشيان ذلك عنه، فشاع مذهب الرجلين، وكان منهما الطائفة اليعقوبية والناسورية. ثم هددهم على الشرك فقال، أي: عيسى: {إنه من يشرك بالله} في عبادته، أو فيما يختص به من الصفات والأفعال، {فقد حرم الله عليه الجنة} أي: يمنع من دخولها؛ لأنها دار الموحدين، {ومأواه النار} أي: محله النار. لأنها معدة للمشركين، {وما للظالمين من أنصار} أي: وما لهم أحد ينصرهم من النار. ووضع المظهر موضع المضمر، تسجيلاً على أنهم ظلموا بالإشراك، وعدلوا عن طريق الحق، وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى عليه السلام، أو من كلام الله تعالى. ثم ذكر تعالى صنفًا آخر منهم، فقال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} أي: أحد ثلاثة، عيسى وأمه وهو ثالثهم، أو أحد الأقانيم الثلاثة، الأب والابن وروح القدس، يريدون بالأب الذات، وبالابن العلم، وبروح القدس الحياة، لكن في إطلاق هذا اللفظ إيهام وإيقاع للغير في الكفر، وهذه المقالةـ أعني التثليث، هي قوله النسطورية والملكانية، وما سبق في قوله: {إن الله هو المسيح} قول اليعقوبية، القائلة بالاتحاد، وكلهم ضالون مضلون، {وما من إله إلا إله واحد} في ذاته وصفاته وأفعاله، لا شريك له في ألوهيته، متصلاً ولا منفصلاً، {وإن لم ينتهوا عما يقولون}، ولم يوحدوا {ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} أي: ليمس الذين بقوا منهم على الكفر ولم يتوبوا، عذاب موجع. {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} أي: أفلا يرجعون عن تلك العقائد الزائفة والأقوال الفاسدة، ويستغفرونه بالتوحيد والتوبة عن الاتحاد والحلول، فإن تابوا غفر الله لهم، {والله غفور رحيم}. وهذا الاستفهام: تعجب من إصرارهم، مع كون التوبة مقبولة منهم. ثم رد عليهم بقوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول} بشر {قد خلت من قبله الرسل}، وخصه الله بآيات، كما خصهم بها، فإن كان قد أحيا الله الموتى على يديه، فقد أحيا العصى، وجعلها حية تسعى على يد موسى، بل هو أعجب، وإن كان قد خلقه الله من غير أب، فقد خلق آدم من غير أب وأم، وهو أغرب، {وأمه صديقة} فقط، كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق، {كانا يأكلان الطعام} ويفتقران إليه افتقار الحيوانات، قال البيضاوي: بيّن أولاً أقصى مالهما من الكمال، ودل أنه لا يوجب لهما ألوهية؛ لأن كثيرًا من الناس يشاركهما في مثله، ثم نبه على نقصهما، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكون من عداد المركبات الكائنة الفاسدة، أي: القابلة للفساد، ثم عجب ممن يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة، فقال: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنا يؤفكون} أي: كيف يُصرفون عن استماع الحق وتأمله، و {ثم} للتفاوت بين العجبين، أي: أن بياننا للآيات عجب، وإعراضهم عنها أعجب. هـ. ثم أبطل عبادتهم لعيسى عليه السلام فقال: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا} بل هو عاجز عن صرفه عن نفسه وجلب الخير لها، فكيف يقدر أن يدفعه عن غيره؟ وعبَّر عنه بما، دون {من} ـ إشارة إلى أنه من جنس ما لا يعقل، وما كان مشاركًا في الحقيقة لجنس ما لا يعقل، يكون معزولاً عن الألوهية، وإنما قدّم الضر؛ لأن التحرز منه أهم من تحري النفع، ثم هددهم بقوله: {والله هو السميع العليم} بالأقوال والعقائد، فيجازي عليهما، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد أن يصفي مشرب توحيده، ويعتني بتربية يقينه، بصحبة أهل اليقين، وهم أهل التوحيد الخاص، فيترقى من توحيد الأفعال إلى توحيد الصفات، ومن توحيد الصفات إلى توحيدات الذات، فنهاية توحيد الصالحين والعلماء المجتهدين تحقيق توحيد الأفعال، وهو ألاَّ يرى فاعلاً إلا الله، لا فاعل سواه، وثمرة هذا التوحيد: الاعتماد على الله، والثقة بالله، وسقوط خوف الخلق من قلبه، لأنه يراهم كالآلات، والقدرة تحركهم، ليس بيدهم نفع ولا ضرر، عاجزون عن أنفسهم فكيف عن غيرهم؟ ونهاية توحيد العباد والزهاد والناسكين المنقطعين إلى الله تعالى توحيد الصفات، فلا يرون قادرًا ولا مريدًا ولا عالمًا ولا حيًّا ولا سميعًا ولا بصيرًا ولا متكلمًا إلا الله، قد انتفت عنه صفات الحدث وبقيت صفات القدم. وثمرة هذا التوحيد: الانحياش من الخلق والتأنس بالملك الحق، وحلاوة الطاعات ولذيذ المناجات. ونهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين: توحيد الذات؛ فلا يشهدون إلا الله، ولا يرون معه سواه. قال بعضهم: لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده. وقال شاعرهم: شعر : مُذ عَرَفتُ الإله لَم أرَ غَيرًا وكَذَا الغَيرُ عِندَنَا مَمنُوعُ مُذ تَجَمَّعتُ مَا خَشيتُ افتِراقاً فَأنَا اليَومَ واصِلٌ مجمُوعُ تفسير : وقال في التنوير: أبى المحقّقون أن يشهدوا مع الله سواه؛ لما حققهم به من شهود الأحدية وإحاطة القيومية. هـ. وفي الحكم: "الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته". وهؤلاء هم الصديقون المقربون. نفعنا الله بذكرهم، وخرطنا في سلكهم. آمين. ثم نهى أهل الكتاب عن الغلو في عيسى، فقال: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}.
الطوسي
تفسير : اللام في قوله {لقد} لام القسم. أقسم الله تعالى بأنه {كفر الذين قالوا إِن الله هو المسيح ابن مريم} والكفر هو الجحود لما يجب عليه الاقرار به، والتصديق له. وقال الرماني: هو تضييع حق النعمة بالجحد او ما جرى مجراه في عظم الجرم. ولذلك كان من قتل نبياً فهو كافر وان أقر بجميع نعم الله. وعندنا إِن قتل نبي يدل على ان قاتله جاحد لما يجب عليه الاقرار به، والاعتقاد لتصديقه. والذين يقولون من النصارى: إِن الله هو المسيح بن مريم هم اليعقوبية، وهم مع ذلك مثلثة، لأنهم يقولون إِن الأب والابن وروح القدس إِله واحد. وغيرهم يقولون: إِن المسيح ابن الله. ولا يقولون هو الله وأجمعوا على أنه إِله. وقوله: {وقال المسيح يا بني إِسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} اخبار عن المسيح (ع) أنه قال لبني اسرائيل الذين كانوا في زمانه {اعبدو الله ربي وربكم} الذي يملكني وإِياكم وإِني واياكم عبيده، ومن خلقني وخلقكم {إِنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة} فالشرك هو الكفر. وإِنما يطلق على من أشرك في عبادة الله غيره، وإِنما كان كافراً، لأنه جحد نعمة الله باضافتها الى غيره، وزعمه أن غيره يستحق العبادة مع ما ثبت أنه لا يقدر أحد على ما يستحق به العبادة سوى الله تعالى. والشرك أصله الاجتماع في الملك، فاذا كان الملك بين نفسين، فهما شريكان وكذلك كل شئ يكون بين نفسين، ولا يلزم على ذلك ما يضاف الى كل واحد منهما منفرداً كالعبد يكون ملكاً لله وهو ملك للانسان، لأنه لو بطل ملك الانسان، لكان ملكاً لله كما كان، لم يزد في ملكه شئ لم يكن. وقوله: {فقد حرم الله عليه الجنة} اخبار من المسيح لقومه أن من يشرك بالله، فان الله يمنعه الجنة. والتحريم ها هنا هو تحريم منع لا تحريم عبادة. وقوله: {ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} معناه أنهم مع حرمانهم الجنة مستقرهم النار، ولا ناصر لهم يدفع عنهم ويخلصهم مما هم فيه من أنواع العذاب.
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} حيث قالوا بآلهة عيسى (ع) وحصروها فيه امّا بالاتّحاد كما هو زعم بعضٍ او بالحلول كما هو زعم بعضٍ، او بالفناء من نفسه والبقاء بالله وظهور الله فيه كما هو زعم آخرين، وبطلان الاتّحاد والحلول لمن ذاق من رحيق التّوحيد لا يحتاج الى مؤنة فانّهما مسلتزمان للاثنينيّة والثّانى للحقّ تعالى وهو محال وقد قيل: شعر : حلول واتّحاد اينجا محال است كه دروحدت دوئى عين ضلال است تفسير : وبطلان الثّالث ايضاً لا يحتاج الى مؤنةٍ باعتبار الحصر ولمّا كان أتباع ملّة النّصارى تفوّهوا بهذا القول من غير تحقيقٍ وتعمّق وذهبوا الى التّجسّم المتوهّم من ظاهره، حكم تعالى عليهم بالكفر وهذا كما مضى مذهب طائفة منهم تسمّى باليعقوبيّة، ومضى انّ محقّقيهم قالوا بانّ فيه جوهراً آلهيّاً وجوهراً آدميّاً وليس ههنا مقام تفصيل هذا المطلب وتحقيقه {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ} الانسب ان يكون الجملة حالاً بتقدير قد ليكون ابلغ فى تفضيحهم وليكون احتجاجاً عليهم بقوله تعالى {يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} يعنى انّى مربوب مثلكم فاعبدوا من هو ربّى كما انّه ربّكم {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} شيئاً كائناً ما كان وهو مقول قول عيسى (ع) او ابتداء كلام من الله {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} لانّه أخطأ طريقها وهو التّوحيد {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} لانّ من أخطأ طريق الجنّة سلك طريق النّار لا محالة لعدم الواسطة ولكونه متحرّكاً الى جهة من الجهات وخارجاً من القوى الى الفعليّات {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} وضع المظهر موضع المضمر اشعاراً بظلمه وبعلّة الحكم فانّ الظّالم كما لا يتصّور له ولىّ يتولّى اموره ويربّيه كذلك لا يتصوّر له ناصر ينصره من عذاب الله فانّ النّصير والولىّ هما النّبىّ (ص) والولىّ (ع) وخلفاؤهما، والظّلم عبارة عن الانصراف والاعراض عنهما وعن التّوحيد، والمعرض لا يستحقّ القبول لانّه لا اكراه فى الدّين ومن لم يكن مقبولاً لم يكن له نصرة ولا ولاية، واكتفى بذكر الانصار لانّه اذا لم يكن له ناصر لم يكن له ولىّ بطريق اولى، او لانّه يستعمل كلّ من النّصير والولىّ فى الاعمّ منهما اذا انفرد، او هذا كان تعريضاً بمن قال بعد ذلك فى الائمّة (ع) مثل ما قالوه فى المسيح (ع).
اطفيش
تفسير : {لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ}: هذا شروع فى نقض النصارى ميثاقهم، وذلك أن اليعقوبية منهم يقولون: ان مريم ولدت الهاً، وان الله حل فى ذات عيسى تعالى الله. {وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّى وَرَبَّكُم}: قالوا ذلك والحال أن عيسى قد صح أنه أقر على نفسه بأنه مربوب لله، وأنه كسائر الخلق فى عدم الألوهية، ونهاهم عن أن يشركوا بالله جحوداً أو مساواة كما قال الله جل وعلا عن عيسى. {إِنَّهُ مَن يُشْرِك بِاللهِ}: سلوى به غيره، أو جحده كما قالت فرقة منهم أنه ثالث ثلاثة، وكما قالت فرقة ان الله هو المسيح، وكما قالت فرقة انه ابن الله، فهذا الوصف يتضمن نفى الله، لأن الوالد لا يكون أباً وقد قيل ذلك كله فى زمانه وبعده. {فَقَد حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ}: منعها عنه كما منعها عن ابليس، أو منعها منه كما منع المحرمات كالدم ولحم الخنزير. {وَمَأوَاهُ النَّارُ}: مرجعه النار. {وَمَا لِلظَّالمِينَ}: أنفسهم بالاشراك، أى وما لهم أى المشركين فوضع الظالمين موضع الضمير يسمى الشرك ظلماً. {مِن أَنصَارٍ}: ينصرهم من النار، وذلك من كلام عيسى، ويحتمل انتهاء كلامه ما قبل قوله: {وَمَا لِلظَّالمِينَ مِن أَنصَارٍ} فيكون قوله: {وَمَا لِلظَّالمِينَ مِن أَنصَارٍ} من كلام الله تعالى، أى لا ينصرهم عيسى كما لا ينصرهم غيره، ولو كانوا يرجون نصره بقولهم: ان الله هو المسيح ابن مريم، وبعبادتهم اياه، والاشراك بالله جل وعلا، بل هو عليه السلام عدوهم ومخاصمهم فى ذلك.
اطفيش
تفسير : {لَقَدْ كَفَرَ} أَشرك {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} نزلت فيه الأُلوهية من الله فيبقى الله غير إِله أَو ناقص الأُلوهية ولا يخفى خطؤهم فإِن الصفات القديمة لا يتحملها حادث والصفات الذاتية لا يتصف بها غير من هى له، ولا سيما أَن صفات الله هو بمعنى أَنها ليست شيئا آخر زائداً عليه مقترنه ولا حالة به سبحان الله عما يقوله المبطلون، وفى ذكر مريم تشنيع عليهم بأَن المولود لا يكون إِلها وأَن مريم ولدت إِلها {وَقَالَ المسِيحُ يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ} فإِنى عبد من عبيده أَعبده ولست بإِله. أَرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إِلى الجلندى بعمان فقال له قبل تبليغ الرسالة إِليه هل تعلم أَن عيسى يصلى لله سبحانه فقال نعم فقال فإِنى أَدعوك إِلى عبادة من يعبده عيسى {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ} غيره في العبادة أَو في الصفة أَو فى الفعل أَو فْى نفى ما هو له منه وهذا تصريح بأَن من قال عيسى إِله فهو مشرك {فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجنَّةَ} قضى الله أَن لا يدخلها، شبه قضاءَه بعدم الدخول بمنع من لو خلى لدخل دارا منع من دخولها فإِنه ليس في طاقة الإِنسان أَن يذهب إِلى الجنة باختياره حتى يأْتى بابها فيمنعه البواب، والتحريم لغوى ولك أَن تقول شرعى بطريق المجاز المرسل أَو الاستعارة، فإِن تحريم الشيءِ سبب لعدم مقارنته وملزوم لعدمها والتحريم شبيه بالمنع الحسى {ومَأْوَاهُ النَّارُ} فإِن الجنة مأْوى من يوحد ويعمل الصالحات ويتقى المحارم {وَمَا لِلظَّالِمينَ مِنْ أَنْصارٍ} أَى مانعين العذاب عنهم من أَول أَو مزيلين له بعد وقوعه بمغالبة أَو شفاعة، وهذا من كلام المسيح، وقيل من كلام الله وقيل قوله إِنه من يشرك إِلى قوله أَنصار من كلام الله، والراجح أَن ذلك من كلام عيسى وذلك من مقابلة الجمع بالجمع فرد لفرد كأَنه قيل وما لظالم نصير. قل هذا ولا تقل صيغة الجمع للاشعار بأَن نصرة الواحد أَمر غير محتاج إِلى التعرض لنفيه لشدة ظهوره وأَنه إِنما ينبغى التعرض لنفى نصرة الجمع. ومقتضى الظاهر وما لهم من ناصرين أَى لمن يشرك بالله، وأَظهر ليصفهم بالظلم فمن قال إِن الله هو المسيح لا ينصره عيسى ولا غيره بل يعاديه عيسى وغيره من المسلمين والحيوانات والجمادات فما ينفعه التقرب بذلك إِلى عيسى، وإِذا لم تنصرهم الجماعة فأَولى أَن لا ينصرهم الفرد، وقيل الجمع رد لقولهم إِن لهم أَنصارا كثيرة.
الالوسي
تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} شروع في تفصيل قبائح النصارى، وإبطال أقوالهم الفاسدة بعد تفصيل قبائح اليهود، وقائل ذلك: طائفة منهم كما روي عن مجاهد، وقد أشبعنا الكلام على تفصيل أقوالهم وطوائفهم فيما تقدم فتذكر {وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ} حال من فاعل {قَالُواْ} بتقدير قد مفيدة لمزيد تقبيح حالهم ببيان تكذيبهم للمسيح وعدم انزجارهم عما أصروا عليهم بما أوعدهم به، أي قالوا ذلك، وقد قال المسيح عليه السلام مخاطباً لهم {يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ} فإني [عبد] مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم. {إِنَّهُ} أي الشأن {مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ} أي شيئاً في عبادته سبحانه أو فيما يختص به من الصفات والأفعال ـ كنسبة علم الغيب. وإحياء الموتى بالذات ـ إلى عيسى عليه السلام {فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ} لأنها دار الموحدين، والمراد يمنع من دخولها كما يمنع المحرم عليه من المحرم، فالتحريم مجاز مرسل أو استعارة تبعية للمنع إذ لا تكليف ثمة، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتهويل الآمر وتربية المهابة {وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ} فإنها المعدة للمشركين وهذا بيان لابتلائهم بالعقاب إثر بيان حرمانهم الثواب، ولا يخفى ما في هذه الجملة من الإشارة إلى قوة المقتضى لإدخاله النار {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} أي ما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار وإدخالهم الجنة، إما بطريق المغالبة أو بطريق الشفاعة، والجمع لمراعاة المقابلة بالظالمين. وقيل: ليعلم نفي الناصر من باب أولى لأنه إذا لم ينصرهم الجم الغفير، فكيف ينصرهم الواحد منهم؟! وقيل: إن ذلك جار على زعمهم أن لهم أنصاراً كثيرة، فنفى ذلك تهكماً بهم، واللام إما للعهد والجمع باعتبار معنى (من) كما أن إفراد الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها، وإما للجنس وهم يدخلون فيه دخولاً أولياً، ووضعه على الأول: موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق، والجملة تذييل مقرر لما قبله، وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما وارد من جهته تعالى تأكيداً لمقالته عليه السلام وتقريراً لمضمونها.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لإبطال ما عليه النّصارى، يناسب الانتهاء من إبطال ما عليه اليهود. وقد مضى القول آنفاً في نظير قوله {أية : لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابنُ مريم قل فمن يملك من الله شيئاً}تفسير : [المائدة: 17] ومَن نُسب إليه هذا القولُ من طوائف النّصارى. والواو في قوله {وقال المسيح} واو الحال. والجملة حال من {الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح}، أي قالوا ذلك في حال نِداء المسيح لبني إسرائيل بأنّ الله ربّه وربّهم، أي لا شبهة لهم، فهم قالوا: إنّ الله اتّحد بالمسيح؛ في حال أنّ المسيح الّذي يزعمون أنهم آمنوا به والّذي نسبوه إليه قد كذّبهم، لأنّ قوله: {ربّي وربّكم}، يناقض قولهم: {إنّ الله هو المسيح}، لأنّه لا يكون إلاّ مربُوباً، وذلك مفاد قوله: {ربّي}، ولأنّه لا يكون مع الله إله آخر، وذلك مفاد قوله {وربَّكم}، ولذلك عُقّب بجملة {إنّه مَن يشرك بالله فقَد حرّم الله عليه الجنَّة}. فيجوز أن تكون هذه الجملة حكاية لكلام صدر من عيسى ـــ عليه السّلام ـــ فتكون تعليلاً للأمر بعبادة الله. ووقوع (إنّ) في مثل هذا المقام تغني غَناء فاء التّفريع وتفيد التّعليل. وفي حكايته تعريض بأنّ قولهم ذلك قد أوقعهم في الشرك وإن كانوا يظنّون أنّهم اجتنبوه حذراً من الوقوع فيما حذّر منه المسيح، لأنّ الّذين قالوا: إنّ الله هو المسيح. أرادوا الاتّحاد بالله وأنّه هو هُو. وهذا قول اليعاقبة كما تقدّم آنفاً، وفي سورة النّساء. وذلك شرك لا محالة، بل هو أشدّ، لأنّهم أشركوا مع الله غيره ومزجوه به فوقعوا في الشّرك وإن راموا تجنّب تعدّد الآلهة، فقد أبطل الله قولهم بشهادة كلام من نسبوا إليه الإلهية إبطالاً تامّاً. وإن كانت الجملة من كلام الله تعالى فهو تذييل لإثبات كفرهم وزيادة تنبيه على بطلان معتقدهم وتعريض بهم بأنّهم قد أشركوا بالله من حيث أرادوا التّوحيد. والضّمير المُقترن بإنّ ضمير الشأن يدلّ على العناية بالخبر الوارد بعده. ومعنى {حَرّم الله عليه الجَنّة} منعها منه، أي من الكون فيها. والمأوى: المكان الّذي يأوى إليه الشيء، أي يرجع إليه. وجملة {وما للظّالمين من أنصار} يحتمل أيضاً أن تكون من كلام المسيح ـــ عليه السلام ـــ على احتمال أن يكون قوله: {إنّه من يشرك بالله} من كلامه، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى تذييلاً لكلام المسيح على ذلك الاحتمال، أو تذييلاً لكلام الله تعالى على الاحتمال الآخر. والمراد بالظّالمين المشركون {أية : إنّ الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13]، أي ما للمشركين من أنصار ينصرونهم لينقذوهم من عذاب النّار. فالتّقدير: ومأواه النّار لا محالة ولا طمع له في التّخلّص منه بواسطة نصير، فبالأحرى أن لا يتخلّص بدون نصير.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 72- وأنه لم يؤمن بالله من يزعم أن الله حل فى عيسى ابن مريم حتى صار إلهاً، كما يقول النصارى الآن: مع أن عيسى براء من هذه الدعوى، فإنه أمر بنى إسرائيل أن يخلصوا الإيمان لله - وحده - قائلا لهم: إن الله هو خالقى وخالقكم، ومالك أمرنا جميعاً، وإن كل من يدّعى لله شريكاً فإن جزاءه أن لا يدخل الجنة أبداً، وأن تكون النار مصيره، لأنه تعدى حدود الله، وليس لمن يتعدى حدوده ويظلم ناصر يدفع عنه العذاب. 73- وإنه لم يؤمن بالله كذلك كل من ادعى أن الله أحد آلهة ثلاثة، كما يزعم النصارى الآن!! والحق الثابت أنه ليس هناك إله إلا الله وحده، وإذا لم يرجع هؤلاء الضالون عن معتقداتهم الفاسدة إلى طاعة الله، فلا بد أن يصيبهم عذاب شديد. 74- ألا ينتهى هؤلاء عن تلك العقائد الزائفة، ويرجعوا إلى الإيمان بالله، ويطلبوا منه التجاوز عما وقع منهم من الذنوب؟ إن الله واسع المغفرة، عظيم الرحمة. 75- ليس عيسى ابن مريم إلا عبداً من البشر، أنعم الله عليه بالرسالة، كما أنعم على كثير ممن سبقه. وأم عيسى إحدى النساء، طبعت على الصدق فى قولها والتصديق بربها، وكانت هى وابنها عيسى فى حاجة إلى ما يحفظ حياتهما من الطعام والشراب، وذلك علامة البشرية. فتأمل - أيها السامع - حال هؤلاء الذين عموا عن دلالة الآيات الواضحة التى بينها الله لهم، ثم تأمل كيف ينصرفون عن الحق مع وضوحه؟!.
القطان
تفسير : بعد ان جادل الكتابُ اليهود، وعدّد مخالفاتهم لصُلْب ديانتهم، ونقضَهم المواثيق والعهود، شرع هنا يفصّل ما عمله النصارى من تحريف في عقيدتهم. إن الذين ادّعوا أن الله هو المسيح بن مريم قد كفروا وضلُّوا ضلالا بعيدا. والحق أن عيسى بريء من هذه الدعوى، فقد قال لهم عكس ما ينسبون اليه. لقد أمرهم بعبادة الله وحده، معترفاً بأنه ربه وربهم.. وجاء هذا صريحاً في الاناجيل، ففي إنجيل يوحنا (هذه هي الحياةُ الأبدية، أن يعرِفوك أنت الإله الحقيقيَّ وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلتَه). وبعد ان أمرهم عليه السلام بالتوحيد الخالص، أتبعه بالتحذير من الشرك والوعيد عليه: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}. إن اللهَ هو الذي خلقني وخلقكم جميعاً، وهو مالك أمرِنَا جميعا، وإن كل من يدّعي لله شريكاً، فان جزاءه ان لا يدخل الجنة أبدا، وليس لمن يتعدى حدوده ويظلم ناصرٌ يدفع عنه العذاب يوم القيامة. لقد كفر الذين قالوا ان الله، وهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما ـ ثالثُ أقانيم ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، فالحق أنه يتصِف بالوحدانية، ولا تركيب في ذاته ولا في صفاته. إنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. ثم قال متوعداً {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فإن لم ينتهِ هؤلاء عن العقائد الزائفة، ويرجعوا إلى الإيمان باللهِ وحده، فواللهِ ليصيبنَّهم عذابٌ شديد يوم القيامة. {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. إن الله واسع الرحمة اذا تابوا ورجعوا اليه. ثم أكد الله تعالى ان المسيح رسول كغيره من الرسل وأقام الدليل على ذلك فقال: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} ليس عيسى بن مريم إلا عبداً من البشر، أنعم الله عليه بالرسالة كغيره من الرسل. أمّا أمه مريم فهي صدّيقةٌ في مرتبة تلي مرتبة الأنبياء، لكنها أيضاً من البشر، فعيسى وأمه يأكلان الطعام كغيرهما من الناس، فانظر أيها السامع نظرة عقلٍ وفكر، ثم تأمل كيف ينصرفون عن الحق مع وضوحه.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَابَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} {وَمَأْوَاهُ} {لِلظَّالِمِينَ} (72) - حَكَمَ اللهُ تَعَالَى بِتَكْفِيرِ الذِينَ ادَّعَوْا أنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى إنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً، إذْ أَنَّهُمْ فِي إِطْرَائِهِمْ إيَّاهُ، وَمَدْحِهِ غَلَوا غُلُوّاً كَبِيراً، يَفُوقُ غُلُوَّ اليَهُودِ فِي تَكْذِيبِهِ وَالافْتِرَاءِ عَلَيهِ وَعَلَى أُمِّهِ، وَقَوْلِهِمْ عَلَيْهَا بُهْتَاناً عَظِيماً، مَعْ أنَّ المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ غَيْرَ مَا يَقُولُونَ، فَقَدْ أمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، مُعْتَرِفاً بِأنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ، وَأنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَأَوَّلُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا المَسِيحُ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي المَهْدِ قَوْلُهُ: (إنِّي عَبْدُ اللهِ). وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ المَسِيحَ قَالَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: إنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ أَحَداً فِي أُلُوهِيَّتِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وَلَنْ يَجِدَ الظَّالِمُونَ نَصِيراً لَهُمْ وَلاَ مُعِيناً، وَلاَ مُنْقِذاً مِنْ عَذَابِ اللهِ الذِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهناك ثلاث آيات تتعرض لهذه المسألة: {لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}. والآية الثانية: {أية : لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة: 73]. والآية الثالثة: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} تفسير : [المائدة: 116]. إذن فالخلاف في المسألة جاء على ثلاث صور: طائفة تقول: المسيح هو الله. وطائفة تقول: إن المسيح هو إله مع اثنين آخرين. وطائفة تقول: إن المسيح هو وأمه إلهان. ولكل طائفة رد. والرد يأتي من أبسط شيء نشاهده في الوجود للكائن الحي، فالإنسان - كما نعرف - سيد الكون والأدنى منه يخدمه. فالإنسان يحتاج إلى الحيوان من أجل منافعه، وكذلك يحتاج إلى النبات والجماد، هذا السيد - الإنسان - يحتاج إلى الأدنى منه. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يرد على تأليه سيدنا عيسى وسيدتنا مريم، فقال: {أية : كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [المائدة: 75]. وهذا استدلال من أوضح الأدلة، لا للفيلسوف فحسب ولكن لكل المستويات، فماداما يأكلان الطعام فقد احتاجا إلى الأدنى منهما. والذي يحتاج إلى الأدنى منه لا يكون الأعلى ولا هو الواحد الأحد. والمتبعون لهذه الفرق الثلاثة مختلفون. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ} وكلمة {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تستعمل على أنه واحد من ثلاثة لكنه غير معين. فكل ثلاثة يجتمعون معاً، يقال لكل واحد منهم إنه {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}. وليس هذا القول ممنوعاً إلا في حالة واحدة، أن نقول: ثالث ثلاثة آلهة؛ لأن الإله لا يتعدد. ويصح أن نقول كلمة: "ثالث اثنين" لأن الله يقول: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} تفسير : [المجادلة: 7]. إذن فمن الممكن أن نقول: هو رابع ثلاثة، أو خامس أربعة أو سادس خمسة. وهو الذي يصير الثلاثة به أربعة أو يصير الأربعة به خمسة أو يصير الخمسة به ستة. إننا إن أوردنا عدداً هو اسم فاعل وبعد ذلك أضفناه لما دونه، فهذا تعيين بأنه الأخير. فإن قال قائل: الله رابع ثلاث جالسين فهذا قول صحيح. لكن لو قلنا إنهم آلهة. فهذا هو المحرم، والممنوع؛ لأن الإله لا يتعدد. ويلاحظ أن الحق لم يقل: ما يكون من نجوى اثنين إلاّ هو ثالثهم؛ لأن النجوى لا تكون إلا من ثلاثة، فإن جلس اثنان معاً فهما يتكلمان معاً دون نجوى؛ لأن النجوى تتطلب ألا يسمعهم أحد. والنجوى مُسَارَّةَ، وأول النجوى ثلاثة، ولذلك بدأها الحق بأول عدد تنطبق عليه. فإن قلت: "ثالث ثلاثة" فهذا قول صحيح إن لم يكونوا ثلاثة آلهة. والحق أراد أن يدفع هذا القول بالبطلان حين قال: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ}. والطعام مقوم للحياة ومعطٍ للطاقة في حركة الحياة؛ لأن الإنسان يريد أن يستبقي الحياة ويريد طاقة، والطعام أدنى من الإنسان لأنه في خدمته، فإذا ما كانا يأكلان الطعام فهما في حاجة للأدنى. وإن لم يأكلا فلا بد من الجوع والهزال. ولذلك فهما ليسا آلهة. بعضهم يقول: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} هي كناية عن شيء آخر هو إخراج الخبث. ونقول: ليس إخراج الخبث ضرورياً لأن الله سيطعمنا في الجنة ولا يخرج منا خبث. فهذا ليس بدليل. ويرتقي الحق مع الناس في الجدل، فاليهود قالوا في المسيح - عليه السلام - ما لا يليق بمكانته كنبي مرسل وقالوا في مريم عليها السلام ما لا يليق باصطفائها من الحق. واليهود إذن خصوم المسيح. وأنصار المسيح هم الحواريون! فإذا كان لم يستطع أن يصنع من خصومه ما يضرهم ولا مع حوارييه ما ينفعهم فكيف يكون إلهاً؟ والنص القرآني يقول عن مريم: {أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43]. والمسيح نفسه كان دائماً مع الله خاشعاً عابداً. والذي يعبد إنما يعبد من هو أعلى منه؛ فالإله لا يعبد ذاته. وإذا كان هذا قول من ينتسبون إلى السماء إيماناً بإله وإيماناً بمنهج، فماذا عن قول الذين لا ينتسبون إلى السماء من الملاحدة الذين ينكرون الأولوهية؟ إذن كان من الواجب أن يؤمن المنسوبون إلى السماء بواسطة مناهج وبواسطة أنبياء وأن يصفوا هذه المسائل فيما بينهم. وعلى سبيل المثال كان العالم موجوداً ومداراً قبل المسيح فمن إذن كان يدير العالم من قبل ميلاده؟ ولذلك أراد الحق سبحانه جل جلاله أن يحسم الموقف. والقرآن يعلمنا: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24]. أيمكن أن يكون المتناقضان محقين؟ لا؛ لأن أحدهما لا بد أن يكون على هدى ولا بد أن يكون الآخر على ضلال. ولذلك نقول: كلامكم لا يلزمنا وكلامنا لا يلزمكم. ونفوض الأمر إلى الإله الذي نؤمن به. وحتى نصفي هذه المسألة نذكر قول الحق: {أية : نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ} تفسير : [آل عمران: 61]. ونقول: اجعل لعنتك على الكاذبين. حتى تخرجنا من هذا الخلاف ولا تجعل واحداً منا يسطير على الآخر، فأنت صاحب الشأن، فها نحن أولاء بأنفسنا ونسائنا وأولادنا ندعو دعاءً واحداً: اجعل لعنة الله على الكاذبين منا. وما تلاعن قوم وابتهلوا إلا وأظهر الله المسألة في وقتها. ولم يقبل أحد من أهل الكتاب هذه المباهلة، والحق يقول: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن كفر النصارى بقولهم: { إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } بشبهة أنه خرج من أم بلا أب، وخالف المعهود من الخلقة الإلهية، والحال أنه عليه الصلاة والسلام قد كذبهم في هذه الدعوى، وقال لهم: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } فأثبت لنفسه العبودية التامة، ولربه الربوبية الشاملة لكل مخلوق. { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ } أحدا من المخلوقين، لا عيسى ولا غيره. { فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } وذلك لأنه سوى الخلق بالخالق، وصرف ما خلقه الله له - وهو العبادة الخالصة - لغير من هي له، فاستحق أن يخلد في النار. { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } ينقذونهم من عذاب الله، أو يدفعون عنهم بعض ما نزل بهم. { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ } وهذا من أقوال النصارى المنصورة عندهم، زعموا أن الله ثالث ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهذا أكبر دليل على قلة عقول النصارى، كيف قبلوا هذه المقالة الشنعاء، والعقيدة القبيحة؟! كيف اشتبه عليهم الخالق بالمخلوقين ؟! كيف خفي عليهم رب العالمين؟! قال تعالى -رادا عليهم وعلى أشباههم -: { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ } متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص، منفرد بالخلق والتدبير، ما بالخلق من نعمة إلا منه. فكيف يجعل معه إله غيره؟" تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم توعدهم بقوله: { وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } . ثم دعاهم إلى التوبة عما صدر منهم، وبين أنه يقبل التوبة عن عباده فقال: { أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ } أي: يرجعون إلى ما يحبه ويرضاه من الإقرار لله بالتوحيد، وبأن عيسى عبد الله ورسوله، عما كانوا يقولونه { وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } عن ما صدر منهم { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات. وصدر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله: { أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ } . ثم ذكر حقيقة المسيح وأُمِّه، الذي هو الحق، فقال: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } أي: هذا غايته ومنتهى أمره، أنه من عباد الله المرسلين، الذين ليس لهم من الأمر ولا من التشريع، إلا ما أرسلهم به الله، وهو من جنس الرسل قبله، لا مزية له عليهم تخرجه عن البشرية إلى مرتبة الربوبية. { وَأُمَّهُ } مريم { صِدِّيقَةٌ } أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء. والصديقية، هي العلم النافع المثمر لليقين، والعمل الصالح. وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلا وشرفا. وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُّوحِي إِلَيْهِمْ } تفسير : فإذا كان عيسى عليه السلام من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيء اتخذهما النصارى إلهين مع الله؟ وقوله: { كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ } دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران، محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب، ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغني الحميد. ولما بين تعالى البرهان قال: { انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ } الموضحة للحق، الكاشفة لليقين، ومع هذا لا تفيد فيهم شيئا، بل لا يزالون على إفكهم وكذبهم وافترائهم، وذلك ظلم وعناد منهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):