Verse. 742 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِيْنَ قَالُوْۗا اِنَّ اللہَ ثَالِثُ ثَلٰــثَۃٍ۝۰ۘ وَمَا مِنْ اِلٰہٍ اِلَّاۗ اِلٰہٌ وَّاحِدٌ۝۰ۭ وَاِنْ لَّمْ يَنْتَھُوْا عَمَّا يَقُوْلُوْنَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۷۳
Laqad kafara allatheena qaloo inna Allaha thalithu thalathatin wama min ilahin illa ilahun wahidun wain lam yantahoo AAamma yaqooloona layamassanna allatheena kafaroo minhum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث» آلهة «ثلاثة» أي أحدها والآخران عيس وأمه وهم فرقة من النصارى «وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون» من التثليث ويوحدوا «ليمسنَّ الذين كفروا» أي ثبتوا على الكفر «منهم عذاب أليم» مؤلم وهو النار.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: {ثَلَـٰثَةً } كسرت بالإضافة، ولا يجوز نصبها لأن معناه: واحد ثلاثة. أما إذا قلت: رابع ثلاثة فههنا يجوز الجر والنصب، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم. المسألة الثانية: في تفسير قول النصارى {ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } طريقان: الأول: قول بعض المفسرين، وهو أنهم أرادوا بذلك أن الله ومريم وعيسى آلهة ثلاثة، والذي يؤكد ذلك قوله تعالى للمسيح{أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116] فقوله {ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ } أي أحد ثلاثة آلهة، أو واحد من ثلاثة آلهة، والدليل على أن المراد ذلك قوله تعالى في الرد عليهم {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } وعلى هذا التقدير ففي الآية إضمار، إلا أنه حذف ذكر الآلهة لأن ذلك معلوم من مذاهبهم، قال الواحدي ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة إذا لم يرد به ثالث ثلاثة آلهة، فإنه ما من شيئين إلا والله ثالثهما بالعلم، لقوله تعالى: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } تفسير : [المجادلة: 7]. والطريق الثاني: أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون: جوهر واحد، ثلاثة أقانيم أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إلۤه واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إلۤهة، والابن إلۤه، والروح إلۤه، والكل إلۤه واحد. واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحداً، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى. ثم قال تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } في {مِنْ } قولان: أحدهما: أنها صلة زائدة والتقدير: وما إلۤه إلا إلۤه واحد، والثاني: أنها تفيد معنى الاستغراق، والتقدير: وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد. ثم قال تعالى: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال الزجاج: معناه: ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين؛ لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}. أي أحد ثلاثة. ولا يجوز فيه التنوين؛ عن الزجاج وغيره. وفيه للعرب مذهب آخر؛ يقولون: رابع ثلاثة؛ فعلى هذا يجوز الجر والنصب؛ لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه منهم. وكذلك إذا قلت: ثالث ٱثنين؛ جاز التنوين. وهذا قول فرق النصارى من المَلْكِية والنُّسْطُورِيّة واليعقوبية؛ لأنهم يقولون أب وٱبن وروح القدس إلٰه واحد؛ « ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة؛ وذلك أنهم يقولون: إن الابن إله والأب إله وروح القدس إله. وقد تقدّم القول في هذا في «النساء» فأكفرهم الله بقولهم هذا، وقال: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي أنّ الإله لا يتعدد وهم يلزمهم القول بثلاثة آلهة كما تقدم، وإن لم يصرحوا بذلك لفظاً؛ وقد مضى في «البقرة» معنى الواحد. و «مِن» زائدة. ويجوز في غير القرآن «إلهاً واحداً» على الإستثناء. وأجاز الكسائي الخفض على البدل. قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ} أي يكفّوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة. «أَفَلاَ يَتُوبُونَ» تقرير وتوبيخ، أي فليتوبوا إليه وليسألوه ستر ذنوبهم؛ والمراد الكفرة منهم. وإنما خص الكفرة بالذكر لأنهم القائلون بذلك دون المؤمنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ } آلهة {ثَلَٰثَةً } أي أحدها والآخران عيسى وأُمّه وهم فرقة من النصارى {وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلاَّ إِلَٰهٌ وٰحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ } من التثليث ويوحِّدوا {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي ثبتوا على الكفر {مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم وهو النار.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليت وهي فيما يقال الملكية وهم فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عدداً ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكماً إلهياً، وقوله تعالى {ثالث ثلاثة} لا يجوز فيه إلا الإضافة وخفض {ثلاثةٍ} لأن المعنى أحد ثلاثة فإن قلت زيد ثالث اثنين أو رابع ثلاثة جازلك أن تضيف كما تقدم وجاز أن لا تضيف وتنصب ثلاثة على معنى زيد يربع ثلاثة، وقوله تعالى {وما من إله إلا إله واحد} خبر صادع بالحق، وهوالخالق المبتدع المتصف بالصفات العلى تعالى عما يقول المبطلون، ثم توعد تبارك وتعالى هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب الدنيا من القتل والسبي وبعذاب الآخرة بعد لا يفلت منه أحد منهم. ثم رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة، ثم وصف نفسه بالغفران والرحمة استجلاباً للتائبين وتأنيساً لهم ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم. ثم أخبر تعالى عن حقيقة أمر المسيح وأنه رسول بشر كالرسل المتقدمة قبله، و {خلت} معناه مضت وتقدمت في الخلاء من الأرض، وقرأ حطان بن عبد الله الرقاشي "قد خلت من قبله رسل" بتنكير الرسل، وكذلك قرأ {أية : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} تفسير : [آل عمران: 144] وقد مضى القول على وجه هذه القراءة هناك، وقوله تعالى: {وأمه صديقة} صفة ببناء مبالغة من الصدق، ويحتمل أن يكون من التصديق وبه سمي أبو بكر رضي الله عنه لتصديقه، وهذه الصفة لمريم تدفع قول من قال هي نبية، وقد يوجد في صحيح الحديث قصص قوم كلمتهم ملائكة في غير ما فن كقصة الثلاثة الأقرع والأعمى والأبرص وغيرهم، ولا تكون هنالك نبوة، فكذلك أمر مريم، وقوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} تنبيه على نقص البشرية على حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية، وذكر مكي والمهدي وغيرهما أنها عبارة عن الاحتياج إلى الغائط وهذا قول بشع ولا ضرورة تدفع إليه حتى يقصد هذا المعنى بالذكر, وإنما هي عبارة عن الاحتياج إلى التغذي ولا محالة أن الناظر إذا تأمل بذهنه لواحق التغذي وجد ذلك وغيره، ثم أمر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وفي الضمن أمته بالنظر في ضلال هؤلاء القوم وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات تبين لهم وتبرز في غاية الوضوح، ثم هم بعد ذلك يصرفون أي تصرفهم دواعيهم ويزيلهم تكسلهم عن الحق، و {كيف} في هذه الآية ليست سؤالاً عن حال لكنها عبارة عن حال شأنها أن يسأل عنها بكيف، وهذا كقولك: كن كيف شئت فأنت صديق، و {أنى} معناها من أي جهة، قال سيبويه معناها كيف ومن أين، و {يؤفكون} معناه: يصرفون، ومنه قوله عز وجل: {أية : يؤفك عنه من أفك} تفسير : [الذاريات: 9] والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها المطر، والمطر في الحقيقة هو المصروف، ولكن قيل أرض مأفوكة لما كانت مأفوكة عنها.

ابن عادل

تفسير : معناه أحدُ الثلاثةِ، ولذلك منع الجمهورُ أن يُنْصَبَ ما بعده، لا تقولُ: ثَالِثٌ ثلاثةً، ولا رَابعٌ أربعةً؛ قالوا: لأنه اسمُ فاعلٍ، ويعملُ عَمَلَ فعله، وهنا لا يقع موقعَه فعلٌ؛ إذ لا يقال: رَبَّعْتُ الأرْبَعَةَ، ولا ثَلَّثْتُ الثلاثةَ، وأيضاً: فإنه أحدُ الثلاثة؛ فيلزم أن يعمل في نَفْسِهِ، وأجاز النصْبَ بمثلِ هذا ثَعْلَبٌ، وردَّه عليه الجمهورُ بما ذُكِرَ، أمَّا إذا كان من غيرِ لَفْظِ ما بعده، فإنه يجوزُ فيه الوجْهَان: النصبُ، والإضافة؛ نحو: رَابعٌ ثلاثةً، وإن شئْتَ: ثَلاثَةٍ، واعلم: أنه يجوز أن يُشتقَّ من واحد إلى عَشَرَةٍ صيغةُ اسمِ فاعلٍ؛ نحو: "وَاحِد"، ويجوز قلبه فيقال: حَادِي وثَانِي وثالِث إلى عَاشِر، وحينئذٍ: يجوز أن يستعملَ مفرداً؛ فيقال: ثَالِثٌ ورَابعٌ؛ كما يقال: ثلاثةٌ وأربعةٌ من غير ذكرِ مفسِّرٍ، وأن يستعمل استعمالَ أسماءِ الفاعلينَ؛ إنْ وقع بعده مغايرُهُ لفظاً، ولا يكونُ إلا ما دونهُ برتْبةٍ واحدةٍ؛ نحو عَاشِرُ تِسْعَةٍ، وتَاسِعُ ثَمَانِيَةٍ، فلا يجامعُ ما دونَه برتبتين؛ نحو: عَاشِرُ ثمانِيَةٍ، ولا ثَامِنُ أرْبَعَةٍ، ولا يُجامِعُ ما فوقه مطلقاً، فلا يقال: تَاسِعُ عشرةٍ ولا رَابعُ ستَّةٍ. إذا تقرَّر ذلك فيعطى حكم اسم الفاعل؛ فلا يعملُ إلا بشروطه، وأمَّا إذا جامع موافقاً [له لفظاً] وجبتْ إضافتُه؛ نحو: ثَالثُ ثلاثةٍ، وثَاني اثْنَيْنِ، وتقدَّم خلاف ثَعْلَبٍ، ويجوز أن يُبْنَى أيضاً من أحَدَ عشر، إلى تِسْعَة عشر، فيقال: حَادِي عشرَ وثالثَ عشرَ، ويجوز أنْ يُستعمل مفْرداً؛ كما ذكرنا، ويجوز أن يُسْتَعْمَل مجامعاً لغيره، ولا يكونُ إلا موافقاً، فيقال: حَادِي عشر أحدَ عشرَ، وثالثَ عشرَ ثلاثةَ عشرَ، ولا يقالُ: ثالثَ عشرَ اثْنَيْ عشرَ، وإن كان بعضُهم خالفَ، وحكمُ المؤنثِ كحكْمه في الصفَاتِ الصريحةِ، فيقال: ثَالِثَة ورابعة، وحادية عشْرَةَ، وثَالِثَة عشْرَةَ ثلاثَ عَشْرَة، وله أحكامٌ كثيرة مذكورة في كُتب النَّحْو. فصل في تفسير قول النصارى "ثالث ثلاثة" هذا قول المَرْقُوسِيَّة: وفيه طريقان: أحدهما: قول المُفَسِّرين: وهو أنَّ النَّصَارى يقولون: الإلهِيَّة مشتركة بَيْنَ اللَّه ومرْيَم وعيسَى، وكُلُّ واحد من هؤلاء إله. ويؤكد ذَلِكَ قوله تعالى: {أية : ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116] فقوله: "ثَالِثُ ثلاثَةٍ" أي: أحَد ثلاثة، وواحد من ثلاثةِ آلهةٍ، يَدُلُّ عليه قوله تعالى في الرَّدِّ عليهم: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}. قال الواحديُّ والبَغَوِي: من قال: إنَّ اللَّه تعالى ثَالِثُ ثلاثةٍ، هُو لَمْ يُرِدْ ثالثُ ثلاثةِ آلهة، فإنَّه ما مِنْ شَيْءٍ إلاَّ واللَّه ثالثُهُ بالعِلْم، قال تعالى: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ} تفسير : [المجادلة: 7]. و "حديث : قال النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - لأبي بكرٍ:ما ظَنُّكَ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ". تفسير : الطريق الثاني: أنَّ المُتَكَلِّمين حكوا عن النَّصَارى أنَّهُمْ يقولون: جَوْهَرٌ واحدٌ: ثلاثةُ أقْسَام: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ القُدُس، وهذه الثَّلاثَةُ إلهٌ واحِدٌ، كما أنَّ الشَّمْس اسمٌ يتناوَلُ القُرْصَ والشُّعَاع والحَرَارَة، وعنُوا بالأبِ الذَّات، وبالابْنِ الكَلِمَة، وبالرُّوحِ الحَيَاة، وأثْبَتُوا الذَّاتَ والكَلِمَة والحَيَاة. وقالوا: إنَّ الكَلِمَة التي هي كلامُ اللَّه اخْتلطَتْ بِجِسْمِ عيسَى اخْتِلاطَ الماءِ بالخَمْر، واختلاط الماءِ باللَّبْن. وزعمُوا أنَّ الأبَ إلهٌ، والابْنَ إله، والرُّوح إلهٌ، والكُلُّ إلهٌ وهذا بَاطِلٌ بيديهَةِ العقْلِ، فإنَّ الإلهَ لا يكونُ إلاَّ واحِداً، والواحِدُ لا يكونُ ثلاثةٌ، وليس في الدُّنْيا مقالةٌ أشَدَّ فَسَاداً، وأظْهَر بُطْلاناً من مقالَةِ النَّصارى - لعنهُمُ اللَّهُ تعالى -. قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ} "مِنْ" زائدةٌ في المبتدأ؛ لوجود الشرطين، وهما كونُ الكلام غير إيجابٍ، وتنكيرُ ما جرَّتْهُ، و"إلهٌ" بدل من محلِّ "إلهٍ" المجرورِ بـ "مِنْ" الاستغراقية؛ لأن محلَّه رفعٌ كما تقدَّم، وما إلهٌ في الوجُودِ إلاَّ إلهٌ مُتَّصِفٌ بالوحْدَانية، قال الزمخشريُّ: "مِنْ" في قوله: "مِنْ إلهٍ" للاستغراقِ، وهي المقدَّرةُ مع "لاَ" التي لنفي الجنْسِ في قولك: "لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ" والمعنى: وما مِنْ إلهٍ قَطُّ في الوجُود إلاَّ إلهٌ مُتَّصِفٌ بالوحدانيَّة، وهو الله تعالى، فقد تحصَّل مِنْ هذا أنَّ "مِنْ إلهٍ" مبتدأ، وخبرُه محذوفٌ، و"إلاَّ إلَهٌ" بدلٌ على المحلِّ، قال مكي: "ويجوزُ في الكلام النصبُ: "إلاَّ إلهاً" على الاستثناء"، قال أبو البقاء: "ولو قُرىءَ بالجرِّ بدلاً من لَفْظ "إلهٍ"، لكان جائزاً في العربيَّة"، قال شهاب الدين: ليس كما قال؛ لأنه يلزمُ زيادةُ "مِنْ" في الواجبِ؛ لأن النفي انتقضَ بـ "إلاَّ"، لو قلت: "ما قَامَ إلاَّ مِنْ رَجُلٍ"، لم يَجُزْ فكذا هذا، وإنما يجوزُ ذلك على رأي الكوفيين والأخفش؛ فإنَّ الكوفيين يشترطون تنكيرَ مجرورها فقط، والأخفشُ لا يشترط شيئاً، قال مكي "واختار الكسائيُّ الخفضَ على البدل من لفظ "إلهٍ"، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ "مِنْ" لا تُزَاد في الواجبِ"، قال شهاب الدين: ولو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ قوله "إلاَّ إلهٌ" خبر المبتدأ، وتكونُ المسألةُ من الاستثناءِ المفرَّغِ، كأنه قيل: ما إلَهٌ إلاَّ إلَهٌ مُتَّصِفٌ بالواحدِ، لما ظهر له منعٌ، لكنِّي لم أرَهُمْ قالوه، وفيه مجالٌ للنظر. ثم قال تعالى: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قال الزَّجَّاجُ: معناه: ليمسن الذين أقامُوا على هذا الدِّين؛ لأنَّ كثيراً منهم تَابُوا عن النَّصْرانيَّةِ، فخصَّ الذين كفروا لِعِلْمهِ أنَّ بعضَهُمْ يُؤمِنُ. قوله: "لَيَمَسَّنَّ" جوابُ قَسَم مَحْذُوفٍ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ لدلالةِ هذا عليه، والتقديرُ: واللَّهِ، إنْ لَمْ يَنْتَهُوا لَيَمَسَّنَّ، وجاء هذا على القاعدَةِ التي قَرَّرْتُهَا: وهو أنه إذا اجتمعَ شرطٌ وقَسَمٌ أُجيبَ سابقُهما ما لم يسبقْهُمَا ذو خَبَرٍ، وقد يجابُ الشرطُ مطْلقاً، وقد تقدَّم أيضاً: أن فعلَ الشرطِ حينئذٍ لا يكون إلا ماضياً لفظاً ومعنًى لا لفظاً كهذه الآية، فإنْ قيلَ: السابقُ هنا الشرطُ؛ إذ القسمُ مقدَّرٌ، فيكونُ تقديرُه متأخِّراً، فالجوابُ أنه لو قُصِدَ تأخُّرُ القسَمِ في التقدير، لأجيبَ الشرْطُ، فلمَّا أُجِيبَ القسمُ، عُلِمَ أنه مقدَّرُ التقديمِ، وعبَّر بعضهم عَنْ هذا، فقال: لامُ التوطئةِ للقسمِ قد تُحْذَفُ ويُراعَى حكمُها؛ كهذه الآيةَ؛ إذ التقدير: "ولَئِنْ لَمْ" كما صرَّح بهذا في غير موضع؛ كقوله: {أية : لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَافِقُونَ} تفسير : [الأحزاب: 60]؛ ونظيرُ هذه الآية قوله: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ} تفسير : [الأعراف: 23] {أية : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام: 121]، وتقدَّم أنَّ هذا النوع من جواب القسمِ يجبُ أن يُتلقَّى باللام وإحدى النونَيْنِ عند البصريِّين، إلاَّ ما استثني، كما تقدَّمَ، قال الزمخشريُّ: "فإنْ قلت: فهلاَّ قيل: لَيَمسُّهُمْ عذابٌ، قلتُ: في إقامة الظاهر مقامَ المضْمَرِ فائدةٌ، وهي تكريرُ الشهادة عليهم بالكُفْر". وقوله: "مِنْهُمْ" في محلِّ نصبٍ على الحال، قال أبو البقاء: إمَّا من "الَّذِينَ"، وإمَّا من ضمير الفاعل في "كَفَرُوا"، قلتُ: لم يتغيَّر الحكمُ في المعنى؛ لأن الضميرَ الفاعِلَ هو نَفْسُ الموصُولِ، وإنما الخلافُ لفظيٌّ، وقال الزمخشريُّ: "مِنْ" في قوله تعالى: {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} للبيان كالتي في قوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30] قال شهاب الدين: فعلى هذا يتعلقُ "مِنْهُمْ" بمحذوفٍ، فإن قلتَ: هو على جعله حالاً متعلقٌ أيضاً بمحذوف، قلت: الفرقُ بينهما أنَّ جَعْلَهُ حالاً يتعلَّقُ بمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الحالُ في الحقيقة، وعلى هذا الوجه يتعلَّقُ بفعلٍ مفسِّرٍ للموصولِ الأول، كأنه قيل: أعني منهُمْ، ولا محلَّ لـ "أعْنِي"؛ لأنها جملةٌ تفسيريةٌ، وقال أبو حيان: "و "مِنْ" في "مِنْهُمْ" للتبعيض، أي: كائناً منهُمْ، والربطُ حاصلٌ بالضمير، فكأنه قيل: كَافرُهُمْ، وليسوا كلهم بَقُوا على الكُفْر". انتهى، يعني: هذا تقديرٌ لكونها تبعيضيةً، وهو معنى كونها في محلِّ نصبٍ على الحال. وقوله تعالى: "أفَلا يَتُوبُونَ": تقدَّم نظيره مراراً، وأنَّ فيه رأيين: رأيُ الجمهور: تقديمُ حرفِ العطف على الهمزة تقديراً، ورأيُ أبي القاسِمِ: بقاؤه على حاله وحذفُ جملةٍ معطوفٍ هذا عليها، والتقديرُ: أيثبُتُونَ على كُفرِهِمْ، فلا يتُوبُونَ، والاستفهامُ فيه قولان: أظهرهما: أنه للتعجب من حالهم: كَيْفَ لا يتوبُونَ ويستغفُرونَ من هذه المقالةِ الشَّنعاء؟ والثاني: أنه بمعنى الأمر، وهو رأي ابن زياد الفَرَّاء؛ كأنه قال: تُوبُوا واسْتَغْفِرُوا من هاتيْنِ المقالتيْنِ؛ كقوله تعالى: {أية : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} تفسير : [المائدة: 91]. وكلامُ ابن عطيَّة يُفْهِم أنه للتحضيضِ، قال: "رَفَقَ جَلَّ وعلا بهمْ بتحضيضهِ إياهُمْ على التوبة وطلب المغفِرَةِ"، يعني بذلك من حيث المعنى، وإلاَّ فَفَهْمُ التحضيض من هذا اللفظ غيرُ مُسَلَّم، وكيف يُعْقَلُ أنَّ حرف العطفِ فصلَ بين الهمزة و"لا" المفهمةِ للتحضيض؟ [فإنْ قلت]: هذا إنما يُشْكِلُ على قولنا: إنَّ "ألاَ" التحضيضية بسيطةٌ غيرُ مركَّبةٍ، فلا يُدَّعى فيها الفصلُ بحرفِ العطف، أما إذا قلنا: إنها همزةُ الاستفهام دَخَلَتْ على "لا" النافيةِ، وصارَ معناهما التحضيضَ، فلا يَضُرُّ الفصلُ بحرف العَطْف؛ لأنه عُهِد في "لا" النافيةِ الداخلِ عليها همزةُ الاستفهام، فالجواب: أنه لا يجوزُ مطلقاً؛ لأنَّ ذلك المعنى قد انسلخ وحدثَ معنى آخرُ، وهو التحضيضُ؛ فلا يلزم من الجوازِ في الأصْلِ الجوازُ بعد حدوثِ معنى جديد.

ابو السعود

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} شروع في بـيان كفر طائفةٍ أخرى منهم، ومعنى قولهم: ثالثُ ثلاثةٍ ورابع أربعة ونحو ذلك أحدُ هذه الأعداد مطلقاً لا الثالثُ والرابعُ خاصة، ولذلك منع الجمهور أن ينصِبَ ما بعده بأن يقال: ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً، وإنما ينصبه إذا كان ما بعده دونه بمرتبة، كما في قولك: عاشرٌ تسعةً وتاسعٌ ثمانيةً، قيل: إنهم يقولون إن الإلٰهيةَ مشتركة بـين الله سبحانه وتعالى وعيسى ومريم، وكلُّ واحد من هؤلاء إلٰه، ويؤكده قوله تعالى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [المائدة، الآية 116] فقوله تعالى: {ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} أي أحد ثلاثةِ آلهة، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} أي والحال أنه ليس في الوجود ذاتُ واجبٍ مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأُ جميعِ الموجودات إلا إلٰهٌ موصوفٌ بالوحدانية متعالٍ عن قَبول الشِرْكة، و(مِنْ) مزيدة للاستغراق، وقيل: إنهم يقولون: الله جوهرٌ واحدٌ ثلاثةُ أقانيمَ، أقنومُ الأب وأقنومُ الابن وأقنومُ روح القدس، وإنهم يريدون بالأول الذات وقيل: الوجود، وبالثاني العِلْم، وبالثالث الحياة، فمعنى قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ}تفسير : [المائدة، الآية 73] إلا إلٰه واحد بالذات، منزه عن شائبةِ التعدد بوجهٍ من الوجوه. {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ} من الكفر الشنيع ولم يوحّدوا، وقوله تعالى: {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابُ قسمٍ محذوف سادٌّ مسد جواب الشرط، أي وبالله إن لم ينتهوا ليمسنهم، وإنما وُضع موضعَ ضميرِ (هم) الموصولُ لتكرير الشهادة عليهم بالكفر (فمن)، في قوله تعالى: {مِنْهُمْ} بـيانية، أي ليمسن الذين بقُوا منهم على ما كانوا عليه من الكفر فمن تبعيضية، وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبـيهاً على أن الاستمرار عليه ـ بعد ورود ما يُنحىٰ عليه بالقلع عن نص عيسى عليه السلام وغيره ـ كفرٌ جديد وغلوٌّ زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي نوع شديد الألم من العذاب، وهمزة الاستفهام في قوله تعالى:

القشيري

تفسير : بلغ الخذلانُ بهم حداً أَنْ كابروا الضرورة فحكموا للواحد بأنه ثلاثة، ولا يخفى فسادٌ هذا على مجنونٍ.. فكيف على عاقل؟! قوله: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لم يُغْلِقُ بابَ التوبة عليهم - مع قبيح أقوالهم، وفساد عقائدهم - تضعيفاً لآمال المؤمنين بخصائص رحمته.

البقلي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} لما ظهر أيات الله فى عيسى وامه بزت من الأيات انوار الصفات العشاق فى مقام الالتباس وخضعوا عند روية الربوبية فى رؤية الصفات الا الأيات انوار الصفات العشاق فى مقام الالتباس وخضعوا عند روية الربوبية فى رؤية الصفات فى الآيات فغلط المقلدون --- شرائط العشق وبراهين عين الجمع فكفروا بتفريقهم الالوهية فى محل تفرقة الحدثان وذلك --- تعالى عنهم بقوله لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة اى عموا عن روية حقائق رؤية وحدانية منزهه عن الاجتماع والافتراق والامتزاج بالناسوت والحلول فى الحدثان عند ظهوره لابصار العشاق---- لمن لطائف الايات وبراهين المعجزات تصديق ذلك قوله تعالى فى نفى الاضداد والاشباه والانداد والجبال عن ساحة جلاله {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} ثم وصف بعد وصف تنزيه -- بانهم ما موضع أياته وبرهان صفاته وصفهم بالعجز فى الانسانية والضعف فى البشرية عن حمل --- تعالى بقوله {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} اى هو من عالم الحلال ارسلته الى عشاقى وعرفانى واول من صدقه امه نائفة فى مباشرة الأيات ورؤية الصفات ثم احوجهما الى علل الا يشار بوصفهم بانهما كانا الطعام هذا كناية وعبارة عن الحدث بذلك ابراء عنهما الالوهية وكيف يليق بعزة القدم -- الحدثان.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة} اى احد ثلاثة آلهة والالهية مشتركة بينهم وهم الله وعيسى ومريم {وما من إله الا إله واحد} اى والحال ليس فى الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث انه مبدأ جميع الموجودات الالٰهية موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة {وان لم ينتهوا عما يقولون} عن مقالتهم الاولى والثانية ولم يوحدوا {ليمسن الذين كفروا منهم} اى والله ليمسنهم ووضع الموصول موضع الضمير لتكرير الشهادة عليهم بالكفر فمن بيانية حال من الذين {عذاب اليم} نوع شديد الالم من العذاب يخلص وجعه الى قلوبهم.

الطوسي

تفسير : وهذا قسم آخر من الله بأنه كفر من قال: {إن الله ثالث ثلاثة} والقائلون بهذه المقالة هم جمهور النصارى من الملكانية، واليعقوبية والنسطورية، لأنهم يقولون: أب، وابن، وروح القدس إِله واحد، ولا يقولون ثلاثة آلهة. ويمنعون من العبارة. وإِن كان يلزمهم أن يقولوا إِنهم ثلاثة آلهة. وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة. وإِنما قلنا: يلزمهم، لانهم يقولون الابن إِله والأب إِله وروح القدس إِله. والابن ليس هو الأب. ومعنى {ثالث ثلاثة} أحد ثلاثة. وقال الزجاج، لا يجوز نصب ثلاثة لكن للعرب فيه مذهب آخر وهو أنهم يقولون رابع ثلاثة، فعلى هذا يجوز الجر والنصب، لأن معناه الذي صير الثلاثة أربعة بكونه فيهم. ثم أخبر تعالى، فقال {وما من إِله إلا إِله واحد} أي ليس إِلا اله واحد. ودخلت (من) للتوكيد. وقوله: {وإن لم ينتهوا عما يقولون} أي إِن لم يرجعوا ويتوبوا عما يقولون من القول بالتثليث أقسم {ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} يعني الذين يستمرون على كفرهم والمس - ها هنا - ما يكون معه احساس وهو حلوله فيه، لأن العذاب لا يمس الحيوان إِلا أحس به ويكون المس بمعنى اللمس، لأن في اللمس طلباً لاحساس الشئ، فلهذا اختير ها هنا المس. واللمس ملاصقة معها إِحساس وإِنما قال {ليمسن الذين كفروا منهم} لأمرين: أحدهما - ليعم الوعيد الفريقين الذين قالوا إِن الله هو المسيح بن مريم، والذين قالوا هو ثالث ثلاثة والضمير عائد الى أهل الكتاب. الثاني - أنه من أقام منهم على الكفر لزمه هذا الوعيد في قول أبي علي، والزجاج، وليس في الآية ما يدل على أن في أفعال الجوارح ما هو كفر لأن الذي فيها هو الاخبار عن أن من قال الله ثالث ثلاثة فهو كافر، وهذا لا خلاف فيه. وليس فيها أن هذا القول بعينه هو كفر أو دلالة على الكفر، فمن يقول الكفر هو الجحود، وان الايمان هو التصديق بالقلب يقول إِن في أفعال الجوارح ما يدل على الكفر الذي هو الجحود في القلب مثل القول الذي ذكره الله تعالى. ومثل ذلك السجود للشمس وعبادة الاصنام وغير ذلك، فلا دلالة في الآية على ما قالوه.

الجنابذي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} اعلم، انّ للنّصارى كاليهود وكالمسلمين مذاهب مختلفة فى فروعهم واصولهم، فمنهم من قال بالاقانيم الثّلاثة، الاب والابن وروح القدس، والاقنوم بمعنى الاصل وهؤلاء معظم النّصارى يقولون: انّ الاله ذات واحدة لا كثرة فيه وانّه تشأّن بشؤنٍ ثلاثة بشأنى الابوّة والبنوّة وبشأن روح القدس، ولا ينفصم وحدته بتشأّنه ويمنعون من القول بانّ الالهة ثلاثة وبانّ الله ثالث ثلاثة وقيل بالفارسيّة. شعر : در سه آئينه شاهد ازلى برتوا از روى تابناك افكند سه نكَردد بريشم اراو را برنيان خوانى و حرير وبرند تفسير : لكنّ الاتباع لعدم تجاوزهم عن المحسوسات والكثرات اذا تفوّهوا بمثل هذه المقالة لا يدركون منها غير الالهة الثّلاثة، وانّ الله الّذى هو ابٌ باعتقادهم واحد من الثّلاثة ولا يدركون منها ما يريد منها محقّقوهم من انّه تعالى حقيقة واحدة مقوّمة لكلّ ممكن متجلّية فى كلّ مظهر، واختصاص بعض المظاهر بالمظهريّة انّما هو لشدّة ظهوره تعالى فيه، انّ عيسى (ع) وروح القدس لمّا كان كلّ واحد منهما اتمّ مظهر له تعالى وكذا ما سمّى بالاب سمّوهم باسم الاقانيم فردّ الله تعالى عليهم مقالتهم الّتى يلزمها التّحديد والتّشبيه لله تعالى، وما ورد فى الآيات والاخبار من انّه تعالى رابع ثلاثة انّما هو للاشارة الى قيّوميّته تعالى لكلّ الاشياء وظهوره بكلّ مظهر ودخوله فى كلّ الاشياء بالممازجة ولا كدخول شيءٍ فى شيءٍ {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} هو الحقيقة الغيبيّة الظّاهرة فى كلّ المظاهر {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ} حتّى يقول الاتباع بتقليد المتبوعين بالالهة الثّلاثة فيكفروا من حيث لايعلمون {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} اى الّذين قالوا انّ الله هو المسيح والّّذين قالوا انّ الله ثالث ثلاثة {عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعنى انّهم بقولهم على الله ما لا يجوز فى حقّه ما لا يجوز فى حقّه ممتازون بالعذاب الاليم، وامّا رؤساؤهم الّذين ما قالوا على الله ما لا يجوز فى حقّه ولم يكفروا مثل الاتباع من هذه الجهة فلهم عذاب ايضاً بانكارهم نبوّة محمّد (ص) والقاء كلمة لا يدرك الاتباع المقصود منها.

الهواري

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} قال بعضهم: قالوا: عيسى إله، وأمه إله والله إله، وقد فسّرنا أصناف النصارى الثلاثة في سورة آل عمران. قال الله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. أي موجع، يعني من ثبت على الكفر منهم. قال: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. مَّا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ} أي فكيف يكونان إلهين، وهما مخلوقان محتاجان إلى الغذاء لأنهما لا يقومان إلا به، ولا يبقيان إلا عليه. {انظُرْ} يا محمد {كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ} أي الحجج {ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي كيف يوفكون عقولهم، أي كيف يصرفون عنها، أي عن الآيات والحجج التي احتج الله عليهم بها. قال: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم. قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ} والغلوّ مجاوزة الحق. {وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ} يعني اليهود {وَأَضَلُّوا كَثِيراً} أي ممن اتبعهم. {وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} أي عن قصد السبيل، وهو طريق الحق والهدى. قوله: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ}. قال بعض المفسرين: {عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ} أي في زمان داود فمُسخوا قردةً حين أكلوا الحيتان. وأما في زمان عيسى فَمُسِخِوا خنازير حيث قال الله: (أية : إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ) تفسير : [المائدة:115]. فكفروا فمسخوا خنازير. وقال الكلبي: لُعِنوا على لسان داود لمّا اعتدوا في السبت، دعا عليهم باللعن وقال: اللهم اجعلهم آية ومثلاً لخلقك، فأصبحوا قردة خاسئين. وأما لعنة عيسى، فمن أكل من المائدة ولم يؤمن قال عيسى حين كفروا: اللهمّ إنك قد وعدت من لم يؤمن بك وكفر بعد ما يأكل من المائدة تعذبه عذاباً لا تعذبه أحداً من العالمين. اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت؛ فأصبحوا خنازير.

اطفيش

تفسير : {لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}: هم الملكانية من النصارى، والنصطورية، وقيل: ان الله هو المسيح هو قول الملكانية واليعقوبية، وان الله ثالث ثلاثة قول النصطورية والمرقوسية، ومعناهم أن الله ثالث ثلاثة آلهة، وأما ثالث ثلاثة رجال بمعنى أنه معهم بالعلم والحفظ، ورابع أربعة كذلك. وهكذا فعندنا لا يجوز وهو نفاق لأنه يوهم أنه منهم، وانما يجوز ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وخامس أربعة، وسادس خمسة، لقوله تعالى: {أية : ما يكون من نجوى ثلاثة }تفسير : الآية، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر رضى الله عنه فى الغار: "حديث : ما ظنك باثنين الله ثالثهما " تفسير : وقاس الواحدى اضافة فاعل من العدد الى عدده فى صفة الله قياساً على اضافته الى عدد تحته يليه، فأجاز الله ثالث ثلاثة، وثانى اثنين، ورابع أربعة، يعنى يعلمهم ويحفظهم قياساً على اضافته لعدد تحته. ومعنى قولهم: الله ثالث ثلاثة أنه اله، وعيسى اله، ومريم اله، قوله تعالى: {أية : أأنت قلت للناس اتخذونى وأمى الهين من دون الله } تفسير : هذا قول الجمهور، وقيل: معناه أنه أب وابن وروح القدس، فالأب جسم عيسى، والأب كلمة اختلطت بعيسى اختلاط الماء باللبن، وروح القدس الحياة فهذه ثلاثة آلهة اله واحد، وهذا تخليط اذا لم يقولوا اله واحد مركب، والواحد لا يكون ثلاثة، والثلاثة لا تكون واحدة، ولو قالوا ذلك أشركوا أيضاً، وجعلوا ذلك كقرص الشمس وشعاعها وحرارتها، وهذا حكاه المتكلمون عن النصارى، وسبق الكلام فى ذلك. {وَمَا مِن إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ}: أى لا يوجد اله الا لم يكن له شريك، أى أى شىء فرض أنه اله فانه لا يصح له شريك، فبالدليل والبرهان الاله هو الله، لا مركب ولا بسيط ولا شريك له، من للاستغراق داخلة على المبتدأ، واله خبر صح الاخبار به عن اله منفى لوصفه بواحد، وقيل: الخبر محذوف أى ما من اله موجود واله بدل من المستتر فى موجود. {وَإِن لَّم يَنْتَهُوا عَمَا يَقُولُونَ}: بأن يقولوا لا اله الا الله، وعيسى عبد الله ورسوله، ومحمد عبد الله ورسوله. {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أى ليمسنهم عذاب أليم، ومن للبيان ووضع الظاهر، وهو موضع المضمر ليسميهم باسم الكفر ثانياً زيادة فى الذم، ويجوز أن يكون المعنى على الظاهر، أى ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر، ويجوز أن يكون الواو فى ينتهوا لجملة النصارى بحكم مجموع لا الجميع، فيكون المعنى على الظاهر أيضاً، فيكون الذين تبعيضاً من مجموعهم الشامل للقائل: ثالث ثلاثة وغيره، وهذا البعض هم القائلون ثالث ثلاثة، ومن للتبعيض فى هذا الوجه.

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} قيل هم النسطورية والملكانية من النصارى، وقيل النسطورية والمرقوسية، والاخران عيسى وأَمه، وكل من الثلاثة إِله بزعمهم والأُلوهية مشتركة بينهم كما قال الله عز وجل {أية : أَأَنت قلت للناس اتخذوني وأَمى إِلهين من دون الله}تفسير : [المائدة: 116] وقيل زعموا لعنهم الله أَن الإِله جوهر واحد مركب من ثلاثة أَقانيم الأَب والابن وروح القدس وأَن هذه الثلاثة إِله واحد كما أَن الشمس مركبة من قرص وشعاع وحرارة، وعنوا بالأَب الذات وقيل الوجود وبالابن كلام الله وبالروح الحياة، ومنهم لعنهم الله من زعم أَن الحياة تتجسم وأَن هذا الكلام اختلط بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن وأَن الأَب إِله والابن إِله والروح إِله والكل إِله واحد، ولزمهم الحدوث لأَن المركب حادث والحادث يعجز ويجهل ويحتاج إِلى غير ذلك من صفات الخالق تعالى الله. ومن النصارى من هو موحد مثلنا ولا يقبل توحيدهم وعملهم لكفرهم بالنبى صلى الله عليه وسلم والقرآن {وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ} ظاهر هذا الكلام في العرف أَنه لا يوجد إِله إِلا وهو واحد فتثبت آلهة إِلا أَنه كل واحد لا إِله معه بل هو واحد، وهو متناقض فبان أَنه ليس ذلك مراداً بل المراد أَن الإِله كائنا من كان لا يوجد له شريك في الأُلوهية يوجد الخلق ويستحق العبادة، أَو لا إِله في الوجود ولا فى الإِمكان غير إِله لا يقبل الشركة وهو الله عز وجل {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ} من أَنواع الإِشراك كالتثليث وكون الله هو المسيح {لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ} نار الآخرة والقتل والأَسر والجزية، ومن للبيان أَى ليمسن الذين كفروا وهم هؤلاءِ الذين لم ينتهوا أَو النصارى: ومقتضى الظاهر ليمسنهم ووضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالكفر مرة بعد أخرى ولينبه على أَن العذاب مترتب على عدم الانتهاءِ أَو من للتبعيض تحرزا عن البعض الذى تاب وانتهى كما قال: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ} أَلا ينتهون فيتوبون عن تلك العقائد الزائغة وما ينشأ عنها من الأَقوال والأَفعال الباطنة، والاستفهام تعجيب من إِصرارهم وتوبيخهم وإِنكار لأَن يليق ذلك فيقولوا لا إِله إِلا الله اللهم اغفر لنا كما قال {وَيَسْتَغْفِرُونَهُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} يغفر للتائب ويتفضل عليه، ومن هذا فعله وهو قادر كيف لا يتاب إِليه.

الالوسي

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} شروع في بيان كفر طائفة أخرى منهم، وقد تقدم لك من هم، و {ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ} لا يكون إلا مضافاً كما قال الفراء، وكذا ـ رابع أربعة ـ ونحوه، ومعنى ذلك أحد تلك الأعداد لا الثالث والرابع خاصة، ولو قلت: ثالث اثنين ورابع ثلاثة مثلاً جاز الأمران: الإضافة والنصب. وقد نص على ذلك الزجاج أيضاً، وعنوا بالثلاثة ـ على ما روي عن السدي ـ الباري عز اسمه وعيسى وأمه عليهما السلام فكل من الثلاثة إله بزعمهم، والإلهية مشتركة بينهم، ويؤكده قوله تعالى للمسيح عليه السلام: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116]، وهو المتبادر من ظاهر قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي والحال أنه ليس من الموجودات ذات واجب مستحق للعبادة ـ لأنه مبدأ جميع الموجودات ـ إلا إله موصوف بالوحدة متعال عن قبول الشركة بوجه، إذ التعدد يستلزم انتفاء الألوهية ـ كما يدل عليه برهان التمانع ـ فإذا نافت الألوهية مطلق التعدد، فما ظنك بالتثليث؟! و {مِنْ} مزيدة للاستغراق كما نص على ذلك النحاة، وقالوا في وجهه: لأنها في الأصل (من) الإبتدائية حذف مقابلها إشارة إلى عدم التناهي، فأصل لا رجل: لا من رجل إلى ما لا نهاية له. وهذا حاصل ما ذكره صاحب "الإقليد" في ذلك، وقيل إنهم يقولون الله سبحانه جوهر واحد، ثلاثة أقانيم، أقنوم الأب وأقنوم الإبن وأقنوم روح القدس، ويعنون بالأول: الذات، وقيل: الوجود. وبالثاني: العلم. وبالثالث: الحياة، وإن منهم من قال بتجسمها، فمعنى قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} لا إله بالذات منزه عن شائبة التعدد بوجه من الوجوه التي يزعمونها، وقد مرّ تحقيق هذا المقام بما لا مزيد عليه، فارجع إن أردت ذلك إليه. {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ} أي إن لم يرجعوا عما هم عليه إلى خلافه وهو التوحيد والإيمان {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} جواب قسم محذوف سادّ مسد جواب الشرط ـ على ما قاله أبو البقاء ـ والمراد من الذين كفروا إما الثابتون على الكفر ـ كما اختاره الجبائي والزجاج ـ وإما النصارى كما قيل، ووضع الموصول موضع ضميرهم لتكرير الشهادة عليهم بالكفر، و {مِنْ} على هذا بيانية، وعلى الأول: تبعيضية، وإنما جيء بالفعل المنبىء عن الحدوث تنبيهاً على أن الاستمرار عليه ـ بعد ورود ما ورد مما يقتضي القلع عنه ـ كفر جديد وغلو زائد على ما كانوا عليه من أصل الكفر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف قصد منه الانتقال إلى إبطال مقالة أخرى من مقالات طوائف النّصارى، وهي مقالة (المَلْكَانِيَّةِ المُسَمَّيْن بالجِعاثليقِيَّة)، وعليها معظم طوائف النّصارى في جميع الأرض. وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: {أية : فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة} تفسير : من سورة النّساء (171)، وأنّ قوله فيها ولا تقولوا ثلاثة} يجمَع الردّ على طوائف النّصارى كلّهم. والمراد بــ {قالوا} اعتقدوا فقالوا، لأنّ شأن القول أن يكون صادراً على اعتقاد، وقد تقدّم بيان ذلك. ومعنى قولهم: {إنّ الله ثالث ثلاثة} أنّ ما يعرفُه النّاسُ أنّهُ اللّهُ هو مجموع ثلاثةِ أشياء، وأنّ المستحقّ للاسم هو أحد تلك الثّلاثة الأشياء. وهذه الثّلاثة قد عبّروا عنها بالأقانِيم وهي: أقنوم الوجود، وهو الذات المسمّى الله، وسمّوه أيضاً الأبَ؛ وأقنوم العِلم، وسمَّوه أيضاً الابنَ، وهو الّذي اتّحد بعيسى وصار بذلك عيسى إلهاً؛ وأقنوم الحياة وسَمَّوه الرّوحَ القُدُس. وصار جمهورهم، ومنهم الرَّكُوسية طائفة من نصارى العرب، يقولون: إنّه لمّا اتّحد بمريم حينَ حمْلها بالكلمة تألَّهَتْ مريم أيضاً، ولذلك اختلفوا هل هي أمّ الكلمة أم هي أمّ الله. فقوله: {ثالث ثلاثة} معناه واحد من تلك الثّلاثة، لأنّ العرب تصوغ من اسم العدد من اثنين إلى عشرة، صيغة فاعِل مضافاً إلى اسم العدد المشتقّ هُو منه لإرادة أنّه جزء من ذلك العَدد نحو {أية : ثاني اثنين}تفسير : [التوبة: 40]، فإن أرادوا أنّ المشتقّ له وزنُ فاعل هو الّذي أكْمَلَ العدد أضافوا وزنَ فاعل إلى اسم العدد الّذي هو أرقَى منه فقالوا: رابِعُ ثلاثة، أي جَاعل الثلاثة أربعة. وقوله: {وما من إله إلاّ إله واحد} عطف على جملة {لقد كفر} لبيان الحقّ في الاعتقاد بعد ذكر الاعتقاد الباطل. ويجوز جعل الجملة حالاً من ضمير {قالوا}، أي قالوا هذا القول في حال كونه مخالفاً للواقع، فيكون كالتّعليل لكفرهم في قولهم ذلك، ومعناه على الوجهين نفي عن الإله الحقّ أن يكون غير واحد فإنّ (مِن) لتأكيد عموم النّفي فصار النّفي بــ {ما} المقترنة بها مساوياً للنّفي بــ(ـلا) النّافية للجنس في الدلالة على نفي الجنس نصّاً. وعدل هنا عن النّفي بلا التبرئة فلم يُقل (ولا إله إلاّ إله واحد) إلى قوله: {وما من إله إلاّ إله واحد} اهتماماً بإبراز حرف (مِن) الدالّ بعد النّفي على تحقيق النّفي، فإنّ النّفي بحرف (لا) ما أفاد نفي الجنس إلاّ بتقدير حرف (من)، فلمّا قصدت زيادة الاهتمام بالنّفي هنا جيء بحرف (مَا) النّافية وأظهر بعده حرف (من). وهذا ممّا لم يتعرّض إليه أَحدٌ من المفسّرين. وقوله: {إلاّ إله واحد} يفيد حصر وصف الإلهيّة في واحد فانتفى التثليث المحكي عنهم. وأمّا تعيين هذا الواحد مَن هو، فليس مقصوداً تعيينه هنا لأنّ القصد إبطال عقيدة التثليث فإذا بطل التثليث، وثبتت الوحدانيّة تعيّن أنّ هذا الواحد هو الله تعالى لأنّه متّفق على إلهيّته، فلمّا بطلت إلهيّة غيره معه تمحّضت الإلهيّة له فيكون قوله هنا {وما من إله إلاّ إله واحد} مساوياً لقوله في سورة آل عمران (62) {أية : وما من إله إلاّ الله}، تفسير : إلاّ أنّ ذكر اسم الله تقدّم هنا وتقدّم قول المبطلين (إنّه ثالث ثلاثة) فاستغني بإثبات الوحدانيّة عن تعيينه. ولهذا صرّح بتعيين الإله الواحد في سورة آل عمران (62) في قوله تعالى: {أية : وما من إله إلاّ الله}تفسير : إذ المقام اقتضى تعيين انحصار الإلهيّة في الله تعالى دون عيسى ولم يجر فيه ذكر لتعدّد الآلهة. وقوله: {وإن لم ينتهوا عمّا يقولون لَيَمَسَّنّ الّذين كفروا منهم عذاب أليم} عطف على جملة {لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة}، أي لقد كفروا كفراً إن لم ينتهوا عنه أصابهم عذاب أليم. ومعنى {عمّا يقولون} أي عن قولهم المذكور آنفاً وهو {إنّ الله ثالث ثلاثة}. وقد جاء بالمضارع لأنّه المناسب للانتهاء إذ الانتهاء إنّما يكون عن شيء مستمرّ كما ناسب قوله {قَالوا} قولَهُ {لقد كفر}، لأنّ الكفر حصل بقولهم ذلك ابتداء من الزّمن الماضي. ومعنى {عمّا يقولون} عمّا يعتقدون، لأنّهم لو انتهوا عن القول باللّسان وأضمروا اعتقاده لما نفعهم ذلك، فلمّا كان شأن القول لا يصدر إلاّ عن اعتقاد كان صالحاً لأن يكون كناية عن الاعتقاد مع معناه الصّريح. وأكّد الوعيد بلام القسم في قوله {ليمسّنّ} ردّاً لاعتقادهم أنّهم لا تمسّهم النّار، لأنّ صلب عيسى كان كفّارة عن خطايا بني آدم. والمسّ مجاز في الإصابة، لأنّ حقيقة المسّ وضع اليد على الجسم، فاستعمل في الإصابة بجامع الاتّصال، كقوله تعالى: {أية : والّذين كذّبوا بآياتنا يمسّهم العذاب بما كانوا يفسقون}تفسير : [الأنعام: 49]، فهو دالّ على مطلق الإصابة من غير تقييد بشدّة أو ضعف، وإنّما يُرجع في الشدّة أو الضعف إلى القرينة، مثل {أليم} هنا، ومثل قوله {أية : بما كانوا يفسقون}تفسير : [الأنعام: 49] في الآية الأخرى، وقال يزيد بن الحكم الكلابي من شعراء الحماسة:شعر : مَسِسْنَا من الآباء شيئاً وكُلُّنا إلى حسب في قومه غيرِ واضع تفسير : أي تتبّعنا أصول آبائنا. والمراد بــ {الّذين كفروا} عينُ المراد بــ {الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة} فعُدل عن التّعبير عنهم بضميرهم إلى الصّلة المقرّرة لمعنى كفرهم المذكور آنفاً بقوله: {لقد كفر الّذين قالوا} إلخ، لقصد تكرير تسجيل كفرهم وليكون اسم الموصول مومئاً إلى سبب الحكم المخبر به عنه. وعلى هذا يكون قوله {مِنْهم} بياناً للّذين كفروا قصد منه الاحتراس عن أن يتوهّم السامع أنّ هذا وعيد لكفّار آخرين. ولمّا توعّدهم الله أعقب الوعيد بالترغيب في الهداية فقال: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه}. فالتّوبة هي الإقلاع عمّا هو عليه في المستقبل والرجوعُ إلى الاعتقاد الحقّ. والاستغفار طلب مغفرة ما سلف منهم في الماضي والنّدمُ عمّا فرط منهم من سوء الاعتقاد. وقوله {والله غفور رحيم} تذييل بثناء على الله بأنّه يغفر لمن تاب واستغفر ما سلف منه، لأنّ {غفور رحيم} من أمثلة المبالغة يدلاّن على شدّة الغفران وشدّة الرّحمة، فهو وعد بأنّهم إن تابوا واستغفروه رفَع عنهم العذَابَ برحمته وصفح عمّا سلف منهم بغفرانه.

الواحدي

تفسير : {لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثة} أَيْ: ثالث ثلاثةٍ من الآلهة، والمعنى: أنَّهم قالوا: اللَّهُ واحدُ ثلاثةِ آلهة: هو، والمسيح، ومريم؛ فزعموا أنَّ الإِلهيَّة مشتركة بين هؤلاء الثلاثة، فكفروا بذلك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ثالث ثلاثة: الثلاثة هي الأب والإبن وروح القدس: وكلها إله واحد. خلت من قبله الرسل: مضت قبله رسل كثيرون. وأمه صديقة: أي مريم كانت صديقة كثيرة الصدق في قولها وعملها. أنى يؤفكون: أي كيف يصرفون عن الحق وقد ظهر واضحاً. معنى الآيات: ما زال السياق في بيان كفر النصارى ففي السياق الأول ورد كفر من قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وفي هذا السياق كفر من قالوا إن الله ثالث ثلاثة إذ قال تعالى في هذه الآية [73] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة يعنون الأب والإبن وروح القدس، وبعضهم يقول الأب والإبن والأم، والثلاثة إله واحد فأكذبهم تعالى في قيلهم هذا فقال راداً باطلهم، {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} أي وليس الأمر كما يكذبون، وإنما الله إله واحد، وأما جبريل فأحد ملائكته وعيسى عبده ورسوله ومريم أمته فالكل عبد الله وحده الذي لا إله غيره ولا رب سواه. ثم قال تعالى متوعداً هؤلاء الكفرة الكذبة: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. فأقسم تعالى أنهم إن لم ينتهوا عن قولهم الباطل وهو كفر ليمسنهم عذاب أليم موجع غاية الإِيجاع. ثم لكمال رحمته عز وجل دعاهم في الآية الثانية [74] إلى التوبة ليتوب عليهم ويغفر لهم وهو الغفور الرحيم فقال عز وجل: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ} بترك هذا الكفر والباطل ويستغفرون الله منه والله غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين، وفي الآية الثالثة [75] أخبر تعالى معلماً رسوله الاحتجاج على باطل النصارى فقال: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ}، فلم يكن رباً ولا إلهاً وإنما هو رسول مفضل قد خلت من قبله رسل مفضلون كثيرون وأمه مريم لم تكن أيضاً إلهاً كما يزعمون، وإنما هي امرأة من نساء بني إسرائيل صديقة كثيرة الصدق في حياتها لا تعرف الكذب ولا الباطل وأنها وولدها عيسى عليهما السلام بشران كسائر البشر يدل على ذلك أنهما يأكلان الطعام احتياجاً إليه لأن بنيتهما لا تقوم إلا عليه فهل آكل الطعام افتقاراً إليه، ثم يفرز فضلاته يصلح أن يكون إلهاً. اللهم لا. وهنا قال لرسوله صلى الله عليه وسلم أنظر يا رسولنا كيف نبين لهم الآيات الدالة بوضوح على بطلان كفرهم، ثم انظر كيف يؤفكون عن الحق أي كيف يصرفون عنه وهو واضح بين. وفي الآية الأخيرة [76] أمر رسوله أن يقول لأولئك المأفوكين عن الحق المصروفين عن دلائله لا ينظرون فيها أمره أن يقول لهم موبخاً لهم: {أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} وهو عيسى وأمه، وتتركون عبادة من يملك ذلك، وهو الله السميع العليم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إبطال التثليث في عقيدة النصارى وتقرير التوحيد. 2- إبراء عيسى ووالدته عليهما السلام من دعوى الألوهية للناس. 3- فتح باب التوبة في وجه النصارى لو أنهم يتوبون. 4- تقرير بشرية عيسى ومريم عليهما السلام بدليل احتياجهما إلى الطعام لقوام بنيتهما، ومن كان مفتقراً لا تصح ألوهيته عقلاً وشرعاً. 5- ذم كل من يعبد غير الله إذ كل الخلائق مفتقرة لا تملك لنفسها ولا لعابدها ضراً ولا نفعاً، ولا تسمع دعاء من يدعوها، ولا تعلم عن حاله شيئاً، والله وحده السميع لأقوال كل عباده العليم بسائر أحوالهم وأعمالهم، فهو المعبود بحق وما عداه باطل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ثَلاَثَةٍ} {وَاحِدٌ} (73) - يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أنَّ الذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ هُمْ كُفَّارٌ، وَأنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إلاَّ إلَه وَاحِدٌ، وَهُوَ رَبُّ جَمِيعِ الكَائِنَاتِ وَإلهُهَا. وَيَتَوعَدُ اللهُ القَائِلِينَ (إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ مِنَ الأَقَانِيمِ)، وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ، لَيَمَسَّنَّ الذِينَ كَفُرُوا مِنْهُمْ، عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. (وَتَقُولُ فِئَةٌ مِنَ النَّصَارَى بِالأَقَانِيمِ الثَّلاَثَةِ، أقْنُومِ الأبِ، وَأقْنُومِ الابْنِ، وَأقْنُومِ الكَلِمَةِ المُنْبَثِقَةِ مِنَ الأبِ إلى الابْنِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن فالذين لا يعلنون التوبة عن ذلك يقعون في الكفر ويعذبون. ثم يقول الحق: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ...

الجيلاني

تفسير : {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} من عدم تحققهم بمقام التوحيد، وعدم تنبههم بمرتبة الفناء في الله: {إِنَّ ٱللَّهَ} المنزه عن التعدد، بل عن العدد مطلقاً {ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} واحد منها وأراد بالثلاثة هو ومريم وعيسى {وَ} الحال أنه {مَا مِنْ إِلَـٰهٍ} أي: في الوجود موجود {إِلاَّ إِلَـٰهٌ} موجود {وَاحِدٌ} محير للعقول والأبصار، ماحٍ لظلال السّوى الأغيار {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ} هؤلاء الظَّلَمة {عَمَّا يَقُولُونَ} من التثليث والتعدد في الألوهية {لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} أي: بقوا على كفرهم بلا إيمان إلى أن ماتوا عليه {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73] لا عذاب أشد منه، وهو حرمانهم عن مرتبة التوحيد التي هي مرتبة الخلافة والنيابة، أتصرون على هذا الكفر والضلال؟ {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ} ولا يؤمنون له {وَ} لا {يَسْتَغْفِرُونَهُ} عمَّا صدر عنهم من الجرائم العظام؟ حتى تقبل توبتهم وإيمانهم {وَٱللَّهُ} المنزه في ذاته عن كفرهم وإيمانهم {غَفُورٌ} لهم إن أخلصوا في توبتهم وإيمانهم {رَّحِيمٌ} [المائدة: 74] لهم، يقبل توبتهم ولم يأخذهم على ما صدر عنهم بعدما تابوا. {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} من الرسل العظام {قَدْ خَلَتْ} مضت {مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} مثله: ولم ينسبهم أحد إلى ما نسبوه {وَأُمُّهُ} أيضاً {صِدِّيقَةٌ} مقبولة عند الله، قد مضت مثلها كثيرة من الصادقات المقبولات، لم ينسبها أحد إلى ما نسبتموها وبالجلمة: كيف ينسبونها إلى الألوهية {كَانَا} مركَّبان {يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} بدلاً لا يتحلل والإله منزةٌ عن التركيب والتحليل، والأكل والشرب، والأبوة والأمومة وغيرها من أوصاف البشر {ٱنْظُرْ} أيها الناظر متعجباً {كَيْفَ نُبَيِّنُ} ونوضح {لَهُمُ ٱلآيَاتِ} الدلائل القاطعة، الدالة على عدم ليقاتها بمرتبة الألوهية، مع أنه لا حاجة إلى الدليل أصلاً عند من له أدنى درية {ثُمَّ ٱنْظُرْ} وازدد في تعجبك {أَنَّىٰ} كيف {يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75] يصرفون وجوه عقولهم عن طريق الحق وإسماع كلمة التوحيد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم قال تعالى: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [المائدة: 73]؛ يعني: في اللاهوتية كفرهم الله بأنهم أضافوا اللاهوتية إلى ثلاثة وأثبتوا عند ألهه، وهذا من غاية الخذلان، ويحكم العقل عليه بالبطلان أن عيسى ابن مريم عليه السلام كانا محدثين مخلوقين والمحدث المخلوق كيف يكون إلها خالقاً قديماً، وهذا لا يخفى على المجانين فكيف على العقلاء، فقال تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [المائدة: 73]، الذي هو صانع كل شيء وخالقه {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 73]، بما قالوا وبكفرهم {مِنْهُمْ} [المائدة: 73]؛ أي: من الذين لم ينتهوا عن هذا القول؛ لأن الله قدر لهم الكفر بين تقي منن تقي في بطن أمه {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73]، لا يفارقهم أبداً ألمه. ثم أخبر أن باب التوبة عليهم مفتوح، وأن الغفران ممنوح بقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 74]، إشارة أن الله تعالى نفى الأُلوهية عن عيسى عليه السلام وأثبت له بنوَّته من مريم، وأنه اشتملت عليه الأرحام وتناوبته الأيام، وأثبت له الرسالة وأثبت الرسل قبله، وإنهم قد خلوا، وإن ما يظهر منه من المعجزات فهو مثل ما كان يظهر من الرسل، وأثبت أنها مريم أم عيسى، وإن لها مقام الصديقية التي هي تتلو النبوة ونفى الإلهية عنها، وأثبت الحاجة الماسة إلى الطعام لها وإصابة الضرورة إلى أن يتخلصا من قضايا الطعام، احتج بهذه الضرورات البشرية عدم استحقاق الربوبية لهما ونفي الإلهية عنهما وغير ذلك من الأسرار والحقائق في ضمن هذه الكمالات البليغة الفصيحة المعدودة، وهي قوله تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} [المائدة: 75]، إلى قوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} [المائدة: 75]، ثم قال تعالى إظهاراً لما بين الآيات إلى {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ} [المائدة: 75]، وهي تضمين المعاني والحقائق الكثيرة في هذه الألفاظ اليسيرة، والآية الأخرى هي نفس عيسى ومريم، كقوله تعالى {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}تفسير : [المؤمنون: 50]، وذلك أن آية الأنبياء فيما غير أنفسهم إعجاز الخلق، وكان آية عيسى وأمه في نفسهما بأن مريم ولدت مولوداً من غير زوج، وأن عيسى ولد من غير أب إظهاراً للقدرة {ثُمَّ ٱنْظُرْ} [المائدة: 75]؛ أي: من جعلهم الله بالخذلان {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171]، {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75]؛ أي: يصرفون عن وجه الحق مع ظهور الآيات الدالة عن الحق.