٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فإن كان الله أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق البحرعلى يد موسى، وإن كان خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى {وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } وفي تفسير ذلك وجوه: أحدها: أنها صدقت بآيات ربها وبكل ما أخبر عنه ولدها. قال تعالى في صفتها {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ } تفسير : [التحريم: 12] وثانيها: أنه تعالى قال: {أية : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } تفسير : [مريم: 17] فلما كلمها جبريل وصدقته وقع عليها اسم الصديقة، وثالثها: أن المراد بكونها صديقة غاية بعدها عن المعاصي وشدة جدها واجتهادها في إقامة مراسم العبودية، فإن الكامل في هذه الصفة يسمى صديقاً قال تعالى: {أية : فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ وَٱلصّدّيقِينَ } تفسير : [النساء: 69]. ثم قال تعالى: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ }. واعلم أن المقصود من ذلك: الاستدلال على فساد قول النصارى، وبيانه من وجوه: الأول: أن كل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقاً لا إلۤهاً، والثاني: أنهما كانا محتاجين، لأنهما كانا محتاجين إلى الطعام أشد الحاجة، والإلۤه هو الذي يكون غنياً عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلۤهاً. الثالث: قال بعضهم: إن قوله {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } كناية عن الحدث لأن من أكل الطعام فإنه لا بدّ وأن يحدث، وهذا عندي ضعيف من وجوه: الأول: أنه ليس كل من أكل أحدث، فإن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون. الثاني: أن الأكل عبارة عن الحاجة إلى الطعام، وهذه الحاجة من أقوى الدلائل على أنه ليس بإلۤه، فأي حاجة بنا إلى جعله كناية عن شيء آخر. الثالث: أن الإلۤه هو القادر على الخلق والايجاد، فلو كان إلۤهاً لقدر على دفع ألم الجوع عن نفسه بغير الطعام والشراب، فما لم يقدر على دفع الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلۤهاً للعالمين، وبالجملة ففساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل. ثم قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ ٱلأَيَـٰتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } يقال: أفكه يأفكه إفكاً إذا صرفه، والإفك الكذب لأنه صرف عن الحق، وكل مصروف عن الشيء مأفوك عنه، وقد أفكت الأرض إذا صرف عنها المطر، ومعنى قوله {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ } أنى يصرفون عن الحق، قال أصحابنا: الآية دلت على أنهم مصروفون عن تأمل الحق، والإنسان يمتنع أن يصرف نفسه عن الحق والصدق إلى الباطل والجهل والكذب، لأن العاقل لا يختار لنفسه ذلك، فعلمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي صرفهم عن ذلك. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} ابتداء وخبر؛ أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل؛ فإن كان إلٰهاً فليكن كل رسول إلٰهاً؛ فهذا ردّ لقولهم واحتجاج عليهم، ثم بالغ في الحجة فقال: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} ابتداء وخبر {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} أي أنه مولود مربوب، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين؛ ولم يدفع هذا أحد منهم، فمتى يصلح المربوب لأن يكون رباً؟! وقولهم: كان يأكل بناسوتِهِ لا بِلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط، ولا يتصور ٱختلاط إلٰه بغير إله، ولو جاز ٱختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثاً، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يُقال: اللاهوت مخالط لكل محدث. وقال بعض المفسرين في قوله: {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} إنه كناية عن الغائط والبول. وفي هذا دلالة على أنهما بشران. وقد ٱستدل من قال: إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ}. قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صِدّيقة مع كونها نبية كإدريس عليه السلام؛ وقد مضى في «آل عمران» ما يدل على هذا. والله أعلم. وإنما قيل لها صدّيقة لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به؛ عن الحسن وغيره. والله أعلم. قوله تعالى {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ} أي الدلالات. {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الحق بعد هذا البيان؛ يقال: أَفَكَه يأفِكُه إذا صرفه. وفي هذا رد على القَدَرية والمعتزلة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ } مضت {مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ } فهو يمضي مثلهم وليس بإله كما زعموا وإلا لما مضى {وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } مبالغة في الصدق {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } كغيرهما من الحيوانات ومن كان كذلك لا يكون إلهاً لتركيبه وضعفه وما ينشأ منه من البول والغائط {أَنظُرْ } متعجباً {كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ ٱلأَيَٰتِ } على وحدانيتنا {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ } كيف {يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن الحق مع قيام البرهان.
ابن عادل
تفسير : وهذا كقوله تعالى: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} تفسير : [آل عمران: 144]. و"قَدْ خَلَتْ" صفةٌ له كما في الآيةِ الأخرى، وتقدَّم معنى الحصر أي: ما هُو إلاَّ رسول من جنسِ الذين مَضَوْا من قَبْلِهِ، وليْسَ بإله، كما أنَّ الرُّسُل الذين مَضَوْا لم يكونوا آلهَةً، وجاء بالبَيِّنَات من اللَّهِ كما أتَوْا بأمْثَالِهَا، وإنَّ إبراءَ عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وإحْيَاء الموتى فبإذْنِ اللَّهِ على يدهِ من اللَّه، كما أحيا مُوسَى العَصَا، وجعلها حَيَّة تَسْعَى، وفُلِقَ له البحر، وضرب الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً، وإن كان خلقَهُ من غير ذكرٍ، فقد خلق اللَّهُ - تعالى - آدَمَ من غَيْرِ ذكرٍ ولا أنْثَى. وقوله تعالى: "وأمُّهُ صدِّيقةٌ" ابتداءٌ وخبرٌ، ولا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب، و"صِدِّيقةٌ" تأنيثُ "صدِّيق"، وهو بناءُ مبالغةٍ كـ "فعَّال" و"فَعُول"، إلا أنه لا يعملُ عمل أمثلةِ المبالغة، فلا يقال: "زَيْدٌ شِرِّيبٌ العسلَ"؛ كما يقال: "شرَّابٌ العَسَل"، وإن كان القياس إعماله، وهل هو مِنْ "صَدَقَ" الثلاثيِّ، أو من "صَدَّقَ" مضعَّفاً؟ القياسُ يقتضي الأولَ، لأنَّ أمثلةَ المبالغةِ تطَّرِدُ من الثلاثي دون الرباعيِّ، فإنه لم يَجيء منه إلا القليلُ، وقال الزمخشري: "إنه من التَّصْديقِ"، وكذا ابنُ عطية، إلا أنَّه جعله محتملاً، وهذا واضحٌ لقوله: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا} تفسير : [التحريم: 12]، فقد صرَّح بالفعل المسند إليها مضعَّفاً، وعلى الأول معناه أنَّها كثيرةُ الصِّدْقِ. وقوله تعالى: {كَانَا يأكُلانِ الطَّعامَ} لا محلَّ له؛ لأنه استئنافٌ وبيان لكونهما كسائر البشرِ في احتياجهما إلى ما يحتاج إليه كلُّ جِسْمٍ مُولدٍ، والإلهُ الحقُّ سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك، وقال بعضهم: "هو كنايةٌ عن احتياجهما إلى التَّغَوُّطِ" وهُو ضعيفٌ مِنْ وُجُوه: الأول: أنَّهُ ليْسَ كُلُّ من أكل أحْدَث، فإنَّ أهل الجَنَّةِ يأكلون ولا يُحْدِثُون. الثاني: أنَّ الأكْلَ عبارةٌ عن الحاجَةِ إلى الطَّعَامِ وهذه الحاجَةُ من أقْوى الدَّلائلِ على أنَّهُ ليس بإله، فأي حَاجَةٍ إلى جَعْلِهِ كِنَايَةً عن شَيْءٍ آخر؟ الثالث: أنَّ الإله هو القادِرُ على الخَلْقِ والإيجَادِ، فلو كانَ إلهاً لقدر على دَفْعِ ألَم الْجُوعِ عن نَفْسِهِ بِغَيْرِ الطَّعَامِ، فلمَّا لم يقدر على دَفْعِ الضَّررِ عن نَفْسِه، كيف يُعْقَلُ أن يكُون إلهاً للعالمين؟! والمقصودُ من هذا: الاستِدلاَلُ على فَسَادِ قَوْلِ النَّصَارَى، فإنّ من كان له أمٌّ فقد حَدَثَ بَعْدَ أن لَمْ يكُنْ، وكلُّ من كان كذلك كان مَخْلُوقاً لا إلهاً، وكُلُّ من احْتَاجَ إلى الطَّعَام أشَدَّ الحاجَةِ لَمْ يكن إلهاً؛ لأنَّ الإله هُوَ الَّذِي يكونُ غَنِيّاً عن جَمِيعِ الأشْيَاء، وبالجُمْلَةِ فسادُ قولِ النَّصَارى أظْهَرُ من أن يُحْتَاجَ فيه إلى دَليلٍ. قوله تعالى: "كَيْفَ" منصوب بقوله: "نُبَيِّنُ" بعده، وتقدم ما فيه في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ} تفسير : [البقرة: 28] وغيره، ولا يجوز أن يكون معمولاً لما قبله؛ لأن له صدر الكلام، وهذه الجملة الاستفهامية في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلِّقةٌ لفعل قبلها، وقوله: {ثُمَّ انظُرْ أنَّىٰ يُؤفَكُونَ} كالجملةِ قبلَها، و"أنَّى" بمعنى "كَيْفَ"، و"يُؤفَكُونَ" ناصبٌ لـ "أنَّى" ويُؤفَكُونَ: بمعنى يُصْرَفُونَ. وفي تكرير الأمر بقوله: "انْظُرْ" "ثُمَّ انْظُرْ" دلالةٌ على الاهتمام بالنظرِ، وأيضاً: فقد اختلف متعلَّقُ النظريْنِ؛ فإنَّ الأولَ أمرٌ بالنظَرِ في كيفية إيضاحِ الله تعالى لهم الآياتِ، وبيانها؛ بحيث إنه لا شكَّ فيها ولا ريب، والأمرُ الثاني بالنَّظَر في كونهم صُرِفُوا عن تدبُّرها والإيمان بها، أو بكونِهِم قُلِبُوا عمَّا أريدَ بهم، قال الزمخشريُّ: "فإنْ قلت: ما معنى التراخي في قوله: "ثُمَّ انْظُرْ"؟ قلت: معناه ما بين التعجُّبَيْنِ، يعني: أنه بيَّن لهم الآياتِ بياناً عجباً، وأنَّ إعراضهم عنها أعْجَبُ منه". انتهى، يعني: أنه من باب التراخِي في الرُّتَبِ، لا في الأزمنةِ، ونحوه {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 1] وسيأتي. فصل في معنى الإفك يُقَالُ: أفَكَهُ يأفِكُهُ إفْكاً إذا صَرَفَهُ، والإفْكُ: الكَذِبُ؛ لأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، وكُلُّ مَصْرُوفٍ عَنِ الشَّيْء مأفوكٌ عنه. وقد أفَكَت الأرْضُ، إذا صُرِفَ عَنْهَا المَطَرُ. والمعنى: كَيْف يصرفون عن الحَقِّ؟ قال أهْلُ السُّنَّةِ: دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُمْ مَصْرُوفُون عن تَأمُّلِ الحَقِّ، والإنْسَان يمتنع أن يَصْرِفَ نَفْسَهُ عن الحقِّ والصِّدْق إلى البَاطِلِ والجَهْلِ والْكَذِب، لأنَّ العاقل لا يختار لِنَفْسِه ذلك، فَعَلِمْنَا أنَّ الله تعالى صَرَفَهُمْ عن ذلك.
القشيري
تفسير : مَنْ اشتملت عليه الأرحامُ، وتناوبته الآثار المتعاقبة أنَّى يليق بوصف الإلهية؟ ثم مَنْ مَسَّتْه الحاجةُ حتى اتصف بالأكل وأصابته الضرورةُ إلى أن يَخْلُصَ من بقايا الطعام فَأَنَّى يليق به استيجابُ العبادة والتسميةُ بالإلهية؟ انظر - يا محمد - كيف نزيد في إيضاح الحجة وكيف تلبَّس عليهم سلوكُ المحجة؟
اسماعيل حقي
تفسير : {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} اى ما هو الا مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها كالرسل الماضية من قبله خصه الله تعالى بآيات كما خصهم بها فان احيى الموتى على يده فقد احيى العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو اعجب وان خلقه من غير اب فقد خلق آدم من غير اب وام وهو اغرب منه وكل ذلك من جنابه عز وجل وانما موسى وعيسى مظاهر شؤونه وافعاله {وامه صديقة} اى ما امه ايضا الا كسائر النساء اللاتى يلازمن الصدق اى صدق الاقوال فى المعاملة مع الخلق وصدق الافعال والاحوال فى المعاملة مع الخالق لا يصدر منهن ما يكذب دعوى العبودية والطاعة {كانا يأكلان الطعام} ويفتقران اليه افتقار الحيوانات فكيف يكون آلٰهً من لا يقيمه الا اكل الطعام {انظر كيف نبين لهم الآيات} الباهرة المنادية ببطلان ما تقولوا عليهما نداء يكاد يسمعه صم الجبال {ثم انظر أنى يؤفكون} اى كيف يصرفون عن استماعها والتأمل فيها. وثم لاظهار ما بين العجبين من التفاوت اى ان بياننا الآيات امر بديع فى بابه واعراضهم عنها مع تعاضد ما يوجب قبولها ابدع.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس المسيح بن مريم إِلا رسول أرسله الله {قد خلت من قبله الرسل} أي انه رسول ليس بإِله كما ان الأنبياء قبله رسل ليسوا بآلهة. وانه أتى بالمعجزات من قبل الله كما أتوا بها من قبل ربهم، فمن ادعى له الآلهية فهو كمن ادعى الالهية لجميعهم لتساويهم في المنزلة ومعنى "خلت" مضت. {وأمه صديقة} قيل في معناه قولان: أحدهما - أنها كانت تصدق بآيات ربها ومنزلة ولدها، وتصدقه فيما أخبرها به بدلالة قوله {أية : وصدقت بكلمات ربها } تفسير : ذكر ذلك الحسن، والجبائي. الثاني - لكثرة صدقها وعظم منزلتها فيما تصدق به من أمرها أو سميت صديقة على وجه المبالغة، كما قيل: رجل سكيت. أي مبالغ في السكوت. وقوله {كانا يأكلان الطعام} فيه احتجاج على النصارى، لأن من ولدته النساء، وكان يأكل الطعام لا يكون إِلها للعباد لأن سبيله سبيلهم في الحاجة الى الصانع المدبر، لأن من فيه علامة الحدث، لا يكون قديماً. ومن يحتاج الى غيره لا يكون قادراً لا يعجزه شئ وقيل إِن ذلك كناية عن قضاء الحاجة لأن من أكل الطعام لا بد أن يحدث حدثاً مخصوصاً على مجرى العادة. وقوله {انظر كيف نبين لهم الآيات} أمر للنبي وامته بأن يفكروا فيما بين الله من الآيات والدلالات لهم على بطلان ما اعتقدوه من ربوبية المسيح، وبنوته ثم أمره بأن ينظر ثانياً {أنى يؤفكون} أي كيف يؤفكون. وقيل من أين يؤفكون ومعنى {يؤفكون} يصرفون. وقيل يقلبون. والمعنى متقارب، لأن المعنى انظر كيف يصرفون عن الآيات التي بيناها لهم ويقال: لكل مصروف عن شئ مأفوك عنه، وقد افكت فلاناً عن كذا أي صرفته عنه صرفاً. فأنا آفكه إفكاً فهو مأفوك وقد أفكت الأرض إِذا صرف عنها المطر، والافك الكذب، لأنه صرف الخبر عن وجهه. والمؤتفكات المنقلبات من الرياح، وغيرها، لأنها صرفت بقلبها عن وجهها.
الجنابذي
تفسير : {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} لا آله كما قال الفرقة الاولى ولا واحد الالهة كما قال الفرقة الثّانية {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} صدقت عن الاعوجاج قولاً وفعلاً وحالاً، وصدّقت بكلمات ربّها وكتبه ورسله والدّليل على انّهما ليسا آلهين انّهما {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} فيشتركان معكم فى اخسّ احوالكم وهو الاحتياج الى الاكل، وهو كناية عن الاحتياج الى التخلّى ومن كان محتاجاً مبتلى بأخسّ الاحوال لا يصير آلهاً فى ارفع المقام {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ} يعنى انظر الى بياننا العجيب لآيات القرآن فى بيان حال عيسى (ع) وامّه مناسباً لفهمهم وشأنهم بحيث لا يمكن لهم انكاره، أو انظر الى بياننا لآياتنا الّتى منها عيسى (ع) وامّه (ع) بحيث يدرَكه كلّ احد ولا يبقى له ريب {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تخليل ثمّ للتّفاوت بين التّعجّبين يعنى انصرافهم عن الحقّ فى عيسى (ع) وامّه (ع) بعد هذا البيان او بعد ما رأوا منهم وعلموا هذه الحالة الخسيسة اعجب من كلّ عجيب.
اطفيش
تفسير : {مَا المَسِيحٌ ابنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ}: أى ليس هو الله، ولا ثالث ثلاثة، ولا ابن الله، بل هو مجرد رسول من جنس الرسل قبله كما قال. {قَدْ خَلَت مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ}: نعت لرسول، أو خبر ثان خلقه الله بلا أب كما خلق آدم بلا أب ولا أم وأحيا أمواتاً باذن الله كما أحيا بعض الرسل أمواتاً أكثر، وكما أحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضا كما فى السير، وكذا أحيا لموسى العصى حية تسعى. {وَأُمُهُ صِدِّيقَةٌ}: كثيرة الصدق لا يصدر منها سوء كسائر المسلمات الصادقات اللازمات للصدق، فليست باله، وهذا أبو بكر يسمى الصديق، وقيل: سميت صديقة لأنها صدقت بكلمات ربها وكتابه. {كَانَا يَأكُلانِ الطَّعَامَ}: كسائر الأنبياء والناس والحيوانات، ومعلوم بأكل الطعام والعادة أنهما يشربان، وكذلك يبولان ويتغوطان، والاله لا يحتاج الى شىء يحيا به ولا يلحقه جوع أو عطش وألمهما، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يكون جسماً ولا عرضاً. {انُظرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ}: يا محمد وهن آيات قواطع فى بطلان اعتقادهم. {ثُمَّ انظُر أنَّى}: كيف. {يُؤفَكُونَ}: يصرفون عن الحق مع وجود هؤلاء الآيات، وثم للتراخى فى المرتبة لا فى النسبة تفيد ان صرفهم عن الحق مع هذه الآيات أشد استبعاداً من احتياجهم الى التبيين فى ذلك، كذا ظهر لى أو بيناه لهم بياناً عجيباً واعراضهم أعجب، وكل من العجيبين فى نوعه.
اطفيش
تفسير : {مَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} إِنما هو رسول من الله لا أُلوهية له، وكيف يكون إِلها من يتصف بالبنوة {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} جاءُوا بما لم يجئ به غيرهم ومع مجيئهم بما لم يجئ به غيرهم لم تدعهم أَممهم آلهة فلا كفر ككفر النصارى، بل قد كان فيهم مثل ما لعيسى من إِحياء الموتى على أَيديهم وإِحياء الجماد ومن خلق من غير أَب ولا أُم وقد أَخرج الله عز وجل للنبى العربى صالح عليه السلام ناقة من صخرة وأَحيا الله عصا موسى عليه السلام وخلق آدم بلا أَب ولا أُم وخلق حواءَ بلا أَب ولا أُم سوى أَنها جزء من آدم وكل ذلك أَعجب {وَأُمُّهُ صِديقَةٌ} لا إِله، كما أَنه رسول لا إِله وهى كسائر النساءٍ الصديقات كما أَن عيسى من الرسل، والصديق بالشد من كان صادقا مع الله ومع الخلق قولا وفعلا واعتقادا مجتهدا في ذلك، وكم امرأَة صديقة لم يدع قومها أَنها إِله ولو كان عيسى وأُمه إِلهين لقالا إِنا إِلهان وصدقها هو صدقها مع الله عز وجل، وفي انتفائها ما رمتها به اليهود، وفي إقرارها بكلمات ربها وكتابه وبالأنبياء وجميع ما يؤمن به {كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعامَ} ومن يأْكل الطعام هو كسائر البشر وسائر الحيوان لا يكون إِلها لحدوثه وتركبه واحتياجه وعجزه وجهله بأَكثر الأَشياء ومن يبول ويتغوط كيف يكون إِلها، ومن يركب الحمار ويعيا كيف يكون إِلها، ومن يكون إِلها لا يصيبه مكروه وقيل المراد بأَكل الطعام الكناية عن قضاءِ حاجة الإِنسان وهذا أَمر ذوقا في سماع النصارى ولم أَر أَبعد فهما وجدالا من النصارى وماسمعنا به {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ} على اختصاصنا بالأُلوهية والوحدانية وهو تعجيب من البيان العظيم {ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى} كيف {يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن التوحيد مع ذلك البيان العظيم، وهذا تعجيب من إِصرارهم على الشرك مع هذا البيان وعدم تدبرهم، وثم لتراخى الرتبة فان إِعراضهم عن التدبر في البيان الواضح أَبعد فإِن الإِنسان قد يفعل ما يفعل جهلا أَو تشهيا فإِذا وعظ وبين له رجع كل الرجوع أَو بعضه والنصارى لم يرجعوا أَدنى رجوع.
الالوسي
تفسير : {مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ} استئناف مسوق لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه، وبيان حقيقة حاله عليه السلام وحال أمه بالإشارة أولاً: إلى ما امتازا به من نعوت الكمال حتى صارا من أكمل أفراد الجنس، وآخراً إلى الوصف المشترك بينهما وبين أفراد البشر، بل أفراد الحيوانات، وفي ذلك استنزال لهم بطريق التدريج عن رتبة الإصرار، وإرشاد إلى التوبة والاستغفار أي هو عليه السلام مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها إلى ما يزعم النصارى فيه عليه الصلاة والسلام، وهو قوله سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} صفة رسول منبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية، فإن خلو الرسل قبله منذر بخلوه، وذلك مقتض لاستحالة الألوهية أي ما هو إلا رسول كالرسل الخالية قبله خصه الله تعالى ببعض الآيات كما خص كلاً منهم ببعض آخر منها، ولعل ما خص به غيره أعجب وأغرب مما خصه به، فإنه عليه الصلاة والسلام إن أحيا من مات من الأجسام التي من شأنها الحياة، فقد أحيا موسى عليه الصلاة والسلام الجماد، وإن كان قد خلق من غير أب، فآدم عليه الصلاة والسلام قد خلق من غير أب وأم، فمن أين لكم وصفه بالألوهية؟! {وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ} أي وما أمه أيضاً إلا كسائر النساء اللواتي يلازمن الصدق أو التصديق ويبالغن في الاتصاف به، فمن أين لكم وصفها بما عري عنه أمثالها؟! والمراد بالصدق هنا صدق حالها مع الله تعالى، وقيل: صدقها في براءتها مما رمتها به اليهود، والمراد بالتصديق تصديقها بما حكى الله تعالى عنها بقوله سبحانه: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـٰتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ} تفسير : [التحريم: 12]. وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي، وقيل: تصديقها بالأنبياء، والصيغة كيفما كانت للمبالغة ـ كشريب ـ / ورجح كونها من الصدق بأن القياس في صيغة المبالغة الأخذ من الثلاثي لكن ما حكي ربما يؤيد أنها من المضاعف، والحصر الذي أشير إليه مستفاد من المقام والعطف ـ كما قال العلامة الثاني ـ وتوقف في ذلك بعضهم، وليس في محله، واستدل بالآية من ذهب إلى عدم نبوة مريم عليها السلام، وذلك أنه تعالى شأنه إنما ذكر في معرض الإشارة إلى بيان أشرف ما لها الصديقية، كما ذكر الرسالة لعيسى عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك المعرض، فلو كان لها عليها السلام مرتبة النبوة لذكرها سبحانه دون الصديقية لأنها أعلى منها بلا شك، نعم الأكثرون على أنه ليس بين النبوة والصديقية مقام، وهذا أمر آخر لا ضرر له فيما نحن بصدده. {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} استئناف لا موضع له من الإعراب مبين لما أشير إليه من كونهما كسائر أفراد البشر، بل أفراد الحيوان في الاحتياج إلى ما يقوم به البدن من الغذاء، فالمراد من ـ أكل الطعام ـ حقيقته، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقيل: هو كناية عن قضاء الحاجة لأن من أكل الطعام احتاج إلى النفض، وهذا أمرّ ذَوْقاً في أفواه مدعي ألوهيتهما لما في ذلك مع الدلالة على الاحتياج المنافي للألوهية بشاعة عرفية، وليس المقصود سوى الرد على النصارى في زعمهم المنتن واعتقادهم الكريه، قيل: والآية في تقديم ما لهما من صفات الكمال، وتأخير ما لأفراد جنسهما من نقائص البشرية على منوال قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 43] حيث قدم سبحانه العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم لئلا توحشه مفاجأته بذلك. وقوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ ٱلأَيَـٰتِ} تعجيب من حال الذين يدعون لهما الربوبية ولا يرعوون عن ذلك بعدما بين لهم حقيقة الحال بياناً لا يحوم حوله شائبة ريب، والخطاب إما لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام، أو لكل من له أهلية ذلك، و {كَيْفَ} معمول ـ لنبين ـ والجملة في موضع النصب معلقة للفعل قبلها، والمراد من الآيات الدلائل أي ـ انظر كيف نبين لهم الدلائل ـ القطعية الصادعة ببطلان ما يقولون. {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يصرفون عن الإصاخة إليها والتأمل فيها لسوء استعدادهم وخباثة نفوسهم، والكلام فيه كما مر فيما قبله، وتكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، و {ثُمَّ} لاظهار ما بين العجبين من التفاوت، أي إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه بالغ لأقصى الغايات من التحقيق والإيضاح، وإعراضهم عنها ـ مع انتفاء ما يصححه بالمرة وتعاضد ما يوجب قبولها ـ أعجب وأبدع، ويجوز أن تكون على حقيقتها، والمراد منها بيان استمرار زمان بيان الآيات وامتداده، أي أنهم مع طول زمان ذلك لا يتأثرون، ويؤفكون.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لتبيان وصف المسيح في نفس الأمر ووصففِ أمّه زيادة في إبطال معتقد النّصارى إلهيّة المسيح وإلهيّة أمّه، إذ قد عُلم أنّ قولهم {أية : إنّ الله ثالث ثلاثة}تفسير : [المائدة: 73] أرادوا به إلهيّة المسيح. وذلك مُعتقد جميع النّصارى. وفرّعت طائفة من النّصارى يُلَقَّبون (بالرّكُوسِيَّةِ) (وهم أهل ملّة نصرانيّة صابئة) على إلهيةِ عيسى إلهيَّةَ أمّه ولولا أنّ ذلك معتقدهم لما وقع التّعرض لوصف مَريم ولا للاستدلال على بَشَرِيَّتها بأنّهما كانا يأكلان الطّعام. فقوله: {ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول} قصرُ موصوففٍ على صفة، وهو قصر إضافي، أي المسيح مقصور على صفة الرّسالة لا يتجاوزها إلى غيرها، وهي الإلهيّة. فالقصر قصر قلب لردّ اعتقاد النّصارى أنّه الله. وقوله: {قد خلت من قبله الرّسل} صفة لرسول أريد بها أنّه مساو للرّسل الآخرين الّذين مضوا قبله، وأنّه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختصّ فيه بخصوصيّة لم تكن لغيره في وصف الرّسالة، فلا شبهة للّذين ادّعوا له الإلهيّة، إذ لم يجىء بشيء زائد على ما جاءت به الرسل، وما جرت على يديه إلاّ معجزات كما جرت على أيدي رُسل قبله، وإن اختلفت صفاتها فقد تساوت في أنّها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض، فما كان إحياؤه الموتى بحقيق أن يوهم إلهيّتَه. وفي هذا نداء على غباوة القوم الّذين استدلّوا على إلهيّته بأنّه أحيا الموتى من الحيوان فإنّ موسى أحيا العصا وهي جماد فصارت حيّة. وجملة {وأمّه صدّيقة} معطوفة على جملة {ما المسيح ابن مريم إلاّ رسول}. والقصد من وصفها بأنّها صدّيقة نفيُ أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، وهو وصف الإلهيّة، لأنّ المقام لإبطال قول الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة، إذْ جعلوا مريم الأقنوم الثالث. وهذا هو الّذي أشار إليه قول صاحب «الكشاف» إذ قال «أي وما أمّه إلاّ صديقة» مع أنّ الجملة لا تشتمل على صيغة حَصر. وقد وجّهه العلامة التفتزاني في «شرح الكشّاف» بقوله: «الحصر الّذي أشار إليه مستفاد من المقام والعطف» (أي من مجموع الأمرين). وفي قول التفتزاني: والعطف، نظر. والصدِّيقة صيغة مبالغة، مثل شِرِّيب ومسِّيك، مبالغة في الشُّرب والمَسْك، ولَقَببِ امرىء القيس بالمَلك الضّلِّيل، لأنّه لم يهتد إلى ما يسترجع به مُلك أبيه. والأصل في هذه الصيغة أن تكون مشتقّة من المجرّد الثّلاثي. فالمعنى المبالغة في وصفها بالصدق، أي صدق وعد ربّها، وهو ميثاق الإيمان وصدقُ وعد النّاس. كما وُصف إسماعيل ـــ عليه السّلام ـــ بذلك في قوله تعالى: {أية : واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد}تفسير : [مريم: 54]. وقد لقّب يوسف بالصدّيق، لأنّه صَدَق وعد ربّه في الكفّ عن المحرّمات مع توفر أسبابها. وقيل: أريد هنا وصفها بالمبالغة في التّصديق لقوله تعالى: {أية : وصدّقت بكلمات ربّها}تفسير : [التحريم: 12]، كما لقّب أبو بكر بالصدّيق لأنّه أوّل من صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: {أية : والّذي جاء بالصّدق وصدّق به}تفسير : [الزمر: 33]، فيكون مشتقّاً من المزيد. وقوله: {كانا يأكلان الطّعام} جملة واقعة موقع الاستدلال على مفهوم القصر الّذي هو نفي إلهيّة المسيح وأمّه، ولذلك فصلت عن الّتي قبلها لأن الدّليل بمنزله البيان، وقد استدلّ على بشريتهما بإثبات صفة من صفات البشر، وهي أكل الطّعام. وإنَّما اختيرت هذه الصّفة من بين صفات كثيرة لأنّها ظاهرة واضحة للنّاس، ولأنّها أثبتتها الأناجيل؛ فقد أثبتت أنّ مريم أكلت ثَمر النخلة حين مخاضها، وأنّ عيسى أكل مع الحواريين يوم الفِصْح خبزاً وشرب خمراً، وفي إنجيل لوقاً إصحاح22 «وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفِصحَ معكم قبل أن أتألّم لأنّي لا آكل منه بعدُ، وفي الصبح إذْ كان راجعاً في المدينة جاع». وقوله: {انظر كيف نبيّن لهم الآيات} استئناف للتعجيب من حال الّذين ادّعوا الإلهيّة لعيسى. والخطاب مراد به غيرُ معيّن، وهو كلّ من سمع الحجج السابقة. واستُعمل الأمر بالنّظر في الأمر بالعِلم لتشبيه العالم بالرأي والعلممِ بالرؤية في الوضوح والجلاء، وقد تقدّمت نظائره. وقد أفاد ذلك معنى التعجيب. ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول ـــ عليه السّلام ـــ. والمراد هو وأهل القرآن. و{كيف} اسم استفهام معلِّق لفعل {انظر} عن العمل في مفعولين، وهي في موضع المفعول به لــ {انظر}، والمعنى انظر جواب هذا الاستفهام. وأريد مع الاستفهام التعجيب كناية، أي انظر ذلك تجد جوابك أنّه بيان عظيم الجلاء يتعجّب النّاظر من وضوحه. والآيات جمع آية، وهي العلامة على وجود المطلوب، استعيرت للحجّة والبرهان لشبهه بالمكان المطلوب على طريق المكنية، وإثبات الآيات له تخييل، شبّهت بآيات الطّريق الدّالة على المكان المطلوب. وقوله: {ثمّ انظر أنّى يؤفكون} (ثمّ) فيه للترتيب الرتبي والمقصود أنّ التأمّل في بيان الآيات يقتضي الانتقال من العجب من وضوح البيان إلى أعجب منه وهو انصرافهم عن الحقّ مع وضوحه. و{يؤفكون} يصرفون، يقال: أفكَهُ من باب ضَرب، صَرفه عن الشّيء. و{أنَّى} اسم استفهام يستعمل بمعنى من أين، ويستعمل بمعنى كيف. وهو هنا يجوز أن يكون بمعنى كيفَ (كما) في «الكشاف»، وعليه فإنّما عدل عن إعادة {كيف} تفنّناً. ويجوز أن تكون بمعنى من أين، والمعنى التعجيب من أين يتطرّق إليهم الصّرف عن الاعتقاد الحقّ بعد ذلك البيان المبالغ غاية الوضوح حتّى كان بمحلّ التّعجيب من وضوحه. وقد علّق بــ {أنَّى} فعل {انظر} الثّاني عن العمل وحذف متعلّق {يؤفكون} اختصاراً، لظهور أنّهم يصرفون عن الحقّ الّذي بيّنته لهم الآيَات.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ}. ذكَر في هذه الآية الكريمة أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام، وذكر في مواضع أخر، أن جميع الرسل كانوا كذلك. كقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَام} تفسير : [الفرقان: 20] الآية، وقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَام} تفسير : [الأنبياء: 8] الآية، وقوله: {أية : وَقَالُواْ مَا لِهَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ} تفسير : [الفرقان: 7] الآية، وقوله تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} معنى قول: {يُؤْفَكُونَ} يصرفون عن الحقّ، والمراد بصرفهم عنه، قول بعضهم: إن الله هو المسيح بن مريم، وقول بعضهم: إن الله ثالث ثلاثة، وقول بعضهم: عزير ابن الله - سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، وعلى من يقول ذلك لعائن الله إلى يوم القيامة، فإنهم يقولون هذا الأمر الذي لم يقل أحد أشنع منه ولا أعظم، مع ظُهور أدلة التوحيد المبينة له، ولذا قال تعالى: {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} على سبيل التعجب من أمرهم، كيف يُؤفكون إلى هذا الكفر مع وُضوح أدِلة التوحيد؟!
الواحدي
تفسير : {ما المسيحُ ابن مريم إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل} أَيْ: إنَّه رسولٌ ليس بإلهٍ، كما أنَّ مَنْ قبله كانوا رسلاً {وأمه صديقة} صدَّقت بكلمات ربِّها وكتبه {كانا يأكلان الطعام} يريد: هما لحمٌ ودمٌ يأكلان ويشربان، ويبولان ويتغوَّطان، وهذه ليست من أوصاف الإِلهيَّة {انظر كيف نبيِّن لهم الآيات} نفسِّر لهم أمر ربوبيتي {ثم انظر أنى يؤفكون} يُصرفون عن الحقِّ الذي يؤدِّي إليه تدبُّر الآيات. {قل} للنَّصارى: {أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} يعني: المسيح؛ لأنَّه لا يملك ذلك إلاَّ الله عزَّ وجلَّ {والله هو السميع} لكفركم {العليم} بضميركم. {قل يا أهل الكتاب} يعني: اليهود والنَّصارى {لا تغلوا في دينكم} لا تخرجوا عن الحدِّ في عيسى، وغُلوُّ اليهود فيه بتكذيبهم إيَّاه، ونسبته إلى أنَّه لغير رِشدة، وغُلوُّ النصارى فيه ادِّعاؤهم الإِلهيَّة له، قوله: {غير الحق} أَيْ: مخالفين للحق {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} يعني: رؤساءهم الذين مضوا من الفريقين: أَيْ: لا تتبعوا أسلافكم فيما ابتدعوه بأهوائهم {وضلوا عن سواء السبيل} عن قصد الطَّريق بإضلالهم الكثير. {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} يعني: أصحاب السَّبت، وأصحاب المائدة {على لسان داود} لأنَّهم لمَّا اعتدوا قال داود عليه السَّلام: اللَّهم العنهم واجعلهم آيةً لخلقك، فمسخوا قردة [على لسان داود] {وعيسى ابن مريم} عليه السَّلام؛ لأنَّه لعن مَنْ لم يؤمن من أصحاب المائدة، فقال: اللهم العنهم كما لعنتَ السَّبت، فمسخوا خنازير. {كانوا لا يتناهون} لا ينتهون {عن منكر فعلوه}. {ترى كثيراً منهم} من اليهود {يتولون الذين كفروا} كفَّار مكة {لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم} بئسما قدَّموا من العمل لمعادهم في الآخرة سُخطَ الله عليهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآيَاتِ} (75) - المَسيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، أنْعَمَ اللهُ عَلَيهِ بِالرِّسَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُ رُسُلٌ مِنَ اللهِ، وَلَهُ أسْوَةٌ بِهِمْ. وَأمُّهُ مُؤْمِنَةٌ مٌصَدِّقَةٌ لَهُ (صِدِّيقَةٌ - وَهَذا أعْلَى مَقَامَاتِها فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أنَّها لَيْسَتْ نَبِيّةً)، وَكَانَ المَسِيحُ وَأمُّهُ يَحْتَاجَانِ إلى الطَّعَامِ وَالغِذاءِ، وَمَا يَسْتَتْبِعُ الطَّعَامَ وَالغِذَاءَ، فَهُمَا مَخْلُوقَانِ مِنَ البَشَرِ، وَلاَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلهاً خَالِقاً، وَلاَ رَبّاً مَعْبُوداً. فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدٌ كَيْفَ نُوَضِّحُ لَهُمُ الآيَاتِ وَنُظْهِرُهَا، ثُمَّ انْظُرْ، بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْضِيحِ، أيْنَ يَذْهَبُونَ، وَبأيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ؟ نُبَيِّنُ - نُفَسِّرُ وَنُوَضِّحُ. يُؤْفَكُونَ - يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلَى البَاطِلِ. خَلَتْ - مَضَتْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"أفك" يعني انصرف أو صُرف، أي يصرفهم غيرهم. وهذا يعني أن هذا إيعاز من الشيطان؛ لأن المسيح عليه السلام ما هو إلا رسول مثل من سبقوه من الرسل وأمه (صدِّيقة) مصدِّقة بما جاء به، والدليل على بشريتهما أنهما يحتاجان كسائر البشر لما يَقوَّم حياتهما من طعام وشراب وكساء، والأولوهية المدّعاة منهم تتنافى مع هذا الاعتقاد وهذا هو الإفك بعينه الذي يتصادم مع العقل المجرد عن الهوى. يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} معناهُ كَيفَ يَصُدونَ عَن الدِّين والخَيرِ.
الأندلسي
تفسير : {مَّا ٱلْمَسِيحُ} الآية لما رد على النصارى قولهم الأول بقول المسيح {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 72، 117]، والثاني، بقوله: {أية : وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [المائدة: 73]، أثبت له الرسالة بصورة الحصر أي: ما المسيح ابن مريم شيء مما تدعيه النصارى من كونه إلهاً وكونه أحد آلهة ثلاثة بل هو رسول من جنس الرسل الذين خلوا وتقدموا جاء بآيات من عند الله. {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} هذا البناء من ابنيه المبالغة، والأظهر أنه من الثلاثي المجرد نحو: سكير من سكر. ويجوز أن يكون بناء من صدق لقوله تعالى: {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا}تفسير : [التحريم: 12]. كما قيل في أبي بكر رضي الله عنه الصديق. {كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ} هذا تنبيه على سمة الحدوث وتبعيد عن اعتقاد ما اعتقدته النصارى فيهما من الألوهية لأن من احتاج إلى الطعام وما يتبعه من العوارض لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام. {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ} أي الاعلام في الأدلة الظاهرة على بطلان ما اعتقدوه، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ضمن ذلك الأمر لأمته بالنظر في ضلال هؤلاء وبعدهم عن قبول ما نبهوا عليه. {ثُمَّ ٱنْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} كرر الأمر بالنظر لاختلاف المتعلق لأن الأول أمر بالنظر في كونه تعالى أوضح لهم الآيات وبينهما بحيث لا يقع معها لبس، والأمر الثاني هو بالنظر في كونهم يصرفون عن استماع الحق وتأمله أو في كونهم يقلبون ما بين لهم إلى الشد منه وهذان أمرا تعجيب. ودخلت ثم لتراخي ما بين العجبين وكأنه يقتضي العجب من توضيح الآيات وتبيينها ثم ينظر في حال من بينت له فترى إعراضهم عن الآيات أعجب في توضيحها لأنه يلزم من تبيينها تبنُها لهم والرجوع إليهما فكونهم أفكوا عنها أعجب. {قُلْ أَتَعْبُدُونَ} الآية لما كان إشراكهم بالله تضمن القول والاعتقاد جاء الختم بقوله: وهو السميع أي لأقوالكم العليم باعتقادكم وما انطوت عليه نياتكم. وفي الاخبار عنه تعالى بهاتين الصفتين تهديد ووعيد على ما يقولونه ويعتقدونه وتضمنت الآية الإِنكار عليهم حيث عبدوا من دونه من هو متصف بالعجز عن دفع أو جلب نفع. قيل ومن مرت عليه مُدَد لا يسمع فيها ولا يعلم لجدير أن لا يعبد كيف وقد تركوا عبادة القادر على الإِطلاق السميع للأصوات العليم بالنيات. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ} ظاهره نداء أهل الكتاب الحاضرين زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتناول من جاء بعدهم ولما سبق القول في أباطيل اليهود وثنى بأباطيل النصارى جمع الفريقان في النهر عن الغلو في الدين وانتصب غير الحق على معنى غلواً غير الحق وهو الغلو الباطل. وليس المراد هنا بالدين ما هم عليه بل المراد الدين الحق الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام. ومن غلو اليهود إنكار نبوة عيسى وادعاؤهم فيه أنه لغيه ومن غلو النصارى ما تقدم من اعتقاد بعضهم فيه أنه الله وبعضهم أنه أحد آلهة ثلاثة. {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ} الآية، هؤلاء القوم هم أسلاف اليهود والنصارى ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم كثيراً ثم عين ما ضلوا عنه وهو السبيل السوي المتوسط في الدين. وتخصيص ابن عطية والزمخشري عموم أهل الكتاب بالنصارى خروج عن الظاهر وهو العموم من غير داعية إلى ذلك ويؤيد العموم قوله بعد ذلك على لسان داود وعيسى ابن مريم، داود بالنسبة إلى اليهود وعيسى بالنسبة إلى النصارى. {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان لعنوا على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإِنجيل وعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن ولعن مبني للمفعول حذف فاعله فيجوز أن يكون الله ويجوز أن يكون الفاعل غيره تعالى كالأنبياء. والأفصح أنه إذا فرق بين الجزأين اختير لفظ الإِفراد على لفظ التثنية وعلى لفظ الجمع فلذلك جاء على لسان مفرداً ولم يأت على لسانَيْ داود وعيسى ولا على ألسن داود وعيسى فلو كان المتضمنان غير مفترقين اختير لفظ الجمع على التثنية وعلى الإِفراد نحو قوله تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا}تفسير : [التحريم: 4]، والمراد باللسان هنا الجارحة لا اللغة أي أن الناطق بلعنهم هو لسان داود وعيسى. {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا} أي ذلك اللعن كائن بسبب عصيانهم وذكر هذا على سبيل التوكيد وإلا فقد فهم سبب ولكن بإِسنادها إلى من تعلق بهذا الوصف الدال على العلية وهو الذين كفروا كما تقول: رجم الزاني، فيعلم أن الرجم سببه الزنا، كذلك اللعن سببه الكفر، ولكن أكد بذكره ثانية في قوله: ذلك بما عصوا، وما مصدرية في قوله: بما عصوا أي بعصيانهم وكانوا يجوزان يكون معطوفاً على عضواً فيكون داخلاً في صلة ما أي بعصيانهم وكونهم ويجوز أن يكون إخباراً من الله تعالى أن شأنهم الإِعتداد. {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ} الآية ظاهرة التفاعل بمعنى الاشتراك أي لا ينهي بعضهم بعضاً وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به وعدم النهي عنه والمعصية إذا فعلت وقدرت على العبد ينبغي أن يستتر بها من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر فإٍِذا فعلت جهاراً وتواطؤاً على عدم الإِنكار كان ذلك تحريضاً على فعلها وسبباً مثيراً لإِفشائها كثيراً. قرىء {كَثِيراً مِّنْهُمْ} الآية الظاهر عود الضمير في منهم على بني إسرائيل فقال مقاتل كثيراً منهم هم من كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتولون الكفار وعبدة الأوثان، والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه الذين استجاشوا المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذا تكون قرى بصرية، ويحتمل أن تكون من رؤية القلب. {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} الآية، قال الزمخشري في قوله: أن سخط، أنه المخصوص بالذم ومحله الرفع كأنه قيل: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم، والمعنى موجب سخط الله عليهم. "انتهى". ولا يصح هذا الإِعراب إلا على مذهب الفراء والفارس في ان ما موصولة، أو على مذهب من جعل في بئس ضميراً وجعل ما تمييزاً بمعنى شيئاً، وقدمت صفة للتمييز وأما على مذهب سيبويه فلا يستوي ذلك لأن ما عنده اسم تام معرفة بمعنى الشيء، والجملة بعده صفة للمخصوص المحذوف والتقدير ليس الشيء شيء قدمت لهم أنفسهم فيكون على هذا أن سخط في موضع رفع على البدل من المخصوص المحذوف أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أن سخط. وقال ابن عطية: وإن سخط في موضع رفع بدل من ما. "انتهى". ولا يصح هذا سواء كانت ما موصولة أم تامة لأن البدل يحل محل المبدل منه وإن سخط لا يجوز أن يكون فاعلاً لبئس لأن فاعل بئس ونعم لا يكون أن والفعل. وقيل: ان سخط في موضع نصب بدلاً من الضمير المحذوف في قدمت أي قدمته، كما تقول: الذي ضربت زيداً أخوك تريد ضربته زيداً، وقيل: على إسقاط اللام أي لأن سخط. {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ} الآية إن كان المراد بقوله: ترى كثيرا منهم، أسلافهم فالنبي داود وعيسى عليهما السلام أو معاصري الرسول فالنبي هو محمد صلى الله عليه وسلم والذين كفروا عبدة الأوثان والمعنى لو كانوا يؤمنون إيماناً خالصاً غير نفاق إذ موالاة الكفار دليل على النفاق. والظاهر في ضمير كانوا وضمير الفاعل في ما اتخذوهم أنه يعود على كثير منهم وفي ضمير المفعول أنه يعود على الذين كفروا. وقال القفال وجهاً آخر وهو أن يكون المعنى ولو كان هؤلاء المتولون من المشركين يؤمنون بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذوهم هؤلاء اليهود أولياء والوجه الأول أولى لأن الحديث إنما هو عن قوله: كثيراً منهم، فعود الضمائر على نسق واحد أولى من اختلافهما وجاء جواب لو حنفياً بما بغير لام وهو الأفصح ودخول اللام عليه قليل، نحو قول الشاعر: شعر : لو أن بالعلم تقضي ما تعيش به لما ظفرت من الدنيا بتفروق تفسير : {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ} خص الكثير بالفسق إذ فيهم قليل قد آمن والمخبر عنهم أولاً هؤلاء الكثير والضمائر بعده له، وليس المعنى ولكن كثيراً من ذلك الكثير ولكنه لما طال أعيد بلفظه وكان من وضع الظاهر بلفظه موضع الضمير إذ كان السياق يكون ما اتخذوهم أولياء ولكنهم فاسقون فوضع الظاهر موضع هذا الضمير.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):