٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
76
Tafseer
الرازي
تفسير : وهذا دليل آخر على فساد قول النصارى، وهو يحتمل أنواعاً من الحجة: أن اليهود كانوا يعادونه ويقصدونه بالسوء، فما قدر على الاضرار بهم، وكان أنصاره وصحابته يحبونه فما قدر على إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الاضرار والنفع كيف يعقل أن يكون إلۤهاً. الثاني: أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه، ولما عطش وطلب الماء منهم صبوا الخل في منخريه، ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلۤهاً. الثالث: أن إلۤه العالم يجب أن يكون غنياً عن كل ما سواه، ويكون كل ما سواه محتاجاً إليه، فلو كان عيسى كذلك لامتنع كونه مشغولاً بعبادة الله تعالى، لأن الإلۤه لا يعبد شيئاً، إنما العبد هو الذي يبعد الإلۤه، ولما عرف بالتواتر كونه كان مواظباً على الطاعات والعبادات علمنا أنه إنما كان يفعلها لكونه محتاجاً في تحصيل المنافع ودفع المضار إلى غيره، ومن كان كذلك كيف يقدر على إيصال المنافع إلى العباد ودفع المضار عنهم، وإذا كان كذلك كان عبداً كسائر العبيد، وهذا هو عين الدليل الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام حيث قال لأبيه {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42]. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } والمراد منه التهديد يعني سميع بكفرهم عليم بضمائرهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} زيادة في البيان وإقامة حجة عليهم؛ أي أنتم مقرون أن عيسى كان جَنِيناً في بطن أُمه، لا يملك لأحد ضرّاً ولا نفعاً، وإذ أقررتم أن عيسى كان في حال من الأحوال لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم ولا ينفع ولا يضر، فكيف اتخذتموه إلۤهاً؟. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي لم يزل سميعاً عليماً يملك الضرّ والنّفع، ومن كانت هذه صفته فهو الإلۤه على الحقيقة. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبيناً له أنها لا تستحق شيئاً من الإلهية، فقال تعالى: {قُلْ} أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذلك النصارى وغيرهم: {أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أي: لا يقدر على دفع ضر عنكم، ولا إيصال نفع إليكم، {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم شيئاً، ولا يملك ضراً ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه؟ ثم قال: {قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية؛ كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً، {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم، فأخذ بالكتاب والسنة زماناً، فأتاه الشيطان، فقال: إنما تركت أثراً أو أمراً قد عمل قبلك، فلا تجمد عليه، ولكن ابتدع أمراً من قبل نفسك، وادع إليه، وأجبر الناس عليه، ففعل، ثم ادّكرَ بعد فعله زماناً، فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أياماً، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم؟ فلا توبة لك أبداً، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية: {قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالكم {ٱلْعَلِيمُ } بأحوالكم؟ والاستفهام للانكار.
الشوكاني
. تفسير : أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاماً لهم وقطعاً لشبهتهم، أي أتعبدون من دون الله متجاوزين إياه ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً؟ بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع، أو دفع من الضر، فهو بإقدار الله له وتمكينه منه، وأما هو فهو يعجز عن أن يملك لنفسه شيئاً من ذلك، فضلاً عن أن يملكه لغيره، ومن كان لا ينفع ولا يضر فكيف تتخذونه إلٰهاً وتعبدونه، وأي سبب يقتضي ذلك؟ والمراد هنا المسيح عليه السلام، وقدّم سبحانه الضرّ على النفع لأن دفع المفاسد أهمّ من جلب المصالح. {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } أي كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً، والحال أن الله هو السميع العليم، ومن كان كذلك فهو القادر على الضرّ والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم، ومن جملة ذلك مضارّكم ومنافعكم. قوله: {تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة، نهاهم عن الغلوّ في دينهم، وهو المجاوزة للحد كإثبات الإلٰهية لعيسى، كما يقوله النصارى، أو حطه عن مرتبته العلية، كما يقوله اليهود فإن كل ذلك من الغلوّ المذموم وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط، واختيارهما على طريق الصواب. "وَغَيْرَ" منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي غلوّاً غير غلوّ الحق، وأما الغلوّ في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه، واستخراج حقائقه فليس بمذموم، وقيل إن النصب على الاستثناء المتصل؛ وقيل: على المنقطع {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } وهم أسلاف أهل الكتاب من طائفتي اليهود والنصارى، أي قبل البعثة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } من الناس {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أي عن قصدهم طريق محمد صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، والمراد أن أسلافهم ضلوا من قبل البعثة وأضلوا كثيراً من الناس إذ ذاك، وضلوا من بعد البعثة، إما بأنفسهم، أو جعل ضلال من أضلوه ضلالاً لهم؛ لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه لهم؛ وقيل المراد بالأول: كفرهم بما يقتضيه العقل، وبالثاني: كفرهم بما يقتضيه الشرع. قوله: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ } أي لعنهم الله سبحانه {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودُ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي، كاعتدائهم في السبت، وكفرهم بعيسى. قوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ } جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، والإشارة بذلك إلى اللعن، أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر، ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله: {كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ }، فأسند الفعل إليهم لكونه فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعاً. والمعنى: أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها، أو تهيأ لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر؛ لأن من أخلّ بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدّى حدوده. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهمّ القواعد الإسلامية، وأجلّ الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية، ومستحقاً لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل، ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } تفسير : [قۤ: 37] ثم إن الله سبحانه قال مقبحاً لعدم التناهي عن المنكر {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره {تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ } أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي المشركين وليسوا على دينهم {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } أي سولت وزينت، أو ما قدّموه لأنفسهم؛ ليردوا عليه يوم القيامة، والمخصوص بالذم هو {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو هو سخط الله عليهم على حذف المبتدأ. وقيل هو: أي أن سخط الله عليهم بدل من "ما" {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ } أي نبيهم {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ } من الكتاب {مَا اتَّخَذُوهُمْ } أي المشركين {أَوْلِيَاء } لأن الله سبحانه، ورسوله المرسل إليهم، وكتابه المنزل عليهم قد نهوهم عن ذلك {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } أي خارجون عن ولاية الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } يقول: لا تبتدعوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولداً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } قال: يهود. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أوّل ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحلّ لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"تفسير : ثم قال: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُود} إلى قوله: {فَـٰسِقُونَ } ثم قال: "حديث : كلا، والله لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذنّ على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً»تفسير : . وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً فلا نطول بذكرها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُود} يعني في الزبور {وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } يعني في الإنجيل. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك الغفاري في الآية قال: لعنوا على لسان داود فجعلوا قردة، وعلى لسان عيسى فجعلوا خنازير. وأخرج ابن جرير عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس، عن أبي عبيدة ابن الجراح مرفوعاً: "حديث : قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النهار، فهم الذين ذكر الله: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ } الآيات"تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } قال: ما أمرتهم. وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. وضعفه، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا معشر المسلمين إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة؛ فأما التي في الدنيا: فذهاب البهاء، ودوام الفقر، وقصر العمر؛ وأما التي في الآخرة: فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار؛ ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ }" تفسير : قال ابن كثير في تفسيره: هذا الحديث ضعيف على كل حال. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } قال: المنافقون.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} يعني عبدة الأوثان من العرب، تَمَالأَ الفريقان على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم. {وَلَتَجِدَنَّ أَقرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامنواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارى} ليس هذا على العموم، وإنما هو خاص، وفيه قولان: أحدهما: عنى بذلك النجاشي وأصحابه لَمَّا أَسْلَمُوا، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى عليه السلام، فَلَمَّا بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به، قاله قتادة. {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} واحد القسيسين قس، من قس وهم العباد. وواحد الرهبان راهب، وهم الزهاد. {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} يعني عن الإِذعان للحق إذا لزم، وللحجة إذا قامت. وفي قوله تعالى: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} وجهان: أحدهما: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق، كما قال تعالى: {أية : لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]، قاله ابن عباس، وابن جريج. والثاني: يعني الذين يشهدون بالإِيمان، قاله الحسن.
ابن عطية
تفسير : أمر الله نبيه أن يوقفهم على عبادتهم شخصاً من البشر لا يملك أن يضرهم ولا أن ينفعهم، و {من دون} ودون فلان وما جاء من هذه اللفظة فإنما تضاف إلى من ليس في النازلة التي فيها القول، وتفسيرها بغير أمر غير مطرد، و "الضَّر" بفتح الضاد المصدر، و "الضَّر" بضمها الاسم وهو عدم الخير، و {السميع} هنا إشارة إلى تحصيل أقوالهم والعليم بنياتهم، وقال بعض المفسرين: هاتان الصفتان منبهتان على قصور البشر، أي والله تعالى هو السميع العليم بالإطلاق لا عيسى ولا غيره، وهم مقرون أن عيسى قد كان مدة لا يسمع ولا يعلم، وقال نحوه مكي. ثم أمر تعالى نبيه محمداً أن ينهاهم عن الغلو في دينهم، والغلو تجاوز الحد، غلا السهم إذا تجاوز الغرض المقصود واستوفى سومه من الاطراد، وتلك المسافة هي غلوته، وكما كان قوله {لا تغلوا} بمعنى لا تقولوا ولا تلتزموا نصب {غير} وليس معنى هذه الآية جنبوا من دينكم الذي أنتم عليه الغلو، وإنما معناه في دينكم الذي ينبغي أن يكون دينكم، لأن كل إنسان فهو مطلوب بالدين الحق وحري أن يتبعه ويلتزمه، وهذه المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهي النصارى عن اتباع أهوائهم بنو إسرائيل، ومعنى الآية لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم، فالمعنى لا تتبعوا طرائقهم، والذي دعا إلى هذا التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل هم بالضد في الأقوال وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى، فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على عوج، هذه طريقة فلان، تمثله بآخر قد اعوج نوعاً آخر من الاعوجاج وإن اختلفت نوازله ووصف تعالى اليهود بأنهم ضلوا قديماً وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكد الأمر بتكرار قوله تعالى: {وضلوا عن سواء السبيل} وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى يا أهل الكتاب من النصارى لا تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلوا من قبل، أي ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيراً من المنافقين وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق. وقوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} الآية. قد تقرر في غير موضع من القرآن ما جرى في مدة موسى من كفر بعضهم وعتوهم، وكذلك أمرهم مع محمد عليه السلام كان مشاهداً في وقت نزول القرآن، فخصت هذه الآية داود وعيسى إعلاماً بأنهم لعنوا في الكتب الأربعة وأنهم قد لعنوا على لسان غير موسى ومحمد عليهما السلام، وقال ابن عباس رحمه الله: لعنوا بكل لسان لعنوا على عهد موسى في التوراة وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد محمد في القرآن، وروى ابن جريج أنه اقترن بلعنتهم على لسان داود أن مسخوا خنازير، وذلك أن داود عليه السلام مر على نفر وهم في بيت فقال من في البيت؟ قالوا: خنازير على معنى الانحجاب، قال: اللهم اجعلهم خنازير، فكانوا خنازير، ثم دعا عيسى على من افترى عليه على أن يكونوا قردة فكانوا قردة، وقال مجاهد وقتادة: بل مسخوا في زمن داود قردة وفي زمن عيسى خنازير، وحكى الزجّاج نحوه. قال القاضي أبو محمد: وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان عيسى في زمنه، وروي عن ابن عباس أنه قال: لعن على لسان داود أصحاب السبت، وعلى لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة، وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى لعنتهم وباقي الآية بيّن.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: قل يا محمد لهؤلاء النصارى أتعبدون من دون الله {ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} يعني لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ولا يقدر أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان وسعة الأرزاق فإن الضار والنافع هو الله تعالى لا من تعبدون من دونه ومن لم يقدر على النفع والضر لا يكون إلهاً {والله هو السميع العليم} يعني أنه تعالى سميع لأقوالكم وكفركم عليهم بما في ضمائركم. قوله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} الغلوّ: مجاوزة الحد وذلك أن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط فمجاوزة الحد والتقصير مذمومان في الدين {غير الحق} يعني: لا تغلوا في دينكم غلواً باطلاً غير الحق وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم ثم غلوا في الإصرار عليه وكلا الفريقين من اليهود والنصارى غلوا في عيسى عليه السلام، أما غلوّ اليهود فالتقصير في حقه حتى نسبوه إلى غير رشدة، وأما غلوّ النصارى فمجاوزة الحد في حقه حتى جعلوه إلههم وكلا الغلوين مذموم {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} الأهواء جمع هوى وهو ما تدعو شهوة النفس إليه، قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى الهوى في القرآن إلا وذمه وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر لأنه لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال فلان يحب الخير ويريده والخطاب في قوله ولا تتبعوا أهواء قوم لليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم وهو المراد بقوله أهواء قوم قد ضلوا من قبل فبين الله تعالى أنهم كانوا على ضلاله {وأضلوا كثيراً} يعني من اتبعهم على ضلالتهم وأهوائهم {وضلوا عن سواء السبيل} يعني وأخطؤوا عن قصد طريق الحق. قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} قال أكثر المفسرين: هم أصحاب السبت لما اعتدوا في السبت واصطادوا الحيتان فيه. قال داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم قردة فمسخوا قردة وستأتي قصتهم في سورة الأعراف {وعيسى ابن مريم} يعني وعلى لسان عيسى ابن مريم وهم كفار أصحاب المائدة لما أكلوا منها وادخروا ولم يؤمنوا قال عيسى عليه السلام اللهم العنهم واجعلهم خنازير فمسخوا خنازير وستأتي قصتهم. وقال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون بآبائهم ويقولون نحن من أولاد الأنبياء عليهم السلام، فأخبر الله تعالى بأنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام. وقيل: إن داود وعيسى بشَّرا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولعنا من يكفر به {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} يعني ذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم ثم فسر الاعتداء والمعصية فقال تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} أي لا ينهى بعضهم بعضاً عن منكر. وقيل: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ولا عن الإصرار عليه {لبئس ما كانوا يفعلون} اللام في لبئس لام القسم أي أقسم لبئس ما كانوا يفعلون يعني من ارتكاب المعاصي والعدوان. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} إلى قوله فاسقون ثم قال "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا"تفسير : زاد في رواية "حديث : أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم"تفسير : أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وآكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}" وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً فقال "لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا"تفسير : قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب قوله أكيله وشريبه وقعيده هو المؤاكل والمشارب والمقاعد فعيل بمعنى فاعل وقوله: لتأطرنه، الأطر العطف يعني لتعطفنه ولتردنه إلى الحق الذي خالفه والقصر والقهر على الشيء.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ...} الآية: الضَّرُّ ـــ بفتح الضاد ـــ: المصدَرُ، وبضمها الاِسم، وهو عدَمُ الخَيْرِ، و {ٱلسَّمِيعُ}؛ لأقوالهم {وٱلعَلِيمُ} بنيَّاتهم، والغُلُوُّ: تجاوُزُ الحدِّ؛ من غَلاَ السَّهْمُ؛ إذا تجاوَزَ الغَرَضَ المقصُودَ، وتلك المسافَةُ هي غَلْوَتُهُ، وهذه المخاطَبَةُ هي للنصارَى الذين غَلَوْا في عيسَىٰ، والقوم الذين نُهِيَ النصارَىٰ عن ٱتباعِ أهوائهم هو بَنُو إسرائيل، ووَصَف تعالى اليهودَ؛ بأنهم ضَلُّوا قديماً، وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكَّد الأمر بتَكْرار قوله تعالى: {كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ}.
ابن عادل
تفسير : وهذا دَلِيلٌ أيضاً على فَسَادِ قول النَّصارَى وذلك من وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ اليَهُود كانوا يعادُونَ عيسى - عليه الصلاة والسلام -، ويَقْصُدُونَهُ بالسُّوءِ، فما قَدرَ على إضْرَارِهِمْ، وكان له أيضاً أنْصَارٌ وصَحَابَةٌ يُحِبُّونَهُ، فما قَدَرَ على إيصَالِ نَفْعٍ من منَافِعِ الدُّنْيَا إليْهِمْ، والعاجِزُ عن الإضْرار والنَّفْعِ كَيْفَ يُعْقَلُ أن يكُون إلهاً؟! الثاني: أن مذْهَبَ النَّصَارى - لعنهم اللَّهُ -: أنَّ اليهود صَلَبُوه ومَزَّقُوا أضْلاَعَهُ، ولما عَطِشَ وطلبَ الماءَ مِنْهُم صبُّوا الخَلَّ فِي مَنخريْهِ، ومن كان في الضَّعْفِ هكذَا، كَيْفَ يُعْقَل أن يكُون إلهاً؟! الثالث: أنَّ إلهَ العالم يَجِبُ أنْ يكُون غَنِيًّا عن كل ما سواهُ مُحْتَاجاً إليه، فلو كان عيسَى كذلك لامْتَنَعَ كَوْنُهُ مَشْغُولاً بعبادة الله تعالى؛ لأنَّ الإله لا يَعْبُدُ شَيْئاً، إنَّمَا العبد هو الذي يَعْبُدُ الإله، فلما عُرِفَ بالتَّوَاتُرِ أنَّهُ كانَ مُوَاظِباً على الطَّاعَات والعبادَاتِ، عَلِمْنَا أنَّهُ كان يفعلها لكونه مُحْتَاجاً في تَحْصِيل المَنَافِعِ، ودفْعِ المضَارِّ إلى غيره، ومن كان كذلك كيْفَ يَقْدِرُ على إيصال المَنَافِعِ إلى العِبَادِ، ودَفْعِ المضارّ عنهم؟! وإذَا كان كذِلكَ كان عَبْداً كَسَائِرِ العَبيدِ، وهذا هو عَيْنُ الدَّليلِ الذي حَكَاهُ اللَّهُ تعالى عن إبراهيم - عليه السلام - حيث قال: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42]. قوله تعالى: {مَا لاَ يَمْلِكُ}: يجوزُ أن تكون "مَا" بمعنى "الَّذِي"، وأن تكون نكرةً موصوفةً، والجملةُ بعدها صلةٌ، فلا محلَّ لها، أو صفةٌ، فمحلُّها النصبُ، وفي وقوع "مَا" على العاقلِ هنا؛ لأنه أُريد به عيسَى وأمُّه وجوهٌ: أحدها: أنه أُتِي بـ "مَا" مراداً بها العاقلُ؛ لأنها مبهمةٌ تقعُ على كل شيء، كذا قاله سيبويه، أو أُريد به النوعُ؛ كقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]، أي: النوع الطَّيِّبَ، أو أُريدَ به العاقلُ مع غيره؛ لأنَّ أكثر ما عبد من دون اللَّهِ غيرُ عاقلٍ؛ كالأصنامِ والأوثانِ والكواكبِ والشَّجَرِ، أو شبهُهُ على أولِ أحواله؛ لأنه في أولِ حاله لا يُوصفُ بعقلٍ، فكيف يُتَّخَذ إلهاً معبوداً؟ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} "هو": يجوزُ أن يكون مبتدأ ثانياً، و"السَّميعُ" خبرُه، و"العَلِيمُ" خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ، والجملة خبرُ الأوَّل، ويجوزُ أن يكون فَصْلاً، وقد عُرِفَ ما فيه، ويجوزُ أن يكونَ بدلاً، وهذه الجملةُ الظاهرُ فيها: أنها لا محلَّ لها من الإعراب، ويحتمل أن يكون في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من فاعلِ "تَعْبُدونَ"، أي: أتعبُدُونَ غير الله، والحالُ أن الله هو المستحقُّ للعبادة؛ لأنه يَسْمَعُ كلَّ شيء ويعلمه، وإليه ينحو كلامُ الزمخشريِّ؛ فإنه قال: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} متعلِّق بـ "أتَعْبُدُونَ"، أي: أتشركون بالله ولا تَخْشَوْنَهُ، وهو الذي يسمَعُ ما تقولُونَ ويعلَمُ ما تعتقدُونَ؟ أتعبدون العاجزَ، واللَّهُ هو السميعُ العَلِيم؟. انتهى، والرابطُ بين الحالِ وصاحبها الواوُ، ومجيء هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة؛ فإنَّ السميع يسمع ما يُشْكَى إليه من الضُّرِّ وطلب النفْعِ، ويعلم مواقعهما كيف يكُونَانَ؟
ابو السعود
تفسير : {قُلْ} أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتِهم إثْرَ تعجيبه من أحوالهم {أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي متجاوزين إياه، وتقديمه على قوله تعالى: {مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والموصول عبارةٌ عن عيسى عليه السلام، وإيثاره على كلمة مَنْ لتحقيق ما هو المراد من كونه بمعزلٍ من الألوهية رأساً، ببـيان انتظامه عليه السلام في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، وهو عليه السلام وإن كان يملك ذلك بتمليكه تعالى إياه لكنه لا يملِكه من ذاته، ولا يملك مثل ما يُضِرُّ به الله تعالى من البلايا والمصائب، وما ينفع به من الصِّحة. وتقديم الضرر على النفع لأن التحرز عنه أهمُ من تحرّي النفع، ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر، ثم جلب الخير. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} حال من فاعل (أتعبدون) مؤكِّد للإنكار والتوبـيخ، ومقرِّر للإلزام والتبكيت، والرابط هو الواو أي أتشركون بالله تعالى ما لا يقدر على شيء من ضُرِّكم ونفعكم، والحال أن الله تعالى هو المختص بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة، والعقائد الزائغة، والأعمال السيئة، وبالقدرة الباهرة على جميع المقدورات التي من جملتها مَضارُّكم ومنافعُكم في الدنيا والآخرة؟ {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى فريقي أهل الكتاب، بطريق الالتفات على لسان النبـي عليه الصلاة والسلام بعد إبطال مسلك كل منهما، للمبالغة في زجرهم عما سلكوه من المسلك الباطل، وإرشادهم إلى الأَمَم المِئْتاء {لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} أي لا تتجاوزوا الحد، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عن رتبة الرسالة إلى ما تقوَّلوا في حقه من العظيمة، ولليهود عن وضعهم له عليه السلام عن رتبته العلية إلى ما تقوَّلوا عليه من الكلمة الشنعاء، وقيل: هو خاص بالنصارى كما في سورة النساء فذكَرَهم بعنوان أهلية الكتاب لتذكير أن الإنجيل أيضاً ينهاهم عن الغلو، وقوله تعالى: {غَيْرَ ٱلْحَقّ} نُصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي لا تغلوا في دينكم غلواً غيرَ الحق، أي غلواً باطلاً، أو حالٌ من ضمير الفاعل أي لا تغلوا مجاوزين الحق، أو من دينكم أي لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً، وقيل: نُصب على الاستثناء المتصل، وقيل: على المنقطع {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} هم أسلافهم وأئمتهم الذين ضلوا من الفريقين، أو من النصارى على القولين قبل مبعث النبـي عليه الصلاة والسلام في شريعتهم. {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} أي قوماً كثيراً ممن شايعهم في الزيغ والضلال، أو إضلالاً كثيراً، والمفعولُ محذوف {وَضَلُّواْ} عند بعثةِ النبـي عليه الصلاة والسلام وتوضيحِ مَحَجّةِ الحق وتبـيـين مناهجِ الإسلام {عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} حين كذّبوه وحسدوه وبغَوْا عليه، وقيل: الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضىٰ العقل والثاني إلى ضلالِهم عما جاء به الشرع.
القشيري
تفسير : تعليقُ القلوب - بدون الرب - في استدفاع الشر واستجلاب الخير تمحيق للوقت فيما لا يُجْدِي، وإذهابٌ للعمر فيما لا يُغْني؛ إذ المتفردُ بالإيجاد بريءٌ عن الأنداد.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد الزاما لهؤلاء النصارى ومن سلك طريقتهم من اتخاذ غير الله إلٰهً {أتعبدون من دون الله} اى متجاوزين اياه {ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} يعنى عيسى وهو وان ملك ذلك بتمليك الله اياه لكنه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله به من البلايا والمصائب وما ينفع به من الصحة والسعة وانما قال ما مع ان اصله ان يطلق على غير العاقل نظرا الى ما هو عليه فى ذاته فانه عليه الصلاة والسلام فى اول احواله لا يوصف بعقل ولا بشىء من الفضائل فكيف يكون إلٰهً {والله هو السميع العليم} بالاقوال والعقائد فيجازى عليها ان خيرا فخير وان شرا فشر وهو حال من فاعل تعبدون.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يقول لهؤلاء النصارى الذين قالوا {إِن الله ثالث ثلاثة}: {أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} أي توجهون عبادتكم الى من لا يقدر على الضر والنفع، لأن القادر عليهما هو الله تعالى او من يمكنه الله من ذلك. ولو جاز توجيه العبادة الى المسيح الذي لا يملك ذلك لجاز توجيهها الى الاصنام كما يقوله عباد الاصنام. وقد علمنا خلاف ذلك. والملك: هو القدرة على تصريف ما للقادر عليه أن يصرفه، فملك الضرر والنفع أخص من القدرة عليهما، لأن القادر عليهما قد يقدر من ذلك على ما له أن يفعل، وقد يقدر منه على ما ليس له أن يفعله. والنفع: هو فعل اللذة أو السرور او ما أدى اليهما أو الى واحد منهما مثل الملاذ التي تحصل في الحيوان. والصلة بالمال والوعد باللذة، فان جميع ذلك نفع، لأنه يؤدي الى اللذة، والضرر هو فعل الالم أو الغم أو ما أدى اليهما أو الى واحد منهما كالآلام التي توجد في الحيوان والقذف والسب، لأن جميع ذلك يؤدي الى الآلام والغضب ضرر لأنه من الأسباب المؤدية الى الآلام. وقوله {والله هو السميع العليم} قيل في معناه ها هنا قولان: أحدهما - أنه ذكر للاستدعاء الى التوبة فهو يسمع قول العبد فيها وما يضمره منها. والآخر التحذير من الجزاء بالسيئة، لأنه يعلم الاعمال ويسمع الأسرار والاعلان. وذلك دليل على ملك الجزاء بالثواب والعقاب.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} يعنى المسيح (ع) فانّه بعد ما علم احتياجه الى اخسّ الاحوال وعدم مالكيّته لدفع ضرّ تلك الحاجة عن نفسه يعلم انّه لم يكن مالكاً للضرّ والنّفع لغيره فلم يكن اهلاً لان يعبد والمقصود التّعريض بالامّة فى طاعة من لا يدفع ضرّاً عن نفسه {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} يعنى والحال انّ سماع الحاجات وقضائها منحصر فيه ليس لغيره {ٱلْعَلِيمُ} والعلم بمقدار الحاجات وكيفيّة دفع المضارّ وجلب المنافع أيضاً منحصر فيه.
الأعقم
تفسير : {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} وهو عيسى لا يضرك بمثل ما يضركم الله من المصائب والبلايا في الأنفس والأموال، ولا ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والخصب والسعة، ولأن كلما يستطيعه البشر من المنافع والمضار فبأقدار الله تعالى وتمكينه، فكأنه لا يملك منه شيئاً، قال جار الله: وهذا دليل قاطع على أن أمره منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب أن يكون قادراً على كل شيء {والله هو السميع العليم} يعني أتشركون بالله ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولون ويعلم ما تعتقدون ويعلم ما تعبدون {قل يا أهل الكتاب} يعني النصارى {لا تغلوا في دينكم غير الحق} يعني لا تجاوزوا الحق إلى غيره غلواً باطلاً {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} هم أئمتهم في النصرانية كانوا على الضلال قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وأضلوا كثيراً} ممن شايعهم على التثليث {وضلوا} لما بعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {عن سواء السبيل} حتى حسدوه وكذبوه، قوله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} يعني نزل لعنهم في الزبور {على لسان داوود} وفي الانجيل على لسان عيسى (عليه السلام)، وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داوود: اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة، ولما كفروا أصحاب عيسى (عليه السلام) بعد المائدة قال عيسى (عليه السلام): اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحدا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي {ذلك بما عصوا} قال جار الله: لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان بسبب المسيح إلا لأجل المعصية والاعتداء لا لأجل سبب آخر غير المعصية والاعتداء بقوله: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} يعني لا ينهي بعضهم بعضاً، ثم قال: {لبئس ما كانوا يفعلون} للتعجب من فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم، فيا حسرتا على المسلمين في اعراضهم عن التناهي عن المناكير، قال جار الله: وما فيه من المبالغات في هذا الباب، قوله تعالى: {ترى كثيراً منهم يتولَّون الذين كفروا} الآية نزلت في اليهود الذين كانوا يوالون المشركين، وقيل: في المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود، قال جار الله: هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم {أن سخط الله عليهم} والمعنى يوجب سخط الله {ولو كانوا يؤمنون بالله} إيماناً خالصاً من غير نفاق ما اتخذوا المشركين {أولياء} يعني أن موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم وأن إيمانهم ليس بإيمان بالله تعالى والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} يعني اليهود، وقيل: معناه أنهم لو كانوا يؤمنون بالله تعالى وموسى كما يزعمون ما اتخذوا المشركين أولياء، وقيل: هذه موالاة التناصر والمعاونة على معاداة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ولكنَّ كثيراً منهم فاسقون} متمردون في كفرهم ونفاقهم.
اطفيش
تفسير : {قُل أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ}: أيها النصارى. {مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا}: كالبلايا والمصائب فى الأنفس والأموال وصحة الأبدان، وسعة الأرزاق، ولا يملك ذلك لنفسه، فان عيسى وأمه لا يملكان ذلك لكم ولا لأنفسهما، وقدم الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع والتجلى قبل التخلى. {وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ}: لا تخفى عنه الأصوات والأفعال والاعتقادات، فهو عالم بكفركم فى عيسى وأمه قولا وفعلا واعتقاداً، اذ قلتم فيهما بالألوهية واعتقدتم وعبدتوهما.
اطفيش
تفسير : {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَالاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً} أَى دفع ضر {وَلاَ نَفْعاً} في أَبدانكم وأَموالكم وأَعراضكم من الجمادات والحيوانات فيقولوا لك لا، فتقول: إِن عيسى لا يملك لكم ضرا ولا نفعا كتلك الجمادات والحيوانات فكيف يعبد، أَو ما واقعة على عيسى أَو عليه وعلى أُمه باعتبار النوع أَو باعتبار الشبه بنحو الفرس أَو باعتبار تغليب الصليب تأْكيدا فى نفى الإِلهية، وقد قيل على بعد: أَن المراد بما الصليب أَو باعتبار أَن أَول أَحوالهما لا يوصف بعقل ولا بفضل فهل يمنعكم أَحدهما من موت أَو مرض أَو فقر أَو ما تكرهون فاعبدوا الذي يفعل ذلك بكم قهراً أَو عدلا ويفعل لكم النفع الدينى والدنيوى والأُخروى، وقدم الضر لأَن دفعه أَهم وقد يقدم النفع لأَن النفس أَميل إِليه طبعا {وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ} لأُقوالكم وأَقوال غيركم {العَلِيمُ} بأَحوالكم وأَحوال غيركم، فيجازيكم فهو أَهل الأُلوهية وغيره إِن ضر أَو نفع فبتمليك الله عز وجل لا من ذاته.
الالوسي
تفسير : {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} أمر بتبكيتهم إثر التعجيب من أحوالهم، والمراد بما لا يملك عيسى، أو هو وأمه عليهما الصلاة والسلام، والمعنى أتعبدون شيئاً لا يستطيع مثل ما يستطيعه الله تعالى من البلايا والمصائب، والصحة والسعة، أو أتعبدون شيئاً لا استطاعة له أصلاً، فإن كل ما يستطيعه البشر بإيجاد الله تعالى وإقداره عليه لا بالذات، وإنما قال سبحانه: {مَا} نظراً إلى ما عليه المحدث عنه في ذاته، وأول أمره وأطواره توطئة لنفي القدرة عنه رأساً، وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس، ومن كان بينه وبين غيره مشاركة وجنسية كيف يكون إلهاً، وقيل: إن المراد بما كل ما عبد من دون الله تعالى ـ كالأصنام وغيرها ـ فغلب / ما لا يعقل على من يعقل تحقيراً، وقيل: أريد بها النوع كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء} تفسير : [النساء: 3]. وقيل: يمكن أن يكون المراد الترقي من توبيخ النصارى على عبادة عيسى عليه الصلاة والسلام إلى توبيخهم على عبادة الصليب ـ فما ـ على بابها، ولا يخفى بعده وتقديم الضر على النفع لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع ولأن أدنى درجات التأثير دفع الشر ثم جلب الخير، وتقديم المفعول الغير الصريح على المفعول الصريح لما مرّ مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. وقوله سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} في موضع الحال من فاعل {أَتَعْبُدُونَ} مقرر للتوبيخ متضمن للوعيد، والواو هو الواو، أي أتعبدون غير الله تعالى وتشركون به سبحانه ما لا يقدر على شيء ولا تخشونه، والحال أنه سبحانه وتعالى المختص بالإحاطة التامة بجميع المسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أنتم عليه من الأقوال الباطلة والعقائد الزائغة، وقد يقال: المعنى أتعبدون العاجز والله هو الذي يصح أن يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، ولن يكون كذلك إلا وهو حي قادر على كل شيء، ومنه الضر والنفع والمجازاة على الأقوال والعقائد إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وفرق بين الوجهين بأن {مَا} على هذا الوجه للتحقير، والوصفية على هذا الوجه على معنى أن العدول إلى المبهم استحقار إلا أن {مَا} للوصف والحال مقررة لذلك، وعلى الأول للتحقير المجرد، والحال كما علمت فافهم.
ابن عاشور
تفسير : لمّا كان الكلام السابق جارياً على طريقة خطاب غير المعيّن كانت جملة {قل أتعبدون من دون الله} الخ مستأنفة، أمر الرّسول بأن يبلّغهم ما عنوا به. والظاهر أنّ {أتعبدون} خطاب لجميع من يعبد شيئاً من دون الله من المشركين والنّصارى. والاستفهام للتّوبيخ والتّغليط مجازاً. ومعنى {من دون الله} غير الله. فمِن للتّوكيد، و(دون) اسم للمغاير، فهو مرادف لسوى، أي أتعبدون معبوداً هو غير الله، أي أتشركون مع الله غيره في الإلهيّة. وليس المعنى أتعبدون معبوداً وتتركون عبادة الله. وانظر ما فسّرنا به عند قوله تعالى: {أية : ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله} تفسير : في سورة الأنعام (108)، فالمخاطبون كلّهم كانوا يعبدون الله ويشركون معه غيره في العبادة حتّى الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم فهم ما عبدوا المسيح إلاّ لزعمهم أنّ الله حلّ فيه فقد عبدوا الله فيه، فشمل هذا الخطاب المشركين من العرب ونصارى العرب كلَّهم. ولذلك جيء {بما} الموصولة دون (مَن) لأنّ معظمَ ما عبد من دون الله أشياء لا تَعْقل، وقد غلب (ما) لما لا يعقل. ولو أريد بــ {ما لا يَملك} عيسى وأمّه كما في «الكشاف» وغيره وجعل الخطاب خاصّاً بالنّصارى كان التّعبير عنه بــ {ما} صحيحاً لأنّها تستعمل استعمال (مَن)، وكثير في الكلام بحيث يكثر على التّأويل. ولكن قد يكون التّعبير بمَن أظهر. ومعنى {لا يملك ضَرّاً} لا يقدر عليه، وحقيقة معنى الملك التمكّن من التّصرف بدون معارض، ثم أطلق على استطاعة التّصرّف في الأشياء بدون عَجز، كما قال قَيس بن الخَطِيم:شعر : مَلَكْتُ بها كفّي فأنْهَرَ فتقَها يرى قائم من دونها مَا وراءهَا تفسير : فإنّ كفّه مملوكة له لا محالة، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من كفّه تمام التّمكن فدفع به الرّمح دفعة عظيمة لم تخنه فيها كفّه. ومِن هذا الاستعمال نشأ إطلاق الملك بمعنى الاستطاعة القويّة الثّابتة على سبيل المجاز المرسل كما وقع في هذه الآية ونظائرها {أية : ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً}تفسير : [الفرقان: 3] {أية : قل لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً}تفسير : [يونس: 49] {أية : إنّ الّذين تعبدون من دون الله لا يَمْلكون لكم رزقاً}تفسير : [العنكبوت: 17]. فقد تعلّق فعل الملك فيها بمعان لا بأشياء وذوات، وذلك لا يكون إلاّ على جعل الملك بمعنى الاستطاعة القويّة ألا ترى إلى عطف نفي على نفي المِلك على وجه التّرقّي في قوله تعالى: {أية : ويعبدون من دون الله ما لا يَملك لهم رزقاً من السماوات والأرض شيئاً ولا يستطيعون} تفسير : في سورة النّحل (73). وقد تقدّم آنفاً استعمال آخر في قوله: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أرادَ أن يهلك المسيح ابن مريم}تفسير : [المائدة: 17]. وقُدّم الضَرّ على النّفع لأنّ النّفوس أشدّ تطلّعاً إلى دفعه من تطلّعها إلى جلب النّفع، فكان أعظمَ ما يدفعهم إلى عبادة الأصنام أنّ يستدفعوا بها الأضرار بالنّصر على الأعداء وبتجنّبها إلحاق الإضرار بعابديها. ووجه الاستدلال على أنّ معبوداتهم لا تملك ضرّاً ولا نفعاً، وقوع الأضرار بهم وتخلّف النّفع عنهم. فجملة {والله هو السميع العليم} في موضع الحال، قُصر بواسطة تعريف الجزأين وضمير الفصل، سببُ النّجدة والإغاثة في حالي السؤال وظهورِ الحالةِ، على الله تعالى قصرَ ادّعاء بمعنى الكمال، أي ولا يسمع كلّ دعاء ويعلم كلّ احتياج إلاّ الله تعالى، أي لا عيسى ولا غيره ممّا عُبِد من دون الله. فالواو في قوله {والله هو السّميع العليم} واو الحال. وفي موقع هذه الجملة تحقيق لإبطال عبادتهم عيسى ومريم من ثلاثة طرق: طريقِ القصر وطريقِ ضمير الفصل وطريق جملة الحال باعتبار ما تفيده من مفهوم مخالفه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 76- قل - أيها الرسول - لهؤلاء الضالين: كيف تعبدون إلها يعجز عن أن يضركم بشئ إن تركتم عبادته، ويعجز عن أن ينفعكم بشئ إن عبدتموه؟ كيف تتركون عبادة الله وهو الإله القادر على كل شئ، وهو ذو السمع والعلم الشامل؟ 77- قل - يا أيها الرسول - لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: إن الله ينهاكم أن تتجاوزوا فى معتقداتكم حدود الحق إلى الباطل فتجعلوا بعض خلقه آلهة، أو تنكروا رسالة بعض الرسل، وينهاكم أن تسيروا وراء شهوات أناس سبقوكم قد تجنبوا طريق الهدى، ومنعوا كثيراً من الناس أن يسلكوها واستمروا على مجافاتهم طريق الحق الواضح. 78- طرد الله كفار إسرائيل من رحمته، وأنزل هذا فى الزبور على نبيه داود، وفى الإنجيل على نبيه عيسى ابن مريم، وذلك بسبب تمردهم عن طاعة الله، وتماديهم فى الظلم والفساد. 79- كان دأبهم ألا يتناصحوا، فلا ينهى أحد منهم غيره عن قبيح يفعله، وأن إتيانهم المنكر وعدم تناهيهم عنه لمن أقبح ما كانوا يفعلون. 80- ترى كثيراً من بنى إسرائيل يتحالفون مع المشركين، ويتخذونهم أنصاراً يتعاونون فيما بينهم على حرب الإسلام. إن هذا الشر عمل ادخرته لهم أنفسهم، ليجدوا جزاءه غضباً من الله، وخلوداً فى عذاب جهنم. 81- ولو صحت عقيدة هؤلاء فى الإيمان بالله ورسوله محمد، وما أنزل إليه من القرآن لمنعهم ذلك الإيمان عن موالاتهم للكفار ضد المؤمنين، ولكن كثيراً من بنى إسرائيل عاصون خارجون عن الأديان.
القطان
تفسير : الغلو: الإفراط وتجاوز الحد. الأهواء: الآراء التي تدعو اليها الشهوة. سواء السبيل: وسطه. قل أيها الرسول لليهود والنصارى: أتعبدون غير الله مّمن لا يملك لكم ضُرّاً تخشَونه ولا نفعاً ترجون ان يجزيكم به اذا عبدتموه!!. كَيف تتركون عبادة الله، وهو الاله القادر على كل شيء، السميع العالم بكل شيء!! يا أيها اليهود والنصارى، إن الله ينهاكم عن الإفراط في معتقداتكم فتتجاوزوا حدود الحق الى الباطل. ولا تتّبعوا أهواء أسلافكم الذين ضلّوا عن الحق من قبل، وأضلّوا خلقاً كثيراً معهم. لقد حادوا عن الصراط المستقيم، وهو دين الاسلام، فلا تقتفوا آثارهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (76) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَالأنْدَادَ وَالأوْثَانَ وَالمَخْلُوقَاتِ، ضَلاَلَهُمْ وَكُفْرَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ مَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: قُلْ لِهَؤُلاَءِ النَّصَارَى وَأمْثَالِهِمْ مِمَّنْ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ: أَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللهِ الوَاحِدِ الأحَدِ، وَهُوَ القَوِيُّ القَادِرُ، الخَالِقُ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتَعْبدُونَ مَا لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِغَيْرِهِ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً؟ وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوزاً، مِنْ بَشَرٍ وَصَنَمٍ وَأنْدَادٍ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والعقل يستنكر أن نعبد أحداً غير الله، فغيره لا يملك أن يصنع الضر للخصوم، ولا النفع لنفسه أو لأشياعه وأنصاره بدليل أن الأعداء فعلوا ما فعلوه وما ملك عيسى عليه السلام أو الحواريون أن يضروهم ولا استطاعوا أن يفعلوا شيئاً ينفعون به أنفسه. ويختم الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. وكلمة "السميع" تدل على قول. وكلمة "العليم" تدل على شيء يدور في الخواطر، والشيء الذي يدور في الخواطر أهو حراسة سلطة زمنية جعلتهم يقولون هذا الكلام؟ إنه سبحانه العليم بذلك. فإن كان قد حصل كلام فهو قد سمعه، وإن كانت قد دارت خواطر في النفس فهو يعلمها؛ لأن العاقل قبل أن يتكلم لا بد أن يدير الكلام في النفس. وكل كلام لا بد له من نزوع. وهو سبحانه السميع العليم أزلا وأبدًا. ويقول الحق: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ...}
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {أَتَعْبُدُونَ} وتؤمنون {مِن دُونِ ٱللَّهِ} المتفرد بالألوهية والوجود {مَا} أي: أضلالاً وتماثيل {لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ} ولا لأنفسهم {ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} ولا وجوداً، ولا حياة، بل ما هي إ لا تماثيل موهومة، وعكوس معدومة تنعكس من أشعة التجليات الإلهية، ليس لها في أنفسها أوصاف وآثار {وَٱللَّهُ} المتجلي في الآفاق بالاستحقاق {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} في مظاهره لا غيره؛ إذ لا غير {ٱلْعَلِيمُ} [المائدة: 76] أيضاً فيها، فله الاستقلال في التصرف في ملكه وملكوته بلا مشاركة أحدٍ ومظارته. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} أي: النصارى {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} ونبيكم {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} اقتراءً ومراءً، سيما بعد ظهور المبيِّن، المؤيَّد، المدَّق {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ} من أسلافكم {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} عن طريق الحق {وَ} مع ذلك لا يقتصرون على الضلال بل {أَضَلُّواْ كَثِيراً} من ضعفائهم وعوامهم {وَ} هم قوم {ضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 77] بلا هادٍ ومنبهٍ يهديهم إليه، وما لكم تضلون عنه مع وجود المنبة المؤيد من عند الله، الهادي بالهداية العامة إلى صراط مستقيم، موصلٍ إلى مقر التوحيد. {لُعِنَ} أي: طُرد ، وحُرم، ورُدَّ من مقر العز ومرتبة النيابة {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أيضاً {ذٰلِكَ} الطرد واللعن {بِمَا عَصَوْا} على الله بعدم امتثال أوامره واجتناب نواهيه {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78] يتجاوزون عن مرتبة الإنسانية بالخروج عمَّا حدَّ الله لهم، وبيَّنه في كتابه إلى ما تهوى أنفسهم، وترضى عقولهم. {كَانُواْ} من غاية غفلتهم وانهماكهم {لاَ يَتَنَاهَوْنَ} أي: لا ينهون أنفسهم {عَن مُّنكَرٍ} مخالف للشرع {فَعَلُوهُ} بعد تنبههم بمخالفته، بل يصرون عليها؛ عناداً واستكباراً، والله {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] لأنفسهم ذلك المنكر، والإصرار المستجلب للعذاب والنكال.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم نفى إيصال النفع والضر عن قدرة عيسى عليه السلام مع تمكينه من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقال تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} [المائدة: 76]؛ لكي تهتدوا إلى التوحيد، ولتعلموا أن ما ظهر عن عيسى عليه السلام من الإبراء والإحياء كان بإذن الله وقدرته {وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [المائدة: 76]، بما تحدث به أنفسهم عند تعليق القلوب بدون الرب في استدفاع الشر واستجلاب الخير {ٱلْعَلِيمُ} [المائدة: 76]، بمن يدفع عنهم الشر ويصيبهم الخير، فإذا الضار والنافع وهو الذي يخاف ويرجى في الضراء والسراء لا غير. ثم أخبر عن الغلو من السلو بقوله تعالى: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} [المائدة: 77]، إشارة أن الخطاب في قوله تعالى: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} [المائدة: 77]، مع المقلدين من أهل الكتاب؛ لأنه قال {فِي دِينِكُمْ} [المائدة: 77] أي: في مذهبكم الذي اتخذتم بالتقليد من أهل الأهواء والبدع، ما قال في الدين مطلقاً؛ لأن الغلو في دين الحق حق، ولهذا قال تعالى: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} [المائدة: 77]؛ أي: فيما غير الحق من دينكم؛ يعني: الغلو بما هو الحق من دينكم حق، ثم أكد ما بقوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} [المائدة: 77]؛ إذ غلب عليهم الهوى فاتخذوه إلهاً يعبدونه على اتباعه، وزين الشيطان في أعينهم الشبه المعقولة والمشوبة بالهوى فضلوا بها من قبل {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ} [المائدة: 77]، من جهال المبتدعة ومقلديهم في اتباع أهوائهم وشبههم، وضلوا يعني: كلا الفريقين التابع والمتبوع {عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 77]؛ يعني: استقامة طريق الوصول إلى الحق، فإن الهداية الحقيقية هي الانقطاع عن الخلق والتولي عن طريقه {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} [المائدة: 78]، فيه إشارة إلى سر الخلافة، وهو أن الإنسان الكامل الذي يصلح للخلافة الحق هو مظهر صفات لطفه للحق وقهره، فقبولهم قبول الحق، وردهم رد الحق، ولعنهم لعن الحق، وصلاتهم صلاة الحق، فمن لعنوه فقد لعنه الحق، ومن صلوا عليه فقد صلى عليه الحق، وصلاتهم صلاة الحق، لقوله تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ}تفسير : [التوبة: 103]، ثم قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ}تفسير : [الأحزاب: 43]، فمظهر اللعن كان لسان داود وعيسى، وكانت اللعنة من الله حقيقة، كقوله: {أية : لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ}تفسير : [النساء: 47]، وهم الذين لعنهم داود عليه السلام صرح هاهنا أن اللعن كان منه تعالى: وإن كان لسان داود {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]؛ أي: موجب اللعن كان مخالفة أمر الحق والاعتداء وهو الإصرار على العصيان وترك التوبة يدل عليه بالعدة {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79]؛ يعني: كانوا يصرون على فعل المنكر، وإنما سمي العصيان منكراً؛ لأنه يوجب المنكرة كما سمي الطاعة معروفاً؛ لأنها توجب المعرفة {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79]، الإصرار على الفعل المنكر لأن الإقدام على الفعل المنكر معصية والإصرار على المعصية كفر.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { قُلْ } لهم أيها الرسول: { أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ } من المخلوقين الفقراء المحتاجين، { ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا } وتدعون من انفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع، { وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات. { الْعَلِيمُ } بالظواهر والبواطن، والغيب والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة، فالكامل تعالى الذي هذه أوصافه هو الذي يستحق أن يفرد بجميع أنواع العبادة، ويخلص له الدين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):