Verse. 746 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قُلْ يٰۗاَہْلَ الْكِتٰبِ لَا تَغْلُوْا فِيْ دِيْنِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوْۗا اَہْوَاۗءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوْا مِنْ قَبْلُ وَاَضَلُّوْا كَثِيْرًا وَّضَلُّوْا عَنْ سَوَاۗءِ السَّبِيْلِ۝۷۷ۧ
Qul ya ahla alkitabi la taghloo fee deenikum ghayra alhaqqi wala tattabiAAoo ahwaa qawmin qad dalloo min qablu waadalloo katheeran wadalloo AAan sawai alssabeeli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل يا أهل الكتاب» اليهود والنصارى «لا تغلوا» لا تجاوزوا الحد «في دينكم» غلوّا «غير الحق» بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه فوق حقه «ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل» بغلوهم وهم أسلافُهم «وأضلوا كثيرا» من الناس «وضلُّوا عن سواء السبيل» عن طريق الحق والسواء في الأصل الوسط.

77

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقّ }. اعلم أنه تعالى لما تكلم أولاً على أباطيل اليهود،ثم تكلم ثانياً على أباطيل النصارى وأقام الدليل القاهر على بطلانها وفسادها، فعند ذلك خاطب مجموع الفريقين بهذا الخطاب فقال { يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقّ } والغلو نقيض التقصير. ومعناه الخروج عن الحد، وذلك لأن الحق بين طرفي الافراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير. وقوله {غَيْرَ ٱلْحَقّ } صفة المصدر، أي لا تغلوا في دينكم غلواً غير الحق، أي غلواً باطلاً، لأن الغلو في الدين نوعان: غلو حق، وهو أن يبالغ في تقريره وتأكيده، وغلو باطل وهو أن يتكلف في تقرير الشبه وإخفاء الدلائل، وذلك الغلو هو أن اليهود لعنهم الله نسبوه إلى الزنا. وإلى أنه كذاب، والنصارى ادعوا فيه الإلۤهية. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الأهواء هٰهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [صۤ: 26] {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ } تفسير : [طه: 16] {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3] {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] قال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر. لا يقال: فلان يهوى الخير، إنما يقال: يريد الخير ويحبه. وقال بعضهم: الهوى إلۤه يعبد من دون الله. وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشد في ذم الهوى:شعر : إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا تفسير : وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك، فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة. المسألة الثانية: أنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال، فبين أنهم كانوا ضالين من قبل ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى أنهم الآن ضالون كما كانوا، ولا نجد حالة أقرب إلى العبد من الله والقرب من عقاب الله تعالى من هذه الحالة. نعوذُ بالله منها، ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا، ثم ضلوا بسبب اعتقادهم في ذلك الاضلال أنه إرشاد إلى الحق، ويحتمل أن يكون المراد بالضلال الأول الضلال عن الدين، وبالضلال الثاني الضلال عن طريق الجنة. واعلم أنه تعالى لما خاطب أهل الكتاب بهذا الخطاب وصف أسلافهم فقال تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي لا تُفْرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى؛ غُلُوّ اليهود قولهم في عيسى، ليس ولد رِشْدَة، وغلو النصارى قولهم: إنه إله. والغلُوّ مجاوزة الحدّ؛ وقد تقدم في «النساء» بيانه. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ} الأهواء جمع هوًى وقد تقدّم في «البقرة». وسُمّي الهوى هوًى لأنه يَهْوِي بصاحبه في النار. {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} قال مجاهد والحسن: يعني اليهود. {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} أي أضلوا كثِيراً من الناس. {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم. وتكرير ضلوا على معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد؛ والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ } اليهود والنصارى {لاَ تَغْلُواْ } تجاوزوا الحدّ {فِى دِينِكُمْ } غلوا {غَيْرَ ٱلْحَقّ } بأن تضعوا عيسى أو ترفعوه فوق حقه {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } بغُلُوِّهم وهم أسلافُهم {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } من الناس {وَضَلُّواْ عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } طريق الحق و(السواء) في الأصل الوسط.

ابن عادل

تفسير : لما تكلَّمَ أوَّلاً على أباطيلِ اليهُودِ، ثم تكلَّم ثانياً على أباطيلِ النَّصَارى، وأقَامَ الدَّلائل على بُطْلانِها وفسادِهَا، فعند هذا خاطب مجمُوعَ الفريقَيْنِ، فقال تعالى: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ}، أي: لا تتجاوَزُوا الحَدَّ، والغُلُوُّ نَقيضُ التَّقْصِير، ومعْنَاهُ: الخُرُوجُ عَنِ الحَدِّ. قوله تعالى: "غَيْرَ الحَقِّ": فيه خمسة أوجه: أحدها: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: لا تَغْلُوا في دينكُمْ غُلُوًّا غَيْرَ الحقِّ، أي: غُلُوًّا باطلاً، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره. الثاني: أنه منصوبٌ على الحال من ضمير الفاعلِ في "تَغْلُوا"، أي: لا تَغْلُوا مُجاوِزينَ الحَقَّ، ذكره أبو البقاء. الثالث: أنه حالٌ من "دينكُمْ"، أي: لا تغلُوا فيه وهو باطلٌ، بل اغْلُوا فيه وهُوَ حَقٌّ؛ ويؤيِّد هذا ما قاله الزمخشريُّ؛ فإنه قال: "لأنَّ الغُلُوَّ في الدين غُلُوَّانِ: حقٌّ؛ وهو أنْ يُفْحَصَ عن حقائقه، ويُفَتَّشَ عن أباعدِ معانيه، ويُجْتَهَد في تحصيله حُجَجه، وغُلُوٌّ باطلٌ؛ وهو أن يتجاوز الحقَّ ويتخطَّاه بالإعْرَاضِ عن الأدلَّة". الرابع: أنه منصوبٌ على الاستثناء المتَّصل. الخامس: على الاستثناء المنقطع، ذكر هذين الوجهين أبو حيان عن غيره، واستبعدَهُما؛ فإنه قال: وأبعد من ذهب إلى أنها استثناءٌ متَّصِلٌ، ومن ذهب إلى أنها استثناءٌ منقطعٌ، ويقدِّره بـ "لَكِنَّ الحقَّ فاتَّبِعُوهُ" قال شهاب الدين: والمستثنى منه يَعْسُرُ تعيينُه، والذي يظهر فيه: أنه قوله تعالى: "في دينكُمْ"؛ كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينكُم إلا الدِّينَ الحقَّ، فإنه يجوز لكم الغلوُّ فيه، ومعنى الغلُوِّ فيه ما تقدَّم من تقرير الزمخشريِّ له. وذكر الواحديُّ فيه الحالَ والاستثناء، فقال: وانتصابُ "غَيْرَ الحَقِّ" من وجهين: أحدهما: الحالُ والقَطْعُ من الدِّينِ؛ كأنه قيل: لا تَغْلُوا في دينِكُمْ مخالِفيَن للحَقِّ؛ لانهم خالَفُوا الحقَّ في دينهمْ، ثم غلوْا فيه بالإصْرارِ عليه. والثاني: أن يكون منصوباً على الاستثناء، فيكون "الحَقّ" مستثنًى من المَنْهِيِّ عن الغلوِّ فيه؛ بأنْ يجوزَ الغلوُّ فيما هو حقٌّ على معنى اتباعه والثبات عليه، وهذا نصٌّ كما ذكرنا من أنَّ المستثنى هو "دِينُكُمْ". وتقدَّم معنى الغُلُوِّ في سورة النساء [الآية 171] فظاهرُ هذه الأعاريب المتقدِّمةِ: أنَّ "تَغْلُوا" فعلٌ لازمٌ، وكذا نصَّ عليه أبو البقاء، إلا أن أهل اللغةِ يفسِّرونهُ بمعنى متعدٍّ؛ فإنهم قالوا: معناه لا تتجَاوَزُوا الحدَّ، قال الراغب: الغُلُوُّ تجاوزُ الحَدِّ، يقال ذلك إذا كان في السِّعْرِ "غَلاَءً"، وإذا كان في القَدْرِ والمنزلةِ "غُلُوًّا"، وفي السهم "غَلْواً"، وأفعالها جميعاً غَلاَ يَغْلُو؛ فعلى هذا: يجوز أن ينتصب "غَيْرَ الحَقِّ" مفعولاً به، أي: لا تتجاوَزُوا في دينكُمْ غير الحقِّ، فإنْ فسَّرنا "تَغْلُوا" بمعنى تتباعَدُوا من قولهم: "غَلاَ السَّهْمُ"، أي: تباعدَ كان قَاصِراً، فيحتمل أن يكون من قال بأنه لازمٌ، أخذه من هذا لا من الأوَّل. فصل في معنى الآية قال بعضُ المُفَسِّرين: معنى قوله "غَيْر الحَقِّ" أي: في دينِكُمُ المُخالِف للحَقِّ؛ لأنَّهُمْ خَالَفُوا الحقَّ في دينهِمْ، ثُمَّ غَلَوْا فيه بالإصْرَار عَليْه. وقال ابْنُ الخَطيبِ: مَعْنَى الغُلُّو الباطل: أن تَتَكَلَّفَ الشُّبَهَ وإخْفَاءَ الدَّلائلِ، وذلك الغُلُوُّ أنَّ اليهُودَ - لعنُهُم اللَّهُ - نَسَبُوا سَيِّدنَا عيسَى - عليه الصلاة والسلام - إلى الزِّنَا وإلى أنَّهُ كَذَّابٌ والنَّصارى - لعنهم اللَّهُ - ادَّعَوا فيه الإلَهِيَّةِ. قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} الآية. الأهْوَاء: جمْعُ الهَوَى، وهو ما تَدْعُو إلَيْه شهوةُ النَّفْسِ. والمراد هَاهُنَا: المذاهِبُ الَّتِي تدعو إليها الشَّهْوةُ دُونَ الحُجَّة. قال الشَّعْبِيُّ: ما ذكر اللَّهُ بلفظ الهوى في القُرآن إلاَّ ذَمَّهُ. قال تعالى: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [ص: 26]، {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ} تفسير : [طه: 16]، {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3]، {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الفرقان: 43]. قال أبُو عُبَيْدٍ: لم نجدِ الهوى يوضع إلا في مَوْضِعِ الشَّرِّ، لا يقال: فلانٌ يَهْوَى الخَيْر، إنما يقال: يريدُ الخَيْر ويُحِبُّهُ. وقال بعضُهم: الهَوَى إلهُ يعبدُونَهُ من دُونِ اللَّهِ. وقيل: سُمِّي الهَوَى هَوى؛ لأنَّهُ يَهْوِي بَصَاحِبِه في النَّارِ وأنْشَدُوا في ذَمِّ الهَوَى قوله: [الكامل] شعر : 2029- إنَّ الهَوَى لَهُوَ الْهَوَانُ بِعَيْنِهِ فَإذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيتَ هَوَانَا تفسير : وقالَ رَجُلٌ لابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهُمَا -: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَل هَوَايَ على هواك، فقال ابنُ عبَّاس: "كُلَّ هوى ضلالةٌ". قوله تعالى: {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} في نصب "كثيراً" وجهان: أحدهما: أنه مفعولٌ به، وعلى هذا أكثرُ المتأوِّلين؛ فإنهم يفسِّرونه بمعنى: وأضلُّوا كَثِيراً مِنْهُمْ أو مِنَ المُنَافِقِينَ. والثاني: أنه منصوبٌ على المصدرية، أي: نعت لمصدرٍ محذوف، أي: إضلالاً كثيراً، وعلى هذا، فالمفعولُ محذوف، أي: أضَلُّوا غَيْرَهُمْ إضْلالاً كَثِيراً. فصل اعلم أنَّهُ تعالى وَصَفَهُمْ بثلاثِ دَرَجَات في الضَّلالِ، فَبَيَّنَ أنَّهُم كانوا ضَالِّين من قبل. والمراد رُؤسَاء الضَّلالةِ من فَرِيقَيِ اليهُود والنَّصَارى لِمَا تَبَيَّنَ، والخطاب لِلَّذِين في عَصْرِ النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، نُهُوا عن اتِّباعِ أسلافِهِم فيما ابْتَدَعُوه بأهْوَائِهِم، فتبيَّن أنهم كانوا مُضِلِّينَ لغيرهم، ثم ذكروا أنَّهُمْ استَمَرُّوا على تلك الحَالَةِ، حتى أنَّهم الآن ضَالُّون كما كَانُوا، ولا نجد حالةً أقْرَبَ إلى البُعْدِ من اللَّه تعالى، والقُرْب من عِقَابِ اللَّهِ من هذه الحالة - نعُوذُ باللَّه منها -. ويحتَملُ أن يكُون المُرَادُ أنَّهُم ضَلُّوا وأضَلُّوا، ثمَّ ضلُّوا بسبب اعتقادِهِمْ في ذلك الإضلال أنَّهُ إرشادٌ إلى الحقِّ، ولمَّا خَاطَبَهُمْ بهذَا الخطابِ وصَفَ أسلافهم، فقال تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ}. قال أكثر المفسِّرِين: يعني أهْلَ "أيلة" لمَّا اعْتَدُوا في السَّبْتِ قال داوُدُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْهُم واجْعلْهُم آيَةً" فَمُسِخُوا قِرَدَةً، وأصحاب المائدة لما أكلُوا من المائدة، ولم يُؤمِنُوا، قال عيسى - عليه السلام -: اللَّهُمَّ العَنْهُم كما لَعَنْتَ أصْحَابَ السَّبْتِ، فأصْبَحُوا وقد مسخوا خنازير، وكانوا خمسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فيهمُ امْرأةٌ ولا صَبِيٌّ. قال بعضُ العُلَماء: إنَّ اليَهُود كانُوا يفْتَخِرُون بأنَّهُم من أوْلاد الأنْبِيَاء، فَذَكَر اللَّهُ هذه الآيَة؛ لتَدُلَّ على أنَّهُمْ مَلْعُونِين على ألْسِنَةِ الأنْبِيَاءِ - عليهم الصلاة والسلام -. وقيل: إنَّ داوُدَ وعيسى - عليهما الصلاة والسلام - بَشَّرَا بِمُحَمَّدٍ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -، ولعنَا من يُكَذِّبُه وهو قولُ الأصَمِّ. قوله تعالى: {مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}: في محلِّ نصْبٍ على الحال، وصاحبُها: إمَّا "الَّذينَ" وإمَّا واو "كَفَرُوا" وهما بمعنى واحدٍ، وقوله: {عَلى لِسَانِ دَاوُودَ وعيسَى} المرادُ باللسانِ الجارحةُ، لا اللغةُ، كذا قال أبو حيان، يعني: أنَّ الناطِقَ بلعْنِ هؤلاء لسانُ هذيْن النبيَيْنِ، وجاء قوله "عَلَى لِسَانِ" بالإفرادِ دون التثنيةِ والجَمْعِ، فلم يَقُلْ: "عَلَى لِسَانَيْ" ولا "عَلَى ألْسِنَةِ" لقاعدةٍ كليةٍ، وهي: أن كلَّ جزأيْنِ مفردَيْنِ من صاحبيهما، إذا أُضِيفَا إلى كليهما من غير تفريقٍ، جازَ فيهما ثلاثةُ أوجه: لفظُ الجمعِ - وهو المختارُ -، ويليه التثنيةُ عند بعضهم، وعند بعضهم الإفرادُ مقدَّمٌ على التثنية، فيقال: "قطَعْتُ رُءُوسَ الكَبْشَيْنِ"، وإنْ شئْتَ: رَأسَي الكَبْشَيْن، وإن شئْتَ: رَأسَ الكَبْشَيْنِ، ومنه: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]. فقولي "جُزْأيْن": تحرُّزٌ من شيئين ليْسَا بجزأيْن؛ نحو: "دِرْهَمَيْكُمَا"، وقد جاء: "مِنْ بُيُوتِكُمَا وعَمَائِمِكُمَا وأسْيَافِكُمَا" لأمْنِ اللَّبْسِ. وبقولي: "مُفْردَيْنِ": من نحو: "العَيْنَيْنِ واليَدَيْنِ"، فأمَّا قوله تعالى: {أية : فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38] ففُهِم بالإجْماعِ. وبقولي: "مِنْ غَيْرِ تَفريقٍ": تحرُّزٌ من نحو: قطعْتُ رَأسَ الكَبْشَيْنِ: السَّمِين والكَبْشِ الهَزيلِ؛ ومنه هذه الآية، فلا يجوزُ إلا الإفرادُ، وقال بعضهم: "هُوَ مُخْتَارٌ"، أي: فيجوز غيرُه، وقد مضى تحقيقُ هذه القاعدةِ. قال شهاب الدين: وفي النفسِ من كونِ المرادِ باللسان الجارحةَ شيءٌ، ويؤيِّد ذلك ما قاله الزمخشريُّ؛ فإنه قال: "نَزَّلَ اللَّهُ لَعْنَهُمْ في الزَّبُورِ على لسانِ دَاوُدَ، وفي الإنجيلِ على لسانِ عيسى"، وقوةُ هذا تأبَى كونه الجارحةَ، ثم إنِّي رأيتُ الواحديَّ ذكر عن المفسِّرين قولين، ورجَّح ما قلته؛ قال - رحمه الله -: "وقال ابن عبَّاس: يريد في الزَّبُور وفي الإنجِيلِ، ومعنى هذا: أنَّ اللَّهَ تعالى لَعَنَ في الزَّبُور من يكْفُرُ مِنْ بني إسرائيل، وكذلك في الإنجيلِ، وقيل: على لسان دَاوُدَ وعيسَى؛ لأنَّ الزبورَ لسانُ داوُدَ، والإنجيلَ لسانُ عيسى"، فهذا نصٌّ في أن المراد باللسانِ غيرُ الجارحَةِ، ثم قال: وقال الزَّجَّاج: "وجائزٌ أن يكون داوُدُ وعيسَى عَلِمَا أنَّ محمَّداً نَبِيٌّ مبعوثٌ، وأنهما لَعَنَا من يَكْفُرُ به"، والقول هو الأوَّل، فتجويزُ الزجَّاجِ لذلك ظاهرٌ أنه يرادُ باللسانِ الجارحةُ، ولكن ليس قولاً للمفسِّرين، و"عَلَى لسانِ" متعلِّقٌ بـ "لُعِنَ" قال أبو البقاء: "كما يُقال: جَاءَ زَيْدٌ على فَرَسٍ"، وفيه نظرٌ؛ إذ الظاهر أنه حالٌ، وقوله: "ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا" قد تقدَّم نظيره، وقوله: "وَكَانوا يَعْتَدُونَ" في هذه الجملةِ الناقصةِ وجهان: أظهرهما: أن تكون عطفاً على صلةِ "مَا" وهو "عَصَوْا"، أي: ذلك بسبب عصيانِهم وكونهم معتدين. والثاني: أنها استئنافيةٌ، أي: أخبر الله تعالى عنهم بذلك، قال أبو حيان: "ويُقَوِّي هذا ما جاءَ بعده كالشَّرْحِ له، وهو قولُه: كانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ".

البقاعي

تفسير : ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى، ولم يبق لأحد علة، أمره صلى الله عليه وسلم أن ينهى الفريقين عن الغلو بالباطل في أمر عيسى عليه السلام: اليهود بإنزاله عن رتبته، والنصارة برفعه عنها بقوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب} أي عامة {لا تغلوا} أي تجاوزوا الحد علواً ولا نزولاً {في دينكم}. ولما كان الغلو ربما أطلق على شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص، نفى ذلك بقوله: {غير الحق} وعرّفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي عنها، وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها، ولو نكر لكان من جاوز حقاً إلى غيره واقعاً في النهي، كما جاوز الاجتهاد في الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع، ولو قيل: باطلاً، لأوهم أن المنهي عنه المبالغة في الباطل، لا أصله ومطلقه. ولما نهاهم أن يضلوا بأنفسهم، نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال: {ولا تتبعوا} أي فاعلين فعل من يجتهد في ذلك {أهواء قوم} أي هَوَوا مع ما لهم من القوة، فكانوا أسفل سافلين، والهوى لا يستعمل إلا في البشر {قد ضلوا} ولما كان ضلالهم غير مستغرق للزمان الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل زمانكم هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في محالهم {وأضلوا} أي لم يكفهم ضلالُهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم {كثيراً} أي من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقاً {وضلوا} أي بعد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة الشرع {عن سواء} أي عدل {السبيل *} أي الذي لا سبيل في الحقيقة غيره، لأن الشرع هو الميزان القسط والحكم العدل، وهذا إشارة إلى أنهم إن لم ينتهوا كانوا على محض التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج وترك الاهتداء بنور العلم، وهذا غاية في التبكيت، فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه الحق كان جهلاً، فكيف وإنما هو تقليد في هوى. ولما نهاهم عن ذلك وقبحه عليهم. علله محذراً منه بقوله تعالى بانياً للمفعول، لأن الفاعل معروف بقرينة من هو على لسانهما: {لعن} ووصفهم بما نبه على علة لعنهم بقوله: {الذين كفروا} وصرح بنسبتهم تعييناً لهم وتبكيتاً وتقريعاً فقال: {من بني إسرائيل} وأكد هذا اللعن وفخمه بقوله: {على لسان داود} أي الذي كان على شريعة موسى عليه السلام، وذلك باعتدائهم في السبت فصاروا قردة {وعيسى ابن مريم} أي الذي نسخ شرع موسى عليه السلام، بكفرهم بعد المائدة فمسخوا خنازير، لأنهم خالفوا النبيين معاً، فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود عليه السلام من شرعهم الذي هم مدعون التمسك به، وعارفون بأن ما دعاهم إليه منه حقاً، ولا هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى عليه السلام في بشارته به متقيدين بطاعته، فلم تبق لهم علة من التقيد به ولا التقيد بحق دعاهم إليه غيره، فعلم قطعاً أنهم مع الهوى كما مضى، ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام، فإنه لا نسب لأحد عند الله دون التقوى لا سيما في يوم الفصل إذ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين. ولما أخبر بلعنهم وأشار إلى تعليله بكفرهم، صرح بتعليله بقوله: {ذلك} أي اللعن التام {بما} أي بسبب ما {عصوا} أي فعلوا في ترك أحكام الله فعل العاصي على الله {وكانوا يعتدون *} أي كانت مجاوزة الحدود التي حدها الله لهم خلقاً. ذكر الإشارة إلى لعنهم في الزبور والإنجيل، قال في المزمور السابع والسبعين من الزبور: أنصت يا شعبي لوصاياي، قربوا أسماعكم إلى قول فمي، فإني أفتح بالأمثال فمي، وأنطق بالسرائر الأزلية التي سمعناها وعرفناها وأخبرنا آباؤنا بها ولم يخفوها عن أبنائهم ليعرفوا الجيل الآتي تسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنعها، أقام شهادته في يعقوب وجعل ناموساً في إسرائيل كالذي أوصى آباءنا ليعلموا أبناءهم، لكيما يخبر الجيل الآخر البنين الذين يولدون ويقومون، ويعلمون أيضاً بنيهم أن يجعلوا توكلهم على الله ولا ينسوا أعمال الرب، ويتبعوا وصاياه لئلا يكونوا كآبائهم الجيل المنحرف المخالف الخلف الذي لم يثق قلبه ولم يؤمن بالله المفرج عنه، بنو إفرام الذين أوتروا ورفعوا عن قسيهم وانهزموا في يوم القتال لأنهم لم يحفظوا عهد الرب ولم يشاؤوا أن يسيروا في سبله، ونسوا حسن أعماله وصنائعه التي أظهرها قدام آبائهم، العجائب التي صنعها بأرض مصر في مزارع صاعان، فلق البحر وأجازهم وأقام المياه كالزقاق، هداهم بالنهار في الغمام وفي الليل أجمع بمصابيح النار، فلق صخرة في البرية وسقاهم منها كاللجج العظيمة، أخرج الماء من الحجر فجرت المياه كجري الأنهار، وعاد الشعب أيضاً في الخطيئة، وأسخطوا العلي حيث لم يكن ماء، جربوا الله في قلوبهم بمسألة الطعام لنفوسهم، وقذفوا على الله وقالوا: هل يقدر أن يصنع لنا مائدة في البرية، لأنه ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت الأودية، هل يستطيع أن يعطينا خبزاً أو يعد مائدة لشعبه، سمع الرب فغضب واشتعلت النار في يعقوب، وصعد الرجزُ على إسرائيل لأنهم لم يؤمنوا بالله ولا رجوا خلاصه، فأمر السحاب من فوق وانفتحت أبواب السماء ليشبعوا، أهاج ريح التيمن من السماء وأتى بقوة العاصف، وأنزل اللحم مثل التراب وطير السماء ذات الأجنحة مثل رمل البحار، يسقطن في محالهم حول خيامهم، فأكلوا وشبعوا جداً، أعطاهم شهوتهم ولم يحرمهم إرادتهم، فبينما الطعام في أفواههم إذ غضب الله نزل عليهم فقتل في كثرتهم وصرع في مختاري إسرائيل، ومع هذا كله أخطؤوا إليه أيضاً ولم يؤمنوا بعجائبه، فنيت بالباطل أيامهم، وتصرمت عاجلاً سنوهم، فحين قتلهم رغبوا إلى الله وعادوا وابتكروا إليه وذكروا أن الله معينهم وأن الله العلي مخلصهم، أحبوه بأفواههم وكذبوه بألسنتهم، ولم تخلص له قلوبهم ولم يؤمنوا بعهده، وهو رحيم رؤوف، يغفر ذنوبهم ولا يهلكهم، ويرد كثرة سخطه عنهم ولا يبعث كل رجزه، وذكر أنهم لحم وروح يذهب ولا يعود، مراراً كثيرة أسخطوه في البرية وأغضبوه في أرض ظامئة، وعادوا وجربوا الله وأسخطوا قدوس إسرائيل، ولم يذكروا يده في يوم نجاهم من المضطهدين - انتهى. هذا بعض ما في الزبور، وأما الإنجيل فطافح بذلك، منه ما في إنجيل متى، قال: وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى عبر الجليل، وصعد إلى الجبل وجلس هناك، وجاء إليه جمع كبير معهم خرس وعمى وعرج وعسم وآخرون كثيرون، فخروا عند رجليه فأبرأهم، وتعجب الجمع لأنهم نظروا الخرس يتكلمون والصم يسمعون والعرج يمشون والعمى يبصرون، ومجدوا إله إسرائيل، وإن يسوع دعا تلاميذه وقال لهم: إني أتحنن على هذا الجمع، لأن لهم معي ثلاثة أيام ههنا، وليس عندهم ما يأكلون، ولا أريد أطلقهم صياماً لئلا يضيعوا في الطريق، قال مرقس: لأن منهم من جاء من بعيد - انتهى. قال له التلاميذ: من أين نجد من خبز القمح في البرية ما يشبع هذا الجمع؟ فقال لهم يسوع: كم عندكم من الخبز؟ فقالوا: سبعة أرغفة ويسير من السمك، فأمر الجمع أن يجلس على الأرض وأخذ السبع خبزات والسمك وبارك وكسر وأعطى تلاميذه، وناول التلاميذ الجمع، فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا فضلات الكسر سبع قفاف مملوءة، وكان الذين أكلوا نحو أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان، وأطلق الجمع وصعد السفينة وجاء إلى تخوم مجدل - وقال مرقس: إلى نواحي مابونا - وجاء الفريسيون والزنادقة يجربونه ويسألونه أن يريهم آية من السماء، فأجابهم يسوع قائلاً: إذا كان المساء قلتم: إن السماء صاحية - لاحمرارها، وبالغداة تقولون: اليوم شتاء - لاحمرار جو السماء العبوس، أيها المراؤون! تعلمون آية هذا الزمان، الجيل الشرير الفاسق يطلب آية، ولا يعطى إلا آية يونان النبي - وتركهم ومضى، ثم جاء التلاميذ إلى العبر ونسوا أن يأخذوا خبزاً - قال مرقس: ولم يكن في السفينة إلا رغيف واحد - وإن يسوع قال لهم: انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والزنادقة - وقال مرقس: وخمير هيرودس - ففكروا قائلين: إنا لم نجد خبزاً، فعلم يسوع فقال لهم: لماذا تفكرون في نفوسكم يا قليلي الأمانة؟ إنكم ليس معكم خبز، أما تفهمون ولا تذكرون الخمس خبزات لخمسة آلاف وكم سلاً أخذتم؟ والسبع خبزات لأربعة آلاف، وكم قفة أخذتم؟ لماذا لا تفهمون؟ لأني لم أقل لكم من أجل الخبز، حينئذ فهموا أنه لم يقل لهم أن يتحرزوا من خمير الخبز، لكن من تعليم الزنادقة والفريسيين، وقال لوقا: تحرزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء، لأنه ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلم، الذي تقولونه في الظلام سيسمع في النور، والذي وعيتموه في الآذان سوف ينادى به على السطوح، أقول لكم: يا أحبائي لا تخافوا ممن يقتل الجسد، وبعد ذلك ليس له أن يفعل أكثر، خافوا ممن إذا قتل له سلطان أن يلقى في نار جهنم - وسيأتي بقية الإشارة إلى لعنهم في سورة الصف إن شاء الله تعالى، والعسم جمع أعسم - بمهملتين، وهو من في يده أو قدمه اعوجاج أو يده يابسة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏لا تغلوا في دينكم‏} ‏ يقول: لا تبتدعوا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏{‏لا تغلوا في دينكم‏}‏ قال‏:‏ الغلو فراق الحق، وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال‏:‏ قد كان قائم قام عليهم، فأخذ بالكتاب والسنة زماناً، فأتاه الشيطان فقال‏:‏ إنما تركب اثراً وأمراً قد عمل به قبلك فلا تحمد عليه، ولكن ابتدع أمراً من قبل نفسك وادع إليه واجبر الناس عليه، ففعل ثم ادّكر من بعد فعله زماناً فاراد أن يموت، فخلع سلطانه وملكه وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أياماً فأتي فقيل له‏:‏ لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم‏؟‏ فلا توبة لك أبداً، ففيه سمعنا وفي اشباهه هذه الآية ‏ {‏يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل‏}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا‏ً} فهم أولئك الذين ضلوا وأضلوا أتباعهم ‏{‏وضلوا عن سواء السبيل‏} عن عدل السبيل‏.‏ والله أعلم‏.‏

القشيري

تفسير : التعمقُ في الباطل قطعٌ لآمال الرجوع؛ فكلما كان بُعْدُ المسافةِ مِنَ الحقِّ أتمَّ كان اليأسُ من الرجعةِ أوجبَ، ومُتَّبعُ الضلالة شرٌّ مِنْ مبتدِعها؛ لأن المبتدعَ يبني والمُتَّبع يُتِمُّ البناء، ومنْ به كمالُ الشرِّ شرُّ ممن منه ابتداءُ الشر.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل يا اهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم غير الحق} اى غلوا باطلا فترفعوا عيسى الى ان تدعوا له الالوهية كما ادعته النصارى او تضعوه فتزعموا انه لغير رشدة كما زعمته اليهود {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل} يعنى اسلافهم وائمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد عليه السلام فى شريعتهم {وأضلوا كثيرا} اى من تابعهم على بدعهم وضلالهم {وضلوا عن سواء السبيل} عن قصد السبيل الذى هو الاسلام بعد مبعثه لما كذبوه وبغوا عليه وحسدوه. قال الشيخ نجم الدين فى تأويلاته ان النصارى لما ارادوا ان يسلكوا طريق الحق بقدم الفعل وينظروا الى احوال الانبياء بنظر العقل تاهوا فى اودية الشبهات وانقطعوا فى بوادى الهلكات جل جناب القدس عن ادراك عقول الانس هيهات هيهات وهذا حال من يحذو حذوهم ويقفوا اثرهم فاطرت النصارى عيسى عليه السلام اذ نظروا بالعقل فى امره فوجدوه مولودا من ام بلا اب فحكم عقلهم ان لا يكون مولود بلا اب فينبغى ان يكون هو ابن الله واستدلوا على ذلك بانه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرىء الاكمه والابرص ويحيى الموتى ويخبر عما يأكلون فى بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات الله تعالى ولو لم يكن المسيح ابن الله لما امكنه هذا وانما امكنه لان الولد سر ابيه. وقال بعضهم ان المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حل لاهوتية الحق فى مكان ناسوتيته فصار هو الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم اعلم ان امة محمد لما سلكوا طريق الحق باقدام جذبات الالوهية على وفق المتابعة الحبيبية اسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال كما كان حال الشبلى حين غسل كتبه بالماء وكان يقول نعم الدليل انتم ولكن اشتغالى بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال: وفى المثنوى شعر : جون شدى بر بامهاى آسمان سرد باشد جست وجوى نردبان آينه روشن كه شد صاف وجلى جهل باشد بر نهادن صيقلى ييش سلطان خوش نشسته درقبول جهل باشد جستن نامه ورسول تفسير : فهؤلاء القوم بعدما وصلوا الى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بانوار صفات الجمال ان الانسان هو الذى حمل امانة الحق من بين سائر المخلوقات وهى نور فيض الالوهية بواسطة الانبياء فهم مخصوصون باحسن التقويم فى قبول هذا الكمال فتحقق لهم ان عيسى عليه السلام صار قابلا بعد التزكية للتخلية بفيض الخالقية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا باذن الله ويبرىء الاكمه والابرص ويحيى الموتى باذن الله لا باذنه اعنى كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقية حضرة الالوهية وهذا كما ان لكرة البلور المخروط استعدادا فى قبول فيض الشمس اذا كانت فى محاذاتها فتقبل الفيض وتحرق المحلوج المحاذى لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة فصار للكرة بحسن الاستعداد قابلية لفيض الشمس وظهر منها صفات الشمس وما جلت الشمس فى كرة البلور تفهم ان شاء الله وتغتنم فكذلك حال الانبياء فى المعجزات وكبار الاولياء فى الكرامات والفرق ان الانبياء مستقلون بهذا المقام والاولياء متبعون. قال الامام الغزالى فى قول ابى يزيد انسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فاذا انا هو اذ من انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها لا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له هم سوى الله واذا لم يحل فى القلب الا جلال الله وجماله صار مستغرقا كأنه هو لا انه هو تحقيقا. وقوله ايضا سبحانى ما اعظم شأنى يحمل على انه قد شاهد كمال حظه من صفة القدس فقال سبحانى ورأى عظيم شأنه بالاضافة الى شأن عموم الخلق فقال ما اعظم شأنى وهو مع ذلك يعلم قدسه وعظم شأنه بالاضافة الى الخلق ولا نسبة له الى قدس الرب وعظم شأنه وقول من قال من الصوفية انا الحق فوارد على سبيل التجوز ايضا كما يقول الشاعر انا من اهوى ومن اهوى انا وذلك متأول عند الشاعر فانه لا يعنى به انه هو تحقيقا بل كأنه هو فانه مستغرق بالهم به كما يكون مستغرق الهم بنفسه فيعتبر هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز. قال الشيخ ابو القاسم الجرجانى ان الاسماء التسعة والتسعين تصير اوصافا للعبد السالك وهو بعد فى السلوك غير واصل. فان قلت ما معنى الوصول. قلت معنى السلوك هو تهذيب الاخلاق والاعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد فى جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه الا انه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول وانما الوصول هو ان ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فان نظر الى معرفته فلا يعرف الا الله وان نظر الى همته فلا همة له سواه فيكون كله مشغولا لا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت فى ذلك الى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة وباطنه بتهذيب الاخلاق وكل ذلك طهارة وهى البداءة واما النهاية فان ينسلخ عن نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول: وفى المثنوى شعر : كاركاه كنج حق در نيستيست غره هستى جه دانى نيست جيست آب كوزه جون در آب جوشود محو كردد دروى وجو او شود

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: { يا أهل الكتاب} أي: النصارى، {لا تغلوا في دينكم} وتقولوا قولاً {غير الحق}؛ وهو اعتقادكم في عيسى أنه إله، أو أنه لغير رشدة، ولا تفرطوا، {ولا تتبعوا أهواء قوم} سلفوا قبلكم، وهم أئمتكم في الكفر، {قد ضلوا من قبل} أي: من قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، {وأضلوا} أناسًا {كثيرًا}؛ حملوهم على الاعتقاد الفاسد في عيسى وأمه، فقلدوهم وضلوا معهم، {وضلوا عن سواء السبيل} أي: عن قصد السبيل المستقيم، وهو الإسلام بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم، وقيل: الضلال الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع. قاله البيضاوي. الإشارة: الغلو كله مذموم كما تقدم، وخير الأمور أوسطها، كما تقدم. وقد رخص في الغلو في ثلاثة أمور: أحدها: في مدح النبي صلى الله عليه وسلم فلا بأس أن يبالغ فيه ما لم يخرجه عن طور البشرية، وهذا غلو ممدوح، مقرب إلى الله تعالى، قال في بردة المديح: شعر : دع ما ادَّعَتهُ النَّصَارى في نَبيّهم واحكُم بما شِئتَ مَدحًا فيهِ واحتكَم ِ تفسير : الثاني: في مدح الأشياخ والأولياء، ما لم يخرجهم أيضًا عن طورهم، أو يغض من مرتبة بعضهم، فقد رخصوا للمريد أن يبالغ في مدح شيخه، ويتغالى فيه، بالقيدين المتقدمين؛ لأن ذلك يقربه من حضرة الحق تعالى. والثالث: في تعظيم الحق جل جلاله. وهذا لا قيد فيه ولا حصر. حدث عن البحر ولا حرج، إذا كان ممن يحسن العبارة ويتقن الإشارة، بحيث لا يوهم نقصًا ولا حلولاً. وبالله التوفيق. ولما ذكر مساوئ النصارى ذكر مساوئ اليهود، فقال: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}.

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يخاطب أهل الكتاب، وهم النصارى ها هنا. وقال قوم: المراد به اليهود والنصارى، لأن اليهود أيضاً غلوا في تكذيب عيسى، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) ويقول لهم {لا تغلو في دينكم} ومعناه لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم الى الازدياد. وضده التقصير وهو الخروج عن الحد الى النقصان. والزيادة في الحد والنقصان معاً فساد أي ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو، والتقصير، وهو الاقتصاد. وقوله {ولا تتبعوا أهواء قوم} وقل لهم: لا تسلكوا سبيل الأوائل، لأن الاتباع هو سلوك الثاني طريقة الأول على وجه الاقتداء به وقد يتبع الثاني الأول في الحق وقد يتبعه في الباطل. وإِنما يعلم أحدهما بدليل. والمراد ها هنا النهي عن اتباع سبيلهم الباطل. و {الأهواء} ها هنا المذاهب التي تدعو اليها الشهوة دون الحجة، لأن قد يستثقل النظر لما فيه من المشقة، ويميل طبعه الى بعض المذاهب فيعتقده، وهو ضلال فيهلك به. وقوله: {قد ضلوا من قبل} فيه قولان: قال الحسن، ومجاهد: هم اليهود. وقال أبو علي هم أسلافهم الذين هم رؤساء ضلالتهم الذين سنوا لهم هذا الكفر من الفريقين اليهود والنصارى {وأضلوا كثيراً} يعني هؤلاء الذين ضلوا من قبل وأضلوا أيضاً كثيراً من الخلق. ونسب الاضلال اليهم، من حيث كان بدعائهم وإغوائهم. وقوله {وضلوا عن سواء السبيل} قيل في معناه قولان: أحدهما - ضلوا باضلالهم غيرهم في قول الزجاج. الثاني - وضلوا من قبل، وضلوا من بعد، فلذلك كرر. وقيل {وضلوا من قبل} عن الهدى في الدنيا {وأضلوا كثيراً} عن طريق الجنة. و {سواء السبيل} معناه مستقيم الطريق. والمعنى فيه الحق من الدين، لأنه يستقيم بصاحبه الى الجنة، والخلود في النعيم. وقيل له: سواء لاستمراره على استواء.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ يَـۤأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} غلوّاً غير الحقّ وهو القول والاعتقاد فى الانبياء (ع) زئداً على مرتبة فهمكم او زائداً على مرتبتهم هذا للمتبوعين {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} اى من قبلكم باستبدادهم فى الرّأى من المبتدعين الماضين او الحاضرين وهذا للاتباع المقلّدين {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} باستتباعهم ايّاهم فى رأيهم {وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} السّبيل المستوى الى طرفى الافراط والتّفريط والتّكرار باعتبار انّ الاوّل الضّلال عن احكام النّبوّة القالبيّة والثّانى الضّلال عن احكام الولاية القلبيّة وهذا تعريض بالامّة فى ضلالهم عن احكام محمّد (ص) واقواله وضلالهم عن ولاية علىّ (ع) واتباعه.

اطفيش

تفسير : {قُل يَا أَهْلَ الكِتَابِ}: اليهود والنصارى. {لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ}: فان اليهود غلوا فى ذم عيسى وأمه، اذ قالوا هو ولد زنى، والنصارى غلوا فيه حتى جعلوه الهاً أو ابن الله، وقيل الخطاب للنصارى. {غَيْرَ الحَقِّ}: مفعول لتغلوا لتضمنه معنى القول، أى لا تقولوا فيه غير الحق، أو مفعول مطلق أى لا تغلوا فيه غلواً غير الحق، أو حال من دينكم، والغلو المبالغة، وأما الغلو الحق فحق كغلو علماء الكلام فى علم الكلام. {وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُوا}: عن دين الله الذى خوطبوا به قبل البعثة. {مِن قَبْلُ}: أى قبلكم وهم أسلاف أهل الكتاب الذين على عهد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يستعمل لفظ الهوى الا فى الشر بخلاف فعله فيجوز استعماله فيه وفى الشر. {وأَضَلُّوا كَثِيراً}: من الناس عن دين الله. {وَضَلُّوا عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ}: عن أفضل السبيل وهو دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد قوم واحد ضلوا قبل القرآن عن التوراة والانجيل، وضلوا عن القرآن بعد نزوله، وقيل: كلا الضلالين قبل البعثة، لكن الأول ضلال عن مقتضى العقل، لأنه لم يقيد وقد قيد الثانى بسواء السبيل، فالثانى ضلال عن دين الله تعالى.

اطفيش

تفسير : {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ} يا أَهل الإِنجيل بدليل قوله {لاَ تَغْلُوا فِى دِينِكُمَ غَيْرَ الحَقّ} فإِن الغلو الرفع بما لا يثبت كما سموا عيسى عليه السلام إِلهاً أَو ابن له، أَو أَهل الكتاب اليهود والنصارى لأَن اليهود غلوا في عزيز إِذ سموه ابن الله ولأَن الغلو يجوز إطلاقه على المبالغة في الذم أَيضاً، فإنهم لعنهم الله نسبوا مريم للزنى وابنها لبنوة الزنى بهتاناً عظيماً، وغير مفعول مطلق أَى غلوا غير الحق أَى باطلا، ويطلق الغلو على المبالغة في الشئ ولو حلالا كالتعمق في مسائل علم الكلام على وجه الحق فإِنه غلو، وعلى وجه باطل غلو أَيضاً {وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} من قبلكم أَو قبل بعث النبى صلى الله عليه وسلم والماصدق واحد من أَسلافكم القائلين ببنوة عيسى لله أَو ألوهيته وألوهية مريم وبدعهم في التوحيد، وبدع اليهود في التوحيد كالتجسيم ودعوى بنوة عزير والإِنكار على موسى فى بعض الأَحيان وسائر بدعهم في التوحيد {وَأَضّلُّوا كَثِيراً} من الناس فى التوحيد وغيره {وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبيلِ} عن سائر دينهم أَو عن القرآن، وعلى الوجهين تغاير الضلال الأَول، وهذا أَو الأَول عن أَدلة العقل، وهذا عما جاءَ به الوحى أَو الأَول الضلال بالغلو والثانى الضلال عن دينه الواضح وخروجهم عنه بالكلية، وقال الزجاج الضلال الأَخير ضلالهم باضلالهم غيرهم كقوله تعالى: {أية : ليحملوا أَوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أَوزار الذين} تفسير : [النحل: 25]، إلخ. وقيل: واوضلوا عائد إِلى كثيرا.

الالوسي

تفسير : {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ} تلوين للخطاب وتوجيه له لفريقي أهل الكتاب بإرادة الجنس من المحلى بأل على لسان النبـي صلى الله عليه وسلم. واختار الطبرسي كونه خطاباً للنصارى خاصة لأن الكلام معهم {لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ} أي لا تجاوزوا الحدّ، وهو نهي للنصارى عن رفع عيسى عليه الصلاة والسلام عن رتبة الرسالة إلى ما تقوّلوا في حقه من العظيمة، وكذا عن رفع أمه عن رتبة الصديقية إلى ما انتحلوه لها عليها السلام، ونهي لليهود على تقدير دخولهم في الخطاب عن وضعهم له عليه السلام، وكذا لأمه عن الرتبة العلية إلى ما افتروه من الباطل والكلام الشنيع، وذكرهم بعنوان أهل الكتاب للإيماء إلى أن في كتابهم ما ينهاهم عن الغلو في دينهم {غَيْرَ ٱلْحَقّ} نصب على أنه صفة مصدر محذوف أي غلو غير الحق ـ أي باطلاً ـ وتوصيفه به للتوكيد فإن الغلو لا يكون إلا غير الحق على ما قاله الراغب، وقال بعض المحققين: إنه للتقييد، وما ذكره الراغب غير مسلم، فإن الغلو قد يكون غير حق، وقد يكون حقا كالتعمق في المباحث الكلامية. وفي «الكشاف» «الغلو في الدين غلوّان: [غلو] حق ـ وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه كما يفعله المتكلمون من أهل العدل والتوحيد ـ وغلو باطل ـ وهو أن يجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه كما يفعله أهل الاهواء والبدع» ـ انتهى، وقد يناقش فيه على ما فيه من الغلو في التمثيل بأن الغلو المجاوزة عن الحد، ولا مجاوزة عنه ما لم يخرج عن الدين، وما ذكر ليس خروجاً عنه حتى يكون غلواً، وجوز أن يكون {غَيْرَ} حالاً من ضمير الفاعل أي: لا تغلوا مجاوزين الحق، أو من دينكم أي: لا تغلوا في دينكم حال كونه باطلاً منسوخاً ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو نصب على الاستثناء المتصل أو المنقطع. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} وهم أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا من الفريقين أو من النصارى قبل مبعث النبـي صلى الله عليه وسلم في شريعتهم، / ـ والأهواء ـ جمع هوى وهو الباطل الموافق للنفس، والمراد لا توافقوهم في مذاهبهم الباطلة التي لم يدع إليها سوى الشهوة ولم تقم عليها حجة {وَأَضَلُّواْ كَثِيراً} أي أناساً كثيراً ممن تابعهم ووافقهم فيما دعوا إليه من البدعة والضلالة، أو إضلالاً كثيراً، والمفعول به حينئذٍ محذوف {وَضَلُّواْ} عند بعثة النبـي صلى الله عليه وسلم ووضوح محجة الحق وتبين مناهج الإسلام {عَن سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} أي قصد السبيل الذي هو الإسلام، وذلك حين حسدوا النبـي صلى الله عليه وسلم، وكذبوه وبغوا عليه، فلا تكرار بين {ضَلُّواْ} هنا و {ضَلُّواْ مِن قَبْلُ}، والظاهر أن {عَنْ} متعلقة بالأخير، وجوز أن تكون متعلقة بالأفعال الثلاثة، ويراد ـ بسواء السبيل ـ الطريق الحق، وهو بالنظر إلى الأخير دين الإسلام، وقيل: في الإخراج عن التكرار أن الأول: إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، والثاني: إلى ضلالهم عما جاء به الشرع، وقيل: إن ضمير {ضَلُّواْ} الأخير عائد على ـ الكثير ـ لا على {قَوْمٍ} والفعل مطاوع للإضلال، أي ـ إن أولئك القوم أضلوا كثيراً من الناس، وأن أولئك الكثير قد ضلوا بإضلال أولئك هم ـ فلا تكرار، وقيل: أيضاً قد يراد ـ بالضلال ـ الأول الضلال بالغلو في الرفع والوضع مثلاً وكذا بالإضلال، ويراد ـ بالضلال عن سواء السبيل ـ الضلال عن واضحات دينهم وخروجهم عنه بالكلية، وقال الزجاج: المراد بالضلال الأخير ضلالهم في الإضلال أي ـ إن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم لغيرهم ـ كقوله تعالى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25]، ونقل هذا ـ كالقيل الأول ـ عن الراغب، وجوز أيضاً أن يكون قوله سبحانه وتعالى: {عَن سَوَاء} متعلقاً بـ {قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ} إلا أنه لما فصل بينه وبين ما يتعلق به أعيد ذكره، كقوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [آل عمران: 188] ولعل ذم القوم على ما ذهب إليه الجمهور أشنع من ذمهم على ما ذهب إليه غيرهم، والله تعالى أعلم بمراده.

ابن عاشور

تفسير : الخطاب لعموم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى، وتقدّم تفسير نظيره في آخر سورة النّساء. والغلوّ مصدر غَلا في الأمر: إذا جاوزَ حدّه المعروف. فالغلوّ الزّيادة في عَمل على المتعارف منه بحسب العقل أو العادة أو الشرع. وقوله: {غيرَ الحقّ} منصور على النّيابة عن مفعول مطلق لفعل {تغلوا} أي غلوّاً غير الحقّ، وغير الحقّ هو الباطل. وعدل عن أن يقال باطلاً إلى {غيرَ الحق} لِما في وصف غير الحقّ من تشنيع الموصوف. والمراد أنّه مخالف للحقّ المعروف فهو مذموم؛ لأنّ الحقّ محمود فغيره مذموم. وأريد أنّه مخالف للصّواب احترازاً عن الغلوّ الّذي لا ضير فيه، مثل المبالغة في الثّناء على العمل الصّالح من غير تجاوز لما يقتضيه الشرع. وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: {أية : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ} تفسير : في سورة النّساء (171). فمِن غُلوّ اليهود تجاوزُهم الحدّ في التّمسك بشرع التّوراة بعد رسالة عيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام. ومن غلوّ النّصارى دعوى إلهيّة عيسى وتكذيبُهم محمداً. ومن الغلوّ الّذي ليس باطلاً ما هو مثل الزّيادة في الوضوء على ثلاث غسلات فإنّه مكروه. وقوله: {ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبل} عطف على النّهي عن الغلوّ، وهو عطف عامّ من وجه على خاصّ من وجه؛ ففيه فائدة عطف العامّ على الخاصّ وعطف الخاصّ على العامّ، وهذا نهي لأهل الكتاب الحاضرين عن متابعة تعاليم الغُلاة من أحبارهم ورُهبانهم الّذين أساءوا فهم الشريعة عن هوى منهم مخالف للدّليل. فلذلك سمّي تغاليهم أهواء، لأنّها كذلك في نفس الأمر وإن كان المخاطبون لا يعرفون أنّها أهواء فضلّوا ودعوا إلى ضلالتهم فأضلّوا كثيراً مثل (قيافا) حَبر اليهود الّذي كفَّر عيسى ـــ عليه السّلام ـــ وحكم بأنّه يقتل، ومثل المجمع الملكاني الّذي سجّل عقيدة التثليث. وقوله {من قبلُ} معناه من قبِلكِم. وقد كثر في كلام العرب حذف ما تضاف إليه قبلُ وبعدُ وغيرُ وحسبُ ودونَ، وأسماء الجهات، وكثر أن تكون هذه الأسماء مبنيّة على الضمّ حينئذٍ، ويندر أن تكون معربة إلاّ إذا نُكّرت. وقد وجّه النحويّون حالة إعراب هذه الأسماء إذا لم تنكَّر بأنّها على تقدير لفظ المضاف إليه تفرقة بين حالة بنائها الغالبة وحالة إعرابها النّادرة، وهو كشف لسر لطيف من أسرار اللّغة. وقوله: {وضلّوا عن سواء السّبيل} مقابل لقوله: {قد ضلّوا من قبلُ} فهذا ضلال آخر، فتعيّن أنّ سواء السّبيل الذي ضلّوا عنه هو الإسلام. والسواء المستقيمُ، وقد استعير للحقّ الواضح، أي قد ضلّوا في دينهم من قبل مجيء الإسلام وضلّوا بعدَ ذلك عن الإسلام. وقيل: الخطاب بقوله: {يا أهل الكتاب} للنّصارى خاصّة، لأنّه ورد عقب مجادلة النّصارى وأنّ المراد بالغلوّ التّثليث، وأنّ المراد بالقوم الّذين ضلّوا من قبل هم اليهود. ومعنى النّهي عن متابعة أهوائهم النّهي عن الإتيان بمثل ما أتوا به بحيث إذا تأمّل المخاطبون وجدوا أنفسهم قد اتّبعوهم وإن لم يكونوا قاصدين متابعتهم؛ فيكون الكلام تنفيراً للنّصارى من سلوكهم في دينهم المماثل لسلوك اليهود، لأنّ النّصارى يبغضون اليهود ويعرفون أنّهم على ضلال.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا تغلوا في دينكم: الغلو: الإِفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه فمثلاً أمرنا بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين فغسلهما إلى الكتفين غلو أمرنا بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم فدعاؤه غلو في الدين. أهواء قوم قد ضلوا: جمع هوى، وصاحب الهوى هو الذي يعتقد ويقول ويعمل بما يهواه لا بما قامت به الحجة وأقره الدليل من دين الله تعالى. وأضلوا كثيراً: أي أضلوا عدداً كثيراً من الناس بأهوائهم وأباطيلهم. عن سواء السبيل: سواء السبيل: وسط الطريق العدل لا ميل فيه إلى اليمين ولا إلى اليسار. لعن: دعى عليهم باللعنة التي هي الإِبعاد من الخير والرحمة وموجباتها. بما عصوا وكانوا يعتدون: أي بسبب عصيانهم لرسلهم، واعتدائهم في دينهم. لا يتناهون: أي لا ينهي بعضهم بعضاً عن ترك المنكر. لبئس ما كانوا يعملون: قبح عملهم من عمل وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يتولون الذين كفروا: يوادونهم ويتعاونون معهم دون المؤمنين. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي: أي لو كانوا صادقين في إيمانهم بالله والنبي محمد صلى الله عليه وسلم ما اتخذوا المشركين في مكة والمدينة من المنافقين أولياء. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن أهل الكتاب يهوداً ونصارى فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ} يا رسولنا: {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} والمراد بهم هنا النصارى {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ}، أي لا تتشددوا في غير ما هو حق شرعه الله تعالى لكم، فتبتدعون البدع وتتغالوا في التمسك بها والدفاع عنها، التشدد محمود في الحق الذي أمر الله به اعتقاداً وقولاً وعملاً لا في المحدثات الباطلة، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وهم اليهود إذ قالوا في عيسى وأمه بأهوائهم فقالوا في عيسى ساحر، وقالوا في أمه بغي وأضلوا كثيراً من الناس بأهوائهم المتولدة عن شهواتهم، وضلوا أي وهم اليوم ضالون بعيدون عن جادة الحق والعدل في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم. هذا ما تضمنته الآية الأولى [77] أما الآيات بعد فقد أخبر تعالى في الآية الثانية أن بني إسرائيل لعن منهم الذين كفروا على لسان كل من داود في الزبور، وعلى لسان عيسى بن مريم في الإِنجيل وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن فقال تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ}. فقد مسخ منهم طائفة قردة، {وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} حيث مسخ منهم نفر خنازير كما لعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم في غير آية من القرآن الكريم، وهذا اللعن الذي هو إبعاد من كل خير ورحمة ومن موجبات ذلك في الدنيا والآخرة سببه ما ذكر تعالى بقوله: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}. أي بسبب عصيانهم لله تعالى ورسله بترك الواجبات وفعل المحرمات، واعتدائهم في الدين بالغلو والابتداع، وبقتل الأنبياء والصالحين منهم: وأخبر تعالى في الآية الثالثة بذكر نوع عصيانهم واعتدائهم الذي لعنوا بسببه فقال: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} أي كانوا عندما استوجبوا اللعن يفعلون المنكر العظيم ولا ينهى بعضهم بعضاً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده" فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض ثم قال صلى الله عليه وسلم: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} - إلى قوله {فَاسِقُونَ} ثم قال "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه (تعطفنه) على الحق أطراً ولتقسرنه على الحق قسراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض بعضكم ثم يلعنكم كما لعنهم"" تفسير : وفي آخر الآية قبح الله تعالى عملهم فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} أي من اليهود في المدينة يتولون الذين كفروا يعني من المشركين والمنافقين في مكة والمدينة يصاحبونهم ويوادونهم وينصرونهم وهم يعلمون أنهم كفار تحرم موالاتهم في دينهم وكتابهم، ثم قبح تعالى عملهم فقال: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} نتيجة ما حملتهم عليه من الشر والكفر والفساد، وهو سخط الله تعالى عليهم وخلودهم في العذاب من موتهم إلى مالا نهاية له فقال تعالى: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} لا يخرجون منه أبداً. ثم زاد تعالى تقرير كفرهم وباطلهم وشرهم وفسادهم فقال: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله} كما يجب الإِيمان به وبالنبي محمد وبما جاء به من الهدى ودين الحق وما أنزل إليه من القرآن والآيات البينات ما اتخذوا الكفار المشركين والمنافقين أولياء، ولكن علة ذلك أنهم فاسقون إلا قليلاً منهم، والفاسق عن أمر الله الخارج عن طاعته لا يقف في الفساد عند حد أبداً، هذا معنى قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الغلو والابتداع في الدين، واتباع أهل الأهواء. 2- العصيان والاعتداء ينتجان لصاحبهما الحرمان والخسران. 3- حرمة السكوت عن المنكر ووخامة عاقبته على المجتمع. 4- حرمة موالاة أهل الكفر والشر والفساد. 5- موالاة أهل الكفر بالمودة والنصرة دون المؤمنين آية الكفر وعلامته في صاحبه.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} (77) قُلْ يَا أيُّها الرَّسُولُ لأهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارى: إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أنْ تَتَجَاوَزُوا فِي مُعْتَقَدَاتِكُمْ حُدُودَ الحَقِّ إلى البَاطِلِ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَ خَلْقِ اللهِ آلِهَةً، وَتَنْكِرُوا رِسَالَةَ بَعْضِ الرُّسُلِ، وَيَنْهَاكُمْ أنْ تَسِيرُوا وَرَاءَ شَهَوَاتِ أنَاسٍ سَبَقُوكُمْ، قَدْ تَجَنَّبُوا طَرِيقَ الهُدَى، وَمَنَعُوا كَثيراً مِنَ النَّاسِ أنْ يَسْلُكُوهَا، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى مُجَافَاتِهِمْ طَرِيقَ الحَقِّ الوَاضِحِ. الغُلُوُّ وَالمُغَالاَةُ: تَجَاوُزُ الاعْتِدَالِ فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عندما يوجد شيء مشترك بين النصارى واليهود يحدثهم الله بقوله: { قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ} أما الشيء الخاص فهو يتحدث به لكل فئة بمفردها. والغلو هو أن يتطرف إنسان في حكم ما إيجاباً أو سلباً. وهو إما الإفراط في المنزلة العالية وإما التفريط في المنزلة الدنيا. ولذلك نجد المتناقضات دائماً في الغلو. "حديث : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لسيدنا علي - كرم الله وجهه -: يا عليّ، يهلك فيك رجلان . . محب غال ومبغض غال" ويقول: "يا عليّ لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ". تفسير : ويقول: (حديث : يا علي ستقاتلك الفئة الباغية ). تفسير : إن هناك من أحب سيدنا عليًّا إلى درجة أنهم اعتبروه نبياً وقالوا: إن الوحي أخطأ عليًّا وجاء إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أو اعتبروا عليًّا إلهاً!! وكل ذلك غلو، فقد أحبّوه إلى منزلة فيها غلو وإفراط. أما الخوارج فقد قالوا عن سيدنا علي: إنه كافر. جاء الغلو - إذن - من ناحية المحبين فجعلوه نبياً أو فوق ذلك مما يدخلهم في الشرك، أو من المبغضين القائلين بتكفيره وإخراجه من دائرة الدين، ولذلك يجب ألاّ نغلو في الدين فلا نحب إنساناً ونرفعه فوق مستوى البشر، ولا نبغض إنساناً وننزل به إلى الحضيض. بل يجب أن نعطي كل واحد قدره ومقداره الذي وضعه الله فيه؛ لأن وضع الله له هو تكريمه: {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} [المائدة: 77]. وجاء مثل هذا القول في آية أخرى: {أية : يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} تفسير : [النساء: 171]. وحتى نفهم أن مسألة الغلو إنما جاءت في ادعاءات ألوهية البشر؛ قال الحق بعد ذلك: {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171]. فلا داعي للغلو بنسب الأولوهية له أو أنه ثالث ثلاثة. فإن كنتم متشككين ووصلتم إلى هذا الشك بسبب عدم عنصر الذكورة في مجيء عيسى، فافهموا أن كل الأشياء جاءت بـ "كن"؛ لأنه وإن وجُدت مقدمات للإنسان، فَرَقَّ هذه المسألة إلى واحد لم يأت من إنسال، وستصل إلى آدم وآدم من تراب؛ إذن كل الكون كلمة. وإن وجدت أسباباً فما طمره الله في الكلمة الأولى، فحين يجيء إنسان أُنشئ بكلمة فلا تقولن: إن هذا شيء عجيب؛ لأن الكون كله إنما نشأ بكلمة: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. وإن كانت الفتنة قد نشأت في ظاهر الأمر من أن المسيح ليس له أب في عالم الإنسال وقانون التناسل، فما كان يجب أن تكون الشبهة في هذا؛ لأنه مخلوق من أم، وآدم مخلوق بلا أب ولا أم. وكان يجب أن تكون الفتنة في آدم أكبر. والكلمة من الله تنشئ حياة. والحياة إدخال روح في مادة لتهبها الحركة والحس ومقومات الحياة. إذن فالكلمة تقال من الله فتأتي الروح لتدخل في المادة: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ}. {وَرُوحٌ مِّنْهُ} مثلها مثلما قال في آدم: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29]. إذن فآدم كلمة، وآدم روح منه، وكذلك المسيح، فلا شبهة هنا ولا شبهة هناك. ويطلب الحق من المنسوبين إلى السماء: {ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ}. فإذا كنتم منسوبين إلى السماء فلا تذبذبوا أفكار الناس بمثل هذه المسائل، وكان يجب أن تقفوا بعيسى عندما أراد الله له من التكريم؛ لأن التكريم هو أن يكون أسوة حسنة، فلو كان من جنس آخر غير البشر لا متنعت الأسوة فيه؛ لأن الأسوة إنما تكون من جنس من يتبعها، فلو رأه الناس خاشعاً متعبداً لما استطاعوا أن يفعلوا مثله لو كان من مادة أخرى غير مادة البشر. وقلت مرة: لو أن إنساناً رأى أسداً يفترس في الغابة ويصول ويجول على الحيوانات، أيفكر واحد من الرائين أن يجعل نفسه أسداً؟. لا. لكن لو رأى فارساً مثله شجاعاً في حرب يصول ويجول في الأعداء فهو يقلده ويحاول أن يكون مثله. إذن فالأسوة لا تكون إلا مع وحدة الجنس، فلو أنه لم يكن من جنس البشر لما صلح أن يكون رسولاً. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} لقد جاء الحق هنا بالحديث شاملاً لكل أهل الكتاب؛ لأن كلا منهما جاء بطرفي الأمور. فاليهود اتهموا سيدتنا البتول المصطفاة مريم بما ليس فيها، وأولئك جاءوا بالمغالاة في الجهة الأخرى؛ لذلك يأمرهما الحق بعدم المغالاة؛ لأن الحق لا يتعاند؛ فهو شيء ثابت لا يتغير أبداً ولا يتعارض. والإنسان إن رأى حدثاً من الأحداث بعينيه ثم طُلب منه أن يحكيه فهو يحكيه الآن ويحكيه غداً ويحكيه بعد عام وتظل روايته واقعاً لأنه شهده وهذا هو الواقع المشهود يفرض نفسه عليه، لكن الكاذب لا يذكر ذلك، وقد يقول قضية ويكون فيها كاذبا فلا بد أن يغير من الحقيقة عندما يحكيها لمرة ثانية. ولذلك يقال "إن كنت كذوباً فكن ذكوراً". إن الذي يحكم الحق هو واقعة؛ لأن المتكلم به يستقرئ واقعاً. لكن الكاذب لا يستقرئ واقعاً فلا يعلم ماذا كذب في المرة الأولى. ونذكر الكاذب الذي جلس يقول: مرة كنا سائرين وخرجنا من القرية ذاهبين إلى المدينة لنأتي بحاجات عيد الفطر. وكانت الدنيا قمراً كالظهر وقوله: "قمراً كالظهر" هي التي تكشف كذبه، فكيف يكون في ليلة العيد قمرٌ، وأول ليلة في عيد الفطر هي أول ليلة في شوّال، وليس فيها أي قمر، الهلال يكاد يكون مخفياً. إذن فالذي يستوحي واقعاً لا يتغير كلامه لأنه حق. والذي يستوحي غير الواقع لا يذكر ماذا قال فيخلط. لذلك لا يقولن إنسان غير الحق لأن قوله سيتضارب. وإذا تضارب هذا القول في مسألة الألوهية فإن الناس قد تشك في منهج السماء الذي يتبعونه. وإذا شك الناس في منهج السماء فسيكون عليكم وزر إضلال الناس؛ لأن الذي يتعرض لهذه القضية يجب ألا يجرب الناس عليه أي شيء من المخالفة. ولذلك قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الممتحنة: 5]. لماذا قال سيدنا إبراهيم هذا الدعاء؟؛ لأنه إن قال شيئاً ثم عمل بما يناقضه فقد يتصور من يراه أنه - والعياذ بالله - كذاب. {قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} ويا ليتهم ضلوا فقط في ذواتهم بل هم يحاولون إضلال غيرهم. لذلك قال سبحانه: {أية : وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} تفسير : [البقرة: 109]. وسبحانه يوضح لهم: لا تفعلوا ذلك حتى لا تضلوا؛ لأن وزرك أن تعمل، وهناك وزر آخر هو أن تُضلِّل غيرك. ولذلك يقول الحق: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [النحل: 25]. قال الحق ذلك مع أنه قال: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. حتى نفهم الأمر علينا أن نعرف أن الوزر الأول هو وزر الضلال؛ والثاني هو وزر الإضلال. {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ} أي لا تقلدوا أناساً اتبعوا الهوى. والهوى هو لُطف موقع الشيء وقربه إلى النفس فيصنعه الإنسان على طريقة لا تنبغي. ولذلك كل كلمة "هوى" في القرآن جاءت في مجال الخسران والضلال. وعندما نقرأ قوله الحق: {وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}. وهو القائل سبحانه: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ}. وقد جاء الهوى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ). تفسير : أي المطلوب أن يطوِّع الإنسان هواه لمطلوب الله. وما دام قدْ طوِّع هواه لمطلوب الله، فهذا يعني أن هواه الشخصي قد امتنع. {وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ}. إن هذا هو النهي عن اتباع الهوى الذي يضل ويكون سبباً في الإضلال عن سواء السبيل. ويقول الحق بعد ذلك: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } أي: لا تتجاوزوا وتتعدوا الحق إلى الباطل، وذلك كقولهم في المسيح، ما تقدم حكايته عنهم. وكغلوهم في بعض المشايخ، اتباعا لـ { أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ } أي: تقدم ضلالهم. { وَأَضَلُّوا كَثِيرًا } من الناس بدعوتهم إياهم إلى الدين، الذي هم عليه. { وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } أي: قصد الطريق، فجمعوا بين الضلال والإضلال، وهؤلاء هم أئمة الضلال الذين حذر الله عنهم وعن اتباع أهوائهم المردية، وآرائهم المضلة. ثم قال تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: طردوا وأبعدوا عن رحمة الله { عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } أي: بشهادتهما وإقرارهما، بأن الحجة قد قامت عليهم، وعاندوها. { ذَلِكَ } الكفر واللعن { بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } أي: بعصيانهم لله، وظلمهم لعباد الله، صار سببا لكفرهم وبعدهم عن رحمة الله، فإن للذنوب والظلم عقوبات. ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات، وأوقعت بهم العقوبات أنهم: { كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك. وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة: منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت. فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية. ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها. ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلا. ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر- يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟!! ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه، ومنها ومنها. فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم. { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } { تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بالمحبة والموالاة والنصرة. { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ } هذه البضاعةَ الكاسدة، والصفقةَ الخاسرة، وهي سخط الله الذي يسخط لسخطه كل شيء، والخلود الدائم في العذاب العظيم، فقد ظلمتهم أنفسهم حيث قدمت لهم هذا النزل غير الكريم، وقد ظلموا أنفسهم إذ فوتوها النعيم المقيم. { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ } فإن الإيمان بالله وبالنبي وما أنزل إليه، يوجب على العبد موالاة ربه، وموالاة أوليائه، ومعاداة من كفر به وعاداه، وأوضع في معاصيه، فشرط ولايةِ الله والإيمانِ به، أن لا يتخذ أعداء الله أولياء، وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط، فدل على انتفاء المشروط. { وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به وبالنبي. ومن فسقهم موالاةُ أعداء الله.