٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
78
Tafseer
الرازي
تفسير : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودُ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ }. قال أكثر المفسرين: يعني أصحاب السبت، وأصحاب المائدة. أما أصحاب السبت فهو أن قوم داود، وهم أهل «ايلة» لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان على ما ذكر الله تعالى هذه القصة في سورة الأعراف قال داود: اللّهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة، وأما أصحاب المائدة فإنهم لما أكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى: اللّهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي. قال بعض العلماء: إن اليهود كانوا يفتخرون بأنا من أولاد الأنبياء، فذكر الله تعالى هذه الآية لتدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء. وقيل: أن داود وعيسى عليهما السلام بشرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولعنا من يكذبه وهو قول الأصم. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } والمعنى أن ذلك اللعن كان بسبب أنهم يعصون ويبالغون في ذلك العصيان.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فيه مسألة واحدة: وهي جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء، وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم. ومعنى {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي لعنوا في الزبور والإنجيل؛ فإن الزبور لسان داود، والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين. وقد تقدّم اشتقاقهما. قال مجاهد وقَتَادة وغيرهما. لعنهم مسخهم قردة وخنازير. قال أبو مالك: الذين لعنوا على لسان داود مُسِخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مُسِخوا خنازير. وقال ابن عباس: الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها. وروى نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: لُعِن الأسلافُ والأخلافُ ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان داود وعيسى؛ لأنهما أَعلما أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث فَلَعَنَا من يكفر به. قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا}. ذلك في موضع رفع بالابتداء أي ذلك اللعن بما عصوا؛ أي بعصيانهم. ويجوز أن يكون على إضمار مبتدإ؛ أي الأمر ذلك. ويجوز أن يكون في موضع نصب أي فعلنا ذلك بهم لعصيانهم واعتدائهم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه عليه السلام، وعلى لسان عيسى بن مريم؛ بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه. قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى: { كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} أي: كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}، وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم» تفسير : قال يزيد: وأحسبه قال: «حديث : وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، {ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}» تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً، فجلس فقال: «حديث : لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً.»تفسير : وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض - ثم قال -: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} إلى قوله: {فَـٰسِقُونَ} - ثم قال -: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو تقصرنه على الحق قصراً»تفسير : ، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب، ثم رواه هو وابن ماجه عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب، نهاه عنه تعذيراً، فإذا كان من الغد، لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه» تفسير : وفي حديث هارون: «حديث : وشريبه»تفسير : ، ثم اتفقا في المتن: «حديث : فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم» تفسير : والسياق لأبي سعيد، كذا قال في رواية هذا الحديث، وقد رواه أبو داود أيضاً عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الخياط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم، وهو ابن عجلان الأفطس، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة عن عبد الله. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب،عن عمرو بن مرة، عن أبي موسى. والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام: قد تقدم حديث جابر عند قوله: {لَوْلاَ يَنْهَـٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} وسيأتي عند قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} تفسير : [المائدة: 105] حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم»تفسير : ، ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» تفسير : تفرد به، وعاصم هذا مجهول. وفي الصحيح من طريق الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» تفسير : رواه مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف، هو ابن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا: أنه سمع جدي، يعني: عدي بن عميرة رضي الله عنه، يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة»تفسير : ، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عدي بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكره، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين. قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي، عن العرس، يعني: ابن عميرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها، - وقال مرة: فأنكرها - كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها» تفسير : تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن ابن شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي مرسلاً. وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة، وهذا لفظه، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري قال: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لن يهلك الناس حتى يعذروا، أو يعذروا من أنفسهم»تفسير : . وقال ابن ماجه: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام خطيباً، فكان فيما قال: «حديث : ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه»تفسير : . قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا. وفي حديث إسرائيل عن محمد بن جحادة عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» تفسير : و رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وقال ابن ماجه: حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي غالب، عن أبي أمامة: قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة، ووضع رجله في الغرز ليركب، قال: «حديث : أين السائل؟» تفسير : قال: أنا يا رسول الله، قال: «حديث : كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر» تفسير : تفرد به. وقال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحقر أحدكم نفسه» تفسير : قالوا يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: «حديث : يرى أمر الله فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» تفسير : تفرد به، وقال أيضاً: حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله ابن عبدالرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي: أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبداً حجته قال: يا رب رجوتك، وفرقت الناس» تفسير : تفرد به أيضاً ابن ماجه، وإسناده لا بأس به. وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه» تفسير : قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: «حديث : يتعرض من البلاء لما لا يطيق»تفسير : ، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعاً عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى ابن عبيد الخزاعي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال: «حديث : إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» تفسير : قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «حديث : الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رذالكم» تفسير : قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : والعلم في رذالكم» تفسير : إذا كان العلم في الفساق، تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله:{أية : لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}تفسير : [المائدة: 105] شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وقوله تعالى: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال مجاهد: يعني بذلك: المنافقين. وقوله: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} يعني بذلك: موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقاً في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطاً مستمراً إلى يوم معادهم، ولهذا قال: {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم {وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} يعني: يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلم بن علي عن الأعمش بإسناد ذكره، قال: «حديث : يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثاً في الدنيا، وثلاثاً في الآخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة، فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار»تفسير : ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ} هكذا ذكره ابن أبي حاتم. وقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وساقه أيضاً من طريق سعيد بن غفير عن مسلمة، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وهذا حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ} أي: لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن، لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودُ } بأن دعا عليهم فمسخوا قردة وهم أصحاب (إيلة) {وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } بأن دعا عليهم فمسخوا خنازير وهم أصحاب المائدة {ذٰلِكَ } اللعن {بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ }.
النسفي
تفسير : {لعن الّذين كفروا من بني إسرٰئيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} قيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة. ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل {ذٰلك بما عصوا وّكانوا يعتدون} ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله {كانوا لا يتناهون} لا ينهي بعضهم بعضاً {عن مّنكرٍ فعلوه} عن قبيح فعلوه. ومعنى وصف المنكر بـ «فعلوه» ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله، أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه. يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه. ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم بقوله {لبئس ما كانوا يفعلون} وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عنه {ترى كثيراً مِّنهم يتوّلّون الّذين كفروا} هم منافقو أهل الكتاب كانوا يوالون المشركين ويصافونهم {لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سَخِطَ اللّه عليهم} لبئس شيئاً قدموه لأنفسهم سخط الله عليهم أي موجب سخط الله {وفي العذاب هم خالدون} أي في جهنم {ولو كانوا يؤمنون باللّهِ} إيماناً خالصاً بلا نفاق {والنّبيِّ} أي محمد صلى الله عليه وسلم {ومآ أنزل إليه} يعني القرآن {ما اتّخذوهم أوليآء} ما اتخذوا المشركين أولياء يعني أن موالاة المشركين تدل على نفاقهم {ولٰكنّ كثيراً مّنهم فاسقون} مستمرون في كفرهم ونفاقهم، أو معناه ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وما أنزل إليه ـ يعني التوراة ـ ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون ولكن كثيراً منهم فاسقون خارجون عن دينهم فلا دين لهم أصلاً. {لَتَجِدَنَّ أشدّ النّاس عدٰوةً لّلّذين آمنوا اليهودَ} هو مفعول ثان لـ «تجدن». و«عداوة» تمييز {والّذين أشركوا} عطف عليهم {ولتجدنّ أقربهم مّودّةً لّلّذين آمنوا الّذين قالوا إنّا نصارى} اللام تتعلق بـ «عداوة» و «مودة». وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، ونبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على المشركين {ذٰلك بأنّ منهم قِسّيسينَ ورهباناً} أي علماء وعباداً {وأنّهم لا يستكبرونَ} علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهباناً وأن فيهم تواضعاً واستكانة، واليهود على خلاف ذلك، وفيه دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وإن كان علم القسيسين، وكذا علم الآخرة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني {وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرّسول ترٰى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ} وصفهم برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن كما روي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون وهم يقرأونه عليهم: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إلى مريم. فقرأها إلى قوله: {أية : ذلك عيسى ابن مريم}تفسير : [طه: 34] وقرأ سورة طه إلى قوله: {أية : وهل أتاك حديث موسى}تفسير : [الآية: 9] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم سورة «يس» فبكوا. «تفيض من الدمع» تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها أي تسيل من أجل البكاء. و«من» في «مما عرفوا» لابتداءالغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق وكان من أجله، «ومن» في «من الحق» لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا، أو للتبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنَة {يقولون} حال من ضمير الفاعل في «عرفوا» {ربّنآ آمنّا} بمحمد صلى الله عليه وسلم والمراد إنشاء الإيمان والدخول فيه {فاكتبنا مع الشّاهدين} مع أمة محمد عليه السلام الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة لتكونوا شهداء على الناس، وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك. {وما لنا لا نؤمن باللّه} إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين. وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك. «وما لنا» مبتدأ وخبر و «لا نؤمن» حال أي غير مؤمنين كقولك «مالك قائماً» {وما جآءنا} وبما جاءنا {من الحقِّ} يعني محمداً عليه السلام والقرآن {ونطمع} حال من ضمير الفاعل في «نؤمن» والتقدير: ونحن نطمع {أن يدخلنا ربّنا} الجنة {مع القوم الصّالحين} الأنبياء والمؤمنين {فأثابهم اللّه بما قالوا} أي بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم لذلك {جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذٰلك جزآء المحسنين} وفيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان كما هومذهب الفقهاء. وتعلقت الكرامية في أن الإيمان مجرد القول بقوله «بما قالوا» لكن الثناء بفيض الدمع في السباق وبالإحسان في السياق يدفع ذلك، وأنى يكون مجرد القول إيماناً وقد قال الله تعالى: {أية : ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}تفسير : [البقرة: 8]. نفى الإيمان عنهم مع قولهم «آمنا بالله» لعدم التصديق بالقلب. وقال أهل المعرفة: الموجود منهم ثلاثة أشياء: البكاء على الجفاء، والدعاء على العطاء، والرضا بالقضاء، فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه الثلاثة فليس بصادق في دعواه {والّذين كفروا وكذّبوا بأياتنا أولئك أصحاب الجحيم} هذا أثر الرد في حق الأعداء، والأول أثر القبول للأولياء، ونزل في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم حلفوا أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويقوموا الليل ويصوموا النهار ويسيحوا في الأرض ويجبّوا مذاكيرهم ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرٰءِيلَ...} الآية: قال ابنُ عباس (رضي اللَّه عنه): لُعِنُوا بكلِّ لسانٍ؛ لُعِنُوا في التوراةِ، وفي الزَّبُورِ، والإنجيلِ، والفُرْقَانِ. وقوله سبحانه: {كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ...} الآية: ذَمَّ اللَّه سبحانه هذه الفِرْقَةَ الملْعُونَةَ؛ بأنهم كانوا لا يَتَنَاهَوْن عن منكرٍ فعلوه، أي: أنهم كانوا يتجاهَرُونَ بالمعاصِي، وإنْ نَهَىٰ منهم ناهٍ، ولم يمتنعْ عن مواصلةِ العاصِي، ومؤاكلتِهِ، وخُلْطَتِهِ؛ ورَوَى ابن مسعود، قال: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ، إذَا رَأَىٰ أَخَاهُ عَلَىٰ ذَنْبٍ، نَهَاهُ عَنْهُ؛ تَعْذِيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ، لَم يَمْنَعْهُ مَا رَأَىٰ مِنْهُ؛ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ أَوْ خَلِيطَهُ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَعَالَىٰ ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلَىٰ بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَىٰ لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وعيسَىٰ»تفسير : ، قال ابنُ مسعود: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، وَقَالَ: «حديث : لاَ، وَاللَّهِ حَتَّىٰ تَأْخُذُوا عَلَىٰ يَدِ الظَّالِمِ، فَتَأطُرُوهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً»تفسير : ، والإجماعُ علَىٰ أن النهْيَ عن المنْكَرِ ـــ واجبٌ لمن أطاقه، ونَهَىٰ بمعروفِ، أي: برفْقٍ، وقَوْلٍ معروفٍ، وأمْنِ الضرر عليه، وعلى المؤمنين، فإن تعذَّر علَىٰ أحَدٍ النَّهْيُ؛ لشيءٍ من هذه الوجوه، ففَرْضٌ عليه الإنكارُ بقلبه، وألاَّ يخالِطَ ذا المُنْكَرِ، وقال حُذَّاق أهْل العِلْم: لَيْسَ مِنْ شروط الناهِي أنْ يكون سليماً من المَعْصية، بل ينهَى العُصَاةُ بعضُهم بعضاً. وقوله سبحانه: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}: اللامُ لامُ قسَمٍ، وروى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ»تفسير : ، أو قَالَ: «حديث : كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ»تفسير : . انتهى. وقوله تعالى لنبيِّه محمَّد ـــ عليه السلام ـــ: {تَرَىٰ كَثِيراً} يحتمل أن تكون رؤيةَ عَيْن؛ فلا يريد إلاَّ معاصريه، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَة قَلْب؛ وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصِرَين له، ويحتمل أن يُرِيدَ أسلافَهُم، و {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: عبدة الأوْثَان. وقوله سبحانه: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ...}، أي: قدَّمته للآخرة، واجترحته، ثم فسَّر ذلك قولُه تعالَىٰ: {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ}؛ فـ {أَن سَخِطَ}: في موضع رَفْعٍ بدَلٍ من {مَا}، ويتحمل أن يكون التقدير: هو أنْ سَخِطَ اللَّه عليهم. وقوله تعالى: {والنَّبِيِّ} إنْ كان المرادُ الأَسْلاَفَ، فالنبيُّ: داودُ وعيسَىٰ، وإنْ كان المرادُ معاصِرِي نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، فالمراد بـ «النبي» هو صلى الله عليه وسلم. وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قوله سبحانه: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} كلامٌ منقطعٌ من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين؛ ونحوه لمجاهد.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ياهذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض. قال {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} إلى قوله {فاسقون} ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق اطراء. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن بني إسرئيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيراً، ثم جالسوهم وآكلوهم وشاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبي من الأنبياء، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأطرنهم على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوه، ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة، إن بني يأجوج قد جاؤوا، وإن رحى الإسلام ستدور، فحيث ما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا، إنه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره، فإن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: يا رسول الله فكيف بنا ان أدركنا ذلك؟ قال: تكونون كأصحاب عيسى، نشروا بالمناشير، ورفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية، إن أول ماكان نقص في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر شبه التعزير، فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه كأنه لم يعب عليه شيئاً، فلعنهم الله على لسان داود، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لكم، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم فلتأطرنه عليه اطراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ". تفسير : وأخرج ابن راهويه والبخاري في الوحدانيات وابن السكن وابن منده والباوردي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال "حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً، ثم قال: ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم ولا يفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون، والذي نفسي بيده ليعلمن جيرانه أو ليتفقهن أو ليفطنن، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا ، ثم نزل فدخل بيته. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعني بهذا الكلام؟! قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشعريين، فقهاء علماء، ولهم جيران من أهل المياه جفاة جهلة، فاجتمع جماعة من الأشعريين فدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا بشر، فما بالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهونهم، أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا، فقالوا: يا رسول الله، فاما إذن فامهلنا سنة، ففي سنة ما نعلمه ويتعلمون، فامهلهم سنة، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} يعني في الزبور {وعيسى} يعني في الإنجيل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {لعن الذين كفروا...} الآية. قال: لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد محمد في القرآن. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {لعن الذين كفروا...} الآية. خالطوهم بعد النهي على تجارهم، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض، وهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في الآية قال: لعنوا على لسان داود فجُعلوا قردة، وعلى لسان عيسى فجُعِلوا خنازير. وأخرج ابن جرير عن مجاهد. مثله. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: لعنهم الله على لسان داود في زمانهم، فجعلهم قردة خاسئين، ولعنهم في الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ماذا كان بعضهم؟ قالوا {لا يتناهون عن منكر فعلوه} . وأخرج أبو الشيخ عن أبي عمرو بن حماس أن ابن الزبير قال لكعب: هل لله من علامة في العباد إذا سخط عليهم؟ قال: نعم، يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وفي القرآن {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل...} الآية. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعاً "قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم، فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النهار، فهم الذين ذكر الله {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل...} الآيات". وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن أن يبعث الله عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ". تفسير : وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". تفسير : وأخرج أحمد عن عدي بن عميرة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة ". تفسير : وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ". تفسير : وأخرج الخطيب في رواية مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : والذي نفس محمد بيده، ليخرجن من أمتي اناس من قبورهم في صورة القردة والخنازير، داهنوا أهل المعاصي، سكتوا عن نهيهم وهم يستطيعون ". تفسير : وأخرج الحكيم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، واذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بَرَكة الوحي، وإذا تسابَّت امتي سقطت من عين الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال "حديث : قيل يا رسول الله، أتهلك القرية فيهم الصالحون؟ قال: نعم. فقيل يا رسول الله...؟! قال: تهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله عز وجل ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل فيهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيراً، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق اطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم ". تفسير : وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا استغنى النساء بالنساء، والرجال بالرجال، فبشروهم بريح حمراء تخرج من قبل المشرق، فينسخ ببعضهم، ويخسف ببعض {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} ".
ابو السعود
تفسير : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي لعنهم الله عز وجل، وبناءُ الفعل للمفعول للجَرْي على سَنن الكبرياء {مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ} متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من الموصول أو من فاعل كفروا، وقوله تعالى: {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} متعلق بلُعن أي لعنهم الله تعالى في الزبور والإنجيل على لسانهما، وقيل: إن أهل أَيْلةَ لما اعتدَوا في السبت دعا عليهم داود عليه السلام وقال: اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخهم الله قردة، وأصحابُ المائدة لما كفروا قال عيسى عليه السلام: اللهم عذِّبْ من كفر بعدما أكل من المائدة عذاباً لم تعذِّبْه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازيرَ وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبـي {ذٰلِكَ} إشارة إلى اللعن المذكور وإيثارُه على الضمير للتنبـيه على كمال ظهوره وامتيازِه عن نظائره وانتظامِه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما فيه من معنى البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} والجملة مستأنَفةٌ واقعة موقع الجواب عما نشأ من الكلام كأنه قيل: بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل: ذلك اللعنُ الهائل الفظيعُ بسبب عصيانهم واعتدائهم المستمر، كما يفيده الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل، وينبىء عنه قوله تعالى: {كَانُواْ لاَ يَتَنَـٰهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} فإنه استئناف مفيد بعبارته لاستمرار عدم التناهي عن المنكر، ولا يمكن استمرارُه إلا باستمرار تعاطي المنكرات، وليس المراد بالتناهي أن ينْهَى كلُّ واحد منهم الآخَرَ عما يفعله من المنكر كما هو المعنىٰ المشهورُ لصيغة التفاعل، بل مجرد صدور النهي عن أشخاص متعددة، من غير اعتبار أن يكون كل واحد منهم ناهياً ومنهياً معاً، كما في تراءَوْا الهلالَ، وقيل: التناهي بمعنى الانتهاء، يقال: تناهىٰ عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع عنه وتركه، فالجملة حينئذ مفسرةٌ لما قبلها من المعصية والاعتداء، ومفيدة لاستمرارهما صريحاً، وعلى الأول مفيدة لاستمرار انتفاء النهي عن المنكر، بأن لا يوجد فيما بـينهم من يتولاه في وقت من الأوقات، ومن ضرورته استمرارُ فعل المنكر حسبما سبق، وعلى كل تقدير فما يفيده تنكيرُ المنكر من الوحدة نوعية لا شخصية، فلا يقدح وصفه بالفعل الماضي في تعلق النهْي به، لِما أن متعلَّق الفعل إنما هو فرد من أفراد ما يتعلقُ به النهي، والانتهاء من مطلق المنكر ـ باعتبار تحقّقه في ضمن أي فرد كان من أفراده ـ على أن المضي المعتبر في الصفة إنما هو بالنسبة إلى زمان النزول لا إلى زمان النهي حتى يلزمَ كونُ النهي بعد الفعل، فلا حاجة إلى تقدير المعاودة أو المِثْل أو جعلِ الفعل عبارةً عن الإرادة، على أن المعاودة كالنهي لا تتعلق بالمنكر المفعول فلا بد من المصير إلى أحد ما ذُكر من الوجهين، أو إلى تقدير المثل، أو إلى جعل الفعل عبارة عن إرادته، وفي كل ذلك تعسفٌ لا يخفى. {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تقبـيح لسوء أعمالهم وتعجيب منه بالتوكيد القسمي، كيف لا وقد أداهم إلى ما شُرح من اللعن الكبـير وليس في تسبُّبه بذلك دلالةٌ على خروج كفرهم عن السببـية، مع الإشارة إلى سببـيته له فيما سبق من قوله تعالى: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [المائدة، الآية 78] فإن إجراء الحكم على الموصول مُشعرٌ بعِلِّية ما في حيز الصلة له، لما أن ما ذكر في حيز السببـية مشتملٌ على كفرهم أيضاً.
القشيري
تفسير : أَمَر الأنبياء - عليهم السلام - حتى ذكروا الكفار بالسوء، وأمَّا الأولياء فخصَّهم بذكر نفسه فقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 43] فلعنةُ الكفار بلسان الأنبياء، وذِكْرُ المؤمنين بالجميل بلسان الحقِّ - سبحانه، ولو كان ذلك ذِكْراً بالسوء لكان فيه استحقاقُ فضيلةٍ، فكيف وهو ذكرٌ بالجميل!؟ ولقد قال قائلهم: شعر : لئن ساءني أَنْ تَلْقَني بمساءةٍ فقد سرَّني أَني خَطَرْتُ ببالِكا
اسماعيل حقي
تفسير : {لعن الذين كفروا} حال كونهم {من بنى اسرائيل} اى طردوا وابعدوا من رحمة الله {على لسان داود} متعلق يلعن يعنى اهل ايلة لما اعتدوا فى السبت قال داود عليه الصلاة والسلام اللهم العنهم واجعلهم آية ومثلا لخلقك فمسخوا قردة {وعيسى ابن مريم} اى على لسان عيسى ابن مريم يعنى كفار اصحاب المائدة لما اكلوا من المائدة ولم يؤمنوا قال عيسى اللهم العنهم كما لعنت اصحاب السبت واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبى كأنه قيل بأى سبب وقع ذلك فقيل {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} اى ذلك اللعن الشنيع المقتضى للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود} أي: لعنهم الله في الزبور على لسان نبيه داود عليه السلام، {و} لعنهم الله أيضًا في الإنجيل على لسان {عيسى ابن مريم}، فالأول: أهل أيلَة؛ لما اعتدوا في السبت لعنهم داود عليه السلام، فمسخوا قردة وخنازير، والثاني أصحاب المائدة، لمّا كفروا دعا عليهم عيسى، ولعنهم، فمسخوا خنازير، وكانوا خمسة آلاف رجل، {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}؛ ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حَرُم عليهم. {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} أي: لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيأوا له، أو: لا ينتهون عنه ولا يمتنعون منه، {لبئس ما كانوا يفعلون}، وهو تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم. {ترى كثيرًا منهم} أي: من اليهود، {يتولون الذين كفروا} أي: يوالون المشركين بُغضًا للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} أي: لبئس شيئًا قدموه، ليردوا عليه يوم القيامة، وهو {أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} أي: بئس ما قدموا أمامهم، وهو سخط الله والخلود في النار، والعياذ بالله، {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} أي: نبيهم كما يزعمون، {وما أُنزل إليه} من التوراة وغيره، {ما اتخذوهم أولياء}؛ لأن النبي لا يأمر بموالاة الكفار، ولو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه ـ كما هو الواجب عليهم ـ ما اتخذوا الكفار أولياء، {ولكن كثيرًا منهم فاسقون} أي: خارجون عن دينهم، أو خارجون عن الدين الحق الذي لا يقبل غيره، وهو الإسلام. الإشارة: ذكر الحق جل جلاله في هذه الآية ثلاثة أمور، وجعلها سببًا للعن والطرد، وموجبة للسخط والمقت، أولها: الانهماك في المعاصي والعدوان، والإصرار على الذنوب والطغيان. والثاني عدم الإنكار على أهل المعاصي والسكوت عنهم والرضا بفعلهم، والثالث: موالاة الفجار والمودة مع الكفار، ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو أزواجهم أو عشيرتهم، وفي بعض الأخبار: ( لو أن رجلاً قام الليل وصام النهار، ثم تودد مع الفجار لبعث معهم، ولو أن رجلاً عمل بالمعاصي ما عمل، ثم أحب الأبرار لحُشر معهم)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ويعضده حديث: " حديث : المَرءُ مَعَ مَن أحبَّ " تفسير : والله تعالى أعلم. ثم بيَّن تفاوت عداوة الكفار للمسلمين، فقال: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ}.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} الآية ثلاثة أقوال: أحدها - إِيآسهم من مغفرة الله مع الاقامة على الكفر والمعصية لله - عز وجل - لدعاء الأنبياء (عليهم السلام) عليهم بالعقوبة ودعوتهم مستجابة مع ما في ذلك من الفضيحة، وانطواء أولياء الله لهم على العداوة، والمظاهرة عليهم في إِقامة الحجة. الثاني - قال الحسن ومجاهد وقتادة وأبو مالك لعنوا على لسان داود، فصاروا قردة وعلى لسان عيسى، فصاروا خنازير. وانما ذكر عيسى وداود، لأنهما انبه الأنبياء المبعوثين بعد موسى (ع) ولما ذكر داود أغنى عن ذكر سليمان، لأن قولهما واحد. وقال أبو جعفر (ع) أما داود فلعن أهل ايلة لما اعتدوا في سبتهم وكان اعتداؤهم في زمانه، فقال: اللهم البسهم اللعنة مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله قردة. وأما عيسى فلعن الذين أنزلت عليهم المائدة ثم كفروا بعد ذلك. الثالث - قال أبو علي الجبائي: إِنه إِنما أظهر ذلك لئلا يوهموا الناس أن لهم منزلة بولادة الأنبياء تنجيهم من عقوبة المعاصي. واللعن هو الابعاد من رحمة الله، فلعنه الله يعني أبعده الله من رحمته الى عقوبته، ولا يجوز لعن من لا يستحق العقوبة من الاطفال والمجانين والبهائم، لانه تعالى لا يبعد من رحمته من لا يستحق الابعاد عنها. وقوله: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} إِشارة الى اللعن الذي تقدم ذكره بمعصيتهم واعتدائهم. فـ (ذا) لما قرب و {ذلك} لما بعد، لأنه اجتزئ في دلالة الخطاب لما قرب بالاقبال عليه. وفي القريب بالاشارة اليه فلما بعد لم يصلح الاجتزاء فيهما كما يصلح فيما قرب، فاتى بالكاف للخطاب واكد ذلك باللام وكسرت لالتقاء الساكنين والكاف في ذلك حرف وفي غلامك إِسم، ولهذا لم يؤكد بما يؤكد في غلامك لأنك لا تقول ذلك نفسك. كما تقول في غلامك نفسك. وإِنما قال: {بماعصوا وكانوا يعتدون} وإِن كان الكفر أعظم الاجرام ليدل على أن من خلصت معصيته مما يكفرها أو بقته، وأنهم مع كفرهم قد عصوا بغير الكفر من الجرم الذي فسر في الآية التي بعد.
الجنابذي
تفسير : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} استيناف واقع موقع التّعليل، فى المجمع عن الباقر (ع): امّا داود (ع) فانّه لعن اهل ايلة لمّا اعتدوا فى سبتهم وكان اعتداؤهم فى زمانه فقال: اللّهمّ البسهم اللّعنه مثل الرّداء على المنكبين ومثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردةً، وامّا عيسى (ع) فانّه لعن الّذين انزلت عليهم المائدة ثمّ كفروا بعد ذلك فصاروا خنازير {ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} فلا تعصوا انتم ولا تعتدوا واسمعوا يا امّة محمّد (ص).
اطفيش
تفسير : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِى إِسرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ}: فى الزبور اذ استحلوا السبت، واصطادوا فيه ومسخوا قردة. {وَعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ}: فى الانجيل اذ نزلت المائدة وكفروا بها، فمسخوا خنازير، وجملة الخنازير والقردة خمسة آلاف لعنهم داود وعيسى، وبشرا بمحمد سيدنا صلى الله عليه وسلم وما فيهم صبى ولا امرأة كذا قيل، ولعل فيهم نساء، أو يقدر مضاف أى ولسان عيسى، أو يراد بلسان داود اللسان الصادق على ما وفق الواحد، فعلم بذكر داود وعيسى فقط أى اثنان. {ذَلِكَ}: اللعن. {بِمَا عَصَوا}: أى بعصيانهم. {وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}: وكونهم يعتدون، وفسر المعصية والاعتداء بقوله: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ}
اطفيش
تفسير : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ} اعتدى قوم من اليهود واصطادوا الحوت في السبت وهم أَصحاب أيلة على عهد داود عليه السلام قبل عيسى فدعا عليهم فقال: اللهم العنهم واجعلهم قردة فمسخوا قردة. {وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} أَكل ناس من قوم عيسى من المائدة وادخروا ولم يؤمنوا فدعا عليهم عيسى فقال: اللهم العنهم واجعلهم قردة وخنازير، فمسخوا قردة وخنازير وهم خمسة آلاف ليس فيهم صبى ولا امرأَة، وقيل معنى لعنهم على لسان داود وعيسى إِنزال لعنهم من الله عليهما بأَن قال لهما في الزبور والإِنجيل من كفر بالله أَو بواحد من أَنبيائه فقد لعنته، أَو أَوحى إِليهما على لسان جبريل وقال الزجاج أَمر الله عز وجل داود وعيسى أَن يؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويلعنا من كفر به والمراد باللسان الحقيقة فشمل لسانين ويجوز في العربية على لسان داود وعيسى بالتثنية ويجوز فيها على أَلسنة بالجمع {ذَلِكَ} اللعن المُقْتَضى للمسخ {بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} أَى بعصيانهم وكونهم يعتدون ربهم فيما بينهم وبينه ويعتدون فيما بينهم وبين الخلق، أَو العصيان الصغائر والاعتداء الكبائر أَو أَعم والاعتداء في السبت والكفر بعد الأَكل من المائدة، ويجوز عطف كانوا إلخ على ذلك بما عصوا أَو على لعن إلخ عطف قصة على أُخرى، ولا أَجيز واو الاستئناف واختار أَبو حيان الاستئناف وقال: يدل له تفسير ذلك بقوله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِى إِسْرٰءيلَ} أي لعنهم الله تعالى، وبناء الفعل لما لم يسم فاعله للجري على سنن الكبرياء، والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من فاعل {كَفَرُواْ} وقوله سبحانه وتعالى، {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} متعلق ـ بلعن ـ أي لعنهم جل وعلا في الإنجيل والزبور على لسان هذين النبيين عليهما السلام بأن أنزل سبحانه وتعالى فيهما ـ ملعون من يكفر من بني إسرائيل بالله تعالى أو أحد من رسله عليهم السلام، وعن الزجاج إن المراد: أن داود وعيسى عليهما الصلاة والسلام أعلما بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبشرا به وأمرا باتباعه، ولعنا من كفر به من بني إسرائيل، والأول أولى، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود عليه الصلاة والسلام: اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله تعالى قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى عليه الصلاة والسلام: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبـي وروي هذا القول عن الحسن ومجاهد وقتادة، وروي مثله عن الباقر رضي الله تعالى عنه، واختاره غير واحد، والمراد باللسان الجارحة، وإفراده أحد الاستعمالات الثلاث المشهورة في مثل ذلك، / وقيل: المراد به اللغة. {ذٰلِكَ} أي اللعن المذكور، وإيثار الإشارة على الضمير للإشارة إلى كمال ظهوره وامتيازه عن نظائره وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما في ذلك من البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة والهول {بِمَا عَصَواْ} أي بسبب عصيانهم، والجار متعلق بمحذوف وقع خبراً عن المبتدأ قبله، والجملة استئناف واقع موقع الجواب عما نشأ من الكلام، كأنه قيل: بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل: ذلك اللعن الهائل الفظيع بسبب عصيانهم، وقوله تعالى: {وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} يحتمل أن يكون معطوفاً على {عَصَواْ} فيكون داخلاً في حيز السبب، أي وبسبب اعتدائهم المستمر، وينبىء عن إرادة الاستمرار الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل. وادعى الزمخشري إفادة الكلام حصر السبب فيما ذكر، أي بسبب ذلك لا غير، ولعله ـ كما قيل ـ استفيد من العدول عن الظاهر، وهو تعلق {بِمَا عَصَواْ} بلعن دون ذكر اسم الإشارة، فما جيء به استحقاراً لذلك اللعن وجواباً عن سؤال الموجب دل على أن مجموعه بهذا السبب لا بسبب آخر، وقيل: استفيد من السببية لأن المتبادر منها ما في ضمن السبب التام وهو يفيد ذلك، ولا يرد على الحصر أن كفرهم سبب أيضاً ـ كما يشعر به أخذه في حيز الصلة ـ لأن ما ذكر في حيز السببية هنا مشتمل على كفرهم أيضاً، ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله تعالى بأنه كان شأنهم وأمرهم الاعتداء، وتجاوز الحد في العصيان.
ابن عاشور
تفسير : جملة {لُعن} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً فيها تخلّص بديع لتخصيص اليهود بالإنحاء عليهم دون النّصارى. وهي خبريّة مناسبة لجملة {أية : قد ضَلّوا من قبل}تفسير : [المائدة: 77]، تتنزّل منها منزلة الدّليل، لأنّ فيها استدلالاً على اليهود بما في كتبهم وبما في كتب النّصارى. والمقصود إثبات أنّ الضّلال مستمرّ فيهم فإنّ ما بين داوود وعيسى أكثرُ من ألف سنة. و{على} في قوله: {على لِسانِ داوود} للاستعلاء المجازي المستعمل في تمكّن الملابسة، فهي استعارة تبعيّة لمعنى بَاء الملابسة مثل قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربّهم}تفسير : [البقرة: 5]، قصد منها المبالغة في الملابسة، أي لُعنوا بلسان داوود، أي بِكلامه الملابس للسانه. وقد ورد في سفر الملوك وفي سفر المَزامير أنّ داوود لَعَن الَّذين يبدّلون الدّين، وجاء في المزمور الثّالث والخمسين «الله من السّماء أشرفَ على بني البشر لينظر هل مِن فاهممٍ طالببٍ الله كلُّهم قد ارتدّوا معاً فَسدوا ـــ ثم قال ـــ أخزيتُهم لأنّ الله قد وفضهم ليت من صهيون خلاص إسرائيل» وفي المزمور 109 «قد انفتحَ عليّ فم الشرّير وتكلّموا معي بلسان كذب أحاطوا بي وقاتلوني بلا سبب ـــ ثمّ قال ـــ ينظرون إليّ ويُنغِضُون رؤوسهم ـــ ثمّ قال ـــ أمَّا هُم فيُلعنون وأمَّا أنتَ فتُبارك، قاموا وخُزُوا أمّا عبدك فيفرح» ذلك أنّ بني إسرائيل كانوا قد ثاروا على داوود مع ابنه ابشلوم. وكذلك لَعْنُهم على لسان عيسى متكرّر في الأناجيل. و«ذَلك» إشارة إلى اللّعن المؤخوذ من لُعن أو إلى الكلام السابق بتأويل المذكور. والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً؛ كأنّ سائلاً يسأل عن موجِب هذا اللّعن فأجيب بأنّه بسبب عصيانهم وعدوانهم، أي لم يكن بلا سبب. وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السّببيّة ومع وقوعه في جَواب سؤال مقدّر أفاد مجموعُ ذلك مُفاد القصر، أي ليس لعنهم إلاّ بسبب عصيانهم كما أشار إليه في «الكشاف» وليس في الكلام صيغة قصر، فالحصر مأخوذ من مجموع الأمور الثّلاثة. وهذه النّكتة من غرر صاحب «الكشاف». والمقصود من الحَصْر أن لا يضلّ النّاس في تعليل سبب اللّعن فربّما أسندوه إلى سبب غير ذلك على عادة الضّلاّل في العناية بالسفاسف والتّفريط في المهمّات، لأنّ التفطّن لأسباب العقوبة أوّل درجات التّوفيق. ومَثَل ذلك مثَل البُلْه من النّاس تصيبهم الأمراض المعْضلة فيحسبونها من مسّ الجنّ أو من عين أصابتهم ويعرضون عن العِلل والأسباب فلا يعالجونها بدوائِهَا. و(ما) في قوله {بما عصوا} مصدريّة، أي بعصيانهم وكونِهم معتدين، فعُدل عن التّعبير بالمصدرين إلى التعبير بالفِعلين مع (ما) المصدرية ليفيد الفعلان معنى تَجدّد العصيان واستمرار الاعتداء منهم، ولتفيد صيغة المضي أنّ ذلك أمر قديم فيهم، وصيغة المضارع أنّه متكرّر الحدوث. فالعصيان هو مخالفة أوامر الله تعالى. والاعتداء هو إضرار الأنبياء. وإنّما عبّر في جانب العِصيان بالماضي لأنّه تقرّر فلم يَقبل الزّيادة، وعُبّر في جانب الاعتداء بالمضارع لأنّه مستمرّ، فإنّهم اعتدوا على محمّد صلى الله عليه وسلم بالتّكذيب والمنافقة ومحاولة الفتك والكيد. وجملة {كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه} مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن قوله: {ذلك بما عَصوا}، وهو أن يقال كيفَ تكون أمّة كلّها مُتمالئة على العصيان والاعتداء، فقال: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه}. وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أنّ النّفَر القليل، فإذا لم يجدوا من يغيِّر عليهم تزايدوا فيها ففشت واتّبَع فيها الدّهماءُ بعضهم بعضاً حتّى تعمّ ويُنسى كونها مناكرَ فلا يَهتدي النّاس إلى الإقلاع عنها والتّوبةِ منها فتصيبهم لعنة الله. وقد روى التّرمذي وأبو داوود من طرق عن عبد الله بن مسعود بألفاظ متقاربة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كانَ الرجل من بني إسرائيل يلقَى الرجل إذا رآه على الذنب فيقول: يا هذا اتّقِ الله ودَع ما تصنع، ثمّ يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وخليطَه وشريكَه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ثُمّ قرأ: {لُعن الّذين كفروا من بني إسرائيل} إلى قوله: {فَاسقون} [المائدة: 78 ـــ 81] ثُمّ قال: والّذي نفسي بيده لتأمُرُنّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنّ عن المنكر ولتأخُذُنّ على يد الظّالم ولتأطُرُنَّهُ على الحقّ أطْرا أوْ لَيضربَنّ الله قلوبَ بعضكم على بعض أو ليلعنُكم كما لَعنهم»تفسير : . وأطلق التناهي بصيغة المفاعلة على نهي بعضهم بعضاً باعتبار مجموع الأمّة وأنّ نَاهيَ فاعل المنكر منهم هو بصدد أن يَنهاه المنهيّ عندما يرتكب هو مُنكراً فيحصل بذلك التّناهي. فالمفاعلة مقدّرة وليست حقيقيَّة، والقرينة عموم الضّمير في قوله {فَعلوه}، فإنّ المنكر إنّما يفعله بعضهم ويسكُت عليه البعض الآخر؛ وربّما فعل البعضُ الآخر منكراً آخرَ وسَكت عليه البعض الّذي كان فعَل منكراً قبله وهكذا، فهم يصانعون أنفسهم. والمراد بـ {ما كانوا يفعلون} تَرْكُهم التناهيَ. وأطلق على ترك التناهي لفظ الفِعل في قوله {لبئس ما كانوا يفعلون} مع أنّه ترك، لأنّ السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرّضا به والمشاركة فيه. وفي هذا دليل للقائلين من أيمّة الكلام من الأشاعرة بأنّه لا تكليف إلاّ بفعل، وأنّ المكلّف به في النّهي فِعْل، وهو الانتهاء، أي الكفّ، والكفّ فعل، وقد سمّى الله الترك هنا فِعلاً. وقد أكّد فعل الذّم بإدخال لام القسم عليه للإقصاء في ذمّة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} الآية. قال بعض العلماء: الذين لُعنوا على لسان داود الذين اعتدوا في السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى ابن مريم، هم الذين كفروا مِن أهل المائدة، وعليه فلعن الأولين مسخهم قِرَدَةَ، كما بينه تعالى بقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِين} تفسير : [البقرة: 65]، وقوله: {أية : فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِين} تفسير : [الأعراف: 166]، ولعن الآخرين هو المذكور في قوله: {أية : فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِين} تفسير : [المائدة: 115]، وذكر غير واحد أنه مسخهم خنازير، وهذا القول مَرْوِي عن الحسن، وقتادة، ومجاهد، والباقِر نقله الألوسي في تفسيره، وقال: واختاره غير واحد، ونقله القرطبي عن ابن عبّاس، وقتادة، ومُجاهد، وأبي مالك، وذكر أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض من قال بهذا القول: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود عليه الصلاة والسلام: "اللهم ألبِسهم اللعن مثل الرداء ومثل المنطقة على الحقوين"، فمسخهم الله قردة، وأصحاب المائدة لما كفروا، قال عيسى عليه الصلاة والسلام: "اللهم عذِّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذّبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير". وإن هذا معنى لعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم، وفي الآية أقوال غير هذا تركنا التعرض لها، لأنها ليست مما نحن بصدده.
القطان
تفسير : اللعن: الحرمان من لطف الله وعنايته. يتولون الذين كفروا: يوالونهم. يأتي هذا التقرير في موقف النبي داود وعيسى عليهما السلام من اليهود على مدى التاريخ، وكلاهما لعن كفار بني إسرائيل لعصيانهم وعدوانهم. وقد استجاب الله له جزاء سكوتهم عن المنكر يفشو فيما بينهم. لعن الله الذين كفروا من بني اسرائيل في الزبور والانجيل، من جرّاء تماديهم في العصيان وتمرّدهم على الأنبياء، وهذا معنى {بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}. ثم بيّن أسبابَ استمرارهم في العصيان فقال: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} فدأبُهم ألا يتناصحوا، فلا ينهى احد منهم احداً عن منكَر يقترفه مهما قُبح. وفي الآية تلميح إلى فشوّ المنكَرات فيهم، وانحلال مجتمعهم لما فيه من فسق وفجور,. وهذا داء قديم فيهم، لا يزال مستمرا حتى الآن، فَ {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} من اقتراف المنكرات، والسكوت عليها. هذا ما يحدثنا به اخواننا من الشعب الفلسطيني عن مجتمع اليهود. إنه موبوء فاجر. روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أولَ ما دخل النقصُ على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتقِ الله ودعْ ما تصنع، فإنه لا يحِلّ لك. ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك ان يكون أكيله وشريبه وقَعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوبَ بعضهم ببعض". ثم قال {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ..} إلى قوله {فَاسِقُونَ..} الآيات. ثم قال صلى الله عليه وسلم: "كَلاّ واللهِ لتأمُرنّ بالمعروف، ولتنهَوُن عن المنكر، ثم لتأخذُن على يد الظالم ولتأطِرُنَّه على الحق، أو لتقسُرُنّه على الحق قسراً، أو ليضربنّ اللهُ قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم ". تفسير : تأطِرنّه: تردُّونه، والقسر: القهر. والأحاديث في ذلك كثيرة وصحيحة. وأظن كثيراً من أحوالنا تسير الى السوء، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معطّل. نسأله تعالى ان يردنا الى ديننا. {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذا هو من الأمور التي كانت تقع منهم، فقد كان اليهود يتحالفون مع مشركي قريش والعربِ ضدّ النبي والاسلام. وقد ذهبَ كعبُ بن الأشرف مع جماعة منهم الى مكة يحرّض كفّار قريش على قتال الرسول الكريم، كما حالف بنو قريظة المشركين في وقعة الخندق. وحوادثهم كثيرة. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} إن هذه الشرور عمل ادّخرته لهم أنفسُهم الشريرة حتى غضب الله عليهم، وسيخلَّدون في جهنم وبئس المصير. {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ}. ولو كان أولئك اليهود الذين يتولَّون الكافرين من مشركي العرب، يؤمنون بالله والنبي، وما أُنزل اليك من القرآن، لما اتخذوا عبدة الأوثان أنصاراً، {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} متمردون في النفاق، خارجون عن حظيرة الدين، لا يريدون الا الجاه والرياسة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ۤ إِسْرَائِيلَ} (78) - لَعَنَ اللهُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَني إسْرَائِيلَ فِي الزَّبُورِ وَالإِنْجِيلِ، فَقَدْ لَعَنَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، مَنِ اعْتَدَى مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ، أوْ لَعَنَ العَاصِينَ المُعْتَدِينَ مِنْهُمْ عَامَّةً، وَكَذَلِكَ لَعَنَهُمْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ اللَّعْنِ هُوَ تَمَادِيهِمْ فِي العِصْيَانِ، وَتَمَرُّدُهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَتَمَادِيهِمْ فِي الظُّلْمِ وَالفَسَادِ (بِمَا كَانُوا يَعْتَدُونَ).
الثعلبي
تفسير : {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي عذبوا بالمسيح فقال {عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ}. يعني أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة { وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} يعني كفّار أصحاب المائدة لمّا لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير { ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا} الآية {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ} أي لا ينهي بعضهم بعضاً {عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} الآية. الحسن بن محمد بن الحسين، موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه، عبد اللّه بن سنان، عبد العزيز بن الخطاب، خالد بن عبد اللّه، العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، الحسن بن محمد، أحمد بن محمد بن إسحاق، أبو علي الموصلي، وهب بن منبه، خالد عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيراً فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى اللّه ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض وجعل منهم القردة والخنازير ولعنه على لسان داود وعيسى ابن مريم، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء ولتأطرنه على الحق إطراً أو ليضربن اللّه بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم ". تفسير : {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} أي من اليهود، كعب بن الأشرف وأصحابه {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} منكر في منكر حين خرجوا إليها يعينون على محمد (عليه السلام) {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ} عذاب اللّه {عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ} محمد {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} من القرآن {مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني من لم يسلم.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى يعطي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة تصبره على ما يلاقيه من خصومه من أهل الكتاب، وكأنه يقول له: إن هذا الأمر ليس بدعاً وليس عجيباً؛ لأن تاريخ أهل الكتاب الطويل يؤيد هذا، فها هوذا موقفهم من نبي الله داود، وكذلك موقفهم من عيسى ابن مريم عليه السلام. وهذا يجعل لك أسوة بهؤلاء الرسل الذين نالهم من أذى هؤلاء. فالمسألة ليست خاصة بك وحدك، وإنما هي طبيعة فيهم، ويبسط سبحانه في التسرية عن رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يجعل موقفه موقف الصلابة الإيمانية التي لا تخاف ولا تهتز. فينسب هذه الأشياء لنفسه فيقول: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]. فمرة قالوا عن الرسول: إنه مجنون، ومرة أخرى قالوا: "ساحر" وثالثة قالوا: "كذاب". وهم يعرفون كذبهم، فهم على الرغم من اتهامهم للرسول بالكذب والجنون والسحر إلا أنهم لا يأمنون أحداً على مصالحهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الأمين دائماً. وكان لهم أن يتعجبوا من موقفهم هذا، ومن صدهم عن دين الله بالكفر، وعلى الرغم من ذلك فعندما يكون هناك شيء ثمين ونفيس فلا يُؤمَن عليه إلا محمد بن عبدالله. ما هذا الأمر العجيب إذن!! لقد عرفوا صدق النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة رسالته - ما في ذلك ريب - ولكن لأن لهم أهواء أصرّوا على الضلال تمسكاً بالسلطة الزمنية. هم يعرفون أن محمداً هو الأمين. ولذلك نرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع عليّاً - كرم الله وجهه - ويتركه في مكة ليؤدي الأمانات التي كانت عنده لهؤلاء جميعاً. إذن {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ}. أي أنك يا رسول الله عندهم الصادق. أنت عندهم يا رسول الله الأمين. أنت عندهم يا رسول الله في منتهى السمو الخلقي. ولو لم تقل أنك رسول من الله لكانوا قد رفعوك إلى أعلى المنازل. ولكنك ببلاغك عن الله زلزلت سلطتهم الزمنية. ولقد حاولوا أن يثنوك عن الرسالة، فعرضوا عليك الملك، وعرضوا عليك الثراء، ولو كنت تقصد شيئاً من ذلك لحققوا لك ما تريد. ولكنك تختار البلاغ الأمين عن الله. لقد عرضوا عليك الملك طواعية. وعرضوا عليك الثروة. وزينوا لك أمر السيادة فيهم شريطة أن تتخلى عن الرسالة. لكنك تختار السبيل الواضح الذي لا لبس فيه على الرغم مما فيه من متاعب، تختار السبيل الذي يكلفك أمنك وأمن من يتبعك. إنك تتبع ما أنزل إليك من ربك. ومن بعد ذلك جاءوا ليحاصروك في الشِّعب ليمارسوا معك الحصار الاقتصادي بتجويعك وتجويع من معك. ومع هذا كله ما تنازلت عن البلاغ. وكان يجب أن يفطنوا إلى أنك لا تطلب لنفسك شيئاً، لا المال ولا الجاه بل أنت رسول من الله لا تأكل من صدقة أحد، لا أنت ولا أهلك. وكان يجب أن يتساءلوا: لماذا تدخل بنفسك إلى هذه الحرب الضارية؛ فلا أنت طالب جاه ولا أنت طالب مال، ولا أنت طالب لمتعة من تلك المتع. وكان يجب أن يأخذوا العبرة، فهم يعرضون عليه كل هذه الأشياء. وهو يرفضها؛ لأنه خاتم الأنبياء؛ لذلك يتمثل فيه خير كل من سبقه من الأنبياء. يتمثل فيه على سبيل المثال ما قاله سليمان لوفد بلقيس ملكة سبأ: {أية : فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} تفسير : [النمل: 36]. إذن كان يجب على الناس أن يفطنوا إلى أن النبوة حينما تأتي إنما تأتي لتلفت الناس إلى السماء وإلى منهجها ولتنتظم حركة حياتها في الكون، وأن المنتفع أولاً وأخيراً بالمنهج هم أنفسهم؛ لأنهم هم الذين يشقون بمخالفتهم منهج الله. وليجرد كل إنسان نفسه من كل شيء ولينظر إلى المنهج ولسوف يجد أنه في صالحه. فها هوذا سليمان الذي دانت له الدنيا وأُعْطِيَ ملكاً لم يعطه الله لأحد من بعده فسخر الله له الريح وسخر له الجن يفعلون له ما يشاء. وكان سليمان يعطي الدقيق النقي للعبيد ليستمتعوا بالطيبات، ويأكل هو ما تبقى من نخالة الدقيق، وكان ذلك دليلاً من الله أن هذه المناهج ليست لصالح نبي، ولكن كل نبي إنما يريد بالمنهج صالحَ من أُرسل إليهم. وكانت مقاومة أهل الكتاب لنبي الله داود، وكيف أنهم اعتدوا في يوم السبت فدعا عليهم داود عليه السلام فمسخهم الحق قردة، ولعنهم في الزبور، وكذلك قالوا الإفك في مريم البتول ولعنهم الله في الإنجيل، ولم يكن اللعن إلا بناءً على ما فعلوا؛ لذلك يذيل الحق الآية بالقول: { ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}. والعصيان - كما نعلم - هو العصيان في ذات الإنسان وفي أموره الخاصة التي لا تتعدى إلى الغير، أما الاعتداء فهو أيضاً معصية ولكنها متعدية إلى الغير. مثال ذلك: الحاقد إنما يعاقب نفسه، أما السارق أو المرتشي فهو يضر بغيره. إذن فهناك معصية وهناك عدوان، المعصية تعود على صاحبها دون أن تتعدى إلى الغير، أما العدوان فهو أخذ حق من الغير للنفس، وضرر يرتكبه الفرد فينتقل أثرة إلى الغير. ويقول الحق من بعد ذلك: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ...}
همام الصنعاني
تفسير : 741- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوري عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ بني إسرائيل لما وقع منهم النقص، جعل الرجل إذ وجد أخاه عَلى الذنب نهاه عنه. فإذا كانَ من الغَدِ لم يمنعه ما رأى منه أن يكون خليطه وأكيله وشريبه. فضرب الله بقلُوبِ بعضهم على بعض فأنزل فيهم القرآن: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}: الآية حتى بلغ {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} تفسير : [الآيات: 78-79-80]"، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، ثم قال: "حديث : كلا والذي نفسي بيدِهِ حتى تأخذوا على يدي الظالم، فتأطروه على الحقِّ أطراً ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):