Verse. 749 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

تَرٰى كَثِيْرًا مِّنْہُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا۝۰ۭ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَہُمْ اَنْفُسُہُمْ اَنْ سَخِـــطَ اللہُ عَلَيْہِمْ وَفِي الْعَذَابِ ہُمْ خٰلِدُوْنَ۝۸۰
Tara katheeran minhum yatawallawna allatheena kafaroo labisa ma qaddamat lahum anfusuhum an sakhita Allahu AAalayhim wafee alAAathabi hum khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ترى» يا محمد «كثيرا منهم يتولَّون الذين كفروا» من أهل مكة بغضا لك «لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم» من العمل لمعادهم الموجب لهم «أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون».

80

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }. اعلم أنه تعالى لما وصف أسلافهم بما تقدم وصف الحاضرين منهم بأنهم يتولون الكفار وعبدة الأوثان، والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكرنا في قوله تعاللى: {أية : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَـؤُلاء أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَبِيلاً } تفسير : [النساء: 51]. ثم قال تعالى: {لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } أي بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في دار الآخرة. وقوله تعالى: {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ } محل {أن} رفع كما تقول: بئس رجلا زيد، ورفعه كرفع زيد، وفي زيد وجهان: الأول: أن يكون مبتدأ، ويكون (بئس) وما عملت فيه خبره، والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قال: بئس رجلا قتل: ما هو؟ فقال: زيد، أي هو زيد.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} أي من اليهود؛ قيل: كعب بن الأشرف وأصحابه. وقال مجاهد: يعني المنافقين {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي المشركين؛ وليسوا على دينهم. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي سولت وزينت. وقيل: المعنى لبئس ما قدموا لأنفسهم ومعادهم. {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} «أَنْ» في موضع رفع على إضمار مبتدأ كقولك: بئس رجلاً زيدٌ. وقيل: بدل من «ما» في قوله «لبِئس» على أن تكون «ما» نكرة فتكون رفعاً أيضاً. ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى لأن سخط الله عليهم: {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} ابتداء وخبر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تَرَى } يا محمد {كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة بغضاً لك {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } من العمل لمعادهم الموجب لهم {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ }.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ترى كثيراً منهم} يعني من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه {يتولون الذين كفروا} يعني: يوالون المشركين من أهل مكة وذلك حين خرجوا إليهم ليجيشوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: معناه ترى كثيراً من المنافقين يتولون اليهود {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} يعني بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة {أن سخط الله عليهم} يعني بما فعلوا من موالاة الكفار {وفي العذاب هم خالدون} يعني في الآخرة {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي} يعني ولو كان هؤلاء الذين يتولون الكفار يؤمنون بالله ويصدقونه بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه نبي مبعوث إلى كافة الخلق {وما أنزل إليه} يعني ويؤمنون بالقرآن الذي أنزل إليه من ربه {ما اتخذوهم أولياء} يعني ولكن أكثرهم خارجون عن طاعة الله وأمره وإنما قال كثيراً لأنه علم أن منهم من سيؤمن مثل عبد الله ابن سلام وأصحابه. قوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} اللام في قوله لتجدن لام القسم تقديره والله يا محمد إنك لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا بك وصدقوك اليهود والذين أشركوا ووصف الله شدة عداوة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق وجعلهم قرناء المشركين عبدة الأصنام في العداوة للمؤمنين وذلك حسداً منهم للمؤمنين {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} ووصف لين عريكة النصارى وسهولة قبولهم الحق. قال بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال بأنواع المكر والمكيد والحيل، ومذهب النصارى خلاف اليهود، فإن الإيذاء في مذهبهم حرام، فحصل الفرق بين اليهود والنصارى. وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا وطلب الرياسة ومن كان كذلك كان شديد العداوة لغيره. وأما النصارى، فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذتها وترك طلب الرياسة ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحداً ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب الحق لهذا قال تعالى: {ذلك بأن منهم} يعني من النصارى {قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} ولم يرد به كل النصارى فإن معظم النصارى في عداوة المسلمين كاليهود بل الآية نزلت فيمن آمن من النصارى مثل النجاشي وأصحابه. والقس والقسيس: اسم رئيس النصارى والجمع قسيسون. وقال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم. وهذا مما وقع الوفاق بين اللغتين يعني العربية والرومية. وأما الرهبان، فهو جمع راهب. وقيل: الرهبان واحد وجمعه رهابين وهم سكان الصوامع. فإن قلت: كيف مدحهم الله بذلك مع قوله {أية : ورهبانية ابتدعوها}تفسير : [الحديد: 27] قلت: إنما مدحهم الله في مقابلة ذم اليهود ووصفهم بشدة العداوة للمؤمنين ولا يلزم من هذا القدر أن يكون مدحاً على الإطلاق. وقيل: إنما مدح من آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فوصفهم بالتمسك بدين عيسى إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا به واتبعوه فإن قلت: كفر النصارى أشد وأغلظ من كفر اليهود وأقبح فإن النصارى ينازعون في الإلهيات فيدعون أن لله ولداً واليهود ينازعون في النبوات فيقرون ببعض النبيين وينكرون بعضهم والأول أقبح فلم ذم اليهود ومدح النصارى؟ قلت: إنما هو مدح في مقابلة ذم وليس بمدح على الإطلاق وقد تقدم الفرق بين شدة عداوة اليهود ولين النصارى فلذلك ذم اليهود ومدح النصارى الذين آمنوا منهم. واختلف العلماء في من نزلت هذه الآية فقيل نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة وأصحابه الذين أسلموا معه. (ذكر قصة الهجرة الأولى وسبب نزول هذه) قال ابن عباس وغيره من المفسرين في قوله {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}: إن قريشاً ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فأذوهم وعذبوهم فافتتن من افتتن منهم وعصم الله من شاء منهم ومنع الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بأصحابه ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين ولم يؤمر بعد بالجهاد، حديث : أمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً تفسير : فخرج إليها أحد عشر رجلاً وأربع نسوة سراً وهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة وامرأته سهلة بنت سهل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى. ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وجماعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم، فدخل إليه عمرو وقال له: أيها الملك إنه قد خرج فينا رجل سفَّه عقول قريش وأحلامها وزعم أنه نبي وأنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم وأن قومهم يسألونك أن تردهم إليهم. فقال: حتى نسألهم فأمر بهم فأحضروا فلما أتوا باب النجاشي قالوا: يستأذن أولياء الله. فقال: ائذنوا لهم فمرحباً بأولياء الله. فلما دخلوا عليه سلموا، فقال الرهط من المشركين: أيها الملك ألا ترى أنا قد صدَقناك إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها؟ فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا له: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول هو عبد الله ورسوله وكلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم إنها العذراء البتول. قال: فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: والله ما زال صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود. فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. فقال: هل تعرفون شيئاً مما أُنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرؤوا، فقرأ جعفر سورة مريم وهنالك قسيسون ورهبان وسائر النصارى فعرفوا ما قرأ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فأنزل الله فيهم {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} إلى آخر الآيتين فقال النجاشي لجعفر وأصحابه، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يعني أنكم آمنون فرجع عمرو وأصحابه خائبين وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وعلا أمره وقهر أعداءه وذلك في سنة ست من الهجرة وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت قد هاجرت مع زوجها ومات عنها فأرسل النجاشي جارية يقال لها أبرهة إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطبها فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحاً كانت لها وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها فأنكحا رسول الله صلى الله عليه وسلم على صداق مبلغه أربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين ديناراً فلم تأخذها. وقالت: إن الملك أمرني أن لا آخذ منك شيئاً. وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئيه مني السلام. قالت: نعم. فقالت قد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عندها فلا ينكره. قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحاصر خيبر فخرج من خرج إليه ممن قدم من الحبشة وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يسألني عن النجاشي وقرأت عليه السلام من أبرهة جارية الملك فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها السلام وأنزل الله عز وجل: {أية : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة}تفسير : [الممتحنه: 7] يعني أبا سفيان وذلك بتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة ولما بلغ أبا سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة قال ذلك الفحل لا يجدع أنفه. وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنه أزهى في ستين رجلاً من أصحابه وكتب إليه يا رسول الله إني أشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفراً وأسلمت لله رب العالمين وقد بعثت إليك ابني أزهى وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا في سفينة في أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخير ووافى مع جعفر سبعون رجلاً عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون رجلاً من الحبشة وثمانية من الشام فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يس إلى آخرها فبكى القوم حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام فأنزل الله هذه الآية فيهم وهي قول: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون وكانوا من أصحاب الصوامع. وقيل: نزلت في ثمانين رجلاً أربعين من نصارى نجران من بني الحرث بن كعب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية روميين من أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب على شريعة من الحق بما جاء به عيسى عليه السلام فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به وصدقوه فأثنى الله عليهم بقوله: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} يعني لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لبئس ما قدمت لهم أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ ما أمرتهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في الشعب وضعفه عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال‏:‏ ثلاث في الدنيا، وثلاث في الآخرة، فاما التي في الدنيا قد طالب إليها، ودوام الفقر، وقصر العمر، وأما التي في الآخرة فسخط الله، وطول الحساب، والخلود في النار، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون‏} ".

ابو السعود

تفسير : {تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ} أي من أهل الكتاب ككعبِ بن الأشرف وأضرابِه حيث خرجوا إلى مشركي مكةَ ليتّفقوا على محاربة النبـي عليه الصلاة والسلام، والرؤيةُ بصرية وقوله تعالى: {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} حال من (كثيراً) لكونه موصوفاً، أي يوالون المشركين بُغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقيل: مِنْ منافقي أهل الكتاب يتولَّوْن اليهود. وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد والحسن، وقيل: يوالون المشركين ويُصافوُنهم {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} لبئس شيئاً قدّموا ليَرِدوا عليه يوم القيامة {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} هو المخصوصُ بالذم على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مُقامَه، تنبـيهاً على كمال التعلق والارتباط بـينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغةً في الذم أي موجبُ سُخطِه تعالى، ومحله الرفع على الابتداء والجملة قبله خبرُه، والرابط عند من يشترطه هو العموم، أو لا حاجة إليه، لأن الجملةَ عينُ المبتدأ، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف ينبىء عنه الجملة المتقدمة، كأنه قيل: ما هو؟ أو أيُّ شيء هو؟ فقيل: هو أنْ سخِط الله عليهم، وقيل: المخصوصُ بالذم محذوفٌ و(ما) اسم تامٌّ معرفةٌ في محل رفع بالفاعلية لفعل الذم، و(قدمت لهم أنفسهم) جملة في محل الرفع على أنها صفة للمخصوصِ بالذم قائمةٌ مَقامه، والتقدير لبئس الشيءُ شيءٌ قدّمتْه لهم أنفسُهم، فقوله تعالى: {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} بدلٌ من (شيء) المحذوفِ، وهذا مذهب سيبويه {وَفِى ٱلْعَذَابِ} أي عذاب جهنم {هُمْ خَـٰلِدُونَ} أبد الآبدين {وَلَوْ كَانُواْ} أي الذين يتولون المشركين من أهل الكتاب {يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىّ} أي نبـيهم {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} من الكتاب، أو لو كان المنافقون يؤمنون بالله ونبـينا إيماناً صحيحاً {مَا اتَّخَذُوهُمْ} أي المشركين واليهود {أَوْلِيَاء} فإن الإيمان بما ذُكر وازعٌ عن تولِّيهم قطعاً {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبـيهم وكتابهم أو متمرِّدون في النفاق مفرِّطون فيه.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الآية: 80]. قال الواسطى رحمة الله عليه: ما أظهر الله من الوشم المكروه على خلقه، جعل ذلك مضافاً إلى غضبه وسخطه من غير أن يؤثر عليه شىء، ألا ترى إلى قول الحكيم كيف يؤثر عليه، ما هو أحراه له كيف يغضبه ما هو أبداه وكيف يجرى عليه الغضب على نحو ما يعرف من الآدميين، ولا يكره شيئًا خلقه وتولى إظهاره، وإن كان نفس ما أظهره مكروها فى ذاته، إذ لا ضرر عليه فى شىء خلقه، كما لا زينة له فى شىء خلقه.

القشيري

تفسير : شرُّ خِصال اللئام مطابقةُ مَنْ يضاد الصديق، فإذا كان سخط الله في موالاة أعدائه فرحمته - سبحانه - في معاداة أعدائه.

البقلي

تفسير : بين الله سبحانه ميلان الجنس فى الكفر والايمان من تجانس الفطرة الاولية واظهر بعضه لموالاة الاعداء بعضا ومحبته لموالاة الاولياء بعضهم بعضا وبين ان موالاة الكفار يوجب سخط الله عليهم ابداً وبقاء فى عذابه ابدا ولا تظن فى رضاه سخطه انهما صفتان متغائرتان من جهة تاثر افعال الحدث فى القدم فان صفات القدم منزهة عن ان تكون محلا لنزول الحدثان فيها ان رضاه سبق عنايته للمقبولين وان غضبه ارادة وضوح وسم البعد على المطرودين قال الواسطى ما اظهر من الوسم المكروه على خلقه جعل ذلك مضافا الى غضبه وسخضة من غيران يوثر عليه شئ الا ترى الى اقوال الحكيم كيف يوثر عليهم ما هوا اجراه كيف يغضبه ما هو ابداه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ترى كثيرا منهم} اى من اهل الكتاب ككعب بن الاشرف واضرابه حيث خرجوا الى مشركى مكة ليتفقوا على محاربة النبى عليه السلام والرؤية بصرية {يتولون الذين كفروا} حال من كثيرا لكونه موصوفا اى يوالون المشركين بعضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} اى لبئس شيئاً قدموا ليردوا عليه يوم القيامة {أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون} هو المخصوص بالذم بتقدير المضاف اى موجب سخط الله والخلود فى العذاب لان نفس السخط المضاف الى البارى تعالى لا يقال له انه المخصوص بالذم انما المخصوص بالذم هو الاسباب الموجبة له.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله للنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول له {ترى كثيراً منهم} يعني من هؤلاء اليهود في قول الحسن وأبي علي. وقال غيرهما يعني أهل الكتاب أي {يتولون الذين كفروا} من عبدة الاوثان في قول الحسن وغيره. وقال أبو جعفر يتولون الملوك الجبارين ويزينون لهم أهوائهم ليصيبوا من دنياهم. فان قيل: كيف يتولى أهل الكتاب عبدة الأوثان مع إِكفارهم إِياهم على تلك العبادة؟! قلنا لانهم يعملون عمل المتولي بالنصرة والمعاونة والرضا بما يكون منهم من عداوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومحاربته. ويجوز أن يكونوا تولوهم على ذلك في الحقيقة، فيكون على جهة تقييد الصفة. فان قيل ما الفائدة في اخباره (صلى الله عليه وسلم) يراه وهو عالم به؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - التوبيخ لصاحبه فيقرعون بما هو معلوم من حالهم. والآخر التنبيه على باطن أمرهم بما يدل عليه ظاهر حالهم المعلومة فينكشف باطنهم القبيح. وقوله {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} قيل في معناه قولان: أحدهما بئس شيئاً قدموه من العمل لمعادهم في الآخرة في قول أبي علي. واللام لام القسم على ما بيناه. والثاني - أنه يجري مجرى قوله: {سولت لهم أنفسهم} أي قدمت لهم أنفسهم بما بعثهم على تولي الذين كفروا مع مخالفتهم. وقوله: {أن سخط الله عليهم} قيل في موضع {أن سخط الله} قولان: أحدهما - رفع كقولك: ما قدموه لانفسهم سخط الله أي هو سخط الله عليهم وخلودهم في النار بما كان من توليهم ورفعه كرفع (زيد) في قولك: بئس رجلا زيد. الثاني - أنه جر على تقدير لان سخط الله عليهم وحصلوا على الخلود في النار وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصباً على تقدير بئس الشئ ذلك، لأن أكسبهم السخطة عليهم.

الجنابذي

تفسير : {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} امّا بيان حال الامّة او بيان حال اهل الكتاب والتّعريض بالامّة والخطاب لمحمّد (ص) او عامّ {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} المخصوص بالّذمّ محذوف اى تولّيهم {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} بتقدير اللاّم او الباء او هو مخصوص {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} بسبب ذلك التّولّى، عن الباقر (ع) يتولّون الملوك الجبّارين ويزيّنون لهم اهواءهم ليصيبوا من دنياهم.

اطفيش

تفسير : {تَرَى كَثِيراً مِّنهُمْ}: من أهل اليهود ككعب بن الأشرف وأصحابه، أى تعلم أو تبصر بعينك ما يدل على التوالى. {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: مشركى قريش وغيرهم حتى انهم خرجوا الى المشركين ليشحذوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغضاً له، وقيل المراد بالكثير منافقوا أهل الكتاب، يقولون: المشركين، وعن ابن عباس: الكثير هم المنافقون يتولون الذين كفروا هم اليهود، أى منافقو أهل الكتاب، يتولون أهل الكتاب الذين هاجروا بالشرك، ويحتمل أن يريد المنافقين من غير أهل الكتاب يتولون المشركين المجاهرين بالشرك، وسماهم الله منهم لأنهم فى الواقع يوالونهم. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ}: ما فاعل أو تمييز مفسر للفاعل مستتراً، والمخصوص بالذم وهو قوله: {أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِم}: قدموا لأنفسهم بموالاة الكفار سخط الله، وهو تهيئة العذاب لهم، ويجوز أن يكون المخصوص بالذم محذوفاً، وان سخط تعليل على تقدير اللام أى لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ذلك لسخط الله، ويجوز أن يكون ان سخط بدلا من ما، والمخصوص محذوف كذلك، أو بدلا من المخصوص المحذوف، وعلى قول جواز حذف المبدل منه. {وَفِى العَذَابِ}: عذاب الآخرة. {هُمْ خَالِدُونَ وَلَو كَانُوا}: أى اليهود. {يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِى}: نبيهم موسى عليه السلام، أو ولو كان المنافقون يؤمنون بالله والنبى محمد صلى الله عليه وسلم. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ}: من التوراة أو القرآن. {مَا اتَّخَذُوهُمْ}: أى الذين كفروا أى المشركين. {أَوْلِيَآءَ}: لأن الايمان يمنع من اتخاذ المشركين أولياء. {وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنهُمْ فَاسِقُونَ}: خارجون من دينهم أو خارجون عن الطاعة بالنفاق، واحترز بالكثير عن مثل عبد الله بن سلام.

اطفيش

تفسير : {تَرَى} بعينيك برؤية الأَثر، أَو تعلم يا محمد أَو يامن تصلح للرؤية {كَثِيراً مِنْهُمْ} من أَهل الكتاب عموماً، وقيل المراد اليهود وهو أَظهر ككعب بن الأَشرف وأَصحابه، وقد خرج جماعة منهم إلى مكة ليتفقوا مع المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين فلم يتم لهم ذلك {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَشركوا من قريش أَو غيرهم ويفضلونهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بغضاً لهم وحباً لذلهم والله يأَبى إِلا نصرهم وعزهم {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهمْ} لبئس الذى قدمته لهم أَنفسهم أَو لبئس هو شيئاً قدمته لهم أَنفسهم {أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيهِمْ} مخصوص بالذم على حذف مضاف، أَى موجب سخطه عليهم لأَنهم لا يقدمون السخط فى الدنيا وهو عذاب الآخرة أَو ما يلحقهم في الدنيا من الأَسواء إِذ ليس تقديم ذلك فى وسعهم ولا محبوباً لهم بل يقدمون أَفعال السوء واعتقاد السوء وهى الموجبة لعذاب الآخرة، أَو المخصوص محذوف أَى عملهم الذى عملوه فيكون أَن سخط الله عليهم علة أَى لأَنه سخط الله عليهم به أَو بدلا منه، وإن جعل إن سخط بدلا من ما على أَنها موصولة أَو معرفة تامة جاز، بل جاز ولو على أَنها نكرة وإِبدال المعرفة من النكرة أَولى من تكلف تقدير لبئس الشيء شيئاً قدمته لهم أَنفسهم سخط الله، على أن سخط بدل من المخصوص المقدر وهو شئ {وفَى العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} الجملة معطوفة على خبر إِن المخففة فينسحب عليها التأويل بالمصدر أَى سخطه وخلودهم في العذاب.

الالوسي

تفسير : {تَرَىٰ كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تصح منه الرؤية، وهي هنا بصرية، والجملة الفعلية بعدها في موضع الحال من مفعولها لكونه موصوفاً، وضمير {مِنْهُمْ} لأهل الكتاب أو لبني إسرائيل، واستظهره في «البحر» والمراد من الكثير ـ كعب بن الأشرف وأصحابه ـ ومن {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مشركو مكة؛ وقد روي أن جماعة من اليهود خرجوا إلى مكة ليتفقوا مع مشركيها على محاربة النبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فلم يتم لهم ذلك. وروي عن الباقر رضي الله تعالى عنه أن المراد من {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الملوك الجبارون؛ أي ترى كثيراً منهم ـ وهم علماؤهم ـ يوالون الجبارين ويزينون لهم أهواءهم ليصيبوا من دنياهم، وهذا في غاية البعد، ولعل نسبته إلى الباقر رضي الله تعالى عنه غير صحيحة؛ وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه والحسن ومجاهد أن المراد من ـ الكثير ـ منافقو اليهود، ومن {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مجاهروهم، وقيل: المشركون. {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} أي لبئس شيئاً فعلوه في الدنيا ليردوا على جزائه في العقبـى {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} هو المخصوص بالذم على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه تنبيهاً على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغة في الذم أي بئس ما قدموا لمعادهم موجب سخط الله تعالى عليهم، وإنما اعتبروا المضاف لأن نفس سخط الله تعالى شأنه باعتبار إضافته إليه سبحانه ليس مذموماً بل المذموم ما أوجبه من الأسباب على أن نفس السخط مما لم يعمل في الدنيا ليرى جزاؤه في العقبـى كما لا يخفى، وفي إعراب المخصوص بالذم أو المدح أقوال شهيرة للمعربين، واختار أبو البقاء كون المخصوص هنا خبر مبتدأ محذوف تنبـىء عنه الجملة المتقدمة، كأنه قيل: ما هو؟ أو أي شيء هو؟ فقيل: هو أن سخط الله عليهم ونقل عن سيبويه أنّ {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ} مرفوع على البدل من المخصوص بالذم وهو محذوف، وجملة {قَدَّمَتْ} صفته، و {مَا} اسم تام معرفة في محل رفع بالفاعلية لفعل الذم، والتقدير لبئس الشيء شيء قدمته لهم أنفسهم سخط الله تعالى، وقيل: إنه في محل رفع بدل من {مَا} إن قلنا: إنها معرفة فاعل لفعل الذم، أو في محل نصب منها إن كانت تمييزاً، واعترض بأن فيه إبدال المعرفة من النكرة، وقيل: إنه على تقدير الجار، والمخصوص محذوف أي لبئس شيئاً ذلك لأن سخط الله تعالى عليهم. {وَفِى ٱلْعَذَابِ} أي عذاب جهنم {هُمْ خَـٰلِدُونَ} أبد الآبدين، والجملة في موضع الحال وهي متسببة عما قبلها، وليست / داخلة في حيز الحرف المصدري إعراباً كما توهمه عبارة البعض، وتعسف لها عصام الملة بجعل ـ أن ـ مخففة عاملة في ضمير الشأن بتقدير أنه سخط الله تعالى عليهم {وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَـٰلِدُونَ}، وجوز أيضاً أن تكون هذه الجملة معطوفة على ثاني مفعولي {تَرَى} بجعلها علمية أي تعلم كثيراً منهم {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ويخلدون في النار، وكل ذلك مما لا حاجة إليه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي ذُكر به حال طائفة من اليهود كانوا في زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم وأظهروا الإسلام وهم معظم المنافقين وقد دلّ على ذلك قوله: {يَتَولَّوْن الّذين كفروا}، لأنّه لا يستغرب إلاّ لكونه صادراً ممّن أظهروا الإسلام فهذا انتقال لشناعة المنافقين. والرؤية في قوله {ترى} بَصريّة، والخطاب للرّسول. والمراد بــ {كثير منهم} كثير من يهود المدينة، بقرينة قوله {ترى}، وذلك أنّ كثيراً من اليهود بالمدينة أظهروا الإسلام نفاقاً، نظراً لإسلام جميع أهل المدينة من الأوس والخزرج فاستنكر اليهود أنفسهم فيها، فتظاهروا بالإسلام ليكونوا عيناً ليهود خَيبر وقُريظة والنضِير. ومعنى {يتولّون} يتّخذونهم أولياء. والمراد بالّذين كفروا مشركو مكّة ومَنْ حَول المدينة من الأعراب الذين بقُوا على الشرك. ومن هؤلاء اليهود كَعْبُ بن الأشرف رئيسُ اليهود فإنّه كان موالياً لأهل مكّة وكان يغريهم بغزو المدينة. وقد تقدّم أنّهم المراد في قوله تعالى:{أية : ألم تر إلى الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطّاغوت ويقولون للّذين كفروا هؤلاء أهدى من الّذين آمنوا سبيلاً}تفسير : [النساء: 51]. وقوله {أنْ سخط الله عليهم} (أنْ) فيه مصدريّة دخلت على الفعل الماضي وهو جائز، كما في «الكشاف» كقوله تعالى: {أية : ولولا أنْ ثَبَّتْنَاك}تفسير : [الإسراء: 74]، والمصدر المأخوذ هو المخصوص بالذمّ. والتّقدير: لبئس ما قدمت بهم أنفسهم سُخْطُ اللّهِ عليهم، فسُخط الله مذموم. وقد أفاد هذا المخصوص أنّ الله قد غضب عليهم غضباً خاصّاً لموالاتهم الّذين كفروا، وذلك غير مصرّح به في الكلام فهذا من إيجاز الحذف. ولك أن تجعل المراد بسخط الله هو اللّعنة الّتي في قوله: {أية : لُعِن الّذين كفروا من بني إسرائيل}تفسير : [المائدة: 78]. وكون ذلك ممّا قدّمت لهم أنفسهم معلوم من الكلام السابق. وقوله: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنّبي} إلخ الواو للحال من قوله: {ترى كثيراً منهم} باعتبار كون المراد بهم المتظاهرين بالإسلام بقرينة ما تقدّم، فالمعنى: ولو كانوا يؤمنون إيماناً صادقاً ما تّخذوا المشركين أولياء. والمراد بالنّبيء محمّد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه القرآن، وذلك لأنّ النّبيء نهَى المؤمنين عن موالاة المشركين، والقرآن نهى عن ذلك في غير ما آية. وقد تقدّم في قوله: {أية : لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 28]. وقد جعل موالاتهم للمشركين علامة على عدم إيمانهم بطريقة القياس الاستثنائي، لأنّ المشركين أعداء الرّسول فموالاتهم لهم علامة على عدم الإيمان به. وقد تقدّم ذلك في سورة آل عمران. وقوله: {ولكنّ كثيراً منهم فاسقون} هو استثناء القياس، أي ولكنّ كثيراً من بني إسرائيل {فاسقون}. فالضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير {ترى كثيراً منهم} و{فاسقون} كافرون، فلا عَجَب في موالاتهم المشركين لاتّحادهم في مناواة الإسلام. فالمراد بالكثير في قوله: {ولكنّ كثيراً منهم فاسقون} عين المراد من قوله {ترى كثيراً منهم يتولّون الّذين كفروا} فقد أعيدت النكرة نكرة وهي عين الأولى إذ ليس يلزم إعادتها معرفة. ألا ترى قوله تعالى: {أية : فإنّ مع العسر يسراً إنّ مع العسر يسراً}تفسير : [الشرح: 5، 6]. وليس ضمير {منهم} عائداً إلى {كثيراً} إذ ليس المراد أنّ الكثير من الكثير فاسقون بل المراد كلّهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {خَالِدُونَ} (80) - وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ كَثيراً مِنَ بَني إسْرَائيلَ، يَتَوَلَّوْنَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكي العَرَبِ وَيُحَالِفُونَهُمْ عَلَيْكَ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى قِتَالِكَ، وَأنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ، وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ وَأنْبِيَائِهِ، وَتَشْهَدُ لَهُمْ بِصِدْقِ الرِّسَالَةِ، وَأولَئِكَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ وَلاَ رَسُولٍ، وَلاَ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ، وَلَولا اتِّبَاعُ الهَوَى، وَتَزْيينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، مَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَبِئْسَ مَا قَدَّمُوهُ لأنْفُسِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ مِنَ الأعْمَالِ التِي اسْتَوْجَبَتْ سَخَطَ اللهِ، وَعَظِيمَ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وَسَيُجْزَوْنَ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الجَزَاءِ، وَسَيُحِيطُ بِهِمُ العَذَابُ، وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهُ مَصْرِفاً، وَيَخْلُدُونَ فِي النَّارِ أبَداً. السَّخَطُ - أَشَدُّ الغَضَبِ. يَتَوَلَّوْنَ - يُحَالِفُونَ وَيُنَاصِرُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ الفارق بين أن يخبر الحق رسوله بأمور حدثت من قبل مثل قوله الحق: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} تفسير : [المائدة: 78]. وبين الواقع الذي يجري في زمن رسول الله؛ فالخبر الأول هو خبر عن أمر صدر منهم مع من سبق من الرسل. لكن هناك أشياء يا رسول الله أنت تراها بنفسك، وهذا دليل على أن كفرهم لم يكن نزوة وانتهت، لا، بل كفرهم أصبح ملكة فيهم انطبعت عليها نفوسهم، كيف؟ نعلم أن الإسلام حينما جاء واجه معسكرات شتّى، وهذه المعسكرات كانت تفسد حركة الإنسان في الحياة، والحق سبحانه وتعالى خلق الكون مسخّراً للإنسان ويريد أن يظل الإنسان حارساً لصلاح الكون أو أن يزيد صلاح الكون وألا يسمح بتسرب الفاسد إلى الصالح. إن هذا هو مراد الحق من وجود منهج للإنسان. وهدف المنهج أن يحمي حركة الحياة كلها من الفساد وأن يزيد صلاحية الكون، فعملنا في الكون دائماً لصالحنا؛ ولا يوجد عمل يفعله مخلوق يأتي للحق سبحانه وتعالى بصفة زائدة على كمالاته - سبحانه -؛ لأن الحق له كمال الصفات، وهو الذي خلقنا وأوجدنا وأمدنا، وتكليفنا منه لم يزده سبحانه شيئا، فهو - سبحانه - مستغن بذاته عن جميع خلقه. جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذن - ليحارب معسكرات هي معسكر أهل الشرك في مكة، ومعسكر أهل الكتاب، وكان المفترض في أهل الكتاب أن لهم صلة بالسماء ولهم إلف بمناهج الرسل. وبعجزات الرسل وعندهم البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ومعكسر المنافقين الذين ظهروا بعد أن قويت شوكة الإسلام، فأعلنوا الدخول في الإسلام وهم لم يؤمنوا بل أضمروا الكفر. وعندما نتوقف عند معكسر أهل الكتاب، كان من الطبيعي أن ينتظر منهم رسول الله أن يؤمنوا لأنه جاء بالمنهج الذي يقوي من صلة السماء بالأرض، لو كانوا صادقين وحريصين على تلك الصلة. وخصوصاً أنهم كثيراً ما تباهوا بمقدم النبي قبل أن تأتي الرسالة. وكانوا يقولون للأوس والخزرج: لقد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، يأتي سنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. وفي ذلك جاء قول الحق: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} تفسير : [البقرة: 89]. وقالت لهم كتبهم: إن النبي إنما يأتي في أرض ذات نخيل، وهذا ينطبق على مكان مبعثه صلى الله عليه وسلم. إذن فقد عرفوا المكان، وعرفوا الصفات، وعرفوا الجبهات التي سيحارب فيها لأنه سبق لأنبيائهم أن حاربوا فيها. وعندما جاء محمد رسولاً من عند الله اهتزت سلطتهم الزمنية، وأرادوا أن يستبقوها بتحريفهم منهج السماء. وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج الرباني ليعيد حركة الكون إلى الإيمان. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بينما كانوا ينسجون الإكليل كتاج لملك ينصبونه. هكذا أوقف رسول الله سلطتهم الزمنية ولم يعد لهم الجاه، ووحّد الأوس والخزرج، وكان اليهود يعيشون على الشقاق بينهما، ببيع الأسلحة والإقراض بالربا. ومع مجيء محمد صلى الله عليه وسلم تهدم بنيان سلطتهم؛ لذلك حاولوا أن يشجعوا خصوم رسول الله وهو ما زال في مكة ليهزموا الدين الجديد حتى لا يزحف الدين إلى المدينة ويهدر سلطانهم: وفي ذلك جاء القول الحق: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [آل عمران: 77]. والثمن القليل هو الأبهة والرئاسة وسدة الحكم. وها هوذا كعب بن الأشرف كبير يهود وله ثراء ولسان، يخرج إلى قريش ليناقشهم في ضرورة وأد الدين الجديد والقضاء عليه. فقالت له قريش: إنك من أهل الكتاب. ولك صلة بالسماء. فيقول لهم: إنكم أهدى من محمد سبيلا!! كيف يصير المشركون عبدة الأصنام أهدى من محمد سبيلا؟. وهكذا نرى قوله الحق: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. لقد تحالفوا مع معكسر الشرك الذي كان بينهم وبينه خصومة حتى لا تتسرب السلطة من أيديهم. وتعاونوا مع الذين أشركوا لإيقاف زحف الدين الجديد. {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80]. ويتولونهم أي ينصرونهم ويعينونهم ويدعون أنهم على حق، وكأن الدين الجديد على باطل. ويقسم الحق هنا أنه بئس ما زينت لهم النفس الأمارة بالسوء، لأنهم افتقدوا النفس اللوامة، وغلبت عليهم النفس الأمارة بالسوء. وتتابع الآية: "أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون" وينشأ عن السخط الابتعاد عن طريق الهداية. والبعد عن طريق الهداية يقود إلى العذاب الخالد. كأن الحق يوضح لهم: على فرض أنكم أخذتم متاعاً قليلاً في الحياة، ولكنكم أتيتم لأنفسكم بمتاعب أزلية تنتظركم في الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ...}

الجيلاني

تفسير : {تَرَىٰ} أيها الرائي {كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ} ويودون، ويوالون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أشركوا بالله ويصاحبونهم، لذلك يسري شركهم وكفرهم عليهم، والله {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} بسببه {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80] يشؤمه. {وَلَوْ كَانُوا} أي: هؤلاء المنافقون {يُؤْمِنُونَ بِالله} المتوحد في ذاته {والنَّبِيِّ} المؤيِّد من عنده، المبعوث إلى كافة الخلق {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} من الفرقان الفارق بين الحق والباطل {مَا اتَّخَذُوهُمْ} أي: المشركين {أَوْلِيَآءَ} أحياء، أصدقاء {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 81] خارجون عمَّا فيه صلاحهم، وسدادهم من الحكم والأحكام المنزلة في القرآن. {لَتَجِدَنَّ} أيها الداعي للخلق إلى الحق {أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} بك ويكتابك {ٱلْيَهُودَ} الذين جبلوا على النفاق والشقاق، سيما معك، وممن تبعك {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} بالله بإثبات الوجود لغيره؛ لبغضهم مع الموحدين الموفقين بتوحيد الله ووحدة ذاته، القاطعين عرق الشركة بالكلية {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً} ومحبة {لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} للمؤمنين من محض ودادهم وصميم فؤادهم بعدما تحققوا بحقية الدين المصطفوية، والشرعة المحمدية الموصلة إلى بحر التوحيد: {إِنَّا نَصَارَىٰ} ننصر دينكم ونقوي عضدكم. {ذٰلِكَ} أي: بسبب ودادتكم ومحبتكم في قلوبهم {بِأَنَّ مِنْهُمْ} جمعاً {قِسِّيسِينَ} طالين للعلم اللدني الذي هو ثمرة جميع الشرائع والأديان {وَرُهْبَاناً} متحققين بمرتبة العين، ومتصرفين بلا تفرج، متفرجين بلا تصرف في الأمور الدنيوية، منتظرين لظهور مرتبة الحق التي أنت تظهر به يا أكمل الرسل {وَأَنَّهُمْ} بعدما وجدوا في وجدانهم ما وجدوا {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82] عن نصرك وودادتك أيها الجامع لجميع مراتب الحق.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نتائج إصرارهم بقوله تعالى: {تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ} [المائدة: 80]؛ يعني: من المُصرين {يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 80]، وتوليه الكافر في كفره، كقوله ومن يتلوهم منكر، فإنه منهم {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} [المائدة: 80]؛ يعني: ما يقولون الكفار {أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 80]؛ لأن ذلك التولية موجبة لسخط الله عليهم فإن موالاة الأعداء توجب معادات الأولياء {وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 80]؛ يعني: عذاب معادات الحق لا ينقطع أبداً. ثم استدل على كفر من يتولى الكافر وهو يزعم أنه مؤمن بقوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله} [المائدة: 81]، إيماناً حقيقياً {والنَّبِيِّ} [المائدة: 81]، ويؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على التحقيق لا على التقليد {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} [المائدة: 81]، من القرآن والحكمة والحقائق {مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ} [المائدة: 81]؛ لأنهم أعداء الله والمؤمنين من كان الله وليه والرسول والمؤمنون، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ}تفسير : [البقرة: 257]، {وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ} [المائدة: 81]؛ يعني: من الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله والنبي {فَاسِقُونَ} [المائدة: 81]، خارجون عن وصف الإيمان وحقيقته، وهم يظنون أنهم يؤمنون وهم أهل الأهواء والبدع، ومفهوم الخطاب أن أيضاً كثيراً منهم مؤمنون على الحقيقة.