Verse. 751 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

لَتَجِدَنَّ اَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَۃً لِّلَّذِيْنَ اٰمَنُوا الْيَھُوْدَ وَالَّذِيْنَ اَشْرَكُوْا۝۰ۚ وَلَتَجِدَنَّ اَقْرَبَہُمْ مَّوَدَّۃً لِّلَّذِيْنَ اٰمَنُوا الَّذِيْنَ قَالُوْۗا اِنَّا نَصٰرٰى۝۰ۭ ذٰلِكَ بِاَنَّ مِنْہُمْ قِسِّيْسِيْنَ وَرُہْبَانًا وَّاَنَّہُمْ لَا يَسْتَكْبِرُوْنَ۝۸۲
Latajidanna ashadda alnnasi AAadawatan lillatheena amanoo alyahooda waallatheena ashrakoo walatajidanna aqrabahum mawaddatan lillatheena amanoo allatheena qaloo inna nasara thalika bianna minhum qisseeseena waruhbanan waannahum la yastakbiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لتجدنَّ» يا محمد «أشدَّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى «ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى ذلك» أي قرب مودتهم للمؤمنين «بأن» بسبب أن «منهم قسيسين» علماء «ورهبانا» عبادا «وأنهم لا يستكبرون» عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة نزلت في وفد النجاشي القادمين عليه من الحبشة قرأ سورة يس فبكوا وأسلموا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.

82

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ }. أعلم أنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العدواة مع المسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل نبه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين. ولعمري أنهم كذلك. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله} تفسير : وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إلى المسلمين منهم. وههنا مسألتان: الأولى: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين. وقال آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، فإن قدروا على القتل فذاك، وإلا فبغصب المال أو بالسرقة أو بنوع من المكر والكيد والحيلة، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك بل الإيذاء في دينهم حرام، فهذا هو وجه التفاوت: المسألة الثانية: المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول صلى الله عليه وسلم، واللام في قوله لام القسم، والتقدير: قسما إنك تجد اليهود والمشركين أشد الناس عدواة مع المؤمنين، وقد شرحت لك أن هذا التمرد والمعصية عادة قديمة لهم، ففرغ خاطرك عنهم ولا تبال بمكرهم وكيدهم. ثم ذكر تعالى سبب هذا التفاوت فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } وفي الآية مسألتان: الأولى: علة هذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : [البقرة: 96] فقرنهم في الحرص بالمشركين المنكرين للمعاد، والحرص معدن الأخلاق الذميمة لأن من كان حريصاً على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا وأقدم على كل محظور ومنكر بطلب الدنيا، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالاً أو جاهاً، وأما النصارى فإنهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبر والترفع، وكل من كان كذلك فإنه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم ولا يخاصمهم بل يكون لين العريكة في طلب الحق سهل الانقياد له، فهذا هو الفرق بين هذين الفريقين في هذا الباب، وهو المراد بقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ }. وههنا دقيقة نافعة في طلب الدين وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود لأن النصارى ينازعون في الإلهيات وفي النبوّات، واليهود لا ينازعون إلا في النبوات، ولا شك في أن الأول أغلظ، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا بل كان في قلبهم شيء من الميل إلى الآخرة شرّفهم الله بقوله {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ } وأما اليهود مع أن كفرهم أخف في جنب كفر النصارى طردهم وخصهم الله بمزيد اللعن وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا، وذلك ينبهك على صحة قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة».تفسير : المسألة الثانية: القس والقسيس اسم لرئيس النصارى، والجمع القسيسون. وقال عروة بن الزبير: صنعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين، وكان سمه قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس. قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، وهذا مما وقع الوفاق فيه بين اللغتين، وأما الرهبان فهو جمع راهب كركبان وراكب، وفرسان وفارس، وقال بعضهم: الرهبان واحد، وجمعه رهابين كقربان وقرابين، وأصله من الرهبة بمعنى المخافة. فإن قيل: كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله {أية : وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا }تفسير : [الحديد: 27] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا رهبانية في الإسلام».تفسير : قلنا: إن ذلك صار ممدوحاً في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة، ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحاً على الإطلاق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقاً بين الحال والمستقبل. «عَدَاوَةً» نصب على البيان وكذا {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وهذه الآية نزلت في النجاشيّ وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهِجرة الأُولى ـ حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره ـ خوفاً من المشركين وفتنتهم؛ وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب. فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إنّ ثأركم بأرض الحبشة، فاهدوا إلى النجاشيّ وابعثوا إليه رجلين من ذوي رأيكم لعله يعطيكم مَن عنده فتقتلونهم بمن قُتِل منكم ببدر، فبعث كُفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعه بهدايا، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أُمَيّة الضَّمْرِيّ، وكتب معه إلى النجاشيّ، فقدم على النجاشيّ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقِسّيسين فجمعهم. ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة «مريم» فقاموا تفيض أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وقرأ «إلى الشاهِدِين» رواه أبو داود. قال: حدّثنا محمد بن سلمة المراديّ قال حدّثنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي بكر ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعن سعيد بن المسيّب وعن عروة بن الزبير، أن الهجرة الأُولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وساق الحديث بطوله. وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم عشرون رجلاً وهو بمكة أو قريب من ذلك، من النصارى حين ظهر خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا، دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خَيَّبَكم اللَّهُ من رَكْب! بعثكم مَنْ وَرَاءَكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تظهر مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدّقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركباً أحمق منكم ـ أو كما قال لهم ـ فقالوا: سلام عليكم لا نُجاهلكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيراً. فيقال: إن النفر النصارى من أهل نَجْران، ويقال: إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} وقيل: إن جعفراً وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثُمَامة وقُثَم ودُريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة «يسۤ» إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى فنزلت فيهم {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} يعني وفد النجاشيّ وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد بن جبير: وأنزل الله فيهم أيضاً {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} إلى آخر الآية. وقال مقاتل والكلبيّ: كانوا أربعين رجلاً من أهل نَجْران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية وستون من أهل الشام. وقال قتَادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم. قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} واحد «القِسِّيسين» قسٌّ وقِسّيس؛ قاله قُطْرُب. والقِسّيس العالم؛ وأصله من قَس إذا تتبع الشيء فطلبه؛ قال الراجز: شعر : يُصْبِحْنَ عن قَسِّ الأذى غَوَافِلا تفسير : وتَقَسَّست أصواتَهم بالليل تَسمَّعتها. والقسّ النّميمة. والقسّ أيضاً رئيس من رؤساء النّصارى في الدين والعلم، وجمعهُ قسوس، وكذلك القِسِّيس مثل الشّر والشّرير فالقِسّيسون هم الذين يتبعون العلماء والعبّاد. ويقال في جمع قِسّيس مُكَسَّراً: قَسَاوِسَة أُبدل من إحدى السينين واواً وقَسَاوسة أيضاً كَمَهالبة. والأصل قَسَاسِسَة فأبدلوا إحدى السينات واواً لكثرتها. ولفظ القِسّيس إما أن يكون عربياً، وإما أن يكون بلغة الروم ولكن خلطته العرب بكلامهم فصار من لغتهم إذ ليس في الكتاب ما ليس من لغة العرب كما تقدّم. وقال أبو بكر الأنباريّ: حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد، قال: حدثت عن معاوية ابن هشام عن نصير الطائيّ عن الصَّلْت عن حامية بن رباب قال: قلت لسلمان {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} فقال: دع القِسّيسين في الصوامع والمحراب أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم «بِأَنَّ مِنْهُمْ صِدِّيقِينَ وَرُهْبَاناً». وقال عُروة بن الزّبير: ضَيّعت النّصارى الإنجيل، وأدخلوا فيه ما ليس منه؛ وكانوا أربعة نَفَر الذين غيّروه؛ لوقاس ومرقوس ويُحنَّس ومقبوس، وبقي قِسّيس على الحق وعلى الاستقامة، فمن كان على دينه وهديه فهو قِسّيس. قوله تعالى: {وَرُهْبَاناً} الرهبان جمع راهب كرُكْبان وراكب. قال النابغة: شعر : لو أنّها عَرضتْ لإشْمطَ راهِبٍ عَبَدَ الإلۤه صَرُورَةٍ متعبِّدِ لَرَنا لِرؤيتها وحُسنِ حديثها ولَخالَه رَشَداً وإن لم يَرْشُدِ تفسير : والفعل منه رَهِبَ الله يَرْهبه أي خافه رَهْباً وَرَهَباً وَرَهْبَةً. والرّهبانية والتَّرهب التَّعبد في صومعة؛ قال أبو عبيد: وقد يكون «رُهْبان» للواحد والجمع؛ قال الفرّاء: ويجمع «رُهْبان» إذا كان للمفرد رَهَابِنة ورَهَابِين كقُرْبان وقَرَابين؛ قال جرير في الجمع: شعر : رُهْبَانَ مَدْينَ لو رأُوكِ تَنَزَّلُوا والعُصْمُ من شَعَفِ العُقُولِ الفَادِرُ تفسير : الفَادِرُ المسنُّ من الوُعُول. ويقال: العظيم، وكذلك الفَدُور والجمع فدْر وفُدُور وموضعها المَفْدَرة؛ قاله الجوهري. وقال آخر في التوحيد: شعر : لو أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلْ لانْحَدَرَ الرُّهبانُ يَسعى ويُصَلْ تفسير : من الصلاة. والرَّهابة على وزن السّحابة عَظْم في الصدر مُشرِف على البطن مثل اللسان. وهذا المدح لمن آمن منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم دون من أصرّ على كفره ولهذا قال: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي عن الانقياد إلى الحق.

البيضاوي

تفسير : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم. {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ} للـين جانبهم ورقة قلوبهم وقلة حرصهم على الدنيا وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل وإليه أشار بقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن قبول الحق إذا فهموه، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على أن التواضع والإِقبال على العلم والعمل والإِعراض عن الشهوات محمود وإن كانت من كافر.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه، وقرأ عليهم القرآن، أسلموا، وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي، فمات بالطريق. وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة، وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلاً، فالله أعلم. وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة، أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين. وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيس ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن، أسلموا، ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها. فقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد، وجحود، ومباهتة للحق، وغمط للناس، وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء، حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وسموه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن محمد بن السري، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا علي بن سعيد العلاف، حدثنا أبو النضر عن الأشجعي، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ماخلا يهودي بمسلم قط، إلا همَّ بقتله»تفسير : ، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا أحمد سهل بن أيوب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ماخلا يهودي بمسلم، إلا حدث نفسه بقتله»تفسير : ، وهذا حديث غريب جداً. وقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح، وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى:{أية : وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً} تفسير : [الحديد: 27] وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي: يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس، وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفارس وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجرذان وجراذين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر:شعر : لو عايَنَتْ رُهبانَ دَيْرٍ في القُلَلْ لانْحَدَر الرُّهْبانُ يَمْشي ونَزَلْ تفسير : وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم. حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان عن حامية بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً»، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الخاني، عن نصير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، عن سلمان به. قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا نصير بن زياد الطائي، حدثنا صلت الدهان عن حامية بن رئاب قال: سمعت سلمان، وسئل عن قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً}، فقال هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب، فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي صلى الله عليه وسلم{ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} فأقرأني: «ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً» فقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم{يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي: مع من يشهد بصحة هذا، ويؤمن به. وقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه: { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}. وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم، أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال الطبراني، حدثنا أبو شبيل عبد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} قال: إنهم كانوا كرابين، يعني: فلاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم القرآن، آمنوا، وفاضت أعينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم» تفسير : فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ} وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ} الآية، وهم الذين قال الله فيهم: {أية : ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} تفسير : [القصص:52-53] إلى قوله:{أية : لاَ نَبْتَغِي ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [القصص: 55] ولهذا قال تعالى ههنا: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: فجزاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ} أي: ماكثين فيها أبداً، لا يحولون ولا يزولون {وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: في اتباعهم الحق، وانقيادهم له حيث كان، وأين كان، ومع من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَآ} تفسير : [المائدة: 86] أي: جحدوا بها وخالفوها، {أُوْلَـٰۤئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} أي: هم أهلها، والداخلون فيها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَتَجِدَنَّ } يا محمد { أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ } أي قرب مودّتهم للمؤمنين {بِأَنَّ } بسبب أن {مِنْهُمْ قِسّيسِينَ } علماء {وَرُهْبَاناً } عُبَّاداً {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن اتباع الحق كما يستكبر اليهود وأهل مكة:

الشوكاني

. تفسير : قوله: {لَتَجِدَنَّ } الخ هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تعداد مساوىء اليهود وهناتهم، ودخول لام القسم عليها يزيدها تأكيداً وتقريراً، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز. والمعنى في الآية: أن اليهود والمشركين لعنهم الله أشدّ جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ذلك. وأن النصارى أقرب الناس مودّة للمؤمنين، واللام في {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } في الموضعين متعلقة بمحذوف وقع صفة لعداوة ومودّة، وقيل هو متعلق بعداوة ومودة؛ والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى كونهم أقرب مودّة، والباء في {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ } للسببية: أي ذلك بسبب أن منهم قسيسين، وهو جمع قسّ وقسيس قاله قطرب. والقسيس: العالم، وأصله من قسّ: إذا تتبع الشيء وطلبه. قال الراجز:شعر : يصبحن عن قسّ الأذى غوافلا تفسير : وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها والقسّ: النميمة. والقسّ أيضاً: رئيس النصارى في الدين والعلم، وجمعه قسوس أيضاً، وكذلك القسيس: مثل الشرّ والشرّير، ويقال في جمع قسيس تكسيراً قساوسة بإبدال أحد السينين واواً، والأصل قساسة، فالمراد بالقسيسين في الآية: المتبعون للعلماء والعباد، وهو إما عجميّ خلطته العرب بكلامها، أو عربيّ، والرهبان: جمع راهب كركبان وراكب، والفعل رهب الله يرهبه: أي خافه. والرهبانية والترهب: التعبد في الصوامع. قال أبو عبيد: وقد يكون رهبان للواحد والجمع. قال الفراء: ويجمع رهبان إذا كان للمفرد رهبان ورهابين كقربان وقرابين. وقد قال جرير في الجمع:شعر : رهبان مدين لو رأوك ترهبوا تفسير : وقال الشاعر في استعمال رهبان مفرداً:شعر : لو أبصرت رهبان دير في الجبل لانحدر الرهبـان يسعى ونزل تفسير : ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم لا يستكبرون عن قول الحق، بل هم متواضعون، بخلاف اليهود فإنهم على ضدّ ذلك، وهذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ } معطوف على جملة {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ }. {تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } أي: تمتلىء فتفيض، لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء، جعل الأعين تفيض، والفائض: إنما هو الدمع قصداً للمبالغة كقولهم دمعت عينه. قال امرؤ القيس:شعر : ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بلّ دمعي محملي تفسير : قوله: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ } من الأولى لابتداء الغاية، والثانية بيانية، أي كان ابتداء الفيض ناشئاً من معرفة الحق، ويجوز أن تكون الثانية تبعيضية، وقرىء: "تَرَى أَعْيُنَهُم" على البناء للمجهول. وقوله: {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا } استئناف مسوق لجواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فما حالهم عند سماع القرآن؟ فقال: {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } أي آمنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد وبمن أنزلته عليه {فاكتبنا مع الشاهدين} على الناس يوم القيامة، من أمة محمد أو مع الشاهدين بأنه حق، أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس. قوله: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } كلام مستأنف، والاستفهام للاستبعاد {وَلَنَا } متعلق بمحذوف، و {لاَ نُؤْمِنُ } في محل نصب في الحال، والتقدير: أيّ شيء حصل لنا حال كوننا لا نؤمن بالله وبما جاءنا من الحق؟ والمعنى: أنهم استبعدوا انتفاء الإيمان منهم مع جود المقتضى له، وهو الطمع في إنعام الله، فالاستفهام والنفي متوجهان إلى القيد والمقيد جميعاً كقوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13]، والواو في {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ } للحال أيضاً بتقدير مبتدأ: أي، أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في الدخول مع الصالحين؟ فالحال الأولى والثانية صاحبهما الضمير في {لَنَا} وعاملها الفعل المقدّر: أي حصل، ويجوز أن تكون الحال الثانية من الضمير في {نُؤْمِنُ } والتقدير: وما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع في صحبة الصالحين. قوله: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ} الخ أثابهم على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } التكذيب بالآيات كفر، فهو من باب عطف الخاص على العام. والجحيم: النار الشديدة الإيقاد، ويقال جحم فلان النار: إذا شدّد إيقادها، ويقال أيضاً لعين الأسد: جحمة لشدّة اتقادها. قال الشاعر:شعر : والحرب لا تبقى لجا حمها التحيل والمزاح تفسير : وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد، في قوله: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً } الآية قال هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما خلا يهوديّ بمسلم إلا همّ بقتله»تفسير : وفي لفظ: «حديث : إلا حدّث نفسه بقتله» تفسير : قال ابن كثير: وهو غريب جدّاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين فذلك لهم. وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ }. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم، في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل الله فيهم: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً } إلى قوله: {مّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، عن سعيد بن جبير في الآية قال: هم رسل النجاشي بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً يختارهم من قومه، الخير فالخير، في الفقه والسنّ، وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة يسۤ، فبكوا حين سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً }. الآية ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً: {أية : ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [القصص: 52] إلى قوله: {أية : أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [القصص: 54]. وأخرج عبد بن حميد، والطبراني، وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس نحوه بدون ذكر العدد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر رجلاً، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً، ينظرون إليه ويسألونه فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، فأنزل الله فيهم: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ } الآية، والروايات في هذا الباب كثيرة، وهذا المقدار يكفي، فليس المراد إلا بيان سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {قِسّيسِينَ } قال: هم علماؤهم. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: القسيسون عبادهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ابن عطية

تفسير : اللام في قوله {لتجدن} لام الابتداء، وقال الزجّاج هي لام قسم، ودخلت هذه النون الثقيلة لتفصل بين الحال والاستقبال. قال القاضي أبو محمد: وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله وهكذا هو الأمر حتى الآن، وذلك أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة، فهم قد لجت عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، وبين أنهم ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة، والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء من هذه الخلق بل شأنهم الخبث والليّ بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصص بأدب وأمور غير ما علم أولا. ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين، وفي قوله تعالى: {الذين قالوا إنا نصارى} إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم، وقوله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هدي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا يرى فيهم زاهد، ويقال "قس" بفتح القاف وبكسرها وقسيس وهو اسم أعجمي عرّب، والقس في كلام العرب النميمة وليس من هذا، وأما الرهبان فجمع راهب. وهذه تسمية عربية والرهب الخوف، ومن الشواهد على أن الرهبان جمع قول الشاعر جرير: شعر : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شغف العقول الفادر تفسير : وقد قيل الرهبان اسم مفرد والدليل عليه قول الشاعر: شعر : لو عاينت رهبان دير في القلل تحدَّر الرهبان يمشي ونزل تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويروى و "يزل" بالياء من الزلل، وهذه الرواية أبلغ في معنى غلبة هذه المرأة على ذهن هذا الراهب، ووصف الله تعالى النصارى بأنهم لا يستكبرون وهذا بين موجود فيهم حتى الآن، واليهودي متى وجد غروراً طغى وتكبر وإنما أذلهم الله وأضرعتهم الحمى وداسهم كلكل الشريعة ودين الإسلام أعلاه الله، وذكر سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن، ولم يزل مؤمناً حتى مات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وروي أن نعش النجاشي كشف للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يراه من موضعه بالمدينة وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وذكر السدي: أنهم كانوا اثني عشر سبعة عليهم ثياب الصوف وكلهم صاحب صومعة اختارهم النجاشي الخير بالخير، وذكر السدي: أن النجاشي خرج مهاجراً فمات في الطريق. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لم يذكره أحد من العلماء بالسيرة، وقال قتادة: نزلت هذه الآيات في قوم كانوا مؤمنين ثم آمنوا بمحمد عليه السلام. قال القاضي أبو محمد: وفرق الطبري بين هذين القولين وهما واحد، وروى سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً. وقوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم} الآية الضمير في {سمعوا} ظاهره العموم ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا الحق وقالوا آمنا، وليس كل النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عام فيها ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصاً فيمن آمن لأن من آمن فهو من الذين آمنوا وليس يقال فيه قالوا إنا نصارى ولا يقال في مؤمنين: {ذلك بأن منهم قسيسين} ولا يقال إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة، فإنما وقع التخصيص من قوله تعالى: {وإذا سمعوا} وجاء الضمير عاماً إذ قد تحمد الجماعة بفعل واحد منها، وفي هذا استدعاء للنصارى ولطف من الله تعالى بهم، ولقد يوجد فيض الدموع غالباً فيهم وإن لم يؤمنوا، وروي أن وفداً من نجران قدم على أبي بكر الصديق في شيء من أمورهم فأمر من يقرأ القرآن بحضرتهم فبكوا بكاء شديداً فقال أبو بكر: هكذا كنا ولكن قست القلوب، وروي أن راهباً من رهبان ديارات الشام نظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى عبادتهم وجدهم في قتال عدوهم فعجب من حالهم، وبكى، وقال: ما كان الذين نشروا بالمناشير على دين عيسى بأصبر من هؤلاء ولا أجدّ في دينهم. قال القاضي أبو محمد: فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه قرأ عليهم القرآن وهو المراد بقوله تعالى: {ما أنزل إلى الرسول} فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله ورقت القلوب. والرؤية رؤية العين، و {تفيض} حال من الأعين، و {يقولون} حال أيضاً و {آمنا} معناه صدقنا أن هذا رسولك والمسموع كتابك والشاهدون محمد وأمته، قاله ابن عباس وابن جريج وغيرهما، وقال الطبري: لو قال قائل معنى ذلك مع الشاهدين بتوحيدك من جميع العالم من تقدم ومن تأخر لكان ذلك صواباً. قال القاضي أبو محمد: هذا معنى قول الطبري وهو كلام صحيح، وكان ابن عباس رضي الله عنه خصص أمة محمد عليه السلام لقول الله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} تفسير : [البقرة:143].

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارى} خاص بالنجاشي وأصحابه الذين أسلموا، أو بقوم كانوا على دين عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به.

القمي النيسابوري

تفسير : ثم وصف شدة شكيمة اليهود ولين عريكة النصارى فقال {لتجدن} يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب {أشد الناس عداوة} وقد تعلقت بها اللام في قوله {للذين آمنوا} كما تعلقت بالمودة فيما بعد. وظاهر الآية يدل على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين وكيف لا وقد نبه على تقدم قدمهم في العداوة بتقديمهم على الذين أشركوا وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله"تفسير : لكنه روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي أن المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على رسول لله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين. وقال آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم ايصال الشر الى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، بالقتل أو بغصب الماء أو بوجوه المكايد والحيل، وليس النصارى مذهبهم ذلك بل الايذاء في دينهم حرام وهذا هو وجه التفاوت بالعداوة والمودة، وقد أكد ذلك بوصف العداوة والمودّة بالأشد والأقرب. وفي الآية من الفائدة أن التمرد والمعصية عادة لهم ففرغ قلبك يا محمد ولا تبال بمكرهم ولا تحزن على كيدهم. ثم ذكر سبب ذالك التفاوت فقال {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} القس والقسيس اسم لرئيس النصارى في العلم والدين وكأنه من القس وهو تتبع الشيء وطلبه. قال قطرب: هو العالم بلغة الروم وهذا مما وقع فيه الوفاق بين اللغتين. وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين يسمى قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس. والرهبان جمع راهب كركبان وفرسان في راكب وفارس. وقيل: إنه واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين ولكن النظام يأباه. وأصله من الرهبة بمعنى الخوف من الله تعالى، وإنما صارت الرهبانية ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله تعالى {أية : ورهبانية ابتدعوها} تفسير : [الحديد: 27] ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا رهبانية في الإسلام"تفسير : وههنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات جميعاً أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا بعضهم القائلين بأن عزيراً ابن الله. ثم إن النصارى لما يشتد حرصهم على طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم الله تعالى بالمدح وذم اليهود حيث قال {أية : ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } تفسير : [البقرة: 96] {أية : غلت أيديهم} تفسير : [المائدة:64] فتبين صحة قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة"تفسير : قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه الى النجاشي وقال: أنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً. فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم. فقرؤا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرؤا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي وفداً الى الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم ثياب الصوف؛ اثنان وستون من الحبشة وثمانية من من أهل الشأم وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا فنزلت والخطاب في {ترى} لكل راء. وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع الامتلاء وأصله تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء، ويحتمل أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأنّ الأعين تفيض بأنفسها. ومعنى {مما عرفوا من الحق} أي مما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو الحق فـ"من" الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة الحق، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة؟ {ربنا آمنا} المراد إنشاء الايمان لا الإخبار عنه {فاكتبنا مع الشاهدين} مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد مر مثله في آل عمران. {وما لنا} إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين. قالوا ذلك في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم. ومحل {لا نؤمن} نصب على الحال نحو: مالك قائماً. والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير المؤمنين. وهو العامل أيضاً في {ونطمع} لكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو حذفتها وقلت: وما لنا ونطمع لا حلت، ويحتمل أن يكون {ونطمع} حالاً من {لا نؤمن} كأنهم أنكروا أن لا يوحدوا الله وهم يطمعون في الثواب وأن يكون عطفاً على {لا نؤمن} أي ما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع، أو ما لنا لا نجمع بين الإيمان وبين الطمع {فأثابهم الله بما قالوا} ظاهره يدل على إنهم إنما استحقوا الثواب بمجرد القول، ولكن فيما سبق من وصفهم بمعرفة الحق ما يدل على خلوص عقيدتهم فلا جرم لما انضاف إليه القول كل الإيمان. ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قولك: هذا قول فلان أي اعتقاده ومذهبه. وروى عطاء عن ابن عباس أن المراد بما سألوا من قولهم فاكتبنا مع الشاهدين. قال أهل السنة: فيه دليل على أن المعرفة مع الإقرار توجب حصول الثواب، وصاحب الكبيرة له المعرفة والإقرار فلا بد أن يؤل حاله إلى هذا الثواب. والمعتزلة سلموا أن الإقرار مع المعرفة يوجب الثواب ولكن بشرط عدم الإحباط. التأويل: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم عليه السلام {وأرسلنا إليهم رسلاً} بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب { فريقاً كذبوا} يعني الإلهامات والواردات {وفريقاً} يقتلون في عالم الحس {لقد كفر الذين قالوا} النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سلكوا الطريق بأقدام جذبات الأولوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول: نعم الدليل أنت. ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس {إنه من يشرك بالله} ظاهراً {فقد حرم الله عليه الجنة} ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم. هذا سر الخلافة فإن الأنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق {لا يتناهون عن منكر} سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً}. يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الازل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ...} الآية: اللامُ في قوله: {لَتَجِدَنَّ}: لام ابتداءٍ، وقال الزَّجَّاج: هي لامُ قَسَمٍ، وهذا خبر مُطْلَقٌ منسحبٌ على الزمان كلِّه، وهكذا هو الأمر حتَّى الآن، وذلك أن اليهودَ مَرَنُوا على تكذيبِ الأنبياء وقَتْلِهِمْ، ومَرَدُوا على ٱستشعارِ اللعْنَةِ، وضَرْبِ الذِّلَّة والمَسْكنة، فهم قد لَجَّتْ عداوتهم، وكَثُر حَسَدهم، فهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين؛ وكذلك المشركون عبدةُ الأوثانِ والنِّيران، وأما النصارَىٰ، فإنهم يعظمون من أهْلِ الإسلام مَنِ استشعروا مِنه صِحَّة دِينٍ، ويستهينُونَ مَنْ فهموا منه الفِسْقَ، فهم إنْ حاربوا، فإنما حَرْبهم أَنَفَةٌ، لا أنَّ شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فَسِلْمُهم صافٍ، واليهودُ (لعنهم اللَّه) ليسوا علَىٰ شيء من هذه الخِلالِ، بل شأنهم الخُبْث، واللَّيُّ بالألسنة، والمَكْر، والغَدْر، ولم يصفِ اللَّه تعالَى النَّصارَىٰ بأنهم أهْلُ وُدٍّ، وإنما وصفهم بأنهم أقرَبُ من اليهود والمشركين، وفي قوله سبحانه: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ}: إشارةٌ إلى معاصري نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم من النصارَىٰ؛ بأنهم ليسوا على حقيقيَّة النصرانيَّة، وإنما هو قولٌ منهم، وزَعْم. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً...} الآية: معناه: ذلك بأن منهم أهْلَ خشْيَةٍ وٱنقطاعٍ إلى اللَّه تعالَىٰ، وعبادةٍ، وإنْ لم يكونوا على هُدًى، فهم يَميلُونَ إلَىٰ أهل العبادةِ والخَشْيَةِ، وليس عند اليهود ولا كان قَطُّ ـــ أهْلُ دياراتٍ وصوامِعَ وانقطاعٍ عن الدنيا، بل هم معظِّمون لها، متطاولُون في البنيان، وأمورِ الدنيا؛ حتَّىٰ كأنهم لا يؤمنون بالآخرة؛ فلذلك لا يُرَىٰ فيهم زاهد، قال الفَخْر: القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارَىٰ، والجمْعُ: قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ؛ بلغة الرُّوم، وهذا مما وقع الوِفَاقُ فيه بَيْن اللغتَيْنِ. انتهى. ووصف اللَّه سبحانه النصارَىٰ، بأنهم لا يستكبرون، وهذا موجودٌ فيهم حتى الآن، واليهوديُّ متى وجد عِزًّا، طغَىٰ وتكبَّر، ثم مدحهم سبحانه، فقال: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ...} الآية: قال النوويُّ: ينبغي للقارىء أن يكون شأنُهُ الخشوعَ والتدبُّر والخضوعَ؛ فهذا هو المقصود المطلوبُ، وبه تنشرح الصدورُ، وتستنيرُ القُلُوب، ودلائلُه أكْثَرُ من أنْ تُحْصَر، وأشهرُ من أنْ تُذْكَر، وقد بات جماعةٌ من السَّلَف يتلو الواحدُ منهم آيةً واحدةً، ليلةً كاملةً، أو معظمَ ليلةٍ يتدَبَّرها، وصُعِقَ جماعاتٌ منهم عند سماع القرآن، وقراءتِهِ، وماتَ جماعاتٌ منهم، ويستحب البكاءُ والتباكِي لِمَنْ لا يقدر على البكاء؛ فإن البكاء عند القراءة صفةُ العارفين، وشعارُ عُبَّادِ اللَّه الصَّالحين، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {أية : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} تفسير : [الإسراء:109] وقد وردَتْ آثار كثيرة في ذلك. انتهى من «الحلية» للنوويِّ. وذكر ابن عباس وابن جُبَيْر ومجاهد؛ أنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب وَفْدٍ بعثهم النجاشيُّ إلَىٰ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لِيَرَوْهُ ويَعْرِفُوا حالَهُ، فقرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليهم القُرآن، فَبَكَوْا وآمَنُوا، ورَجعُوا إلى النجاشيِّ، فآمن، ولم يَزَلْ مؤمناً حتَّىٰ ماتَ، فصلَّىٰ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وروي أنَّ نَعْشَ النجاشيِّ كُشِفَ للنبيِّ ـــ عليه السلام ـــ؛ فكان يراه مِنْ موضعه بالمدينةِ؛ وجاء الخَبَرُ بعد مدة أنَّ النجاشيَّ دُفِنَ في اليومِ الذي صَلَّىٰ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه، قال أبو صالح: كانوا سبعةً وستين رجلاً، وقال ابن جُبَيْرٍ: كانوا سبعين، عليهم ثيابُ الصُّوف، وكُلُّهم صاحبُ صَوْمَعَة؛ ٱختارهم النجاشيُّ. وصَدْرُ الآية في قُرْب المودَّة عامٌّ فيهم، ولا يتوجَّه أنْ يكون صَدْر الآية خاصًّا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص مِنْ قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ}، وجاء الضمير عامًّا؛ إذ قد تُحْمَدُ الجماعةُ بفعْلِ واحدٍ منهم، وفي هذا ٱستدعاءٌ للنصارَىٰ، ولُطْفٌ من اللَّه بهم؛ ليؤمنوا. قال * ص *: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}: «مِن» الأُولىٰ لابتداءِ الغاية. قال أبو البقاء: ومعناها: مِنْ أجْل الذي عَرَفُوا، و «من» الثانية لبيانِ «ما» الموصولة. انتهى. قال العراقيُّ: {تَفِيضُ}، أي: تسيل منها العَبْرَةُ، وفي الحديثِ: «حديث : ٱقْرِءُوا القُرْآنَ، وَٱبْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا»تفسير : ، خرَّجه البزِّار. انتهى من «الكوكب الدري»، وفيه عن البزَّار أيضاً؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ خَرَجَ مِنْ عَيْنَيْهِ مِثْلُ جَنَاحِ ذُبَابٍ دُمُوعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ حَتَّىٰ يَعُودَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهِ»تفسير : . انتهى. وقولهم: {مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، يعني: نبيِّنا محمَّداً صلى الله عليه وسلم، وأمته؛ قاله ابن عباس وغيره، وقال الطبريُّ: لو قال قائلٌ: معنى ذلك: «مع الشاهِدينَ بتَوْحيدك من جميع العَالَمِ»، لكان صواباً، وهو كلامٌ صحيحٌ؛ وكأن ابنَ عَبَّاس خصَّص أمة محمد؛ لقول اللَّه سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...} تفسير : [البقرة:143]، وقولهم: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ ٱلْحَقِّ}: توقيفٌ لأنفسهم أو مُحَاجَّةٌ لِمَنْ عارضهم من الكفار، والقومُ الصالِحُون: محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأصحابه؛ قاله ابن زيد وغيره من المفسِّرين، ثم ذكر تعالَىٰ ما أثابهم به مِنَ النعيم علَىٰ إيمانهم وإحسانهم، ثم ذكر سبحانه حَالَ الكَافرين المكذِّبين، وأنهم قرناء الجحيمِ.

ابن عادل

تفسير : لما ذكرَ عداوةَ اليهُودِ للمُسْلِمِين، فلذَلِكَ جَعَلَهُمْ قُرناءَ للمشركين في شدَّةِ العداوةِ، بل نَبَّه على أنَّهُمْ أشدُّ في العداوةِ من المُشْركين، لكونه - تعالى - قدَّم ذكرَهُم على ذِكْر المُشْرِكِين. وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : ما خَلاَ يَهُودِيانِ بِمُسْلِمٍ إلاَّ هَمَّا بِقَتْلِهِ"تفسير : ، وذكر تعالى أنَّ النَّصارى ألَيْنَ عِرِيكَة مِنَ اليهُودِ، وأقْرَبَ إلى المُسْلِمِين منهم، والمقصود من بَيَانِ هذا التَّفَاوُتِ تَخْفِيفُ أمْرِ اليَهُود على الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - و"اللاَّمُ" في قوله: "لتَجدنَّ" هي لامُ القسم. وقد تقدّم إعْرَابُ هذا في نحو قوله تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} تفسير : [البقرة: 96]، فأغْنَى عن إعادته وقال ابنُ عطيَّة: "اللامُ للابْتداءِ"، وليس بشيء، بل هي لامٌ يُتلَقَّى بها القسمُ، و"أشدَّ النَّاسِ" مفعولٌ أوَّل، و"عَدَاوَةً" نصب على التمييز، و"لِلَّذِينَ" متعلِّقٌ بها، قَوِيَتْ باللامِ؛ لمَّا كانت فَرْعاً في العمل على الفعل، ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء؛ لأنها مبنيةٌ عليها؛ فهي كقوله: [الطويل] شعر : 2031-................... وَرَهْبَةٌ عِقَابَكَ................... تفسير : ويجوزَ أن يكون "لِلَّذِينَ" صفةً لـ "عَدَاوَةً" فيتعلَّقَ بمحذوف، و"اليَهُودَ" مفعولٌ ثانٍ، وقال أبو البقاء: "ويجوزُ أن يكون "اليهُودَ" هو الأولَ، و"أشَدَّ" هو الثاني" وهذا هو الظاهرُ؛ إذ المقصودُ أنْ يخبرَ الله تعالى عن اليهودِ والمشركينَ بأنَّهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين، وعن النصارى بأنهم أقربُ الناس موَدَّةً لهم، وليس المرادُ أنْ يخبرَ عن أشدِّ الناسِ وأقْرَبِهِمْ بكَوْنِهِم من اليهودِ والنصارى، فإنْ قيل: متى استوَيَا تعْرِيفاً وتنْكيراً، وجبَ تقديمُ المفعولِ الأول وتأخيرُ الثاني؛ كما يجب في المبتدأ والخبرِ، وهذا من ذاك، فالجوابُ: أنه إنما يجب ذلك حيث ألْبَسَ، أما إذا دَلَّ دليلٌ على ذلك، جاز التقديمُ والتأخيرُ؛ ومنه قول: [الطويل] شعر : 2032- بَنُونَا بَنُو أبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أبْنَاء الرِّجَالِ الأبَاعِدِ تفسير : فـ "بَنُو أبْنَاء" هو المبتدأ، و"بَنُونَا" خبره؛ لأنَّ المعنى على تشبيهِ أولادِ الأبناء بالأبناء؛ ومثلُه قول الآخر: [البسيط] شعر : 2033- قَبِيلَةٌ الأمُ الأحْيَاءِ أكْرَمُهَا وَأَغْدَرُ النَّاسِ بالجِيرَانِ وَافِيهَا تفسير : "أكْرمُهَا" هو المبتدأ و"الأمُ الأحْيَاءِ" خبرُه، وكذا "وَافِيهَا" مبتدأ و"أغْدَرُ النَّاس" خبره، والمعنى على هذا، والآيةُ من هذا القبيلِ فيما ذكرنا وقوله: "والذينَ أشْرَكُوا" عطفٌ على اليَهودِ، والكلامُ على الجملة الثانيةِ كالكلام على ما قبلها. فصل تَقْدِيرُ الكلام قَسَماً: إنَّكَ تَجِدُ اليَهُودَ والمُشْرِكينَ أشَدّ عَدَاوةً مع المُؤمنين، وقدْ شَرَحْتُ لك أنَّ هذا التَّمَرُّدَ والمَعْصِيَة عادةٌ قَدِيمَةٌ، ففرِّغْ خَاطِرَك عنهم، ولا تُبَالِ بمكْرِهِم وكيْدهِم. وقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ}. قال ابُن عباسٍ وسعيد بن جبير وعطاء والسُّدِّيُّ - رضي الله عنهم - المُرادُ به: النَّجَاشِي وقومه الذين قَدِمُوا من الحَبَشَةِ، وآمَنُوا به، ولم يُرِدْ جَمِيعَ النَّصارى؛ لأنَّهُمْ في عَداوتِهِم للمُسْلِمين، كاليَهُودِ في قَتْلِهمْ المُسْلِمِين وأسْرِهِمْ، وتَخْريبِ بلادِهِمْ، وهَدْمِ مَسَاجدِهِمْ، وإحْرَاقِ مَصَاحِفِهِمْ، ولا كَرَامَةَ لَهُمْ، بَل الآيَةُ فيمَنْ أسْلَمَ مِنْهُم. وقال آخرون: مَذْهَبُ اليَهُود الفَاسِد، أنَّهُ يَجِبُ إيصَالُ الشّرِّ إلى من يُخَالِفُهُمْ في الدِّين بأيِّ طريقٍ كان، فإن قَدَرُوا على القَتْل فذلِكَ، وإلاَّ فنهب المالِ والسَّرِقَة، أو بِنَوْع من المَكْرِ والكَيْدِ والحِيلَةِ، وأمَّا النَّصَارى فليس مذهبهم ذلك، بل الإيذَاءُ في دينهم حَرَامٌ فهذا وَجْهُ التَّفاوُتِ، ثمَّ ذكر - سبحانه - سَبَبَ التَّفَاوُتِ، فقال {ذلِكَ بأنَّ مِنْهُمْ قسِّيسين وَرُهْبانا}. فإن قِيلَ: لِم أسند تسمية النَّصَارى إليهم، بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ}؛ ولمَّا ذكر اليهود سمَّاهم بقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} ولم يُسْنِدِ التَّسْمِيَةَ إلَيْهم. فالجوابُ: لأنَّ تسميتهم باليَهُود إن كانت لِكَوْنِهِمْ من أوْلادِ يَهُوذَا بْنِ يَعقُوبَ فَهِيَ تسْمِيَةٌ حَقِيقَةٌ أيضاً، وإن كانت من التَّحَرُّكِ في دِرَاسَتِهِمْ، فكذلك أيْضاً، والنَّصَارَى فَهُم الذين سَمُّوا أنفُسَهُمْ حين قال لهم عيسَى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: {أية : مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 14]، فلذلك أسْنَدَ التَّسْمِيَة إليْهِم، وإنْ كانوا إنَّمَا سُمُّوا نصارَى؛ لأنَّهُمْ كانوا يَسْكُنُون قَرْيَةً يقال لها: "نَاصِرَة"، فكُلُّهُمْ لمْ يكُونُوا سَاكِنِين فيها، بَلْ بعضُهُم أوْ أكثرُهُمْ، فالحقيقة لم تُوجَدْ فيهم. وقد تقدَّمَ الكلامُ في تَسْمِيَتهِم عند قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ} تفسير : [الآية: 62] في البقرة. قوله تعالى: "ذَلِكَ بأنَّ" مبتدأ وخبرٌ، وتقدم تقريره، و"مِنْهُمْ" خبر "أنَّ"، و"قِسِّيسِينَ" اسمها، وأن واسمُها وخبرها في محلِّ جرِّ بالباء، والباءُ ومجرورُها ههنا خبر "ذَلِكَ"، والقِسِّيسِينَ جمع "قِسِّيس" على فِعِّيلٍ، وهو مثالُ مُبالغة كـ "صدِّيقٍ"، وقد تقدَّم، وهو هنا رئيسُ النصارى وعابدُهُمْ، وأصلُه من تَقَسَّس الشَّيْء، إذا تَتَّبَعَهُ وطلبَهُ باللَّيْلِ، يقال: "تَقَسَّسْتُ أصْواتَهُم"، أي: تَتَبَّعْتهَا باللَّيْلِ، ويُقال لرئيس النصارى: قِسٌّ وقِسِّيسٌ، وللدليلِ بالليلِ: قَسْقَاسٌ وقَسْقَسٌ، قاله الراغب، وقال غيرُه: القَسُّ بفتح القاف تَتَبُّعُ الشيءِ، ومنه سُمِّيَ عالم النصارى؛ لتتبُّعِه العِلْمَ، قال رُؤبَةُ بْنُ العَجَّاجِ: [الرجز] شعر : 2034- أصْبَحْنَ عَنْ قَسِّ الأذَى غَوَافِلاَ يَمْشِينَ هَوْناً خُرُداً بَهَالِلا تفسير : ويقال: قَسَّ الأثَرَ وقصَّهُ بالصَّاد أيضاً، ويقال: قَسٌّ وقِسٌّ بفتح القاف وكسرها، وقِسِّيس، وزعم ابن عطية أنه أعجميٌّ مُعَرَّبٌ، وقال الواحديُّ: "وقد تكلَّمتِ العربُ بالقسِّ والقِسِّيسِ" وأنشد المازنيُّ: [الرجز] شعر : 2035- لَوْ عَرَفَتْ لأيْبُلِيِّ قَسِّ أشْعَثَ في هَيْكَلِهِ مُنْدَسِّ حَنَّ إليها كَحَنين الطَّسِّ تفسير : وأنشد لأميةَ بْنِ الصَّلْتِ: [البسيط] شعر : 2036- لَوْ كانَ مُنْفَلِتٌ كَانَتْ قَسَاوِسَةٌ يُحْييهِمُ اللَّهُ فِي أيْديهِمُ الزُّبُرُ تفسير : هذا كلامُ أهل اللغة في القِسِّيسِ، ثم قال: "وقال عروةُ بْنُ الزُّبيرِ: ضَيَّعَتِ النصارى الإنجيلَ وما فيه، وبَقِيَ منهمْ رَجُلٌ يقالُ له قِسِّيسٌ" يعني: بقي على دينه لم يُبَدِّلْهُ، فمَنْ بَقِيَ على هديه ودينه ومذهبه، قيل له: "قِسِّيسٌ"، وقال قطربٌ: القَسُّ والقِسِّيسُ: العَالِمُ بلغة الرُّوم؛ قال وَرَقَةُ: [الوافر] شعر : 2037أ- بِمَا خَبَّرْتَنا مِنْ قَوْلِ قَسٍّ مِنَ الرُّهْبَانِ أكْرَهُ أنْ يَبُوحَا تفسير : فعلى هذا: القَسُّ والقِسِّيسُ مما اتفق فيه اللغتان، قلتُ: وهذا يُقَوِّي قول ابن عطيَّة، ولم ينقلْ أهلُ اللغة في هذا اللفظ "القُسّ" بضم القاف، لا مصدراً ولا وصْفاً، فأما قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الإيَادِيُّ، فهو عَلَمٌ، فيجوز أن يكون مِمَّا غُيِّرَ بطريق العلمية، ويكون أصلُه "قَسٌّ" أو "قِسٌّ" بالفتح أو الكسر؛ كما نقله ابن عطية، وقُسُّ بْنُ ساعدَةَ كان أعلم أهْلِ زمانِهِ، وهو الذي قال فيه عليه السلام: "حديث : يُبْعَثُ أمَّةً وَحْدَهُ"تفسير : ، وأمَّا جمعُ قِسِّيسٍ، فجمعُ تصحيحٍ؛ كما في الآية الكريمة، قال الفراء: "ولو جُمِعَ قَسُوساً"، كان صواباً؛ لأنهما في معنًى واحدٍ، يعني: "قِسًّا" و"قِسِّيساً"، قال: ويُجْمَعُ القِسِّيسُ على "قَسَاوِسَة" جمعوه على مثال المَهَالبَة، والأصلُ: قَسَاسِسَة، فكثُرت السِّينَاتِ فأُبْدِلت إحداهُنَّ واواً، وأنشدوا لأميَّة: [البسيط] شعر : 2037ب- لَوْ كَانَ مُنْفَلِتٌ كَانَتْ قَسَاوِسَةٌ ......................... تفسير : قال الواحديُّ: "والقُسوسَة مصدرُ القِسِّ والقِسِّيس"، قلت: كأنه جعل هذا المصدر مشتقًّا من هذا الاسْمِ؛ كالأبُوَّة والأخُوَّة والفُتُوَّة من لفظ أبٍ وأخٍ وفَتًى، وتقدم أن القَسَّ بالفتحِ في الأصْل هو المصدرُ، وأنَّ العالِمَ سُمِّيَ به مبالغةً، قال شهاب الدين: ولا أدري ما حملَ مَنْ قال: إنه معرَّب مع وجودِ معناه في لغة العربِ كما تقدم؟. والرُّهْبَانُ: جمعُ رَاهِبٍ؛ كَرَاكِبٍ ورُكْبَانٍ، وفَارِسٍ وفُرْسانٍ، وقال أبو الهيثمِ: "إنَّ رُهْبَاناً يكُونُ واحِداً ويكون جَمْعاً"؛ وأنشد على كونه مفرداً قول الشاعر: [الرجز] شعر : 2038- لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ في القُلَلْ لأقْبَلَ الرُّهْبَانُ يَعْدُو ونَزَلْ تفسير : ولو كان جمعاً، لقال: "يَعْدُونَ" و"نَزَلُوا" بضمير الجمع، وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنه قد عاد ضميرُ المفْرَدِ على الجَمْعِ الصريحِ؛ لتأوُّله بواحدٍ؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} تفسير : [النحل: 66]، فالهاء في "بُطُونِهِ" تعود على الأنعامِ؛ وقال: [الرجز] شعر : 2039- وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ تفسير : في "بَرَدَ" ضميرٌ يعودُ على "ألْبَان"، وقالوا: "هو أحْسَنُ الفِتْيَانِ وأجملُه"؛ وقال الآخر: [الرجز] شعر : 2040- لَوْ أنَّ قَوْمِي حِينَ أدْعُوهُمْ حَمَلْ على الجِبَالِ الشُّمِّ لانْهَدَّ الْجَبَلْ تفسير : إلى غير ذلك مِمَّا يطولُ ذكرُه، ومن مجيئه جمعاً الآيةُ، ولم يَرِدْ في القرآنِ الكريمِ إلا جَمْعاً؛ وقال كثيرٌ: [الكامل] شعر : 2041- رُهْبَانُ مَدْيَنَ والَّذِينَ عَهِدتهُمْ يَبْكُونَ مِنْ حَذَرِ العِقَابِ قُعُودَا لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كَلاَمَهَا خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وَسُجُودَا تفسير : قيل: ولا حُجَّة فيه؛ لأنه قال: "والَّذِينَ" فيُحتمل أنَّ الضمير إنما جُمِعَ؛ لأجلِ هذا الجمعِ، لا لكونِ "رُهْبَانٍ" جمعاً، وأصرحُ من هذا قولُ جريرٍ: [الكامل] شعر : 2042- رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكِ تَنَزَّلُوا والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقُولِ الفَادِرِ تفسير : قال أبو الهيثم: وإنْ جُمِعَ الرُّهْبَانُ الواحدُ "رَهابين ورَهَابنَة"، جاز، وإنْ قلت: رَهَبانِيُّونَ كان صواباً؛ كأنك تَنْسُبُه إلى الرَّهْبَانِيَّة، والرَّهْبَانِيَّةُ من الرَّهْبَةِ، وهي المخافةُ، وقال الراغب، "والرُّهْبَانُ يكون واحداً وجمعاً، فمنْ جعلهُ واحداً، جَمعه على رَهَابِينَ، ورهابِنَةُ بالجمع أليقُ"، يعني: أن هذه الصيغةَ غَلَبَتْ في الجمع كالفَرَازِنَة والمَوَازِجَة والكَيَالِجَة، وقال الليث: "الرَّهْبَانِيَّةُ مصدرُ الراهبِ والتَّرَهُّب: التعبُّد في صَوْمَعَة"، وهذا يُشْبِهُ الكلام المتقدِّم في أن القُسُوسَة مصدرٌ من القَسِّ والقسِّيس، ولا حاجةَ إلى هذا، بل الرَّهْبَانِيَّةُ مصدرٌ بنفسِها من الترهُّبِ، وهو التعبُّد أو من الرَّهَبِ، وهو الخوفُ، ولذلك قال الراغب: "والرهبانيَّةُ غُلُوُّ مَنْ تحمَّلَ التعبُّدَ مِنْ فَرْطِ الرَّهْبة"، وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادة في قوله: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40]. وعِلَّةُ هذا التَّفَاوُتِ: أنَّ اليَهُودَ مخْصُوصُون بالحِرْصِ الشَّديد على الدُّنْيَا، قال: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} تفسير : [البقرة: 96] لِقُرْبِهِمْ في الحِرْصِ بالمُشرِكِين المنكِرينَ للمَعَادِ، والحِرْصُ مَعْدِنُ الأخلاقِ الذَّمِيمَةِ، لأن من كان حَرِيصاً على الدُّنيا طرح دينه في طَلَبِ الدُّنْيا، وأقدمَ على كل مَحْظُورٍ مُنْكَرٍ بسببِ طلبِ الدُّنْيَا، فلا جَرَم تشْتَدُّ عداوَتُهُ مع كُلِّ مَنْ نَالَ مَالاً وَجَاهاً، وأمَّا النَّصَارى، فإنَّهُمْ في أكْثَرِ الأمْرِ مُعْرِضُون عَنِ الدُّنْيَا، مُقْبِلُون على العِبَادَةِ، وتَرْكِ طلبِ الرِّياسة والتكبُّرِ والتَّرفُّعِ، وكُلُّ مَنْ كان كذلِكَ، فإنَّه لا يَحْسُدُ النَّاس ولا يُؤذِيهم، بل يكون ليِّن العَرِيكَة في طلبِ الحقِّ، سَهْل الانقِيَاد له، فَهَذَا هو الفَرْقُ بين هذيْنِ الفرِيقَيْن، وهو المرادُ بقوله تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}. وفيه دقِيقَةٌ نافِعَةٌ في طَلب الدِّينِ، وهو أنَّ كُفْرَ النَّصَارى أغْلَظ من كُفْرِ اليَهُود؛ لأنَّ النَّصَارى يُنَازِعُون في الإلهيَّات والنُّبُوَّاتِ، واليَهُودُ: لا ينازِعُون إلاَّ في النُّبُوَّاتِ، ولا شَكَّ أن الأوَّل أغْلَظَ؛ لأنَّ النَّصَارى مع غِلَظِ كُفْرِهم، لم يشْتَدَّ حِرْصُهُم على طلبِ الدُّنْيَا، بل كان في قَلْبِهِم شَيْءٌ من المَيْلِ إلى الآخِرَة، شَرَّفَهُم اللَّه بقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ}. وأمَّا اليهودُ مع أنَّ كُفْرَهُم أخفُّ مِنْ كُفْرِ النَّصَارى، طردهم اللَّهُ وخصَّهُم بمزيدِ اللَّعْنَة، وما ذلِكَ إلاَّ بسببِ تَهَالُكِهِمْ على الدُّنيا، ويُؤيِّد ذلِكَ قولُهُ - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : حُبُّ الدُّنيا رَأسُ كُلِّ خَطِيئةٍ ". تفسير : فإن قيل: كيف مدَحَهُم اللَّه تعالى بذلك، مع قوله تعالى: {أية : وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} تفسير : [الحديد: 27]، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : لا رَهْبَانِيَّة في الإسلام"تفسير : ؛ فالجواب: أنَّ ذَلِكَ صار مَمْدُوحاً في مُقابلةِ اليهُودِ في القَسَاوَةِ، والغِلْظَةِ، ولا يَلْزَمُ من هذا كونُهُ مَمْدُوحاً على الإطلاق. قوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} نسقٌ على "أنَّ" المجرورةِ بالباء، أي: ذلك بما تقدَّم، وبأنَّهم لا يستكبرون. فصل المراد بقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} يَعْنِي: وفْدَ النَّجَاشِي الذين قدمُوا مع جعفر، وهم السَّبْعُون، وكانوا أصْحاب الصَّوامعِ. وقال مُقَاتِل والكَلْبِي: كَانُوا أرْبَعينَ رَجُلاً، اثنَانِ وثلاثُون من الحَبَشَةِ، وثمانِيَةٌ من الشَّام. وقال عطاء: كانوا ثَمَانِين رجُلاً، أرْبَعُون مِنْ أهْلِ نَجْرَان من بَنِي الحارثِ بن كَعْب، واثنان وثلاثُون من الحَبَشَةِ، وثمانِيَة رُومِيُّون مِنْ أهْلِ الشَّام. وقال قتادة: نزلت في ناسٍ من أهْلِ الكتابِ، كانُوا على شَرِيعَةٍ من الحقِّ مِمَّا جَاءَ بِه عيسى - عليه السلام -، فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - صَدَّقوه، وآمَنُوا به، فأثْنَى اللَّهُ عليهم بقوله: تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} أي: عُلَمَاء. قال قُطْرُب: القِسُّ والقِسِّيسُ: العَالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ. قوله تعالى: "وإذَا سَمِعُوا" "إذَا" شرطيةٌ جوابُها "تَرَى"، وهو العاملُ فيها، وهذه الجملةُ الشرطيةُ فيها وجهان: أظهرهما: أنَّ محلَّها الرفعُ؛ نسقاً على خبر "أنَّهُم" الثانية، وهو "لا يَسْتَكْبِرُونَ"، أي: ذلك بأنَّ منهم كذا، وأنهم غيرُ مستكْبرينَ، وأنهم إذا سمعُوا: فالواو عطفتْ مُفْرَداً على مثله. والثاني: أنَّ الجملةَ استئنافية، أي: أنه تعالى أخْبَرَ عنهم بذلك، والضميرُ في "سَمِعُوا" ظاهرُه: أنْ يعود على النصارى المتقدِّمين؛ لعمومهم، وقيل: إنما يعودُ لبعضِهمْ، وهم مَنْ جاء من "الحبشةِ" إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - في روايَةِ عطاء: يريد النَّجاشي وأصحابه، قرأ عليْهِمْ جَعفرُ بالحبَشَةِ "كهيعص" فأخَذَ النجاشِيُّ نَبْتَةً من الأرض، وقال: واللَّه ما زَادَ على ما قال في الإنْجِيلِ مِثْل هذه مثلاً، فما زالوا يَبْكُون، حتى فَرَغَ جَعْفَرُ من القراءة، واختارَه ابْنُ عَطِيَّة، قال: "لأنَّ كل النصارى ليسوا كذلك". و"مَا" في "مَا أنْزِلَ" تحتملُ الموصولةَ، والنكرةَ الموصوفة، وقوله تعالى: "تَرَى" بصَريَّةٌ، فيكون قوله {تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ} جملةً في محلِّ نصبٍ على الحالِ. وقرىء شاذًّا: "تُرَى" بالبناء للمفعول، "أعْيُنُهُمْ" رفعاً، وأسند الفيض إلى الأعين؛ مبالغةً، وإن كان الفائضُ إنَّمَا هو دمعها لا هِيَ؛ كقول امرىءِ القيسِ: [الطويل] شعر : 2043- فَفَاضَتْ دُمُوعُ العيْنِ مِنِّي صَبَابَةً عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي تفسير : والمرادُ: المبالغةُ في وصفهم بالبكاءِ، أو يكونُ المعنى أنَّ أعينَهُمْ تمتلىءُ حتى تفيضَ؛ لأنَّ الفيضَ ناشىءٌ عن الامتلاءِ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2044- قَوَارِصُ تَأتِينِي وَتَحْتَقِرُونَهَا وَقَدْ يَمْلأ المَاءُ الإنَاءَ فَيُفْعَمُ تفسير : وإلى هذين المعنَيَيْن نحا الزمخشريُّ؛ فإنه قال: "فإنْ قلت: ما معنى {تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ}؟ قلتُ: معناه تَمْتَلِىءُ من الدمْع حتَّى تفيضَ؛ لأنَّ الفيضَ أنْ يتملىءَ الإناءُ حتَّى يَطْلُعَ ما فيه من جوانبه، فوضَعَ الفيضَ الذي هو من الامتلاءِ موضعَ الامتلاء، وهو من إقامةِ المسبَّب مُقام السَّبَب، أو قصدت المبالغةَ في وصفهم بالبكاء، فجعلْتَ أعينهم، كأنها تفيضُ بأنفسها، أي: تسيلُ من الدمعِ؛ من أجلِ البكاءِ، من قولك، دَمَعتْ عَيْنُهُ دَمْعاً". قوله تعالى "مِنَ الدَّمْعِ" فيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه متعلِّقٌ بـ "تَفِيضُ"، ويكون معنى "مِن" ابتداء الغاية، والمعنى: تَفِيضُ من كثرة الدمع. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوف؛ على أنه حالٌ من الفاعلِ في "تَفِيضُ" قالهما أبو البقاء، وقَدَّر الحالَ بقولك: "مَمْلُوءَةً من الدَّمْعِ"، وفيه نظر؛ لأنه كونٌ مقيَّدٌ، ولا يجوزُ ذلك، فبقيَ أن يُقَدَّرَ كوناً مطلقاً، أي: تفيضُ كائنةً من الدمْعِ، وليس المعنى على ذلك، فالقولُ بالحاليةِ لا ينبغي، فإن قيل: هل يجوزُ عند الكوفيين أن يكون "مِنَ الدَّمْعِ" تمييزاً؛ لأنهم لا يَشْترطُونَ تنكيرَ التمييز، والأصل: تفيض دمعاً؛ كقولك: "تَفَقَّأ زَيْدٌ شَحْماً"، فهو من المنتصب عن تمام الكلام؟ قيل: إن ذلك لا يجوزُ، لأنَّ التمييز، إذا كان منقولاً من الفاعلية، امتنع دخولُ "مِنْ" عليه، وإن كانت مقدَّرة معه، فلا يجوز: "تَفَقَّأ زَيْدٌ من شَحْمٍ"، وهذا - كما رأيت - مجرورٌ بـ "مِنْ"؛ فامتنع أن يكون تمييزاً، إلا أن الزمخشريَّ في سورة براءة [الآية 92] جعله تمييزاً في قوله تعالى: {أية : تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ}تفسير : ، ولا بدَّ من نقلِ نصِّه لتعرفه؛ قال - رحمه الله تعالى -: {تفيضُ من الدَّمْعِ} كقولك: "تَفِيضُ دَمْعاً"، وهو أبلغُ من قولِك: يفيضُ دَمْعُها؛ لأنَّ العينَ جُعِلَتْ كأنها دمعٌ فائضٌ، و"مِنْ" للبيان؛ كقولك: "أفديكَ مِنْ رَجُلٍ"، ومحلُّ الجارِّ والمجرور النصبُ على التمييز؛ وفيه ما قد عرفْتَه من المانِعَيْنِ، وهو كونُه معرفةً، وكونُه جُرَّ بـ "مِنْ" وهو فاعلٌ في الأصْل، وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ؛ فعلى هذا: تكونُ هذه الآية الكريمةُ كتلك عنده، وهو الوجهُ الثالث. الرابع: أنَّ "مِنْ" بمعنى الباء، أي: تفيضُ بالدمْعِ، وكونُها بمعنى الباء رأيٌ ضعيفٌ، وجعلوا منه أيضاً قوله تعالى: {أية : يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} تفسير : [الشورى: 45] أي: بِطَرْفٍ؛ كما أنَّ الباءَ تأتي بمعنى "مِنْ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2045- شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ ترفَّعَتْ مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ تفسير : أي: مِنْ مَاء البَحْرِ. قوله: {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحقِّ} "مِنْ" الأولَى لابتداءِ الغاية، وهي متعلقةٌ بـ "تَفِيضُ"، والثانيةُ يُحْتملُ أن تكونَ لبيانِ الجنس، أي: بَيَّنَتْ جنس الموصولِ قبلَها، ويُحتملُ أن تكون للتبعيضِ، وقد أوضح الزمخشريُّ هذا غايةَ الإيضاح؛ قال - رحمه الله -: "فإنْ قلتَ: أيُّ فَرْقٍ بين "مِنْ" و"مِنْ" في قوله: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}؟ قلتُ: الأولَى لابتداء الغاية؛ على أنَّ الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحقِّ، وكان من أجله وبسببه، والثانيةُ: لبيان الموصول الذي هو "ما عَرَفُوا"، وتحتمل معنى التبعيض؛ على أنهم عرفوا بعض الحقِّ، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كلَّه، وقرَءُوا القرآن، وأحاطُوا بالسنة". انتهى، ولم يتعرَّض لما يتعلَّق به الجارَّان، وهو يمكن أنْ يُؤخَذَ من قوةِ كلامه، ولْنَزِدْ ذلك إيضاحاً، و"مِن" الأولى متعلِّقةٌ بمحذوفٍ؛ على أنها حال من "الدَّمْع"، أي: في حالِ كونه ناشئاَ ومبتدئاً من معرفةِ الحقِّ، وهو معنى قول الزمخشريِّ؛ على أنَّ الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحقِّ، ولا يجوزُ أن يتعلَّق بـ "تَفِيضُ"؛ لئلا يلزم تعلُّقُ حرفَيْن مُتَّحِدَيْن لفظاً ومعنًى بعامل واحد؛ فإنَّ "مِنْ" في "مِنَ الدَّمْعِ" لابتداءِ الغاية؛ كما تقدَّم، اللهم إلا أن يُعتقد كونُ "مِنْ" في "مِنَ الدَّمْعِ" للبيانِ، أو بمعنى الباء، فقد يجوز ذلك، وليس معناه في الوضُوحِ كالأول، وأمَّا "مِنَ الحَقِّ" فعلى جعله أنها للبيان تتعلَّقُ بمحذوف، أي: أعْنِي من كذا، وعلى جعله أنَّها للتبعيض تتعلَّق بـ "عَرَفُوا"، وهو معنى قوله: "عَرَفُوا بَعْضَ الحقِّ". وقال أبو البقاء في "مِنَ الحَقِّ": إنه حالٌ من العائد المحذوف على الموصولِ، أي: مِمَّا عرفوه كائناً من الحق، ويجوزُ أن تكون "مِنْ" في قوله تعالى: "مِمَّا عَرَفُوا" تعليليةً، أي: إنَّ فَيْضَ دمعهم بسبب عرفانِهِمُ الحقَّ؛ ويؤيِّدُه قول الزمخشري: "وكان من أجله وبسببه"، فقد تحصل في "من" الأولى أربعةُ أوجه، وفي الثالثةِ ضعفٌ، أو منعٌ؛ كما تقدَّم، وفي "مِن" الثانية أربعةٌ أيضاً: وجهان بالنسبة إلى معناها: هل هي ابتدائية أو تعليليةٌ؟ ووجهان بالنسبة إلى ما تتعلَّق به: هل هو "تَفِيضُ"، أو محذوفٌ؛ على أنها حالٌ من الدمع، وفي الثالثة: خمسةٌ: اثنان بالنسبة إلى معناها: هل هي بيانيةٌ أو تبعيضيةٌ؟ وثلاثةٌ بالنسبة إلى متعلَّقها: هل هو محذوفٌ، وهو "أعْنِي"، أو نفسُ "عَرَفُوا"، أو هو حالٌ، فتتعلَّق بِمَحْذُوفٍ أيضاً؛ كما ذكره أبو البقاء. وقوله تعالى: {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}، يَدُلُّ على أنَّ الإخلاصَ والمعرفَةَ بالقَلْبِ مع القولِ تكُونُ إيماناً. قوله تعالى: "يَقُولُون" الآية. فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنه مستأنفٌ، فلا محلَّ له، أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالةِ الحسنةِ. الثاني: أنها حال من الضمير المجرور في "أعْيُنَهُمْ"، وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه؛ لأنَّ المضافَ جزؤهُ؛ فهو كقوله تعالى: {أية : مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} تفسير : [الحجر: 47]. الثالث: أنه حالٌ من فاعل "عَرَفُوا"، والعاملُ فيها "عَرَفُوا"، قال أبو حيان لمَّا حكى كونه حالاً: "كذا قاله ابن عطية وأبو البقاء، ولم يُبَيِّنا ذا الحال، ولا العامل فيها"، قال شهاب الدين: أمَّا أبو البقاء، فقد بَيَّنَ ذا الحال، فقال: "يَقُولُونَ" حالٌ من ضمير الفاعل في "عَرَفُوا"، فقد صرَّح به، ومتى عُرِفَ ذو الحال، عُرِفَ العاملُ فيها؛ لأنَّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها، فالظاهرُ: أنه اطَّلع على نسخةٍ مغلوطةٍ من إعراب أبي البقاءِ سَقَطَ منها ما ذكرته لك، ثم إنَّ أبا حيان ردَّ كونها حالاً من الضمير في "أعْيُنَهُمْ"؛ بما معناه: أن الحالَ لا تَجيءُ من المضافِ إليه، وإن كان المضافُ جُزْأهُ، وجعله خطأ، وأحال بيانه على بعضِ مصنَّفاته، ورَدَّ كونها حالاً أيضاً من فاعل "عَرَفُوا"؛ بأنه يلزمُ تقييدُ معرفتهم الحقَّ بهذه الحال، وهم قد عرفوا الحقَّ في هذه الحالِ وفي غيرِها، قال: "فالأوْلَى: أن يكون مستأنفاً"، قال شهاب الدين: أمَّا ما جعله خطأ، فالكلامُ معه في هذه المسألة في موضوعٍ غَيْرِ هذا، وأمَّا قوله: "يَلْزَمُ التَّقييدُ"، فالجوابُ: أنه إنما ذُكِرَتْ هذه الحالُ؛ لأنَّها أشرفُ أحوالهم، فَخَرَجَتْ مخرجَ المدحِ لهم، وقوله تعالى: "رَبَّنا آمَنَّا" في محلِّ نصب بالقول، وكذلك: "فاكْتُبْنَا" إلى قوله سبحانه: "الصَّالِحِينَ". فصل المعنى: يَقُولُون ربَّنَا آمنَّا بما سَمِعْنَا وشَهِدْنَا بأنَّهُ حقٌّ، {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} يريد: أمَّةَ مُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام - لقوله - تعالى -: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143]. وقيل: كُلُّ مَنْ شَهِدَ من أنْبِيَائِك ومُؤمِنِي عِبَادك بأنَّكَ لا إله غَيْرك. قوله تعالى: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ}: "مَا" استفهاميَّةٌ في محلِّ رفع بالابتداء، و"لَنَا" جارٌّ ومجرورٌ خبرهُ، تقديرُه: أيُّ شيءٍ اسْتَقَرَّ لنا، و"لا نُؤمِنُ" جملة حالية، وقد تقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وأنَّ بعضهم قال: إنها حالٌ لازمةٌ لا يتمُّ المعنى إلا بها؛ نحو: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49]، وتقدَّم ما قلتُه فيه، فأغْنَى ذلك عن إعادته، وقال أبو حيان هنا: "وهي المقصودُ وفي ذكرهَا فائدةُ الكلامِ؛ وذلك كما تقول: "جَاء زَيْدٌ رَاكِباً" لِمَنْ قال: هَلْ جَاءَ زَيْدٌ مَاشِياً أو رَاكِباً؟". فصل قوله: "وَمَا جَاءَنَا" في محلِّ "مَا" وجهان: أحدهما: أنه مجرور نسقاً على الجلالة، أي: بالله وبِمَا جَاءَنَا، وعلى هذا فقوله: "مِنَ الحَقِّ" فيه احتمالان: أحدهما: أنه حالٌ من فاعل "جَاءَنَا"، أي: جاء في حال كونه من جِنْسِ الحقِّ. والاحتمال الآخر: أن تكونَ "مِنْ" لابتداء الغاية، والمرادُ بالحقِّ الباري تعالى، وتتعلَّقُ "مِنْ" حينئذ بـ "جَاءَنَا"؛ كقولك: "جَاءَنَا فلانٌ مِنْ عِنْدِ زَيْدٍ". والثاني: أنَّ محلَّه رفعٌ بالابتداء، والخبر قوله: "مِنَ الحَقِّ"، والجملةُ في موضع الحال، كذا قاله أبو البقاء، ويصيرُ التقدير: وما لَنَا لا نُؤمِنُ بالله، والحالُ أنَّ الذي جاءنا كَائِنٌ من الحَقِّ، و"الحقُّ" يجوز أن يُرادَ به القرآنُ؛ فإنه حقٌّ في نفسه، ويجوزُ أن يُرادَ به الباري تعالى - كما تقدمَ - والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تَضَمَّنَهُ قولُه "لَنَا". قوله: "وَنَطْمَعُ" في هذه الجملة ستَّة أوجه: أحدها: أنها منصوبة المحلِّ؛ نسقاً على المحكيِّ بالقول قبلها، أي: يقولُونَ كذا ويقولون نطمعُ وهو معنًى حسنٌ. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً وهو "لَنَا"؛ لأنه تضمَّنَ الاستقرارَ، فرفع الضمير وعملَ في الحال، وإلى هذا ذهب الزمخشري؛ فإنه قال: "والواوُ في "ونَطْمَعُ" واوُ الحال، فإن قلتَ: ما العاملُ في الحال الأولى والثانية؟ قلتُ: العاملُ في الأولى ما في اللام من معنى الفعلِ؛ كأنه قيل: أيُّ شيءٍ حَصَل لنا غَيْرَ مؤمِنينَ، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيَّداً بالحال الأولى؛ لأنك لو أزَلْتَها، وقلت: "مَا لَنَا وَنَطْمَعُ"، لم يكنْ كلاماً". قال شهاب الدين: وفي هذا الكلام نظرٌ، وهو قولُه: "لأنَّكَ لَوْ أزَلْتَه... إلى آخره"؛ لأنَّا إذا أزَلْنَاها وأتَيْنَا بـ "نَطْمَعُ"، لم نأتِ بها مقترنةً بحرفِ العطف، بل مجرَّدة منه؛ لنحلَّها محلَّ الأولى؛ ألا ترى أنَّ النحويين إذا وضَعُوا المعطوفَ موضعَ المعطُوف عليه، وضعوه مجرَّداً من حرفِ العطف، ورأيتُ في بعض نسخ الكشَّافِ: "مَا لَنَا نَطْمَعُ" من غير واوٍ مقترنةٍ بـ "نَطْمَعُ" ولكن أيضاً لا يَصِحُّ؛ لأنك لو قلت: "مَا لَنَا نَطْمَعُ" كان كلاماً؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 49]، فـ "نَطْمَعُ" واقعٌ موقعَ مفردٍ هو حال، كما لو قلت: مَا لَكَ طَامِعاً، وما لَنَا طَامِعِين، وردَّ عليه أبو حيان هذا الوجه بشيئينِ: أحدهما: أن العامل لا يقتضي أكثر من حالٍ واحدة، إذا كان صاحبُه مفرداً دون بدل أو عطف، إلا أفعل التفضيل على الصَّحيح. والثاني: أنه يلزم دخولُ الواو على مضارعٍ مُثْبَتٍ. وذلك لا يجُوز إلا بتأويل تقدير مبتدأ، أي: ونحْنُ نَطْمَعُ. الثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من فاعل "نُؤمِنُ"، فتكون الحالان متداخلَتَيْنِ، قال الزمخشريُّ: "ويجوز أن يكون "ونَطْمعُ" حالاً من "لا نُؤمِنُ" على معنى: أنهم أنْكَرُوا على أنفسهم؛ أنهم لا يوحِّدون الله، ويطمعُون مع ذلك أن يَصْحَبُوا الصالحين"، وهذا فيه ما تقدَّم من دخول واو الحال على المضارع المثْبَت، وأبو البقاء لمَّا أجاز هذا الوجْهَ، قدَّر مبتدأ قبل "نَطْمَعُ"، وجعل الجملةَ حالاً من فاعل "نُؤمِنُ"؛ ليخلصَ من هذا الإشكال؛ فقال: ويجوزُ أن يكون التقديرُ: "ونَحْنُ نَطْمَعُ"، فتكون الجملةُ حالاً من فاعل "لا نُؤمِنُ". الرابع: أنها معطوفةٌ على "لا نُؤمِنُ"، فتكون في محلِّ نصبٍ على الحال من ذلك الضمير المستترِ في "لَنَا"، والعاملُ فيها هو العاملُ في الحال قبلها. فصل فإن قيل: هذا هو الوجه الثاني المتقدِّم، وذكرت عن أبي حيان هناك؛ أنه منع مجيء الحالين لِذِي حالٍ واحدةٍ، وبأنه يلزمُ دخولُ الواو على المضارع، فما الفرقُ بين هذا وذاك؟ فالجوابُ: أنَّ الممنوع تعدُّدُ الحالِ دُونَ عاطف، وهذه الواوُ عاطفةٌ، وأنَّ المضارع إنما يمتنعُ دخولُ واوِ الحال عليه، وهذه عاطفةٌ لا واوُ حالٍ؛ فحَصَلَ الفرقُ بينهما من جهة الواو؛ حيثُ كانت في الوجه الثاني واوَ الحال، وفي هذا الوجه واو عطف، ولَمَّا حكى الزمخشريُّ هذا الوجه، أبدى له معنيين حسنين؛ فقال - رحمه الله -: "وأن يكون معطوفاً على "لا نُؤمِنُ" على معنى: وما لنا نَجْمَعُ بَيْنَ التثْليثِ وبين الطَّمَع في صُحْبَةِ الصَّالحينَ، أو على معنى: ومَا لَنَا لا نَجْمَعُ بينهما بالدُّخُولِ في الإسلام؛ لأنَّ الكَافِرَ ما ينبغي له أن يطمعَ في صُحْبَة الصَّالحِينَ". الخامس: أنها جملة استئنافية، قال أبو حيان: الأحسنُ والأسهلُ: أن يكون استئناف إخبارٍ منهم؛ بأنهم طامعون في إنعام الله عليهم؛ بإدخالهم مع الصالحينَ، فالواوُ عاطفةٌ هذه الجملة على جملة {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ}، قال شهاب الدين: وهذا المعنى هو ومعنى كونها معطوفةً على المَحْكيِّ بالقول قبلها - شيءٌ واحدٌ - فإن [فيه] الإخبار عنهُمْ بقولهم كَيْتَ وكَيْتَ. السادس: أن يكون "وَنَطْمَعُ" معطوفاً على "نُؤمِنُ"، أي: وما لنا لا نَطْمَعُ، قال أبو حيان هنا: "ويظهر لي وجهٌ غيرُ ما ذكرُوه، وهو أن يكون معطوفاً على "نُؤمِنُ"، التقديرُ: وما لَنَا لا نُؤمِنُ ولا نَطْمَعُ، فيكونُ في ذلك إنكارٌ لانتفاءِ إيمانهمْ وانتفاءِ طمعهِمْ مع قدرتهم على تحصيل الشيئين: الإيمان والطَّمعِ في الدخول مع الصالحين"، قال شهاب الدين: قوله: "غَيْرُ ما ذَكَرُوهُ" ليس كما ذَكَرَهُ، بل ذكر أبو البقاء فقال: "ونَطْمَعُ" يجُوزُ أن يكون معطوفاً على "نُؤمِنُ"، أي: "وما لَنَا لا نَطْمَعُ"، فقد صرَّحَ بعطفه على الفعل المنفيِّ بـ "لاَ"، غايةُ ما في الباب أن الشيخَ زاده بَسْطاً. والطَّمَعُ قال الراغب: "هو نزوعُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ شَهْوَةً له"، ثم قال: "ولَمَّا كَانَ أكْثَرُ الطَّمَعِ من جهةِ الهوى، قيل: الطَمَعُ طَبعٌ والطمعُ يدنِّسُ الإهَابَ"، وقال أبو حيان: "الطمعُ قَرِيبٌ من الرَّجَاءِ يقال منه طَمِعَ يَطْمَعُ طَمعاً"؛ قال تعالى: {أية : خَوْفاً وَطَمَعاً} تفسير : [السجدة: 16] وطماعةً وطماعيةً كالكراهِيَة؛ قال: [الطويل] شعر : 2046-....................... طَمَاعِيَةً أنْ يَغْفِرَ الذَّنْبَ غَافِرُهْ تفسير : فالتشديدُ فيها خطأٌ، واسمُ الفاعِلِ منه طَمِعٌ كـ "فَرِحٍ" و"أشرٍ"، ولم يَحْكِ أبو حيان غيرَه، وحكى الراغب: طَمِعٌ وطَامِعٌ، وينبغي أن يكون ذلك باعتبارين؛ كقولهم "فَرِحٌ" لمن شأنه ذلك، و"فَارِحٌ" لمن تجدَّد له فَرَحٌ. قوله: "أنْ يُدْخِلَنَا"، أي: "في أنْ" فمحلُّها نصبٌ أو جرٌّ؛ على ما تقدَّم غير مرة. و"مَعَ" على بابها من المصاحبة، وقيل: هي بمعنى "في" ولا حاجة إليه؛ لاستقلال المعنى مع بقاءِ الكلمة على موضوعها. فصل قال المُفَسِّرُون - [رحمهم الله] - إنَّ اليَهُودَ عَيَّرُوهم، وقالُوا لَهُمْ: لِمَ آمَنْتُم؟ فأجابُوهُم بِهَذا. والمراد: يدْخِلُنَا ربُّنَا مع القَوم الصَّالحِيِنَ جَنَّتَهُ، ودارَ رِضوانه قال - تعالى -: {أية : لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} تفسير : [الحج: 59]، إلا أنه حَسُنَ الحَذْف لِكَوْنه مَعْلُوماً. قوله تعالى: {أية : فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ} تفسير : [المائدة: 85]. وقرأ الحسن: "فآتاهُمُ اللَّهُ": من آتاه كذا، أي: أعطاهُ، والقراءةُ الشهيرةُ أوْلَى؛ لأنَّ الإثابةَ فيها مَنْبَهَةٌ على أنَّ ذلك لأجْلِ عملٍ؛ بخلاف الإيتاء؛ فإنه يكونُ على عملٍ وعلى غيره، وقوله تعالى: "جَنَّاتٍ" مفعولٌ ثانٍ لـ "أثَابَهُمْ"، أو لـ "آتَاهُمْ" على حسبِ القراءتَيْنِ. و{تجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} في محلِّ نصبٍ صفةً لـ "جَنَّاتٍ". و"خَالِدِينَ" حالٌ مقدرةٌ. فإن قيل: ظَاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ على أنَّهُم إنَّما اسْتَحَقُّوا ذلك الثَّوابَ بمُجَرَّدِ القوْلِ؛ لأنَّهُ - تعالى - قال: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ}، وذَلِكَ غير مُمْكِن؛ لأنَّ مُجَرَّدَ القَوْلِ لا يُفيدُ الثَّوَابَ. فالجوابُ مِنْ وجهين: الأوَّلُ: أنَّهُ قد سَبَقَ من وَصْفِهِم مَا يدلُّ على إخلاصِهِمْ فيما قالوا وهُو المعرفَةُ، وذلك قوله - تعالى -: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}، وكُلَّما حصلتِ المعْرِفَةُ والإخْلاصُ وكمَال الانْقِيَادِ، ثُمَّ انْضَافَ إليْه القَوْلُ، لا جَرَمَ كمل الإيمان. الثاني: روى عطاءُ عن ابْن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - أنَّه قال: قوله - تعالى -: "بِمَا قَالُوا" يُرِيدُ بما سَألُوا، يعني قولهُمْ: "فاكتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِين". فصل دَلَّتِ الآيَةُ على أنَّ المُؤمِنَ الفَاسِقَ لا يُخَلَّدُ في النَّارِ من وجْهَيْن: أحدهما: أنَّهُ - تعالى - قال: {وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ}، وهذا الإحْسَانُ لا بُدَّ وأنْ يكُونَ هُوَ الذي تقدَّم ذِكْرُه من المَعْرِفَةِ، وهُوَ قوله - تعالى -: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}، ومِنَ الإقْرَارِ به، وهو قولُهُ - تعالى -: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ}، وإذا كَانَ كَذَلِك فإمَّا أنْ يُقال: إنَّ هذه الآيَةُ دالَّةٌ على أنَّ المعرفة، وهُوَ إقرارٌ يوجِبُ هذا الثَّواب، وصاحبُ الكَبِيرَةِ لَهُ هذه المعْرِفَةُ وهذا الإقْرَارُ، فوجَبَ أن يَحْصُلَ لَهُ هذا الثَّوابُ، فإمَّا أنْ يُنقل من الجَنَّةِ إلى النَّارِ، وهذا بَاطِلٌ بالإجْمَاع، أو يُقَال: يُعاقَبُ على ذَنْبِهِ، ثمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ، وهُوَ المَطْلُوب. الثاني: أنَّهُ - تعالى - قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}، فقولُهُ تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} يُفِيدُ الحصر، أي: أولَئِكَ أصْحَابُ الجحيمِ لا غَيْرهِم، والمُصَاحِبُ للشَّيءِ المُلازِم له الذي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وهذا يقتضي تَخْصِيصُ الكُفَّارِ بالدَّوَام. قوله تعالى: "وذَلِكَ جَزَاءُ" مبتدأ وخبرٌ، وأُشِيرَ بـ "ذَلِكَ" إلى الثواب أو الإيتاء، و"المُحْسنين" يُحتمل أن يكون من باب إقامةِ الظاهرِ مُقامَ المضمرِ، والأصل: "وذَلِكَ جَزَاؤهُمْ"، وإنما ذُكِر وصفُهم الشريفُ مَنْبَهَةً على أن هذه الخَصْلَةَ محصِّلة جزائِهِمْ بالخَيْرِ، ويُحْتَمَلُ أن يرادَ كلُّ مُحْسِنٍ، فيندرجُون اندراجاً أوليًّا. والمُرَادُ بالمُحْسِنينَ: المُوَحِّدين المُؤمِنِين.

البقاعي

تفسير : ولما دل كالشمس ميلهُم إلى المشركين دون المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم، صرح تعالى بذلك على طريق الاستنتاج، فقال دالاً على رسوخهم في الفسق: {* لتجدن أشد الناس} أي كلهم {عداوة للذين آمنوا} أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه {اليهود} قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم {والذين أشركوا} لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلاً وأولئك عناداً وبغياً، فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه، وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدّية العداوة لمن آمن، فهذه الآية تعليل لما قبلها، كأنه قيل: هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي، وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلِمَ والوهم حينئذ؟ فقيل: لأن الفريقين اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا. ولما أخبر تعالى بأبعد الناس مودة لهم، أخبر بضدهم فقال: {ولتجدن أقربهم} أي الناس {مودة للذين آمنوا} أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان {الذين قالوا} وفي التوريك على قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية {إنا نصارى} أي لقلة اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم على علم الباطن، ولذلك علله بقوله: {ذلك بأن منهم قسيسين} أي مقبلين على العلم، من القس، وهو ملامة الشيء وتتبعه {ورهباناً} أي في غاية التخلي من الدنيا؛ ولما كان التخلي منها موجباً للبعد من الحسد، وهو سبب لمجانبة التكبر قال: {وأنهم لا يستكبرون *} أي لا يطلبون الرفعة على غيرهم ولا يوجدونها. ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولاً في الباطن لرقة القلب قال: {وإذا سمعوا} أي أتباع النصرانية {ما أنزل إلى الرسول} أي الذي ثبتت رسالته بالمعجز، فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس {ترى أعينهم} ولما كان البكاء سبباً لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سبباً للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء، عبر بالمسبب عن السبب فقال: {تفيض من الدمع} أصله: يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعاً، فهو من أنواع التمييز، ثم علل الفيض بقوله: {مما عرفوا من الحق} أي وليس لهم غرض دنيوي يمنعهم عن قبوله، ثم بين حالهم في مقالهم بقوله: {يقولون ربنا} أي أيها المحسن إلينا {آمنا} أي بما سمعنا {فاكتبنا}. ولما كان من شأن الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى عليه ويندب إليه قال: {مع الشاهدين *} أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك {وما} أي ويقولون: ما، أي أيّ شيء حصل أو يحصل {لنا} حال كوننا {لا نؤمن بالله} أي الذي لا كفوء له ولا خير إلا منه {وما} أي وبما {جاءنا من الحق} أي الأمر الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالاً أو ماضياً أو آتياً. ولما كانوا يهضمون أنفسهم، عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل فقالوا: {ونطمع أن يدخلنا ربنا} أي بمجرد إحسانه، لا بعمل منا، ولجريهم في هذا المضمار عبروا بمع دون "في" قولهم: {مع القوم الصالحين *} هضماً لأنفسهم وتعظيماً لرتبة الصلاح. ولما ذكر قولهم الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم، ذكر جزاءهم عليه فقال: {فأثابهم الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بما قالوا} أي جعل ثوابهم على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن الطوية {جنات تجري} ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد، أثبت الجار فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال: {خالدين فيها}. ولما كان التقدير: لإحسانهم، طرد الأمر في غيرهم فقال: {وذلك} أي الجزاء العظيم {جزاء المحسنين *} أي كلهم، واختلفوا في هذه الواقعة بعد اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه، وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة النبوية، فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من مهاجرة الحبشة مع أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي رضي الله عنه وعن الجميع وفداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم بحيرا الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يسۤ إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى! فأنزل الله فيهم هذه الآية {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا} [المائدة: 82] - إلى آخرها، ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول بغير سند، ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} [المائدة: 82] قال: بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيار أصحابه ثلاثين رجلاً، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسۤ فبكوا، فنزلت فيهم هذه الآية. وإذا نظرت مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن، أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية: أبناء، وفي رواية: إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية: وليس بيني وبين عيسى - نبي. وفي رواية لمسلم: حديث : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا: كيف يا رسول الله! قال: الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي .

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله، تفسير : وفي لفظ‏:‏ حديث : إلا حدَّث نفسه بقتله ‏"‏‏. تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى‏} ‏ قال‏:‏ هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ ما ذكر الله به النصارى قال‏:‏ هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين، فذلك لهم‏. وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ‏ {‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال‏:‏ أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا ‏"‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ‏ {‏ولتجدن أقربهم مودة‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏مع الشاهدين‏}‏‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً‏} ‏ قال‏:‏ هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر، فالخير في الفقه والسن، وفي لفظ‏:‏ بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا‏ً.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً {أية : ‏الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون‏}‏ تفسير : ‏[‏القصص: 52‏]‏ إلى قوله ‏{أية : ‏أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا‏}‏ ‏تفسير : [‏القصص: 54‏]. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ ‏‏حديث : عن عروة قال‏:‏ كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي ‏ {‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول‏} ‏ قال‏:‏ إنهم كانوا برايين يعني ملاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رجعتم إلى أرضكم انقلبتم عن دينكم، فقالوا لن ننقلب عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم ‏ {‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول‏}" ‏‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال ‏"‏ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش، وخمسون من الأشعريين، منهم أربعة من عك، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، فأتوا النجاشي فقالوا‏:‏ إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم، فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم، فقالوا‏:‏ بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بالصلة، وينهانا عن القطيعة، ويأمرنا بالوفاء، وينهانا عن النكث، وإن قومنا بغوا علينا، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به، فلم نجد أحد نلجأ اليه غيرك فقال‏:‏ معروفاً‏.‏ فقال عمرو وصاحبه‏:‏ إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول‏.‏ قال‏:‏ وما تقولون في عيسى‏؟‏ قالوا‏:‏ نشهد أنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، ولدته عذراء بتول‏.‏ قال‏:‏ ما أخطأتم، ثم قال لعمرو وصاحبه‏:‏ لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال قائل‏:‏ لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم، فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فاضت أعينهم‏"‏‏. ‏وأخرج ابن جرير و‏,‏ابن أبي حاتم عن السدي قال ‏"‏بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر رجلاً، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، وأنزل الله فيهم ‏{‏وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول‏} ‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، وذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فقالوا: إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم‏.‏ قال‏:‏ إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا‏:‏ استأذن لأولياء الله‏؟‏ فقال‏:‏ ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين‏:‏ ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها‏؟‏‏.‏‏.‏‏.‏ فقال لهم‏:‏ ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي‏؟‏ قالوا‏:‏ إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة‏.‏ فقال لهم‏:‏ ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه‏؟‏ قالوا‏:‏ يقول عبدالله ورسوله، وكلمة من الله، وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم‏:‏ إنها العذراء الطيبة البتول‏.‏ قال‏:‏ فأخذ عوداً من الأرض فقال‏:‏ ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم، فقال‏:‏ هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسسن والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق‏.‏ قال الله ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسيين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق‏}‏"‏‏.‏ وأخرج الطبراني حديث : عن سلمان في إسلامه قال ‏"‏لما قدم النبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة صنعت طعاماً، فجئت به فقال‏: ما هذا‏؟‏ قلت‏:‏ صدقة‏.‏ فقال لأصحابه‏: كلوا ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال‏: ما هذا‏؟ قلت‏:‏ هدية‏.‏ فأكل وقال لأصحابه‏: كلوا‏. قلت يا رسول الله، أخبرني عن النصارى‏؟‏ قال‏: لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم، فقمت وأنا مثقل، فأنزل الله ‏ {‏لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود‏}‏ حتى بلغ ‏ {‏تفيض من الدمع‏} ‏ فأرسل إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي‏: يا سلمان، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله‏"‏‏. ‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏ولتجدن أقربهم مودة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله، فأثنى عليهم بما تسمعون‏. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان ‏"‏أنه سئل عن قوله ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا‏ً} ‏ قال‏:‏ الرهبان الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً} ‏ ولفظ البزار دع القسيسين؛ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏ذلك بأن منهم صديقين‏}‏ ولفظ الحكيم الترمذي‏:‏ قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏ذلك بأن منهم قسيسين‏} ‏ فأقرأني ‏ {‏ذلك بأن منهم صديقين‏}‏ ‏‏‏. ‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال‏:‏ كنت يتيماً من رامهرمز، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنياً في نفسه، وكنت غلاماً فقيراً، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال‏:‏ فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك‏؟‏ قال‏:‏ أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء‏.‏ قال‏:‏ قلت لا تخف‏.‏ قال‏:‏ فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان، وأنا على غير دين‏.‏ قلت‏:‏ فاذهب بي معك إليهم‏.‏ قال‏:‏ لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي‏.‏ قال‏:‏ قلت لن يظهر مني ذلك، فاستأمرهم فقال‏:‏ غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم، قالوا‏:‏ إن كنت تثق به‏.‏ قال‏:‏ أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب‏. قالوا‏:‏ فجيء به‏.‏ فقال لي‏:‏ قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم قتلهم‏.‏ قال‏:‏ فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم‏.‏ قال‏:‏ علي‏.‏ وأراه قال‏:‏ هم ستة أو سبعة‏.‏ قال‏:‏ وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا‏:‏ بعثه الله وولده بغير ذكر، بعثه الله رسوله، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى، وخلق الطير، وابراء الأعمى والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم‏.‏ وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه‏.‏ قال‏:‏ وقالوا قبل ذلك‏:‏ يا غلام، إن لك رباً، وإن لك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا‏:‏ يا غلام، إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع، فكل واشرب وصل ونم‏. قال‏:‏ فاطلع الملك على صنيع ابنه، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم، فقال‏:‏ ياهؤلاء، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً، فعمدتم إلى ابني فافسدتموه عليَّ، قد أجلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء‏.‏ قالوا‏:‏ نعم، ما تعمدنا اساءتك، ولا أردنا إلا الخير، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له‏:‏ اتق الله، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك‏.‏ قال‏:‏ يا سلمان، هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم ان اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم‏.‏ قلت‏:‏ أنت أعلم، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال‏:‏ أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا‏:‏ يا سلمان، قد كنا نحذر، فكان ما رأيت، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك‏.‏ قلت‏:‏ ما أنا بمفارقكم‏. قالوا‏:‏ إنك لا تقدر على أن تكون معنا، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ لا أفارقكم‏.‏ قالوا‏:‏ أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن‏.‏ قال‏:‏ ففعلت، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل، فأتينا بيعه بالموصل، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا‏:‏ أين كنتم‏؟‏ قالوا‏:‏ كنا في بلاد لا يذكرون الله، بها عبّاد نيران فطردونا فقدمنا عليكم، فلما كان بعد قالوا‏:‏ يا سلمان، إن ههنا قوماً في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم، فكن أنت ههنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين، وسترى منهم ما تحب، قلت‏:‏ ما أنا بمفارقكم‏.‏ قال‏:‏ وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل دين البيعة‏:‏ أقم معنا فإنه لا يعجزك شيء يسعنا‏.‏ قلت‏:‏ ما أنا بمفارقكم‏. فخرجوا وأنا معهم، فأصبحنا بين جبال، فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال، يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا، فرحبوا بهم وحفوا وقالوا‏:‏ أين كنتم لم نركم‏؟‏ قالوا‏:‏ كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله فيها عبدة النيران، وكنا نعبد الله فيها فطردونا، فقالوا‏:‏ ما هذا الغلام‏؟‏ قال‏:‏ فطفقوا يثنون عليَّ، وقالوا‏:‏ صحبنا من تلك البلاد فلم نرَ منه إلا خيراً‏.‏ قال‏:‏ فوالله إنهم لكذا إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طويل، فجاء حتى سلم وجلس، فحف به أصحابي الذين كنت معهم وعظموه، وأحدقوا به فقال لهم‏:‏ أين كنتم‏؟‏ فأخبروه فقال‏:‏ وما هذا الغلام معكم‏؟‏ فأثنوا عليَّ خيراً، وأخبروه باتباعي إياهم، ولم أرَ مثل إعظامهم إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسل الله من رسله وأنبيائه، وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر مولد عيسى بن مريم، وأنه ولد بغير ذكر، فبعثه الله رسولاً، وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، فكفر به قوم وآمن به قوم، وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبداً أنعم الله عليه، فشكر ذلك له ورضي عنه حتى قبضه الله، وهو يعظهم ويقول‏:‏ اتقوا الله والزموا ما جاء عيسى به، ولا تخالفوا فيخالف بكم، ثم قال‏:‏ من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً فليأخذ‏.‏ فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء، وقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم‏:‏ الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيراً، وقال لي‏: يا غلام،‏ هذا دين الله الذي ليس له دين فوقه وما سواه هو الكفر‏. قال‏:‏ قلت‏:‏ ما أفارقك‏.‏ قال‏:‏ إنك لن تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد، لا تقدر على الكينونة معي‏.‏ قال‏:‏ وأقبل على أصحابه فقالوا‏:‏ يا غلام، إنك لا تستطيع أن تكون معه‏.‏ قلت‏:‏ ما أنا بمفارقك‏.‏ قال‏:‏ يا غلام، فإني أعلمك الآن، إني أدخل هذا الكهف ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر، وأنت أعلم‏.‏ قلت‏:‏ ما أنا بمفارقك‏.‏ قال له أصحابه‏:‏ يا فلان، هذا غلام ونخاف عليه‏.‏ قال‏:‏ قال لي‏:‏ أنت أعلم‏.‏ قلت‏:‏ إني لا أفارقك‏.‏ فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي‏.‏ فقال‏:‏ خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به ففعلت، وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه، وتبعته حتى دخل الكهف في الجبل فقال‏:‏ ضع ما معك وكل واشرب، وقام يصلي، فقمت معه أصلي قال‏:‏ وانفتل إلي فقال‏:‏ إنك لا تستطيع هذا، ولكن صل ونم، وكل واشرب، ففعلت فما رأيته لا نائماً ولا طاعماً إلا راكعاً وساجداً إلى الأحد الآخر‏. فلما أصبحنا قال‏:‏ خذ جرتك هذه وانطلق، فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه، فقعدوا وجاد في حديثه نحو المرة الأولى‏.‏ فقال‏:‏ الزموا هذا الدين ولا تفرقوا، واتقوا الله واعلموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله أنعم الله عليه، ثم ذكروني فقالوا‏:‏ يا فلان، كيف وجدت هذا الغلام‏؟‏ فأثنى علي وقال‏:‏ خيراً‏.‏ فحمدوا الله، فإذا خبز كثير وماء، فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به ففعلت، وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه‏. فلبث ما شاء الله، يخرج في كل يوم أحد ويخرجون معه، ويوصيهم بما كان يوصيهم به، فخرج في أحد، فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم، ثم قال لهم آخر ذلك‏:‏ يا هؤلاء، إني قد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا، ولا بد لي من إتيانه، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً، وإني رأيته لا بأس به، قال‏:‏ فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم، وقالوا‏:‏ يا أبا فلان، أنت كبير وأنت وحدك، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك‏.‏ قال‏:‏ لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً وافعلوا وافعلوا‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ ما أنا بمفارقك‏.‏ قال‏:‏ يا سلمان، قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك، إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ولا تقدر على هذا‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ ما أنا بمفارقك‏.‏ قال‏:‏ أنت أعلم قالوا‏:‏ يا أبا فلان، إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام‏.‏ قال‏:‏ هو أعلم قد أعلمته الحالة، وقد رأى ما كان قبل هذا‏.‏ قلت‏:‏ لا أفارقك‏.‏ فبكوا وودعوه وقال لهم‏:‏ اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم، وإن أمت فإن الله حي لا يموت، فسلم عليهم وخرج وخرجت معه، وقال لي‏:‏ احمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله. فخرج وخرجت معه يمشي واتبعه، يذكر الله، ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذ أمسى قال‏:‏ يا سلمان صل أنت ونم، وكل واشرب، ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى إلى بيت المقدس، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وإذا على الباب مقعد قال‏:‏ يا عبد الله، قد ترى حالي فتصدق عليَّ بشيء، فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه، فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يصلي فيها، ثم قال‏:‏ يا سلمان، إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم نوم، فإن أنت جعلت لي أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت، فاني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ فإني أفعل‏.‏ قال‏:‏ فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني، فنام فقلت في نفسي‏:‏ هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك، لأدعنه ينام حتى يشتفي من النوم. وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل عليَّ فيعظني، ويخبرني أن لي رباً وأن بين يديه جنة وناراً وحساباً، ويعلمني بذلك ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد حتى قال فيما يقول لي‏:‏ يا سلمان، الله تعالى سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج بتهامة - وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة ولا محمد - علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه‏.‏ قلت‏:‏ وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه‏؟‏ قال‏:‏ وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به، ورضا الرحمن فيما قال. فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعاً يذكر الله تعالى فقال‏:‏ يا سلمان، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله، أين ما جعلت لي على نفسك‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا، وقد رأيت بعض ذلك فأحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله، فقام وخرج فتبعته فقال المقعد‏:‏ يا عبد الله، دخلت فسألتك فلم تعطني، وخرجت فسألتك فلم تعطني، فقام ينظر هل يرى أحداً فلم يره، فدنا منه فقال‏:‏ ناولني يدك، فناوله فقال‏:‏ قم بسم الله، فقام كأنه نشط من عقال صحيحاً لا عيب فيه، فخلى عن يده، فانطلق ذاهباً فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه، فقال لي المقعد‏:‏ يا غلام، أحمل على ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي، فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي علي‏َّ. فخرجت في أثره أطلبه، وكلما سألت عنه قالوا‏:‏ أمامك‏.‏ حتى لقيني الركب من كلب فسألتهم، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني، فجعلني خلفه حتى بلغوا بي بلادهم قال‏:‏ فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرت به، فأخذت شيئاً من تمر حائطي فجعلته على شيء، ثم أتيته فوجدت عنده أناساً، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قلت صدقة‏.‏ فقال للقوم‏:‏ كلوا ولم يأكل هو، ثم لبثت ما شاء الله، ثم أخذت مثل ذلك فجعلته على شيء، ثم أتيته به فوجدت عنده أناساً، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ قلت‏:‏ هدية‏.‏ قال‏:‏ بسم الله، فأكل وأكل القوم، قال‏:‏ قلت‏:‏ في نفسي هذه من آياته، كان صاحبي رجلاً أعجمياً لم يحسن أن يقول تهامة قال تهمة، وقال أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الايسر، فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله‏. قال‏:‏ من أنت‏؟‏ قلت‏:‏ مملوك، فحدثته بحديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما أمرني به، قال‏:‏ لمن أنت‏؟‏ قلت‏:‏ لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها‏.‏ قال‏:‏ يا أبا بكر، قال‏:‏ لبيك‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ اشتره‏.‏ قال‏:‏ فاشتراني أبو بكر فاعتقني، فلبثت ما شاء الله أن ألبث، ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه، فقلت‏:‏ يا رسول الله، ما تقول في دين النصارى‏؟‏ قال‏:‏ لا خير فيهم ولا في دينهم، فدخلني أمر عظيم فقلت في نفسي‏:‏ هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت، أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم، فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله، فأنزل الله بعد على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بسلمان، فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف، فجئت حتى قعدت بين يديه، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون‏}‏ إلى آخر الآية‏.‏ فقال‏:‏ يا سلمان، أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى إنما كانوا مسلمين، فقلت‏:‏ يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لقد أمرني باتباعك‏.‏ فقلت له‏:‏ وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، فأتركه‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فاتركه فإن الحق وما يحب الله فيما يأمرك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏قسيسين‏}‏ قال‏:‏ علماؤهم‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال‏:‏ القسيسون‏.‏ عبادهم‏. وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال‏:‏ سألت الزهري عن هذه الآية ‏ {‏ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون‏}‏ وقوله ‏{أية : ‏وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما‏ً}‏ ‏تفسير : [‏الفرقان: 63‏]‏ قال‏:‏ ما زلت أسمع علماءنا يقولون‏:‏ نزلت في النجاشي وأصحابه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فاكتبنا مع الشاهدين‏}‏ قال‏:‏ أمة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي لفظ‏:‏ قال‏:‏ يعنون بالشاهدين محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم قد شهدوا له أنه قد بلِّغ، وشهدوا للمرسلين أنهم قد بلغوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين‏}‏ قال‏:‏ القوم الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم‏.

ابو السعود

تفسير : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} جملة مستأنَفة مَسوقة لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود وعَراقتهم في الكفر، وسائرِ أحوالهم الشنيعة التي من جملتها موالاتُهم للمشركين. أُكِّدت بالتوكيد القسَميّ اعتناءً ببـيان تحققِ مضمونها، والخطاب إما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل أحد صالح له، إيذاناً بأن حالهم مما لا يخفىٰ على أحد من الناس. والوُجدانُ متعدَ إلى اثنين، أحدُهما أشدُّ الناس والثاني اليهودُ وما عُطف عليه، وقيل: بالعكس لأنهما في الأصل مبتدأٌ وخبر، ومصبّ الفائدة هو الخبرُ لا المبتدأ، ولا ضيرَ في التقديم والتأخير إذ دل على الترتيب دليل، وهٰهنا دليل واضح عليه، وهو أن المقصودَ بـيانُ كون الطائفتين أشدَّ الناس عداوة للمؤمنين، لا كونِ أشدِّهم عداوةً لهم الطائفتين المذكورتين، وأنت خبـير بأنه بمعزل من الدلالة على ذلك، كيف لا والإفادة في الصورة الثانية أتمّ وأكملُ مع خلوها عن تعسُّف التقديم والتأخير، إذ المعنى أنك إن قصدتَ أن تعرِفَ من أشدُّ الناس عداوةً للمؤمنين وتتبعْتَ أحوالَ الطوائف طُراً وأحطتَ بما لديهم خُبْراً، وبالغْتَ في تعرُّف أحوالهم الظاهرةِ والباطنة، وسعَيْتَ في تطلُّب ما عندهم من الأمور البارزة والكامنة، لتجدن الأشدَّ تَيْنِك الطائفتين لا غيرُ فتأملْ. واللام الداخلة على الموصول متعلقةٌ (بعداوةً) مقويةٌ لعملها، ولا يضرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء مبنية عليها، كما في قوله: ورهبةً عقابَك، وقيل: متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لعداوة، أي كائنةً للذين آمنوا، وصفهم الله تعالى بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعُف كفرهم، وانهماكهم في اتِّباع الهوى، وقربهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرُّنهم على التمرّد والاستعصاء على الأنبـياء، والاجتراء على تكذيبهم ومُناصَبَتِهم. وفي تقديم اليهود على المشركين بعد لَزِّهما في قَرنٍ واحد إشعارٌ بتقدمهم عليهم في العداوة، كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى: {أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : [البقرة، الآية 96] إيذاناً بتقدُّمهم عليهم في الحرص، {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ} أعيد الموصول مع صلته رَوْماً لزيادة التوضيح والبـيان {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ} عبر عنهم بذلك إشعاراً بقرب مودتهم حيث يدّعون أنهم أنصارُ الله وأَوِدَّاءُ أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام، وعلى هذه النكتة مَبْنىٰ الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ } تفسير : [المائدة، الآية 14] والكلام في مفعولي لتجدن وتعلق اللام كالذي سبق، والعدولُ عن جعْل ما فيه التفاوتُ بـين الفريقين شيئاً واحداً قد تفاوتا فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخِراً: ولتجدن أضعفَهم عداوة الخ، أو بأن يقال: أولا لتجدن أبعد الناس مودة الخ، للإيذان بكمال تبايُن ما بـين الفريقين من التفاوتِ ببـيان أن أحدَهما في أقصى مراتبِ أحدِ النقيضين، والآخَرَ في أقربِ مراتب النقيض الآخر. {ذٰلِكَ} أي كونهم أقربَ مودةً للمؤمنين {بِأَنَّ مِنْهُمْ} أي بسبب أن منهم {قِسّيسِينَ} وهم علماءُ النصارى وعبّادهم ورؤساؤهم، والقِسّيسُ صيغةُ مبالغةٍ من تقَسَّـسَ الشيءَ إذا تتبَّعه وطلبه بالليل، سُموا به لمبالغتهم في تتبع العلم، قاله الراغب، وقيل: القَسُّ بفتح القاف تتبُّعُ الشيء ومنه سمي عالم النصارى قسيساً لتتبعه العلم، وقيل: قصَّ الأثرَ وقسه بمعنى، وقيل: إنه أعجمي، وقال قُطرُبُ: القِسّ والقِسّيسُ العالم بلغة الروم، وقيل: ضيَّعت النصارى الإنجيلَ وما فيه، وبقي منهم رجل يقال له: قِسيسُ لم يبدِّلْ دينه، فمن راعىٰ هديه ودينه قيل له: قسيس. {وَرُهْبَاناً} وهو جمع راهب كراكب ورُكبان وفارس وفُرسان، وقيل: إنه يطلق على الواحد وعلى الجمع وأُنشِدَ فيه قولُ من قال: [الرجز] شعر : لو عايَنَتْ رُهبانَ ديْرٍ في قُلَلْ لأقبل الرهبانُ يعدو ونزَلْ تفسير : والترهب التعبد في الصومعة، قال الراغب: الرهبانية الغلوُّ في تحمل التعبد من فرط الخوف، والتنكير لإفادة الكثرة، ولا بد من اعتبارها في القسيسين أيضاً، إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين، فإن اتصاف أفرادٍ كثيرة لجنسٍ بخصلةٍ مظِنةٌ لاتصاف الجنس بها، وإلا فمن اليهود أيضاً قوم مهتدون، ألا يُرى إلى عبد اللَّه بن سلام وأضرابه، قال تعالى: {أية : مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ }تفسير : [آل عمران، الآية 113] الخ، لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعدَّ حكمُهم إلى جنس اليهود {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عطف على (أن منهم)، أي وبأنهم لا يستكبرون عن قبول الحق إذا فهموه، ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، وهذه الخَصلةُ شاملة لجميع أفراد الجنس فسببـيّتُها لأقربـيّتهم مودةً للمؤمنين واضحة، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودٌ وإن كان ذلك من كافر.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [الآية: 82]. قال بعضهم: حرمات الخدمة أثبت عليهم وإن كانوا على طرق المخالفة، لكنهم لما أظهروا لزوم الباب بدت عليهم آثارها فى قبول الحرية وتحليل المناكحات والأسباب إلى التزهد والرهبانية.

القشيري

تفسير : بَيَّنَ أَنَّ صفة العداوة وإن كانت تجمعهم فمعاداةُ بعضهم تزيد على بعض، وبقدر ما للنصارى من التَّرهُّب أثر فيهم بالمقاربة من أهل الحق؛ فإنهم وإن لم ينتفعوا بهم من حيث الخلاص فقد ذكرهم الله سبحانه - بمقاربة أهل الاختصاص.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} وقع اليهود فى سخطه الكبرى حيث اختاروا من يلهمهم العجل بالاليهة بقوله ثم اتخذوا العجل وقوله واشربوا فى قلوبهم العجل ثم ترلوا من رتبة الحيوان الى رتبة الجماد بقولهم لموسى اجعل لنا الها كما لهم ألهة ومن علامتهم همة اشار الى رتبة الانسان بقولهم عزيز الله فلما قطع الله نسبة القدم عن الحدث اشتدت غضبهم على اهل التوحيد وذلك قوله سبحانه لتجدن اشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود ووقع النصارى فى سخطه الصغرى حيث ارتفعوا بهمتهم فى طلب الالهية الى عيسى لانه مجمع ايات الله وقعوا فى الخيال عند بروز الصفة عن الأية لقلة ادراكهم الوحدانية لكن سبب استعدادهم قبول ظهور الأية صاروا اقرب من اليهود الى قبول الاسلام والذى وصفهم الله ههنا بقوله قسيسين ورهبانا انهم بقوا فى النصرانية فى طلب الحق فلما لاح الحق لهم خرجوا مما دون الحق الى الحق وكانوا صديقين فى تجريدهم فى طريق الله حيث وصفهم الله بالقسيسة والرهبانية واذا كانوا فى طلب الله اردكهم الله بنور الاسلام والتوحيد وما ابقاهم فى الشكوك والأراء المختلفة ثم زاد فى وصفهم بالخضوع والاذعان عند بروز البرهان تصديقا وتعريفا بقوله تعالى {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} قال بعضهم جزيات الخدمة اثبت عليهم وان كانوا على طريق المخالفة لكنهم لما اظهروا لزوم الباب بدت عليهم اثارها فى قبول الجزية وتحليل المناكحات والانتساب الى التزهد والرهبانية.

اسماعيل حقي

تفسير : {لتجدن} يا محمد {أشد الناس} مفعول اول للوجدان {عداوة} تمييز {للذين آمنوا} متعلق بعداوة {اليهود} مفعول ثان للوجدان {والذين اشركوا} يعنى مشركى العرب معطوف على اليهود {ولتجدن أقربهم مودة للذين ءآمنوا الذين قالوا إنا نصارى} اعرابه كاعراب ما سبق. اما عداوة اليهود والمشركين المنكرين للمعاد فلشدة حصرهم الذى هو معدن الاخلاق الذميمة فان من كان حريصا على الدنيا طرح دينه فى طلب الدنيا واقدم على كل محظور ومنكر فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال جاها او مالا. واما مودة النصارى فلانهم فى اكثر الامر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة وترك طلب الرياسة والتكبير والترفع وكل من كان كذلك فانه لا يحسد الناس ولا يؤذيهم بل يكون لين العريكة فى طلب الحق سهل الانقياد له انظر الى كفر النصارى مع كونه اغلظ من كفر اليهود لان كفر النصارى فى الالوهية وكفر اليهود فى النبوة واما قوله تعالى {أية : وقالت اليهود عزير ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]. فانما قاله طائفة منهم ومع ذلك خص اليهود بمزيد اللعنة دونهم وما ذاك الا بسبب حرصهم على الدنيا ويؤيده قوله عليه السلام "حديث : حب الدنيا رأس كل خطيئة " .تفسير : قال البغوى لم يرد به جميع النصارى لانهم فى عداوتهم للمسلمين كاليهود فى قتلهم المسلمين واسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم واحراق مصاحفهم لا مودة ولا كرامة لهم بل الآية نزلت فيمن اسلم منهم مثل النجاشى واصحابه وكان النجاشى ملك الحبشة نصرانيا قبل ظهور الاسلام ثم اسلم هو واصحابه قبل الفتح ومات قبله ايضا. وقال اهل التفسير ائتمرت قريش ان يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثب كل قبيلة على من فيها المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله رسوله بعمه ابى طالب "حديث : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حل باصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد امرهم بالخروج الى ارض الحبشة وقال "ان بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده احد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا"" تفسير : واراد به النجاشى واسمه اصحمة بالمهملتين وهو بالحبشية عطية وانما النجاشى اسم الملك كقولهم قيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس فخرج اليها سرا احد عشر رجلا واربع نسوة منهم عثمان ابن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا الى البحر واخذوا سفينة الى ارض الحبشة بنصف دينار وذلك فى رجب فى السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه هى الهجرة الاولى ثم خرج جعفر بن ابى طالب وتتابع المسلمون اليها فكان جميع من هاجر الى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان شعر : سعديا حب وطن كرجه حديثست صحيح نتوان مرد بسختى كه من انيجازادم تفسير : فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمر بن العاص وصاحبه بالهدايا الى النجاشى وبطارقته ليردوهم اليهم فعصمهم الله فلما انصرفا خائبين واقام المسلمون هناك بخير دار وحسن جوار الى ان هاجر رسول الله وعلا امره وذلك فى سنة ست من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى النجاشى على يد عمرو بن امية الضمرى ليزوجه ام حبيبة بنت ابى سفيان وكانت قد هاجرت اليه مع زوجها فمات زوجها فارسل النجاشى الى ام حبيبة جارية يقال لها نزهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم اياها فاعطتها اوضاحا لها سرورا بذلك وامرها ان توكل من يزوجها فوكلت خالد بن سعيد بن العاص فانكحها على صداق اربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله النجاشى فانفذ اليها على يد نزهة اربعمائة دينار فلما جاءتها بها اعطتها خمسين دينارا فردتها وقالت امرنى الملك ان لا آخذ منك شيئاً وقالت انا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به فحاجتى منك ان تقرئيه منى السلام قالت نعم ثم امر الملك نساءه ان يبعثن الى ام حبيبة بما عندهن من عود وعنبر وكان عليه السلام يراه عليها وعندها فلا ينكر قالت ام حبيبة فخرجنا فى سفينتين وبعث معنا النجاشى الملاحين فلما خرجنا من البحر ركبنا الظهر الى المدينة ورسول الله عليه السلام بخيبر فخرج من خرج اليه واقمت بالمدينة حتى قدم النبى عليه السلام فدخلت عليه فكان يسألنى عن النجاشى فقرأت عليه من نزهة السلام فرد عليها السلام فانزل الله {أية : عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم} تفسير : [الممتحنة: 7]. يعنى ابا سفيان {أية : مودة} تفسير : [الممتحنة: 7]. يعنى تزويج ام حبيبة ولما جاء ابا سفيان تزويج ام حبيبة برسول الله عليه الصلاة والسلام قال ذاك الفحل لا يقرع انفه ثم قال عليه السلام "حديث : لا ادرى انا بفتح خيبر اسرّ ام بقدوم جعفر " .تفسير : وبعث النجاشى بعد قدوم جعفر الى رسول الله ابنه ازهر بن اصحمة بن الحر فى ستين رجلا من الحبشة وكتب اليه يا رسول الله اشهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك واسلمت لله رب العالمين وقد بعثت ابنى ازهر وان شئت ان آتيك بنفسى فعلت والسلام عليك يا رسول الله فركبوا سفينة فى اثر جعفر واصحابه فلما بلغوا اواسط البحر غرقوا وكان جعفر يوم وصل المدينة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل فى سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من اهل الشام منهم بحيرا الراهب فقرأ عليهم رسول الله سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القرآن فآمنوا وقالوا ما اشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام فانزل الله تعالى هذه الآية {ولتجدن اقربهم مودة للذين امنوا الذين قالوا انا نصارى} يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون وكانوا اصحاب الصوامع {ذلك} اى كونهم اقرب مودة للمؤمنين {بأن منهم} اى بسبب ان منهم {قسيسين} وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم. والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشىء اذا تتبعه وطلبه بالليل وسموا به لمبالغتهم فى تتبع العلم قاله الراغب. وقال قطرب القسيس العالم بلغة الروم. وعن عروة بن الزبير انه قال ضيعت النصارى الانجيل وادخلوا فيه ما ليس منه وبقى واحد من علمائهم على الحق والدين وكان اسمه قسيسا فمن كان على مذهبه فهو قسيس {ورهبانا} هو جمع راهب كراكب وركبان وقيل انه يطلق على الواحد وعلى الجمع. والترهب التعبد مع الرهبة فى صومعة والتنكير لافادة الكثرة ولا بد من اعتبارها فى القسيسين ايضا اذ هى التى تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فان اتصاف افراد كثيرة بجنس الخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها والا فمن اليهود ايضا قوم مهتدون ألا يرى الى عبد الله بن سلام واضرابه قال تعالى {أية : من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} تفسير : [آل عمران: 113] الخ. لكنهم لما لم يكونوا فى الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم الى جنس اليهود {وإنهم لا يستكبرون} عطف على ان منهم اى وبانهم لا يستكبرون عن قبول الحق اذا فهموه ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود. وفيه دليل على ان التواضع والاقبال على العلم والعمل والاعراض عن الشهوات محمود وان كانت فى كافر. اقول ذكر عند حضرة شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة رجولية بعض اهل الذمم ومروته فقال انه من آثار السعادة الازلية ويرجى ان ذلك يدعوه الى الايمان والتوحيد ويصير عاقبته الى الفلاح: قال الحافظ شعر : كارى كنيم ورنه خجالت بر آورد روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: القسيس: العالم، والراهب، العابد، و {مما عرفوا}: سببية، و {من الحق}: بيان أو تبعيض، وجملة: {لا نؤمن}: حال، والعامل فيها متعلق الجار، أي: أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنيين، و {نطمع}: عطف على {نؤمن}، أو خبر عن مضمر، أي: ونحن نطمع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لتجدن أشد الناس عداوة} للمؤمنين؛ اليهود والمشركين، لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء، ومعاداتهم وعدوانهم لا ينقطع إلى الأبد. {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى}، للين جانبهم، ورقة قلوبهم، وقلة حرصهم على الدنيا بالنسبة لليهود، وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل، وإليه أشار بقوله: {ذلك بأن منهم قسيسين} أي: علماء، ومن جملة علمهم: علمُهم بوصاية عيسى بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، {ورهبانًا} أي: عبادًا، {وأنهم لا يستكبرون} عن قبول الحق إذا عرفوه، بخلاف اليهود؛ لكثرة جحودهم، وفيه دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل محمود، وإن كان من كافر. قاله البيضاوي. {وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {ترى أعينهم تفيض من الدمع}؛ من البكاء، جعل أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، وإنما يفيض دمعها، وذلك {مما عرفوا من الحق} حين سمعوه، أو من بعض الحق، فما بالك لو عرفوا كله؟ {يقولون ربنا آمنا} بذلك، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ {فاكتبنا مع الشاهدين} بأنه حق، أو بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم. نزلت في النجاشي وأصحابه، حين دعوا جعفرًا وأصحابه، وأحضروا القسيسين والرهبان، وأمره أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة مريم، فبكوا وآمنوا بالقرآن. وقيل: نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه، وفدوا من عنده من الحبشة بأمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليهم سورة {يَس}، فبكوا وآمنوا، فصدر الآية عام، فالنصارى كلهم أقرب مودة للمسلمين، من آمن، ومن لم يؤمن، وإنما جاء التخصيص في قوله: {وإذا سمعوا}، فالضمير إنما يرجع إلى من آمن منهم، كالنجاشي وأصحابه. وإنما جاء الضمير عامًا؛ لأن الجماعة تحمد بفعل الواحد. انظر ابن عطية. ولما دخل الإيمان في قلوبهم حين سمعوا القرآن، عاتبوا أنفسهم على التأخر عن الإيمان فقالوا: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} {و} نحن {نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين}، وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل الأمم، وهذا منهم استفهامُ إنكار واستبعاد؛ لانتفاء الإيمان مع قيام الداعي، وهو الطمع في الانخراط مع الصاحلين، والدخول في مداخلهم، {فأثابهم الله} أي: جازاهم {بما قالوا} واعتقدوا، {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين} الذين اعتادوا الإحسان في جميع الأمور، أو الذين أحسنوا النظر وأتقنوا العمل. ثم ذكر ضدهم فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}، شفع بهم حال المؤمنين المصدقين، جمعًا بين الترغيب والترهيب، ليكون العبد بين خوف ورجاء. والله تعالى أعلم. الإشارة: أشد الناس إنكارًا على الفقراء، وأشدهم عداوة لهم، من تقدم في أسلافه رئاسة علم أو جاه أو صلاح أو نسبة شرف، وأقرب الناس مودة لهم من لم يتقدم له شيء من ذلك، فالعوام أقرب وأسهل للدخول في طريق الخصوص من غيرهم. والله تعالى أعلم. ولمّا تضمن الكلام مدح النصارى على ترهبهم، والحث على حبس النفس، ورفض الشهوات، أعقبه بالنهي عن الإفراط في ذلك والاعتداء عما حدّه الله بجعل الحلال حراماً، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ}.

الطوسي

تفسير : قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي: إِنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه لما اسلموا. وقال قتادة: نزلت في قوم من أهل الكتاب كانوا على الحق متمسكين بشريعة عيسى (ع) فلما جاء محمد (صلى الله عليه وآله) آمنوا به. وقال مجاهد: نزلت في الذين جاءوا مع جعفر بن أبي طالب (رحمه الله) مسلمين واللام في قوله {لتجدن} لام القسم. والنون دخلت لتفصل بين الحال والاستقبال، هذا مذهب الخليل، وسيبويه وغيرهما. وقوله: {عداوة} منصرف منتصب على التمييز. وصف الله تعالى اليهود والمشركين بأنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، لأن اليهود ظاهروا المشركين على المؤمنين مع أن المؤمنين يؤمنون بنبوة موسى والتوراة التي أتى بها، فكان ينبغي أن يكونوا الى من وافقهم في الايمان بنبيهم وكتابهم أقرب. وظاهروا المشركين حسداً للنبي (عليه السلام). وقوله: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إِنا نصارى} يعني الذين قدمنا ذكرهم - عن المفسرين. وقال الزجاج يجوز أن يكون أراد به النصارى، لأنهم كانوا أقل مظاهرة للمشركين، وبه قال الجبائي. وروي عن ابن عباس أنه قال: من زعم أنها في النصارى فقد كذب. وإِنما هم النصارى الأربعون الذين فاضت أعينهم حين قرأ النبي (صلى الله عليه وسلم) عليهم القرآن إِثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام. وسارعوا الى الاسلام ولم يسارع اليهود. والمودة هي المحبة إِذا كان معها ميل الطباع يقال: وددت الرجل أوده ودا ووداداً ومودة: إِذا أحببته وودته: إِذا تمنيته أوده وداً. ومنه قوله{ أية : ودوا لو تدهن فيدهنون }. تفسير : وقوله {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبان} فالقسيسون العباد في قول ابن زيد والقس والقسيس واحد إِلا أنه قد صار كالعلم على رئيس من رؤساء النصارى في العبادة. ويجمع قسوساً وأصله في اللغة النميمة يقس قساً إِذا نم الحديث. قال رؤبة بن العجاج: شعر : يضحكن عن قس الاذى غوافلا لا جعبريات ولا طهاملا تفسير : الطهامل من النساء القباح. ومصدره القسوسة والقسيسة فالقس الذي ينم حاله بالاجتهاد في العبادة. والرهبان جمع راهب، كراكب وركبان وفارس وفرسان. قال الشاعر: شعر : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شعف العقول الفادر تفسير : وقيل: إِنه يكون واحداً ويجمع رهابين كقربان وقرابين ورهابنة أيضاً قال الشاعر: شعر : لو عاينت رهبان دير في القلل لاقبل الرهبان يمشي ونزل تفسير : وكل ذلك من الرهبة التي هي المخافة ورهب يرهب رهباً إِذا خاف والترهيب ضد الترغيب. وقوله {وإنهم لا يستكبرون} معناه إِن هؤلاء النصارى الذين آمنوا لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له كما استكبر اليهود وعباد الأوثان وانفوا من قبول الحق، وأخبر الله تعالى في هذه الآية عن مجاوري النبي (صلى الله عليه وسلم) من اليهود، ومودة النجاشي وأصحابه الذين أسلموا معه من الحبشة لأن الهجرة كانت الى المدينة وبها اليهود والى الحبشة وبها النجاشي وأصحابه فأخبر عن عداوة هؤلاء ومودة اولئك.

الجنابذي

تفسير : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} لانّهم لتوغّلهم فى الدّنيا وعدم توجّههم الى الآخرة بسبب بعد زمان نبيّهم واندراس شريعته واستبدال احكامه صارت احوالهم بعيدة عن احوال المؤمنين لتوجّههم الى الآخرة وتلبّسهم الاحكام الشّرعيّة فلم يبق مجانسة بينهما بوجهٍ من الوجوه، والعداوة ناشئة من عدم المجانسة كما انّ المحبّة ناشئة من المجانسة {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} وضع الظّاهر موضع المضمر ليكون تصريحاً بانّ ملاك عداوة اولئك ومحبّة هؤلاء هو الايمان لا غير {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} لم يقل النّصارى لانّ هذا الاسم لاشتقاقه من النّصرة يدلّ على انّهم انصار الله ولو كانوا انصار الله لكانوا تابعى محمّد (ص) كذا قيل، او لانّ التّنصّر يكون بالتّديّن بدين عيسى (ع) على شرائطها من البيعة مع خلفائه واخذ الميثاق منهم وهؤلاء انتحلوا التّنصّر كانتحال التّشيّع لاكثر الشّيعة من غير القائلين بالائمّة الاثنى عشر، وامّا اسم اليهود فانّه يطلق عليهم لكونهم من نسل يهودا بن يعقوب او من اتباع اولاده الّذين فيهم النّبوّة وان كان اتّفق تديّنهم بدين موسى (ع) {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} العلماء الّذين يأمرونهم بأحكام الانجيل من العقائد والاحكام الفرعية {وَرُهْبَاناً} الزّهّاد الّذين تركوا الدّنيا واشتغلوا بالعبادة وتحصيل العقبى، اعلم انّ كلّ شريعة من لدن آدم (ع) كانت مشتملةً على السّياسات والعبادات القالبيّة وعلى العبادات والتّهذيبات القلبيّة ولكلّ منهما كان اهل ورؤساء يبيّنها لمن اراد التّوسّل بها واتباع يعمل بها ويسمّى رؤساء كلّ منهما فى كلّ ملّة باسم خاصّ كالاحبار والرّهبان فى ملّة النّصارى والموبد والهربد فى ملّة العجم، والمجتهد والصّوفى، او العالم والعارف او العالم والتّقى فى ملّة الاسلام، والمقصود انّ النّصارى بواسطة عدم بعد زمان نبيّهم وعدم اندراس احكامهم وعدم انقطاع علمائهم الّذين يأمرونهم بطلب الآخرة قالاً وعدم انقطاع مرتضياتهم الّذين يأمرونهم حالاً طالبون للآخرة ومجانسون للمؤمنين فهم محبّون لهم لمجانستهم {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن انقياد الحقّ.

الأعقم

تفسير : {لتجدنَّ} يا محمد أو أيها السامع {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} يعني مشركي العرب بمظاهرتهم لليهود على معاداة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {ولتجدَّن أقربهم مودة للذين آمنوا للذين قالوا إنَّا نصارى} لم يرد فيه جميع النصارى مع ما هم فيه من عداوة المسلمين وإنما نزلت هذه الآية في النجاشي، قال المفسرون: ائتمر المشركون على أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن منهم من افتتن وعصم الله من شاء ومنع الله رسوله بعمه أبي طالب فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بالجهاد بعد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: "إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحداً فأخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً" وأراد به النجاشي، قال في الثعلبي: فخرج إليه سراً إحدى عشر رجلاً وأربع نسوة وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون اليها فكان جميع من هاجر إليها اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فأقام المسلمون هنالك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلا أمره، وقدم جعفر من الحبشة ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بخيبر فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا أدري أنا أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر" وكتب النجاشي الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني أشهد أنك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صادق مصدق وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين، فنزلت: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى} يعني وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب السبعون وكانوا أصحاب الصوامع، وقيل: هم ناس من أهل الكتاب، والثاني أنهم المتمسكون بالنصرانية عن أبي علي، قيل: لأنهم سمعوا الحق ولم ينكروا خلاف اليهود، وقيل: إذا أسلموا حسن إسلامهم، وقيل: هم أقل عداوة ولذلك قال: {أقربهم مودة} قوله: {ذلك بأن منهم قسيسين} أي من النصارى {ورهباناً} أي علماء وعباد {وأنهم لا يستكبرون} قوله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} الآية نزلت في النجاشي وأصحابه وذلك أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون: هل في كتابكم ذكر مريم؟ فقال جعفر: فيه سورة تنسب إليها فقرأ إلى قوله: {أية : ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون} تفسير : [مريم: 34] وقرأ سورة طه إلى قوله: {أية : وهل أتاك حديث موسى} تفسير : [طه: 9] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قرأ عليهم سورة يس فبكوا، ومعنى {تفيض من الدمع} تمتلئ من الدمع حتى تفيض {ربنا آمنا} والمراد به إنشاء الايمان والدخول فيه {فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين هم الشهداء على سائر الأمم يوم القيامة بقوله: {أية : لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة: 143] وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الانجيل {وما لنا لا نؤمن بالله} إنكار واستبعاد لابتغاء الايمان مع قيام موجبه وهو في الطمع إنعام الله تعالى عليهم بصحبة {الصالحين} وقيل: لما دخلوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك وأرادوا {وما لنا لا نؤمن بالله} وحده لأنهم كانوا مثلثين وذلك ليس بالايمان بالله {يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} حديث : الآية نزلت في جماعة اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون منهم علي (عليه السلام) وابن مسعود وأبي ذر وسلمان والمقداد وسالم وأبي بكر وذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ في الانذار فقال: نقوم الليل ونصوم النهار ولا نأكل اللحم ولا ننام ولا نقرب النساء والطيب ونلبس المسوح ونسيح في الأرض ويجبّوا مذاكيرهم، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "إني لم أؤمر بذلك فصوموا وافطروا وقوموا وناموا فإني أصوم وأقوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" تفسير : فنزلت الآية، وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأكل لحم الدجاج وكان يعجبه الحلوى والعسل، ومعنى {لا تحرموا} لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم ولا تقولوا حرمناها على أنفسنا ولا تعتدوا حدود {ما أحل الله لكم} إلى ما حرم عليكم أو جعل تحريم الطيبات اعتداء أو أراد {ولا تعتدوا} بذلك، قوله تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً} أي من الطيبات التي تسمى رزقاً حلالاً واتقوا الله تأكيداً للوصية بما أمر الله به، قال ابن عباس: لما نزل {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} إلى آخر الآيتين، فقالوا: يا رسول الله كيف نعمل بايماننا التي حلفنا فأنزل الله تعالى قوله: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم} وعن مجاهد هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن وهو قول أبي حنيفة والهادي، وعن عائشة أنه قول الرجل لا والله بلى والله، وهو مذهب الشافعي، واللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم قوله: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان} أي بتعقيدكم الايمان وهو توكيدها بالقصد والنيَّة، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم {فكفارته} أي فكته، والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة، قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} أي من أقصده لأن من يسرف في طعام أهله ومنهم من قتّر وهو عند أبي حنيفة نصف صاع من برّ أو صاع من غيره لكل مسكين أو يغدّيهم ويعشّيهم، وعند الشافعي مدّ لكل مسكين، قوله: {أو كسوتهم} يعني ما يغطي العورة وعن ابن عباس: كانت العباءة تجزئ يومئذ، وعن مجاهد: ثوب جامع، وعن الحسن: ثوبان أبيضان، وقيل: أراد قميصاً أو رداء أو كساء، قوله: {أو تحرير رقبة} شرط الشافعي الايمان قياساً على كفارة القتل وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد جوّزوا تحرير الرقبة الكافرة في كل كفارة سوى القتل، قوله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} متتابعات {واحفظوا ايمانكم} فبرّوا ولا تحنثوا، أراد الحنث في الإِيمان التي الحنث فيها معصية لأن الايمان اسم جنس يجوز إطلاقه على بعض الجنس، وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاوناً بها {كذلك يبين الله لكم آياته} أعلام شرائعه وأحكامه {لعلكم تشكرون} نعمته.

اطفيش

تفسير : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً}: تمييز لقوله أشد: {لِّلَّذِينَ آمَنُوا}: نعت لعداوة أو متعلق به. {اليَهُودَ}: مفعول ثان. {وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}: عطف على اليهود، قرن الله جل وعلا اليهود بالمشركين فى شدة عداوة المؤمنين، كأنه لم يكن لهم كتاب من الله لتوغلهم فى الكفر، واتباع الهوى، وتكذيب الأنبياء، وقتلهم وتشبثهم بالقليل، ومن ديانتهم وجود ايصال الشر الى من استحل السبت أو خالف دينهم بأى وجه يصلون اليه كالقتل، وأخذ المال، والمكر والذم باللسان، وفيهم الحرص الشديد على الدنيا والرياسة. {وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهُم مَوَدَّةً}: تمييز أقرب. {لِّلَّذِينَ آمَنُوا}: متعلق بمودة أو نعته. {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى}: مفعول ثان لتجدن، وصف الله النصارى بلين العريكة، ورقة القلوب، والقرب الى قول الحق، وذلك أمر ظاهر الى الآن، والافرنجى أعنى الفرنسيس وفى الانجليز والحبشة، وانما زادوا تمرداً وشراً لميل أهل التوحيد الى المال، والفسوق والراحة والجور، وكم افرنجى يقول: لو وجدنا من يجرى بنا على دين محمد بالحقيقة لدخلنا فى دينه، وبعض يقول: لو وجدنا سلطاناً يقوم به لأسلمنا، وليس فيهم حرص اليهود، ولا من شأنهم الغش والخديعة فى المعاملة، بالمال ولا استحلال من يستحل الأخذ، وليس فيهم كبر اليهود، وليسوا كلهم كذلك بل ذلك كثير فيهم. وذلك لا كلية. وأشد النصارى استبانيون، وكانوا أشد قبل أن يعلموا ما فى القرآن، وكانوا يرون أن فيه حقاً عليهم واجحافاً ولما علموا ما فيه زال بعض ذلك، ومعظم النصارى فى عداوة المؤمنين كاليهود، وقال بعض علماء مصر: بل أعظم عداوة، فاما أن تكون الآية كلا كما رأيت، واما أن يراد من آمن، واما أن يكون الذين نرى العداوة ليسوا نصارى حقيقة، بل متنصرة من الأعاجم أو من العرب المتنصرة على عهد عمر وقبله، وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قيل: ان جبلة بن الأيهم الغسانى لما غلب المسلمون على عهد عمر رضى الله عنه الروم من أرض الشام، انتقل الى جزيرة فى البحر، وبنى بها الافرنج من نسله، وهو من غسان قبيلة من العرب، ومع ذلك فكفر النصارى أعظم وأقبح لأنهم ينازعون فى الألوهية، وضررهم على أهل التوحيد أعظم. وقيل: ان النصارى أهل خشية وانقطاع الى الله سبحانه، وان لم يكونوا على هدى فهم يميلون الى أهل العبادة والخشية، وليس فى اليهود ما فيهم من تواضع وانقطاع عن الدنيا، بل يعظمونها ويتطاولون، ولا ترى فيهم زاهداً، وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين، وأما النصارى فهم يعظمون من أهل الاسلام أن يستشعروا منهم حجة الدين، ويهينون من فهموا منه الفسق، واذا حاربوا فانما يحاربون أنفة وليسوا يحاربونه ديانة، واذا سالموا فسلمهم صاف، ولم يصفهم الله تعالى بأنهم أهل ود، بل وصفهم بقربهم للمودة، وليس فى خصالهم ما فى اليهود من الغش. وما فيهم خير الا من آمن فقد قيل: ان الآية فى النجاشى صاحب الحبشة، لما رأى النبى صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله سبحانه، ثم من عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم، قال لهم: "حديث : لو خرجتم الى أرض الحبشة فان بها ملكاً لا يظلم عنده أحد حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه "تفسير : فخرج عند ذلك المسلمون من أصحابه صلى الله عليه وسلم الى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفراراً بدينهم الى الله عز وجل، فكانت أول هجرة كانت فى الاسلام، فأول من خرج عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تتابعوا فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر اليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً وولدوا بها ثلاثة وثمانين رجلا، وقيل اثنان وثمانون، والشك فى عمار ان كان فيهم وكان فيهم جعفر بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف. قالت أم سلمة: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا فيها خير جار النجاشى، آمنا على ديننا، وعبدنا الله سبحانه لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا الى النجاشى فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتى منها الآدم، فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا بطريقاً من بطارقته الا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن ربيعة، وعمرو بن العاص، ومعهما عمارة بن الوليد، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهم: ادفعوا لكل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما الى النجاشى هدايانا اليه، ثم اسألاه أن يسلمهم اليكما قبل أن يكلمهم. فخرجا الى النجاشى قالت: فقدما على النجاشى ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق الا دفعا اليه هديته قبل أن يكلما النجاشى، وقالا لكل بطريق: انه قدم لبلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا الى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم اليهم، فاذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم الينا ولا يكلمهم، فان قومهم أعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهم: نعم، ثم انهم قربوا هدياهم الى النجاشى فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك انه قد صوى الى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك جاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليكم فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم. قالت: فقالت بطارقتهم حوله: صدقا أيها الملك قومهم أعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم اليهما ليرداهم الى بلادهم وقومهم. قال: فغضب النجاشى ثم قال: لا والله اذن لا أسلمهم اليهما، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادى، واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان فى أمرهم، ثم أرسل الى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم. فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل اذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائناً فى ذلك ما هو كائن فجاءوا وقد دعى النجاشى أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فسألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى ولا دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب فقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوى الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا الى الله سبحانه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدد عليه أمور الاسلام وصدقناه وآمنا به على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا الى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ولما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا بين ديننا، خرجنا الى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله من شىء؟ فقال له جعفر: نعم0 فقال له النجاشى: فاقرأه على فقرأ عليه سطراً من {أية : كهيعص } تفسير : وقيل: قال النجاشى: هل فى كتابكم ذكر مريم؟ فقال جعفر: فى سورة تنسب اليها فقرأ له {أية : كهيعص }تفسير : الى قوله تعالى: {أية : ذلك عيسى ابن مريم } تفسير : وقرأ طه الى قوله: {أية : وهل أتاك حديث موسى }. تفسير : قالت: فبكى والله النجاشى حتى خضل لحيته، وبكت أساقفته حتى خضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليهم، ثم قال النجاشى: ان هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم اليكما أبداً، ولما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً بما أستأصلهم به. قالت: فقال له عبد الله بن ربيعة، وكان أبقى الرجلين فينا: لا تفعل فان لهم أرحاماً، وان كانوا قد خالفونا، وقال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، ثم غدا عليه الغد فقال: أيها الملك، انهم يقولون فى عيسى بن مريم قولا عظيماً، فأرسل اليهم فاسألهم عما يقولون فيه، فأرسل اليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم يمر علينا قط مثلها، فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون فى عيسى بن مريم اذا سألكم عنه، قالوا: نقول والله ما قال الله، وجاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنا فى ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون فى عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبى طالب: نقول فيه الذى جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، نقول: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها الى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشى بيده الى الأرض فأخذ منه عوداً ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود. قالت: فتأخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وان نجزتم أى الأمر ما قلت، وان نجزتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضى ـ والسيوم الآمنون ـ من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ما أحب أن لى دبراً من ذهب ـ والدبر بلسان الحبشى الجبل ـ خاطب بقوله: اذهبوا فأنتم سيوم الصحابة. واجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشى: انك قد فارقت ديننا، وخرجوا عليه، فأرسل الى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفناً وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فان هزمت فامضوا حتى تلحقوا حيث شئتم، وان ظفرت فاثبتوا، ثم عمد الى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا اله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى بن مريم عبده ورسوله، وكلمته ألقاها الى مريم، ثم جعله فى قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج الى الحبشة، وصفوا له. فقال: يا معشر الحبشة لست أحق الناس بكم، قالوا: بلى، قال: فكيف سيرتى فيكم؟ قالوا: خير سيرة، قال: فما لكم خرجتم عنى؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد، قال: فما تقولون أنتم فى عيسى؟ قالوا نقول: هو ابن الله تعالى عن قولهم، ووضع النجاشى يده على قبائه فقال: هو يشهد أن عيسى لم يزد على هذا شيئاً، وعنى ما كتب فرضوا وانصرفوا، وبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم. ويروى أنه خرج أولا عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهله بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حكمة، وحاطب بن عمرو، وسهل بن بيضاء فى سفينة بنصف دينار الى الحبشة فى رجب فى السنة الخامسة من مبعثه صلى الله عليه وسلم ثم خرج بعدهم جعفر بن أبى طالب وغيره بعضاً فبعضاً لا بمرة. ولما وصل اليه الأولون والآخرون أتوا باب النجاشى فقالوا: يستأذنك أولياء الله فقال: ائذنوا لهم فمرحباً بأولياء الله فلما دخلوا سلموا عليه فقال: ان مشركى قريش قالوا له: ألا ترى أنهم لم يحيوك بتحيتك التى تحيى بها؟ فقال لهم: ما منعكم أن تحيونى بتحيتى؟ قالوا: انا حييناك بتحية أهل الجنة، وتحية الملائكة. فقال لهم النجاشى: ما يقول صاحبكم فى عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبى طالب يقول: هو عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه، منه ألقاها الى مريم العذراء البتول، وفى وصفها بالعذراء تبرئتها من الزنى0 فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما عدا عيسى عما قال صاحبكم مثل هذا، فقال: هل تعرفون شيئاً مما نزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم. قال: اقرءوا، فقرأ جعفر سورة مريم. ومات زوج أم حبيبة بنت أبى سفيان فى الحبشة، وقد هاجر لكن مات على دين النصرانية مرتداً، وخلفها فى الحبشة، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم على يدى عمرو بن أمية الضمرى أن يزوجه أم حبيبة، فأرسل النجاشى اليها جارية تسمى برهة، فأخبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطبها، فسرت بذلك وأعطت الجارية أوضاحاً كانت لها، وأذنت لخالد بن سعيد فى تزويجها، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم على صداق مبلغه أربعمائة دينار، والخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشى، فأرسل اليها بجميع صداقها على يد جاريته برهة، فلما جاءتها بالدنانير وهبتها منها خمسين ديناراً فلم تأخذها وقالت: ان الملك أمرنى أن لا آخذ منك شيئاً؟ وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت بمحمد صلى الله عليه وسلم، وآمنت به، وحاجتى اليك أن تقرئيه منى السلام، قالت: نعم، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن اليك مما عندهن من دهن وعود، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عندها فلا ينكره. قالت أم حبيبة: فخرجت مع بعض المسلمين الى المدينة، وأقمت بها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه فكان يسألنى عن النجاشى فأقرأته السلام من برهة جارية الملك، فرد صلى الله عليه وسلم عليها، وخرجت الى المدينة قبل جعفر، وبعد خروج جعفر وأصحابه بعث النجاشى رضى الله عنه ابنه أرهى فى ستين رجلا من أصحابه، وكتب اليه: يا رسول الله انى أشهد أنك رسول الله صادقاً مصدقاً وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك جعفراً، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت اليكم ابنى أرهى، وان شئت أن آتيك بنفسى فعلت والسلام عليك يا رسول الله. فغرقوا فى البحر، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخير ووافى مع جعفر سبعون رجلا عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من الشام، وقيل: هم ستة وسبعون وهو قول أبى صالح، والأول لابن جبير، فقرأ صلى الله عليه وسلم سورة يس، فكبروا وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام، ونزلت: {وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهُم مَوَدَّةً} الآية. قيل: يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون رجلا من أصحاب الصوامع، وقيل: هاجر سنة خمس من البعثة أحد عشر رجلا، وقيل: اثنى عشر رجلا، وأربع نسوة، وقيل: النساء خمس، وقيل اثنتان، وأميرهم عثمان بن مظعون، وقال الزهرى لم يكن فيهم من يؤمر عليهم، خرجوا مشاة الى البحر، ثم اكتروا سفينة بنصف دينار، وأول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما، فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: ان عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط. وبعد ذلك هاجر المسلمون الهجرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلا بعمار، أو اثنين وثمانين على أنه لم يكن فيمن هاجر، وقيل: نزلت الآية فى ثمانين رجلا، أربعون من نصارى نجران واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الروم من الشام، وقال قتادة: نزلت فى قوم كانوا على شريعة عيسى عليه السلام لم يغيروها، ولما بعث الله الرحمن الرحيم رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به. {ذّلِكَ}: المذكور من قرب المودة. {بِأَنَّ}: بسبب أن. {مِنْهُم قِسِّيسِينَ}: علماء، القس والقسيس العالم فى لغة الروم، ويطلق على رؤساء النصارى قس وقسيس فى الدين والعلم، وعن عروة ابن الزبير أنه قال: صعبت النصارى الانجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه، وبقى واحد من علمائهم على الدين والحق، وكان اسمه قسيسا فمن كان على دينه فهو قسيس. {وَرُهْبَاناً}: عباداً من الرهبة وهو الخوف، أى خائفون من الله. {وَأَنَّهُم لا يَسْتَكْبِرُونَ}: عن قبول اذا فهموه، والآية دليل على أن العلم أنفع شىء وأهداه الى الخير، وان من قسيس، وكذا الخوف من غم الآخرة والتحدث بالعاقبة ولو من راهب، والبراءة من الكبر وان من نصرانى، ولا ينفع شىء مع الكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم.

اطفيش

تفسير : {لَتَجَدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ} الكتاب في اليهود وحدهم أَو مع غيرهم قبل وبعد، فالمراد أَنهم أَشد عداوة أَهم اليهود أَم غيرهم فالأُولى أَن اليهود مفعول أَول وأَشد ثان لا العكس، إِلا أَنه جائز والمراد بالناس {عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اليَهُودَ} عموماً وقيل يهود المدينة والمشاهد وعموم اللفظ يقتضيان العموم {والَّذِينَ أَشْرَكُوا} من أَهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وحبهم الدنيا وللذات ورغبتهم في تكذيب الأَنبياء وتسفيه الحق، وقيل: المراد المشركون مطلقاً وقدم اليهود لأَنهم أَشد عداوة من المشركين؛ ولأَنَّ الكلام فيهم {وَلَتَجَدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ذلك في جملتهم لا فى خصوص من أَسلم منهم، ومن شأنهم لين الجانب ورقة القلب وقلة الرغبة فى الدنيا، ومن شأنهم الاهتمام بالعلم والتعلم، ولو كانت القسوة والغلظة قد توجد في بعضهم وفي بعض الأَماكن وبعض الأَزمنة، وكفرهم ولو كان أَشد من كفر اليهود كالتثليث لكن يقارنه بعض الميل إِلى الآخرة ونحو مما لا يوجد في اليهود، والنصارى لما قال عيسى من أَنصارى إِلى الله قالوا نحن أنصار الله، واليهود لما قال لهم موسى ما ذكر الله عز وجل قالوا اذهب أَنت وربك فقاتلا، وقد أسلم من النصارى ومن التحق بهم من الروم قرى لا تحصى وإِلى الآن يسلمون عام أَلف وثلاثمائة وأَحد عشر، ومما يوضح لك ذلك أَن مما تدين به اليهود وجوب إِيصال الشر إلى من خالفهم في دينهم نصرانياً أو مسلماً أو غيرهما من كل من يستحل السبت يرون حل دمائهم وأموالهم، ودانت النصارى بتحريم الأَذى، ولا يخفى أَن حب الأَذى بالديانة يكون أَشد منه بالتشهى وبعارض قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما خلا يهودى بمسلم إِلا هم بقتله"تفسير : ، رواه ابن مردويه، وروى حديث : إِلا حدث نفسه بقتلهتفسير : ، وأَراد مسلم الدخول على يهودى فرد الباب عنه وبينهما معرفة فقال له المسلم في ذلك فأَجابه بأَن في دينى وجوب قتلك إِن قدرت عليك وقد قدرت إِن خلوت بك وأَنا أَحبك ولا أُريد قتلك وهذه منه خيانة مبنية على أُخرى {ذَلِكَ} أَى قرب مودتهم الزائد {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} علماءَ، قال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإِنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وبقى واحد منهم على الدين والحق، واسمه قسيس فكانوا يسمون من على دينه قسيساً حتى أَنه ينتحل هذا الاسم من ليس فيه معناه، وقد قيل من قس بمعنى قص وهم تتبع الأثر وهم يتبعون العلم والحكم ويتبعون أَواراد الليل {وَرُهْبَاناً} عباداً خائفين الله من الرهبة بمعنى الخوف أَو الترهب بمعنى التعبد مع الرهبة وهو جمع راهب كراكب وركبان وهو لفظ عربى {وَاَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الحق ولو لم يؤمنوا كما تستكبر اليهود وقوله.

الالوسي

تفسير : {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود، وأكدت بالقسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وإما لكل أحد يصلح له إيذاناً بأن حالهم مما لا تخفى على أحد من الناس. والوجدان متعد لاثنين أولهما: {أَشَدَّ} وثانيهما: {ٱلْيَهُودُ} وما عطف عليه كما قال أبو البقاء، واختار السمين العكس لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر ومحط الفائدة هو الخبر ولا ضير في التقديم والتأخير إذا دل على الترتيب دليل وهو هنا واضح إذ المقصود بيان كون الطائفتين أشد الناس عداوة للمؤمنين لا كون أشدهم عداوة لهم الطائفتين المذكورتين فليفهم. و {عَدَاوَةٌ} تمييز، واللام الداخلة على الموصول متعلقة بها مقوية لعملها ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء لأنها مبنية عليه كرهبة عقابك، وجوز أبو البقاء والسمين تعلقها بمحذوف وقع صفة لها أي عداوة كائنة للذين آمنوا، والظاهر أن المراد من اليهود العموم لمن كان بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة وغيرهم، ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله » تفسير : وفي لفظ « حديث : إلا حدث نفسه بقتله » تفسير : وقيل: المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد. وكما اختلف في عموم اليهود اختلف في عموم {ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، والمراد من الناس كما قال أبو حيان الكفار أي لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء؛ ووصفهم سبحانه بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء عليهم السلام والاجتراء على تكذيبهم ومناصبتهم. وقد قيل: إن من مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، وفي تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى: { أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } تفسير : [البقرة: 96] إيذاناً بتقدمهم عليهم في الحرص. وقيل: التقديم لكون الكلام في تعديد قبائحهم، ولعل التعبير بالذين أشركوا دون المشركين مع أنه أخصر للمبالغة في الذم وقيل: ليكون على نمط (الذين آمنوا) والتعبير به دون المؤمنين لأنه أظهر في علية ما في حيز الصلة. وأعيد الموصول مع صلته في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ} روماً لزيادة التوضيح والبيان، والتعبير بقوله سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ} دون النصارى إشعاراً بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله تعالى وأوداء أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام. وقال ابن المنير: «لم يقل سبحانه النصارى كما قال جل شأنه اليهود تعريضاً بصلابة الأولين في الكفر والامتناع عن الانقياد لأن اليهود لما قيل لهم: { أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } تفسير : [المائدة: 21] { أية : قَالُواْ ... فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } تفسير : [المائدة: 24] والنصارى لما قيل: / لهم {مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ}؟ قالوا: { أية : نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] وكذلك أيضاً ورد في أول السورة في قوله عز وجل: { أية : وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } تفسير : [المائدة: 14] لكن ذكر هٰهنا تنبيهاً على انقيادهم وأنهم لم يكافحوا الأمر بالرد مكافحة اليهود. وذكر هناك تنبيهاً على أنهم لم يثبتوا على الميثاق والله تعالى أعلم بأسرار كلامه» «والعدول كما قال شيخ الإسلام عن جعل ما فيه التفاوت بين الفريقين شيئاً واحداً قد تفاوتا فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخراً: ولتجدن أضعفهم (مودة) الخ، أو بأن يقال أولاً: لتجدن أبعد الناس مودة للإيذان بكمال تباين ما بين الفريقين من التفاوت ببيان أن أحدهما: في أقصى مراتب أحد النقيضين والآخر: في أقرب مراتب النقيض الآخر. والكلام في مفعولي {لَتَجِدَنَّ} وتعلق اللام كالذي سبق» والمراد من النصارى على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير وعطاء والسدي: النجاشي وأصحابه وعن مجاهد أنهم الذين جاءوا مع جعفر رضي الله تعالى عنه مسلمين وهم سبعون رجلاً اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرى الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وتمام وقثم ودريد وأيمن، والظاهر العموم على طرز ما تقدم. {ذٰلِكَ} أي كونهم أقرب مودة للذين آمنوا {بِأَنَّ مِنْهُمْ} أي بسبب أن منهم {قِسّيسِينَ} وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم. والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه [وطلبه] بالليل سموا به لمبالغتهم في تتبع العلم قاله الراغب، وقيل: القس مثلث الفاء تتبع الشيء وطلبه ومنه سمي عالم النصارى قساً بالفتح وقسيساً لتتبعه العلم. وقيل: قص الأثر وقسه بمعنى. وقال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم وقد تكلمت به العرب وأجروه مجرى سائر كلماتهم وقالوا في المصدر قسوسة وقسيسة وفي الجمع قسوس وقسيسون وقساوسة كمهالبة، وكان الأصل قساسسة إلا أنه كثرت السينات فأبدلوا إحداهن واواً. وفي «مجمع البيان» نقلاً عن بعضهم «أن النصارى ضيعت الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وبقي من علمائهم واحد على الحق والإستقامة يقال له قسيسا فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس» {وَرُهْبَاناً} جمع راهب كراكب وركبان وفارس وفرسان ومصدره الرهبة والرهبانية، وقيل: إنه يطلق على الواحد والجمع، وأنشد فيه قول من قال: شعر : لو عاينت رهبان دير في قلل لأقبل الرهبان يعدو ونزل تفسير : وجمع الرهبان واحداً كما في «القاموس» رهابين ورهابنة ورهبانون، والترهب التعبد في صومعة، وأصله من الرهبة المخافة، وأطلق الفيروزابادي والجوهري التعبد ولم يقيداه بالصومعة، وفي الحديث: « حديث : لا رهبانية في الإسلام » تفسير : والمراد بها كما قال الراغب الغلو في تحمل التعبد في فرط الخوف. وفي «النهاية» «هي من رهبنة النصارى وأصلها من الرهبة الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب فنفاها النبـي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ونهى المسلمين عنها، وهي منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف والرهبنة فعلنة أو فعللة على تقدير أصالة النون وزيادتها». والتنكير في {رهباناً} لإفادة الكثرة ولا بد من اعتبارها / في القسيسين أيضاً إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فإن اتصاف أفراد كثيرة لجنس بخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها وإلا فمن اليهود أيضاً قوم مهتدون لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم إلى جنس اليهود. {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عطف على (أن منهم) أي وبأنهم لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، وهذه الخصلة على ما قيل شاملة لجميع أفراد الجنس فسببيتها لأقربيتهم مودة للمؤمنين واضحة. وفي الآية دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت.

سيد قطب

تفسير : هذه البقية من الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين، ومواقفهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن الأمة المسلمة؛ هي طرف من الحديث الطويل الذي تضمنته السورة من قبل خلال أكثر من (ربعين) فقد تناولت الحديث عن فساد عقيدة اليهود والنصارى معاً، وسوء طوية اليهود وسوء فعلهم، سواء مع أنبيائهم من قبل أو مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونصرة المشركين عليه.. كما تناولت الحكم على عقيدة اليهود والنصارى التي انتهوا إليها بأنها "الكفر" لتركهم ما جاء في كتبهم وتكذيبهم بما جاءهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتوكيد بأنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم.. ثم وجه الحديث إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ ما أنزل إليه من ربه إلى الجميع مشركين ويهودا ونصارى؛ فكلهم ليسوا على شيء من دين الله؛ وكلهم مخاطب بالإسلام للدخول فيه. كما وجه الحديث إلى الأمة المسلمة لتتولى الله والرسول والذين آمنوا، ولا تتولى اليهود والنصارى، فإن بعضهم أولياء بعض؛ واليهود يتولون الذين كفروا؛ وقد لعنوا على لسان داود وعيسى بن مريم...الخ... فالآن تجيء هذه البقية لتقرير مواقف هذه الطوائف جميعاً من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن الأمة المسلمة. ولتقرير الجزاء الذي ينتظر الجميع في الآخرة.. لقد كانت هذه الأمة تتلقى هذا القرآن لتقرر - وفق توجيهاته وتقريراته - خطتها وحركتها، ولتتخذ - وفق هذه التوجيهات والتقريرات - مواقفها من الناس جميعاً. فهذا الكتاب كان هو موجهها ومحركها ورائدها ومرشدها.. ومن ثم كانت تَغلب ولا تُغلب، لأنها تخوض معركتها مع أعدائها تحت القيادة الربانية المباشرة؛ مذ كان نبيها يقودها وفق الإرشادات الربانية العلوية.. وهذه الإرشادات الربانية ما تزال؛ والتقريرات التي تضمنها ذلك الكتاب الكريم ما تزال. والذين يحملون دعوة الاسلام اليوم وغداً خليقون أن يتلقوا هذه التقريرات وتلك الإرشادات كأنهم يخاطبون بها اللحظة؛ ليقرروا على ضوئها مواقفهم من شتى طوائف الناس؛ ومن شتى المذاهب والمعتقدات والآراء، ومن شتى الأوضاع والأنظمة وشتى القيم والموازين.. اليوم وغداً وإلى آخر الزمان.. {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا...} إن صيغة العبارة تحتمل أن تكون خطاباً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن تكون كذلك خطاباً عاما خرج مخرج العموم، لأنه يتضمن أمراً ظاهراً مكشوفاً يجده كل إنسان. وهي صيغة لها نظائرها في الأسلوب العربي الذي نزل به القرآن الكريم.. وهي في كلتا الحالتين تفيد معناها الظاهر الذي تؤديه.. فإذا تقرر هذا فإن الأمر الذي يلفت النظر في صياغة العبارة هو تقديم اليهود على الذين أشركوا في صدد أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا؛ وأن شدة عداوتهم ظاهرة مكشوفة وأمر مقرر يراه كل من يرى، ويجده كل من يتأمل! نعم إن العطف بالواو في التعبير العربي يفيد الجمع بين الأمرين ولا يفيد تعقيبا ولا ترتيباً.. ولكن تقديم اليهود هنا، حيث يقوم الظن بأنهم أقل عداوة للذين آمنوا من المشركين - بما أنهم أصلا أهل كتاب - يجعل لهذا التقديم شأناً خاصاً غير المألوف من العطف بالواو في التعبير العربي! إنه - على الأقل - يوجه النظر إلى أن كونهم أهل كتاب لم يغير من الحقيقة الواقعة، وهي أنهم كالذين أشركوا أشد عداوة للذين آمنوا! ونقول: إن هذا "على الأقل". ولا ينفي هذا احتمال أن يكون المقصود هو تقديمهم في شدة العداء على الذين أشركوا.. وحين يستأنس الإنسان في تفسير هذا التقرير الرباني بالواقع التاريخي المشهود منذ مولد الإسلام حتى اللحظة الحاضرة، فإنه لا يتردد في تقرير أن عداء اليهود للذين آمنوا كان دائماً أشد وأقسى وأعمق إصرارا وأطول أمداً من عداء الذين أشركوا! لقد واجه اليهود الإسلام بالعداء منذ اللحظة الأولى التي قامت فيها دولة الإسلام بالمدينة. وكادوا للأمة المسلمة منذ اليوم الأول الذي أصبحت فيه أمة. وتضمن القرآن الكريم من التقريرات والإشارات عن هذا العداء وهذا الكيد ما يكفي وحده لتصوير تلك الحرب المريرة التي شنها اليهود على الإسلام وعلى رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمة المسلمة في تاريخها الطويل؛ والتي لم تخبُ لحظة واحدة قرابة أربعة عشر قرنا، وما تزال حتى اللحظة يتسعر أوارها في أرجاء الأرض جميعاً لقد عقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة، معاهدة تعايش مع اليهود؛ ودعاهم إلى الإسلام الذي يصدق ما بين أيديهم من التوراة.. ولكنهم لم يفوا بهذا العهد - شأنهم في هذا كشأنهم مع كل عهد قطعوه مع ربهم أو مع أنبيائهم من قبل، حتى قال الله فيهم: {أية : ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون. أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } تفسير : ولقد أضمروا العداء للإسلام والمسلمين منذ اليوم الأول الذي جمع الله فيه الأوس والخزرج على الإسلام، فلم يعد لليهود في صفوفهم مدخل ولا مخرج، ومنذ اليوم الذي تحددت فيه قيادة الأمة المسلمة وأمسك بزمامها محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تعد لليهود فرصة للتسلط! ولقد استخدموا كل الأسلحة والوسائل التي تفتقت عنها عبقرية المكر اليهودية، وأفادتها من قرون السبي في بابل، والعبودية في مصر، والذل في الدولة الرومانية. ومع أن الإسلام قد وسعهم بعد ما ضاقت بهم الملل والنحل على مدار التاريخ، فإنهم ردوا للإسلام جميله عليهم أقبح الكيد وألأم المكر منذ اليوم الأول. ولقد ألبوا على الإسلام والمسلمين كل قوى الجزيرة العربية المشركة؛ وراحوا يجمعون القبائل المتفرقة لحرب الجماعة المسلمة: {أية : ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } تفسير : ولما غلبهم الإسلام بقوة الحق - يوم أن كان الناس مسلمين - استداروا يكيدون له بدس المفتريات في كتبه - لم يسلم من هذا الدس إلا كتاب الله الذي تكفل بحفظه سبحانه - ويكيدون له بالدس بين صفوف المسلمين، وإثارة الفتن عن طريق استخدام حديثي العهد بالإسلام ومن ليس لهم فيه فقه من مسلمة الأقطار. ويكيدون له بتأليب خصومه عليه في أنحاء الأرض.. حتى انتهى بهم المطاف أن يكونوا في العصر الأخير هم الذين يقودون المعركة مع الإسلام في كل شبر على وجه الأرض؛ وهم الذين يستخدمون الصليبية والوثنية في هذه الحرب الشاملة، وهم الذين يقيمون الأوضاع ويصنعون الأبطال الذين يتسمون بأسماء المسلمين، ويشنونها حرباً صليبية صهيونية على كل جذر من جذور هذا الدين! وصدق الله العظيم: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}.. إن الذي ألب الأحزاب على الدولة المسلمة الناشئة في المدينة؛ وجمع بين اليهود من بني قريظة وغيرهم؛ وبين قريش في مكة، وبين القبائل الأخرى في الجزيرة.. يهودي.. والذي ألب العوام، وجمع الشراذم، وأطلق الشائعات، في فتنة مقتل عثمان - رضي الله عنه - وما تلاها من النكبات.. يهودي.. والذي قاد حملة الوضع والكذب في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الروايات والسير.. يهودي.. ثم إن الذي كان وراء إثارة النعرات القومية في دولة الخلافة الأخيرة؛ ووراء الانقلابات التي ابتدأت بعزل الشريعة عن الحكم واستبدال "الدستور" بها في عهد السلطان عبدالحميد، ثم انتهت بإلغاء الخلافة جملة على يدي "البطل" أتاتورك.. يهودي.. وسائر ما تلا ذلك من الحرب المعلنة على طلائع البعث الإسلامي في كل مكان على وجه الأرض وراءه يهود! ثم لقد كان وراء النزعة المادية الإلحادية.. يهودي.. ووراء النزعة الحيوانية الجنسية يهودي.. ووراء معظم النظريات الهدامة لكل المقدسات والضوابط يهود! ولقد كانت الحرب التي شنها اليهود على الإسلام أطول أمدا، وأعرض مجالا، من تلك التي شنها عليه المشركون والوثنيون - على ضراوتها - قديما وحديثا.. إن المعركة مع مشركي العرب لم تمتد إلى أكثر من عشرين عاما في جملتها. وكذلك كانت المعركة مع فارس في العهد الأول. وأما في العصر الحديث فإن ضراوة المعركة بين الوثنية الهندية والإسلام ضراوة ظاهرة؛ ولكنها لا تبلغ ضراوة الصهيونية العالمية.. (التي تعد الماركسية مجرد فرع لها) وليس هناك ما يماثل معركة اليهود مع الإسلام في طول الأمد وعرض المجال إلا معركة الصليبية، التي سنتعرض لها في الفقرة التالية. فإذا سمعنا الله - سبحانه - يقول: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا}.. ويقدم اليهود في النص على الذين أشركوا.. ثم راجعنا هذا الواقع التاريخي، فإننا ندرك طرفاً من حكمة الله في تقديم اليهود على الذين أشركوا! إنهم هذه الجبلة النكدة الشريرة، التي ينغل الحقد في صدورها على الإسلام، وعلى نبي الإسلام، فيحذر الله نبيه وأهل دينه منها.. ولم يغلب هذه الجبلة النكدة الشريرة إلا الإسلام وأهله يوم أن كانوا أهله!.. ولن يخلص العالم من هذه الجبلة النكدة إلا الإسلام يوم يفيء أهله إليه.. {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى. ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون: ربنا آمنا، فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين. فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء المحسنين. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}.. إن هذه الآيات تصور حالة، وتقرر حكما في هذه الحالة.. تصور حالة فريق من أتباع عيسى - عليه السلام -: {الذين قالوا: إنا نصارى}.. وتقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا.. ومع أن متابعة مجموع الآيات لا تدع مجالا للشك في أنها تصور حالة معينة، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين، فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادة للتميع المؤذي في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم.. لذلك نجد من الضروري - في ظلال القرآن - أن نتابع بالدقة تصوير هذه الآيات لهذه الحالة الخاصة التي ينطبق عليها ذلك الحكم الخاص: إن الحالة التي تصورها هذه الآيات هي حالة فئة من الناس، قالوا: إنا نصارى. هم أقرب مودة للذين آمنوا: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون}.. فمنهم من يعرفون حقيقة دين النصارى فلا يستكبرون على الحق حين يتبين لهم.. ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد، ولا يدع الأمر مجهلا ومعمماً على كل من قالوا: إنا نصارى.. إنما هو يمضي فيصور موقف هذه الفئة التي يعنيها: {واذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، يقولون ربنا آمنا، فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين}.. فهذا مشهد حي يرتسم من التصوير القرآني لهذه الفئة من الناس، الذين هم أقرب مودة للذين آمنوا.. إنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من هذا القرآن اهتزت مشاعرهم، ولانت قلوبهم، وفاضت أعينهم بالدمع تعبيرا عن التأثر العميق العنيف بالحق الذي سمعوه. والذي لا يجدون له في أول الأمر كفاء من التعبير إلا الدمع الغزير - وهي حالة معروفة في النفس البشرية حين يبلغ بها التأثر درجة أعلى من أن يفي بها القول، فيفيض الدمع، ليؤدي ما لا يؤديه القول؛ وليطلق الشحنة الحبيسة من التأثر العميق العنيف. ثم هم لا يكتفون بهذا الفيض من الدمع؛ ولا يقفون موقفا سلبيا من الحق الذي تأثروا به هذا التأثر عند سماع القرآن؛ والشعور بالحق الذي يحمله والإحساس بما له من سلطان.. إنهم لا يقفون موقف المتأثر الذي تفيض عيناه بالدمع ثم ينتهي أمره مع هذا الحق! إنما هم يتقدمون ليتخذوا من هذا الحق موقفا إيجابيا صريحا.. موقف القبول لهذا الحق، والإيمان به، والإذعان لسلطانه، وإعلان هذا الإيمان وهذا الإذعان في لهجة قوية عميقة صريحة: {يقولون: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين؟}.. إنهم أولاً يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه. ثم يدعونه - سبحانه - أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق؛ وأن يسلكهم في سلك الأمة القائمة عليه في الأرض.. الأمة المسلمة، التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق، وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر.. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة؛ ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة؛ ويدعونه - سبحانه - أن يكتبهم في سجلها.. ثم هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوق عن الإيمان بالله؛ أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لايؤمنوا به، ولا يأملوا - بهذا الإيمان - أن يقبلهم ربهم، ويرفع مقامهم عنده، فيدخلهم مع القوم الصالحين: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين؟}.. فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق.. موقف الاستماع والمعرفة، ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر، ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة، مع دعاء الله - سبحانه - أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق؛ الذين يؤدون شهادتهم سلوكاً وعملاً وجهاداً لإقراره في الأرض، والتمكين له في حياة الناس. ثم وضوح الطريق في تقديرهم وتوحده؛ بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد: هو طريق الإيمان بالله، وبالحق الذي أنزله على رسوله، والأمل - بعد ذلك - في القبول عنده والرضوان. ولا يقف السياق القرآني هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا من الذين قالوا: إنا نصارى؛ وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله الى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحق؛ وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح، بالإيمان المعلن، والانضمام إلى الصف المسلم؛ والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال؛ والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصف الشاهد لهذا الحق على هذا النحو؛ مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين.. لا يقف السياق القرآني عند هذا الحد في بيان أمر هؤلاء الذين يقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا. بل يتابع خطاه لتكملة الصورة، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلاً: {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. وذلك جزاء المحسنين}.. لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم؛ وصدق عزيمتهم على المضي في الطريق؛ وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدين الجديد الذي دخلوا فيه؛ ولهذا الصف المسلم الذي اختاروه، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة - بكل تكاليفها في النفس والمال - منة يمن الله بها على من يشاء من عباده؛ واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضي فيه؛ ورجاءهم في ربهم أن يدخلهم مع القوم الصالحين.. لقد علم الله منهم هذا كله؛ فقبل منهم قولهم، وكتب لهم الجنة جزاء لهم؛ وشهد لهم - سبحانه - بأنهم محسنون، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين: {فأثابهم الله - بما قالوا - جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.. وذلك جزاء المحسنين..}. والإحسان أعلى درجات الإيمان والإسلام.. والله - جل جلاله - قد شهد لهذا الفريق من الناس أنه من المحسنين. هو فريق خاص محدد الملامح هذا الذي يقول عنه القرآن الكريم: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى}.. هو فريق لا يستكبر عن الحق حين يسمعه، بل يستجيب له تلك الاستجابة العميقة الجاهرة الصريحة. وهو فريق لا يتردد في إعلان استجابته للإسلام، والانضمام للصف المسلم؛ والانضمام إليه بصفة خاصة في تكاليف هذه العقيدة؛ وهي أداء الشهادة لها بالاستقامة عليها والجهاد لإقرارها وتمكينها. وهو فريق علم الله منه صدق قوله فقبله في صفوف المحسنين.. ولكن السياق القرآني لا يقف عند هذا الحد في تحديد ملامح هذا الفريق المقصود من الناس الذين تجدهم أقرب مودة للذين آمنوا. بل إنه ليمضي فيميزه من الفريق الآخر من الذين قالوا: إنا نصارى. ممن يسمعون هذا الحق فيكفرون به ويكذبون، ولايستجيبون له، ولا ينضمون إلى صفوف الشاهدين: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}.. والمقصود قطعاً بالذين كفروا وكذبوا في هذا الموضع هم الذين يسمعون - من الذين قالوا إنا نصارى - ثم لا يستجيبون.. والقرآن يسميهم الكافرين كلما كانوا في مثل هذا الموقف. سواء في ذلك اليهود والنصارى؛ ويضمهم إلى موكب الكفار مع المشركين سواء؛ ما داموا في موقف التكذيب لما أنزل الله على رسوله من الحق؛ وفي موقف الامتناع عن الدخول في الإسلام الذي لا يقبل الله من الناس ديناً سواه.. نجد هذا في مثل قول الله سبحانه: {أية : لم يكن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين - منفكين حتى تأتيهم البينة }.. {أية : إن الذين كفروا من - أهل الكتاب والمشركين - في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية }.. {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة }.. {أية : لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم }.. {أية : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم }.. تفسير : فهو تعبير مألوف في القرآن، وحكم معهود.. وهو يأتي هنا للتفرقة بين فريقين من الذين قالوا: إنا نصارى؛ وللتفرقة بين موقف كل فريق منهما تجاه الذين آمنوا؛ وللتفرقة كذلك بين مصير هؤلاء وأولئك عند الله.. هؤلاء لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين. وأولئك أصحاب الجحيم.. وليس كل من قالوا: إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا}.. كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها.. إنما هذا الحكم مقصور على حالة معينة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضاً، ولا ملامحها مجهلة، ولا موقفها متلبساً بموقف سواها في كثير ولا قليل.. ولقد وردت روايات لها قيمتها في تحديد من هم النصارى المعنيون بهذا النص: أورد القرطبي في تفسيره: "وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه، لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن اسحاق وغيره - خوفاً من المشركين وفتنتهم؛ وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب. فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة. فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا له برجلين من ذوي رأيكم يعطيكم من عنده، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر. فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة بهدايا. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي؛ فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم. ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ سورة "مريم" فقاموا تفيض أعينهم من الدمع. فهم الذين أنزل الله فيهم: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى} وقرأ إلى {الشاهدين} (رواه أبو داود. قال: حدثنا محمد بن مسلمة المرادي، قال: حدثنا ابن وهب. قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي بكر عبدالرحمن بن الحرث بن هشام. وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير: أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة. وساق الحديث بطوله. "وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال: قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرون رجلاً وهو بمكة، أو قريب من ذلك، من النصارى حين ظهر خبره، من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما أرادوا، دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الله عز وجل، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطل مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم، ما نعلم ركباً أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألو أنفسنا خيراً.. فيقال: إن النفر النصارى من أهل نجران. ويقال: إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات: {أية : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون}تفسير : إلى قوله: {أية : لا نبتغي الجاهلين }. تفسير : "وقيل: إن جعفراً وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن. فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة "يس" إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا به، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. فنزلت فيهم {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى}.. يعني وفد النجاشي. وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد بن جبير: وأنزل الله فيهم أيضاً {أية : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون}تفسير : إلى قوله {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين}تفسير : إلى آخر الآية. وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلاً من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية وستين من أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم". وهذا الذي نقرره في معنى هذا النص؛ والذي يدل عليه السياق بذاته، وتؤيده هذه الروايات التي أسلفنا، هو الذي يتفق مع بقية التقريرات في هذه السورة وفي غيرها عن موقف أهل الكتاب عامة - اليهود والنصارى - من هذا الدين وأهله. كما أنه هو الذي يتفق مع الواقع التاريخي الذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرناً. إن السورة وحدة في اتجاهها وظلالها وجوها وأهدافها؛ وكلام الله سبحانه لا يناقض بعضه بعضاً. {أية : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}تفسير : وقد وردت في هذه السورة نفسها نصوص وتقريرات، تحدد معنى هذا النص الذي نواجهه هنا وتجلوه.. نذكر منها: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين }.. {أية : قل: يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوارة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، فلا تأس على القوم الكافرين }.. تفسير : كذلك جاء في سورة البقرة: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل: إن هدى الله هو الهدى؛ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير }.. تفسير : كذلك صدّق الواقع التاريخي ما حذر الله الأمة المسلمة إياه؛ من اليهود ومن النصارى سواء. وإذا كان الواقع التاريخي قد حفظ لليهود وقفتهم النكدة للإسلام منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الإسلام عليهم المدينة؛ في صورة كيد لم ينته ولم يكف حتى اللحظة الحاضرة؛ وإذا كان اليهود لا يزالون يقودون الحملة ضد الإسلام في كل أرجاء الأرض اليوم في حقد خبيث وكيد لئيم.. فإن هذا الواقع قد حفظ كذلك للنصارى الصليبيين أنهم اتخذوا من الإسلام موقف العداء منذ واقعة اليرموك بين جيش المسلمين وجيوش الروم - فيما عدا الحالات التي وقع فيها ما تصفه الآيات التي نحن بصددها فاستجابت قلوب للإسلام ودخلت فيه. وفيما عدا حالات أخرى آثرت فيها طوائف من النصارى أن تحتمي بعدل الإسلام من ظلم طوائف أخرى من النصارى كذلك؛ يلاقون من ظلمها الوبال! - أما التيار العام الذي يمثل موقف النصارى جملة فهو تلك الحروب الصليبية التي لم يخب أوارها قط - إلا في الظاهر - منذ التقى الإسلام والرومان على ضفاف اليرموك! لقد تجلت أحقاد الصليبية على الإسلام وأهله في الحروب الصليبية المشهورة طوال قرنين من الزمان، كما تجلت في حروب الإبادة التي شنتها الصليبية على الإسلام والمسلمين في الأندلس، ثم في حملات الاستعمار والتبشير على المماليك الإسلامية في إفريقية أولاً، ثم في العالم كله أخيراً.. ولقد ظلت الصهيونية العالمية والصليبة العالمية حليفتين في حرب الإسلام - على كل ما بينهما من أحقاد - ولكنهم كانوا في حربهم للإسلام كما قال عنهم العليم الخبير: {أية : بعضهم أولياء بعض}تفسير : حتى مزقوا دولة الخلافة الأخيرة. ثم مضوا في طريقهم ينقضون هذا الدين عروة عروة. وبعد أن أجهزوا على عروة "الحكم" ها هم أولاء يحاولون الإجهاز على عروة "الصلاة"! ثم ها هم أولاء يعيدون موقف اليهود القديم مع المسلمين والوثنيين. فيؤيدون الوثنية حيثما وجدت ضد الإسلام. عن طريق المساعدات المباشرة تارة، وعن طريق المؤسسات الدولية التي يشرفون عليها تارة أخرى! وليس الصراع بين الهند وباكستان على كشمير وموقف الصليبية منها ببعيد. وذلك فوق إقامة واحتضان وكفالة الأوضاع التي تتولى سحق حركات الإحياء والبعث الإسلامية في كل مكان على وجه الأرض. وإلباس القائمين بهذه الأوضاع أثواب البطولة الزائفة ودق الطبول من حولهم، ليستطيعوا الإجهاز على الإسلام، في زحمة الضجيج العالمي حول الأقزام الذين يلبسون أردية الأبطال! هذا موجز سريع لما سجله الواقع التاريخي طوال أربعة عشر قرناً؛ من مواقف اليهودية والصليبية تجاه الإسلام؛ لا فرق بين هذه وتلك؛ ولا افتراق بين هذا المعسكر وذاك في الكيد للإسلام، والحقد عليه، والحرب الدائبة التي لا تفتر على امتداد الزمان. وهذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً؛ فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة؛ التي تنظر إلى أوائل مثل هذا النص القرآني - دون متابعة لبقيته؛ ودون متابعة لسياق السورة كله، ودون متابعة لتقريرات القرآن عامة، ودون متابعة للواقع التاريخي الذي يصدق هذا كله - ثم تتخذ من ذلك وسيلة لتخدير مشاعر المسلمين تجاه المعسكرات التي تضمر لهم الحقد وتبيت لهم الكيد؛ الأمر الذي تبذل فيه هذه المعسكرات جهدها، وهي بصدد الضربة الأخيرة الموجهة إلى جذور العقيدة. إن هذه المعسكرات لا تخشى شيئاً أكثر مما تخشى الوعي في قلوب العصبة المؤمنة - مهما قل عددها وعدتها - فالذين ينيمون هذا الوعي هم أعدى أعداء هذه العقيدة. وقد يكون بعضهم من الفرائس المخدوعة؛ ولكن ضررهم لا يقل - حينئذ - عن ضرر أعدى الأعداء، بل إنه ليكون أشد أذى وضراً. إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم؛ وهو لا يناقض بعضه بعضاً فلنقرأه إذن على بصيرة..

ابن عاشور

تفسير : فذلكة لما تقدّم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين؛ فإنّ الله شنّع من أحوال اليهود ما يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال: {أية : وليزيدَنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً}تفسير : [المائدة: 64]، فكرّرها مرّتين وقال: {أية : ترى كثيراً منهم يتولّون الذين كفروا}تفسير : [المائدة: 80] وقال: {أية : وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا وقد دخلوا بالكفر}تفسير : [المائدة: 61] فعلم تلوّنهم في مضارّة المسلمين وأذاهُم. وذَكر من أحوال النصارى ما شنّع به عقيدتهم ولكنّه لم يحك عنهم ما فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتّخاذ الفريقين أولياء في قوله: {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء}تفسير : [المائدة: 51] الآية. فجاء قوله: {لتجدنّ أشدّ الناس عداوة} الآية فذلكة لحاصل ما تكنّه ضمائر الفريقين نحو المسلمين، ولذلك فُصلت ولم تعطف. واللام في {لتَجدنّ} لام القسم يقصد منها التأكيد، وزادته نون التوكيد تأكيداً. والوجدان هنا وِجدانٌ قلبي، وهو من أفعال العِلم، ولذلك يُعدّى إلى مفعولين، وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ولتجدنّهم أحرصَ الناس على حياة} تفسير : في سورة البقرة (96). وانتصب {عداوة} على تمييز نسبة {أشدّ} إلى النّاس، ومثله انتصاب {مودّة}. وذكر المشركين مع اليهود لمناسبة اجتماع الفريقين على عداوة المسلمين، فقد ألّف بين اليهود والمشركين بُغض الإسلام؛ فاليهود للحسد على مجيء النبوءة من غيرهم، والمشركون للحسد على أن سبقهم المسلمون بالاهتداء إلى الدين الحقّ ونبذ الباطل. وقوله: {ولتجدنّ أقربهم مودّة} أي أقرب النّاس مودّة للذين آمنوا، أي أقرب الناس من أهل الملل المخالفة للإسلام. وهذان طرفان في معاملة المسلمين. وبين الطرفين فِرق متفاوتة في بغض المسلمين، مثل المجوس والصابئة وعبدة الأوثان والمعطّلة. والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة، لقوله: {أقربهم مودّة للذين آمنوا}. فأمّا من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين. وقد تقدّم الكلام على نظير قوله: {الذين قالوا إنّا نصارى} في قوله تعالى: {أية : ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم}تفسير : [المائدة: 14]، المقصودِ منه إقامة الحجّة عليهم بأنّهم التزموا أن يكونوا أنصاراً لله {أية : قال الحواريّون نحن أنصار اللّهِ}تفسير : [الصف: 14]، كما تقدّم في تفسير نظيره. فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودّة المسلمين فيتّبعوا دين الإسلام. وقوله: {ذلك} الإشارة إلى الكلام المتقدّم، وهو أنّهم أقرب مودة للذين آمنوا. والباء في قوله: {بأنّ منهم قسّيسين} باء السببية، وهي تفيد معنى لام التعليل. والضمير في قوله {منهم} راجع إلى النصارى. والقِسّيسون جمع سلامة لقِسّيس بوزن سِجّين. ويقال قَسّ ـــ بفتح القاف وتشديد السين ـــ وهو عالم دين النصرانية. وقال قطرب: هي بلغة الروم. وهذا ممّا وقع فيه الوفاق بين اللغتين. والرهبان هنا جمع راهب، مثل رُكْبان جمع راكب، وفُرسان جمع فارس، وهو غير مقيس في وصففٍ على فاعل. والراهب من النصارى المنقطع في دير أو صومعة للعبادة. وقال الراغب: الرهبان يكون واحداً وجمعاً، فمَن جعله واحداً جمعَه على رهابين ورَهابنة. وهذا مروي عن الفرّاء. ولم يحك الزمخشري في الأساس أنّ رهبان يكون مفرداً. وإطلاقه على الواحد في بيت أنشده ابن الأعرابي:شعر : لو أبصَرَتْ رهبانَ دَير بالجَبل لانحدر الرّهْبان يَسْعى ويزِل تفسير : وإنّما كان وجود القسّيسين والرهبان بينهم سبباً في اقتراب مودّتهم من المؤمنين لما هو معروف بين العرب من حُسن أخلاق القسّيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم. وكانوا منتشرين في جهات كثيرة من بلاد العرب يعمّرون الأديرة والصَوامع والبِيع، وأكثرهم من عرب الشام الذين بلغَتْهم دعوة النصرانية على طريق الروم، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام شعرائهم. قال النابغة:شعر : لو أنَّها برزت لأشمَط راهِب عبدَ الإله صَرورة مُتَعَبِّد لرَنَا لطلعتها وحسن حديثها ولخَالَه رَشداً وإن لَم يَرْشَد تفسير : فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم ممّا يكون سبباً في صلاح أخلاق أهل ملّتهم. والاستكبار: السين والتاء فيه للمبالغة. وهو يطلق على التكبّر والتعاظم، ويطلق على المكابرة وكراهية الحقّ، وهما متلازمان. فالمراد من قوله: {لا يستكبرون} أنَّهم متواضعون منصفون. وضمير {وأنّهم لا يستكبرون} يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير {بأنّ منهم}، أي وأنّ الذين قالوا إنّا نصارى لا يستكبرون، فيكون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملّة النصرانية في ذلك العصر. وقد كان نصارى العرب متحلِّينَ بمكارم من الأخلاق. قال النابغة يمدح آل النعمان الغساني وكانوا متنصّرين:شعر : مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلهِ ودينُهم قويم فما يرجُون غيرَ العواقب ولا يحسبون الخيرَ لا شرّ بعده ولا يحسبون الشرّ ضربة لاَزب تفسير : وظاهر قوله {الّذين قالوا إنّا نصارى} أنّ هذا الخُلُق وصف للنصارى كلّهم من حيث إنّهم نصارى فيتعيّن أن يحمل الموصول على العموم العُرفي، وهم نصارى العرب، فإنّ اتّباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضَمّ إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارمَ أخلاق دينية، كما كان عليه زهير ولبيد ووَرقة بنُ نوفل وأضرابهم. وضمير {وأنّهم لا يستكبرون} عائد إلى {قسّيسين ورهباناً} لأنّه أقرب في الذكر، وهذا تشعر به إعادة قوله {وأنّهم}، ليكون إيماء إلى تغيير الأسلوب في معاد الضمير، وتَكون ضمائر الجمع من قوله {وإذا سَمعوا} [المائدة: 83] إلى قوله {أية : فأثابهم الله}تفسير : [المائدة: 85] تابعة لضمير {وأنّهم لا يستكبرون}. وقرينة صرف الضمائر المتشابهة إلى مَعَادَين هي سياق الكلام. ومثله وارد في الضمائر كقوله تعالى: {أية : وعَمَرُوها أكْثَرَ ممَّا عَمَرُوها}تفسير : [الروم: 9]. فضمير الرفع في {عمروها} الأول عائد إلى غير ضمير الرفع في عمروها الثاني. وكقول عبّاس بن مرداس:شعر : عُدْنَا ولولاَ نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بالمسلمين وأحرزُوا مَا جَمَّعوا تفسير : يريد بضمير (أحرزوا) جماعة المشركين، وبضمير (جمَّعوا) جماعة المسلمين. ويعضّد هذا ما ذكره الطبري والواحدي وكثير من المفسّرين عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما: أنّ المعنيّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستّين راهِباً من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن وأسلموا. وهم: بَحِيرا الراهب، وإدريس، وأشرف، وأبرهة، وثمامة، وقثم، ودريد، وأيمن، أي مِمَّن يحسنون العربية ليتمكّنوا من فهم القرآن عند سماعه. وهذا الوفد ورد إلى المدينة مع الذين عادوا من مهاجرة الحبشة، سنة سبع فكانت الإشارة إليهم في هذه الآية تذكيراً بفضلهم. وهي من آخر ما نزل ولم يعرف قوم معيّنون من النصارى أسلموا في زمن الرسول. ولَعلّ اللّهَ أعلَم رسوله بفريق من النصارى آمنوا بمحمد في قلوبهم ولم يتمكّنوا من لقائه ولا من إظهار إيمانهم ولم يبلغهم من الشريعة إلاّ شيء قليل تمسّكوا به ولم يعلموا اشتراط إظهار الإيمان المسمّى بالإسلام، وهؤلاء يشبه حالهم حالَ من لم تبلغه الدعوة، لأنّ بلوغ الدعوة متفاوت المراتب. ولعلّ هؤلاء كان منهم من هو بأرض الحبشة أو باليمن. ولا شكّ أنّ النجاشي (أصْحَمة) منهم. وقد كان بهذه الحالة أخبر عنه بذلك النّبيء. والمقصود أنّ الأمّة التي فيها أمثال هؤلاء تكون قريبة من مودّة المسلمين. والرسول هو محمّد كما هو غالب عليه في إطلاقه في القرآن. وما أنزل إليه هو القرآن. والخطاب في قوله {تَرى أعينهم} للنبيء صلى الله عليه وسلم إن كان قد رأى منهم مَن هذه صفته، أو هو خطاب لكلّ من يصحّ أن يَرى. فهو خطاب لغير معيّن ليعمّ كلّ من يخاطب. وقوله: {تفيض من الدمع} معناه يفيضُ منها الدمع لأنّ حقيقة الفيض أن يسند إلى المائع المتجاوز حَاوِيه فيسيل خارجاً عنه. يقال: فاض الماء، إذا تجاوز ظرفه. وفاض الدمع إذا تجاوز ما يغرورق بالعين. وقد يسند الفَيْض إلى الظرف على طريقة المجاز العقلي، فيقال: فاض الوادي، أي فاض ماؤُه، كما يقال: جَرَى الوادي، أي جرى ماؤه. وفي الحديث: «حديث : ورَجُل ذكر الله خَالياً فَفَاضَتْ عيناه»تفسير : . وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسنادِ المجازي فيقولون: فاضت عينه دمعاً، بتحويل الإسناد المسمّى تمييزَ النسبة، أي قرينة النسبة المجازية. فأمّا ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع أن يكون (مِنْ) الداخلة على الدمع هي البَيانية التي يجرّ بها اسم التمييز، لأنّ ذلك عندهم ممتنع في تمييز النسبة، فتكون الآية منسوجة على منوال القلب للمبالغة، قُلِب قولُ الناس المتعارف: فاضَ الدمع من عيننِ فلان، فقيل: {أعينَهم تفيض من الدمع}، فحرف (مِن) حرف ابتداء. وإذا أجري على قول نحاة الكوفة كانت (مِن) بيانية جارّة لاسم التمييز. وتعريف الدمع تعريف الجنس، مثل: طبتَ النَّفْسَ. و(مِنْ) في قوله {مِمَّا عرفوا} تعليلية، أي سببُ فيضها ما عرفوا عند سماع القرآن من أنّه الحقّ الموعود به. فــ{مِن} قائمة مقام المفعول لأجله كما في قوله: {أية : تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنا}تفسير : [التوبة: 92]، أي ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بَشّر به، وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين. و(مِن) في قوله {من الحقّ} بيانية. أي ممّا عرفوا، وهو الحقّ الخاصّ. أو تبعيضية، أي ممّا عرفوه وهو النبي الموعود به الذي خبره من جملة الحقّ الذي جاء به عيسى والنبيئون من قبله. وجملة {يقولون} حال، أي تفيض أعينهم في حال قولهم هذا. وهذا القول يجوز أن يكون علناً، ويجوز أن يكون في خويّصتهم. والمراد بالشاهدين الذين شهدوا بعثة الرسل وصدّقوهم. وهذه فضيلة عظيمة لم تحصُل إلاّ في أزمان ابتداء دعوة الرسل ولا تحصل بعد هذه المرّة. وتلك الفضيلة أنّها المبادرة بتصديق الرسُل عند بعثتهم حين يكذبِهم الناس بادىءَ الأمر. كما قال ورقة: يا ليتني أكون جَذعاً إذْ يُخرجك قومك. أي تكذيباً منهم. أو أرادوا فاكتبنا مع الشاهدين الذين أنبأهم عيسى ـــ عليه السلام ـــ ببعثة الرسول الذي يجيء بعده، فيكونوا شهادة على مجيئه وشهادة بصدق عيسى. ففي إنجيل متّى عدد24 من قول عيسى «ويقومُ أنبياء كذَبَة كثيرون ويُضِلّون كثيرين ولكن الذي يصبِر إلى المنتهى فهذا يخلص ويفوز ببشارة الملكوت هذه شهادةً لجميع الأمم». وفي إنجيل يُوحَنَّا عدد15 من قول عيسى «ومتى جاء المُعَزّى روحُ الحقّ الذي من عند الأببِ ينبثقُ فهو يشهدُ لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معي من الابتداء». وإنّ لِكلمة {الحقّ} وكلمة {الشاهِدين} في هذه الآية موقعاً لا تغني فيه غيرهما لأنّهما تشيران إلى ما في بشارة عيسى ـــ عليه السلام ـــ. وقوله: {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحقّ}، هو من قولهم، فيحتمل أنّهم يقولونه في أنفسهم عندما يخامرهم التردّد في أمر النزوع عن دينهم القديم إلى الدخول في الإسلام. وذلك التردّد يعرض للمعتقد عند الهمّ بالرجوع في اعتقاده وهو المسمّى بالنظر؛ ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعارضهم من أهل ملّتهم أو من إخوانهم ويشكّكهم فيما عزموا عليه، ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعيّرهم من اليهود أو غيرهم بأنّهم لم يتصلّبوا في دينهم. فقد قيل: إنّ اليهود عَيّروا النفر الذين أسلموا، إذا صحّ خبر إسلامهم. وتقدّم القول في تركيب «ما لنا لا نفعل» عند قوله تعالى: {أية : وما لكم لا تُقاتلون في سبيل الله} تفسير : في سورة النساء (75). وجملة {ونطمَع} يجوز أن تكون معطوفة على جملة {ما لنا لا نؤمن}. ويحتمل أن تكون الواو للحال، أي كيف نترك الإيمان بالحقّ وقد كنّا من قبل طامعين أن يجعلنا ربّنا مع القوم الصالحين مثل الحواريّين، فكيف نُفلت ما عَنّ لنا من وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة. ولا يصحّ جعلها معطوفة على جملة {نؤمن} لئلا تكون معمولة للنفي، إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع، لأنّ الطمع في الخير لا يتردّد فيه ولا يلام عليه حتّى يَحتاج صاحبه إلى الاحتجاج لنفسه بِــ (ما لنا لا نفعل).

الواحدي

تفسير : {لتجدنَّ} يا محمد {أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود} وذلك أنَّهم ظاهروا المشركين على المؤمنين حسداً للنبيِّ عليه السَّلام {ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} يعني: النَّجاشي ووفده الذين قدموا من الحبشة على رسول الله صلى الله وعليه وسلم وآمنوا به، ولم يرد جميع النَّصارى {ذلك} [يعني: قرب المودَّة] {بأنَّ منهم قسيسين ورهباناً} أَيْ: علماء بوصاة عيسى بالإِيمان بمحمَّد عليه السَّلام {وأنهم لا يستكبرون} عن اتِّباع الحقِّ كما يستكبر اليهود وعبدة الأوثان. {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} يعني: النجاشيَّ وأصحابه، قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة {كهعيص} فما زالوا يبكون، وهو قوله: {ترى أعينهم تَفيضُ من الدمع ممَّا عرفوا من الحق} يريد: الذي نزل على محمَّد وهو الحقُّ {يقولون ربنا آمنا} وصدَّقنا {فاكتبنا مع الشاهدين} مع أمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحقِّ. {ومالنا لا نؤمن بالله} أَيْ: أيُّ شيءٍ لنا إذا تركنا الإِيمان بالله {وما جاءنا من الحق} أَيْ: القرآن {و} نحن {نطمع أن يدخلنا ربنا} الجنَّة مع أمَّة محمَّد عليه السَّلام. يعنون: أنَّهم لا شيء لهم إذا لم يؤمنوا بالقرآن، ولا يتحقق طمعهم في دخول الجنَّة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 82- نؤكد لك - أيها النبى - أنك تجد أشد الناس حقداً وكراهية لك، ولمن آمن بك هم اليهود والذين أشركوا مع الله غيره فى العبادة، وتجد أن أقرب الناس مودة ومحبة لك هم أتباع عيسى الذين سموا أنفسهم نصارى، لأن فيهم قسيسين يعلمون دينهم، ورهباناً يخشون ربهم، ولأنهم لا يستكبرون عن سماع الحق. 83- ولأنهم إذا سمعوا القرآن الذى أنزل على الرسول يتأثرون به، فتفيض عيونهم بالدمع، لمعرفتهم أن الذى سمعوه حق، فتميل إليه قلوبهم، وتنطلق ألسنتهم بالدعاء لله قائلين: ربنا آمنا بك وبرسلك، وبالحق الذى أنزلته عليهم، فتقبل إيماننا، واجعلنا من أمة محمد الذين جعلتهم شهداء وحُجة على الناس يوم القيامة. 84- وأى مانع يمنعنا من أن نصدق بالله - وحده - وبما جاءنا من الحق المنزل على محمد؟ ونحن نرجو أن يدخلنا ربنا الجنة مع القوم الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم. 85- فكتب الله لهم ثواباً لاعترافهم، هو جنات تجرى الأنهار تحت أشجارها وقصورها، وهم ماكثون فيها دائماً. وذلك الجزاء الذى نالوه هو جزاء كل محسن مثلهم. 86- والذين جحدوا بالله ورسله. وأنكروا أدلته التى أنزلها عليهم هداية للحق هم - وحدهم - الملازمون للعذاب الشديد فى جهنم. 87- يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا على أنفسكم ما أحلَّ الله لكم من الطيبات، ولا تتجاوزوا الحدود التى شرعها الله لكم من التوسط فى أموركم، إن الله لا يحب المتجاوزين للحدود.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: عداوة: العداوة: بغض نفسي تجعل صاحبها بعيداً ممن يعاديه فلا يصله بخير، ولا يقربه بمودة، وقد تحمله على إرادة الشر بالعدو. مودة: المودة: حب نفسي يجعل صاحبه يتقرب إلى من يوده بالخير ودفع الشر. قسيسين: جمع قسيس: وهو الرئيس الديني لعلمه عند النصارى. ورهباناً: الرهبان: جمع راهب: مشتق من الرهبة وهو الرجل في النصارى يتبتل وينقطع للعبادة في دير أو صومعة. ما أنزل إلى رسول: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه آيات القرآن الكريم الدالة على تشريف عيسى ووالدته مريم عليهما السلام، وأن عيسى عبد الله. الشاهدين: جمع شاهد: من شهد لله بالوحدانية وللنبي محمد بالرسالة واستقام على ذلك. الصالحين: جمع صالح: وهو من أدّى حقوق الله تعالى كاملة من الإِيمان به وشكره على نعمه بطاعته، وأدّى حقوق الناس كاملة من الإِحسان إليهم، وكف الأذى عنهم. فأثابهم الله بما قالوا: جزاهم بما قالوا من الإِيمان ووُفِّقوا له من العمل جنات تجري من تحتها الأنهار. معنى الآيات: يخبر تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بعداوة كل من اليهود والمشركين للمؤمنين وأنهم أشد عداوة من غيرهم، فيقول {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أما اليهود فلما توارثوه خَلفاً عن سلف من إنكار الحق. والوقوف في وجه دعاته، إضافة إلى أن أملهم في إعادة مجدهم ودولتهم يتعارض مع الدعوة الإِسلامية وأما المشركون فلجهلهم وإسرافهم في المحرمات وما ألفوه لطول العهد من الخرافات والشرك والضلالات. كما أخبر تعالى أن النصارى هم أقرب مودة للذين آمنوا فقال: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} وعلل تعالى لهذا القرب من المودة بقوله: {ذٰلِكَ...} أي كان ذلك بسبب أن منهم قسِّيسين ورهباناً فالقسيسون علماء بالكتاب رؤساء دينيّون غالباً ما يؤثرون العدل والرحمة والخير على الظلم والقسوة والشر والرهبان لانقطاعهم عن الدنيا وعدم رغبتهم فيها ويدل عليه قوله: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن الحق وقبوله والقول به ولذا لما عمت المادية المجتمعات النصرانّية، وانتشر فيها الإِلحاد والإِباحية قلّت تلك المودة للمؤمنين إن لم تكن قد انقطعت. أما قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} فالمعنيُّ بها من أسلم من النصارى بمجرد أن تُلي عليهم القرآن وسمعوه كأصحمة النجاشي وجماعة كثيرة ومعنى قولهم {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} أنهم بعد ما سمعوا القرآن تأثروا به فبكوا من أجل ما عرفوا من الحق وسألوا الله تعالى أن يكتبهم مع الشاهدين ليكونوا معهم في الجنة، والشاهدون هم الذين شهدوا لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، وأطاعوا الله ورسوله من هذه الأمة وقولهم: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ} فإن معناه: أي شيء يمنعنا من الإِيمان بالله رباً وإلهاً واحداً لا شريك له ولا ولد ولا والد. وبما جاء من الحق في توحيده تعالى ونبّوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الطمع في أن يدخلنا ربنا الجنة مع الصالحين من هذه الأمة. ولما قالوا هذا أخبرهم تعالى أنه أثابهم به {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}، وأخبر تعالى أن ذلك الجزاء الذي جزاهم به هو {جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وهم الذين أحسنوا القول والعمل مع سلامة عقائدهم، وطهارة أرواحهم حيث لم يتلوثوا بالشرك والمعاصي ثم أخبر تعالى بأن الذين كفروا بالله إلهاً واحداً وبرسوله نبياً ورسولاً، وكذبوا بآياته القرآنية أولئك البعداء هم أصحاب الجحيم الذين لا يفارقونها أبداً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عظم عداوة اليهود والمشركين للإِسلام والمسلمين. 2- قرب النصارى الصادقين في نصرانيتهم من المسلمين. 3- فضيلة التواضع، وقبح الكبر. 4- فضل هذه الأمة وكرامتها على الأمم قبلها. 5- فضل الكتابي إذا أسلم. وحسن إسلامه. 6- بيان مصير الكافرين والمكذبين وهو خلودهم في نار جهنم. 7- استعمال القرآن أسلوب الترغيب والترهيب بذكره الوعيد بعد الوعد.

القطان

تفسير : العداوة: البغضاء. المودة: المحبة. القَس: جمعه قُسوس، والقسيس: جمعه قسيسون، الذي يكون بين الشمّاس، والكاهن. الراهب: العابد المنقطع عن الناس في دير أو صومعة حرم نفسه فيها من التنعم بالزواج ولَذَّات الطعام. تفيض من الدمع: تمتلىء دمعا حتى يتدفق من جوانبها. مع الشاهدين: الذين شهدوا وصدّقوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فأثابهم: جازاهم. نزلت هذه الآيات في نجاشي الحبَشَة وأصحابه، حين هاجر فريق من المسلمين إلى هناك. قالت أم سَلَمة وكانت من المهاجرات الى الحبشة قبل ان يتزوجها الرسول الكريم: لما نزلنا بأرض الحبشة جاوَرَنا بها خيرُ جارٍ، النجاشي.. امِنّا على ديننا وعبدْنا الله تعالى لا نؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه. وقد بقي المهاجرون فيها الى ان هاجر الرسول الكريم الى المدينة، ولم يقدِروا الوصول اليه، فقد حالت بينهم وبينه الحرب. فلما كانت وقعة بدر وقُتل فيها صناديد قريش، قال كفار قريش: ان ثأركم بأرض الحبشة، فابعثوا الى سيّدها رجلين من ذوي الرأي فيكم مع هدايا له ولرجاله لعلّه يعطيكم مَن عنده فتقتلونهم بقتلى بدر. فبعث كفار قريش عمرو بن العاص، وعبد الله بن ابي ربيعة بهدايا. فخرجا حتى قدما على النجاشي، فأهدَوا الى البطارقة مما معهما من الهدايا، وطلبوا منهم ان يساعدوهما عند الملك بأن يسلّمهما أولئك المهاجرين. ثم قابلا النجاشي وقدّما له هداياهما فقبلها منهما. ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، قد جاء الى بلدك غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤا بدينٍ ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد بعثنا من آبائهم وأعمامهم أشرافُ قومهم لتردهم إليهم. فقالت بطارقته حوله: صدَقا أيها الملك، فأسلمْهُم إليهما. فغضب النجاشي ثم قال: لا واللهِ لا أُسلمهم حتى أدعوَهم، فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم. ثم أرسَل إليهم. فلما جاؤا، قال لهم النجاشي وأساقفته: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد؟ فقام جعفر بن ابي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قوماً أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف. وظللنا على ذلك حتى بعث الله الينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وعفافه، فدعانا الى الله، أن نوحّده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد قبله من الحجارة والأوثان. ولقد أمرَنا بصِدق الحديث، وأداء الامانة، وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء. كما نهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكلِ مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا ان نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدّقناه وآمّنا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله... فعدا علينا قومُنا فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا لنرتدّ الى عبادة الأوثان... فلمّا قهرونا وضيقوا علينا، خرجنا الى بلادك، ورغبنا في جوارك. فقال النجاشي: هل معك مما جاء به من الله من شيء؟ قال جعفر: نعم أول سورة مريم. قالت أم سلمة: فبكى والله النجاشي، حتى اخضلّت لحيته. وبكت اساقفته حين سمعوا ما تلا جعفر. ثم قال النجاشي: ان هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. إنطلِقا، فوالله لا أسلّمهم إليكما. الخ القصة. فهذه القصة من أسباب نزول هذه الآيات. فبعد أن حاجّ اللهُ تعالى أهل الكتاب، وذكر مخالفتهم لكتبهم وأنبيائهم، وانهم اتخذوا الاسلام هزواً ولعبا، وبلغت الجرأة باليهود ان يتطاولوا على الله بقولهم {يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}، وان النصارى اعتقدوا بأن المسيح ابن الله ـ ذكر هنا احوالهم في عداوتهم للمؤمنين، أو محبتهم لهم. ومقدار تلك العداوة أو المحبة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} قسَمَاً أيها الرسول لسوف تجد أشد الناس عداوة لك وللمؤمنين معك، اليهودَ والمشركين من عبدة الاصنام. وقد وقع ذلك. فإن أشد إيذاء واجهه النبي عليه السلام إنما كان من اليهود في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب، ولا سيما قريش. ويشترك اليهود والمشركون في بعض الصفات والاخلاق، كالتكبّر والغرور، وحب المادّة، والقسوة. والمعروف عن اليهود انهم يعتبرون كل من عداهم لا حرمة له ولا قيمة، فكل مَن كان غير يهودي مباح لهم دمه وماله وعرضه، هذا مقرَّر في تلمودهم. {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} أما أقرب الناس محبة للذين آمنوا بك وصدّقوك فهم النصارى. رأى النبي من نصارى الحبشة أحسن المودة. ولما أرسل كتبه الى الملوك ورؤساء الدول كان النصارى منهم أحسنَ ردا، واستقبالاً للرسل. والواقع ان مودة النصارى للمسلمين في عصر النبي الكريم كانت ظاهرة ملموسة. {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً...} وسببُ تلك المودّة أن فيهم قسيسين يعلّمون دينهم، ورهبانا يخشون ربهم. هذا كما أنهم لا يستكبرون عن سماع الحق واتّباعه. وفيهم من إذا سمعوا القرآن وتأثروا به، فتفيض اعينهم بالدمع. انهم يعرفون ان ما سمعوه حق، فتميل اليه قلوبهم وتنطلق ألسنتهم بالدعاء الى الله قائلين: رنبا آمنا بك وبرسُلك، وبالحق الذي انزلته عليهم، فتقبّل منا إيماننا، واجعلنا مع الشاهدين من أمة محمد الذين جعلتهم حجة على الناس يوم القيامة. وأي مانع يمنعنا من الايمان بالله، وتصديق ما جاء على محمد ونحن نرجو ان يُدخلنا ربنا الجنةَ مع خيرة عباده!! لذا كتب الله لهم ثواباً، جنات تجري من تحتها الانهار، خالدون فيها الى الأبد. هذا جزاء المحسنين من ربهم. اما عقاب المسيئين الى انفسهم بالكفر والجحود والتكذيب، اي: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} فهو الجحيم. انهم أهل النار، وسيبقون في العذاب الشديد الدائم. ويجب ان نوضح هنا موضوعاً مهما، وهو أن النصارى الذين تعنيهم الآية إنما هم اصحاب النجاشي الذين عاصروا النبيّ، وقد جاء بعضهم مع جعفر بن ابي طالب الى المدينة وأسلم. اما اذا استعرضنا النصارى الأوروبيين، وما كادوا للاسلام والمسلمين، وما شنّوه من حروب صليبيّة مجرمة في المشرق الاسلامي كما في الاندلس، وما قاموا به من مذابح يسعّرها التعصب والحقد ـ فإننا لا نجدهم يختلفون عن اليهود. بل إن احقادهم مستمرة في مؤازرة الصهيونية. وقد قلنا سابقا، ونكرر هنا ان هذا لا يشمل النصارى العرب، الذين لم يقصروا في واجبهم نحو وطنهم واخوانهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَدَاوَةً} {آمَنُواْ} {نَصَارَىٰ} (82) - يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ أَكْثَر النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (الذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَاتَّبَعُوهُ)، هُمُ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ. وَإِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ هُمُ النَّصَارَى، الذِينَ قَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ إِنَّهُمْ يُتَابِعُونَ المَسِيحَ عَلَى دِينِهِ، لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، وَلأَِنَّ بَيْنَهُمْ قِسِّيسِينَ يَتَوَلَّوْنَ تَعْلِيمَهُمْ أَحْكَامَ الدِّينِ، وَيُبَصِّرُونَهُمْ بِمَا فِي دِينِهِمْ مِنْ سُمُوٍّ وَآدَابٍ وَفَضَائِلَ، وَلأَِنَّ بَيْنَهُمْ رُهْبَاناً يَضْرِبُونَ لَهُمُ المَثَلَ فِي الزُّهْدِ وَالتَقَشُّفِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِهَا وَفِتْنَتِهَا، وَيُنَمُّونَ فِي نُفُوسِهِم الخَوْفَ مِنَ اللهِ، وَالانْقِطَاعَ لِلْعِبَادَةِ، وَإِنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإِذْعَانِ لِلْحَقِّ، حِينَمَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أَنَّهُ حَقٌّ. (كَانَ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ يَشْتَرِكُونَ فِي بَعْضِ الصِفَاتِ التِي اقْتَضَتْ عَدَاوَتَهُمُ الشَّدِيدَةَ لِلْمُؤْمِنينَ: كَالكِبْرِ وَالعُتُوِّ وَالبَغْيِ وَالأَثَرَةِ وَالقَسْوَةِ، وَضَعْفِ العَاطِفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ (مِنْ حَنَانٍ وَرَحْمَةٍ) وَالعَصَبِيَّةِ القَوْمِيَّةِ. وَكَانَ مُشْرِكُو العَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ أَرَقَّ مِنَ اليَهُودِ قُلُوباً، وَأَعْظَمَ سَخَاءً وَإِيثَاراً، وَأَكْثَرَ حُرِّيَّةً فِي الفِكْرِ وَاسْتِقْلالاً فِي الرَّأْيِ). العَدَاوَةُ - البَغْضَاءُ. المَوَدَّةُ - المَحَبَّةُ. القِسِّيسُ - رَجُلُ الدِّينِ عِنْدَ النَّصَارَى. الرَّاهِبُ - رَجُلُ الدِّينِ مِنَ النَّصَارَى الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيا.

الثعلبي

تفسير : {لَتَجِدَنَّ} يا محمد {أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} يهود أهل المدينة. أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسين، أبو جعفر علي بن محمد بن أحمد الصفار الهمداني، أبو علي عبد اللّه بن علي بن الزبير النخعي، إسماعيل بن بهرام الأشجعي، عباد ابن العوّام عن يحيى بن عبد اللّه عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما خلا يهوديان بمسلم إلاّ همّا بقتله ". تفسير : {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} مشركي العرب {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} لم يرد به جميع النصارى مع ما فيهم من عداوة المسلمين وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وقتلهم وأسرهم وإحراق مصاحفهم لا ولا كرامة لهم وإنما نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه. قال المفسرون: أئتمرت قريش بأن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على محمد فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فأفتن ما أفتن وعصم اللّه منهم من شاء ومنع اللّه رسوله بعمّه أبي طالب فلما رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: "حديث : إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد ". تفسير : فاخرجوا إليه حتى يجعل اللّه للمسلمين فرجاً وأراد به النجاشي وإسمه أصحمة وهو الحبشة عطية فإنما النجاشي إسم الملك كقوله قيصر وكسرى فخرج إليها سراً عشرون رجلاً وأربع نسوة وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية وعثمان بن مضعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة وحاطب بن عمرو وسهيل بن البيضاء فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهذه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين إثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك وجّهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردهم إليه فيعصمهم اللّه وقد ذكرت هذه القصة في سورة آل عمران، فلما انصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هجرته إلى المدينة وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب رسول اللّه (عليه السلام) إلى النجاشي على يدي عمرو بن أمية الضمري يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت هاجرت مع زوجها فمات زوجها وبعث إليه من عنده من المسلمين. فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية لها يقال لها أبرهة فزوجها حطيئة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إياها وأعطتها أوضاحاً لها سروراً بذلك وأمر بها أن يوكل من زوجها فوكلت خالد بن الوليد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول اللّه النجاشي فدعا النجاشي بأربعمائة دينار وأخذها إلى أم حبيبة على يدي أبرهة فلما جاءتها بها أعطتها منها خمسين ديناراً فقالت أبرهة: قد أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئاً فإن أرد الذي أخذت منك وأنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمداً رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرئه منّي السلام قالت: نعم، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكره، فقالت: أم حبيب: فخرجنا في سفينتين وبعث النجاشي معنا الملاحين حتى قدمنا الجار ثم ركبنا الظهر إلى المدينة فوجدنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي وقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : لا أدري أنا بفتح خيبر أشد أم بقدوم جعفر" تفسير : وأنزل اللّه تعالى {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً} تفسير : [الممتحنة: 7] يعني أبا سفيان مودة بتزويج أم حبيبة [فقيل لأبي سفيان وهو يومئذ مشرك يحارب النبي صلى الله عليه وسلم إنّ محمّداً قد نكح ابنتك قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه]. وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إبنه أرها بن أصحمة مع ستين رجلاً من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول اللّه أشهد أنّك رسول اللّه صادقاً مصدقاً وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت للّه رب العالمين، وقد بعثت إليك أرها وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليكم يا رسول اللّه. فركبوا سفينة مع جعفر وأصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ورأى جعفر وأصحابه رسول اللّه في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف منهم إثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم خيرة الحبشة الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وتمام ومريد وأيمن فقرأ عليهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا. حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: جئتنا بما كان ينزل على عيسى (عليه السلام) فأنزل اللّه تعالى فيهم {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً} إلى قوله {النَّصَارَى} يعني وفد النجاشي الذين غرقوا مع جعفر بن أبي طالب وهم السبعون وكانوا أصحاب الصوامع. وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلاً إثنان وثلاثون في الحبشة وثمانية من أهل الشام. عطاء: كانوا ثمانين رجلاً أربعون رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب وإثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميّون من أهل الشام. وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من أهل الحق وكانوا لعيسى يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث اللّه محمداً صدّقوه وآمنوا به فأثنى اللّه عليهم ذلك {بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ}، أي علماء. قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم. وقال ورقة: شعر : بما خبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يعوجا تفسير : وقال عروة بن الزبير حرّفت النصارى الإنجيل فأدخلوا فيه ما ليس منه وكان الذي غيّر ذلك أربعة نفر لوقاس ومرقوس ويحنس ومتيوس، وبقي قيس على الحق وعلى الإستقامة والإقتصاد فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس. عبد اللّه بن يوسف بن أحمد، محمد بن حامد بن محمد التميمي الحسن بن الهيثم السمري، عبد اللّه بن محمد، يحيى بن الحمامي، نصير عن زياد الطائي عن الصلت الدهان عن [حامية] بن رئاب عن سلمان قال: قرأت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك بإن منهم قسيسين ورهباناً فاقرأ في ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً والرهبان العبّاد وهم أصحاب الصوامع وأخذهم راهب مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وأنشد في الواحد: شعر : لو كلمت رهبان دير في القلل لانحدر الرهبان يسعى فنزل تفسير : وأنشد في الجمع: شعر : رهبان مدين لو رأوك تنزلوا العصم من شعف العقول الغادر تفسير : وهو من قول القائل: رهب اللّه أي خافه، يرهبه رهبة ورهباً ورهباناً {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}. أبو عثمان بن أبي بكر الزعفراني، شيخي، أبو جعفر بن أبي خالد عبدالرحمن بن عمر ابن يزيد، ابن أبي عدي، سعيد عن عمرو بن مرّة قال: قدم على أبي بكر الصديق وفد من اليمن. فقالوا: إقرأ علينا القرآن، فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر: كذا كنا حتى قست القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعة حين يقرأ القرآن {يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} يعني أمة محمد (عليه السلام) دليله قوله {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 143] {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} إلى قوله {ٱلصَّالِحِينَ} أي في أمة محمد (عليه السلام) دليله قوله {أية : يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 105] {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ} جازاهم اللّه {بِمَا قَالُواْ} إلى قوله {خَالِدِينَ فِيهَا} على قولهم بالإخلاص بدليل قوله {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ * وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} الآية. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ} الآية. قال المفسرون: حديث : جلس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوماً فذكّر الناس يوم القيامة ولم يزدهم على التخويف فرقّ الناس وبكوا فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم: أبو بكر وعلي، وإبن مسعود، وعبد اللّه بن عمر وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويصوموا الليل ولا يناموا على فرشهم، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسموح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض فيذهبوا ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأتى دار عثمان بن مظعون، فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكم بنت أبي أمية: أين الحولاء وكانت عطارة: أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول اللّه وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول اللّه إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك فانصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلما دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول اللّه هو وأصحابه. فقال لهم: "ألم أنبأ إنكم إتفقتم على كذا وكذا"، قالوا: بلى يا رسول اللّه وما أردنا إلاّ الخير، فقال (عليه السلام): إني لم أؤمر بذلك ثم قال: "إن لأنفسكم عليكم حقاً صوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء ومن رغب عن سنتي فليس مني". ثم جمع الناس وخاطبهم ثم قال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما أني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء واتخاد الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد إعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقيم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللّه عليهم باطلاً بإقدامهم في الديرات والصوامع فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ". تفسير : وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: حديث : ضاف عبد اللّه بن رواحة ضيفاً فانقلب ابن رواحة ولم يتعشّ فقال لزوجته: ما عشيتيه؟ فقالت: كان الطعام قليلاً فانتظرتك، فقال: جستِ ضيفي من أجلي؟ طعامك عليّ حرام فقالت: وهو عليّ حرام إن لم تأكله. وقال الضيف: وهو حرام إن ذقته إن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة، قال: قرّبي طعامك كلوا بسم اللّه وجاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال (عليه السلام): أحسنت ونزلت هذه الآية . تفسير : روى عكرمة عن ابن عباس: إن رجلاً أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول اللّه إني صمت من اللحم فأشريت، وأخذتني شهوة فحرمت اللحم، فأنزل اللّه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} يعني اللذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، وما أحل اللّه لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام. وقيل: هو جبّ المذاكير وقطع آلة التناسل {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} قال عبد اللّه بن المبارك: الحلال ماأخذته من وجهه والطيب ما غذا ونما فأما الجوامد والطين والتراب، وما لا يغذي فمتروك إلاّ على جهة للتداوي {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}. روي عن عائشة وأبي موسى الأشعري حديث : أن النبي (عليه السلام) كان يأكل الفالوذج والدجاج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال: "إن المؤمن حلو يحب الحلاوة"تفسير : . وقال: "حديث : في بطن المؤمن زاوية لا يملأها إلاّ الحلواء ". تفسير : وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله فلا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: يا هذا أتحب لباب البر مع سمن البقر؟ هل يعيبه مسلم. وجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جار لا يأكل الفالوذ، قال: ولم؟ قال: يقول: لا يروي شكره. قال الحسن: ويشرب الماء البارد؟ قال: نعم، قال: جارك جاهل إن نعمة اللّه عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ. قال ابن عباس: لما نزلت {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} الآيتين، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتّفقوا فأنزل اللّه تعالى {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} قرأ أهل الحجاز والبصرة {عَقَّدتُّمُ} مشدداً بمعنى وكّدتم، واختار أبو حاتم فقرأها أهل الكوفة بالتخفيف واختاره أبو عبيدة. [والتشديد التكرير مرّة بعد مرّة، ......] أمن أن يلزم من قرائتك. [الفراء]: أن لا يوجب الكفارة عليه في اليمين الواحدة متى يرددها مراراً وهذا خلاف الإجماع. وقرأ أهل الشام: عاقدتم بالألف، يكون من واحد مثل: جاياك اللّه ونحوها. وقرأ الأعمش بما {عقدت الأيمان} جعل الفعل الإتيان. ومعنى الآية ما قصدتم وتعمدتم وأردتم ونويتم كقوله {أية : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} تفسير : [البقرة: 225]. {فَكَفَّارَتُهُ} أي كفّارة ما عقدتم من الأيمان إذا حلفتم {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} واختلفوا في قدرها. فقال الشافعي: مدّ وضوء النبي (عليه السلام) والمدّ رطل وثلث، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول ثابت وابن عباس وابن عمر وابن المسيب والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء والحسن واحتجوا بها. أبو بكر الجورقي، أبو العباس بن منصور الفيروز آبادي، أحمد بن حفص حدّثني أبي حدّثني إبراهيم بن طهمان عن منصور بن المعتمر عن الزهري عن حمد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: حديث : رجل أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: إني وقعت على أهلي وذلك في رمضان، فأمره أن يعتق رقبة، قال: ماأجدها، قال: "فصم شهرين متتابعين" قال: ما أطيقه، قال: "فأطعم ستين مسكيناً"، قال: ما أجد، قال: فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بكيل فيه خمسة عشر صاعاً من تمر، قال: "خذ هذا فأطعمه"، قال: والذي بعثك بالحق ما بين] لا بتيها أدلّ شيء هو منها [فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "خذه في أطعمة أهلك" تفسير : [.........] وخمسة عشر صاعاً إذا قسم على ستين مسكيناً خص كل مسكين له مد. وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة نصف صاع وإن أطعم من الشعير والتمر والزيت ونحوها فإنه يعطى صاعاً كاملاً لا يجزي أقل من ذلك، وقول عمر بن الخطاب وإبنه والنخعي والشعبي وإبن جبير ومجاهد والحكم والضحّاك واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أنه أُتي بوسق صاعاً فأعطى رجلاً وجبت عليه كفّارة، وقال: "أعطه لستين مسكيناً ". تفسير : وقال علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه ومحمد بن كعب: غداء وعشاء، وعند الشافعي لا يجوز أحد القيم في الزكوات والكفارات، وأجاز أبو حنيفة فاعتبر الشافعي النص. وأبو حنيفة المنفعة والمصلحة، وعند الشافعي لا يجوز أن يعطى أقل من عشرة مساكين وأبو حنيفة إن أعطى مسكيناً في عشرة أيام جاز، وقال الشافعي: لا يجوز أن يعطي الكفارة إلاّ حرّاً مسلماً محتاجاً ولا يجوز أن يعطى العبيد والكفار ولا الأغنياء. فقال أبو حنيفة: إن أعطى الكفارة أهل الذمة جاز فأما الزكاة فلا يجوز أن يعطى أهل الذمة بلا خلاف، ودليل الشافعي قوله {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5] والكافر من أسفه السفهاء قال اللّه {أية : أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ} تفسير : [البقرة: 13] وحجة أبي حنيفة قوله {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [الإنسان: 8] الآية. [والأسير] لا يكون إلاّ من الكافرين {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي من خير قوت عيالكم فلو إنه يقتات الحنطة لم يخوله أن يعطى الشعير. وقرأ الصادق: أهاليكم {كِسْوَتُهُمْ} قرأه العامة: بكسر الكاف، وقرأ السلمي نصبه. وهما لغتان مثل إسوة وأسوة، ورِشوة ورَشوة. وقرأ ابن جبير أو كاسوتهم يعني كاسوة أهلك في الطعام والأسوة الميل والتمايل أي يطعمون المساكين كما يطعمون أهليكم، واختلف العلماء في الكسوة التي تجري في الكفارات وقال قوم: هي ثوب واحد مما يقع عليه إسم الكسوة أزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو كساء أو عمامة ونحوها. وهو قول ابن عباس والحكم والحسن ومجاهد وعطاء والباقر وإليه ذهب الشافعي. وقال آخرون: ثوب جامع لا تجزي فيها العمامة، وهو مذهب النخعي وأبي حنيفة وقال [مالك كل] ما يجوز فيه الصلاة. وقال ابن المسيب والضحّاك: لكل مسكين ثوبان، واحتجا بأن أبا موسى الأشعري كان بذمته كفارة فكسا عشرة مساكين لكل واحد ثوبين ظهرانياً ومعقداً من معقد البحرين. وقال شهر بن حوشب: ثوب ثمنه خمسة دراهم {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. قال الشافعي: لا يجوز في كفارة واجبة إلاّ رقبة مؤمنة، مثل كفارة القتل واليمين والظهار والجماع في نهار رمضان. والسدي [والوصيفة] ووافقه أبو حنيفة في كفارة القتل وأجاز في غيرها الرقبة الكافرة، ودليل الشافعي أن اللّه عز وجل قاله في كفارة القتل {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} تفسير : [النساء: 92] فقيّد وأطلق في سائرها والمطلق محمول على المقيّد واحتج أيضاً بما روى: حديث : إن رجلاً جاء إلى النبي (عليه السلام) فقال: أوجبت يا رسول اللّه، فقال: إعتق رقبة فجاء برقبة أعجمية إلى النبي (عليه السلام)، فقال لها رسول اللّه: من ربك؟ ففهمها اللّه فأشارت إنه واحد، فقال: من أنا؟ فأشارت إلى السماء أي إنك رسول اللّه، فقال (عليه السلام): "اعتقها فإنها مؤمنة" تفسير : وأوجبت لفظة مطلقة [يحتمله]. وروى أبو سلمة عن الشديد حديث : أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة فجاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقال: إن أمي أوصت أن يعتق عنها رقبة وعندي جارية نوبية سوداء أفأعتقها؟ قال: أدع بها فجيء بها، فقال: من ربك؟ قالت: اللّه، قال: من أنا، قالت: رسول اللّه، قال: أعتقها فإنها مؤمنة،تفسير : واتبع أبو حنيفة ظاهر الآية. ويجوز في الكفارة من الرقاب الصغير والكبير والذكر والأنثى، وأما إذا كان معيوباً فاعلم أن العيب عيبان عيب يمنعه من العمل. فلا يجوز مثل الأعمى، والأشل والمقعد والمجنون المطبق والأخرس. فإن كان عيباً خفيفاً لا يمنعه من العمل فيجوز مثل الأجدع والمقطوع الخنصر ونحوها وهذا كما يقول في الكسوة. فإن كان الثوب لبيساً قد بلي وانقطع منه جل المنفعة لم يجز وإن لبس خفيفاً لم ينقطع منه جل المنفعة. والمكفّر بالخيار، مخير بين هذه الأشياء لأن اللّه ذكره بلفظ التخيير وهو أو {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} واختلف الفقهاء في صفة من لم يجد متى يجوز له الصيام. فقال أبو حنيفة: إذا كان عندهم [مائتا] درهم وعشرون مثقالاً أو أقل ما يجب فيه الزكاة لم يجز له الصيام، فإن كان أقل من ذلك فهو غير واجد وجاز له الصوم. وقال متأخرو الفقهاء: إذا كان له كفاية من المال يتصرف فيها لمعاشه. فإن فضل عن رأس ماله مقدار ما يكفر منه بالإطعام فليس له أن يصوم وإن لم يفضل عن رأس ماله مقدار ما يطعم فله أن يصوم. وقال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالطعام وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام. وقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام فليس له الصيام وإن لم يفضل له من الكفاية شيء. وهو قول ابن جبير والحسن قالا: إذا كان عنده درهمان وثلاثة فهو واحد وإن لم يجد شيئاً من هذا {فَصِيَامُ} أي فعليه أي فكفارته صيام { ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} واختلفوا في كيفية الصيام. فللشافعي فيه قولان، أحدهما: إنها متتابعة وإن فرده لم يجز، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري واختيار المزني قياساً على الصوم في كفارة الظهار واعتباراً بقراءة عبد اللّه وأُبي، فصيام ثلاثة أيام متتابعان وهذا قول ابن عباس وقتادة. والقول الثاني: إنه بالخيار إن شاء تابع وإن يشأ فرق والمتابعة أحسن وأفضل وهو مذهب مالك. {ذٰلِكَ} الذي ذكرت {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} قسمتم كقوله {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تفسير : [البقرة: 184، 184] وقوله {أية : فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ} تفسير : [البقرة: 196] يعني [فأقصر وأحلق] {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} فلا تحلفوا فإذا حلفتم فلا تحزنون {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يُقْسم لرسوله صلى الله عليه وسلم أن واقع الحياة مع فرقتين كاليهود والنصارى سيتجلى واضحاً على الرغم من أن كل جانب منهما مخالف لرسول الله في ناحية، فمواجيد هؤلاء الناس وأهواؤهم مختلفة ولكنهم اتفقوا جميعاً في الهدف. فاليهود أشد عداوة لأنهم أخذوا سلطة زمنية جعلتهم السادة في المنطقة، أما النصارى فلم تكن لهم سيادة ولا سلطة زمنية وكانوا عاكفين في صوامعهم وبيعهم يعبدون الله. والجانب الذي ليس له سلطة زمنية لا يعادي من جاء ليسحب من أهل الجور سلطتهم الزمنية ويقيم العدل بين الناس. فما العلّة في ذلك؟ يقول الحق: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً}. و"القسيسون" جمع قَس وهو المتفرغ للعلم الرباني. و"الرهبان" هم الذين تفرغوا للعبادة. فكأن القسيس مهمته أن يعلم العلم. والراهب مهمته أن ينفذ مطلوب العلم ويترهبن. إننا نجد هنا أن الحق سبحانه وتعالى قد امتن بشيئين وبذلك جعلهم أقرب مودة للذين آمنوا، امتن سبحانه بأن منهم قسيسين يحافظون على علم الكتاب، وامتن بأن منهم رهباناً ينفذون مدلول المطلوب من العلم، وبذلك صاروا أقرب مودة للذين آمنوا إن ظلوا على هذا الوضع؛ لأن العلّة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً. وما دام قد عللها - سبحانه - بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون فذلك لأنهم لا يتطاولون إلى رئاسة وليس لهم تكبر أو ترفع؛ لأن طبيعة دينهم تعطيهم طاقة روحية كبرى حتى إنهم يقولون: "من ضرب على خدّك الأيمن فادر له خدّك الأيسر". وهذا يعطيهم شحنة إيمانية نراها ناضحة عليهم. {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} وقد جاء واقع الكون مؤيداً لهذا، فمواقف اليهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة حتى إنهم نزلت بهم الخسّة وتمكن منهم الحقد ودفعهم الغدر أن أرادوا أن يقلوا عليه حجراً ليقتلوه وحاولوا دسّ السّم له. وحين تجد إنساناً لا يجد طريقا إلى الخلاص من خصمه إلا بأن يقتله، فيمكنك أن تواجهه قائلاً: أنت لا تملك شجاعة تواجهه بها في حياته، ولو كنت تملك تلك الشجاعة ما فكرت في أن تقتله. وهذا دليل على أنه أضعف منه وليس أشجع منه، فلو كان قوياً لكان عليه أن يواجه هذا الخصم مواجهة في حركة حياته ولا يفكر في قتله؛ لأن الضعيف هو من يرى أن حياة الخصم ترهقه. لقد كان اليهود أهلاً لهذا الضعف في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أنه صلى الله عليه وسلم حينما جهر بدعوته اتبعه بعض الناس، ولكن هؤلاء المؤمنين الأوائل عانوا من اضطهاد أهلهم وذويهم. حتى إن البيت الواحد انقسم. مثال ذلك تجد أن أم حبيبة السيدة رملة وهي بنت أبي سفيان تؤمن بينما والدها شيخ الكفرة آنذاك، وتذهب أم حبيبة مع زوجها إلى الحبشة ويحرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الخلايا الإيمانية لأنه يعلم أنها ستفرخ الإيمان بعد ذلك. وبتلك الهجرة إلى الحبشة أراد صلى الله عليه وسلم أن يحمي بذور الإيمان لتكون هي مركز انتشار الإيمان من بعد ذلك؛ لأنهم سوف يؤدون مهمة إيمانية، والشجاعة - كما نعلم - تقتضي الحرص. وشاعرنا أحمد شوقي - رحمه الله - قال في إحدى مقطوعاته النثرية التي سمّاها "أسواق الذهب": ربما تقتضيك الشجاعة، أن تجبن ساعة؟ وهذه الشجاعة لا تكون على العدو فقط ولكنها تكون شجاعة في مواجهة النفس، مثال ذلك: لو أن جماعة من الأقوياء كانوا جالسين معاً في جلسة سمر، ثم دخل عليهم صعلوك يحمل مسدساً، وقام بتوجيه السباب لكل منهم، هنا يتحايل عليه هؤلاء إلى أن يتمكنوا منه ليعاقبوه. إذن فالشجاعة تقتضي أن يجبن الإنسان لحظة إلى أن يتمكن من الخصم. وهذه هي الكياسة والحيلة، فالإيمان ليس انتحاراً، بل يقتضي الإيمان ألا يدخل المؤمن معركة إلا وعنده حسبان في الكسب. وها هوذا حضرة النبي صلى الله عليه وسلم يسمي خالد بن الوليد "سيف الله المسلول" في معركة لم ينتصر فيها خالد، ولكنه انتصر انتصاراً سلبياً بأن عرف كيف يسحب الجيش، فالأَمرُ بسحب الجيش يحتاج إلى قوة أكثر مما يحتاج إليه النصر. فالمنتصر تكون الريح معه. أما المهزوم فتكون الريح ضده. ونجد القرآن الكريم يقول: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الأنفال: 16]. إذن فالمناورة والكيد من المهارة القتالية لأنها تتيح من بعد ذلك القدرة على مواجهة العدو. وينير النور الإلهي بصيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستعرض الأرض كلها حتى يختار مكاناً آمنا يذهب إليه هؤلاء المؤمنون، فيختار الحبشة. لم يشأ صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالذهاب إلى أي قبيلة من القبائل، لأنه يعلم أن كل قبائل الجزيرة تخشى قريشاً، فموسم الحج جامع للقبائل تحت سيادة قريش. ومن يقف ضد إرادة قريش فسيتعرض للمتاعب، وعلى ذلك لن يأمن رسول الله على خلايا الإيمان أن يذهبوا إلى أي قبيلة. واستقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض كلها، واختار الحبشة؟ لماذا؟ ها هي ذي كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم باقية إلى زماننا: "حديث : إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم به ". تفسير : وفي حديث الزهري: لما كثر المسلمون، وظهر تعذيب الكفار - قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : تفرقوا في أرض الله فإن الله سيجمعكم، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: إلى ها هنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة ". تفسير : وتسللوا في جنح الليل إلى الطريق متجهين إلى الحبشة. وعندما علمت قريش بالخبر حاولت أن تقطع عليهم الطريق لتعيدهم إلى مكة لتواصل الحملة عليهم والتنكيل بهم لصدهم عن الإسلام. ولكن الحق أراد أمراً مختلفاً وكان الطريق سهلاً، ووصلوا إلى الحبشة، وأنجاهم الله من كيد الكافرين. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك - بما علمه له ربه - الخبرة الكاملة بالرقعة الأرضية ويعرف من يظلم من الحكام ومن لا يظلم. وصدق رسول الله في فراسته الإيمانية، فحينما ذهب المؤمنون المهاجرون إلى الحبشة وجدوا أنهم دخلوا دار أمن، أمنوا فيها على دينهم. وجن جنون قريش وأرادوا استرداد هؤلاء القوم من النجاشي ملك الحبشة فأرسلوا صناديدهم ومعهم الهدايا والتحف لملك الحبشة. سافر عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة، وعمارة بن الوليد بن المغيرة. وطلب وفد قريش من النجاشي أن يسلمهم هؤلاء المهاجرين إلى الحبشة، وحاولوا الدس للمهاجرين عند النجاشي، فاتهموا المسلمين المهاجرين أنهم قوم تركوا دين الآباء واعتنقوا ديناً جديداً يعادي الأديان كلها. ويقولون في عيسى بن مريم قولاً لا يليق به أو بأمه. ورفض النجاشي أن يصدق حرفاً واحداً، وطلب أن يسمع من هؤلاء المهاجرين. فتقدم جعفر بن أبي طالب وقال: "أيها الملك كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونُسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان, وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقدف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله وحده لا نشرك به شيئاً، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان وترك عبادة الله تعالى وأن نستحل ما كنا عليه من الخبائث، فلما قهرونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، وآثرناك على من سواك، ورجونا ألا نظلم عندك". وثبت للنجاشي أن المسيح بشهادة القرآن نبي نقي طاهر العرض. وهكذا لم يستمع إلى وشاية وفد قريش. وامتلأ قلب النجاشي بالإيمان ولم يستكبر مع أنه ملك ووقف أمام محاولات قريش للنيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعندما سمع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة مريم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. وعرف رسول الله أن الإيمان قد خامر قلب النجاشي، بدليل أن أم حبيبة بنت أبي سفيان عندما هاجرت مع زوجها إلى الحبشة وتنصر الزوج لكنها بقيت على دينها على الرغم من أنّها كانت تحبه خالص الحب، وهنا انفصلت أم حبيبة عن زوجها وذلك حتى يثبت الحق أن - هجرتها - كانت لله. وأراد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكرمها وأن يكرم النجاشي على موقفه من عدم تسليم المؤمنين إلى وفد قريش وموقفه من أنه شهد للإسلام بأنه يخرج من نفس المشكاة التي خرج منها إنجيل عيسى عليه السلام، لذلك يجعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم ولي نكاحه لأم حبيبة؛ لأنه مأمون على ما عَرَف من الإنجيل، ومأمون على ما سمع من القرآن في مريم، ومأمون على أنه لم يسلم المهاجرين؛ لذلك اختاره وكيلاً عنه في زواجه من أم حبيبة بعد أن تنصر زوجها، وتلك حادثة واحدة أضاءت أكثر من موقف: موقف أم حبيبة التي أثبتت أنها لم تذهب إلى الهجرة تبعاً لزوجها، فلو تبعت زوجها لتنصرّت كما تنصر. وأضاءت أن رسول الله كان لا ينطق عن الهوى حين قال مسبقاً عن النجاشي: إنه لا يظلم عنده أحد. وعندما يبلغ الرسول نبأ وفاة النجاشي فهو - صلى الله عليه وسلم - يصلي عليه صلاة الغائب. {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82]. وهذا امتنان من الله بأن جعل منهم القسيسين الذي يعلمون وهذا تكريم للعلم والرهبان الذين ينفذون منطوقات العلم. إذن فلنعلم أننا يجب أن نفرق بين العَالِم الذي قد يُكتفى بأخذ العلم عنه إن لم يكن يعمل به، وأن نحترم الذين يعبدون الله تطبيقاً للعلم بالله ونترك هؤلاء الذين لا يعملون بعلمهم لينالوا جزاءهم، ولكن علينا أن نأخذ بعلمهم ونعمل به. شعر : فخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي واجنِ الثمار وخلِّ العود للنار تفسير : ونجد أن قوله الحق: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} حيثية تجعلهم أقرب مودّة للمسلمين. فهل الرهبانية ممدوحة عند الله؟ وإذا كانت ممدوحة عند الله فلماذا قال سبحانه: {أية : ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 27]. هو سبحانه يحدثنا عن موكب الرسل إلى أن وصل إلى عيسى عليه السلام وما جاء به من الإنجيل وكيف أودع في قلوب الذين اتبعوه شفقة شديدة ورقة وعطفاً وابتدعوا الرهبانية زيادة منهم في العبادة ولم يفرضها الله عليهم، لكنهم التزموها ابتغاء رضوان الله؛ لكن منهم من حافظ عليها والكثير منهم فسق عنها. وسبحانه حين يفرض أمراً تعبدياً فعلى المؤمن أن يؤديه. ويزيد ثواب المؤمن إن ترقى في التعبديات. لكن إن ترقى الإنسان في التعبد فعليه أن يعطي هذا الترقي حقه لأنّه ألزم به نفسه أمام الله. إذن فالمأخوذ عليهم ليس ابتدع الرهبانية، ولكن عدم رعاية بعضهم لها حق الرعاية. {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} إذن فمنهم من يرصد حياته للعلم، ومنهم النموذج التطبيقي العملي وهم الرهبان، وليس فيهم الاستكبار أو العلو، وما دام فيهم ذلك فهذا يعني أنهم لا يطلبون السلطة الزمنية. وسيظلون أقرب إلينا مودة ما دامت فيهم هذه الحيثية. فإن تخلوْا عن واحدة منها وأصابوا سلطة زمنية فهذا يعني أنهم تخلوْا عن الصفة التي حكم الله لهم بسببها بأنهم أقرب مودة. وإن تمسكوا بها على العين والرأس. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ...َ}

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى أحوال اليهود والنصارى وما هم عليه من الزيغ والضلال، ذكر هنا أنَّ اليهود في غاية العداوة للمسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، وذكر أن النصارى ألين عريكة من اليهود وأقرب إِلى المسلمين منهم، ثم لمّا استقصى المناظرة مع أهل الكتاب عاد إِلى بيان الأحكام الشرعية فذكر منها كفارة اليمين، وتحريم الخمر والميسر، وجزاء قتل الصيد في حالة الإِحرام. اللغَة: {قِسِّيسِينَ} القِسُّ والقسيِّس اسم لرئيس النصارى ومعناه العالم {رُهْبَاناً} جمع راهب وأصله من الرهبة بمعنى المخافة، والرهبانيةُ والترهب التعبد في الصومعة {تَفِيضُ} الفيض أن يمتلئ الإِناء ويسيل من شدة الامتلاء يقال: فاض الماء وفاض الدمع قال الشاعر: شعر : ففاضتْ دموعُ العينِ منّي صَبَابةً على النحر حتى بلَّ دمعي مِحْمَلي تفسير : {رِجْسٌ} قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل ويقال للعذرة والأقذار رجس لأنها قذارة ونجاسة {ٱلْجَحِيمِ} النار الشديدة الاتقاد {ٱلصَّيْدِ} كل ما يصطاد من حيوانٍ وطيرٍ وغيره فالصيد يطلق على المصيد قال الشاعر: شعر : صيدُ الملوكِ أرانبٌ وثعالبٌ وإِذا ركبتُ فصيديَ الأَبْطالُ تفسير : سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: إِني إِذا أكلت هذا اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي وإِني حرّمت عليّ اللحم فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} الآية. ب - عن أنس قال: كنتُ ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت "أبي طلحة" وما شرابهم إِلا الفضيخ والبسر والتمر، وإِذا منادٍ ينادي إِن الخمر قد حرّمت قال: فأريقت في سكك المدينة فقال أبو طلحة إِذهب فأهرقها فقال بعض القوم قُتل قومٌ وهي في بطونهم فأنزل الله {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ}. التفسِير: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} اللام للقسم أي قسماً لتجدنَّ يا محمد اليهود والمشركين أشدَّ الناس عداوة للمؤمنين {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابه قال الزمخشري: وصف الله شدة شكيمة اليهود وصعوبة إِجابتهم إِلى الحق، ولين عريكة النصارى وسهولة ميلهم إِلى الإِسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين بل نبّه على زيادة عداوتهم بتقديمهم على الذين أشركوا {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} تعليلٌ لقرب مودتهم أي كونهم أقرب مودة بسبب أن منهم علماء وعُباداً {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} أي يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود قال البيضاوي: وفيه دليلٌ على أن التواضعَ والإِقبال على العلم والعمل والإِعراض عن الشهوات، محمودٌ وإِن كان من كافر {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} أي إِذا سمعوا القرآن المُنْزَل على محمد رسول الله {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} أي فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله لرقة قلوبهم وتأثرهم بكلام الله الجليل {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي من أجل معرفتهم أنه كلام الله وأنه حق {يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا} أي يقولون يا ربنا صدقنا بنبيّك وكتابك {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي مع أمة محمد عليه السلام الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم "جعفر بن أبي طالب" بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ} أي ما الذي يمنعنا عن الإِيمان ويصدنا عن اتّباع الحق وقد لاح لنا الصواب وظهر الحق المنير؟ قالوا ذلك في جواب من عيّرهم بالإِسلام من اليهود قال في البحر: هذا إِنكارٌ واستبعادٌ لانتفاء الإِيمان منهم مع قيام موجبه وهو عرفان الحق {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ} أي والحال أننا نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة بصحبة الصالحين من عباده الأبرار {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ} أي جازاهم على إِيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً لا يحولون عنها ولا يزولون {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ذلك الأجر والثواب جزاء من أحسن عمله وأصلح نيّته، ثم أخبر تعالى عن حال الأشقياء فقال {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أي جحدوا بآيات الله وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهم أهل الجحيم المعذّبون فيها قال أبو السعود: وذكَرهم بمقابلة المصدِّقين بآيات الله جمعاً بين الترغيب والترهيب {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} روى الطبري عن عكرمة قال: كان أناسٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم همّوا بالخِصاء وترك اللحم والنساء فنزلت هذه الآية أي لا تمنعوا أنفسكم تلك اللذائذ وتقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة في تركها وتقشفاً وتزَهُّداً {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} أي ولا تتعدّوا حدود ما أحل الله لكم بتجاوز الحلال إِلى الحرام {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} أي يبغض المتجاوزين الحد، والإِسلام يدعو إِلى القصد بدون إِفراط أو تفريط ولهذا قال {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} أي كلوا ما حلَّ لكم وطاب مما رزقكم الله قال في التسهيل: أي تمتعوا بالمآكل الحلال وبالنساء وغير ذلك، وإِنما خصّ الأكل بالذكر لأنه أعظم حاجات الإِنسان {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} هذا استدعاء إِلى التقوى بألطف الوجوه كأنه يقول: لا تضيّعوا إِيمانكم بالتقصير في طاعة الله عز وجل فتكون عليكم الحسرة العظمى فإِن الإِيمان بالله تعالى يوجب المبالغة في تقوى الله {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} أي لا يؤاخذكم بما يسبق إِليه اللسان من غير قصد الحلف كقولكم لا والله، وبلى والله {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} أي ولكن يؤاخذكم بما وثّقتم الأيمان عليه بالقصد والنية إِذا حنثتم {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي كفارة اليمين عند الحنث أن تُطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تُطعمون منه أهليكم قال ابن عباس: أي من أعدل ما تُطعمون أهليكم وقال ابن عمر: الأوسطُ الخبز والتمر، والخبز والزبيب، وخيرُ ما نُطعم أهلينا الخبز واللحم {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} أي كسوة المساكين لكل مسكين ثوبٌ يستر البدن {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي إِعتاق عبد مملوك لوجه الله قال في البحر: وأجمع العلماء على أن الحانث مُخَيّر بين الإِطعام والكسوة والعتق {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} أي فمن لم يجد شيئاً من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} أي هذه كفارة اليمين الشرعية عند الحنث {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} أي احفظوها عن الابتذال ولا تحلفوا إِلا لضرورة قال ابن عباس: أي لا تحلفوا وقال ابن جرير: أي لا تتركوها بغير تكفير {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي مثل ذلك التبيين يبيّن الله لكم الأحكام الشرعية ويوضحها لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} قال ابن عباس: الخمر جمع الأشربة التي تُسكر، والميسرُ القمار كانوا يتقامرون به في الجاهلية {وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ} أي الأصنام المنصوبة للعبادة والأقداح التي كانت عند سدنة البيت وخُدّام الأصنام قال ابن عباس ومجاهد: الأنصاب حجارةٌ كانوا يذبحون قرابينهم عندها والأزلام: قداحٌ كانوا يستقسمون بها {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي قذر ونجسٌ تعافه العقول، وخبيثٌ مستقذر من تزيين الشيطان {فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي اتركوه وكونوا في جانب آخر بعيدين عن هذه القاذورات لتفوزوا بالثواب العظيم {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} أي ما يريد الشيطان بهذه الرذائل إِلا إِيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين في شربهم الخمر ولعبهم بالقمار {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} أي ويمنعكم بالخمر والميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم وعن الصلاة التي هي عماد دينكم قال أبو حيان: ذكر تعالى في الخمر والميسر مفسدتين: إِحداهما دنيوية، والأخرى دينية، فأما الدنيوية فإِن الخمر تثير الشرور والأحقاد وتئول بشاربها إِلى التقاطع، وأما الميسر فإِن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سليباً لا شيء له وينتهي إِلى أن يقامر حتى على أهله وولده، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور والطرب بها تُلهي عن ذكر الله وعن الصلاة، والميسر - سواء كان غالباً أو مغلوباً - يلهي عن ذكر الله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} الصيغة للاستفهام ومعناه الأمر أي انتهوا ولذلك قال عمر: انتهينا ربّنا انتهينا قال في البحر: وهذا الاستفهام من أبلغ ما يُنهى به كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيهما من المفاسد التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهون أم باقون على حالكم؟ {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله واحذروا مخالفتهما {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتم ولم تعملوا بأمر الله ورسوله {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} أي ليس عليه هدايتكم وإِنما عليه تبليغكم الرسالة وجزاؤكم علينا قال الطبري: وهذا من الله وعيدٌ لمن تولى عن أمره ونهيه يقول تعالى ذكره لهم: فإِن توليتم عن أمري ونهي فتوقعوا عقابي واحذروا سخطي وقال أبو حيان: وفي هذا من الوعيد البالغ ما لا خفاء به إِذ تضمّن أن عقابكم إِنما يتولاه المرسِلُ لا الرسول {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} قال ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر قال قوم كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر فنزلت فأخبر تعالى أن الإِثم والذمّ إِنما يتعلق بفعل المعاصي والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} أي ليس عليهم جُناحٌ فيما تناولوه من المأكول والمشروب إِذا اتقوا المحرَّم وثبتوا على الإِيمان والأعمال الصالحة {ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ} أي اتقوا المحرّم وآمنوا بتحريمه بمعنى اجتنبوا ما حرمّه الله معتقدين حرمته {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} أي ثم استمروا على تقوى الله واجتناب المحارم وعملوا الأعمال الحسنة التي تقربهم من الله {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي يحب المتقربين إِليه بالأعمال الصالحة قال في التسهيل: كرّر التقوى مبالغةً وقيل: الرتبة الأولى: إِتقاء الشرك، والثانيةُ: اتقاء المعاصي، والثالثةُ: اتقاء ما لا بأس به حذراً مما به البأسُ {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} أي ليختبرنكم الله في حال إِحرامكم بالحج أو العمرة بشيء من الصيد تنال صغاره الأيدي وكباره الرماح قال البيضاوي: نزل في عام الحديبية ابتلاهم الله سبحانه وتعالى: بالصيد وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وهم محرمون قال في البحر: وكان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} أي ليتميز الخائف من الله بطريق الغيب لقوة إِيمانه ممن لا يخاف الله لضعف إِيمانه {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي فمن تعرّض للصيد بعد هذا الإِعلام والإِنذار فله عذابٌ مؤلم موجع {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أي لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحجٍ أو عمرة {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} أي من قتل الصيد في حالة الإِحرام فعليه جزاء يماثل ما قتل من النَّعم وهي الإِبل والبقر والغنم {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي يحكم بالمِثْل حَكمان عادلان من المسلمين {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} أي حال كونه هدياً يُنحر ويُتصدَّق به على مساكينه فإِن لم يكن للصيد مثلٌ من النَّعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} أي وإِذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النَّعم فَيُقوّم الصيدُ المقتول ثم يُشترى به طعامٌ فيصرفُ لكل مسكينٍ مدٌّ منه {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي عليه مثل ذلك الطعام صياماً يصومه عن كل مدٍّ يوماً ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإِحرام قال في التسهيل: عدَّد تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولاً الجزاء من النَّعم، ثم الطعام، ثم الصيام ومذهب مالك والجمهور أنها على التخيير وهو الذي يقتضيه العطف بـ"أو" وعن ابن عباس أنها على الترتيب {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} أي من قتل الصيد قبل التحريم {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} أي ومن عاد إِلى قتل الصيد وهو محرم فينتقم الله منه في الآخرة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} أي غالب على أمره منتقم ممن عصاه {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} أي أُحلَّ لكم أيها الناس صيد البحر سواء كنتم محرمين أو غير محرمين {وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} أي وما يُطعم من صيده كالسمك وغيره منفعةً وقوتاً لكم وزاداً للمسافرين يتزودونه في أسفارهم {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي وحُرّم عليكم صيد البر ما دمتم محرمين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي خافوا الله الذي تبعثون إِليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم وهو وعيد وتهديد. البَلاَغَة: 1- بين لفظ {عَدَاوَةً.. ومَّوَدَّةً} طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. 2- {تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} أي تمتلئ بالدمع فاستعير له الفيضُ الذي هو الانصباب عن امتلاء مبالغة أو جعلت أعينهم من فرط البكاء تفيض بأنفسها. 3- {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مجاز مرسل أطلق الجزء وأراد الكل أي عتق إِنسان. 4- {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} الاستفهام يراد به الأمر أي انتهوا وهو من أبلغ ما يُنهى به قال أبو السعود: ولقد أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صُدرت الجملة بـ "إِنما" وقُرنا بالأصنام والأزلام، وسُميّا رجساً من عمل الشيطان، وأُمر بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك سبباً للفلاح، ثم ذكر ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية، ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} إِيذاناً بأن الأمر في الزجر والتحذير قد بلغ الغاية القصوى. فَائِدَة: التعبير بقوله تعالى {فَٱجْتَنِبُوهُ} نصٌ في التحريم ولكنه أبلغ في النهي والتحريم من لفظ "حُرّم" لأن معناه البعد عنه بالكلية فهو مثل قوله تعالى {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32] لأن القرب منه إِذا كان حراماً فيكون الفعل محرماً من باب أولى وكذلك هنا. تنبيه: لم يذكر في القرآن الكريم تعليل الأحكام الشرعية إِلا بالإِيجاز أمّا هنا فقد ذكرت العلة بالتفصيل فذكر تعالى منها إِلقاء العداوة والبغضاء بين المؤمنين، والصدّ عن سبيل الله وذكره، وشغل المؤمنين عن الصلاة، ووصف الخمر والميسر بأنهما رجس وأنهما من عمل الشيطان وأن الشيطان يريد إِغواء الإِنسان وكل ذلك ليشير إِلى ضرر وخطر هاتين الرذيلتين "القمار والخمر" فتدبر أسرار القرآن العظيم.

الأندلسي

تفسير : {لَتَجِدَنَّ} الآية قال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة مما جاء به عيسى عليه السلام آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى الله عليهم قيل: هو النجاشي وأصحابه تلا عليهم جعفر بن أبي طالب حين هاجر إلى الحبشة سورة مريم فآمنوا وفاضت أعينهم من الدمع. وظاهر اليهود العموم وذلك أنهم مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم وعلى العتو والمعاصي واستشعار اللعنة وضرب الذلة والمسكنة فتحررت عداوتهم وكيدهم وحسدهم وخبثهم. وفي الحديث: حديث : ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتلهتفسير : . وفي وصف الله إياهم بأنهم أشد عداوة اشعار بصعوبة إجابتهم إلى الحق ولذلك قل إسلام اليهود، وعطف الذين أشركوا على اليهود وجعلهم تبعاً لهم في ذلك إذ كان اليهود أشد في العداوة إذ تباينوا هم والمسلمون في الشريعة وفي الجنس، وتباين المسلمون والمشركون في الشريعة لا في الجنس إذ بينهم وشائح متصلة من القرابات والأنساب القريبة فتعطفهم على كل حال الرحم على المسلمين ولأنهم ليسوا على شريعة من عند الله فهم أسرع الإِيمان من كل واحد من اليهود والنصارى. واللام في لتجدن جواب قسم محذوف ومفعول تجدن الأول أشد الناس، والمراد بالناس الكفار والذين آمنوا متعلق بأشد، والمفعول الثاني اليهود وما عطف عليه، وعداوة تمييز. {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً} أي هم ألين عريكة وأقرب وداً ولم يصفهم بالود إنما جعلهم أقرب من اليهود والمشركين وهم أمة لهم وفاء واليهود ليسوا على شيء من أخلاف النصارى بل شأنهم الخبث. وقوله: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ} إشارة إلى أنهم ليسوا متمسكين بحقيقة النصرانية بل ذلك قول منهم وزعم. {ذٰلِكَ} إشارة إلى قرب المودة، وهو مبتدأ، والخبر قوله: بأن منهم أي كائن بأن منهم، واسم ان قسيسين القس بفتح القاف: تتبع الشيء، وبكسرها: رئيس النصارى، وقسيس بناء للمبالغة كشريب، وجمع بالواو والنون جمع سلامة وجمع أيضاً جمع تكسير قالوا: قساوسة. قال أمية بن أبي الصلت: لو كان منفلت كانت قساوسة يحييهم الله في أيديهم الزير. قال الفراء: هو مثل مهالبة كثرت السيئات فأبدلوا إحداهن واواً، يعني أن قياسه قساسسة وفي هذا التعليل دليل على جلالة العلم بقوله تعالى: {قِسِّيسِينَ}، وأنه سبيل إلى الهداية وعلى حسن عاقبة الانقطاع والانفراد بقوله تعالى: {وَرُهْبَاناً}، وإنه طريق إلى النظر في العاقبة وعلى التواضع بقوله: لا يستكبرون، وأنه سبب لتعظيم الموجد إذ يشهد من نفسه ومن كل محدث أنه مفتقر للموجد فيعظم عنده مخترع الأشياء البارىء سبحانه وتعالى. {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ} الآية تقدم قصة الحبشة وأصحابه الذين أسلموا على يد جعفر بن أبي طالب. والظاهر أن الضمير يعود على قسيسين ورهباناً فيكون عاماً، ويكونون قد أخبر عنهم بما يقع من بعضهم كما جرى للنجاشي حين تلا عليه جعفر سورة مريم إلى قوله: {أية : ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} تفسير : [الآية: 34]، وسورة طه إلى قوله: {أية : وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ} تفسير : [الآية: 9]، فبكى. وكذلك قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرأ عليهم يس فبكوا. والجملة من قوله: وإذا سمعوا، تحتمل الاستئناف وتحتمل أن تكون معطوفة على خبر انهم. {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ} هي من رؤية العين وأسند الفيض إلى الأعين وإن كان حقيقة للدموع، كما قال: ففاضت دموع العين مني صبابة. إقامة للمسبب مقام السبب لأن الفيض مسبب عن الامتلاء فالأصل ترى أعينهم تمتلىء من الدموع حتى تفيض لأن الفيض على جوانب الإِناء ناشىء عن امتلائه، قال الشاعر: شعر : وقد يملأ القطر الإِناء فيفعم تفسير : ويحتمل أنه أسند الفيض إلى الأعين على سبيل المبالغة في البكاء لما كانت يفاض فيها جعلت الفائضة بأنفسها على سبيل المجاز والمبالغة. ومن في قوله: من الدمع، متعلقة بمحذوف تقديره مملوءة من الدمع. ومن في قوله: مما عرفوا للسبب بمعنى الباء متعلقة بتفيض، وما مصدرية في قوله: مما عرفوا، ومن الحق بدل من قوله: مما. ويجوز أن تكون ما موصولة تقديره من الذي عرفوه، وحذف الضمير العائد عليها، ومن الحق في موضع الحال أي مستقراً من الحق. {يَقُولُونَ} جملة مستأنفة. قال ابن عطية: يقولون في موضع نصب على الحال. "انتهى". وقال مثله أبو البقاء ولم يبيّنا ذا الحال ولا العامل فيها ولا جائز أن يكون حالا من الضمير في أعينهم لأنه مجرور بالإضافة لا موضع له من رفع ولا نصب إلا على مذهب من يجوز تنزل الجر المضاف منزلة المضاف إليه وهو قول خطأ، وقد بينا ذلك في كتابنا وضح المسالك من تأليفنا ولا جائزان يكون حالاً من ضمير الفاعل في عرفوا لأنها تكون قيداً في العرفان وهم قد عرفوا الحق في هذا الحال وفي غيرها فالأولى أن تكون مستأنفة. أخبر تعالى عنهم بأنهم التبسوا بهذا القول، والمعنى أنهم عرفوا الحق بقلوبهم ونطقت به ألسنتهم وأقرت به. وآمنا معناه أنشأنا الإِيمان بالرسول، والمعنى أنهم عرفوا الحق. {مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} قال ابن عباس: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا ذلك إذ هم شهداء على سائر الأمم، كما قال تعالى: {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 143]. {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية هذا إنكار واستبعاد لانتفاء الإِيمان منهم مع قيام موجبه وهو عرفان الحق. والظاهر أن قولهم: ذلك هو لأنفسهم، على سبيل المكالمة معها لدفع الوسواس والهواجس إذ فراق طريق وسلوك أخرى لم ينشأ عليها مما يشق ويصعب، وما استفهامية مبتدأ، ولنا في موضع الخبر التقدير أي شيء كائن لنا، ولا نؤمن جملة حالية التقدير غير مؤمنين، والعامل فيها هو العامل في الجار المجرور. {وَنَطْمَعُ} الظاهر أنه استئناف إخبار منهم ويجوز أن يكون في موضع الحال عطفاً على قوله: لا نؤمن: فيكون في حيّز النفي لما قالوا: إشارة إلى قوله: يقولون ربنا آمنا، إلى آخر كلامهم. وتقدم فيما عرفوا من الحق فاجتمع القول والمعرفة فكان ذلك إيماناً محضاً. قال الزمخشري: والواو في ونطمع واو الحال، والعامل في الحال معنى الفعل العامل في لا نؤمن ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا نطمع لم يكن كلاماً. "انتهى". ما ذكره من أن الحالين العامل فيهما واحد وهو ما في اللام من معنى الفعل كأنه قيل: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين ليس بجيد لأن الأصح أنه لا يجوز أن يقتضي العامل حالين لذي حال واحد إلا بحرف عطف إلا أفعل التفضيل فالأصح أنه يجوز فيه ذلك وذو الحال هنا واحد وهو الضمير المجرور بلام لنا ولأنه أيضاً تكون الواو دخلت على المضارع المثبت ولا تدخل واو الحال على المضارع إلا بتأويل فتحتاج أن تقدر ونحن نطمع. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون ونطمع حالاً من لا نؤمن على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين. "انتهى". وهذا أيضاً ليس بجيد لأن فيه دخول واو الحال على المضارع ويحتاج إلى تأويل. وقال الزمخشري: وأن يكون معطوفاً على لا نؤمن على معنى وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين أو على معنى وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإِسلام لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين. "انتهى". ويظهر لي وجه غير ما ذكروه وهو أن يكون معطوفاً على نؤمن على معنى أنه منفي كنفي نؤمن التقدير وما لنا لا نؤمن ولا نطمع، فيكون في ذلك إنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين الإِيمان والطمع في الدخول مع الصالحين. "انتهى". و{ٱلْمُحْسِنِينَ} يجوز أن يكون ذلك من وضع الظاهر موضع المضمر كأنه قال جزاؤهم ونبه على الصفة الجليلة التي هي أعظم مراتب العبادة التي حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الإِحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه تفسير : . ويجوز أن يكون المحسنين عاماً واندرج هؤلاء فيهم. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ} الآية اندرج فيهم اليهود والنصارى وغيرهم لما ذكر تعالى ما للمؤمنين ذكر ما أعد للكافرين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن اليهود وشدة عداوتهم والنصارى وقرب مودتهم بقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ} [المائدة: 82]، إشارة أن اليهود لما انحرفوا عن الصراط المستقيم وانصرفوا عن الدين القويم شاركوا المشركين في إبطال الاستعداد الروحاني لقبول الإسلام الفطري؛ فصاروا أضداداً وأعداءاً لأهل الإيمان أشد عداوة لهم من جميع الناس؛ لقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [المائدة: 82]، وذلك لأنهم بدلوا دين موسى عليه السلام بما اقتضت آراءهم واتبعوها وأشهدت أهواءهم وفازوا بالطبيعة على الشريعة، وتساووا مع المشركين في الكفر بالحقيقة، ثم بين الله تعالى أن النصارى الذين يبدلون دين عيسى عليه السلام لما أخذوا بوصية عيسى عليه السلام واتبعوا العلم والعبادة والرتب، ولم يبطلوا استعدادهم الروحاني القابل للإسلام الفطري ثبت لهم، والمودة لأهل الإيمان لمناسبة أرواحهم فإن تعارف الأرواح يوجب الائتلاف بين الأشباح فقال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82]؛ يعني: مقاربة النصارى إلى أهل الإيمان ومودتهم إياهم ببركة علمائهم تحققوا بعلمهم ورهبهم وصفاء قلوبهم وصدق طويتهم أن دين الإسلام حق، وعرفوا أمارات وعلامات وجدوها في الإنجيل في وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وحقيقة دينه كما أخبر الله تعالى عن حالهم بقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} [المائدة: 83]، فكانوا يخبرون النصارى ما وجدوه في الإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فالمستعدون منهم للإيمان به ويصدقونه، فإذا بلغ إليهم الدعوى يتفادون ولا يستكبرون، كقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة: 82]، حين دعوا إلى التوحيد بخلاف المشركين، كما قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} [المائدة: 83]، إشارة أنهم سمعوا إذا سمعهم الله لما علم فيهم خيراً من أحسن الاستعداد الفطري في إنزال إلى الرسول من كلامه القديم كما أنزل إلى الذرات التي أخرجهما من ظهر آدم إذ قال لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172]، فأسمعهم كلامه ووفقهم للجواب الصواب حتى شهدوا بربوبيته وقالوا: {أية : بَلَىٰ شَهِدْنَآ}تفسير : [الأعراف: 172] فكذلك أسمعهم هاهنا كلامه وعرفهم حقيقة كلامه؛ فاشتاقوا إليه وتذكرت قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة؛ فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة كما أخبر عنهم، وقال تعالى: {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} [المائدة: 83]، في الحق على أرواحهم؛ فكوشفت في الغيب بشواهد الحق فعرفوه وأمنوا به قالوا: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83]، الذين شهدوا يوم الميثاق بالربوبية طوعاً ورغبة، فإن بعض الأرواح شهدوا كرهاً ورهبة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى في بيان أقرب الطائفتين إلى المسلمين، وإلى ولايتهم ومحبتهم، وأبعدهم من ذلك: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } فهؤلاء الطائفتان على الإطلاق أعظم الناس معاداة للإسلام والمسلمين، وأكثرهم سعيا في إيصال الضرر إليهم، وذلك لشدة بغضهم لهم، بغيا وحسدا وعنادا وكفرا. { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } وذكر تعالى لذلك عدة أسباب: منها: أن { مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } أي: علماء متزهدين، وعُبَّادًا في الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين. ومنها: { أنهم لا يَسْتَكْبِرُونَ } أي: ليس فيهم تكبر ولا عتو عن الانقياد للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى الخير من المستكبر. ومنها: أنهم { إذا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ } محمد صلى الله عليه وسلم، أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له، وفاضت أعينهم بسبب ما سمعوا من الحق الذي تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: { رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون لله بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاءوا به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق والتكذيب. وهم عدول، شهادتهم مقبولة، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } . تفسير : فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: { وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟ أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه. قال الله تعالى: { فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا } أي: بما تفوهوا به من الإيمان ونطقوا به من التصديق بالحق { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } وهذه الآيات نزلت في النصارى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كالنجاشي وغيره ممن آمن منهم. وكذلك لا يزال يوجد فيهم من يختار دين الإسلام، ويتبين له بطلان ما كانوا عليه، وهم أقرب من اليهود والمشركين إلى دين الإسلام. ولما ذكر ثواب المحسنين، ذكر عقاب المسيئين قال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } لأنهم كفروا بالله، وكذبوا بآياته المبينة للحق.

همام الصنعاني

تفسير : 708- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً} [الآية: 82]، قال: نزلت في النجاشي وأصحابه إذْ جاءهم مهاجرة المؤمنين.