Verse. 752 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَاِذَاسَمِعُوْا مَاۗ اُنْزِلَ اِلَى الرَّسُوْلِ تَرٰۗي اَعْيُنَہُمْ تَفِيْضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوْا مِنَ الْحَـقِّ۝۰ۚ يَقُوْلُوْنَ رَبَّنَاۗ اٰمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّٰہِدِيْنَ۝۸۳
Waitha samiAAoo ma onzila ila alrrasooli tara aAAyunahum tafeedu mina alddamAAi mimma AAarafoo mina alhaqqi yaqooloona rabbana amanna faoktubna maAAa alshshahideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى: «وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول» من القرآن «ترى أعينهم تفيض من الدمع ممَّا عرفوا من الحق يقولون ربَّنا آمنا» صدقنا بنبيك وكتابك «فاكتبنا مع الشاهدين» المقرين بتصديقهما.

83

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } الضمير في قوله {سَمِعُواْ } يرجع إلى القسيسين والرهبان الذين آمنوا منهم {وَمَا أَنَزلَ } يعني القرآن إلى الرسول يعني محمداً عليه الصلاة والسلام قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه، وذلك لأن جعفر الطيار قرأ عليهم سورة مريم، فأخذ النجاشي تبنة من الأرض وقال: والله ما زاد على ما قال الله في الإنجيل مثل هذا، وما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة، وأما قوله {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } ففيه وجهان: الأول: المراد أن أعينهم تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتلىء الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه. الثاني: أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها. وأما قوله تعالى: {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ } أي مما نزل على محمد وهو الحق. فإن قيل: أي فرق بين (من) وبين (من) في قوله {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ }. قلنا: الأولى: لابتداء الغاية، والتقدير: أن فيض الدمع إنما ابتدىء من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه، والثانية: للتبعيض، يعني أنهم عرفوا بعض الحق وهو القرآن فأبكاهم الله، فكيف لو عرفوا كله. وأما قوله تعالى: {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا } أي بما سمعنا وشهدنا أنه حق {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } وفيه وجهان: الأول: يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام الذين يشهدون بالحق، وهو مأخوذ من قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ }تفسير : [البقرة: 143] والثاني: أي مع كل من شهد من أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك لا إله غيرك. وأما قوله تعالى:

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} أي بالدمع وهو في موضع الحال؛ وكذا {يَقُولُونَ}. وقال ٱمرؤ القيس: شعر : ففاضت دموع العينِ مِنّي صبابةً على النَّحْرِ حتى بَلَّ دَمْعِي مِحْمَلِي تفسير : وخبر مستفيض إذا كثر وانتشر كفيض الماء عن الكثرة. وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتموّتون؛ كما قال تعالى: { أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 32] وقال: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الأنفال: 2] وفي «الأنفال» يأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى. وبيّن الله سبحانه في هذه الآيات أن أشد الكفار تمرداً وعتوّا وعداوة للمسلمين اليهود، ويضاهيهم المشركون، وبيّن أن أقربهم مودّة النَّصارى. والله أعلم. قوله تعالى: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي مع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق من قوله عز وجل: { أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143] عن ابن عباس وابن جُرَيج. وقال الحسن: الذين يشهدون بالإيمان. وقال أبو عليّ: الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك. ومعنى «فَٱكْتُبْنَا» ٱجعلنا، فيكون بمنزلة ما قد كُتب ودُوّن.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} عطف على {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه، والفيض انصباب عن امتلاء، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها. {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ} من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا، أو للتبعيض بأنه بعض الحق. والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله. {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا} بذلك أو بمحمد. {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، من الذين شهدوا بأنه حق، أو بنبوته، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : نزلت في وفد النجاشي القادمين عليهم من الحبشة: قرأ صلى الله عليه وسلم سورة (يس) فبكوا وأسلموا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ } من القرآن {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا } صدّقنا بنبيك وكتابك {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ } المقرّين بتصديقهما.

ابن عبد السلام

تفسير : {الشَّاهِدِينَ} الذين يشهدون بالإيمان، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم {أية : لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 143].

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول} يعني: وإذا سمعوا القرآن الذي أنزل إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم {ترى أعينهم تفيض من الدمع} يقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى يخرج منه ما فيه. وصفهم الله تعالى بسيل الدمع عند البكاء ورقة القلب عن سماع القرآن. قال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه لما قرأ عليهم جعفر بن أبي طالب سورة مريم. قال: فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة {مما عرفوا من الحق} يعني الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو الحق {يقولون} يعني القسيسين والرهبان الذين سمعوا القرآن من جعفر عند النجاشي {ربنا آمنا} يعني بالقرآن وشهدنا أنه حق وصدق {فاكتبنا مع الشاهدين} يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون بالحق {وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق} قال ابن عباس: لما رجع الوفد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لامهم قومهم على ترك دينهم. وقيل: إن اليهود عيروهم وقالوا تركتم دينكم فأجابوا بهذا الجواب. ومعنى الآية: وما لنا لا نؤمن بوحدانية الله وما جاءنا من الحق من عنده على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم {ونطمع} يعني: ونرجو بذلك الإيمان {أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {فأثابهم الله بما قالوا} يعني بالتوحيد الذي قالوه وإنما علق الثواب وهو قوله تعالى: {جنات تجري من تحتها الأنهار} بمجرد القول لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا وهو المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب، لأن القول إذا اقترن بالمعرفة، فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب، وقال ابن عباس: بما قالوا يريد سألوا يعني قولهم فاكتبنا مع الشاهدين {خالدين فيها} يعني في الجنات {وذلك جزاء المحسنين} يعني المؤمنين الموحدين المخلصين في إيمانهم {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} لما ذكر الله عز وجل الوعد لمؤمني أهل الكتاب وما أعد لهم من الجنات ذكر الوعيد لمن أقام منهم على كفره وتكذيبه وأطلق القول بذلك ليكون هذا الوعيد لهم ولمن جرى مجراهم في الكفر والتكذيب فقال والذين كفروا وكذبوا بآياتنا {أولئك أصحاب الجحيم} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال علماء التفسير: حديث : إن النبي صلىالله عليه وسلم ذكر الناس يوماً ووصف القيامة فرقَّ الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم: أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، وتشاوروا واتفقوا على أنهم يترهبون ويلبسون المسوح ويجبون مذاكيرهم ويصومون الدهر ويقومون الليل ولا ينامون على الفرش ولا يأكلون اللحم والودك ولا يقربون النساء ولا الطيب ويسيحون في الأرض. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته: "أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟" فكرهت أن تكذب وكرهت أن تبدي سر زوجها، فقالت يا رسول الله إن كان قد أخبرك عثمان فقد صدق. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء عثمان أخبرته بذلك فأتى هو وأصحابه العشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا" فقالوا بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني لم أؤمر بذلك"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ثم جمع الناس وخطبهم فقال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب وشهوات الدنيا فإني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدو الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الديار والصوامع"تفسير : فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} يعني الطيبات اللذيذات التي تشتهيها الأنفس وتميل إليها القلوب من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة فأعلم الله عز وجل بهذه الآية أن شريعة نبيه صلى الله عليه وسلم غير ما عزموا عليه من ترك الطيبات وأنه لا ينبغي أن تجتنب الطيبات المباحات ومعنى: لا تحرموا، لا تعتقدوا تحريم الطيبات المباحات، فإن من اعتقد تحريم شيء أحله الله فقد كفر. أما ترك لذات الدنيا وشهواتها والانقطاع إلى الله والتفرغ لعبادته من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير ففضيلة لا مانع منها بل مأمور بها. وقوله تعالى: {ولا تعتدوا} يعني: ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام. وقيل: معناه ولا تجبوا أنفسكم فسمى جب المذاكير اعتداء وقيل معناه ولا تعتدوا بالإسراف في الطيبات {إن الله لا يحب المعتدين} يعني المجاوزين الحلال إلى الحرام.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} عطف على لا يستكبرون أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون، وأن أعينَهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن، وهو بـيانٌ لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم، ومسارعتِهم إلى قبول الحق وعدم إبائهم إياه {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} أي تمتلىء بالدمع، فاستُعير له الفيضُ الذي هو الانصبابُ عن امتلاءٍ مبالغةً، أو جُعلت أعينُهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ} (من) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لتبـيـين الموصول، أي ابتدأ الفيض ونشأ من معرفة الحق وحصل من أجله وبسببه، ويحتمل أن تكون الثانية تبعيضية، لأن ما عرفوه بعضُ الحق، وحيث أبكاهم ذلك فما ظنك بهم لو عرفوا كله، وقرأوا القرآن، وأحاطوا بالسنة؟ وقرىء (تُرى أعينُهم) على صيغة المبني للمفعول {يَقُولُونَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية حالهم عند سماع القرآن كأنه قيل: ماذا يقولون؟ فقيل: يقولون: {رَبَّنَا ءامَنَّا} بهذا أو بمن أنزل هذا عليه أو بهما، وقيل: حال من الضمير في عرفوا أو من الضمير المجرور في أعينهم، لما أن المضاف جزؤه، كما في قوله تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا } تفسير : [الحجر، الآية 47] {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي الذين شهدوا بأنه حق أو بنبوته، أو مع أمته الذين هم شهداءُ على الأمم يوم القيامة، وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك. {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ ٱلْحَقّ} كلام مستأنَفٌ قالوه تحقيقاً لإيمانهم، وتقريراً له بإنكار سبب انتفائه ونفيِه بالكلية، على أن قوله تعالى: {لاَ نُؤْمِنُ} حال من الضمير في (لنا)، والعامل ما فيه من الاستقرار أيْ أيُّ شيءٍ حصل لنا غيرَ مؤمنين؟ على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبَّب جميعاً، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى } تفسير : [يس، الآية 22] ونظائرِه لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب كما في قوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [الانشقاق، الآية 20] وأمثاله فإن همزة الاستفهام كما تكون تارة لإنكار الواقع كما في أتضرِبُ أباك؟ وأخرى لإنكار الوقوع كما في أأضرب أبـي؟ كذلك ما الاستفهامية قد تكون لإنكار سبب الواقع ونفْيِه فقط كما في الآية الثانية، وقوله تعالى: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح، الآية 13] فيكون مضمون الجملة الحالية محققاً، فإن كلاًّ من عدم الإيمان وعدم الرجاء أمرٌ محققٌ قد أنكروا نفي سببه، وقد يكون الإنكارُ سببَ الوقوعِ ونفيَه، فيسريان إلى المسبب أيضاً كما في الآية الأولى، فيكون مضمون الجملة الحالية مفروضاً قطعاً، فإن عدم العبادة أمر مفروض حتماً، وقوله تعالى: {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ} حال أخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدأ، والعامل فيها هو العامل في الأولى مقيداً بها، أي أيُّ شيء حصل لنا غير مؤمنين؟ ونحن نطمع في صحبة الصالحين، أو من الضمير في (لا نؤمن) على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم، مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين، وقيل: معطوف على (نؤمن) على معنى وما لنا نجمع بـين ترك الإيمان وبـين الطمع المذكور؟

التستري

تفسير : قوله: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}[83] قال: هم القسيسون والرهبان، كان الناس يتمسحون بهم لعلمهم في الدين، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم القرآن، فرقُّوا له، ففاضت أعينهم ولم يستكبروا، بعصمة الله إياهم عن الاستكبار، فدخلوا في دينه لما وضع الله تعالى من علمه فيهم، ثم قال: فساد الدين بثلاث: الملوك إذا أخذوا في السرف والشهوات، والعلماء إذا أفتوا بالرخص، والقراء إذا تعبدوا بغير علم وإن العلماء يحتاج إليهم الخلق في الدنيا والآخرة، وقد حكي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أهل الجنة يحتاجون إلى العلماء في الجنة كما يحتاجون إليهم في الدنيا، يزورون ربهم في كل جمعة فيقال لهم: تمنوا ما شئتم. فينطلقون إلى العلماء، فيقول لهم العلماء: تمنوا كذا تمنوا كذا، فيتمنون ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} [الآية: 83]. قال ابن عطاء: كادت جوارحهم وقلوبهم أن تنطق بقبول الوحى قبل سماعه فى مشاهدة المصطفى صلى الله عليه وسلم فلما سمعوا منه لم يطيقوا إلا ببكاء فرح أو بكاء حسرة أو بكاء دهشة أو بكاء حركة أو بكاء معرفة، كما قال الله تعالى {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}. وقال بعضهم فى هذه الآية: كان فيهم ثلاثة أشياء: الدعاء والبكاء والرضاء. فالدعاء على الجفاء، والبكاء على العطاء، والرضاء بالقضاء وكل أحد يدعى المعرفة ولا تكون فيه هذه الثلاثة فليس بصادق فى دعواه.

القشيري

تفسير : هذه صفة من نظر إليه الحق نظر القبول، فإذا قَرَعَتْ سَمْعَهُم دعوةُ الحقِّ ابتسمت البصيرة في قلوبهم، فسكنوا إلى المسموع لما وجدوا من التحقيق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ} وصف الله سبحانه اهل خالصة الايمان بحسن الاصغاء عند سماع الذكر والخطاب حيث شاهد عقولهم بشواهد الكتاب بنعت الانبساط وشاهد قلوبهم حلاوة الخطاب و شاهد ارواحهم مشاهد جمال الانبياء وشاهد اسرارهم انوار الصفات بوصف ادراك لطائفها رؤية نادر هجايبها فوردت سواقى بخار علومها وشربت مفرحات عجايب مكنونها ورأت غرايب تجلى عرايس غيبها وهاجتب الى طلب --- بنعوت شوقها الى جمال المخاطب فلما ادركته عرفته بالالوهية وعلمته بالوحدانية وعشقته بما رات من لطيف خطاب معهم وعرفان اسراره فيهم فاثرت ما ادركت فى الاشباح حتى اضطربت وادمعت عيونها بدمع الشوق واحترقت قلوبها بنيران العشق فى مجال الذكر والسماع فعرف الهل صدق عرفاتهم ومواجد قلوبهم بالعلامة الصحيحة وهى سيلان قطرات الدموع الا سحان بوصف الهيجان على حدود اهل العرفان بقوله واذا سمعوا الى قوله من الحق اى ذا وجدوا فى سماع الخطاب ما فاتوا من لطيف حقائق اسراره وعرفوا حق قدر المخاطب والمخاطب استبشروا بالوجدان وحزنوا من ضرر الفقدان وهيج فرحهم وحزنهم الى الشوق والبكاء وذلك البكاء من اصابة عيون قلوبهم الى معارف الغيب ومصادقة ارواحهم شواهد القرب ورب قتيل قتله سماع القرأن من غمرات المعرفة وغشيان النور على قلوبهم روى عند جنيد قال كنت قائما اصلى فقرات هذه الأية كل نفس ذائقة الموت فرددتها مرار افنادى مناد من ناحية البيت كم ترد هذه الأية فلقد قتلت بها اربعة تفر من الجن لم يرفعوا رؤوسهم الى السماء حتى ماتوا من ترديدك هذه الأية وكان الصديق رضى الله عنه لا يتمالك بكاءه عند سماع القرأن ثم وصف الله سبحانه مؤمنى اهل الانجيل بزيادة لاتصديق بما ذكره فى كتابه من قولهم {رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} اى صدقناك بما عرفتنا قدر رسولك واصحابه فانهم شاهدون قربك ووصالك قال ابن عطا فى تفسير قوله واذا سمعوا كادت جوارحهم قلوبهم ان تنطق بقبول الوحى قبل سماعه فى مشاهدة المطفى صلى الله عليه وأله وسلم ولما سمعوا منه لم يطيقوا حمله الا ببكاء فرح او بكاء حسرة أو بكاء دهش أو بكاء حرقة أو بكاء معرفة كما قال الله مما عرفوا من الحق قال الاستاد اذا قرع سمعهم دعوة الحق ابتسم البصيرة فى قلوبهم فسكنوا الى المسموع لما وجد وأمن التحقق.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا سمعوا ما أنزل الى الرسول} عطف على لا يستكبرون اى ذلك بسبب انهم لا يستكبرون وان اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا عند سماع القرآن وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم الى قبول الحق وعدم تأنفهم عنه {ترى أعينهم تفيض من الدمع} اى تملأ بالدمع فاستعير له الفيض الذى هو الانصاب من الامتلاء مبالغة ومن الدمع متعلق بتفيض ومن لابتداء الغاية والمعنى تفيض من كثرة الدمع والرؤية بصرية وتفيض حال من المفعول {مما عرفوا من الحق} من الاولى لابتداء الغاية متعلق بمحذوف على انها حال من الدمع والثانية لبيان الموصول فى قوله ما عرفوا اى حال كونه ناشئا ومبتدأ من معرفة الحق حاصلا من اجله وبسبب كأنه قيل ماذا يقولون عند سماع القرآن فقيل {يقولون ربنا آمنا} بهذا القرآن {فاكتبنا مع الشاهدين} اى اجعلنا فى جملة الذين شهدوا بانه حق.

الطوسي

تفسير : هذا وصف للذين آمنوا من هؤلاء النصارى الذين ذكرهم الله أنهم أقرب مودة للمؤمنين بأنهم اذا سمعوا ما أنزل الله من القرآن يتلى {ترى أعينهم تفيض من الدمع} يعني من آمن من هؤلاء النصارى. قال الزجاج وأبو علي: تقديره ومنهم اذا سمعوا ولم يذكر (منهم) لدلالة الكلام عليه وما وصفهم به فيما بعده. وفيض العين من الدمع امتلاؤها منه سيلاً ومنه فيض النهر من الماء وفيض الاناء، وهو سيلانه عن شدة امتلاء، ومنه قول الشاعر: شعر : ففاضت دموعي فظل الشؤو ن إِما وكيفاً وإِما انحدارا تفسير : وخبر مستفيض أي شائع، وفاض صدر فلان بسره، وأفاض القوم من عرفات إلى منى اذا دفعوا، وأفاض القوم في الحديث اذا اندفعوا فيه، والدمع الماء الجاري من العين ويشبه به الصافي، فيقال دمعة. والمدامع مجاري الدمع وشجة دامعة تسيل دماً. وقوله {مما عرفوا من الحق} أي مما علموه من صدق النبي وصحة ما أتى به {يقولون ربنا} في موضع الحال، وتقديره قائلين {ربنا آمنا} أي صدقنا بما أنزلت {فاكتبنا مع الشاهدين} قيل في معناه قولان: أحدهما - فاجعلنا مع الشاهدين فيكون بمنزلة ما قد كتب ودون. الثانى - فاكتبنا معهم في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ. و {الشاهدين} قال ابن عباس وابن جريج: مع أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) الذين يشهدون بالحق من قوله تعالى {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس}تفسير : وقال الحسن: هم الذين يشهدون بالايمان. وقال أبو علي الذين يشهدون بتصديق نبيك وكتابك.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ} لانّهم كانوا طالبين للحقّ فاينما وجدوه عرفوه {يَقُولُونَ} انقياداً للحقّ {رَبَّنَآ آمَنَّا} بما انزل الى الرّسول {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} بحقيّته.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} يعني محمداً {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي فاجعلنا مع الشاهدين، أي مع من يشهد بما جاء به محمد أنه حق. وقال بعضهم: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} أي مع أمة محمد الذين يشهدون يوم القيامة على الأمم أن رسلها قد بلغتها. {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ} وهم أهل الجنة. وقال الكلبي: في قوله: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} قال: هم أربعون رجلاً آمنوا بالنبي عليه السلام من النصارى: اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام. فلما رجعوا إلى أرضهم لامهم قومهم وقالوا: تركتم ملة عيسى ودين آبائكم، فردوا عليهم وقالوا: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ}. قال الله: {فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: في الجنة {وَذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ} {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي أهل النار. وقال بعضهم: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً}. قال: هم أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى؛ فلما بعث الله محمداً صدّقوه وآمنوا به، فأثنى الله عليهم ما تسمعون. وقال في القصص: (أية : أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ) تفسير : [القصص:54] أي بإيمانهم بعيسى وإيمانهم بمحمد عليهما السلام. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ}. ذكروا عن الحسن حديث : أن ثلاثة من أصحاب النبي عليه السلام جعل أحدهم على نفسه ألا ينام أبداً، وجعل الآخر على نفسه ألا يفطر نهاراً أبداً، وجعل الآخر على نفسه ألا يغشى النساء أبداً [وكان عثمان بن مظعون ممن جعل على نفسه ألا يغشى النساء. وكانت امرأته تأتي أزواج النبي في شارة حسنة وريح طيبة. فلما جعل عثمان على نفسه ما جعل أتتهن على غير تلك الشارة، فأنكرن عليها، فقالت: إنما تصنع المرأة لزوجها وإن فلاناً وفلاناً جعلوا على أنفسهم كذا وكذا. فلما جاء رسول الله ذكرن ذلك له، فغضب وبعث إليهم فقال:ألم أحدّث عنكم بكذا وكذا؟قالوا: بلى] قال:لكني أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأغشى النساء وأدع، فمن رغب عن سنتي فليس مني. فاستغفر القوم من ذلك وراجعوا أمرهم الأولتفسير : . وفي تفسير عمرو عن الحسن: {لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا} فإن ذلك اعتداء.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ}: محمد صلى الله عليه وسلم. {تَرَى أَعْيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ}: ترى يا من تأتى منه الرؤية كما رأيت يا محمد وفد النجاشى وغيرهم، وكما رأى أصحابك النجاشى والأساقفة منه، أو ترى يا محمد من يمكن أن تراه، أو تعلم يا محمد ولو لم تر بعينك، لأنك يخبرك غيرك بفيض الدمع، وقرىء بالبناء للمفعول على أن التاء لتأنيث الأعين، ومعنى تفيض تمتلىء، فان الفيض مسبب عن الامتلاء، فهو مجاز لعلاقة السببية أو المسببية، أو كلتيهما أو معنى تفيض من الدمع يفيض دمعها، فأسند الفيض الى محله، ومن للابتداء أو السببية باعتبار ظاهر المجاز، فان الظاهر بحسب اللفظ أن العين نفسها تفيض. {مِمَّا عَرَفُوا}: من للابتداء ان لم تجعل الأولى للابتداء، أو للسببية ان جعلت الأولى له، الا ان جعلت متعلقة بمحذوف حال من الدمع، فيجوز حينئذ أن تكون الأولى والثانية للابتداء جميعاً لاختلاف متعلقهما. {مِنَ الحَقِّ}: حال من ما أو من العائد المحذوف، ومن للبيان، ويجوز أن تكون للتبعيض عرفوا بعض الحق فأبكاهم، فكيف لو عرفوه كله، والمراد بالحق ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم. {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَا}: بالقرآن، وشهدنا أنه حق، وبمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الى الناس كلهم. {فَاكْتُبنَا مَعَ الشَّاهدِينَ}: بأن القرآن من الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله، أو من الشاهدين على الأمم يوم القيامة، وهم هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أو الشاهدين بالحق، وهم هذه الأمة أيضاً، وانما قالوا ذلك لأنهم وجدوا هذه الأمة فى الانجيل كذلك.

اطفيش

تفسير : {وَإذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ} إِلى قوله الصالحين داخل في التعليل أَى حصل في جملتهم قرب المودة بسبب أَن منهم قسيسين ورهبانا وسبب أَنهم لا يستكبرون وبسبب أَن أَعينهم تفيض من الدمع بمعرفة الحق إِذا سمعوا القرآن، وبسبب قولهم إِنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وبسبب قولهم ما لنا لا نؤمن بالله وما جاءَنا من الحق ونطمع أَن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين، ومن كان من هؤلاء قبل النبى صلى الله عليه وسلم تسبب لقرب المدة لمن قبله ومن معه ومن بعده ومن كان معه تسبب لمن معه ومن بعده وكأَنه قيل حصول أقربيه المودة للمسلمين فيهم تسبب فيها علماؤهم وعبادهم كل وأَهل زمانه إلى أَن جاءَ قسيسون ورهبان على عهد رسول الله الذين نزل فيهم قوله تعالى {أية : بأَن منهم قسيسين ورهبانا وأَنهم لا يستكبرون} تفسير : [المائدة: 82]، وإذا سمعوا أَنزل {إِلَى الرَّسُولِ} محمد صلى الله عليه وسلم وهو ما نزل من القرآن {تَرَى أَعْيُنَهُمَ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْع} لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إِلى قبول الحق، والعين لا تفيض بنفسها بل دمعها فالمراد بتفيض تمتلئ لأَن الامتلاءَ سبب الفيض لأَن الفيض انْصباب عن امتلاء وذلك مبالغة حتى كان الامتلاء نفس الفيض، أَو أسند الفيض إِلى الأَعين إِسناداً للمحل كأَنها تفيض بنفسها مبالغة وإِنما يفيض دمعها الذى هى محله، ومن الابتداء أَى من كثرة الدمع، كذا قيل والأولى أَنها بمعنى الباء {مِمَّا عَرَفُوا} من التعليل أَى لما عرفوه وقيل للابتداء على أن الأُولى ليست له لأَن الفيض نشأَ مما عرفوا {مِنَ الحَقِّ} من للبيان أَى مما عرفوه حال كونه هو الحق أَى جنس الحق، أَو للتبعيض أَى فكيف لو عرفوا كل الحق فكأَنهم يبكون دماً أَو تنسجم دموعهم {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا} بما سمعنا، وهو ما أنزل إلى الرسول أَو بمحمد صلى الله عليه وسلم {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} مع الذين شهدوا من أَمته بأَنه حق من الله، أَو بأَنه صلى الله عليه وسلم رسول إِلى الناس كلهم، أَو من الذين يشهدون على الأُمم يوم القيامة وهم أَمته صلى الله عليه وسلم.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} عطف على { أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [المائدة: 82] و {إِذَا} في موضع نصب بترى، وجملة {تَفِيضُ} في موضع الحال والرؤية بصرية أي ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون وأنهم إذا سمعوا القرآن رأيت أعينهم فائضة من الدمع، وجوز السمين وغيره الاستئناف، وأياً ما كان فهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم إبائهم إياه. والظاهر عود ضمير {سَمِعُواْ} لـ { أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [المائدة: 82]. وقد تقدم أن الظاهر فيه العموم، وقيل: يتعين هنا إرادة البعض، وهو من جاء من الحبشة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم لأن كل النصارى ليسوا كذلك، والفيض انصباب عن امتلاء، ووضع هنا موضع الامتلاء بإقامة المسبب مقام السبب أي تمتلىء من الدمع أو قصد المبالغة فجعلت أعينهم بأنفسها تفيض من أجل الدمع قاله في «الكشاف». وأراد على مافي «الكشف» أن الدمع على الأول: هو الماء المخصوص وعلى الثاني: الحدث، وهو على الأول: مبدأ مادي وعلى الثاني: سببـي. وفي «الانتصاف» «أن هذه العبارة أبلغ العبارات وهي ثلاث مراتب فالأولى: فاض دمع عينه وهذا هو الأصل والثانية: محولة من هذه وهي فاضت عينه دمعاً فإنه قد حول فيها الفعل إلى العين مجازاً ومبالغة ثم نبه على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلاً على التمييز، والثالثة: ما في النظم الكريم وفيها التحويل المذكور إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح التنبيه على الأصل وعدم نصب التمييز وإبرازه في صورة التعليل»، وجوز الزمخشري أن تكون ـ من ـ هذه هي الداخلة على التمييز وهو مردود وإن كان الكوفيون ذهبوا إلى جواز تعريف التمييز وأنه لا يشترط تنكيره كما هو مذهب الجمهور لأن التمييز المنقول عن الفاعل يمتنع دخول من عليه وإن كانت مقدرة معه فلا يجوز تفقأ زيد من شحم فليفهم. {مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ} {مِنْ} الأولى: لابتداء الغاية متعلقة بمحذوف وقع حالاً من {ٱلدَّمْعِ} أي حال كونه ناشئاً من معرفة الحق. وجوز أن تكون تعليلية متعلقة بتفيض أي أن فيض دمعهم بسبب عرفانهم. وجوز على تقدير كونها للابتداء أن تتعلق بذلك أيضاً لكن لا يجوز على تقدير اتحاد متعلق {مِنْ} هذه ومن في {مِنَ ٱلدَّمْعِ} القول باتحاد معناهما فإنه لا يتعلق حرفا جر بمعنى بعامل واحد، و {مِنْ} الثانية: للتبعيض متعلقة بعرفوا على معنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوه كله وقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنة، أو لبيان (ما) بناء على أنها موصولة، ونص أبو البقاء على أنها متعلقة بمحذوف وقع حالاً من العائد المحذوف ولم يذكر الاحتمال الأول. وقرىء {تَرَى أَعْيُنَهُمْ} على صيغة المبني للمفعول. {يَقُولُونَ} استئناف مبني على / سؤال نشأ من حكاية حالهم عند سماع القرآن كأنه قيل: ماذا يقولون؟ فأجيب يقولون: {رَبَّنَا ءامَنَّا} بما أنزل أو بمن أنزل عليه أو بهما. وقال أبو البقاء: إنه حال من الضمير في {عَرَفُواْ}، وقال السمين: يجوز الأمران وكونه حالاً من الضمير المجرور في {أَعْيُنَهُمْ} لما أن المضاف جزؤه كما في قوله تعالى: { أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا } تفسير : [الحجر: 47]. {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي اجعلنا عندك مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته الذين يشهدون يوم القيامة على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أو مع الذين يشهدون بحقية نبيك صلى الله عليه وسلم وكتابك كما نقل الجبائي وروي ما بمعناه عن الحسن.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنَّا} {ٱلشَّاهِدِينَ} (83) - وَإِذا سَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، وَتُلِيَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، تَفيِضُ عُيُونُهُمْ بِالدَّمْعِ (أَيْ يَبْكون حَتَّى يَسيلَ الدَّمعُ مِنْ عُيُونِهِمْ)، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ مَا بَيَّنَهُ القُرْآنُ هُوَ الحَقُّ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ عُتُوٌّ وَلاَ اسْتِكْبَارٌ وَلا تَعَصُّبٌ كَمَا يَمْنَعُ غَيرَهُمْ. وَحِينَ يَسْمَعُونَ الحَقَّ الذِي جَاءَ بِهِ القُرْآنُ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ، يَتَضَرَّعُونَ إِلى اللهِ بِأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ إيمَانَهُمْ وَأَنْ يَكْتُبَهُمْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، لأَنَّهُمْ يَعْلمُونَ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَمِمَّا يَتَنَاقََلُونَهُ عَنْ أَسْلاَفِهِمْ، أنَّ النَّبِيَّ الأَخِيرَ الذِي يَكْمُلُ بِهِ الدِّيْنُ، وَيَتمُّ التَّشْرِيعُ، يَكُونُ مُتَّبِعُوهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونُونَ حُجَّةً عَلَى المُشْرِكِينَ وَالمُبْطِلِينَ. تَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ - يَبْكُونَ حَتَّى يَسِيل الدَّمْعُ مِنْ عُيُونِهِمْ. مَعَ الشَّاهِدِينَ - مَعَ الذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ حَقٌّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه دقة الأداء القرآني الذي جاء من قبل أن يجهد المفكرون أنفسهم في دراسة ظواهر وأحوال النفس البشرية في مجال علم النفس بالبحث والاستقراء والتجارب، وأثر ذلك في وظائف الأعضاء. لقد قال العلم: إن لكل آلة وظيفة، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق ويتكلم، والأنف يشم، واليد تلمس، وقال العلماء في البداية: إن هذه هي الحواس الخمس الظاهرة، وكلمة "الظاهرة" هذه إنما جاءت للاحتياط؛ لأن هناك أموراً يشعر بها الإنسان ولكن لا يدرك كيفية ولا مصدر شعوره بها مثل الجوع أو العطش، أو في أثناء المقارنة بين شيئين أيهما أكثر ثقلاً. لقد حاول العلماء إدراك كيفية تمييز الإنسان بين ثقل وثقل آخر، فقالوا: إن هناك حاسة اسمها حاسة العضل، فعندما يحمل الإنسان شيئاً ما فإنه يجهد العضلات لدرجة تمكنه من التمييز بين درجات الجهد. وعرفوا أيضاً أن هناك حاسة اسمها حاسة البين، وهي الحاسة التي يميز بها الإنسان درجة نعومة أو سمك أي نوع من القماش حتى ولو كان السمك يبلغ الواحد من العشرة من المللميتر. إذن فهناك حواس كثيرة يمكن للإنسان الإدراك بها، وهناك حواس تترك بعضاً من الأثر في النفس البشرية كآثار الحب والميل أو البغض والنفرة، ومقرها الوجدان. كإدراك حلاوة طعم شيء أو كراهة شيء آخر، فإذا استطاب الإنسان شيئاً أخذ منه مرة ثانية، وهذا العمل هو نزوع يتبع الوجدان الذي يتبع الإدراك. إذن فهناك إدراك يدرك. وهناك وجدان يجد، وهناك نزوع ينزع. مثال ذلك إدراك وردة جميلة المنظر واللون في بستان هذا الإدراك قد يصيب من القلب عشقاً وحباً؛ أي وجداناً، وأنت حر في أن تدرك ما شئت، وأن تجد ما شئت، لكن ليس لك أن تمد يدك لتقطف الوردة؛ لأن الشرع يحرم ذلك. وحارس البستان أيضاً يمنعك من ذلك. هذا على الرغم من أن أحداً لا يمنعك من أن تنظر إلى الوردة وتستمتع بجمالها. فالإدراك - إذن - مباح، والوجدان أمر مباح. أما النزوع فهذا هو الأمر الذي تتدخل فيه الشريعة، ولنا أن نكرر أن الإدراك مباح والوجدان مباح إلا في إدراك جمال الأنوثة، فالشرع يتدخل من البداية. فأنت قد تدرك جمال المرأة فتجد في نفسك حباً وميلاً، فإذا نوعت فكيف يمكنك أن تضبط نفسك؟ فأنت بعد الإدراك والوجدان إما أن تنزع وإما أن تكبت. وإن نزعت انتهكت أعراض الناس، وإن كبت، أصابك القهر والألم؛ لذلك يتدخل الشرع في هذه المسألة من بدايتها فيمنعك تحريماً من أن تدرك، وذلك بأمر واضح وهو غض البصر؛ لأن المسألة الجنسية من الصعب أن تفصلها عن بعضها، فالإدراك يمكن فصله عن الوجدان، والنزوع يمكن فصله عن الوجدان والإدراك في أمر الوردة. أما في المسألة الجنسية فهي سعار.. إما أن يقابله الإنسان بأن يعف وإما أن يلغ. فإن عف الإنسان فهو يكبت ويتوتر، وإن ولغ الإنسان في أعراض الناس فهذا أمر يسبب هتك أعراض الناس. ولذلك يمنع الشرع من البداية مسألة الإدراك. وقد جاءت هذه الآية الكريمة قبل أن يأتي علماء لنفس ليفسروا أمور الإدراك والوجدان والنزوع، فها هوذا الحق يقول: {وَإِذَا سَمِعُواْ} وهذا إدراك بحاسة الأذن. وما المسموع، يجيب القرآن: {مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ}. وهذا هو سبب الوجدان الذي يأتي في قوله: {تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}. فكيف يكون نزوعهم بعد هذا الوجدان؟ إنهم: {يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}، وهذه هي العملية النزوعية. والقرآن الذي نزل من أربعة عشر قرناً، جاء بترتيب الإدراك والوجدان والنزوع قبل أن يأتي به العلم. فساعة سمعوا بالأذن، حدث شيء في الوجدان، والتغير الذي في الوجدان له علامات ظهرت في عيونهم التّي فاضت بالدمع. وهنا نميز بين أمرين: الأول هو اغروراق العين بالدمع، أي أن تمتلئ العين بالدمع لكن لم تصل درجة التأثر إلى أن تسقط الدموع من العين، ويقال: "اغرورقت عين فلان" أي امتلأت عينه بالدموع ولكنها لم تسقط. والثاني وهو فيض الدموع من العين، والفيض لا يكون إلا نتيجة امتلاء الظرف بالمظروف، فكأن الدمع قد ملأها امتلاء، تماماً مثلما نملأ إناء أو كوباً إلى النهاية فيزيد ويفيض. إذن كان سبب كل ذلك أنهم عرفوا أن القرآن من الحق. ونلحظ أن : "مِنْ" تتكرر في الأداء هنا. {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}. فـ "من" تسبق من الدمع. و "من" مدغومة في "ما" فصاروا معاً "مما و "مِن" تسبق الحق. {تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} فـ "مِن" هنا هي : "مِن" الابتدائية. و "مما عرفوا" هنا "مِن" السببية أي بسبب أنهم عرفوا أن هذا القرآن منزل من الحق سبحانه. و "من الحق" للتبعيض، أي عرفوا بعضاً من الحق؛ لأنهم لم يسمعوا كل القرآن. إذن جاءت "مِنْ" ثلاث مرات، وكل مرة لها مجال لتؤدي إلى المجموع البياني الذي يصف المظاهر الثلاثة للإدراك والوجدان والنزوع. وهذه المراتب هي مظاهر الشعور التي انتهى إليها العالم التجريبي حين أراد أن يتعرف إلى وظائف الأعضاء ومدى تغلغلها إدراكاً ووجداناً ونزوعاً. والنزوع هو الذي يهمنا هنا، لقد قالوا: {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} والإيمان امر يعود إليهم. أما الكتابة مع الشاهدين فهي أمر يعود على الآخرين، فكأن المؤمن ينال حظاً عالياً، إنه يؤمن لذاته، ثم من بعد ذلك يكون وعاءً ولساناً يبلغ منهج الإيمان إلى غيره لأنه لا يكون شاهداً إلا إذا كانت شهادته امتداداً لشهادة الرسول وهذا مصداق لقوله سبحانه وتعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 110]. أي إنكم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجت للناس لا حسباً ولا نسباً ولكن اتباعاً لمنهج، ومن يتبع المنهج بـ "افعل" و "لا تفعل" فهو الذي يطبق عملية الإيمان بالله. ومن أهل الكتاب من يؤمن بالله فيصير مسلماً، ولكن الكثير منهم يخرج عن حدود الإيمان. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة: 143]. إذن فالأمة التي تتبع منهج الإسلام - وهو منهج الاعتدال - هي الأمة المهتدية التي تسير إلى العمل الصالح الصحيح وتعمل به وتطبقه؛ لأنه المنهج الذي ينسخ ما قبله ويصححه، والرسول صلى الله عليه وسلم هو المهيمن على كل من سبقه من الرسل، وحياته وما جاء فيها من سلوك هو سنة إيمانية تهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم. وجاءت في هذه الآية مسألة تحويل القبلة لتعلم المسلمين أن الأمر الأول بالاتجاه إلى بيت المقدس كان اختباراً ينجح فيه من يذعن لصاحب كل أمر وهو الله، وكان ذلك من الأمور الشاقة إلا على من وفقه الله إلى الهداية، ثم جاء من بعد ذلك الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة وهي أول بيت وضعه الله للناس. إذن فمادمنا شهداء، وما دام الرسول شهيداً علينا، فالرسول إنما يشهد أننا بلغنا وننال منزلتين: منزلة تلقى البلاغ عن الرسول، ومنزلة الإبلاغ من بعد ذلك إلى غيرنا من الناس. والمؤمن لا يكون شهيداً إلا إذا كانت شهادته امتداداً لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه الشهادة التي جاء بها الحق في وصف أمة المؤمنين: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 110]. فأنتم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجها الله للناس بشرط أن تتبعوا المنهج بـ "افعل" و "لا تفعل". تأمرون بالطاعات وتنهون عن كل ما نهى عنه الدين، وبذلك تكونون قد طبقتم المنهج الدال على صدق إيمانكم بالله إيماناً صحيحاً صادقاً. ولو صدق أهل الكتاب مثلكم في إيمانكم، لكان خيراً لهم مما هم عليه. لكنّ بعضاً منهم يدير أمر الإيمان في قلبه، والكثير منهم يخرج ويفسق عن مقتضى الإيمان. إذن فهم عندما قالوا: {آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}، فذلك إقرار بأن الإيمان كان إيمان ذات وإيمان بلاغ إلى الغير. وهم بذلك قد دخلوا الإسلام وصاروا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وها هوذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". تفسير : وها هوذا الحق يحدد لنا قيمة الكلمة الطيبة المبلغة عن الله: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ * تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} تفسير : [إبراهيم: 24-25]. إن الكلمة الطيبة هي شجرة لها من الثمار ما ينفع الناس وتظل بظلها الحنون سامعها، ولها أصل ضارب الجذور في الأرض. ولها فروع تعلو إلى اتجاه السماء. وتعطي الثمار في كل زمن بإرادة خالقها. وهذا المعنى المحسوس مادياً يضربه الله كمثل للناس حتى يعرفوا قيمة المعاني السامية. إذن سيظل صاحب قوله الحق في بلاغ منهج الإيمان إلى الناس يقطف ثمار هذه الكلمة ما بقي إنسان مؤمن إلى أن نلقى الله. {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} والشاهد هو المبلغ. وعندما يطلب مؤمن من الله أن يكتبه مع الشاهدين فهو يطلب لنفسه المكانة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فالشهيد ليس هو من قتل فقط، إنما الشهيد هو من يعطي شهادته. والشهيد في معركة إيمانية تفقه حياته هو إنسان أعطى شهادة على أن ما ذهب إليه إثمن من حياته كلها. وهو في ذلك يعطي شهادة علمية. ومن بعد ذلك يقول الحق: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ...}

الجيلاني

تفسير : {وَ} من غاية تشوقهم إلى مرتبة اليقين الحقي {إِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ} من الحكم والأحكام والتذكير، والرموز والإشارات، والعبر والأمثال، المنبئ كل منها من مرتبة اليقين الحقي {تَرَىۤ} أيها الرائي {أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ} تسيل {مِنَ ٱلدَّمْعِ} من غاية تلذذهم، ونهاية تشوقهم بتلك المرتبة، وذلك التذلل والتشوق {مِمَّا عَرَفُواْ} بقدر وسعهم وطاقتهم {مِنَ} أمارات مرتبة {ٱلْحَقِّ} فكيف إذا تحققوا بها، وتمكنوا في مقعد الصدق. {يَقُولُونَ} من غاية تحننهم وتشوقهم منادياً، مناجياً، قلقاً، حائراً، خائفاً، حذراً، راجياً: {رَبَّنَآ آمَنَّا} صدقنا، وتحققنا بمَّا وهبت لنا من مرتبتي العلم والعين، وبعدما تحققنا بتوفيقك بهما {فَٱكْتُبْنَا} بلطفك {مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] المتمكنين الذين حضروا وانقطع سيرهم، وحاروا إلى أن تاهوا أو فانوا، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه. {وَ} يقولون أيضاً من غاية تحسرهم وتعطشهم: {مَا لَنَا} أي: أيّ شيء عرض لنا { لاَ نُؤْمِنُ} نصدق ونوقن ونذعن {بِٱللَّهِ} المتوحد، المتجلي في الأكوان، المستغني عن الدليل والبرهان {وَ} لا نتبع ونمتثل {مَا جَآءَنَا مِنَ} دلائل {ٱلْحَقِّ} وبنيانه {وَ} مع ذلك {نَطْمَعُ} ونرجو {أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ} [المائدة: 84] لتلك المرتبة. وبعدما فزعوا إلى الله، وأخلصوا فيما أظهروا {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ} وأورثهم {بِمَا قَالُواْ} راجياً، مناجياً، متمنياً، متحسراً {جَنَّاتٍ} منتزهات من العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار المعارف والحقائق من ألسنة أرباب الكشف واليقين؛ ليحيي بلدة ميتاً من المحجوبين المسجونين بسلاسل التلقليدات، وأغلال الدلائل والتخمينات {خَالِدِينَ فِيهَا} ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، و{وَذٰلِكَ} الفوز العظيم، والفضل الكريم {جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85] الموصلين إلى مرتبة حق اليقينز {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيدنا {وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ} الدالة عليه، المبينة لطريقة {أُوْلَـۤئِكَ} البعداء، المحبوسون في مضيق الإمكان {أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ} [المائدة: 86] لا نجاة لهم منها، ولا خلاص من غوائلها.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} [83] 168- أنا عمرو بن علي، نا عمر بن علي بن مُقَدم قال: سمعت هشام بن عروة يحدِّث، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النَّجاشي وأصحابه {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى / ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ}.