٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
84
Tafseer
الرازي
تفسير : ففيه مسألتان: الأولى: قال صاحب «الكشاف» محل {لاَ نُؤْمِنُ } النصب على الحال بمعنى غير مؤمنين، كقولك قائماً، والواو في قوله {وَنَطْمَعُ } واو الحال. فإن قيل: فما العامل في الحال الأولى والثانية. قلنا: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال الأولى، لأنك لو أزلته وقلت: وما لنا نطمع لم يكن كلاماً، ويجوز أن يكون {وَنَطْمَعُ } حالاً من {لاَ نُؤْمِنُ } على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على قوله {لاَ نُؤْمِنُ } على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين. المسألة الثانية: تقدير الآية: ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنته ودار رضوانه، قال تعالى: {أية : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ } تفسير : [الحج: 59] إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوماً. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ} بيّن استبصارهم في الدين؛ أي يقولون وما لنا لا نؤمن؛ أي وما لنا تاركين الإيمان. فـ «نُؤْمِنُ» في موضع نصب على الحال. {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ} أي مع أُمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: { أية : أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 105] يريد أُمة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الكلام إضمار أي نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة. وقيل: «مع» بمعنى «في» كما تذكر «في» بمعنى «مع» تقول: كنت فيمن لقي الأمير؛ أي مع من لقي الأمير. والطمع يكون مخففاً وغير مخفف؛ يقال: طَمِع فيه طَمَعاً وطَمَاعَةً وطَمَاعِيَة مخفف فهو طَمِع.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ ٱلْحَقّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ} استفهام إنكار واستبعاد لانتفاء الإِيمان مع قيام الداعي وهو الطمع في الانخراط مع الصالحين، والدخول في مداخلهم أو جواب سائل قال لم أمنتم؟ و {لاَ نُؤْمِنُ} حال من الضمير والعامل ما في اللام من معنى الفعل، أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله، أي بوحدانيته فإنهم كانوا مثلثين. أو بكتابه ورسوله فإن الإِيمان بهما إيمان به حقيقة وذكره توطئة وتعظيماً، ونطمع عطف على نؤمن أو خبر محذوف، والواو للحال أي ونحن نطمع والعامل فيها عامل الأولى مقيداً بها أو نؤمن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} قالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود {مَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ } القرآن؟ أي لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه {وَنَطْمَعُ } عطف على (نؤمن) {أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ } المؤمنين الجنة؟:
ابن عطية
تفسير : قولهم {وما لنا} توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم آمنتم وعجلتم. فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير {وما لنا} ابتداء وخبر، و {لا نؤمن} في موضع الحال، ولكنها حال هي المقصد وفيها الفائدة: كما تقول جاء زيد راكباً وأنت قد سئلت هل جاء ماشياً أو راكباً. وفي مصحف ابن مسعود "وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل إلينا ربنا". {ونطمع} تقديره ونحن نطمع. فالواو عاطفة جملة على الجملة لا عاطفة فعل على فعل و "القوم الصالحون" محمد وأصحابه، قاله ابن زيد وغيره من المفسرين. ثم ذكر الله تعالى ما أثابهم به من النعيم على إيمانهم وإحسانهم. ثم ذكر حال الكافرين المكذبين وأنهم قرناء الجحيم، والمعنى قد علم من غير ما آية من كتاب الله أنه اقتران لازم دائم أبدي. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} الآية قال أبو مالك وعكرمة وإبراهيم النخعي وأبو قلابة وقتادة والسدي وعبد الله بن عباس رضي الله عنه وغيرهم: إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلغت منهم المواعظ وخوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء وبعضهم النوم بالليل والطيب وهمَّ بعضهم بالاختصاء وكان منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون، قال عكرمة: ومنهم ابن مسعود والمقداد وسالم مولى أبي حذيفة، وقال قتادة رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، وقال ابن عباس أخذوا الشفار ليقطعوا مذاكرهم، وطول السدي في قصة الحولاء امرأة عثمان بن مظعون مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارها بأنه لم يلم بها، فلما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحالهم قال: "حديث : أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء وأنال الطيب، فمن رغب عن سنتي فليس مني" تفسير : قال الطبري: وكان فيما يتلى من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء السبيل، وقال ابن زيد: سبب هذه الآيةحديث : أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف فانقلب ابن رواحة وضيفه لم يعشَّ فقال لزوجه ما عشيته؟ قالت: كان الطعام قليلاً فانتظرتك، فقال: حبست ضيفي من أجلي، طعامك علي حرام إن ذقته, فقالت هي: وهو علي حرام إن ذقته وإن لم تذقه، وقال الضيف وهو عليّ حرام إن ذقته إن لم تذوقوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك كلوا باسم الله فأكلوا جميعاً. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له رسول الله أحسنتتفسير : ونزلت هذه الآية وأسند الطبري إلى ابن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: و "الطيبات" في هذه الآية المستلذات بدليل إضافتها إلى ما أحل وبقرينة ما ذكر من سبب الآية، واختلف المتأولون في معنى قوله {ولا تعتدوا} فقال السدي وعكرمة وغيرهما. وهو نهي عن هذه الأمور المذكورة من تحريم ما أحل الله وشرع ما لم يأذن به، فقوله {ولا تعتدوا} تأكيد لقوله {لا تحرموا} وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى ولا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله، فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين كأنه لا تشددوا فتحرموا حلالاً ولا تترخصوا فتحلوا حراماً وقد تقدم القول في معنى لا يحب المعتدين غير مرة.
القشيري
تفسير : وأي عذر لنا في التعريج في أوطان الارتياب، وقد تجلَّت لقلوبنا الحجج؟ ثم ما نؤمله من حُسْنِ العاقبة.. متى بدونه يمكن أن نطلبه؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما لنا} اى أى شىء حصل لنا {لا نؤمن بالله} حال من الضمير فى لنا اى غير مؤمنين على توجيه الانكار والنفى الى السبب والمسبب جميعا {وما جاءنا من الحق} عطف على الجلالة اى بالله وما جاءنا من الحق حال من فاعل جاءنا اى جاءنا فى حال كونه من جنس الحق او من لابتداء الغاية متعلقة بجاءنا ويكون المراد بالحق البارى تعالى {ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} حال اخرى من الضمير المذكور بتقدير مبتدا اى أى شىء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع فى صحبة الصالحين وانما قدر المبتدأ ليكون الحال هو الجملة الاسمية لان المضارع المثبت لا يقع حالا بالواو الا بتأويل تقدير المبتدأ.
الطوسي
تفسير : هذا إِخبار عن هؤلاء الذين آمْنوا من النصارى بأنهم قالوا: {وما لنا} قال الزجاج: وهو جواب لمن قال لهم من قومهم معنفين لهم: لم آمنتم. وقال غيره: قدروا في أنفسهم كأن سائلاً يسألهم عنه، فاجابوا بذلك. وقوله {لا نؤمن} في موضع نصب على الحال، وتقديره أي شىء لنا تاركين للايمان أي في حال تركنا للايمان. والايمان هو التصديق عن ثقة، لأن الصدق راجع الى طمأنينة القلب بما صدق به. والحق هو الشىء الذي من عمل عليه نجا، ومن عمل على ضده من الباطل هلك. ومعنى {من} - ها هنا - قيل في معناه قولان: أحدهما - تبيين الاضافة التي تقوم مقام الصفة، كأنه قيل: والجائي لنا الذي هو حق. وقال آخرون: إِنها للتبعيض لأنهم آمنوا بالذي جاءهم على التفصيل. ووصف القرآن بأنه (جاء) مجاز، كما قيل: نزل، ومعناه نزل به الملك، فكذلك جاء به الملك. ويقال: جاء بمعنى حدث نحو {أية : جاءت سكرة الموت}تفسير : وجاء البرد والحر. وقوله {ونطمع} فالطمع تعلق النفس بما يقوى أن يكون من معنى المحبوب، ونظيره الأمل والرجاء فالطمع يكون معه الخوف أو لا يكون. {أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} معناه أن يدخلنا معهم الجنة. والصالح هو الذي يعمل الصلاح في نفسه واذا عمله في غيره فهو مصلح، فلذلك لم يوصف الله تعالى بأنه صالح ووصف بأنه مصلح.
الجنابذي
تفسير : ويقولون {مَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} بعد معرفة الحقّ وطلبه {وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ} وقد كنّا طالبين له ووجدناه {وَ} الحال انّا {نَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا} جنّته او محضره {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ} بلسان القال والحال او بلسان القال قريناً بالاعتقاد فانّه عبادة لسانيّة وكمال الايمان باقرار اللّسان منبئاً عن الجنان {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} وقد نقل انّ نزول الآية فى النّجاشىّ وبكائه حين قرأ جعفر بن أبى طالب (ع) وقت هجرته الى الحبشة عليه آياً من القرآن.
اطفيش
تفسير : {وَمَا لَنَا لا نُؤمِنُ باللهِ}: وحده، ونترك الكفر بالتثليث أو النبوة، قبل: كانوا مثلثين يقولون ثالث ثلاثة. {وَمَا جَآءَنَا مِنَ الحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الصَّالِحِينَ}: هذا تمام كلامهم ما تعجب من أنفسهم، أوتوبيح لها، أو انكار مبتدأ خبره لنا، ولا نؤمن حال من نا، أى كيف نطمع فى دخول الجنة مع صلحاء الأمة، ونحن لا نؤمن بما آمنوا به، فلا بد من الايمان نصل به الى طمعنا، وهذا توجيه الى القيد، وكيف لا نؤمن ونحن نطمع، وهذا التوجيه الى المقيد، ونطمع خبر لمحذوف كما رأيت، والمبتدأ والخبر حال أو نطمع، عطف على نطمع أى ولا نطمع، أى وما لنا لا نطمع فان الطمع أحق، فنعمل فيما يصدقه. ومن الحق متعلق بمحذوف حال من ضمير جاء، ومن للتبعيض، والحق ما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، أو متعلق بجاء ومن للابتداء، والحق الله تبارك وتعالى، والكلام فى جواب سؤال كأنه قيل: لم آمنتم وليس كونه جواباً لسؤال محذوف مانعاً من تخريج الاستفهام فى أوجهه، وقد قيل عن ابن عباس رضى الله عنهما: لما رجع الوفد الى أهلهم لاموهم على الايمان فقالوا: {وَمَا لَنَا لا نُؤمِنُ باللهِ} الآية وقيل: عيرهم اليهود فأجابوهم بذلك.
اطفيش
تفسير : {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ باللهِ} مع قيام الدلائل، والجملة من جملة المقول كأَنه قيل ويقولون ما لنا إلخ، وقيل معطوفة على جملة محذوفة والمحذوفة من المقول أَى ما لكم لا تؤمنون بالله وما لنا إِلخ، واختار الزجاج أنها جواب سؤال كأَنه قيل لم آمنتم؟ ويرده اقترانها بالواو والحق أَن واو الاستئناف لا تصح لأَن الاستئناف ليس معنى وزعم بعض عن الأَخفش أَن الواو تزاد في الجملة المستأنفة {وَمَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ} وهو الوحدانية ونفى التثليث والتثنية، ومن للبيان أَو الحق الله ومن للبتداء وكانوا من قبل ذلك مؤمنين محقين نافين للتثليث والتثنية كما قال الله جل وعلا {أية : إِنا كنا من قبله مسلمين}تفسير : [القصص: 53] فالمراد ما لنا لا نؤمن هذا الإِيمان الخاص وهو الإِيمان بمحمد وما جاءَ به، وقيل أَسلموا حين سمعوا ماأنزل إِلى الرسول {وَنَطْمَعُ} عطف على لا نؤمن أَى ما لنا نجمع بين ترك الإِيمان والطمع، أَو على نؤمن فالنفى متسلط عليه، أَى ما لنا لا نؤمن ولا نطمع فانا إِن لم نؤمن لم نطمع، أَو خبر لمحذوف والجملة حال من ضمير نؤمن، أَى ما لنا لا نؤمن ونحن نطمع فإِن الطامع يسعى فيما يتحقق له ما يطمع فيه {أَنْ يُدْخِلَنَا} في أَن يدخلنا {رَبُّنَا} جنته {مَعَ القَوْمَ الصَّالحِينَ} أَمة محمد صلى الله عليه وسلم، أَو عموم الصالحين نزل قوله لتجدن إِلى قوله الصالحين في وفد النجاشى القادمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأَ عليهم صلى الله عليه وسلم يس فبكوا وأَسلموا، فقالوا ما أشبه هذا بما نزل على عيسى عليه السلام، والوفد قبل الهجرة وهؤلاء آيات في المدينة لأَن المائدة مدنية، وأَما يس فمكية، وقيل: نزلت الآيات في أَربعين رجلا من نصارى نجران من العرب من بنى الحارث بن كعب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم. وقال قتادة: نزلت في ناس من أَهل الكتاب لم يخرجوا عن دين عيسى وآمنوا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويروى أَن جعفراً وأصحابه رجعوا من الحبشة ووافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على خيبر هم واثنان وستون من الحبشة وثمانية من الشام عليهم ثياب الصوف، فقرأَ صلى الله عليه وسلم يس فبكوا وآمنوا، فالآيات فيهم، وروى أَن النجاشى رضى الله عنه، قال لجعفر رضى الله عنه: هل تعرفون شيئاً مما أنزل على صاحبكم قالوا نعم. قال: اقرءَوا فقرأ جعفر سورة مريم وهناك قسيسون ورهبان وسائر النصارى فعرفوا ما قرأَ فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق ونزلت الآيات فيهم، وأَرسل النجاشي إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه أَزهى في ستين من أَصحابه وكلهم أَسلموا، وكتب إِليه: يا رسول الله إِنى أَشهد أَنك رسول الله صادقاً مصدقاً وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفرا وأَسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إِليك ابنى أَزهى وإِن شئت أَن آتيك بنفسى فعلت والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا في سفينة في أَثر جعفر إِذا كانوا في وسط البحر حتى غرقوا. وعن ابن عباس: المراد بالنصارى في الآية اثنان وستون من الحبشة وثمانية من الشام أَبرهة وبحيرى وإِدريس وأَشرف وتمام وقثم ودريد وأَيمن فهم سبعون جاءوا مع جعفر.
الالوسي
تفسير : {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ ٱلْحَقّ} جعله جماعة ومنهم شيخ الإسلام كلاماً مستأنفاً تحقيقاً لإيمانهم وتقريراً له بإنكار سبب انتفائه ونفيه بالكلية على أن {لاَ نُؤْمِنُ} حال من الضمير في {لَنَا} والعامل على ما فيه من معنى الاستقرار أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين والإنكار متوجه إلى السبب والمسبب جميعاً كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي } تفسير : [يسۤ: 22] ونظائره لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب كما في قوله تعالى: { أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الانشقاق: 20] وأمثاله، وقيل: هو معطوف على الجملة الأولى مندرج معها في حيز القول أي يقولون ربنا آمنا الخ ويقولون ما لنا لا نؤمن الخ، وقيل: هو عطف على جملة محذوفة والتقدير ما لكم لا تؤمنون بالله وما لنا لا نؤمن نحن بالله الخ. وقال بعضهم: إنه جواب سائل قال: لم آمنتم؟ واختاره الزجاج. واعترض بأن علماء العربية صرحوا بأن الجملة المستأنفة الواقعة جواب سؤال مقدر لا تقترن بالواو وذكر علماء المعاني أنه لا بد فيها من الفصل إذ الجواب لا يعطف على السؤال، وأجيب بأن الواو زائدة وقد نقل الأخفش أنها تزاد في الجمل المستأنفة، ولا يخفى أنه لا بد لذلك من ثبت، والحال المذكورة على ما نص عليه الشهاب لازمة لا يتم المعنى بدونها قال: ولذا لا يصح اقترانها بالواو في مالنا وما بالنا لا نفعل كذا لأنها خبر في المعنى وهي المستفهم عنها. وأنت تعلم أن الاستفهام في نحو هذا التركيب في الغالب غير حقيقي وإنما هو للإنكار ويختلف المراد منه على ما أشرنا إليه، ومعنى الإيمان بالله تعالى الإيمان بوحدانيته سبحانه على الوجه الذي جاءت به الشريعة المحمدية فإن القوم لم يكونوا موحدين كذلك، وقيل: بكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الإيمان بهما إيمان به سبحانه والظاهر هو الأول، والإيمان بالكتاب والرسول صلى الله عليه وسلم يفهمه العطف فإن الموصول المعطوف على الاسم الجليل يشمل ذلك قطعاً. و {مِنَ ٱلْحَقّ } على ما ذكره أبو البقاء حال من ضمير الفاعل، وجوز أن تكون (مَن) لابتغاء الغاية أي وبما جاءنا من عند الله وأن يكون الموصول مبتدأ و {مِنَ ٱلْحَقّ } خبره والجملة في موضع الحال أيضاً، ولا يخفى ما في الوجهين من البعد. وقوله تعالى: {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ } حال أخرى عند الجماعة من الضمير المتقدم بتقدير مبتدأ لأن المضارع المثبت لا يقترن بالواو والعامل فيها هو العامل في الأولى مقيد بها فيتعدد معنى كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى: { أية : كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ } تفسير : [البقرة: 25] أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين ونحن نطمع في صحبة الصالحين وهي حال مترادفة ولزوم الأولى لا يخرجها عن الترادف أو حال من الضمير في {لاَ نُؤْمِنُ } على معنى أنهم أنكروا على أنفسهم عدم إيمانهم مع أنهم يطمعون في صحبة المؤمنين، وجوز فيه أن يكون معطوفاً على {نُؤْمِنُ } أو على {لاَ نُؤْمِنُ } على معنى وما لنا نجمع بين / ترك الإيمان والطمع في صحبة الصالحين أو على معنى ما لنا لا نجمع بين الإيمان والطمع المذكور بالدخول في الإسلام لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في تلك الصحبة، وموضع المنسبك من أن ما بعدها إما نصب أو جر على الخلاف بين الخليل وسيبويه، والمراد في أن يدخلنا، واختار غير واحد من المعربين أن ـ نا ـ مفعول أول ليدخل والمفعول الثاني محذوف أي الجنة، قيل: ولولا إرادة ذلك لقال سبحانه في القوم بدل (مع القوم).
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّالِحِينَ} (84) - وَيَقُولُ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّصَارَى: وَمَا الذِي يَمْنَعُنَا مِنْ أَنْ نُؤْمِنَ بِاللهِ وَحْدَه لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمَا الذِي يَصُدُّنَا عَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ أنَّهُ رُوحُ الحَقِّ الذِي بَشَّرَ بِهِ المَسِيحُ وَإِنَّنَا لَنَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الذِينَ صَلَحَتْ أَحْوَالُهُمْ بِالعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ. وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ - وَمَا الذِي يَمْنَعُنَا مِنْ أَنْ نُؤْمِنَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عندما يأتي التعجب هنا فهذا معناه أن الإنسان يحب أن يعلم أن إيمانه بالله مسألة تعطينا الخير لأنفسنا. فحين نؤمن بالله يقابلنا الحق بفيض الكرم من اطمئنان وخير وعطاء. فإياكم أيها الناس أن تعتقدوا أن الإيمان جاء ليحجب حرياتكم أو أنه يمنع عنكم اشتهاء الأشياء. ولكن الإيمان جاء ليعلي الحرية، ويعلي الشهوة فلا يأخذها الإنسان عابرة تنتهي بانتهاء الدنيا ولكن ليأخذها الإنسان خالدة ما بقيت السموات والأرض. إذن فالدين إنما جاء بالنفعية العاقلة؛ لأن العاقل إنما يأخذ على مقدار عمره من نفع يسير ولا يضر أحداً، وإن كان يضر النفس أو الغير فالدين يأمر بترك هذا النفع، ذلك أن النفع إما أن يفوت الإنسان أو يفوته الإنسان. والذكي هو من يؤثر نفع غيره على نفع نفسه. مثال ذلك أن يأتيك سائل يسألك الطعام لأنه لم يأكل منذ يومين، ولا يكون في جيبك إلا جنيه واحد فتعطيه له، إنك بذلك تؤثره على نفسك، فتكون ضمن من قال فيهم الحق سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9]. وبمثل هذا السلوك يكون الإنسان قد اقتدى بالأنصار الذين استضافوا المهاجرين وخلصوا الإيمان فأحبوا أهله، ولا يجدون حقداً أو حسداً فيما خُصّ به المهاجرون من مال الفيء وغيره، وكان جل همهم أن يسعد المهاجرون وقد سبق أن آثروهم بأشياء كانت لهم وارتضوا لأنفسهم عدم البخل، فوقاهم الله شر البخل فكانوا من الفائزين. والمتصدق بجنيه إنما يأخذ من الله عشرة أمثاله، وهذه نفعية كبرى. وعندما أمرنا الشرع بغض البصر عن محارم الغير، والمنفذ لذلك يحفظه الله ويغض الجميع عيونهم عن محارمه، أليست هذه نفعية؟ إذن فمن الحمق أن يظن إنسان أن الدين يقيد الحرية، لأن الدين إنما يعلي الحرية وينميها، وينمي الانتفاع عند المؤمن بأن يحول بينه وبين النفعية الحمقاء. ودائماً أضرب هذه المثل: لنفترض أن رجلاً له ولدان؛ الأول منهما يستيقظ صباحاً من النوم فيفعل مثلما علمه أبوه: يتوضأ ويصلي ويتجه إلى دراسته بعد أن يتناول إفطاره، أما الابن الثاني فلا يستيقظ إلا بصعوبة ويظل يتناوم إلى أن يأتي الضحى ثم يخرج من المنزل إلى المقهى. إن كلاً من الولدين أراد النفع لنفسه، الأول أراد النفع الآجل، والثاني أراد النفع العاجل، وبعد أن تمر عشر سنوات يتخرج الابن الأول ليكون مفلحاً وناجحاً في الحياة، ولكن الابن الثاني يظل صعلوكاً فاشلاً، إذن فكلاهما نظر إلى النفعية ولكن المنظار مختلف. وإياكم أن تفهموا أن هناك إنساناً لا يحب نفسه، لا . كلنا نحب أنفسنا. ولكن هناك من يحب نفسه حباً يعطي لها طول البقاء، فيجد ويجاهد، وقد يكون شهيداً، وآخر أحب نفسه بضيق أفق فحافظ على حياته بالجبن وهو قد مات ألف مرة في أثناء هذا الجبن، وفقد كرامته حرصاً على حياة لن يزيد في مقدارها يوماً واحداً. والمتنبي يقول: شعر : أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه حريصاً عليها مستهاماً بها صبا فحب الجبان النفس أورده التُّقَى وحب الشجاع النفس أورده الحربا تفسير : ولذلك فالمتأمل بعمق في أمر الدين يقول لنفسه: "ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق"، والمؤمن يرى أنه من العجيب ألا يؤمن لأنه يطمح إلى مكانة المؤمن. "ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين" إذن فالمؤمن يطلب مكانة الإنسان الصالح. ويقول الحق من بعد ذلك: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ولهذا اختلفت أحوالهم هاهنا {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} [المائدة: 84]، بعد شهود الشواهد {وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ} [المائدة: 84]، من لوامح المعرفة وطوالع المحبة {وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ} [المائدة: 84]؛ يعني: فلما شهدنا الشواهد اشتقنا إلى المشاهدة وطمعنا في الدخول في زمرة الواصلين وجملة الصالحين للوصال والوصول {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [المائدة: 85]،، فعل إثابة الجنان بما قالوا عن شهود، ومفهوم الخطاب مبني بأنهم موحدون بما نالوا وبما سألوا وقالوا: {وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 85]، الذين يعبدون الله على الشواهد والشهود فإن "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ". تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 86]، ستروا بحجب أوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية؛ فأعمهم الله وأعمى أبصارهم اسمعوا فلم يسمعوا شاهدوا فلم يبصروا {وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ} [المائدة: 86]؛ إذ لم يبصروا {أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ} [المائدة: 86]؛ أي: هم الذين خُلقوا للنار، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} تفسير : [الأعراف: 179]. ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلاً على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: {مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}، أي: عدها لكم وأعدكم لها {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علواً كبيراً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً} [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئاً من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئاً عن المحدثات؛ ليكون محلاً لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيداً، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):