Verse. 754 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

فَاَثَابَہُمُ اللہُ بِمَا قَالُوْا جَنّٰتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْھٰرُ خٰلِدِيْنَ فِيْہَا۝۰ۭ وَذٰلِكَ جَزَاۗءُ الْمُحْسِـنِيْنَ۝۸۵
Faathabahumu Allahu bima qaloo jannatin tajree min tahtiha alanharu khalideena feeha wathalika jazao almuhsineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين» بالإيمان.

85

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بمجرد القول لأنه تعالى قال: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ } وذلك غير ممكن لأن مجرد القول لا يفيد الثواب. وأجابوا عنه من وجهين: الأول: أنه قد سبق من وصفهم ما يدل على إخلاصهم فيما قالوا، وهو المعرفة، وذلك هو قوله {أية : مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ } تفسير : [المائدة: 83] فلما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد ثم انضاف إليه القول لا جرم كمل الإيمان. الثاني: روى عطاء عن ابن عباس أنه قال قوله {بِمَا قَالُواْ } يريد بما سألوا، يعني قولهم {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } تفسير : [المائدة: 83]. المسألة الثانية: الآية دالة على أن المؤمن الفاسق لا يبقى مخلداً في النار، وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: {وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } وهذا الإحسان لا بدّ وأن يكون هو الذي تقدم ذكره من المعرفة وهو قوله {أية : مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقّ } تفسير : [المائدة: 83] ومن الاقرار به، وهو قوله {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ } وإذا كان كذلك، فهذه الآية دالة على أن هذه المعرفة، وهذا الاقرار يوجب أن يحصل له هذا الثواب، وصاحب الكبيرة له هذه المعرفة وهذا الاقرار، فوجب أن يحصل له هذا الثواب، فأما أن ينقل من الجنة إلى النار وهو باطل بالإجماع، أو يقال: يعاقب على ذنبه ثم ينقل إلى الجنة وذلك هو المطلوب. الثاني: هو أنه تعالى قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } فقوله {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } يفيد الحصر، أي أولئك أصحاب الجحيم لا غيرهم، والمصاحب للشيء هو الملازم له الذي لا ينفك عنه، فهذا يقتضي تخصيص هذا الدوام بالكفار، فصارت هذه الآية من هذين الوجهين من أقوى الدلائل على أن الخلود في النار لا يحصل للمؤمن الفاسق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ} دليل على إخلاص إيمانهم وصدق مقالهم؛ فأجاب الله سؤالهم وحَقَّق طمعَهم ـ وهكذا من خَلَص إيمانه وصَدَق يقينه يكون ثوابه الجنة. ثم قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من اليهود والنّصارى ومن المشرِكين {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} والجحيم النار الشديدة الاتقاد. يقال: جَحَم فلان النار إذا شدّد إيقادها. ويقال أيضاً لِعَين الأسد: جَحْمَة؛ لشدّة اتقادها. ويقال ذلك للحرب قال الشاعر: شعر : والحربُ لا يَبقى لجا حِمها التّخيل والمِراحْ إلاّ الفتى الصَّبَّار في النّجدات والفَرس الوَقاحْ

البيضاوي

تفسير : {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ} أي عن اعتقاد من قولك هذا قول فلان أي معتقده. {جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ} الذين أحسنوا النظر والعمل، أو الذين اعتادوا الإِحسان في الأمور والآيات الأربع. روي (أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرأه، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين، فأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فبكوا وآمنوا بالقرآن) وقيل نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم سورة يس فبكوا وآمنوا. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} عطف التكذيب بآيات الله على الكفر، وهو ضرب منه لأن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب.{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإِفراط في ذلك والاعتداء عما حد الله سبحانه وتعالى بجعل الحلال حراماً فقال: {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما. روي (حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة لأصحابه يوماً وبالغ في إنذارهم، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح، ويسيحوا في الأرض، ويجبوا مذاكيرهم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) تفسير : فنزلت. {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيّباً} أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله، فيكون حلالاً مفعول كلوا ومما حال منه تقدمت عليه لأنه نكرة، ويجوز أن تكون من ابتدائية متعلقة بكلوا، ويجوز أن تكون مفعولاً وحلالاً حال من الموصول، أو العائد المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف وعلى الوجوه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِي أَيْمَـٰنِكُمْ} هو ما يبدو من المرء بلا قصد كقول الرجل: لا والله وبلى والله، وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقيل الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن، وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وفي أيمانكم صلة يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر أو حال منه. {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ} بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية، والمعنى ولكن يؤاخذِكم بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف للعلم به. وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم {عَقَّدتُّمُ} بالتخفيف، وابن عامر برواية ابن ذكوان «عاقدتم» وهو من فاعل بمعنى فعل. {فَكَفَّارَتُهُ} فكفارة نكثه أي الفعلة التي تذهب إثمه وتستره، واستدل بظاهره على جواز التكفير بالمال قبل الحنث وهو عندنا خلافاً للحنفية لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير»تفسير : {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } من أقصده في النوع أو القدر، وهو مد لكل مسكين عندنا ونصف صاع عند الحنفية، وما محله النصب لأنه صفة مفعول محذوف تقديره: أن تطعموا عشرة مساكين طعاماً من أوسط ما تطعمون، أو الرفع على البدل من إطعام، وأهلون كأرضون. وقرىء «أهاليكم» بسكون الياء على لغة من يسكنها في الأحوال الثلاث كالألف، وهو جمع أهل كالليالي في جمع ليل والأراضي في جمع أرض. وقيل هو جمع أهلاة. {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على إطعام أو من أوسط إن جعل بدلاً وهو ثوب يغطي العورة. وقيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار. وقرىء بضم الكاف وهو لغة كقدوة في قدوة وكأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً تواسون بينهم وبينهم إن لم تطعموهم الأوسط، والكاف في محل الرفع وتقديره: أو إطعامهم كأسوتهم. {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أو إعتاق إنسان، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأَيمان قياساً على كفارة القتل، ومعنى أو إيجاب إحدى الخصال الثلاث مطلقاً وتخيير المكفر في التعيين. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي واحداً منها. {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } فكفارته صيام ثلاثة أيام، وشرط فيه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه التتابع لأنه قرىء «ثلاثة أيام متتابعات»، والشواذ ليست بحجة عندنا إذا لم تثبت كتاباً ولم ترو سنة. {ذٰلِكَ } أي المذكور. {كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم. {وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ } بأن تضنوا بها ولا تبذلوها لكل أمر، أو بأن تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير، أو بأن تكفروها إذا حنثتم. {كَذٰلِكَ } أي مثل ذلك البيان. {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ } أعلام شرائعه. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة التعليم أو نعمة الواجب شكرها فإن مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج منه. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ} أي الأصنام التي نصبت للعبادة. {وَٱلأَزْلاَمُ} سبق تفسيرها في أول السورة. {رِجْسٌ } قذر تعاف عنه العقول، وأفرده لأنه خبر للخمر، وخبر المعطوفات محذوف أو لمضاف محذوف كأنه قال: إنما تعاطي الخمر والميسر. {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} لأنه مسبب عن تسويله وتزيينه. {فَٱجْتَنِبُوهُ} الضمير للرجس أو لما ذكر أو للتعاطي. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} لكي تفلحوا بالاجتناب عنه. واعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية، بأن صدر الجملة بـ {إِنَّمَا} وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وسماهما رجساً، وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهاً على أن الاشتغال بهما شرّ بحت أو غالب، وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعله سبباً يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ} وإنما خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهاً على أنهما المقصود بالبيان، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : شارب الخمر كعابد الوثن»تفسير : وخص الصلاة من الذكر بالإِفراد للتعظيم، والإِشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان من حيث إنها عماده والفارق بينه وبين الكفر، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتباً على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} إيذاناً بأن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } بالإيمان.

ابو السعود

تفسير : {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ} أي عن اعتقاد، من قولك: هذا قول فلان أي مُعتقدُه، وقرىء (فآتاهم الله) {جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ} أي الذين أحسنوا النظر والعمل أو الذين اعتادوا الإحسان في الأمور، والآيات الأربع، رُوي (أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه فقرأه ثم دعا جعفرَ بن أبـي طالب والمهاجرين معه وأحضر القسيسين والرهبان، فأمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريمَ، فبكَوْا وآمنوا بالقرآن)، وقيل: نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه وفدوا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليهم سورة مريم فبكَوا وآمنوا. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} عطَفَ التكذيب بآيات الله على الكفر مع أنه ضربٌ منه لِما أن القصد إلى بـيان حال المكذبـين، وذكَرهم بمقابلة المصدِّقين بها جمعاً بـين الترغيب والترهيب. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي ما طاب ولذ منه، كأنه لمّا تضمّن ما سلف من مدح النصارى على الترهّب وترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض الشهوات، عقّب ذلك بالنهي عن الإفراط في الباب، أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغةً منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً. وروي «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف القيامة لأصحابه يوماً فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار فرقّوا واجتمعوا في بـيت عثمانَ بنِ مظعونٍ، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين وألا يناموا على الفُرش، ولا يأكلوا اللحم والودَك، ولا يقرَبوا النساء والطيِّب، ويرفضوا الدنيا ويلْبَسوا المُسوح، ويَسيحُوا في الأرض، ويجُبُّوا مذاكيرَهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "إني لم أومر بذك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأُفطر، وآكلُ اللحم والدسم، وآتي النساء، فمن رغِب عن سنتي فليس مني"» تفسير : فنزلت. {وَلاَ تَعْتَدُواْ} أي لا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات، أو جَعَلَ تحريمَ الطيبات اعتداءً وظلماً، فنهى عن مطلق الاعتداء ليدخُل تحته النهيُ عن تحريمها دخولاً أولياً لوروده عَقيبه، أو أريدَ ولا تعتدوا بذلك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} تعليل لما قبله.

القشيري

تفسير : لمَّا صَدَقَتْ آمالهم قابلها بالتحقيق، سُنَّةً منه - سبحانه - ألا يخيب راجيه، ولا يرد مؤمليه، وإنما علَّق الثواب على قولِ القلب الذي هو شهادةٌ عن شهوده، فأمّا النظر المنفردُ عن البصيرةِ فلا ثوابَ عليه ولا إيجاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {فاثابهم الله} اى اعطاهم وجازاهم {بما قالوا} اى عن اعتقادهم بدليل قوله مما عرفوا من الحق {جنات} اى بساتين {تجرى من تحتها الأنهار} اى تجرى من تحت اشجارها ومساكنها وغرفها انهار الماء والعسل والخمر واللبن {خالدين فيها وذلك} الثواب {جزاء المحسنين} اى الذين احسنوا النظر والعمل او الذين اعتادوا الاحسان فى الامور.

الطوسي

تفسير : معنى {فأثابهم الله} جازاهم الله بالنعيم على العمل كما أن العقاب الجزاء بالعذاب على العمل وأصل الثواب الرجوع. ومنه قوله {أية : هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون}تفسير : أي هل رجع اليهم جزاء عملهم. وقوله {بما قالوا} يعني قولهم {ربنا آمنا} وقوله {جنات تجري من تحتها الأنهار} إِنما ذكرها بلفظ الجمع وإِن كانت هي جنة الخلد، لأنها جنة فيها جنات أي بساتين، وتذكر بالجمع لتبين عن اختلاف صورها وأحوال أشجارها وأنهارها ووجوه الاستمتاع بها، ووجه آخر: هو أن يكون جمعها مضافاً اليهم كما يقال لهم جنة الخلد إِلا أنها مرة تذكر على طريق الجنس، ومرة على غير طريق الجنس. وقوله {وذلك جزاء المحسنين} (ذلك) إِشارة إلى الثواب. والاحسان هو إِيصال النفع الحسن الى الغير، وضده الاساءة، وهي إِيصال الضرر القبيح اليه، وليس كل من كان من جهته إِحسان فهو محسن مطلقاً، فالمحسن فاعل الاحسان الخالي مما يبطله، كما أن المؤمن هو فاعل الايمان الخالص مما يحبطه، وعندنا لا يحتاج الى شرط خلوه مما يبطله، لأن الاحباط عندنا باطل، لكن يحتاج أن يشرط فيه أن يكون خالياً من وجوه القبح. وقوله {وذلك جزاء المحسنين} وإِن كان مطلقاً فهو مقيد في المعنى بالمحسنين الذين يجوز عليهم الوعد بالنفع، لأنه وعد به، ألا ترى أن الله تعالى يفعل الاحسان وإِن كان لا يصح عليه الثواب لأنه مضمن بمن يجوز عليه المنافع والمضار فجزاؤه هذه المنافع العظام دون المضار، لأنه خرج مخرج استدعاء العباد الى فعل الاحسان.

اطفيش

تفسير : {فَأثَابَهُمُ اللهُ}: جزاهم الله، ويدل له قراءة الحسن فآتاهم. {بِمَا قَالُوا}: بسبب ما قالوه، أو بسبب قولهم المقرون باعتقاد وبقين، أو المراد بالقول اعتقادهم اليقين، والمراد ايمانهم بالله والقرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم. {جَنَّاتٍ}: مفعول ثان لأثابهم، أى أعطاهم أو على تقدير الباء، أى بجنات وليست هذه الباء بحالتى قبلها بل للتعويض. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهَارُ خَالِدِينَ}: مقدرين الخلود أو سيجلدون. {فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ المُحْسِنِينَ}: الذى أجاد، والنظر والعمل أو الذين اعتادوا الاحسان فى الأمور، والخير يجلب الخير، وذلك أنهم آمنوا وأخلصوا ايمانهم عما يفسده من ترك فرض، أو ارتكاب كبيرة واصرار عليها، أو على صغيرة.

اطفيش

تفسير : {فَأَثَابُهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا} بما اعتقدوا، والقول يطلق على الاعتقاد أَو بقولهم المطابق لاعتقادهم، وقيل القول: بمعنى الرأى والمذهب، وفسر كثير القول بقولهم مالنا لا نؤمن وبعض بقولهم ربنا آمنا. وعن ابن عباس وهو قولهم: فاكتبنا مع الشاهدين، وقولهم ونطمع إِلخ {جَنَّاتٍ} مفعول آخر لأَثاب أَى جعل الجنات ثواباً لهم {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِنَ فِيهَا وَذَلِكَ} ما ذكر من الإِثابة أَو الإِشارة بلا تاء يعتبر مضافاًن أَى إِثابة أَو إِثابهم بكسر الهمزة كقوله تعالى {أية : وإِقام الصلاة وإِيتاء الزكاة} تفسير : [الأنبياء: 73، النور: 37] {جَزَاءُ المُحْسِنِين} أَحسنوا النظر فى الدلائل النقلية والحسية فآمنوا وعملوا واتقوا، وأَحسنوا بالإِيمان والعمل والتقوى، أَو اعتادوا الإِحسان في الأُمور، والمراد عموم المحسنين أو هؤلاء المذكورون، فمقتضى الظاهر جزاؤهم فأَظهر ليصفهم بأَن ذلك منهم إِحسان.

الالوسي

تفسير : {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ } أي بسبب قولهم أو بالذي قالوه عن اعتقاد فإن القول إذا لم يقيد بالخلو عن الاعتقاد يكون المراد به المقارن له كما إذا قيل هذا قول فلان لأن القول إنما يصدر عن صاحبه لإفادة الاعتقاد. وقيل: إن القول هنا مجاز عن الرأي والاعتقاد والمذهب كما يقال: هذا قول الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مثلاً أي هذا مذهبه واعتقاده. وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بهذا القول قولهم: { أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ } تفسير : [المائدة: 84] الخ. واستظهر أبو حيان أنه عنى به قولهم: { أية : رَبَّنَا ءامَنَّا } تفسير : [المائدة: 83] وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وعطاء أن المراد به { أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } تفسير : [المائدة: 83] وقولهم { أية : وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا } تفسير : [المائدة: 84] الخ، قال الطبرسي: «فالقول على هذا بمعنى المسألة» وفيه نظر، والإثابة المجازاة، وفي «البحر» «أنها أبلغ من الإعطاء لأنها ما تكون عن عمل بخلاف الإعطاء فإنه لا يلزم فيه ذلك». وقرأ الحسن {فَـاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ }. {جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰالِدِينَ فِيهَا} أبد الآبدين وهو حال مقدرة {وَذَلِكَ } المذكور من الأمر الجليل الشأن {جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } أي جزاؤهم، وأقيم الظاهر مقام ضميرهم مدحاً لهم وتشريفاً بهذا الوصف الكريم، ويحتمل أن يراد الجنس ويندرجون فيه اندراجاً أولياً أي جزاء الذين اعتادوا الإحسان في الأمور.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على قوله {أية : يقولون: ربّنا ءامنّا...}تفسير : [المائدة: 83] إلى آخر الآية. ومعنى (أثَابهم) أعطاهم الثواب. وقد تقدّم القول فيه عند تفسير قوله تعالى: {أية : لَمَثُوبة من عند الله خير} تفسير : في سورة البقرة (103). والباء في قوله {بما قالوا} للسببية. والمراد بالقول قول الصادق وهو المطابق للواقع، فهو القول المطابق لاعتقاد القلب، وما قالوه هو ما حكي بقوله تعالى: {أية : يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين..}تفسير : [المائدة: 83] الآية. وأثابَ يتعدّى إلى مفعولين على طريقة باب أعطى، فـــ{جَناتٍ} مفعوله الثاني، وهو المعطَى لهم. والإشارة في قوله {وذلك جزاء المحسنين} إلى الثواب المأخوذ من {أثابهم} ولك أن تجعل الإشارة إلى المذكور وهو الجنّات وما بها من الأنهار وخلودهم فيها. وقد تقدّم نظير ذلك عند قوله تعالى في سورة البقرة (68) {أية : عَوَان بيْنَ ذلك}.

الواحدي

تفسير : {فأثابهم الله بما قالوا} يعني: بما سألوا الله من قولهم: {فاكتبنا مع الشاهدين} وقولهم: {ونطمع أن يدخلنا ربنا...} الآية. {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك} [أي: الثَّواب] {جزاء المحسنين} الموحِّدين، ثمَّ ذكر الوعيد لمَنْ كفر من أهل الكتاب وغيرهم، فقال: {والذين كفروا وكَذَّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}. {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحلَّ الله لكم} هم قومٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم تعاهدوا أن يحرِّموا على أنفسهم المطاعم الطَّيِّبة، وأن يصوموا النَّهار ويقوموا اللَّيل، ويُخْصُوا أنفسهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وسمَّى الخِصاء اعتداءً، فلمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، إنَّا كنَّا قد حلفنا على ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَأَثَابَهُمُ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (85) - فَجَازَاهُمُ اللهُ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِرُسُلُهِ، وَعَلَى تَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ، وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ بِإِدْخَالِهِمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَإسْكَانِهِمْ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي فِي جَنَبَاتِهَا الأنْهَارُ، وَسَيَكُونُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أبَداً وَذَلِكَ هُوَ الجَزَاءُ الذِي أعَدَّهُ اللهُ لِمَنْ أحْسَنَ عَمَلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إنها كلمة الحق التي تقال في كل مكان وزمان. قالها نجاشي الحبشة وله سلطان لأهل الجاه من قريش الذين استبد بهم باطلهم؛ لذلك كان لهذه الكلمة وزنها، فعندما سمع ما نزل من القرآن من سورة مريم قال: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. إذن فهي كلمة حق لها وزن، والله سبحانه وتعالى يجزل العطاء لكل من ساند الحق ولو بكلمة فهو سبحانه (الشكور) الذي يعطي على القليل الكثير، و (المحسن) الذي يضاعف الجزاء للمحسنين. ولنا أن نعرف أن للقول أهمية كبرى لأنه يرتبط من بعد ذلك بالسلوك. وكان قول النجاشي عظيماً، لكن العمر قد قصر به عن استمرار العمل بما قال. فقد قال كلمته وجاءه التوكيل من رسول الله ليعقد للرسول على أم حبيبة بنت أبي سفيان فقعد عليها وكيلاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمرها من ماله ثم مات، ولم تكن أحكام الإسْلام قد وصلت إليه ليطبقها؛ لذلك كان يكفيه أنه قال هذا القول، ولذلك صلى عليه النبي صلاة الغائب. وهناك قصة "مخيريق" اليهودي. لقد تشرب قلبه الإسلام وامتلأ به وكان في غاية الثراء فقال لليهود: كل مالي لمحمد وسأخرج لأحارب معه. وخرج إلى القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل فمات شهيداً، وهو لم يكن قد صلى في حياته كلها ركعة واحدة. إذن مجرد القول هو فتح لمجال الفعل. {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} والحق يريد أن يؤكد لنا أن كل حركة إيمانية حتى ولو كانت قولاً إنما تأخذ كمالها من عمرها. ونعلم أن الإيمان في مكة كان هو الإيمان بالقول. ذلك أن الناس آمنت ولم تكن الأحكام قد نزلت، فغالبية الأحكام نزلت في المدينة. وعلى ذلك أثاب الله المؤمنين لمجرد أنهم قالوا كلمة الإيمان، حدث ذلك ولم يكن قد جاء من الحق الأمر بالبلاغ الشامل وهو قوله الحق: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214]. فهؤلاء قد جزاهم الله حسن الثواب وسمّاهم "محسنين" وكذلك فعل النجاشي، فقد ذهب إلى الإيمان دون أن توجه له دعوة وكان ذلك قبل أن يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة للملوك ليؤمنوا، وعلى هذا فالنجاشي محسن؛ لأنه قفز إلى الإيمان قبل أن يطلب منه. وساعة يتكلم الحق عن منزلة من منازل الإيمان فهو أيضاً يتعرض للمقابل، وذلك لتبلغ العظة مراميها الكاملة. فإذا تحدث عن أهل الجنة فهو يعقبها بحديث عن أهل النار، وإذا تحدث عن أهل النار فهو يعقبها بحديث عن أهل الجنة؛ لأن النفس الإنسانية تكون مستعدة للشيء ومقابله. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}