٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ }.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ترغيباً، ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيباً فقال: {والذين كفروا} أي ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل {وكذبوا} أي عناداً {بآياتنا} أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا {أولئك} أي البعداء من الرحمة {أصحاب الجحيم *} أي الذين لا ينفكون عنها، لا غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم. ولما مدح سبحانه الرهبان، وكان ذلك داعياً إلى الترهب، وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض، شريفة في المبدأ دنية في المآل، فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في الطاعات والتورع عن أكثر المباحات، والإنسان مبني على الضعف مطبوع على النقائص، فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه، ويسرع بما له من صفة العجلة إليه، فيقع في الخيانة كما قال تعالى: {أية : فما رعوها حق رعايتها} تفسير : [الحديد: 27] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط رحمة منه لأهله ولطفاً بهم تشريفاً لنبيهم صلى الله عليه وسلم، ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي وجد منهم الإقرار بذلك {لا تحرموا} أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقاً لما أقررتم به، ورغبهم في امتثال أمره بأن جعله موافقاً لطباعهم ملائماً لشهواتهم فقال: {طيبات ما} أي المطيبات وهي اللذائذ التي {أحل الله} وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ذلك، فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي، وأكد ذلك بقوله: {لكم} أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض، لا ضر يلحقه ولا نفع، لأن له الغنى المطلق. ولما أطلق لهم ذلك، حثهم على الاقتصاد، وحذرهم من مجاوزة الحد إفراطاً وتفريطاً فقال: {ولا تعتدوا} فدل بصيغة الافتعال على أن الفطرة الأولى مبنية على العدل، فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف، ثم علل ذلك بقوله مؤكداً لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة: {إن الله} أي وهو الملك الأعظم {لا يحب المعتدين *} أي لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت، ولا للمفرطين فيه الذين يحللون ما حرمت، أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول، وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك؛ روى الواحدي في أسباب النزول بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت: {لا تحرموا ما أحل الله لكم} ونزلت: {أية : وكلوا مما رزقكم الله} تفسير : [المائدة: 88]". وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال: حسن غريب، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلاً. وقال الواحدي: وتبعه عليه البغوي: قال المفسرون: "جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير؛ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: حديث : ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله! وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا. وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامعتفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى {أية : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم}تفسير : [المائدة: 89، والبقرة: 225]، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلى الله عليه وسلم سأل، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سبباً، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة، بعضها أقرب من بعض، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود " حديث : أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من خصي ولا اختصى، إن خصاء أمتي الصيام، فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في السياحة، فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله. فقال: يا رسول الله! ائذن لنا في الترهب، فقال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً لصلاة" تفسير : وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضاً قال: "أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أذن له - وفي رواية: ولو أجاز له - التبتل لاختصينا" وللدارمي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضاً قال: "حديث : لما كان من أمر عثمان بن مظعون رضي الله عنه الذي كان ممن ترك النساء بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عثمان! إني لم أومر بالرهبانية، أرغبت عن سنتي؟ قال: لا يا رسول الله! قال: إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم وأنكح وأطلق، فمن رغب عن سنتي فليس مني، يا عثمان! إن لأهلك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، قال سعد: فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي فنتبتل"تفسير : وقال شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: وروى الطبراني من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: "أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح" ومن طريق ابن جريج عن عكرمة "حديث : أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة في جماعة رضي الله عنهم تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} - الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:إن لأنفسكم عليكم حقاً، فصوموا وأفطروا وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا" تفسير : وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل. وقرأ قتادة: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية} وللنسائي عن عائشة رضي الله عنها نحوه وأشار إليه الترمذي. وللطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن التبتل نهياً شديداً. يقول: "حديث : تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة"تفسير : ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: "كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء - وفي رواية: نساء، وفي رواية: كنا ونحن شباب - فقلنا: يا رسول الله! ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا عبد الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}" الآية. ومنها ما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حديث : قلت: يا رسول الله! إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء - قال النسائي: أفأختصي - فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة! جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذر- وقال النسائي: أو دع" تفسير : ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "حديث : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم - وفي رواية مسلم والنسائي أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً؛ وفي رواية: وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال أقوام كذا وكذا! وفي رواية: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" تفسير : والمبهمون في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري - هم ابن مسعود وأبو هريرة وعثمان بن مظعون، وسيأتي مفرّقاً ما يشير إلى ذلك، يعني ما قدمته أنا، قال: وقيل: هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب، وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن منهم علياً وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، وقال شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف: إن هذا أصلُ ما رواه الواحدي عن المفسرين، وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهمتفسير : ، وفي رواية: حديث : ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم"تفسير : ولأبي داود عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم" تفسير : وللإمام أحمد في المسند عن أنس رضي الله عنه والحاكم في علوم الحديث في فن الغريب - وهذا لفظه - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض عبادة الله إليك، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى" تفسير : المتين: الصلب الشديد، والإيغال: المبالغة، والمنبت - بنون وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا؛ وفي بعض الروايات: والقصد القصد تبلغوا"تفسير : ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي رضي الله عنه قال: " حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، قال: فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: نافقت نافقت! فقال أبو بكر: إنا لنفعله، فذهب حنظلة فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:يا حنظلة! لو كنتم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم، يا حنظلة! ساعة وساعة"تفسير : ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة - وكان من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك"؟ قلت: يا رسول الله! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة - ثلاث مرات" "تفسير : . وفي رواية: قال: حديث : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظنا فذكرنا النار - وفي رواية: الجنة والنار - ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة! فقال: مه؟ فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل، فقال: يا حنظلة! ساعة وساعة، فلو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق" تفسير : ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في معرفتها الأفاضل، وكع عن تطلبها لغموضها الأكابر الأماثل، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك، ومن هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى: {أية : أحلت لكم بهيمة الأنعام} تفسير : [الأنعام: 1] وقوله تعالى: {أية : قل أحل لكم الطيبات} تفسير : [المائدة: 4] وما أحسن تصديرها بيا أيها الذين آمنوا - كما صدر أول السورة به، وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود، فكان كأنه تعالى قال: أوفوا بالعقود، فلا تتهاونوا بها فتنقضوها، ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين فتضعفوا، فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه، بل سددوا وقاربوا، والقصد القصد تبلغوا، وقال ابن الزبير بعد قوله: {أية : ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} تفسير : [المائدة: 14] ثم فصل للمؤمنين أفعال الفريقين - أي اليهود والنصارى - ليتبين لهم فيما نقضوا، ثم بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى: {أية : لتجدن أشد الناس عداوة} تفسير : [المائدة: 82]. ثم نصح عباده وبين لهم أبواباً منها دخول الامتحان، وهي سبب في كل الابتلاء، فقال: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم وظالمين - انتهى. و {ما أحل} شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك.
القشيري
تفسير : (هذا) أثر الإعراض عن الأعداء في مقابلة أثر الإقبال على الأولياء معجَّلاً ومؤجلاً.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} فماتوا على ذلك عطف التكذيب بآيات الله على الكفر مع انه ضرب منه لما ان القصد الى بيان حال المكذبين {اولئك اصحاب الجحيم} اهل النار الشديدة الوقود وهم الذين استتروا بحجب اوصاف البهيمية والسبعية والشيطانية فاصمهم الله واعمى ابصارهم سمعوا ولم يستمعوا وشاهدوا ولم يبصروا بخلاف من قال لهم الله ألست بربكم فاسمعهم كلامه ووفقهم للجواب حتى شهدوا ربوبيته فقالوا بلى شهدنا فكذلك ههنا اسمعهم كلامه وعرفهم حقيقة كلامه فاشتاقوا اليه وتذكر قلوبهم ما شاهدوا عند الميثاق من تلك المشاهدة فبكوا بكاء الشوق وبكاء المعرفة: وفى المثنوى شعر : خوى بددر ذات تواصلى نبود كزبد اصلى مى نيابد جز جحود آن بدى عاريتى باشد كه او ارد اقرار وشود اوتوبه جو همجو آدم ذلتش عاريه بود لاجرم اندر زمان توبه نمود جونكه اصلى بودجرم آن بليس ره نبودش جانب توبه نفيس تفسير : ـ حكى ـ ان سلطانا زار قبر ابى يزيد قدس سره فسأل عن حاله من بعض اصحاب ابى يزيد فقال من رآه لم يدخل النار فقال السلطان ان أبا جهل رأى النبى عليه السلام ومع ذلك يدخل النار وليس شيخك فوق النبى عليه السلام فقال ايها السلطان ان ابا جهل لم ير النبى صلى الله عليه وسلم بل رأى يتيم ابى طالب فلو رأى انه رسول الله لآمن به وخلص من النار وبنور العرفان آمنت بلقيس فانها لما رأت كتاب سليمان شاورت قومها فقالوا نقاتله انه يدعى النبوة والانبياء عباد الله المكرمون لا يقاتلهم احد فبعد الامتحان آمنت به: قال المولوى قدس سره شعر : جون سليمان سوى مرغان سبا يك صفيرى كرد بست آن جمله را جزمكر مرغى كه بدبى جان وبر ياجو ماهى كنك بود ازاصل كر نى غلط كفتم كه كر كرسر نهد بيش وحى كبريا شمعش دهد جونكه بلقيس ازدل وجان عزم كرد بر زمان رفته هم افسوس خورد ترك مال وملك كرد او آنجنان كه بترك نام وننك آن عاشقان آن غلامان وآن كنيزان بناز بيش جشمش همجو بوسيده بياز باغهاو قصرهاو آب رود بيش جشم ازعشق او كلخن نمود عشق درهنكام استيلاو خشم زشت كرداند لطيفانرا بجشم هر زمردرا نمايد كندنا غيرت عشق اين بود مغتئ لا لا اله الاهو اينست اى بناه كه نمايد دمه تراويك سياه تفسير : واعلم انه فى العالم العلمى وفق من وفق فجرى على ذلك التوفيق فى هذا العالم العينى الشهادى ثم لا يزال على ذلك فى جانب الابد حتى يدخل الجنة الصورية الحسية مع اذواق الروحانية المعنوية خالدا فيها فهذا هو ثمرة ذلك البذر ومحصول ذلك الزرع والحرث كما قال الله تعالى {أية : فاثابهم الله بما قالوا} تفسير : [المائدة: 85] الخ. فعلى المؤمن ان يجتهد فى تحصيل اليقين ويدخل الجنة العاجلة التى هى المعرفة الالهية كما قال مما عرفوا من الحق ويتخلص من نار البعد والفراق كما قال {أولئك أصحاب الجحيم}.
الطوسي
تفسير : لما كان أهل الكتاب فريقين أحدهما آمنوا، والثاني كفروا، وذكر الوعد للمؤمنين منهم اقتضى أن يذكر الوعيد لمن كفر منهم وأطلق اللفظ ليكون لهم ولكل من جرى مجراهم، وإنما شرط في الوعيد على الكفر بالتكذيب بالآيات وإِن كان كل واحد منهما يستحق به العقاب، لأن صفة الكفار من أهل الكتاب أنهم يكذبون بالآيات، فلم يصلح - ها هنا - لو كذبوا لأنهم قد جمعوا الأمرين، ولأن دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بوعيد الكفار ظاهرة مع مجيء القرآن به في نحو قوله {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : فلم يقع فيه اشكال لهذا. وقوله {أولئك} يعني هؤلاء الكفار. و {أصحاب الجحيم} يعني الملازمون لها، كقولك أصحاب الصحراء وليس كمثل أصحاب الاموال، لأن معنى ذلك ملاك الأموال. وليس من شرط المكذب أن يكون عالماً أن ما كذب به صحيح بل اذا اعتقد أن الخبر كذب سمي مكذباً، وإِن لم يعلم أنه كذب، وإِنما يستحق الذم، لأنه جعل له طريق الى أن يعلم صحة ما كذب به. و {الجحيم} النار الشديدة الايقاد وهو إِسم من أسماء جهنم ويقال: جحم فلان النار اذا شدد ايقادها، ويقال أيضاً لعين الاسد: جحمة لشدة ايقادها، ويقال ذلك للحرب أيضاً قال الشاعر: شعر : والحرب لا تبقى لجا حمها التخيل والمراح إِلاَّ الفتى الصبار في النجـ دات والفرس الوقاح
الجنابذي
تفسير : عطف باعبتار المعنى كأنّه قال فالّذين آمنوا وصدّقوا بآياتنا اولئك اصحاب الجنّة والّذين كفروا الى آخرها وهو لبيان حال منافقى الامّة او للتّعريض بهم فانّ عليّاً (ع) اعظم الآيات.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا}: بالله بأن قال الله ثالث ثلاثة، أو عيسى ابن الله، أو عيسى الله أو عبد الأصنام أو جحد الله أو قال: عزير ابن الله ونحو ذلك من أنواع الشرك وأنواع النفاق. {وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا}: بأن كذبوا آية واحدة أو حرفاً أو أكثر أو بمعجزة نبى، لأن من كفر بشىء من ذلك فقد كفر بجميع الكتب والأنبياء والمعجزات، وعطف كذبوا بآياتنا على كفروا عطف عام على خاص، ليقابل بالتكذيب بالآيات ما سبق من التصديق بها، ترغيباً فيمن صدق، وترهيباً عمن كذب. {أُوْلَئِكَ أصْحَابُ الجَحِيمِ}: النار الموقدة ايقاداً عظيماً، روىحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر النار يوماً ووصف يوم القيامة فبالغ وأشبع الكلام فى الانذار، فرقق قلوبهم فاجتمع عشرة من الصحابة فى بيت عثمان بن مظعون الجمحى، وهم: أبو بكر، وعلى، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفارى، وسالم مولى أبى حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسى، ومعقد بن مقرن، وتشاوروا واتفقوا على أنهم يترهبون ويلبسون المسوح، ويقطعون مذاكيرهم، ويصومون الدهر، يقومون الليل ولا ينامون على الفرش، ولا يأكلون اللحم والودك، ولا يقربون النساء ولا الطيب ويسيحوا فى الأرض. فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته: "أحق ما بلغنى عن زوجك وأصحابه؟ "فكرهت أن تكذب، وكرهت أن تبدى سر زوجها فقالت: يا رسول الله ان كان قد أخبرك عثمان فقد صدق، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء عثمان أخبرته بذلك، فأتى هو وأصحابه العشرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا" فقالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا الا الخير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم أومر بذلك" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ان لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فانى أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتى النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى" ثم جمع الناس خطبهم فقال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطيب والطعام وشهوات الدنيا وانى لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فانه ليس فى دينى ترك النساء والطعام، والطيب وشهوات الدنيا، ولا اتخاذ الصوامع، وان سياحة أمتى الصوم، ورهبانيتهم الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، واستقيموا يستقم لكم، فانما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم " تفسير : فنزل قوله تعالى: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوْا}
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} من أَهل الكتاب وغيرهم{وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا} في القرآن {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ترهيب بعد ترغيب روى أَنه صلى الله عليه وسلم ذكر الناس يوماً ووصف القيامة فرقوا وبكوا فاجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون هو وأَبو بكر وعلى وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عمر وأَبو ذر وسالم مولى أَبى حذيفة والمقداد وسلمان ومعقل بن مقرن واتفقوا أَن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجيبوا مذاكرهم ويصوموا ولا يفطروا ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساءَ ولا الطيب وأَن يسيحوا فى الأَرض، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فأَتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأَته: أَحق ما بلغنى عن زوجك وأَصحابه، فكرهت أَن تكذب وكرهت أَن تفشى سر زوجها، فقال يا رسول الله: إِن كان قد أَخبرك عثمان فقد صدق، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءَ عثمان أَخبره بذلك، فأَتى هو وأَصحابه إِليه صلى الله عليه وسلم فقال: أَلم أخبر أَنكم اتفقتم على كذا. فقالوا: بلى يا رسول الله، وما أَردنا إِلا الخير، أَى ولم نرد الردة إِلى أهل الكتاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنى لم أُمر بذلك، وإِن لأَنفسكم عليكم حقاً ولأَزواجكم حقاً، فصوموا وأَفطروا وقوموا وناموا وآتوا النساءَ وكلوا الطيبات وتطيبوا، فإِنى أقوم وأَنام وأَصوم وأفطر وأكل اللحم والدسم ولآتى النساءَ وآكل الطيبات وأتطيب فمن رغب عن سنتي فليس منى، ثم جمع الناس وخطبهم وقال: ما بال أَقوام حرموا النساءَ والطعام والطيب وشهوات الدنيا، وإِنى لست آمركم أَن تكونوا قسيسين ورهباناً، فإِنه ليس فى دينى ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإِن سياحة أمتى ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأَقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم، فإِنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الديارات والصوامع"تفسير : . وأَيضاً قال بعض الصحابة: أَقوام الليل أَبدا إِلا ما شاءَ الله وهو على، وبعض أَصوم أَبداً وهو بلال، إِلا العيدين. وعثمان بن مظعون يقول لا أَنكح أَبداً فأَنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} من اللذائذ وهؤلاء الصحابة أَرادوا أَن يحرموها على أَنفسهم فإِنه من حرم حلالا كفر، ومن حجر على نفسه فقد شدد على نفسه وظلمها، وليس المراد لا تفتوا الناس بتحريمها كما زعم بعض، بل المراد النهى عما شددوا به على أَنفسهم، وأَيضاً يبعده ما يأْتى من الأَمر بالأَكل {وَلاَ تَعْتَدُوا} إِلى الحرام وجب المذاكر وما ذكر معه، قيل والإِسراف في الطيبات {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المعْتَدينَ} بالإِفراط والتفريط.
الالوسي
تفسير : عطف التكذيب بآيات الله تعالى على الكفر مع أنه ضرب منه لما أن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم بمقابلة المصدقين بها ليقترن الوعيد بالوعد وبضدها تتبين الأشياء. هذا ومن باب الإشارة في بعض ما تقدم من الآيات: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } ذهب كثير من ساداتنا الصوفية إلى أن هذا أمر منه عز شأنه أن يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ما أنزله إليه ما يتعلق بأحكام العبودية ولم يأمره جل جلاله بأن يعرف الناس أسرار ما بينه وبينه فإن ذرة من أسراره سبحانه لا تتحملها السماوات والأرض، وهذه الأسرار هي المشار إليها بقوله تعالى: { أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10]. ولهذا قال سبحانه {مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} ولم يقل ما خصصناك به أو ما تعرفنا به إليك. وقال بعضهم وهو المنصور: إن الموصول عام ويندرج فيه الوحي والالهامات والمنامات والمشاهدات وسائر المواهب، والرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ كل ذلك إلا أن مراتب التبليغ مختلفة حسب اختلاف الاستعدادات فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالهمة وتبليغ بالجذبة إلى غير ذلك فسبحان من أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها { أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] بما أودع فيك من أسرار الألوهية فلا يقدرون أن يوصلوا إليك ما يقطعك عن الله تعالى، وقريب من ذلك ماقيل: يعصمك منهم أن يكون لك بهم اشتغال، وقيل: يعصمك من أن ترى لنفسك فيهم شيئاً بل ترى الكل منه سبحانه وبه {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء } يعتدُّ به {حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } فتعطوا الظاهر حقه وتعملوا بالشريعة على الوجه الأكمل مع / توحيد الأفعال {وَٱلإِنجِيلَ } فتعطوا الباطن حقه وتعملوا بالطريقة على الوجه الأتم مع توحيد الصفات {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } فتعطوا الحقيقة حقها وتشاهدوا الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة ولا تحجبكم الكثرة عن الوحدة ولا الوحدة عن الكثرة { أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } تفسير : [المائدة:68] لجهلهم به وقلة استعدادهم لمعرفة أسراره. وعن بعض السادة قدس الله تعالى أسرارهم أن القرآن المنزل على النبـي المرسل صلى الله عليه وسلم ذو صفتين: صفة قهر وصفة لطف فمن تجلى له القرآن بصفة اللطف يزيد نور بصيرته بلطائف حكمته وحقائق أسراره ودقائق بيانه ويزيد بذلك نور إيمانه وتوحيده ويعرف بذلك ظاهر الخطاب وباطنه، ومن يتجلى له بصفة القهر تزيد ظلمة طغيانه وينسد عليه باب عرفانه بحيث لا يدرك سر الخطاب فتكثر عليه الشكوك والأوهام، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: { أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] وقوله سبحانه: { أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [البقرة: 26] وشبه بعضهم ذلك بنور الشمس فإنه ينتفع به من ينتفع ويتضرر به الخفاش ونحوه. ومن ذلك كتب كثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم فإنه قد هدى بها أرباب القلوب الصافية وضل بها الكثير حتى تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات وعطلوا الشرائع واستحلوا المحرمات وزعموا والعياذ بالله تعالى أن ذلك هو الذي يقتضيه القول بوحدة الوجود التي هي معتقد القوم نفعنا الله تعالى بفتوحاتهم، وقد نقل لي عن بعض من أضله الله تعالى بالاشتغال بكتب القوم ممن لم يقف على حقيقة الحال أنه لا فرق بين أن يدخل الرجل أصبعه في فمه وبين أن يدخل ذكره في فرج محرم لأن الكل واحد، وكذا لا فرق بين أن يتزوج أجنبية وبين أن يتزوج أمه أو بنته أو أخته وهذا كفر صريح عافانا الله تعالى والمسلمين منه، ومنشأ ذلك النظر في كتب القوم من دون فهم لمرادهم وما درى هذا المسكين أن مراعاة المراتب أمر واجب عندهم وأن ترك ذلك زندقة وأنهم قد صرحوا بأن الشريعة مظهر أعظم لأنها مظهر اسم الله تعالى الظاهر وأنه لا يمكن لأحد أن يصل إلى الله تعالى بإهمالها، فقد جاء عن غير واحد من العارفين الطرق إلى الله تعالى مسدودة إلا على ما اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا رأيتم الرجل يطير في الهواء وقد أخل بحكم واحد من الشريعة فقولوا: إنه زنديق ولله در من قال خطاباً للحضرة المحمدية: شعر : وأنت باب الله أي امرء أتاه من غيرك لا يدخل تفسير : {وَلَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } الايمان الحقيقي {ٱلْيَهُودُ} وذلك لقوة المباينة لأنهم محجوبون عن توحيد الصفات وتوحيد الذات ولم يكن لهم إلا توحيد الأفعال {وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } كذلك بل هم أشد مباينة منهم للمؤمنين وأقوى لأنهم محجوبون مطلقاً، وإنما قدم اليهود عليهم لأن البحث فيهم، وهذا خلاف ما عليه أهل العبارة {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ } لأنهم برزوا من حجاب الصفات ولم يبق لهم إلا حجاب الذات، وإلى هذا الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: { أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [المائدة: 82] حيث مدحوا بالعلم والعمل وعدم الاستكبار، وذلك يقتضي أنهم وصلوا إلى توحيد الأفعال والصفات وأنهم ما رأوا نفوسهم موصوفة بصفة العلم والعمل ولا نسبوا عملهم وعلمهم إليها بل إلى الله تعالى وإلا لاستكبروا وأظهروا العجب {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ } من أنواع التوحيد التي / من جملتها توحيد الذات {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ } بالدليل وبواسطة الرياضة {مِنَ ٱلْحَقّ } الذي أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم {يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا} بِذٰلِكَ {أية : فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } تفسير : [المائدة: 83] المعاينين لذلك {وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } جمعاً {وَمَا جَاءنَا مِنَ ٱلْحَقّ } تفصيلاً { أية : وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [المائدة: 84] الذين استقاموا بالبقاء بعد الفناء {فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } من التجليات الثلاث مع علومها { أية : وَذٰلِكَ جَزَاء ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [المائدة: 85] المشاهدين للوحدة في عين الكثرة بالاستقامة في الله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي حجبوا عن الذات {وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } الدالة على التوحيد {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} [المائدة: 68] لحرمانهم الكلي واحتجابهم بنفوسهم وصفاتها والله تعالى الموفق.
ابن عاشور
تفسير : هذا تتميم واحتراس، أي والذين كفروا من النصارى وكذّبوا بالقرآن هم بضدّ الذين أثابهم الله جنّات تجري من تحتها الأنهار. وأصحاب الجحيم ملازموه. والجحيم جهنّم. وأصل الجحيم النار العظيمة تجعل في حفرة ليدوم لهيبها. يقال: نار جَحْمة، أي شديدة اللهب. قال بعض الطائيين من الجاهلية من شعراء الحماسة:شعر : نَحن حبسنَا بني جَديلةَ في نار من الحرب جَحْمَةِ الضرم
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَآ} {أُوْلَـۤئِكَ} {أَصْحَابُ} (86) - وَالذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، وَجَحَدُوا آيَاتِهِ وَخَالَفُوهَا، فَأولَئِكَ سَيَكُونُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَسَيَبْقُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبداً. الجَحِيمُ - النَّارُ التِي اشْتَدَّ حَرُّهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن كلمة "صاحب" وكلمة "صحبة" وكلمة "أصحاب"، هذه الكلمات تدل على الملازمة، والملازمة في الحياة تكون اختيارية لا قهرية؛ فلا أحد يصاحب أحداً بالقهر. ونفهم من قوله: {أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أن هذا يعني العشق المتبادل بين النار وأهلها، وليس هذا مرادا، فهو إما أن يكون على سبيل السخرية والاستهزاء بهم، وإما أن يكون المراد هو الملازمة التامة والمصاحبة الدائمة التي لا تنفك ولا تنهى. وبعد أن تكلم الحق عن المشركين وتكلم عن اليهود وتكلم عن النصارى. فهو يتكلم عن المؤمنين، إنه ينفض أذهاننا أولا ليزيل عنها ما علق بها من أمر المخالفين ومناهجهم، ويأتي لنا من بعد ذلك بالأحكام، وقد فعل ذلك في هذه السورة التي تبدأ بآية العقود: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]. وعقد الإيمان هو ما يرتفع ويسمو على ما يقوله المشركون ويخرج عما يقوله اليهود والنصارى. ومن بعد ذلك نلاحظ أن الحق بعد أن تكلم عن ضرورة الوفاء بالعقود، فهو يلزم المؤمنين بالمنهج الذي يحمي حركة الحياة. وحركة الحياة يتم استبقاؤها أولاً بالطعام والشراب. لذلك قال: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [المائدة: 1]. ومن بعد استبقاء حركة الحياة بالطعام والشراب، ها هوذا يقول: { حُرِّمَتْ}. وهنا لنا وقفة، فعندما يحلل الله شيئاً من أجناس الوجود؛ وحينما يحرم شيئاً آخر من أجناس الوجود فللسائل أن يسأل بعقلانية ويقول: ما دام الحق قد حرم هذه الأشياء فلماذا أوجدها؟ ونعلم في حياتنا العادية أن كل صانع إنما يحدد خصائص لصنعته. ومثال ذلك صانع الطائرة يصمم طائرته ويحدد الوقود اللازم لها، ولا يمكن أن تسير بوقود سيارة، فإذا كانت الآلات التي من صنع البشر تفسد إن استخدمنا لها ما لا يناسبها. فكيف إذن نقول لصانعنا: لماذا خلقت الأشياء التي لا تناسبنا؟ لا بد أن لها مهمة في الكون واستخداماً آخر يجعلها تنتج الأشياء المفيدة لنا. مثال ذلك سمّ الحية، إنه يقتل الإنسان، ولكن الله ألهم الإنسان القدرة على استخراج السّم من الحيّة لقتل بعض الميكروبات. إذن فالعالم قد خلقه الله بتركيب معين. ومثال ذلك نجد التمساح وهو راقد على الشاطئ والطيور تلتقط من فمه بعضاً من غذائها ولا يؤذيها؛ لأن هذه الطيور هي التي تنبه التمساح إذا جاء صياد ليقتنصه، فالطيور تحرص على مصدر قوتها وتحافظ على حياة التمساح، والكهرباء نستخدمها في مجالها، أما في عكس مجالها فهي تصعق وتدمر. إذن فليس للإنسان أن يسأل لماذا حرم الله أشياء على الإنسان؟ لأن لتلك الأشياء دورة في الحياة. ولا يصح أن ننقل الوسيلة لتكون غاية. والحق أراد بالحلال والحرام أن ينتفع الإنسان بالصلح له. مثال ذلك أن حرم الله أكل لحم الخنزير. والخنزير إنما وُجد ليأكل ميكروبات. إذن فليس للإنسان أن يُحَوَّل الوسيلة إلى غاية. ويعطي الحق كل يوم للإسلام قوة تأييد تأتيه من خصوم الإسلام. ومثال ذلك: إننا نجد أن الأمراض تنتشر بنسب عالية في الأمم التي تستهلك لحم الخنزير، وتشرب الخمر، وهناك مرض اسمه "تشمع الكبد" ينتشر في تلك البلدان، فهل كنا نؤخر تنفيذ أمر الله إلى أن تنشأ المعامل وتقول لنا نتائج أكل الخنزير؟ أو كان يكفي أن نحرم على أنفسنا ما حرم الله؟ إن علينا أن ننفذ أوامر الله صيانة لنا: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]. وكل يوم تظهر لنا آية تؤكد صدق إيماننا بالله؛ لذلك فلا يقولن أحد: لماذا خلق الله تلك الأشياء المحرمة؟ لقد خلقها الله وسيلة لا غاية. ومثال ذلك أن خلق الله لنا البترول لنستخرج منه الوقود؛ فهل أحد منا يقدر على شرب البترول؟! إذن فالتحليل والتحريم لصالح الإنسان. فإن خرج الإنسان عن ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ولذلك يقول الحق: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً} تفسير : [يونس: 59]. كأن الحق يستنكر أن نصنع من حلال ما خلق أشياء محرمة. وأن نحرم أشياء حللها الله. كترك البحيرة والسائبة والوصيلة؛ وكلها أرزاق من الله. هو سبحانه خالق كل الأشياء وهو الذي يحدد نفعها وعدم نفعها للإنسان. والبحيرة هي الناقة التي كانوا يشقون أذنها حتى لا يتعرض لها أحد بعد أن تكون قد نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، وكانوا يطلقونها في المراعي لا تُركب ولا تُحلب ولا يُمنع عنها مرعى أو ماء. وكانوا يقولون إنها للآلهة. وعندما نستكشف آفاق من يستفيد منها، كنا نجد الكهنة هم الذين يستفيدون منها. وكذلك السائبة وكانوا يتركونها تطوعاً لا يركبها أحد ولا يحلبها أحد وكان المستفيد منها الكهنة أيضاً. وكذلك الوصيلة وهي الأنثى التي جاءت في بطن واحد مع ذكر وقالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وكذلك كانوا يطلقون الفحل الذي نتج من صلبه عشرة أبطن وقالوا قد حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى، والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أنا لم أحرم هذه الأشياء فلماذا تحرمونها؟ هو سبحانه قد حرم الميتة والدم لأنه هو الذي حدد وبيّن ما هو حلال وما هو حرام. وسبحانه الذي يرزق الرزق فيكون مرة رزقاً مباشراً ومرة يكون رزقا غير مباشر. ولذلك جاء الحق بالقول الكريم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):