٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
87
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أن الله تعالى لما استقصى في المناظرة مع اليهود والنصارى عاد بعده إلى بيان الأحكام وذكر جملة منها. النوع الأول: ما يتعلق بحل المطاعم والمشارب واللذات فقال: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: الطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، وفي الآية قولان: الأول: روي أنه صلى الله عليه وسلم وصف يوم القيامة لأصحابه في بيت عثمان بن مظعون وبالغ وأشبع الكلام في الإنذار والتحذير، فعزموا على أن يرفضوا الدنيا ويحرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، وأن يصوموا النهار ويقوموا الليل، وأن لا يناموا على الفرش، ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ويسيحوا في الأرض، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال لهم «حديث : إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر آكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» تفسير : وبهذا الكلام ظهر وجه النظم بين هذه الآية وبين ما قبلها، وذلك لأنه تعالى مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهباناً، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ولذاتها، فلما مدحهم أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل تلك الطريقة، فذكر تعالى عقيب هذه الآية إزالة لذلك الوهم، ليظهر للمسلمين أنهم ليسوا مأمورين بذلك. فإن قيل: ما الحكمة في هذا النهي، فإن من المعلوم أن حب الدنيا مستول على الطباع والقلوب، فإذا توسع الإنسان في اللذات والطيبات اشتد ميله إليها وعظمت رغبته فيها، وكلما كانت تلك النعم أكثر وأدوم كان ذلك الميل أقوى وأعظم، وكلما ازداد الميل قوة ورغبة ازداد حرصه في طلب الدنيا واستغراقه في تحصيلها، وذلك يمنعه عن الاستغراق في معرفة الله وفي طاعته ويمنعه عن طلب سعادات الآخرة، وأما إذا أعرض عن لذات الدنيا وطيباتها، فكلما كان ذلك الإعراض أتم وأدوم كان ذلك الميل أضعف والرغبة أقل، وحينئذٍ تتفرغ النفس لطلب معرفة الله تعالى والاستغراق في خدمته، وإذا كان الأمر كذلك فما الحكمة في نهي الله تعالى عن الرهبانية؟ والجواب: عنه من وجوه: الأول: أن الرهبانية المفرطة والاحتراز التام عن الطيبات واللذات مما يوقع الضعف في الأعضاء الرئيسية التي هي القلب والدماغ، وإذا وقع الضعف فيهما اختلت الفكرة وتشوش العقل. ولا شك أن أكمل السعادات وأعظم القربات إنما هو معرفة الله تعالى، فإذا كانت الرهبانية الشديدة مما يوقع الخلل في ذلك بالطريق الذي بيناه لا جرم وقع النهي عنها. والثاني: وهو أن حاصل ما ذكرتم أن اشتغال النفس بطلب اللذات الحسية يمنعها عن الاستكمال بالسعادات العقلية، وهذا مسلم لكن في حق النفوس الضعيفة، أما النفوس المتسعلية الكاملة فإنها لا يكون استعمالها في الأعمال الحسية مانعاً لها من الاستكمال بالسعادات العقلية، فإنا نشاهد النفوس قد تكون ضعيفة بحيث متى اشتغلت بمهم امتنع عليها الاشتغال بمهم آخر، وكلما كانت النفس أقوى كانت هذه الحالة أكمل، وإذا كان كذلك كانت الرهبانية الخالصة دليلاً على نوع من الضعف والقصور، وإنما الكمال في الوفاء بالجهتين والاستكمال في الناس. الثالث: وهو أن من استوفى اللذات الحسية، كان غرضه منها الاستعانة بها على استيفاء اللذات العقلية فإن رياضته ومجاهدته أتم من رياضة من أعرض عن اللذات الحسية، لأن صرف حصة النفس إلى جانب الطاعة أشق وأشد من الاعراض عن حصة النفس بالكلية، فكان الكمال في هذا أتم. الرابع: وهو أن الرهبانية التامة توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل. وأما ترك الرهبانية مع المواظبة على المعرفة والمحبة والطاعات فإنه يفيد عمارة الدنيا والآخرة، فكانت هذه الحالة أكمل، فهذا جملة الكلام في هذا الوجه. القول الثاني: في تفسير هذه الآية ما ذكره القفال، وهو أنه تعالى قال في أول السورة {أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } فبيّـن أنه كما لا يجوز استحلال المحرم كذلك لا يجوز تحريم المحلل، وكانت العرب تحرم من الطيبات ما لم يحرمه الله تعالى، وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وقد حكى الله تعالى ذلك في هذه السورة وفي سورة الأنعام، وكانوا يحللون الميتة والدم وغيرهما، فأمر الله تعالى أن لا يحرموا ما أحل الله ولا يحللوا ما حرمه الله تعالى حتى يدخلوا تحت قوله {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1]. المسألة الثانية: قوله {لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } يحتمل وجوهاً: أحدها: لا تعتقدوا تحريم ما أحل الله تعالى لكم، وثانيها: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحله الله لكم، وثالثها: لا تجتنبوا عنها اجتناباً شبيه الاجتناب من المحرمات، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ورابعها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : عِلْمَا يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ } تفسير : [التحريم: 1] وسادسها: أن يخلط المغصوب بالمملوك خلطاً لا يمكنه التمييز، وحينئذٍ يحرم الكل، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كان حلالاً له، وكذلك القول فيما إذا خلط النجس بالطاهر، والآية محتملة لكل هذه الوجوه، ولا يبعد حملها على الكل والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله {أية : وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ }تفسير : [البقرة: 190] فيه وجوه: الأول: أنه تعالى جعل تحريم الطيبات اعتداءً وظلماً فنهى عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها، والثاني: أنه لما أباح الطيبات حرم الإسراف فيها بقوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُواْ } ونظيره قوله تعالى {أية : كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تسرفوا} تفسير : [الأعراف: 31] الثالث: يعني لما أحل لكم الطيبات فاكتفوا بهذه المحللات ولا تتعدوها إلى ما حرم عليكم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ}. فيه خمس مسائل: الأُولى ـ أسند الطَّبَريّ إلى ابن عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم؛ فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت بسبب جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وعليّ وابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذَرّ الغِفَاريّ وسالم مولى أبي حُذَيفة والمِقْدَاد بن الأسود وسَلْمان الفارسيّ ومَعْقِل بن مُقَرِّن رضي الله عنهم، اجتمعوا في دار عثمان بن مَظْعُون، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الوَدَك ولا يَقْربوا النّساء والطيب، ويلبسوا المسُوح ويَرفضوا الدنيا ويَسيحوا في الأرض، ويتَرهبوا ويَجُبُّوا المذاكِير؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية. والأخبار بهذا المعنى كثيرة وإن لم يكن فيها ذكر النزول وهي: الثانية ـ خرّج مسلم عن أنس.حديث : أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السِّر؛ فقال بعضهم: لا أتزوّج النّساء؛ وقال بعضهم: لا آكل اللحم؛ وقال بعضهم: لا أنام على الفِراش؛ فحمد الله وأثنى عليه فقال: «ما بَالُ أقوام قالوا كذا وكذا لكنّي أُصلِّي وأنام وأصوم وأفطِر وأتزوّج النّساء فمن رَغِب عن سُنّتي فليس مني» تفسير : وخرّجه البخاريّ عن أنس أيضاً ولفظه قال: حديث : جاء ثلاثة رَهْطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته؛ فلما أُخْبِروا كأنهم تَقَالُّوها ـ فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدّم وما تأخر. فقال أحدهم: أمّا أنا فإني أُصلِّي الليل أبدا. وقال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: أمّا أنا فأعتزل النساء ولا أتزوّج أبداً. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم للَّهِ وأتقاكم له لكنّي أصوم وأُفطر وأُصلي وأرقد وأتزوّج النساء فمن رغب عن سُنّتي فليس مني» تفسير : . وخَرّجا عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان بن مظعون أن يتَبتّل فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وخرّج الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في مسنده قال حدّثنا أبو المغيرة قال حدّثنا مُعَان بن رِفاعة، قال حدّثني عليّ بن يزيد عن القاسم حديث : عن أبي أُمامة الباهليّ رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيّة من سراياه؛ قال: فمرّ رجل بغار فيه شيء من الماء فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب ما حوله من البَقْل، ويتخلى عن الدنيا؛ قال: لو أني أتيت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك، فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل؛ فأتاه فقال: يا نبي الله إني مررت بغارٍ فيه ما يقوتني من الماء والبَقْل، فحدّثتني نفسي بأن أُقيم فيه وأتخلى عن الدنيا؛ قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ولكني بعثت بالحنِيفية السَّمْحة والذي نفس محمد بيده لَغَدْوة أو رَوْحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة» .تفسير : الثالثة ـ قال علماؤنا رحمة الله عليهم في هذه الآية وما شابهها والأحاديث الواردة في معناها رَدٌّ على غُلاة المتزهدين، وعلى أهل البَطَالة من المتصوّفين؛ إذ كل فريق منهم قد عدل عن طريقه، وحاد عن تحقيقه؛ قال الطَّبريّ: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العَنَت والمشقة؛ ولذلك ردّ النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على ابن مَظْعون فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسَنّه لأمَّته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهَدْي هَدْيُ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشَّعر والصّوف على لباس القطن والكتان إذا قدَرَ على لباس ذلك من حلِّه، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حَذَراً من عارض الحاجة إلى النّساء. قال الطَّبَريّ: فإن ظنّ ظانّ أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأ: وذلك أن الأوْلى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سبباً إلى طاعته. وقد جاء رجل إلى الحسن البصري؛ فقال: إن لي جاراً لا يأكل الفالوذج فقال: ولِم؟ قال: يقول لا يؤدّي شكره؛ فقال الحسن: أفيشرب الماء البارد؟ فقال: نعم. فقال: إن جارك جاهل، فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج. قال ابن العربي قال علماؤنا: هذا إذا كان الدِّين قَوَاماً، ولم يكن المال حراماً؛ فأما إذا فسد الدِّين عند الناس وعَمّ الحرام فالتبتل أفضل وترك اللّذات أولى وإذا وجد الحلال فحال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأعلى. قال المهلب: إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والترهب من أجل أنه مُكَاثر بأُمته الأُمم يوم القيامة، وأنه في الدنيا مقاتل بهم طوائف الكفّار، وفي آخر الزمان يقاتلون الدجّال؛ فأراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يكثر النّسل. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} قيل: المعنى لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله فالنهيان على هذا تضمنا الطَّرَفين؛ أي لا تشدّدوا فتحرّموا حلالاً، ولا تترخصوا فتحلوا حراماً؛ قاله الحسن البصريّ. وقيل: معناه التأكيد لقوله: «تُحَرّمُوا»؛ قاله السُّديّ وعِكرمة وغيرهما؛ أي لا تحرّموا ما أحل الله وشرع. والأوّل أولى. والله أعلم. الخامسة ـ من حرم على نفسه طعاماً أو شراباً أو أَمَة له، أو شيئاً مما أحل الله فلا شيء عليه، ولا كَفَّارة في شيء من ذلك عند مالك؛ إلا أنه إن نوى بتحريم الأَمة عتقها صارت حرة وحرم عليه وطؤها إلا بنكاح جديد بعد عتقها. وكذلك إذا قال لامرأته أنت عليّ حرام فإنه تطلق عليه ثلاثاً؛ وذلك أن الله تعالى قد أباح له أن يحرّم ٱمرأته عليه بالطلاق صريحاً وكناية، وحرام من كنايات الطلاق. وسيأتي ما للعلماء فيه في سورة «التحريم» إن شاء الله تعالى. وقال أبو حنيفة: إنّ من حرّم شيئاً صار محرّماً عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة؛ وهذا بعيد والآية ترد عليه. وقال سعيد بن جبير: لغو اليمين تحريم الحلال. وهو معنى قول الشافعي على ما يأتي.
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض؛ كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لكني أصوم وأفطر، وأصلي، وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني» تفسير : رواه ابن أبي حاتم، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على الفراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عثمان، يعني: ابن سعد، أخبرني عكرمة عن ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}. وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعاً عن عمرو ابن علي الفلاس، عن أبي عاصم النبيل، به. وقال: حسن غريب. وقد روي من وجه آخر مرسلاً، وروي موقوفاً على ابن عباس، فالله أعلم. وقال سفيان الثوري ووكيع: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم، وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} الآية، أخرجاه من حديث إسماعيل، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم. وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} الآية وقال الثوري: عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فجيء بضرع، فتنحى رجل، فقال له عبد الله: ادْنُ، فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادْنُ فاطعم، وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} الآية، رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن منصور به؛ ثم قال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد: أن زيد بن أسلم حدثه: أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي، هو علي حرام، فقالت امرأته: هو علي حرام، وقال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك، وضع يده، وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} وهذا أثر منقطع. وفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا، وفيه وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلاً أو ملبساً أو شيئاً، ما عدا النساء، أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضاً، ولقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} ولأن الذي حرم اللحم على نفسه؛ كما في الحديث المتقدم، لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلاً أو مشرباً أو ملبساً أو شيئاً من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين؛ كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاماً له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التحريم: 1]، ثم قال: {أية : قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ} تفسير : [التحريم: 2] الآية، وكذلك هاهنا، لما ذكر هذا الحكم، عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}. قال ابن جريج، عن عكرمة: إن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد: ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم، بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن لأنفسكم حقاً، وإن لأعينكم حقاً، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» تفسير : فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت. وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين كما تقدم ذلك، ولله الحمد والمنة. وقال أسباط عن السدي في قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جلس يوماً، فذكر الناس، ثم قام، ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملاً؛ فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم، فنحن نحرم، فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء، فكان لا يدنو من أهله، ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة رضي الله عنها، وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطيبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب، وما وقع علي زوجي، وما رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا؟ قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن، فقال: «حديث : ما يضحككن؟» تفسير : قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه، فقال: «حديث : مالك يا عثمان؟» تفسير : قال: إني تركته لله؛ لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك»تفسير : . فقال: يا رسول الله، إني صائم، فقال: «حديث : أفطر» تفسير : فأفطر، وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة، وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة، وقالت: مالك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني» تفسير : فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} يقول لعثمان: لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا عن أيمانهم، فقال: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىۤ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ}، رواه ابن جرير. وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم؛ كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال، فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه؛ كما قال تعالى: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 31] الآية، وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} تفسير : [الفرقان: 67] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} ثم قال: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً} أي: في حال كونه حلالاً طيباً، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِىۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما همَّ قوم من الصحابة أن يلازموا الصوم والقيام ولا يقربوا النساءَ والطيب ولا يأكلوا اللحم ولا يناموا على الفراش { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ } تتجاوزوا أمر الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : الطيبات: هي المستلذات لما أحلّه الله لعباده، نهى الذين آمنوا عن أن يحرّموا على أنفسهم شيئاً منهم، إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقرّباً إليه، وأنه من الزهد في الدنيا فرفع النفس عن شهواتها، أو لقصد أن يحرّموا على أنفسهم شيئاً مما أحلّه لهم كما يقع من كثير من العوام من قولهم: حرام عليّ، وحرّمته على نفسي، ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني. قال ابن جرير الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحلّ الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك ردّ النبيّ صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون. فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسَنَّه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون، إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان ذلك كذلك، تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام، وترك اللحم، وغيره حذراً من عارض الحاجة إلى النساء. قال: فإن ظن ظانّ أن الفضل في غير الذي قلنا لِما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة، فقد ظنّ خطأ، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضرّ للجسم من المطاعم الردية، لأنها مفسدة لعقله، ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سبباً إلى طاعته. قوله: {وَلاَ تَعْتَدُواْ} أي لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحلّ الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرّم الله عليكم أي تترخصوا فتحللوا حراماً كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن من حرّم على نفسه شيئاً مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة. وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما: إن من حرّم شيئاً صار محرّماً عليه، وإذا تناوله لزمته الكفارة، وهو خلاف ما في هذه الآية، وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله يأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من هذا إن شاء الله. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } تعليل لما قبله، وظاهره أن تحريم كل اعتداء: أي مجاوزة لما شرعه الله في كل أمر من الأمور {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } حال كونه {حَلَـٰلاً طَيّباً } أي غير محرّم ولا مستقذر، أو أكلا حلالاً طيباً، أو كلوا حلالاً طيباً مما رزقكم الله، ثم وصاهم الله سبحانه بالتقوى فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ }. وقد أخرج الترمذي وحسّنه وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عديّ في الكامل، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوة، وإني حرّمت عليّ اللحم، فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ }. وقد روي من وجه آخر مرسلاً، وروي موقوفاً على ابن عباس. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه في الآية قال: نزلت في رهط من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك فقالوا نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني»تفسير : . وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما، من دون ذكر أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، في المراسيل، وابن جرير، عن أبي مالك أن هؤلاء الرهط هم عثمان بن مظعون وأصحابه. وفي الباب روايات كثيرة بهذا المعنى، وكثير منها مصرّح بأن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي هو حرام عليّ، فقالت امرأته: هو حرام عليّ فقال الضيف: هو حرام عليّ، فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد أصبت» تفسير : فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } وهذا أثر منقطع، ولكن في صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه ما هو شبيه بهذا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: كنا عند عبد الله فجيء بضرع، فتنحى رجل، فقال له عبد الله: ادن، فقال: إني حرّمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية. وأخرجه أيضاً الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه اغتصاب الأموال المستطابة، فتصير بالغصب حراماً، وقد كان يمكنهم الوصول إليها بسبب مباح، قاله بعض البصريين. والثاني: أنه تحريم ما أبيح لهم من الطيبات، وسبب ذلك أن جماعة من أًصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علي، وعثمان بن مظعون، وابن مسعود، وابن عمر، هموا بصيام الدهر، وقيام الليل، واعتزال النساء، وجَبِّ أنفسهم، وتحريم الطيبات من الطعام عليهم، فأنزل الله تعالى فيهم {لاَ تَحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم}. {وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحبُّ الْمُعْتَدِينَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا تعتدوا بالغصب للأموال التي هي حرام عليكم. والثاني: أنه أراد بالاعتداء ما هَمَّ به عثمان بن مظعون من جبِّ نفسه، قاله السدي. والثالث: أنه ما كانت الجماعة هَمَّت به من تحريم النساء والطعام، واللباس، والنوم، قاله عكرمة. والرابع: هو تجاوز الحلال إلى الحرام، قاله الحسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تُحَرِّمُواْ} الأموال بالغضب فتصير حراماً، أو نزلت..... ـ قوله عزّ وجلّ {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ لَكُمْ} فيه تأويلان، أحدهما: أنه اغتصاب الأموال المستطابة فتصير بالغصب حراماً وقد كان يمكنهم الوصول إليها بسبب مباح قاله بعض البصريين، والثاني: أنه تحريم ما أُبيح لهم من الطيبات، وسبب ذلك أنّ جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علي ـ عليه السلام ـ وعثمان بن مظعون وابن مسعود وابن عمر همّوا بصيام الدهر وقيام الليل واعتزال النساء وجبّ أنفسهم وتحريم الطيبات من الطعام عليهم فأنزل الله ـ تعالى ـ فيهم. {لا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فيه أربعة تأويلات، أحدها: لا تعتدوا بالغصب للأموال التي هي عليكم حرام، والثاني: أنه أراد بالاعتداء ما هَمَّْ به عثمان بن مظعون من جَبِّ نفسه قاله السدي، والثالث: أنه ما كانت الجماعة همت به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم قاله عكرمة، والرابع: هو تجاوز الحلال إلى الحرام قاله الحسن.
النسفي
تفسير : {ياأيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّباتِ مآ أحلّ اللّه لكم} ما طاب ولذ من الحلال. ومعنى «لا تحرموا» لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل الدجاج والفالوذ وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال «حديث : إن المؤمن حلو يحب الحلاوة»تفسير : وعن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك، فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم؟ وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذ ويقول لا أؤدي شكره. فقال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: إنه جاهل أن نعمة الله عليه في الماء البارد أكبر من نعمته عليه في الفالوذ. {ولا تعتدوا} ولا تجاوزوا الحد الذي حد عليكم في تحليل أو تحريم، أو ولا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم أو ولا تسرفوا في تناول الطيبات {إنّ اللّه لا يحبّ المعتدين} حدوده. {وكلوا ممّا رزقكم اللّه حلالاً طيّباً} «حلالاً» حال «مما رزقكم الله» {واتّقوا اللّه} توكيد للتوصية بما أمر به وزاده توكيداً بقوله {الّذي أنتم به مؤمنون} لأن الإيمان به يوجب التقوى فيما أمر به ونهى. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِي أَيْمَـٰنِكُمْ } اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن، وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة فلما نزلت تلك الآية قالوا: فكيف أيماننا؟ فنزلت. وعند الشافعي رحمه الله ما يجري على اللسان بلا قصد {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ } أي بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها. وبالتخفيف: كوفي غير حفص. والعقد: العزم على الوطء، وذا لا يتصور في الماضي فلا كفارة في الغموس. وعند الشافعي رحمه الله القصد بالقلب ويمين الغموس مقصودة فكانت معقودة فكانت الكفارة فيها مشروعة. والمعنى: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فخذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم، أو بنكث ما عقدتم فحذف المضاف {فَكَفَّارَتُهُ } أي فكفارة نكثه أو فكفارة معقود الأيمان. والكفارة الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ } هو أن يغديهم ويعشيهم، ويجوز أن يعطيهم بطريق التمليك وهو لكل أحد نصف صاع من بر أوصاع من شعير أو صاع من تمر. وعند الشافعي رحمه الله مد لكل مسكين {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي غداء وعشاء من بر إذ الأوسع ثلاث مرات مع الإدام والأدنى مرة من تمر أو شعير {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على «إطعام» أو على محل «من أوسط»، ووجهه أن «من أوسط» بدل من «إطعام» والبدل هو المقصود في الكلام وهو ثوب يغطي العورة. وعن ابن عمر رضي الله عنه: إزار وقميص ورداء {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } مؤمنة أو كافرة لإطلاق النص، وشرط الشافعي رحمه الله الإيمان حملاً للمطلق على المقيد في كفارة القتل. ومعنى «أو» التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } إحداها {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } «متتابعة» لقراءة أبيّ وابن مسعود كذلك {ذٰلِكَ } المذكور {كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم فترك ذكر الحنث لوقوع العلم بأن الكفارة لا تجب بنفس الحلف ولذا لم يجز التكفير قبل الحنث {وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ } فبروا فيها ولا تحنثوا إذا لم يكن الحنث خيراً أو ولا تحلفوا أصلاً {كَذٰلِكَ } مثل ذلك البيان {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ } أعلام شريعته وأحكامه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج منه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } أي القمار {وَٱلأَنصَابُ } الأصنام لأنها تنصب فتعبد {وَٱلأَزْلاَمُ } وهي القداح التي مرت {رِجْسٌ } نجس أو خبيث مستقذر {مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } لأنه يحمل عليه فكأنه عمله. والضمير في {فَٱجْتَنِبُوهُ } يرجع إلى الرجس، أو إلى عمل الشيطان، أو إلى المذكور، أو إلى المضاف المحذوف كأنه قيل: إنما تعاطى الخمر والميسر ولذا قال «رجس». {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أكد تحريم الخمر والميسر من وجوه حيث صدر الجملة بإنما وقرنهما بعبادة الأصنام ومنه الحديث «حديث : شارب الخمر كعابد الوثن» تفسير : وجعلهما رجساً من عمل الشيطان ولا يأتي منه إلا الشر البحت، وأمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خساراً {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ } ذكر ما يتولد منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة، وخص الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال: وعن الصلاة خصوصاً. وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً، لأن الخطاب مع المؤمنين وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والألزام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعاً من أعمال أهل الشرك فكأنه لا مباينة بين عابد الصنم وشارب الخمر والمقامر، ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل: قد تُلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ } وكونوا حذرين خاشعين لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن ذلك {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي فاعلموا أنكم لم تضروا بتوليكم الرسول لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه. ونزل فيمن تعاطى شيئاً من الخمر والميسر قبل التحريم. {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل تحريمهما {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ } الشرك {وَءامَنُواْ } بالله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } بعد الإيمان {ثُمَّ اتَّقَواْ } الخمر والميسر بعد التحريم {وَءَامَنُواْ } بتحريمهما {ثُمَّ اتَّقَواْ } سائر المحرمات، أو الأول عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات {وَأَحْسَنُواْ } إلى الناس {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }. ولما ابتلاهم الله بالصيد عام الحديبية وهم محرمون وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في زحالهم فيستمكنون من صيده أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم نزل: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ } ومعنى يبلو يختبر وهو من الله لإظهار ما علم من العبد على ما علم لا لعلم ما لم يعلم، و«من» للتبعيض إذ لا يحرم كل صيد أو لبيان الجنس {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } ليعلم الله خوف الخائف منه بالامتناع عن الاصطياد موجوداً كما كان يعلم قبل وجوده أنه يوجد ليثيبه على عمله لا على علمه فيه {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ } فصاد {بَعْدَ ذَلِكَ } الابتلاء {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قلل في قوله «بشيء» من الصيد ليعلم أنه ليس من الفتن العظام «وتناله» صفة لـ «شيء» {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ } أي المصيد إذ القتل إنما يكون فيه {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } أي محرمون جمع حرام كردح في جمع رداح في محل النصب على الحال من ضمير الفاعل في «تقتلوا» {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } حال من ضمير الفاعل أي ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه، فإن قتله ناسياً لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد فهو مخطىء. وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ، لأن مورد الآية فيمن تعمد، فقد رُوي أنه عَنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت. ولأن الأصل فعل المتعمد والخطأ ملحق به للتغليظ. وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. {فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ } كوفي أي فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد وهو قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي خيّر بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد، وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً. وعند محمد والشافعي رحمهما الله تعالى مثله نظيره من النعم، فإن لم يوجد له نظير من النعم فكما مر. «فجزاء مثل» على الإضافة: غيرهم. وأصله فجزاء مثل ما قتل أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول «عجبت من ضرب زيداً ثم من ضرب زيد». {مِنَ ٱلنَّعَمِ } حال من الضمير في «قتل» إذ المقتول يكون من النعم أو صفة لـ «جزاء» {يَحْكُمُ بِهِ } بمثل ما قتل {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ } حكمان عادلان من المسلمين، وفيه دليل على أن المثل القيمة لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون الأشياء المشاهدة، ولأن المثل المطلق في الكتاب والسنة والإجماع مقيد بالصورة والمعنى، أو بالمعنى لا بالصورة، أو بالصورة بلا معنى، ولأن القيمة أريدت فيما لا مثل له صورة إجماعاً فلم يبق غيرها مراداً إذ لا عموم للمشترك. فإن قلت: قوله «من النعم» ينافي تفسير المثل بالقيمة. قلت: من أوجب القيمة خُير بين أن يشتري بها هدياً أو طعاماً أو يصوم كما خير الله تعالى في الآية، فكان من النعم بياناً للهدي المشتري بالقيمة في أحد وجوه التخيير، لأن من قوم الصيد واشترى بالقيمة هدياً فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم، على أن التخيير الذي في الآية بين أن يُجزي بالهدي أو يكفر بالطعام أو الصوم، إنما يستقيم إذا قوم ونظر بعد التقويم أي الثلاثة يختار، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير، فإذا كان شيئاً لا نظير له قُوِّم حينئذ ثم يخير بين الطعام والصيام، ففيه نبّو عما في الآية ألا ترى إلى قوله {أوكَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } كيف خير بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم {هَدْياً } حال من الهاء في «به» أي يحكم به في حال الهدي {بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } صفة لـ «هدياً» لأن إضافته غير حقيقية. ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، فأما التصدق به فحيث شئت. وعند الشافعي رحمه الله: في الحرم {أَوْ كَفَّارَةٌ } معطوف على «جزاء» {طَعَامٌ } بدل من «كفارة» أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام. «أو كفارة طعام» على الإضافة: مدني وشامي. وهذه الإضافة لتبيين المضاف كأنه قيل: أو كفارة من طعام {مَسَـٰكِينَ } كما تقول «خاتم فضة» أي خاتم من فضة {أَو عَدْلُ } وقرىء بكسر العين. قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه كالصوم والإطعام، والعدل مثله من جنسه ومنه «عدلا الحمل». يقال «عندي غلام عدل غلامك» بالكسر إذا كان من جنسه، فإن أريد أن قيمته كقيمته ولم يكن من جنسه قيل «هو عَدل غلامك» بالفتح {ذٰلِكَ } إشارة إلى الطعام {صِيَاماً } تمييز نحو «لي مثله رجلاً» والخيار في ذلك إلى القاتل، وعند محمد رحمه الله إلى الحكمين {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } متعلق بقوله «فجزاء» أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق سوء عقاب عاقبة هتكه لحرمة الإحرام. والوبال المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً }تفسير : [المزمل: 16] أي ثقيلاً شديداً. والطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا يستمرأ. {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } لكم من الصيد قبل التحريم {وَمَنْ عَادَ } إلى قتل الصيد بعد التحريم أو في ذلك الإحرام {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } بالجزاء وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } بإلزام الأحكام {ذُو ٱنتِقَامٍ } لمن جاوز حدود الإسلام.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {بما عقدتم} بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان {عاقدتم} بالألف. الباقون {عقدتم} بالتشديد {من أوصط} مثل {أية : مبصوطتان} تفسير : [المائدة:64] {فجزاء} بالتنوين {مثل} بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل. {كفارة طعام} بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون {كفارة} بالتنوين { طعام} بالرفع { فبما} بغير ألف ابن عامر. الوقوف: {ولا تعتدوا} ط {المعتدين} ه {طيباً} ص لعطف المتفقتين {مؤمنون} ه {الأيمان} ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب. {رقبة} ط {ثلاثة أيام} ط {حلفتم} ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم {أيمانكم} ط {تشكرون} ه {تفلحون} ه { وعن الصلاة} ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه. {منتهون} ه {واحذروا} ط {المبين} ه {وأحسنوا} ط {المحسنين} ه {بالغيب} ج {أليم} ه {وأنتم حرم} ط {وبال أمره} ط {سلف} ط {منه} ط {انتقام} ه {وللسيارة} ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً. {حرما} ط لإطلاق الأمر بالابتداء {تحشرون} ه {والقلائد} ط {عليم} ه { رحيم} ه { البلاغ} ط {تكتمون} ه {كثرة الخبيث} ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض { تفلحون} ه. التفسير: إنه سبحانه بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين. قال المفسرون: حديث : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟ قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير. فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني. ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا! أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه تفسير : - فنزلت هذه الآية {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} فهذا وجه اتصال الآيات. فإن قيل: ما الحكمة في قوله {لا تحرّموا} ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟ فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات. فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه تعالى قال في أوّل السورة {أية : أوفوا بالعقود} تفسير : [المائدة:1] فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب. ومعنى {لا تحرموا} لا تعتقدوا تحريم {ما أحل الله } ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات. فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله {أية : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} تفسير : [ التحريم:1] أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل. والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب. ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله {أية : كلوا واشربوا ولا تسرفوا}تفسير : [الأعراف:31] و {كلوا} أمر إباحة وتحليل {مما رزقكم الله} في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه تعالى هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم. قال في التفسير الكبير: قوله {حلالاً طيباً} إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً. أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: {حلالاً} حال{ مما رزقكم الله} مع أنه من المعتزلة. ثم أكد التوصية بقوله {واتقوا الله} وزاده تأكيداً بقوله {الذي أنتم به مؤمنون} لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه. ثم قال {لا يؤاخذكم} وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة. أما قوله {بما عقدتم الأيمان} فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة. وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة. ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله. والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم. فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف {فكفارته} أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير. وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم. أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه تعالى قال {من أوسط ما تطعمون} فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار. فقال الرجل: ما أجد. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطعم هذا. وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ. ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد. وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل. وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي. وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب. أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة. ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة. وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال {من أوسط ما تطعمون أهليكم} والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام. وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز. وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص. قال في الكشاف {أو كسوتهم} عطف على محل {من أوسط} ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط. وأقول: الأظهر أن يكون {من أوسط} مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون {كسوتهم} معطوفاً على الإطعام. والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به. قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ. وعن مجاهد: ثوب جامع. وقال الحسن: ثوبان أبيضان. و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة. ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز. ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه. وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب. وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف. ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك. {فمن لم يجد} أحد الأمور الثلاثة المذكورة {فصيام} فعليه صيام {ثلاثة أيام} قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم. تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره. وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة. ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود { فصيام ثلاثة أيام متتابعات} فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما. وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد حديث : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟ قال: بلى. قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح تفسير : . وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {مسألة}: من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة {ذلك} المذكور {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير"تفسير : . ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب. هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين. والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه. جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً. {واحفظوا أيمانكم} قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث. وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها {كذلك} مثل ذلك البيان الشافي {يبين الله لكم آياته} أحكامه وأعلام شريعته { لعلكم تشكرون} نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج. ثم إنه سبحانه استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة. واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: شعر : ألا يا حمز للشرف النواء وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى لكشف الضر عنا والبلاء تفسير : فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما. قال علي رضي الله عنه: فانطلقت حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أتيت له فقال: ما لك؟ فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم! عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه. فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟ فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر. قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان. ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "حديث : شارب الخمر كعابد الوثن"تفسير : ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج:30] وأصل الرجس العمل القبيح القذر. قال الفراء: {أية : ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون} تفسير : [يونس:100] أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً. ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت. ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب. ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة. والضمير في {فاجتنبوه} عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك. ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة. ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان. وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود. وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين. ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله {فهل أنتم منتهون} كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟ ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب. إذ فهموا التحريم المؤكد. ومنها إنه قال عقيب ذلك {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب. ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله {فإن توليتم} الآية. والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر. عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها. فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله تعالى {أية : ومن لم يطعمه فإنه مني} تفسير : [ البقرة:249] فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق. ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] والعامل في {إذا ما اتقوا} معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة. والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان. وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل {أية : وما كان الله ليضيع} تفسير : [البقرة:143] والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق. والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه. روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟ فنزلت. وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص. ثم أنه سبحانه شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان. فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم. وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم. وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر. وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق. ثم إنه سبحانه استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي {ليبلونكم الله} أي ليعاملنكم معاملة المختبر {بشيءٍ} التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر. قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء. قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار. و"من" في {من الصيد} للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في {تناله} إليه {ليعلم الله} ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل {بالغيب} النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس {فمن اعتدى} فصاد {بعد ذلك} الابتلاء {فله عذاب أليم} في الآخرة وقيل في الدنيا. عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه. {لا تقتلوا الصيد} قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم. أما الأول فلقوله تعالى بعد ذلك {أحل لكم صيد البحر} وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام. وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن. وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "حديث : خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" تفسير : وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي رضي الله عنه: شعر : صيد الملوك أرانب وثعالب فإذا ركبت فصيدي الأبطال. تفسير : وزيف بأن الثعلب عندنا حلال. {وأنتم حرم} أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح. وقيل: وقد دخلتم الحرم. وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي. وقوله {لا تقتلوا} يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم {ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل} من قرأ {جزاء} بالتنوين {ومثل} بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا. ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل. قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك. وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل. قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء. وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور. ويتأكد هذا الرأي بقوله {ليذوق وبال أمره} وبقوله { ومن عاد} أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا. وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة. وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. قال صلى الله عليه وسلم"حديث : في الضبع كبش إذا قتله المحرم"تفسير : وقالت الصحابة: في الظبي شاة. أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ. ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له. حجة الشافعي قوله تعالى {من النعم} فإنه بيان للمثل وكذا قوله {هدياً بالغ الكعبة} وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم في الضبع بكبش. وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم. فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة. والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده. وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار. والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز. وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل. (وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً. فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد. وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة. وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان. الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف. وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال. الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان. وقال المزني: عليه شاة. وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط. الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح. حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم. حجة داود { ومن عاد فينتقم الله منه} فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة. الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير. والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية. فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن. قوله سبحانه { يحكم به ذوا عدل منكم} قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به. وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد. ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد. عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟ قال: عليه شاة. قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة. قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره. قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟ قال الله تعالى {يحكم به ذوا عدل منكم} فأنا عمر وهذا عبد الرحمن. قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع بكبش. وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى. وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم. وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟ إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات. وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه. فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين. فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني. فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه. وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة. ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين. ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ. قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز. وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً. وانتصب {هدياً} على أنه حال من {جزاء} عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل {مثل} عند من أضاف، أو حال من الضمير في {به} ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة. والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً. ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز. قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم. وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة. قوله {أو كفارة} عطف على قوله {فجزاء} و { طعام مساكين} بيان له. ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة {أو عدل ذلك} الطعام { صياماً } نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً. وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين. ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً. ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين. وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً. وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك. فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان. والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها. وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض. فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام. وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و {أو} هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب. ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله {ليذوق وبال أمره} والتخيير ينافي التغليظ. ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل. ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة. وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح. ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل. وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك. وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟ أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح. أما قوله {ليذوق} فإنه متعلق بقوله { فجزاء } أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام. والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة. والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة {عفا الله عما سلف} في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام. وعلى مذهب داود {عفا الله عما سلف} في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء {ومن عاد} فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء {فينتقم الله منه} أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه. {أحل لكم صيد البحر} أي مصيداته. ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف. فقال أبو حنيفة: حرام. وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال. قوله {وطعامه} العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه. وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها. فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه. وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف. قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال تعالى {أحل لكم صيد البحر وطعامه} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته"تفسير : {متاعاً لكم} في الحضر طرياً و{للسيارة} في السفر مالحاً. وانتصب { متاعاً} على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام. وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله {أحل لكم} في معنى التمتيع {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر، ويجب على قاتله الجزاء. واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله. وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" تفسير : وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟ قالوا معنا رجله. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فأكلها. هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. وقال في الكشاف. أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم. ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة. ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله {واتقوا الله الذي إليه تحشرون} وهو كلام جامع للوعد والوعيد. ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال {جعل الله} أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب {قياماً للناس} وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم. وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام. {أية : فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} تفسير : [إبراهيم:37] ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى. وانتصب {البيت الحرام} على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية. وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا. وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة. وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع. وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها. وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع {لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض} وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان. ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله { وأن الله بكل شيء عليم} فما أحسن هذا الترتيب! ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله {اعلموا أن الله شديد العقاب} لمن انتهك محارمه {وأن الله غفور رحيم} لمن حافظ عليها. وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : . ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه تعالى يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها". فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيبتفسير : ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف. التأويل: {لا تحرموا} على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية { طيبات ما أحل الله لكم} دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية {ولا تعتدوا} ولا تجاوزوا عن حد العبودية {وكلوا مما رزقكم الله} واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله { حلالاً طيباً } يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص. {باللغو في أيمانكم} أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات { ولكن يؤاخذكم} إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان {فكفارته} حينئذ {إطعام عشرة مساكين} الحواس الظاهرة والباطنة. {من أوسط ما تطعمون أهليكم} وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى {فمن لم يجد} أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه. ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة. شعر : أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد تفسير : ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: شعر : وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا بعـين مــودّة حتــى أراكــا تفسير : فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار {ليس على الذين آمنوا } بالتقليد { وعملوا الصالحات} الأعمال البدنية الشرعية {جناح فيما طعموا} من المباحات {إذا ما اتقوا} الشبهة والإسراف {وآمنوا} بالتحقيق بعد التقليد {وعملوا الصالحات} الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه {ثم اتقوا} شرك الأنانية {وآمنوا} بهويته { ثم اتقوا} هذا الشرك وهو الفناء في الفناء {وأحسنوا} وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال {يا أيها الذين آمنوا} إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال {ليبلونكم الله} في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية. {تناله أيديكم} يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية {فله عذاب} الردّ والصد {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال {متعمداً} أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار {مثل ما قتل من النعم} يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة {ذوا عدل} هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس {هدياً بالغ الكعبة} خالصاً عن الخلق لأجل الحق {طعام مساكين} هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك. {أو عدل ذلك صياماً} هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها {ذو انتقام} ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال. {أحل لكم صيد} بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات {صيد البر} ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا {ما دمتم حرماً} أي في حال المحو لا في حال الصحو. {جعل الله الكعبة} كعبة الظاهر {قياماً} للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له {البيت الحرام} حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق. والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض. {شديد العقاب} يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب {إلا البلاغ} بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم {ما تبدون} بإقرار اللسان { وما تكتمون} من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ...} الآية: قال ابن عباس وغيره نزلَتْ بسبب جماعةٍ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم بلغَتْ منهم المواعظ، وخوفُ اللَّه تعالَىٰ إلى أنْ حرَّم بعضهم النساء، وبعضُهم النوْمَ بالليلِ، والطِّيبَ، وهَمَّ بعضهم بالاختصاءِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : أَمَّا أنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وآتِي النِّسَاءَ، وَأَنَالُ الطِّيبَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي»تفسير : ، قال الطبريُّ: كان فيما يتلَىٰ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِكَ، وَقَدْ ضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ»، والطيباتُ في هذه الآية: المستلَذَّات؛ بدليل إضافتها إلَىٰ ما أحلَّ اللَّه؛ وبقرينة ما ذُكِرَ من سبب الآية. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَعْتَدُواْ}، قال عكرمة وغيره: معناه: في تحريم ما أحلَّ اللَّه، وقال الحسنُ بنُ أبي الحَسَنِ: المعنَىٰ: ولا تعتدُوا، فَتُحِلُّوا ما حرَّم اللَّه، فالنهْيَان علَىٰ هذا تضمَّنا الطرفَيْن؛ كأنه قال: لا تشدِّدوا؛ فتحرِّموا حلالاً، ولا تترخَّصوا؛ فتحلُّوا حراماً، قلتُ: وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن أبي النَّضْر، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَمَّا ماتَ عثمانُ بْنُ مظعونٍ، ومُرَّ بجَنَازَتِهِ: «حديث : ذَهَبْتَ، وَلَمْ تَلْتَبِسْ مِنْهَا بِشَيْءٍ».تفسير : قال أبو عمر في «التمهيد»: هذا الحديثُ في «الموطإ» مقطوعٌ، وقد رُوِّينَاه متصلاً مُسْنَداً من وجه صالحٍ حسن، ثم أسند أبو عمر عن عائشةَ، قالَتْ: «حديث : لمَّا ماتَ عُثْمَانُ بنُ مظعونٍ، كشف النبيُّ صلى الله عليه وسلم الثَّوْبَ عن وجْهِهِ، وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَبَكَىٰ بُكَاءً طويلاً، فلما رُفِعَ عَلَى السَّرِيرِ، قَالَ: طُوبَىٰ لَكَ يَا عُثْمَان لَمْ تَلْبَسْكَ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلْبَسْهَا».تفسير : قال أبو عمر: كان عثمانُ بنُ مظعونٍ أحد الفُضَلاء العُبَّاد الزاهدين في الدنْيَا من أصْحَاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المتبتِّلين منهم، وقد كان هو وعليُّ بن أبي طالب هَمَّا أنْ يترهَّبا ويَتْرُكَا النساء، ويُقْبِلا على العبادة، ويحرِّما طيِّباتِ الطعامِ علَىٰ أنفسهما، فنزلَتْ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ...} الآية. ونقل هذا مَعْمَرٌ وغيره عن قتادة. انتهى. وقوله سبحانه: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ}: معناه: شدَّدتم، وعَقْدُ اليمينِ كَعَقْدِ الحبل والعهدِ؛ قال الحطيئة: [البسيط] شعر : قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِمُ شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا تفسير : قال الفَخْر: وأما وجه المناسبة بَيْنَ هذه الآية والَّتي قبلها، فهو ما تقدَّم مِنْ أنَّ قوماً من الصحابة (رضي اللَّه عنهم) حَرَّموا علَىٰ أنفسهم المطاعِمَ والمَلاَذَّ، وحلفوا على ذلك، فلمَّا نهاهم اللَّه تعالَىٰ عن ذلك، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فكيف نصنع بأَيْمَانِنَا؟ فأنزل اللَّه تعالَىٰ هذه الآية. انتهى. وقوله سبحانه: {فَكَفَّـٰرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ}، أي: إشباعهم مرةً واحدةً، وحكم هؤلاءِ ألاَّ يتكرَّر واحدٌ منهم في كفَّارة يمينٍ واحدةً. واختلفَ في معنَىٰ قوله سبحانه: {مِنْ أَوْسَطِ}، فرأَىٰ مالك وجماعةٌ معه هذا التوسُّط في القَدْر، ورأى ذلك جماعةٌ في الصِّنْف، والوَجْهُ أن يُعَمَّ بلفظ «الوسَطِ» القَدْرُ والصِّنْفُ، فرأَىٰ مالكٌ أنْ يُطْعَمَ المسكينُ بـ «المدينة» مُدًّا بمُدِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك رِطْلٌ وثُلُثٌ، وهذا لضيقِ المعيشة بالمدينة، ورأَىٰ في غيرها أنْ يتوسَّع، ورأَىٰ من يقول: إنَّ التوسُّط إنما هو في الصِّنْف أنْ يكون الرجُلُ المكفِّر يتجنب أدنَىٰ ما يأكل الناس في البلد، وينحطُّ عن الأعلَىٰ، ويكفِّرُ بالوَسَط من ذلك، ومذهب «المدونة»؛ أنْ يراعي المكفِّر عيش البلد، وتأويلُ العلماء في الحانث في اليمين باللَّه: أنه مخيَّر في الإطعام، أو الكُسْوة، أو العِتْق، والعلماءُ على أنَّ العتق أفضلُ ذلك، ثم الكسوة، ثم الإطعام، وبدأ اللَّه تعالَىٰ عباده بالأيسر، فالأيسر، قال الفَخْر: وبدأ سبحانه بالإطعام؛ لأنه أعمُّ وجوداً، والمقصودُ منه التنبيهُ علَىٰ أنه سبحانه يُرَاعِي التخفيفَ، والتسهيلَ في التكاليفِ، وثانيها: أنَّ الإطعام أفضلُ، قلتُ: وهذا هو مشهورُ مذهب مالكٍ. انتهى، ويجزىء عند مالكٍ من الكُسْوَة في الكفارة ما يجزىءُ في الصَّلاة. وقوله سبحانه: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}، أيْ: مؤمنة؛ قاله مالك وجماعةٌ؛ لأن هذا المطْلَق راجعٌ إلى المقيدِ في عِتْقِ الرقبة في قَتْل الخطإ. وقوله سبحانه: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ}: معناه: لم يجدْ في ملكه أحد هذه الثلاث المذكورة. واختلفَ العلماءُ في حدِّ هذا العادِمِ، ومتَىٰ يصحُّ له الصيام؛ فقال الشافعيُّ ومالكٌ وجماعة من العلماء: إذا كان المكفِّر لا يملك إلاَّ قوته، وقُوتَ عياله، يَوْمَهُ وليلته، فله أنْ يصوم، فإن كان عنده زائدٌ علَىٰ ذلك مَا يُطْعِم عشرةَ مساكينَ، لزمه الإطعام، قال الطبريُّ: وقال آخرون: جائز لِمَنْ لم يكُنْ له فضْلٌ علَىٰ رأس ماله الذي يتصرَّف به في معايشه؛ أنْ يصوم، وقرأ أبيُّ بن كعبٍ، وابن مسعود: «ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ»، وقال بذلك جماعة. وقال مالك وغيره: إن تابع، فحَسَنٌ، وإن فرق، أجزأ، وقوله: {إِذَا حَلَفْتُمْ}، معناه: وأردتم الحِنْثَ، أو وَقَعْتُمْ فيه.
ابن عادل
تفسير : لما اسْتَقْصَى في المُنَاظَرَةِ مع اليَهُودِ والنَّصَارى، عَادَ إلى بيان الأحْكَامِ، وذكر منها جُمْلَةً: أوَّلُهَا: ما يتعلَّقُ بالمطَاعِمِ والمَشَارِب واللَّذَاتِ، وهي هَذِه الآيَةُ، والمراد بالطَّيِّبَاتِ: ما تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ، وتميلُ إلَيْه القُلُوب وفيه قولان: الأول: قال المُفَسِّرون -[رحمهم الله]- "حديث : ذكَّرَ النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - النَّاسَ يَوْماً في بَيْتِ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ - رضي الله عنه - فوَصَفَ القِيَامَة، وبالغ في الإنْذَارِ والتَّحْذِيرِ، فَرَقَّ له النَّاسُ وبَكَوْا، فاجْتَمَعَ عَشْرَةٌ مِنَ الصَّحَابَة - رضي الله عنهم أجمعين - وهُمْ: أبُو بَكْر، وعَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ، وعبْدُ الله بن مَسْعُود، وعَبْدُ الله بن عُمَر، وأبُو ذَرٍّ الغِفَاري، وسَالِم مَوْلى أبِي حُذَيْفَة والمِقْدَادُ بنُ الأسْوَد، وسَلْمَان الفَارِسِي، ومَعْقِلُ بنُ مقرّن - رضي الله عنهم -، وتَشاوَرُوا على أنْ يَتَرَهَّبُوا، ويَلْبِسُوا المُسُوحَ، ويُجْبُوا مَذَاكِيرهِمْ، ويصُومُوا الدَّهْرَ، ويقُومُوا اللَّيْل، ولا ينَامُونَ على الفُرُش، ولا يَأكُلُونَ اللَّحْمَ والوَدَكَ، ولا يَقْرَبُون النِّسَاء والطِّيب، ويَسِيحُوا في الأرْض، وحَلَفُوا على ذَلِكَ، فَبَلَغ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - [ذلك]، فأتَى دَارَ عُثْمَانَ بن مَظْعُونٍ الجُمحِي، فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فقالَ لامْرَأتِهِ أمِّ حَكِيم بِنْت أبِي أمَيَّة - واسمُهَا "الحَوْلاَء"، وكانت عطَّارَة -: أحقٌّ ما بَلَغَنِي عن زَوْجِكِ وأصْحَابِه؟ فَكَرِهَتْ أنْ تَكْذِبَ، وكَرِهَتْ أنْ تُبْدِيَ على زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: يا رسُول اللَّهِ: إن كانَ أخْبَرَكَ عُثْمَانُ فَقَدْ صَدَقَ، فانْصَرَفَ رسُول اللَّهِ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فلَّما دَخَلَ عُثْمَانُ أخْبَرَتْهُ بذلك، فأتى رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - هُوَ وأصْحَابهُ، فقالَ لَهُمُ رسُولُ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -: ألَمْ أُنَبَّأْ أنَّكُم اتَّفَقْتُمْ على كَذَا وكَذَا، قَالُوا: بَلَى يا رسُول اللَّهِ، ما أرَدْنَا إلا الخَيْرَ، فقال - عليه الصلاة والسلام -: إنِّي لَمْ أؤمَرْ بِذلِكَ، ثُمَّ قال: إنَّ لأنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حقًّا، فصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونَامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنَامُ، وأصُومُ وأفْطِر، وآكُل اللَّحْم والدَّسم، وآتِي النِّسَاء، فَمَنْ رَغِب عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي. ثمَّ جمع إليه النَّاس وَخَطَبَهُمْ فقَالَ: ما بَالُ أقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّساء والطَّعام، والطِّيب والنَّوم، وشهوات الدُّنيا؟! أما إنِّي لَسْتُ آمُرُكُمْ أنْ تكُونُوا قِسِّيسِينَ ورُهْبَاناً، فإنَّه ليْسَ في دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ، ولا اتِّخاذ الصَّوَامِعِ، وأنَّ سِيَاحةَ أمَّتِي الصَّومُ، ورهبَانِيَّتُهُمُ الْجِهَادُ، اعبُدُوا اللَّه ولا تُشْرِكُوا به شَيْئاً، وَحجُّوا واعتَمِرُوا وأقِيموا الصَّلاة وآتُوا الزَّكاة، وصُومُوا رمضَانَ، واستَقِيمُوا يستقمْ لَكُمْ، فإنَّمَا هَلَكَ من كان قَبْلَكُم بالتَّشْديدِ، شَدَّدُوا على أنْفُسِهِم، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِم، فأُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَار والصَّوَامِعِ"تفسير : ، فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيَة. وعن عُثْمَانَ بنِ مَظْعُون - رضي الله تعالى عنه "حديث : - أنَّه أتَى النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فقال: ائْذَنْ لنا في الاخْتِصَاء، فقال رسول اللَّهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: ليس منا من خَصَى أو اخْتَصَا، إنَّ خِصَاءَ أمَتِّي الصِّيَامُ، فقال يا رسُولَ اللَّه: ائْذَنْ لنا في السِّيَاحَةِ، فقال: إنَّ سِيَاحَةَ أمَّتِي الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّه، قال يا رسُول اللَّه: ائْذَنْ لنا في التَّرَهُّبِ فقال: إنَّ تَرَهُّبَ أمَّتِي الجُلُوسُ في المَسَاجِدِ، وانْتِظَار الصَّلاة ". تفسير : وعلى هذا ظَهَر وجه النَّظْم بين هذه الآية، وبَيْنَ ما قَبْلَها، وذلك أنَّهُ تعالى مدحَ النَّصَارى، بأنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِين ورُهْبَاناً، وعادَتُهُم الاحْتِرَازُ عَنْ طيِّبَاتِ الدُّنْيَا ولذَّاتِها، فلمَّا مَدَحَهم أوْهَمَ ذلك المدحُ ترغيب المسلمين في مِثْلِ تِلْكَ الطَّريقَةِ، فَذَكَرَ تعالى عَقِيبَهُ هذه الآيَة، إزالةً لذلك الوَهْمِ؛ ليظْهَرَ لِلْمُسْلِمِين أنَّهُمْ ليْسُوا مَأمُورين بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ؛ واللَّه أعلم. فإن قيل: ما الحكْمَةُ في هذا النَّهْي؟ ومن المعْلُومِ أنَّ حبَّ الدُّنْيَا مُسْتَوْلٍ على الطَّبَاع والقُلُوبِ، فإذا تَوَسَّع الإنْسَانُ في اللَّذَّاتِ والطَّيِّبَاتِ: اشتدَّ مَيْلُهُ إليها وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فيها، وكُلَّمَا أكْثر التَّنْعِيم ودَامَ كان ذلك المَيْلُ أقْوَى وأعْظَم، وكُلَّمَا ازدَادَ المَيْلُ قوَّةً ورغْبَةً، ازدَادَ حِرْصُهُ في طَلَبِ الدُّنْيَا، واسْتِغْرَاقُهُ في تحصيلهَا، وذلك يمنعه عن الاستغراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تعالى - وطاعَتِهِ، ويمنَعُهُ عن طلب سَعَادَات الآخِرَةِ، وأمَّا إذا أعْرَضَ عن لَذَّاتِ الدُّنيا وطيِّبَاتها، فكُلَّمَا كَانَ ذَلِكَ الإعْرَاض أتَمَّ وأدْوَمَ، كان ذلك المَيْلُ أضْعَف، وحينئذٍ تتفرَّغُ النَّفْسُ لطَلَبِ مَعْرِفَةِ اللَّه تعالى، والاسْتِغْرَاق في خدمَتِهِ، وإذا كان الأمْرُ كَذَلِكَ فما الحكمة في نَهْيِ اللَّهِ تعالى عَنِ الرَّهْبَانِيَّة؟. فالجواب من وجوه: الأولُ: أنَّ الرَّهْبَانِيَّة المفرطة، والاحتِرَاز التَّامَّ عن الطَّيِّبَاتِ واللَّذَّاتِ، ممَّا يوقع الضَّعْفَ في الأعْضَاء الرَّئِيسيَّة - التي هي القَلْبُ والدِّمَاغُ -، وإذا وَقَعَ الضَّعْفُ فيهما اخْتلت الفِكْرَة وتَشَوَّش العَقْلُ. ولا شَكَّ أنَّ أكْمَل السَّعَاداتِ وأعظمَ القُرُبَات، إنَّما هو مَعْرِفَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، فإذَا كانتِ الرَّهْبَانِيَّةُ الشَّديدةُ مِمَّا يوقع الخَلَلَ في ذلِكَ، لا جَرَمَ وقعَ النَّهْي عَنْهُ. الثاني: سَلَّمنَا أنَّ اشْتِغَال النَّفْسِ باللَّذاتِ يَمْنَعُهَا عن الاشْتِغَال بالسَّعَادَاتِ العَقْلِيَّة، ولكن في حقِّ النُّفُوسِ الضَّعِيفَةِ أمَّا النُّفُوسُ المسْتَعْلِيَةُ الكامِلَةُ، فإنَّه لا يَكُونُ اشتِغَالُها في اللَّذاتِ الحِسِّيَّةِ مانِعاً من الاشْتِغَالِ بالسَّعَادَات العَقْلِيَّة، فإنَّا نُشَاهِدُ بعض النُّفُوس قد تكون ضَعِيفَة، بِحَيْثُ متى اشْتَغَلَتْ بِمُهِمٍّ امْتَنَعَ عليها الاشْتِغَالُ بِمُهِمٍّ آخر، وكُلَّما قَويَتِ النَّفسُ كانت هذه الحَالَةُ أكْمَل، وإذا كانَ كذَلِكَ، فالمرادُ الكَمَالُ في الوَفَاءِ بالجهَتَيْنِ. الثالث: أنَّ من اسْتَوْفَى اللَّذَاتِ الحِسِّيَّةَ، وكان غرضُهُ بذلك الاسْتِعَانَة على استِيفَاء اللَّذَّاتِ العَقْلِيَّةِ، فإنَّ مجاهَدَتَهُ أتَّمُّ مِنْ مُجَاهَدَة من أعْرَض عَنِ اللَّذَاتِ الحِسِّيَّةِ. الرابع: أنَّ الرَّهْبَانِيَّة التَّامَّة توجب خَرَابَ الدُّنْيَا، وانقِطَاعَ الحَرْثِ والنَّسْلِ. وأمَّا تَرْكُ الرَّهْبَانِيَّةِ مع المُواظَبَةِ على المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والطَّاعة، فإنَّه عِمَارةُ الدُّنْيَا والآخِرَة، فكانَتْ هَذِهِ الحال أكْمَل القول. الثاني في تفْسِير هذه الآية ذَكَرَهُ القَفَّال -[رحمه الله]- وهو أنَّهُ تعالى قال في أوَّل السُّورةِ: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] فبيَّنَ أنَّهُ لا يجُوزُ استحلاَلُ المُحرَّمِ، كذلك لا يجُوزُ تَحْرِيمُ المُحَلَّلِ، وكانت العرب تُحرِّمُ من الطَّيِّبَاتِ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ تعالى، وهو: البَحيرة، والسَّائِبَةُ، والوَصِيلةُ، والحامُ، وكانُوا يُحَلِّلُون المَيْتَةَ والدَّمَ وغيْرهما، فأمَرَ اللَّه تعالى أن لا يُحرِّمُوا ما أحَلَّهُ اللَّهُ، ولا يُحَلِّلُوا ما حَرَّمهُ اللَّهُ، حتى تَدْخُلوا تَحْتَ قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1]. فقوله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} يحتمل وُجُوهاً: الأول: ألا تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ. وثانيها: لا تُظْهِرُوا باللِّسان تَحرِيمَ ما أحلَّ الله لَكُمْ. وثالثها: لا تَجْتَنِبُوهَا اجْتِنَاباً يُشبِهُ الاجْتِنَابَ عن المُحَرَّمَاتِ، فهذه الوُجُوه الثلاثَةُ مَحْمُولَةٌ على الاعتِقَاد والقول والعَملِ. ورابعها: لا تُحَرِّمُوا على غَيْرِكم بالفَتْوَى. وخامسها: لا تَلْتَزِمُوا تحريمها بِنَذْرٍ أو يَمِينٍ، ونَظِيرُهُ قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]. وسادسها: أن يخلطَ المغصُوبَ بالمَمْلُوكِ اختِلاَطاً لا يُمْكِنُهُ التَّمْيِيزُ، وحينئذٍ يَحْرُمُ الكُلُّ، ذلك الخَلْطُ سببٌ لتحريم ما كان حلالاً، وكذلِكَ إذا خَلَطَ النَّجِسَ بالطَّاهِر، فالآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لكُلِّ هذه الوجوه، ولا يَبْعُد حَمْلُهَا على الكُلِّ. قوله - تعالى -: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} فقيل: لا تجاوزُوا الحلال إلى الحرام، وقيل: لا تُسْرِفُوا وقيل: هو جَبُّ المذاكيرِ، وجعل تَحْرِيم الطَّيِّبَات اعتِدَاءً وتَعَدٍّ عما أحلَّهُ اللَّهُ، فنهى عن الاعتِدَاء؛ ليدخل تَحْتَ النَّهْيِ عن تحريمهَا. قوله تعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً}. في نصب "حَلاَلاَ": ثلاثة أوجه: أظهرُها: أنه مفعولٌ به، أي: كُلُوا شَيْئاً حلالاً، [وعلى هذا الوجه، ففي الجَارِّ، وهو قوله: "مِمَّا رَزَقَكُمْ" وجهان: أحدهما: أنه حالٌ من "حَلاَلاً"؛] لأنه في الأصل صفةٌ لنكرَةٍ، فلمَّا قُدِّم عليها، انتصبَ حالاً. والثاني: أنَّ "مِنْ" لابتداء الغاية في الأكْل، أي: ابتدِئُوا أكْلَكُمْ الحلالَ من الذي رزَقَهُ الله لكُمْ. الوجه الثاني من الأوجه المتقدِّمة: أنه حالٌ من الموصول أو من عائده المحذوف، أي: "رَزَقَكُمُوهُ" فالعاملُ فيه "رَزَقَكُمْ". الثالث: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: أكْلاً حلالاً، وفيه تجوُّزٌ. وقال: {كلوا مما رزقكم الله} ولَمْ يَقُلْ: ما رزقكم؛ لأنَّ "مِنْ" للتَّبْعِيضِ، فكأنَّه قال: اقْتَصِرُوا في الأكْلِ على البَعْضِ واصرفُوا البَقِيَّةَ إلى الصَّدقَاتِ والخَيْرَاتِ، وأيضاً إرْشَاد إلى تَرْكِ الإسْرَاف، كقوله: {أية : وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 31]. قال عبدُ الله بن المُبَارَك - رضي الله عنه -: الحَلاَلُ ما أخَذْتَهُ من وجهه، والطَّيِّبُ: ما غُذِّيَ وأنْمِي. فأمَّا الجَوَامِدُ: كالطِّينِ والتُّرَابِ وما لا يُغذِّي، فمكرُوه إلاَّ على وجْهِ التَّدَاوِي. قالت عَائِشَة - رضي الله عنها -: "كان النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - يُحِبُّ الحَلْوَاءَ والعَسَلَ". قوله تعالى: "اتَّقُوا اللَّهَ" تأكيد للوصيَّةِ بما أمَرَ به، وزادَهُ تَأكِيداً بقوله تعالى: {الَّذي أَنْتُم بِهِ مُؤْمِنُون}؛ لأنَّ الإيمان به يُوجِبُ التَّقْوَى في الانْتِهَاء.
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه حديث : عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال: نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكني أصوم أفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنَّتي فليس مني . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير عن أبي مالك في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال: نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه، كانوا حرموا على أنفسهم كثيراً من الشهوات والنساء، وهمَّ بعضهم أن يقطع ذكره، فنزلت هذه الآية. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة "حديث : أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوّج النساء، وقال بعضهم لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال أَقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي شيبة والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في سننه وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم همُّوا بالخصاء، وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة، أن عثمان بن مظعون في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال الآخر: لا أنام على فراش، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أصوم ولا أفطر، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...} الآية. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال: كانوا حرموا الطيب واللحم، فأنزل الله هذا فيهم. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة قال "حديث : أراد أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء ويترهَّبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقاتلة، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم بكم. قال: ونزلت فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...} الآية ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء وتزهَّدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...} الآية. قال ذكر لنا حديث : أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللحم، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس في ديني ترك النساء واللحم، ولا اتخاذ الصوامع، تفسير : وخبرنا أن حديث : ثلاثة نفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا فقال أحدهم أما أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال أحدهم: أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا آتي النساء، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: ألم أنبأ إنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير. قال: لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، تفسير : وكان في بعض القراءة في الحرف الأول: من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء السبيل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً ". تفسير : وأخرج ابن أبي جرير عن السدي قال "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة، منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون: ما حقنا أن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نحرم، فحرم بعضهم أكل اللحم والودك وأن يأكل منها، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة - وكان يقال لها الحولاء - فقالت لها عائشة ومن حولها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين؟! فقالت: وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليَّ زوجي ولا رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن، فقال: ما يضحككن؟ قالت: يا رسول الله، الحولاء سألتها عن أمرها فقالت: ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟، قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقصَّ عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك، فقال: يا رسول الله إني صائم! قال: أفطر. قال: فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت، فضحكت عائشة فقالت: مالك يا حولاء؟ فقالت: أنه أتاها أمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا اني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} يقول لعثمان: لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، وأمرهم أن يكفروا أيمانهم فقال {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [المائدة: 89] الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال "أراد رجال منهم عثمان بن مظعون، وعبد الله بن عمرو، أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} والآية التي بعدها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة. حديث : أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالماً مولى أبي حذيفة، وقدامة، تبتلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس السياحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...} الآية. فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن لأنفسكم حقاً، ولأعينكم حقاً، وإن لأهلكم حقاً، فصلوا وناموا وأفطروا، فليس منا من ترك سنتنا. فقالوا: اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : إن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرموا اللحم والنساء على أنفسهم، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا لعبادة ربهم، فأُخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردتم؟ قالوا: أَردنا أن نقطع الشهوة عنا، ونتفرغ لعبادة ربنا، ونلهو عن الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أؤمر بذلك، ولكني أُمِرْتُ في ديني أن أتزوج النساء، فقالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} إلى قوله {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} فقالوا: يا رسول الله، فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن الحسن العرني قال: كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...} الآية. وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج عن المغيرة بن عثمان قال "حديث : كان عثمان بن مظعون، وعلي، وابن مسعود، والمقداد، وعمار، أرادوا الاختصاء، وتحريم اللحم، ولبس المسوح في أصحاب لهم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، فسأله عن ذلك، فقال: قد كان بعض ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنكح النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وألبس الثياب، لم آتِ بالتبتل ولا بالرهبانية، ولكن جئت بالحنيفية السمحة، ومن رغب عن سنتي فليس مني "تفسير : ، قال ابن جريج: فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم "حديث : أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي. فقالت امرأته: هو عليَّ حرام. قال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أصبت، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا} إلى ما حرم الله عليكم. وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: قلت: لإبراهيم في هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} هو الرجل يحرم الشيء مما أحل الله؟ قال: نعم. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في الآية قال: هو الرجل يحلف لا يصل أهله، أو يحرِّم عليه بعض ما أحل الله له، فيأتيه ويكفر عن يمينه. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عن ابن مسعود. أن معقل بن مقرن قال له: إني حرمت فراشي عليَّ سنة. فقال: نم على فراشك وكفِّر عن يمينك، ثم تلا {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم...} إلى آخر الآية. وأخرج البخاري والترمذي والدار قطني عن أبي جحيفة قال "حديث : آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك...؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال: كل فإني صائم قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال: نم، فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن. فصليا فقال له سلمان: أن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال: صدق سلمان ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وأن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله. قلت: إني أجد قوة. قال: فصم صيام نبي الله داود لا تزد عليه. قلت: وما كان صيام نبي الله داود؟ قال: نصف الدهر ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن سعيد بن المسيب "حديث : أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، لما تبتلوا وجلسوا في البيوت، واعتزلوا وهمُّوا بالخصاء، وأجمعوا على قيام الليل وصيام النهار فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فقال: أما أنا فاني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والطبراني حديث : عن عائشة قالت "دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها خولة بنت حكيم عليَّ، وهي باذة الهيئة فسألتها ما شأنك؟ فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيَّ أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أبي قلابة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من: تبتل فليس منا ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب "حديث : أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس لك فيَّ أسوة؟ فأني آتي النساء، وآكل اللحم، وأصوم وأفطر، إن خصاء أمتي الصيام، وليس من أمتي من خصى أو اختصى ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي بردة قال "حديث : دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟ فقالت: ما لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرن ذلك له، فلقيه فقال يا عثمان بن مظعون، أما لك فيَّ أسوة؟ قال: وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل. قال: إني لأفعل. قال: لا تفعل، إن لعينك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فصل ونم، وصم وأفطر، قال: فاتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس، فقلن لها: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي قلابة "حديث : أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتاً فقعد يتعبّد فيه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه، فقال: يا عثمان، إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثاً، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال "حديث : كانت امرأة عثمان بن مظعون امرأة جميلة عطرة تحب اللباس والهيئة لزوجها، فزارتها عائشة وهي تفلة، قالت: ما حالك هذه؟ قالت: إن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، وعثمان بن مظعون، قد تخلوا للعبادة وامتنعوا من النساء وأكل اللحم، وصاموا النهار وقاموا الليل، فكرهت أن أريه من حالي ما يدعوه إلى ما عندي لما تخلى له، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم نعله، فحمله بالسبابة من أصبعه اليسرى، ثم انطلق سريعاً حتى دخل عليهم، فسألهم عن حالهم، قالوا: أردنا الخير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني إنما بعثت بالحنيفية السمحة، وإني لم أبعث بالرهبانية البدعة، إلا وإن أقواماً ابتدعوا الرهبانية فكتبت عليهم فما رعوها حق رعايتها، إلا فكلوا اللحم، وأتوا النساء، وصوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فإني بذلك أمرت ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عثمان بن عفان قال "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بفتية فقال: من كان منكم ذا طول فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأحببت أن يكون لي فيه زوجة. وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب. أنه قال لرجل: أتزوجت؟ قال: لا. قال: إما أن تكون أحمق، وإما أن تكون فاجراً. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقول لك ما قال عمر لأبي الزوائد، ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. وأخرج عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال: مثل الأعزب كمثل شجرة في فلاة تقلبها الرياح هكذا وهكذا. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن هلال، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص قال "لقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له في ذلك لاختصينا". وأخرج ابن سعد والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيهحديث : عثمان بن مظعون "أنه قال: يا رسول الله، إني رجل تشق عليَّ هذه العزبة في المغازي، فتأذن لي يا رسول الله في الخصاء؟ فأختصي. قال: لا، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفر". تفسير : وأخرج أحمد عن عائشة حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل". وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس "حديث : أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن عبيد الله بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح ". تفسير : وأخرج البيهقي في سننه عن ميمون أبي المغلس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أيوب. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من استن بسنتي فهو مني، ومن سنتي النكاح ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أبي ذر قال "حديث : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له عكاف بن بشير التميمي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من زوجة؟ قال: لا. قال: ولا جارية؟ قال: ولا جارية. قال: وأنت موسر بخير؟ قال: نعم. قال: أنت إذاً من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم، إن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، أبا لشيطان تتمرسون؟ ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء، إلا المتزوجين أولئك المطهرون الْمُبَرَّأون من الخنا، ويحك يا عكاف! إنهن صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف فقال له بشير بن عطية: ومن كرسف يا رسول الله؟ قال: رجل كان يعبد الله بساحل من سواحل البحر ثلثمائة عام، يصوم النهار ويقوم الليل، ثم إنه كفر بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربه، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه، ويحك يا عكاف! تزوج وإلا فأنت من المذبذبين ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطية بن بسر المازني قال "حديث : جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا. قال: ولا جارية؟ قال: لا. قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم، والحمد لله. قال: فأنت إذاً من الشياطين، إما أن تكون من رهبانية النصارى فأنت منهم، وإما أن تكون منا فتصنع كما نصنع، فإن من سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل موتاكم عزابكم، أبا لشيطان تتمرسون، ما له في نفسه سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون المطهرون المبرأون من الخنا، ويحك يا عكاف.! تزوج إنهن صواحب داود، وصواحب أيوب، وصواحب يوسف، وصواحب كرسف، فقال عطية من كرسف يا رسول الله؟ فقال: رجل من بني إسرائيل على ساحل من سواحل البحر يصوم النهار، ويقوم الليل، لا يفتر من صلاة ولا صيام، ثم كفر من بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها فترك ما كان عليه من عبادة ربه عز وجل، فتداركه الله بما سلف منه فتاب الله عليه، ويحك.! تزوج وإلا فإنك من المذبذبين ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مسكين مسكين، مسكين رجل ليست له امرأة. قيل يا رسول الله، وإن كان غنياً ذا مال؟ قال: وإن كان غنياً من المال. قال: ومسكينة مسكينة مسكينة، امرأة ليس زوج، قيل: يا رسول الله، وإن كانت غنية ومكثرة من المال، قال: وإن كانت" تفسير : . قال البيهقي: أبو نجيح اسمه يسار، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح، والحديث مرسل". وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي عن أنس قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة، وينهانا عن التبتل نهياً شديداً، ويقول: تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي ". تفسير : وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل رجل عابد، وكان معتزلاً في كهف له، فكان بنو إسرائيل قد أعجبوا بعبادته، فبينما هم عند نبيهم إذ ذكروه فأثنوا عليه، فقال النبي: حديث : إنه لكما تقولون لولا أنه تارك لشيء من السنة وهو التزوج . تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن شداد بن أوس أنه قال: "زوِّجوني فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله عزباً". وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: قال معاذ في مرضه الذي مات فيه: زوجوني إني أكره أن ألقى الله عزباً. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} [الآية: 87]. قال سهل: هو الرفق بالأسباب من غير طلب ولا إشراف نفس، وقد يبدو الرفق بالسبب لأهل المعرفة على الظاهر وهم يأخذونه من المسبب على الحقيقة. وقال أبو عثمان: لا تحرموا على أنفسكم المكاسب وطلب القوت الحلال من ذلك ولا تعتدوا لانزواء رازقًا سواه، فإنه الرازق. والرزّاق ربما أوصل إليك رزقك بسبب وربما قطعك عن الأسباب وردَّك إلى الأخذ منه.
القشيري
تفسير : من أمارات السعادة الوقوفُ على حد الأمر؛ إنْ أَبَاحَ الحقُّ شيئاً قَبِلَه، وقابله بالخشوع، وإنْ خَطَرَ شيئاً وقف ولم يتعرض للجحود. ومما أباحه من الطيبات الاسترواح إلى نسيم القرب في أوطان الخلوة، وتحريم ذلك: إنْ اسْتَبدَلَ تلك الحالة بالخلطة دون العزلة؛ والعِشْرَةِ دون الخلوة، وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} هذا خطاب اهل المشاهدة اى اذا وصلتم مقام المشاهدة فلا يميتوا قلوبكم بالمجاهدة فان المجاهدة للنفوس والمشاهدة للقلوب واذا ظهرت المشاهدة للقلوب لا يبقى فيها للنفوس اثروا علم بذلك تعالى اهل قرية الذين بلغوا مقام الانس والبسطان ما يجرى فى قلوبهم من ذكر بدايتهم فى ترك الطيبات من القوت واللباس لا يجوز فى هذه المقامات الرجوع الى البدايات فان ههنا لا يليق مجاهدة النفس بهم لانهم يذوبون فى روح الانس ونور البقاء وهم فى ذلك عرايس الله يبيح لهم ما لا يبح للمريدون من كل الطيبات ولبس الناعمات لبقائهم فى الدنيا ولا يحترقون بواردات الوجد الا ترى ان سبب نزول هذه الأية اجتماع اخبار الصحابة مثل عثمان بن مظعون وابى بكر الصديق وعلى ابن ابى طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وابى ذر الغفارى وسالم مولى حذيفة والمقدادين اسود وسلمان الفارسى ومعقل بن مقرن على تلك النساء والطيب واللحم واختار صوم الدهر وقيام الليل والسياحة فى الارض والرهبانية ولبس المنسوج ورفض الدنيا كلها فناهم الله ورسوله من ذلك بقوله يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لانفسكم عليكم حقا فصوموا وافطروا وقوموا وناموا فانى اقوم وانام واصوم وافطروا كل اللحم والدسم واتى النساء ومن رغب عن سنتى فليس منى بين ذلك ان لا يجوز لاهل الحقائق والمشاهدات ان يرجعوا الى مقام البدايات وتصديق هذه المعانى الأية الثانية.
اسماعيل حقي
تفسير : {ياايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم} اى لا تمنعوا ما طاب ولذ منه انفسكم كمنع التحريم {ولا تعتدوا} اى لا تتجاوزوا حدود ما احل لكم الى ما حرم عليكم فان محرم ما احل الله يحل ما حرم الله او ولا تسرفوا فى تناول الطيبات فان الاسراف تجاوز الى الحرام كتناول المحرمات {ان الله لا يحب المعتدين} اى لا يرضى عمل المعتدين على انفسهم المتجاوزين حدود الله.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله} أي: لا تحرموا ما طاب ولذ مما أحله الله لكم، {ولا تعتدوا} فتحرموا ما أحللت لكم، ويجوز أن يراد: ولا تعتدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم، داعية إلى القصد بينهما، والوقوف على ما حد دون التجاوز إلى غيره. رُوِي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَفَ القِيامَة يومًا، وبالغ في إنذارهم، فَرَقوا، واجتمعوا في بيت عُثمان بن مظعون، واتفقوا على ألا يزالوا صائمين قائمين، وألا يناموا على الفُرُش، ولا يأكُلوا اللحمَ والودَك، ولا يَقربُوا النساء والطَّيبَ، ويَرفضُوا الدُنيا، ويلَبسُوا المُسوح، ويَسيحُوا في الأرض، ويَجُبُّوا مَذَاكِرَهم، فَبلَغ ذلك رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم "حديث : إني لم أُومرْ بذلكَ، إنَّ لأنفُسِكُم عَليكُم حقًا، فصُومُوا وأفطِرُوا، وقُومُوا ونَاموا، فإنِّي أقُومُ وأنام، وأصُوم وأُفطِر، وآكُلُ اللحم والدَّسم، وآتى النساء، فَمَن رَغِبَ عن سُنتي فَليس مني "تفسير : . ونزلت الآية. ثم قال تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيبًا} أي: كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله، {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون}؛ فأحلوا حلاله واستعملوه، وحرموا حرامه واجتنبوه. الإشارة: طريقةُ العباد والزهاد: رفض الشهوات والملذوذات بالكلية، زهدًا وورعًا وخوفًا من اشتغال النفس بطلبها، فيتعطل وقتهم عن العبادة، وطريقة المريدين السائرين: رفض ما تتعلق به النفس قبل الحصول، وتشره إليه رياضة وتعففًا، لئلا تتعلق هِممُهم بغير الله، فما جاءهم من غير طلب ولا شره أكلوه وشكروا الله عليه، ولا يقفون مع جوع ولا شبع. وطريقة الواصلين العارفين: تجنب ما يقبض من غير يد الله، فإذا أخذتهم سنة حتى غفلوا عن التوحيد فقبضوا شيئًا، مع رؤية الواسطة، أخرجوه عن ملكهم، كما وقع لأبي مدين رضي الله عنه ويأخذون ما سوى ذلك قَلّ أو كثر، ولا يقفون مع أخذ ولا ترك، وفي الحكم: "لا تمدن يديك إلى الأخذ من الخلائق، إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، فإن كنت كذلك فخذ ـ ما وافقك العلم". ولما صدر من بعض الصحابة يمين على ترك ما تقدم، ذكر لهم الكفارة، وفيما تجب، فقال: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للمؤمنين خاصة نهاهم الله أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم. والتحريم هو العقد على ما لا يجوز فعله للعبد، والتحليل حل ذلك العقد، وذلك كتحريم السبت بالعقد على أهله، فلا يجوز لهم العمل فيه، وتحليله تحليل ذلك العقد بأنه يجوز لهم الآن العمل فيه. والطيبات اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل اليها القلوب. ويقال: طيب بمعنى حلال. وتقول: يطيب له كذا أي يحل له، ولا يليق ذلك بهذا الموضوع، لأنه لا يقال: لا تحرموا حلال ما أحل الله لكم. والذي اقتضى ذكر النهي عن تحريم الطيبات - على ما قال ابن عباس ومجاهد وأبو مالك وقتادة وابراهيم - حال الرهبان الذين حرموا على أنفسهم المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وحبسوا أنفسهم في الصوامع وساحوا في الأرض، وحرموا النساء، فهم قوم من الصحابة أن يفعلوا مثل ذلك، فنهاهم الله عن ذلك. وقال أبو علي: نهوا أن يحرموا الحلال من الرزق بما يخلطه من الغصب. واختار الرماني الوجه الأول، لأن أكثر المفسرين عليه. وقال السدي: نهاهم الله عما همَّ به عثمان بن مظعون من جب نفسه. وقال عكرمة: هو ما همت به الجماعة: من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم. وقال الحسن: لا تعتدوا إلى ما حرم عليكم وهو أعم فائدة. والاعتداء مجاوزة حد الحكمة إلى ما نهى عنه الحكيم، وزجر عنه إِما بالعقل أو السمع، وهو تجاوز المرء ما له الى ما ليس له. وقوله {إن الله لا يحب المعتدين} معناه يبغضهم ويريد الانتقام منهم وانما ذكره على وجه النفي لدلالة هذا النفي على معنى الاثبات إِذ ذكر في صفة المعتدين، وكأنه قيل يكفيهم في الهلاك ألا يحبهم الله.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة الخاصّة الولويّة على ان يكون النّظر الى من نزلت فيه، فانّهم كانوا ثلاثة منهم امير المؤمنين (ع) ولا يكون مرافقة علىّ (ع) فى الارتياض الاّ لمن كان مثله داخلاً فى قلبه الايمان سالكاً الى الله رفيقاً له فى الطّريق، او بالبيعة العامّة النّبويّة على ان يكون النّظر الى التّعميم وان كان النّزول خاصّاً لانّ النّهى عامّ للمسلمين {لاَ تُحَرِّمُواْ} على انفسكم {طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} اعلم، انّ الانسان ذو مراتب عديدة بعضها فوق بعضٍ الى ما لا نهاية له، والتّكاليف الآلهيّة الورادة عليه ليست لمرتبةٍ خاصّة منه بل كما عرفت سابقاً للمفاهيم الواردة فى التّكاليف مصاديق متعدّدة بتعدّد مراتب الانسان بعضها فوق بعضٍ، فكلّما ورد فى الشّريعة المطهّرة من الالفاظ فهى مقصودة من حيث مفاهيمها العامّة باعتبار جميع مصاديقها بحيث لا يشذّ عنها مصداق من المصاديق فالانسان بحسب مرتبته النّباتيّة له محلّلات آلهيّة، وبحسب مرتبته الحيوانيّة اخرى، وبحسب الصّدر اخرى، وبحسب القلب اخرى، وبحسب الرّوح اخرى، والتّحريم الآلهىّ فى كلّ مرتبة بحسبه، وكذا تحريم الانسان على نفسه فالمحلّلات بحسب مرتبته الحيوانيّة والنّباتيّة ما اباح الله له من المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمنكوح والمسكن والمنظور، وبحسب الصّدر ما اباح الله له من الافعال الاراديّة والاعمال الشّرعيّة والتّدبيرات المعاديّة والمعاشيّة والاخلاق الجميلة والمكاشفات الصّوريّة، وبحسب القلب ما اباح الله له من الاعمال القلبيّة والواردات الآلهيّة والعلوم اللّدنيّة والمشاهدات المعنويّة الكلّيّة، وهكذا فى سائر المراتب، والطّيّبات من ذلك فى كلّ مرتبة ما تستلذّه المدارك المختصّة بتلك المرتبة، ومطلق المباح فى كلّ مرتبةٍ طّيب بالنّسبة الى مباح المرتبة الدّانيّة منه، وان الله تعالى يحبّ ان يؤخذ برخصه كما يحبّ ان يؤخذ بعزائمه، ولا يحبّ الشّره والاعتداء فى رخصه بحيث يؤدّى الى الانتقال الى ما هو حرام محظور باصل الشّرع، او بحيث يؤدّى الى صيرورة المباح حراماً بعرض التّجاوز عن حدّ التّرخيص بالاكثار فيه كما لا يحبّ الامتناع عن رخصه، فمعنى الآية يا ايّها الّذين آمنوا لا تمتنعوا من الرّخص ولا تحرّموا بقسم وشبهة ولا بكسل ونحوه على انفسكم ما تستلذّه المدارك بحسب كلّ مرتبة وقوّة ممّا اباحه الله لكم، لانّ الله يحبّ ان يرى عبده مستلذّاً بما اباحه له كما يحبّ ان يراه مستلذّاً بعباداته ومناجاته، ولا تمتنعوا بالاكتفاء بمستلذّات المرتبة الدّانية عن مستلذّات المرتبة العالية، فانّه يحبّ ان يرى عبده مصرّاً على طلب مستلذّات المرتبة العالية كما يحبّ ان يراه فى هذه الحالة معرضاً عن مباحات المرتبة الدّانية مكتفياً بضروريّاتها وراجحاتها، ولا تعتدوا عمّا اباح الله الى ما حظره او فى المباح الى حدّ الحظر، والآية اشارة الى التّوسّط بين التّفريط والافراط فى كلّ الامور من الافعال والطّاعات والاخلاق والعقائد والسّير الى الله فانّ المطلوب من السّائر الى الله ان يكون واقعاً بين افراط الجذب وتفريط السّلوك.
الحبري
تفسير : وفي قَوْلِهِ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}. نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وَأَصْحابٍ لَهُ، مِنْهُمْ عُثْمانُ [بنُ] مَظْعُونٍ، وَعَمَّارُ (بنُ ياسِرٍ وٍسَلْمانُ) حَرَّمُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الشَّهَواتِ، وَهَمُّوْا بِالإِخصاءِ.
فرات الكوفي
تفسير : {يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تُحَرِّموا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ87} [وبالاسناد المتقدم في ح 142 رواية الحبري عن ابن عباس]: وفي قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} الآية. نزلت [ن: فنزلت] في علي وأصحابه [ح: وأصحاب له] منهم عثمان بن مظعون وعمار [بن ياسر وسلمان. أ] حرموا على أنفسهم الشهوات وهمّوا بالاخصاء.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ}: الى قوله {مؤمنون} وعن ابن عباس: نزلت الآية بسبب جماعة من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم، بلغت بهم الموعظة وخوف الله أن حرم بعضهم النساء وبعضهم النوم بالليل والطيب، وهم بعضهم بالاختصاء، فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: "حديث : أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآتى النساء والطيب، فمن رغب عن سنتى فليس منى " تفسير : والطيبات المستلذات التى حرموها على أنفسهم، ومعنى تحريمهم لها منع أنفسهم عنها مع اعتقاد أنها حلال، وذكر ذلك بعد ذكر ترهب النصارى نهياً عن الافراط فى ترك الطيبات البتة، وعن تحريم ما حل كما قال: {وَلا تَعْتَدُوا}: بتحريم الحلال، وهذا أنسب بسبب النزول، ويجوز أن يكون المعنى ولا تعتدوا حدود ما أحل لكم الى ما حرم عليكم، فشمل الآية النهى عن تحريم ما حل، وتحليل ما حرم، والجمهور على الأول والحسن على الثانى. {إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعتَدِينَ}: لا ينعم عليهم بالجنة، بل يعاقبهم بالنار.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } أي لذائذ ذلك وما تميل إليه القلوب منه كأنه لما تضمن ما سلف من مدح النصارى على الرهبانية ترغيب المؤمنين في كسر النفس ورفض الشهوات عقب سبحانه ذلك بالنهي عن الإفراط في هذا الباب أي لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، وقيل: لا تلتزموا تحريمها بنحو يمين، وقيل: لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم، وكون المعنى لا تحرموها على غيركم بالفتوى والحكم مما لا يلتفت إليه. فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فذكر الناس ووصف القيامة فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم علي كرم الله تعالى وجهه، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبـي حذيفة، وعبد الله بن عمر والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، وصاحب البيت واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض وهم بعضهم أن يجب مذاكيره فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى دار عثمان فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم: حديث : أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تنكر إذ سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عثمان فأخبرته بذلك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال عليه الصلاة والسلام لهم: انبئت أنكم اتفقتم على كذا وكذا قال: نعم يا رسول الله وما أردنا إلا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لم أومر بذلك ثم قال عليه الصلاة والسلام: "إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" تفسير : ثم جمع الناس وخطبهم فقال: « حديث : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع » تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروي عن أبـي عبد الله رضي الله عنه أن الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه وبلال وعثمان بن مظعون فأما علي كرم الله تعالى وجهه فإنه حلف أن لا ينام بالليل أبداً إلا ما شاء الله تعالى، وأما بلال / فحلف أن لا يفطر بالنهار أبداً وأما عثمان فإنه حلف أن لا ينكح أبداً. وروي أيضاً غير ذلك ولم نقف على رواية فيها ما يدل على أن هذا التحريم كان على الغير بالفتوى والحكم كما ذهب إليه هذا القائل. ومع هذا يبعده ما يأتي بعد من الأمر بالأكل. ولا ينافي هذا النهي أن الله تعالى مدح النصارى بالرهبانية فرب ممدوح بالنسبة إلى قوم مذموم بالنسبة إلى آخرين. وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْتَدُواْ } تأكيد للنهي السابق أي لا تتعدوا حدود ما أحل سبحانه لكم إلى ما حرم جل شأنه عليكم أو نهى عن تحليل الحرام بعد النهي عن تحريم الحلال فيكون تأسيساً. ويحتمل أن يكون نهياً عن الإسراف في الحلال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ومجاهد وقتادة أن المراد لا تجبوا أنفسكم ولا يخفى أن الجب فرد من أفراد الاعتداء وتجاوز الحدود والحمل على الأعم أعم فائدة. وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } في موضع التعليل لما قبله. وقد تقدمت الإشارة إلى أن نفي محبة الله سبحانه لشيء مستلزم لبغضه له لعدم الواسطة في حقه تعالى.
سيد قطب
تفسير : هذا القطاع بجملته يتناول قضية واحدة - على تعدد الموضوعات التي يتعرض لها - ويدور كله حول محور واحد.. إنه يتناول قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية.. الله هو الذي يحرم ويحلل.. والله هو الذي يحظر ويبيح.. والله هو الذي ينهى ويأمر.. ثم تتساوى المسائل كلها عند هذه القاعدة. كبيرها وصغيرها. فشئون الحياة الإنسانية بجملتها يجب أن ترد إلى هذه القاعدة دون سواها. والذي يدعي حق التشريع أو يزاوله، فإنما يدعي حق الألوهية أو يزاوله.. وليس هذا الحق لأحد إلا لله.. وإلا فهو الاعتداء على حق الله وسلطانه وألوهيته.. والله لا يحب المعتدين.. والذي يستمد في شيء من هذا كله من عرف الناس ومقولاتهم ومصطلحاتهم، فإنما يعدل عما أنزل الله إلى الرسول.. ويخرج بهذا العدول عن الإيمان بالله ويخرج من هذا الدين. وتبدأ كل فقرة من فقرات هذا القطاع بنداء واحد مكرر: {يا أيها الذين آمنوا}.. {يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا..}.. {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..}.. {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب..}.. {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم..}.. {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..}.. {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم..}.. ولهذا النداء على هذا النحو مكانه ودلالته في سياق هذا القطاع الذي يعالج قضية التشريع فيجعلها هي قضية الألوهية وقضية الإيمان، وقضية الدين.. إنه النداء بصفة الإيمان الذي معناه ومقتضاه الاعتراف بألوهية الله وحده، والاعتراف له سبحانه بالحاكمية.. فهو نداء التذكير والتقرير لأصل الإيمان وقاعدته؛ بهذه المناسبة الحاضرة في السياق. ومعه الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول؛ والتحذير من التولي والإعراض؛ والتهديد بعقاب الله الشديد، والإطماع في مغفرته ورحمته لمن أناب. ثم.. بعد ذلك.. المفاصلة بين الذين آمنوا ومن يضل عن طريقهم، ولا يتبع منهجهم هذا في ترك قضية التشريع لله في الصغيرة والكبيرة؛ والتخلي عن الاعتداء على حق الله وسلطانه وألوهيته: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم تعملون}.. فهم أمة واحدة لها دينها، ولها نهجها، ولها شرعها، ولها مصدر هذا الشرع الذي لا تستمد من غيره. ولا على هذه الأمة - حين تبين للناس منهجها هذا ثم تفاصلهم عليه - من ضلال الناس، ومضيهم في جاهليتهم. ومرجعهم بعد ذلك إلى الله. هذا هو المحور العام الذي يقوم عليه القطاع بجملته. أما الموضوعات الداخلة في إطاره فقد أشرنا إليها في التقديم لهذا الجزء إشارة مجملة. والآن نواجهها تفصيلاً في حدود هذا الإطار العام: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، ولا تعتدوا, إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً، واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون.. لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم. ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان. فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، واحفظوا أيمانكم، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون}.. يا أيها الذين آمنوا.. إن مقتضى إيمانكم ألا تزاولوا أنتم - وأنتم بشر عبيد لله - خصائص الألوهية التي يتفرد بها الله. فليس لكم أن تحرموا ما أحل الله من الطيبات؛ وليس لكم أن تمتنعوا - على وجه التحريم - عن الأكل مما رزقكم الله حلالاً طيباً.. فالله هو الذي رزقكم بهذا الحلال الطيب. والذي يملك أن يقول: هذا حرام وهذا حلال: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا. إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً؛ واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون}.. إن قضية التشريع بجملتها مرتبطة بقضية الألوهية. والحق الذي ترتكن إليه الألوهية في الاختصاص بتنظيم حياة البشر، هو أن الله هو خالق هؤلاء البشر ورازقهم. فهو وحده صاحب الحق إذن في أن يحل لهم ما يشاء من رزقه وأن يحرم عليهم ما يشاء.. وهو منطق يعترف به البشر أنفسهم. فصاحب الملك هو صاحب الحق في التصرف فيه. والخارج على هذا المبدأ البديهي معتد لا شك في اعتدائه! والذين آمنوا لا يعتدون بطبيعة الحال على الله الذي هم به مؤمنون. ولا يجتمع الاعتداء على الله والايمان به في قلب واحد على الإطلاق! هذه هي القضية التي تعرضها هاتان الآيتان في وضوح منطقي لا يجادل فيه إلا معتد.. والله لا يحب المعتدين.. وهي قضية عامة تقرر مبدأ عاماً يتعلق بحق الألوهية في رقاب العباد؛ ويتعلق بمقتضى الإيمان بالله في سلوك المؤمنين في هذه القضية.. وتذكر بعض الروايات أن هاتين الآيتين والآية التي بعدهما - الخاصة بحكم الأيمان - قد نزلت في حادث خاص في حياة المسلمين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. وإن كان السبب يزيد المعنى وضوحاً ودقة: روى ابن جرير.."حديث : أنه - صلى الله عليه وسلم - جلس يوماً فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف. فقال ناس من أصحابه: ما حقنا إن لم نحدث عملاً، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم! فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والورك، وأن يأكل بالنهار؛ وحرم بعضهم النساء.. فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم؟ ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء فمن رغب عني فليس مني". فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا... الخ} " تفسير : وفي الصحيحين من رواية أنس - رضي الله عنه - شاهد بهذا الذي رواه ابن جرير: قال: "حديث : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته. فلما أخبروا عنها كأنهم تقالوها. قالوا: أين نحن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً. وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني }. تفسير : وأخرج الترمذي - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي، فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم... الآية}.. فأما الآية الخاصة بالحلف والأيمان والتي جاءت تالية في السياق: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم. واحفظوا أيمانكم. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون}.. فالظاهر أنها نزلت لمواجهة هذه الحالة - وأمثالها - من الحلف على الامتناع عن المباح الذي آلى أولئك النفر على أنفسهم أن يمتنعوا عنه، فردهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الامتناع عنه، وردهم القرآن الكريم عن مزاولة التحريم والتحليل بأنفسهم، فهذا ليس لهم إنما هو لله الذي آمنوا به. كما أنها تواجه كل حلف على الامتناع عن خير أو الإقدام على شر. فكل يمين يرى صاحبها أن هناك ما هو أبّر، فعليه أن يفعل ما هو أبّر، ويكفر عن يمينه بالكفارات المحددة في هذه الآية. قال ابن عباس: سبب نزولها: القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم. حلفوا على ذلك فلما نزلت {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قالوا: كيف نصنع بأيماننا "فنزلت هذه الآية". وقد تضمن الحكم أن الله - سبحانه - لا يؤاخذ المسلمين بأيمان اللغو، التي ينطق بها اللسان دون أن يعقد لها القلب بالنية والقصد مع الحض على عدم ابتذال الأيمان بالإكثار من اللغو بها إذ أنه ينبغي أن تكون لليمين بالله حرمتها ووقارها، فلا تنطق هكذا لغواً.. فأما اليمين المعقودة، التي وراءها قصد ونية، فإن الحنث بها يقتضي كفارة تبينها هذه الآية: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم}. وطعام المساكين العشرة من "أوسط" الطعام الذي يقوم به الحالف لأهله.. و"أوسط" تحتمل أن تكون من "أحسن" أو من "متوسط" فكلاهما من معاني اللفظ. وإن كان الجمع بينهما لا يخرج عن القصد لأن "المتوسط" هو "الأحسن" فالوسط هو الأحسن في ميزان الإسلام.. أو"كسوتهم" الأقرب أن تكون كذلك من "أوسط" الكسوة.. أو" تحرير رقبة" لا ينص هنا على أنها مؤمنة.. ومن ثم يرد بشأنها خلاف فقهي ليس هذا مكانه.. {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام}.. وهي الكفارة التي يعاد إليها في اليمين المعقودة عند عدم استطاعة الكفارات الأخرى.. وكون هذه الأيام الثلاثة متتابعة أو غير متتابعة فيه كذلك خلاف فقهي بسبب عدم النص هنا على تتابعها. والخلافات الفقهية في هذه الفرعيات ليست من منهجنا في هذه الظلال. فمن أرادها فليطلبها في مواضعها في كتب الفقه. إذ أنها كلها تتفق على الأصل الذي يعنينا وهو أن الكفارة رد لاعتبار العقد المنقوض، وحفظ للأيمان من الاستهانة بها؛ وهي "عقود" وقد أمر الله - سبحانه - بالوفاء بالعقود. فإذا عقد الإنسان يمينه وكان هناك ما هو أبّر فعل الأبر وكفر عن اليمين. وإذا عقدها على غير ما هو من حقه كالتحريم والتحليل، نقضها وعليه التكفير. ونعود بعد ذلك إلى الموضوع الأصيل الذي نزلت الآيات بسببه.. فأما من ناحية "خصوص السبب" فإن الله يبين أن ما أحله الله فهو الطيب، وما حرمه فهو الخبيث. وأن ليس للإنسان أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له. من وجهين: الوجه الأول أن التحريم والتحليل من خصائص الله الرازق بما يجري فيه التحليل والتحريم من الرزق، وإلا فهو الاعتداء الذي لا يحبه الله، ولايستقيم معه إيمان.. والوجه الثاني أن الله يحل الطيبات، فلا يحرم أحد على نفسه تلك الطيبات، التي بها صلاحه وصلاح الحياة؛ فإن بصره بنفسه وبالحياة لن يبلغ بصر الحكيم الخبير الذي أحل هذه الطيبات. ولو كان الله يعلم فيها شراً أو أذى لوقاه عباده. ولو كان يعلم في الحرمان منها خيراً ما جعلها حلالاً.. ولقد جاء هذا الدين ليحقق الخير والصلاح، والتوازن المطلق، والتناسق الكامل، بين طاقات الحياة البشرية جميعاً، فهو لا يغفل حاجة من حاجات الفطرة البشرية؛ ولا يكبت كذلك طاقة بناءة من طاقات الإنسان، تعمل عملاً سوياً، ولا تخرج عن الجادة. ومن ثم حارب الرهبانية، لأنها كبت للفطرة، وتعطيل للطاقة وتعويق عن إنماء الحياة التي أراد الله لها النماء، كما نهى عن تحريم الطيبات كلها لأنها من عوامل بناء الحياة ونموها وتجددها.. لقد خلق الله هذه الحياة لتنمو وتتجدد، وترتقي عن طريق النمو والتجدد المحكومين بمنهج الله. والرهبانية وتحريم الطيبات الأخرى تصطدم مع منهج الله للحياة. لأنها تقف بها عند نقطة معينة بحجة التسامي والارتفاع. والتسامي والارتفاع داخلان في منهج الله للحياة، وفق المنهج الميسر المطابق للفطرة كما يعلمها الله. وخصوص السبب - بعد هذا - لا يقيد عموم النص. وهذا العموم يتعلق بقضية الألوهية والتشريع - كما أسلفنا - وهي قضية لا تقتصر على الحلال والحرام في المآكل والمشارب والمناكح. إنما هو أمر حق التشريع لأي شأن من شئون الحياة.. ونحن نكرر هذا المعنى ونؤكده؛ لأن طول عزلة الإسلام عن أن يحكم الحياة - كما هو شأنه وحقيقته - قد جعل معاني العبارة تتقلص ظلالها عن مدى الحقيقة التي تعنيها في القرآن الكريم وفي هذا الدين. ولقد جعلت كلمة "الحلال" وكلمة "الحرام" يتقلص ظلهما في حس الناس، حتى عاد لا يتجاوز ذبيحة تذبح، أو طعاماً يؤكل، أو شراباً يشرب، أو لباساً يلبس، أو نكاحاً يعقد.. فهذه هي الشئون التي عاد الناس يستفتون فيها الإسلام ليروا: حلال هي أم حرام! فأما الأمور العامة والشئون الكبيرة فهم يستفتون في شأنها النظريات والدساتير والقوانين التي استبدلت بشريعة الله! فالنظام الاجتماعي بجملته، والنظام السياسي بجملته، والنظام الدولي بجملته؛ وكافة اختصاصات الله في الأرض وفي حياة الناس، لم تعد مما يستفتى فيه الإسلام! والإسلام منهج للحياة كلها. من اتبعه كله فهو مؤمن وفي دين الله. ومن اتبع غيره ولو في حكم واحد فقد رفض الإيمان واعتدى على ألوهية الله، وخرج من دين الله. مهما أعلن أنه يحترم العقيدة وأنه مسلم. فاتباعه شريعة غير شريعة الله، يكذب زعمه ويدمغه بالخروج من دين الله. وهذه هي القضية الكلية التي تعنيها هذه النصوص القرآنية، وتجعلها قضية الإيمان بالله، أو الاعتداء على الله.. وهذا هو مدى النصوص القرآنية. وهو المدى اللائق بجدية هذا الدين وجدية هذا القرآن، وجدية معنى الألوهية ومعنى الإيمان.. وفي سياق قضية التشريع بالتحريم والتحليل، وفي خط التربية للأمة المسلمة في المدينة، وتخليصها من جو الجاهلية ورواسبها وتقاليدها الشخصية والاجتماعية، يجيء النص القاطع الأخير في تحريم الخمر والميسر مقرونين إلى تحريم الأنصاب والأزلام. أي إلى الشرك بالله. {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين. ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين}.. لقد كانت الخمر والميسر والأنصاب والأزلام من معالم الحياة الجاهلية، ومن التقاليد المتغلغلة في المجتمع الجاهلي. وكانت كلها حزمة واحدة ذات ارتباط عميق في مزاولتها، وفي كونها من سمات ذلك المجتمع وتقاليده.. فلقد كانوا يشربون الخمر في إسراف، ويجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها ويتكاثرون؛ ويديرون عليها فخرهم في الشعر ومدحهم كذلك! وكان يصاحب مجالس الشراب نحر الذبائح واتخاذ الشواء منها للشاربين وللسقاة ولأحلاس هذه المجالس ومن يلوذون بها ويلتفون حولها! وكانت هذه الذبائح تنحر على الأنصاب وهي أصنام لهم كانوا يذبحون عليها ذبائحهم وينضحونها بدمها (كما كانت تذبح عليها الذبائح التي تقدم للآلهة أي لكهنتها!).. وفي ذبائح مجالس الخمر وغيرها من المناسبات الاجتماعية التي تشبهها كان يجري الميسر عن طريق الأزلام. وهي قداح كانوا يستقسمون بها الذبيحة، فيأخذ كل منهم نصيبه منها بحسب قدحه. فالذي قدحه (المعلى) يأخذ النصيب الأوفر، وهكذا حتى يكون من لا نصيب لقدحه. وقد يكون هو صاحب الذبيحة فيخسرها كلها! وهكذا يبدو تشابك العادات والتقاليد الاجتماعية؛ ويبدو جريانها كذلك وفق حال الجاهلية وتصوراتها الاعتقادية. ولم يبدأ المنهج الإسلامي في معالجة هذه التقاليد في أول الأمر، لأنها إنما تقوم على جذور اعتقادية فاسدة؛ فعلاجها من فوق السطح قبل علاج جذورها الغائرة جهد ضائع. حاشا للمنهج الرباني أن يفعله! إنما بدأ الإسلام من عقدة النفس البشرية الأولى. عقدة العقيدة. بدأ باجتثاث التصور الجاهلي الاعتقادي جملة من جذوره؛ وإقامة التصور الإسلامي الصحيح. إقامته من أعماق القاعدة المرتكزة إلى الفطرة.. بيّن للناس فساد تصوراتهم عن الألوهية وهداهم إلى الإله الحق. وحين عرفوا إلهم الحق بدأت نفوسهم تستمع إلى ما يحبه منهم هذا الإله الحق وما يكرهه. وما كانوا قبل ذلك ليسمعوا! أو يطيعوا أمراً ولا نهياً؛ وما كانوا ليقلعوا عن مألوفاتهم الجاهلية مهما تكرر لهم النهي وبذلت لهم النصيحة.. إن عقدة الفطرة البشرية هي عقدة العقيدة؛ وما لم تنعقد هذه العقدة أولاً فلن يثبت فيها شيء من خلق أو تهذيب أو إصلاح اجتماعي.. إن مفتاح الفطرة البشرية ها هنا. وما لم تفتح بمفتاحها فستظل سراديبها مغلقة ودروبها ملتوية، وكما كشف منها زقاق انبهمت أزقة؛ وكلما ضاء منها جانب أظلمت جوانب، وكلما حلت منها عقدة تعقدت عقد، وكلما فتح منها درب سدت دروب ومسالك.. إلى ما لا نهاية.. لذلك لم يبدأ المنهج الإسلامي في علاج رذائل الجاهلية وانحرافاتها، من هذه الرذائل والانحرافات.. إنما بدأ من العقيدة.. بدأ من شهادة أن لاإله إلا الله.. وطالت فترة إنشاء لا إله إلا الله هذه في الزمن حتى بلغت نحو ثلاثة عشر عاماً، لم يكن فيها غاية إلا هذه الغاية! تعريف الناس بإلههم الحق وتعبيدهم له وتطويعهم لسلطانه.. حتى إذا خلصت نفوسهم لله؛ وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خيرة إلا ما يختاره الله.. عندئذ بدأت التكاليف - بما فيها الشعائر التعبدية - وعندئذ بدأت عملية تنقية رواسب الجاهلية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأخلاقية والسلوكية.. بدأت في الوقت الذي يأمر الله فيطيع العباد بلا جدال. لأنهم لا يعلمون لهم خيرة فيما يأمر الله به أو ينهى عنه أياً كان! أو بتعبير آخر: لقد بدأت الأوامر والنواهي بعد "الإسلام".. بعد الاستسلام.. بعد أن لم يعد للمسلم في نفسه شيء.. بعد أن لم يعد يفكر في أن يكون له إلى جانب أمر الله رأي أو اختيار.. أو كما يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" تحت عنوان: "انحلت العقدة الكبرى": ".. انحلت العقدة الكبرى.. عقدة الشرك والكفر.. فانحلت العقد كلها؛ وجاهدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهاده الأول، فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر أو نهي؛ وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى، فكان النصر حليفه في كل معركة. وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى؛ ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى؛ ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى. حدثوا الرسول عما اختانوا أنفسهم؛ وعرضوا أجسادهم للعذاب الشديد إذا فرطت منهم زلة استوجبت الحد.. نزل تحريم الخمر والكؤوس المتدفقة على راحاتهم؛ فحال أمر الله بينها وبين الشفاه المتلمظة والأكباد المتقدة؛ وكسرت دنان الخمر فسالت في سكك المدينة". ومع هذا فلم يكن تحريم الخمر وما يتصل بها من الميسر أمراً مفاجئاً.. فلقد سبقت هذا التحريم القاطع مراحل وخطوات في علاج هذه التقاليد الاجتماعية المتغلغلة، المتلبسة بعادات النفوس ومألوفاتها، والمتلبسة كذلك ببعض الجوانب الاقتصادية وملابساتها. لقد كانت هذه هي المرحلة الثالثة أو الرابعة في علاج مشكلة الخمر في المنهج الإسلامي: كانت المرحلة الأولى مرحلة إطلاق سهم في الاتجاه حين قال الله سبحانه في سورة النحل المكية: {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً...}تفسير : فكانت أول ما يطرق حس المسلم من وضع السكر (وهو المخمر) في مقابل الرزق الحسن.. فكأنما هو شيء والرزق الحسن شيء آخر. ثم كانت الثانية بتحريك الوجدان الديني عن طريق المنطق التشريعي في نفوس المسلمين حين نزلت التي في سورة البقرة: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر. قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما}تفسير : وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأولى ما دام الإثم أكبر من النفع. إذ أنه قلما يخلو شيء من نفع؛ ولكن حله أو حرمته إنما ترتكز على غلبة الضر أو النفع. ثم كانت الثالثة بكسر عادة الشراب، وإيقاع التنافر بينها وبين فريضة الصلاة حين نزلت التي في النساء: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}تفسير : والصلاة في خمسة أوقات معظمها متقارب؛ ولا يكفي ما بينها للسكر ثم الإفاقة. وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشراب - وخاصة عادة الصبوح في الصباح والغبوق بعد العصر أو المغرب كما كانت عادة الجاهليين - وفيه كسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي. وفيه - وهو أمر له وزنه في نفس المسلم - ذلك التناقض بين الوفاء بفريضة الصلاة في مواعيدها والوفاء بعادة الشراب في مواعيدها! ثم كانت هذة الرابعة الحاسمة والأخيرة، وقد تهيأت النفوس لها تهيؤاً كاملاً فلم يكن إلا النهي حتى تتبعه الطاعة الفورية والإذعان: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء. فنزلت التي في البقرة: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر، قل: فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما}تفسير : . فدعي عمر - رضي الله عنه - فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت التي في النساء: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى..}تفسير : الآية.. فدعي عمر - رضي الله عنه - فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء. فنزلت التي في المائدة: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر؛ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟} فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: "انتهينا. انتهينا".. (أخرجه أصحاب السنن). ولما نزلت آيات التحريم هذه، في سنة ثلاث بعد وقعة أحد، لم يحتج الأمر إلى أكثر من مناد في نوادي المدينة: "ألا أيها القوم. إن الخمر قد حرمت".. فمن كان في يده كأس حطمها ومن كان في فمه جرعة مجها، وشقت زقاق الخمر وكسرت قنانيه.. وانتهى الأمر كأن لم يكن سكر ولا خمر! والآن ننظر في صياغة النص القرآني؛ والمنهج الذي يتجلى فيه منهج التربية والتوجيه: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين}. إنه يبدأ بالنداء المألوف في هذا القطاع: {يا أيها الذين آمنوا}.. لاستجاشة قلوب المؤمنين من جهة؛ ولتذكيرهم بمقتضى هذا الإيمان من الالتزام والطاعة من جهة أخرى.. يلي هذا النداء الموحي تقرير حاسم على سبيل القصر والحصر: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان}.. فهي دنسة لا ينطبق عليها وصف "الطيبات" التي أحلها الله. وهي من عمل الشيطان. والشيطان عدو الإنسان القديم؛ ويكفي أن يعلم المؤمن أن شيئاً ما من عمل الشيطان لينفر منه حسه، وتشمئز منه نفسه، ويجفل منه كيانه، ويبعد عنه من خوف ويتقيه! وفي هذه اللحظة يصدر النهي مصحوباً كذلك بالإطماع في الفلاح - وهي لمسة أخرى من لمسات الإيحاء النفسي العميق: {فاجتنبوه لعلكم تفلحون}.. ثم يستمر السياق في كشف خطة الشيطان من وراء هذا الرجس: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة...}.. بهذا ينكشف لضمير المسلم هدف الشيطان، وغاية كيده، وثمرة رجسه.. إنها إيقاع العداوة والبغضاء في الصف المسلم - في الخمر والميسر - كما أنها هي صد {الذين آمنوا} عن ذكر الله وعن الصلاة.. ويالها إذن من مكيدة! وهذه الأهداف التي يريدها الشيطان أمور واقعة يستطيع المسلمون أن يروها في عالم الواقع بعد تصديقها من خلال القول الإلهي الصادق بذاته. فما يحتاج الإنسان إلى طول بحث حتى يرى أن الشيطان يوقع العداوة والبغضاء - في الخمر والميسر - بين الناس. فالخمر بما تفقد من الوعي وبما تثير من عرامة اللحم والدم، وبما تهيج من نزوات ودفعات. والميسر الذي يصحابها وتصاحبه بما يتركه في النفوس من خسارات وأحقاد؛ إذا المقمور لابد أن يحقد على قامره الذي يستولي على ماله أمام عينيه، ويذهب به غانماً وصاحبه مقمور مقهور.. إن من طبيعة هذه الأمور أن تثير العداوة والبغضاء، مهما جمعت بين القرناء في مجالات من العربدة والانطلاق اللذين يخيل للنظرة السطحية أنهما أنس وسعادة! وأما الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فلا يحتاجان إلى نظر.. فالخمر تنسي، والميسر يلهي، وغيبوبة الميسر لا تقل عن غيبوبة الخمر عند المقامرين؛ وعالم المقامر كعالم السكير لا يتعدى الموائد والأقداح والقداح! وهكذا عندما تبلغ هذه الإشارة إلى هدف الشيطان من هذا الرجس غايتها من إيقاظ قلوب {الذين آمنوا} وتحفزها، يجيء السؤال الذي لا جواب له عندئذ إلا جواب عمر رضي الله عنه وهو يسمع: {فهل انتم منتهون}؟ فيجيب لتوه: "انتهينا. انتهينا".. ولكن السياق يمضي بعد ذلك يوقع إيقاعه الكبير: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا. فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين}.. إنها القاعدة التي يرجع إليها الأمر كله: طاعة الله وطاعة الرسول.. الإسلام.. الذي لا تبقى معه إلا الطاعة المطلقة لله وللرسول.. والحذر من المخالفة، والتهديد الملفوف: {فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين}.. وقد بلّغ وبيّن، فتحددت التبعة على المخالفين، بعد البلاغ المبين.. إنه التهديد القاصم، في هذا الأسلوب الملفوف، الذي ترتعد له فرائص المؤمنين!.. إنهم حين يعصون ولا يطيعون لا يضرون أحداً إلا أنفسهم. لقد بلغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأدى؛ ولقد نفض يديه من أمرهم إذن فما هو بمسؤول عنهم، وما هو بدافع عنهم عذاباً - وقد عصوه ولم يطيعوه - ولقد صار أمرهم كله إلى الله سبحانه. وهو القادر على مجازاة العصاة المتولين! إنه المنهج الرباني يطرق القلوب، فتنفتح له مغاليقها، وتتكشف له فيها المسالك والدروب.. ولعله يحسن هنا أن نبين ما هي الخمر التي نزل فيها هذا النهي: أخرج أبو داود بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "حديث : كل مخمر خمر. وكل مسكر حرام ".. تفسير : وخطب عمر - رضي الله عنه - على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمحضر جماعة من الصحابة فقال: "يا أيها الناس قد نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل".. (ذكره القرطبي في تفسيره). فدل هذا وذلك على أن الخمر تشمل كل مخمر يحدث السكر.. وأنه ليس مقصوراً على نوع بعينه. وأن كل ما أسكر فهو حرام. إن غيبوبه السكر - بأي مسكر - تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم ليكون موصولاً بالله في كل لحظة، مراقباً لله في كل خطرة. ثم ليكون بهذه اليقظة عاملاً إيجابياً في نماء الحياة وتجددها، وفي صيانتها من الضعف والفساد، وفي حماية نفسه وماله وعرضه، وحماية أمن الجماعة المسلمة وشريعتها ونظامها من كل اعتداء. والفرد المسلم ليس متروكاً لذاته وللذاته؛ فعليه في كل لحظة تكاليف تستوجب اليقظة الدائمة. تكاليف لربه، وتكاليف لنفسه، وتكاليف لأهله، وتكاليف للجماعة المسلمة التي يعيش فيها، وتكاليف للإنسانية كلها ليدعوها ويهديها. وهو مطالب باليقظة الدائمة لينهض بهذه التكاليف. وحتى حين يستمتع بالطيبات فإن الإسلام يحتم عليه أن يكون يقظاً لهذا المتاع، فلا يصبح عبداً لشهوة أو لذة. إنما يسيطر دائماً على رغباته فيلبيها تلبية المالك لأمره.. وغيبوبة السكر لا تتفق في شيء مع هذا الاتجاه. ثم إن هذه الغيبوبة في حقيقتها إن هي إلا هروب من واقع الحياة في فترة من الفترات؛ وجنوح إلى التصورات التي تثيرها النشوة أو الخمار. والإسلام ينكر على الإنسان هذا الطريق ويريد من الناس أن يروا الحقائق، وأن يواجهوها، ويعيشوا فيها، ويصرفوا حياتهم وفقها، ولا يقيموا هذه الحياة على تصورات وأوهام.. إن مواجهة الحقائق هي محك العزيمة والإرادة؛ أما الهروب منها إلى تصورات وأوهام فهو طريق التحلل، ووهن العزيمة، وتذاوب الإرادة. والإسلام يجعل في حسابه دائماً تربية الإرادة، وإطلاقها من قيود العادة القاهرة.. الإدمان.. وهذا الاعتبار كاف وحده من وجهة النظر الإسلامية لتحريم الخمر وتحريم سائر المخدرات.. وهي رجس من عمل الشيطان.. مفسد لحياة الإنسان. وقد اختلف الفقهاء في اعتبار ذات الخمر نجسة كبقية النجاسات الحسية. أو في اعتبار شربها هو المحرم. والأول قول الجمهور والثاني قول ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين.. وحسبنا هذا القدر في سياق الظلال. وقد حدث أنه لما نزلت هذه الآيات، وذكر فيها تحريم الخمر، ووصفت بأنها رجس من عمل الشيطان أن انطلقت في المجتمع المسلم صيحتان متحدتان في الصيغة، مختلفتان في الباعث والهدف. قال بعض المتحرجين من الصحابة: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر.. أو قالوا: فما بال قوم قتلوا في أحد وهي في بطونهم (أي قبل تحريمها). وقال بعض المشككين الذين يهدفون إلى البلبلة والحيرة.. هذا القول أو ما يشبهه؛ يريدون أن ينشروا في النفوس قلة الثقة في أسباب التشريع، أو الشعور بضياع إيمان من ماتوا والخمر لم تحرم؛ وهي رجس من عمل الشيطان، ماتوا والرجس في بطونهم! عنذئذ نزلت هذه الآية: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات. ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين}.. نزلت لتقرر أولاً أن ما لم يحرَّم لا يحرم؛ وأن التحريم يبدأ من النص لا قبله؛ وأنه لا يحرم بأثر رجعي؛ فلا عقوبة إلا بنص؛ سواء في الدنيا أو فى الآخرة؛ لأن النص هو الذي ينشى ء الحكم.. والذين ماتوا والخمر في بطونهم، وهي لم تحرم بعد، ليس عليهم جناح؛ فإنهم لم يتناولوا محرماً؛ ولم يرتكبوا معصية.. لقد كانوا يخافون الله ويعملون الصالحات ويراقبون الله ويعلمون أنه مطلع على نواياهم وأعمالهم.. ومن كانت هذه حاله لا يتناول محرماً ولا يرتكب معصية. ولا نريد أن ندخل بهذه المناسبة في الجدل الذي أثاره المعتزلة حول الحكم بأن الخمر رجس: هل هو ناشئ عن أمر الشارع - سبحانه - بتحريمها، أم إنه ناشئ عن صفة ملازمة للخمر في ذاتها. وهل المحرمات محرمات لصفة ملازمة لها، أم إن هذه الصفة تلزمها من التحريم.. فهو جدل عقيم في نظرنا وغريب على الحس الإسلامي!.. والله حين يحرم شيئاً يعلم - سبحانه - لم حرمه. سواء ذكر سبب التحريم أو لم يذكر. وسواء كان التحريم لصفة ثابتة في المحرم، أو لعلة تتعلق بمن يتناوله من ناحية ذاته، أو من ناحية مصلحة الجماعة.. فالله سبحانه هو الذي يعلم الأمر كله؛ والطاعة لأمره واجبة، والجدل بعد ذلك لا يمثل حاجة واقعية. والواقعية هي طابع هذا المنهج الرباني.. ولا يقولن أحد: إذا كان التحريم لصفة ثابتة في المحرم فكيف أبيح إذن قبل تحريمه!! فلا بد أن لله - سبحانه - حكمة في تركه فترة بلا تحريم. ومرد الأمر كله إلى الله. وهذا مقتضى ألوهيته - سبحانه - واستحسان الإنسان أو استقباحه ليس هو الحكم في الأمر؛ وما يراه علة قد لا يكون هو العلة. والأدب مع الله يقتضي تلقي أحكامه بالقبول والتنفيذ، سواء عرفت حكمتها أو علتها أم ظلت خافية.. والله يعلم وأنتم لا تعلمون. إن العمل بشريعة الله يجب أن يقوم ابتداء على العبودية.. على الطاعة لله إظهاراً للعبودية له سبحانه.. فهذا هو الإسلام - بمعنى الاستسلام.. وبعد الطاعة يجوز للعقل البشري أن يتلمس حكمة الله - بقدر ما يستطيع - فيما أمر الله به أو نهى عنه - سواء بين الله حكمته أم لم يبينها، وسواء أدركها العقل البشري أم لم يدركها - فالحكم في استحسان شريعة الله في أمر من الأمور ليس هو الإنسان! إنما الحكم هو الله. فإذا أمر الله أو نهى فقد انتهى الجدل ولزم الأمر أو النهي.. فأما إذا ترك الحكم للعقل البشري فمعنى ذلك أن الناس هم المرجع الأخير في شرع الله.. فأين مكان الألوهية إذن وأين مكان العبودية؟ ونخلص من هذا إلى تركيب الآية ودلالة هذا التركيب: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات. ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين}.. ولم أجد في أقوال المفسرين ما تستريح إليه النفس في صياغة العبارة القرآنية على النحو وتكرار التقوى مرة مع الإيمان والعمل الصالح، ومرة مع الإيمان، ومرة مع الإحسان.. كذلك لم أجد في تفسيري لهذا التكرار في الطبعة الأولى من هذه الظلال ما تستريح إليه نفسي الأن.. وأحسن ما قرأت - وإن كان لا يبلغ من حسي مبلغ الارتياح - هو ما قاله ابن جرير الطبري: "الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل. والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق والثالث الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل".. وكان الذي ذكرته في الطبعة الأولى في هذا الموضع هو: "إنه توكيد عن طريق التفصيل بعد الإجمال. فقد أجمل التقوى والإيمان والعمل الصالح في الأولى. ثم جعل التقوى مرة مع الإيمان في الثانية، ومرة مع الإحسان - وهو العمل الصالح - في الثالثة.. ذلك التوكيد مقصود هنا للاتكاء على هذا المعنى. ولإبراز ذلك القانون الثابت في تقدير الأعمال بما يصاحبها من شعور باطني. فالتقوى.. تلك الحساسية المرهفة برقابة الله، والاتصال به في كل لحظة. والإيمان بالله والتصديق بأوامره ونواهيه، والعمل الصالح الذي هو الترجمة الظاهرة للعقيدة المستكنة. والترابط بين العقيدة الباطنة والعمل المعبر عنها.. هذه هي مناط الحكم، لا الظواهر والأشكال.. وهذه القاعدة تحتاج إلى التوكيد والتكرار والبيان". وأنا، اللحظة لا أجد في هذا القول ما يريح أيضاً.. ولكنه لم يفتح عليَّ بشيء آخر.. والله المستعان. ثم يمضي السياق في مجال التحريم والتحليل، يتحدث عن الصيد في حالة الإحرام، وكفارة قتله، وعن حكمة الله في تحريم البيت والأشهر الحرم والهدي والقلائد، التي نهى عن المساس بها في مطالع السورة.. ثم يختم هذه الفقرة بوضع ميزان القيم للنفس المسلمة وللمجتمع المسلم.. الميزان الذي يرجح فيه الطيب وإن قل، على الكثير والخبيث: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب؛ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم؛ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم؛ هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه؛ والله عزيز ذو انتقام. أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً، واتقوا الله الذي إلية تحشرون. جعل الله الكعبة البيت الحرام، قياماً للناس، والشهر الحرام والهدي والقلائد. ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله بكل شيء عليم. اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم. ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون. قل: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون}.. لقد قال تعالى للذين آمنوا في أول هذه السورة: {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود، أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم، غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد. يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً. وإذا حللتم فاصطادوا.. }. تفسير : وكان هذا النهي عن إحلال الصيد وهم حرم؛ وعن إحلال شعائر الله، أو الشهر الحرام أو الهدي والقلائد، أو قاصدي البيت الحرام، لا يرتب عقوبة في الدنيا على المخالف، إنما يلحقه الإثم.. فالآن يبين العقوبة وهي الكفارة {ليذوق وبال أمره} ويعلن العفو عما سلف من إحلال هذه المحارم؛ ويهدد بانتقام الله ممن يعود بعد هذا البيان. وتبدأ هذه الفقرة كما تبدأ كل فقرات هذا القطاع بالنداء المألوف: {يا أيها الذين آمنوا}.. ثم يخبرهم أنهم مقدمون على امتحان من الله وابتلاء؛ في أمر الصيد الذي نهوا عنه وهم محرمون: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.. إنه صيد سهل، يسوقه الله إليهم. صيد تناله أيديهم من قريب، وتناله رماحهم بلا مشقة. ولقد حكي أن الله ساق لهم هذا الصيد حتى لكان يطوف بخيامهم ومنازلهم من قريب!.. إنه الإغراء الذي يكون فيه الابتلاء.. إنه ذات الإغراء الذي عجزت بنو إسرائيل من قبل عن الصمود له، حين ألحوا على نبيهم موسى - عليه السلام - أن يجعل الله لهم يوماً للراحة والصلاة لا يشتغلون فيه بشيء من شئون المعاش. فجعل لهم السبت. ثم ساق إليهم صيد البحر يجيئهم قاصداً الشاطئ متعرضاً لأنظارهم في يوم السبت. فإذا لم يكن السبت اختفى، شأن السمك في الماء. فلم يطيقوا الوفاء بعهودهم مع الله؛ وراحوا - في جبلة اليهود المعروفة - يحتالون على الله فيحوّطون على السمك يوم السبت ولا يصيدونه؛ حتى إذا كان الصباح التالي عادوا فأمسكوه من التحويطة! وذلك الذي وجه الله - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن يواجههم ويفضحهم به في قوله تعالى: {أية : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر، إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون }.. تفسير : هذا الابتلاء بعينه ابتلى به الله الأمة المسلمة، فنجحت حيث أخفقت يهود.. وكان هذا مصداق قول الله سبحانه في هذه الأمة: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله. ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم. منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون }.. تفسير : ولقد نجحت هذه الأمة في مواطن كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل. ومن ثم نزع الله الخلافة في الأرض من بني إسرائيل وائتمن عليها هذه الأمة. ومكن لها في الأرض ما لم يمكن لأمة قبلها. إذ أن منهج الله لم يتمثل تمثلاً كاملاً في نظام واقعي يحكم الحياة كلها كما تمثل في خلافة الأمة المسلمة.. ذلك يوم أن كانت مسلمة. يوم أن كانت تعلم أن الإسلام هو أن يتمثل دين الله وشريعته في حياة البشر. وتعلم أنها هي المؤتمنة على هذه الأمانة الضخمة؛ وأنها هي الوصية على البشرية لتقيم فيها منهج الله، وتقوم عليه بأمانة الله. ولقد كان هذا الاختبار بالصيد السهل في أثناء فترة الإحرام أحد الاختبارات التي اجتازتها هذه الأمة بنجاح. وكانت عناية الله - سبحانه - بتربية هذه الأمة بمثل هذه الاختبارات من مظاهر رعايته واصطفائه. ولقد كشف الله للذين آمنوا في هذا الحادث عن حكمة الابتلاء: {ليعلم الله من يخافه بالغيب}.. إن مخافة الله بالغيب هي قاعدة هذه العقيدة في ضمير المسلم. القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء العقيدة، وبناء السلوك، وتناط بها أمانة الخلافة في الأرض بمنهج الله القويم.. إن الناس لا يرون الله؛ ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون.. إنه تعالى بالنسبة لهم غيب، ولكن قلوبهم تعرفه بالغيب وتخافه. إن استقرار هذه الحقيقة الهائلة - حقيقة الإيمان بالله بالغيب ومخافته - والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة؛ والشعور بهذا الغيب شعوراً يوازي - بل يرجح - الشهادة؛ حتى ليؤدي المؤمن شهادة: بأن لا إله إلا الله. وهو لم ير الله.. إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري، وانطلاق طاقاته الفطرية، واستخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل؛ وابتعاده - بمقدار هذا الارتقاء - عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب - بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان - بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس، وانكماش إحساسه في دائرة المحسوس، عن تعطل أجهزة الالتقاط والاتصال الراقية فيه، وانتكاسه إلى المستوى الحيواني في الحس "المادي"! ومن ثم يجعلها الله سبحانه حكمة لهذا الابتلاء؛ ويكشف للذين آمنوا عن هذه الحكمة كي تحتشد نفوسهم لتحقيقها.. والله سبحانه يعلم علماً لَدُنِّياًّ من يخافه بالغيب. ولكنه - سبحانه - لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علماً لدنيا. إنما يحاسبهم على ما يقع منهم فيعلمه الله - سبحانه - علم وقوع.. {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم}.. فقد أخبر بالابتلاء، وعرف حكمة تعرضه له، وحذر من الوقوع فيه؛ وبذلت له كل أسباب النجاح فيه.. فإذا هو اعتدى - بعد ذلك - كان العذاب الأليم جزاء حقاً وعدلاً؛ وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلاً. بعد هذا يجيء تفصيل كفارة المخالفة مبدوءاً بالنهي مختوماً بالتهديد مرة أخرى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم. ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام}.. إن النهي ينصب على قتل المحرم للصيد عمداً. فأما إذا قتله خطأ فلا إثم عليه ولا كفارة.. فإذا كان القتل عمداً فكفارته أن يذبح بهيمة من الأنعام من مستوى الصيد الذي قتله. فالغزالة مثلاً تجزئ فيها نعجة أو عنزة. والأيِّل تجزئ فيه بقرة. والنعامة والزرافة وما إليها تجزئ فيها بدنة.. والأرنب والقط وأمثالهما يجزئ فيه أرنب. وما لا مقابل له من البهيمة يجزئ عنه ما يوازي قيمته.. ويتولى الحكم في هذه الكفارة اثنان من المسلمين ذوا عدل. فإذا حكما بذبح بهيمة أطلقت هدياً حتى تبلغ الكعبة، تذبح هناك وتطعم للمساكين. أما إذا لم توجد بهيمة فللحكمين أن يحكما بكفارة طعام مساكين؛ بما يساوي ثمن البهيمة أو ثمن الصيد (خلاف فقهي). فإذا لم يجد صاحب الكفارة صام ما يعادل هذه الكفارة. مقدراً ثمن الصيد أو البهيمة، ومجزأ على عدد المساكين الذين يطعمهم هذا الثمن؛ وصيام يوم مقابل إطعام كل مسكين.. أما كم يبلغ ثمن إطعام مسكين فهو موضع خلاف فقهي. ولكنه يتبع الأمكنة والأزمنة والأحوال. وينص السياق القرآني على حكمة هذه الكفارة: {ليذوق وبال أمره}.. ففي الكفارة معنى العقوبة، لأن الذنب هنا مخل بحرمة يشدد فيها الإسلام تشديداً كبيراً: لذلك يعقب عليها بالعفو عما سلف والتهديد بانتقام الله ممن لا يكف: {عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام}. فإذا اعتز قاتل الصيد بقوته وقدرته على نيل هذا الصيد، الذي أراد الله له الأمان في مثابة الأمان، فالله هو العزيز القوي القادر على الانتقام! ذلك شأن صيد البر. فأما صيد البحر فهو حلال في الحل والإحرام: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة}.. فحيوان البحر حلال صيده وحلال أكله للمحرم ولغير المحرم سواء.. ولما ذكر حل صيد البحر وطعامه، عاد فذكر حرمة صيد البر للمحرم: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً}.. والذي عليه الإجماع هو حرمة صيد البر للمحرم. ولكن هناك خلاف حول تناول المحرم له إذا صاده غير المحرم. كما أن هناك خلافاً حول المعنّى بالصيد. وهل هو خاص بالحيوان الذي يصاد عادة. أم النهي شامل لكل حيوان، ولو لم يكن مما يصاد ومما لا يطلق عليه لفظ الصيد. ويختم هذا التحليل وهذا التحريم باستجاشة مشاعر التقوى في الضمير؛ والتذكير بالحشر إلى الله والحساب: {واتقوا الله الذي إليه تحشرون}.. وبعد. ففيم هذه الحرمات؟ إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع.. إنها الكعبة الحرام، والأشهر الحرام، تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس.. بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات.. فتحل الطمأنينة محل الخوف، ويحل السلام محل الخصام، وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن والسلام. وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي - لا في عالم المثل والنظريات - على هذه المشاعر وهذه المعاني؛ فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز على التحقيق في واقع الحياة: {جعل الله الكعبة البيت الحرام، قياماً للناس، والشهر الحرام، والهدي والقلائد. ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في والأرض وأن الله بكل شيء عليم. اعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم، ما على الرسول إلا البلاغ؛ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}.. لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل الإنسان والطير والحيوان والحشرات بالأمن في البيت الحرام. وفي فترة الإحرام بالنسبة للمحرم حتى وهو لم يبلغ الحرم. كما جعل الأشهر الحرم الأربعة التي لا يجوز فيها القتل ولا القتال وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثم رجب.. ولقد ألقى الله في قلوب العرب - حتى في جاهليتهم - حرمة هذه الأشهر. فكانوا لا يروعون فيها نفساً، ولا يطلبون فيها دماً، ولا يتوقعون فيها ثأراً، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالاً آمناً للسياحة والضرب في الأرض وابتغاء الرزق.. جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة - بيت الله الحرام - أن تكون مثابة أمن وسلام. تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع. كذلك جعل الأشهر الحرم لتكون منظقة أمن في الزمان كالكعبة منطقة أمن في المكان. ثم مد رواق الأمن خارج منطقة الزمان والمكان، فجعله حقاً للهدي - وهو النعم - الذي يطلق ليبلغ الكعبة في الحج والعمرة؛ فلا يمسه أحد في الطريق بسوء. كما جعله لمن يتقلد من شجر الحرم، معلناً احتماءه بالبيت العتيق. لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل؛ وجعله مثابة للناس وأمناً، حتى لقد امتن الله به على المشركين أنفسهم؛ إذ كان بيت الله بينهم مثابة لهم وأمناً، والناس من حولهم يُتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم - بعد ذلك - لا يشكرون الله؛ ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد؛ ويقولون للرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ يدعوهم إلى التوحيد: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. فحكى الله قولهم هذا وجبههم بحقيقة الأمن والمخافة: {أية : وقالوا: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا. أو لم نمكن لهم حرماً آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا؟ ولكن أكثرهم لا يعلمون }. تفسير : وفي الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرام، لا يعضد شجرة، ولا يُختلى خَلاه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرّف ". تفسير : ولم يستثن من الأحياء مما يجوز قتله في الحرم وللمحرم إلا الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: "حديث : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور ".. تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - زيادة الحية. كذلك حرمت المدينة لحديث علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : المدينة حرم ما بين عير إلى ثور"تفسير : .. وفي الصحيحين من حديث عباد بن تميم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ". تفسير : وبعد، فإنها ليست منطقة الأمان في الزمان والمكان وحدهما. وليس رواق الأمن الذي يشمل الحيوان والإنسان وحدهما.. إنما هي كذلك منطقة الأمان في الضمير البشري.. ذلك المصطرع المترامي الأطراف في أغوار النفس البشرية.. هذا المصطرع الذي يثور ويفور فيطغى بشواظه وبدخانه على المكان والزمان، وعلى الإنسان والحيوان!.. إنها منطقة السلام والسماحة في ذلك المصطرع، حتى ليتحرج المحرم أن يمد يده إلى الطير والحيوان. وهما - في غير هذه المنطقة - حل للإنسان. ولكنهما هنا في المثابة الآمنة. في الفترة الآمنة. في النفس الآمنة.. إنها منطقة المرانة والتدريب للنفس البشرية لتصفو وترق وترف فتتصل بالملأ الأعلى؛ وتتهيأ للتعامل مع الملأ الأعلى.. ألا ما أحوج البشرية المفزَّعة الوجلة، المتطاحنة المتصارعة.. إلى منطقة الأمان، التي جعلها الله للناس في هذا الدين، وبينها للناس في هذا القرآن! {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله بكل شيء عليم}.. تعقيب عجيب في هذا الموضع؛ ولكنه مفهوم! إن الله يشرع هذه الشريعة، ويقيم هذه المثابة، ليعلم الناس أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم.. ليعلموا أنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم وهتاف أرواحهم. وأنه يقرر شرائعه لتلبية الطبائع والحاجات، والاستجابة للأشواق والمكنونات.. فإذا أحست قلوب الناس رحمة الله في شريعته؛ وتذوقت جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم العميقة علموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وأن الله بكل شيء عليم. إن هذا الدين عجيب في توافيه الكامل مع ضرورات الفطرة البشرية وأشواقها جميعاً؛ وفي تلبيته لحاجات الحياة البشرية جميعاً.. إن تصميمه يطابق تصميمها؛ وتكوينه يطابق تكوينها. وحين ينشرح صدر لهذا الدين فإنه يجد فيه من الجمال والتجاوب والأنس والراحة ما لا يعرفه إلا من ذاق! وينتهي الحديث عن الحلال والحرام في الحل والإحرام بالتحذير صراحة من العقاب مع الإطماع في المغفرة والرحمة: {اعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم}.. ومع التحذير إيحاء وإلقاء للتبعة على المخالف الذي لا يثوب: {ما على الرسول إلا البلاغ، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}.. ثم تختم الفقرة بميزان يقيمه الله للقيم، ليزن به المسلم ويحكم. ميزان يرجح فيه الطيب ويشيل الخبيث. كي لا يخدع الخبيث المسلم بكثرته في أي وقت وفي أي حال! {قل: لا يستوي الخبيث والطيب؛ ولو أعجبك كثرة الخبيث، فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون}.. إن المناسبة الحاضرة لذكر الخبيث والطيب في هذا السياق، هي مناسبة تفصيل الحرام والحلال في الصيد والطعام. والحرام خبيث، والحلال طيب.. ولا يستوي الخبيث والطيب ولو كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب. ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف، وبلا عقابيل من ألم أو مرض.. وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والآخرة.. والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقابة القلب له، يختار الطيب على الخبيث؛ فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة: {فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون}.. هذه هي المناسبة الحاضرة.. ولكن النص - بعد ذلك - أفسح مدى وأبعد أفقاً. وهو يشمل الحياة جمعياً، ويصدق في مواضع شتى: لقد كان الله الذي أخرج هذه الأمة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، يعدها لأمر عظيم هائل.. كان يعدها لحمل أمانة منهجه في الأرض، لتستقيم عليه كما لم تستقم أمة قط، ولتقيمه في حياة الناس كما لم يقم كذلك قط. ولم يكن بد أن تراض هذه الأمة رياضة طويلة. رياضة تخلعها أولاًَ من جاهليتها؛ وترفعها من سفح الجاهلية الهابطة وتمضي بها صعداً في المرتقى الصاعد إلى قمة الإسلام الشامخة ثم تعكف بعد ذلك على تنقية تصوراتها وعاداتها ومشاعرها من رواسب الجاهلية؛ وتربية إرادتها على حمل الحق وتبعاته. ثم تنتهي بها إلى تقييم الحياة جملة وتفصيلاً وفق قيم الإسلام في ميزان الله.. حتى تكون ربانية حقاً.. وحتى ترتفع بشريتها إلى أحسن تقويم.. وعندئذ لا يستوي في ميزانها الخبيث والطيب؛ ولو أعجبها كثرة الخبيث! والكثرة تأخذ العين وتهول الحس. ولكن تمييز الخبيث من الطيب، وارتفاع النفس حتى تزنه بميزان الله، يجعل كفة الخبيث تشيل مع كثرته، وكفة الطيب ترجح على قلته.. وعندئذ تصبح هذه الأمة أمينة ومؤتمنة على القوامة.. القوامة على البشرية.. تزن لها بميزان الله؛ وتقدر لها بقدر الله؛ وتختار لها الطيب، ولا تأخذ عينها ولا نفسها كثرة الخبيث! وموقف آخر ينفع فيه هذا الميزان.. ذلك حين ينتفش الباطل؛ فتراه النفوس رابياً؛ وتؤخذ الأعين بمظهره وكثرته وقوته.. ثم ينظر المؤمن الذي يزن بميزان الله إلى هذا الباطل المنتفش، فلا تضطرب يده، ولا يزوغ بصره، ولا يختل ميزانه؛ ويختار عليه الحق الذي لا رغوة له ولا زبد؛ ولا عدة حوله ولا عدد.. إنما هو الحق.. الحق المجرد إلا من صفته وذاته؛ وإلا من ثقله في ميزان الله وثباته؛ وإلا من جماله الذاتي وسلطانه! لقد ربى الله هذه الأمة بمنهج القرآن، وقوامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى علم - سبحانه - أنها وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله.. لا في نفوسها وضمائرها فحسب، ولكن في حياتها ومعاشها في هذه الأرض، بكل ما يضطرب في الحياة من رغبات ومطامع، وأهواء ومشارب، وتصادم بين المصالح، وغلاب بين الأفراد والجماعات. ثم بعد ذلك في قوامتها على البشرية بكل ما لها من تبعات جسام في خضم الحياة العام. لقد رباها بشتى التوجيهات، وشتى المؤثرات، وشتى الابتلاءات، وشتى التشريعات؛ وجعلها كلها حزمة واحدة تؤدي دوراً في النهاية واحداً، هو إعداد هذه الأمة بعقيدتها وتصوراتها، وبمشاعرها واستجاباتها، وبسلوكها وأخلاقها، وبشريعتها ونظامها، لأن تقوم على دين الله في الأرض، ولأن تتولى القوامة على البشر.. وحقق الله ما يريده بهذه الأمة.. والله غالب على أمره.. وقامت في واقع الحياة الأرضية تلك الصورة الوضيئة من دين الله.. حلماً يتمثل في واقع.. وتملك البشرية أن تترسمه في كل وقت حين تجاهد لبلوغه فيعينها الله.. بعد ذلك يتجه السياق إلى شيء من تربية الجماعة المسلمة وتوجيهها إلى الأدب الواجب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعدم سؤاله عما لم يخبرها به؛ مما لو ظهر لساء السائل وأحرجه أو ترتب عليه تكاليف لا يطيقها، أو ضيق عليه في أشياء وسع الله فيها، أو تركها بلا تحديد رحمة بعباده. {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم. عفا الله عنها والله غفور حليم. قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين}.. كان بعضهم يكثر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السؤال عن أشياء لم يتنزل فيها أمر أو نهي. أو يلحف في طلب تفصيل أمور أجملها القرآن، وجعل الله في إجمالها سعة للناس. أو في الاستفسار عن أمور لا ضرورة لكشفها فإن كشفها قد يؤذي السائل عنها أو يؤذي غيره من المسلمين. وروي أنه لما نزلت آية الحج سأل سائل: أفي كل عام؟ فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا السؤال لأن النص على الحج جاء مجملاً: {أية : ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً}تفسير : والحج مرة يجزي. فأما السؤال عنه أفي كل عام فهو تفسير له بالصعب الذي لم يفرضه الله. وفي حديث مرسل رواه الترمذي والدارقطني عن علي رضي الله عنه قال: "حديث : لما نزلت هذه الآية: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ قال: لا. ولو قلت نعم لوجبت" تفسير : فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}.. الخ الآية. وأخرجه الدارقطني أيضاً عن أبي عياض عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يا أيها الناس كتب عليكم الحج. فقام رجل فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، ثم عاد فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: "ومن القائل؟" قالوا: فلان. قال: والذي نفسي بيده لو قلت: نعم. لوجبت. ولو وجبت ما أطقتموها. ولو لم تطيقوها لكفرتم"تفسير : . فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}.. وفي حديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ... فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: "النار" فقام عبدالله بن حذافة فقال: "من أبي يا رسول الله؟ فقال: أبوك حذافة"تفسير : .. قال ابن عبد البر: عبدالله بن حذافة أسلم قديماً، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدراً، وكانت فيه دعابة! وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما قال: من أبي يا رسول الله؟ قال "حديث : أبوك حذافة"تفسير : قالت أمه: ما سمعت بابن أعق منك. أأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟! فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به.. وفي رواية لابن جرير - بسنده - "حديث : عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: "في النار" فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافة" فقام عمر بن الخطاب، فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً وبالقرآن إماماً. إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلمُ من آباؤنا. قال: فسكن غضبه"،تفسير : ونزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}.. الآية. وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وهو قول سعيد بن جبير. وقال: ألا ترى أن بعده: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام}؟ ومجموعة هذه الروايات وغيرها تعطي صورة عن نوع هذه الأسئلة التي نهى الله الذين آمنوا أن يسألوها.. لقد جاء هذا القرآن لا ليقرر عقيدة فحسب، ولا ليشرع شريعة فحسب. ولكن كذلك ليربي أمة، وينشئ مجتمعاً، وليكوّن الأفراد وينشئهم على منهج عقلي وخلقي من صنعه.. وهو هنا يعلمهم أدب السؤال، وحدود البحث، ومنهج المعرفة.. وما دام الله - سبحانه - هو الذي ينزل هذه الشريعة، ويخبر بالغيب، فمن الأدب أن يترك العبيد لحكمته تفصيل تلك الشريعة أو إجمالها؛ وأن يتركوا له كذلك كشف هذا الغيب أو ستره. وأن يقفوا هم في هذه الأمور عند الحدود التي أرادها العليم الخبير. لا ليشددوا على أنفسهم بتنصيص النصوص، والجري وراء الاحتمالات والفروض، كذلك لا يجرون وراء الغيب يحاولون الكشف عما لم يكشف الله منه وما هم ببالغيه. والله أعلم بطاقة البشر واحتمالهم، فهو يشرع لهم في حدود طاقتهم، ويكشف لهم من الغيب ما تدركه طبيعتهم. وهناك أمور تركها الله مجملة أو مجهلة؛ ولا ضير على الناس في تركها هكذا كما أرادها الله. ولكن السؤال - في عهد النبوة وفترة تنزل القرآن - قد يجعل الإجابة عنها متعينة فتسوء بعضهم، وتشق عليهم كلهم وعلى من يجيء بعدهم. لذلك نهى الله الذين آمنوا أن يسألوا عن أشياء يسوؤهم الكشف عنها؛ وأنذرهم بأنهم سيجابون عنها إذا سألوا في فترة الوحي في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وستترتب عليهم تكاليف عفا الله عنها فتركها ولم يفرضها: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم.. عفا الله عنها..}. أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها وترك فرضها أو تفصيلها ليكون في الإجمال سعة.. كأمره بالحج مثلاً.. أو تركه ذكرها أصلاً.. ثم ضرب لهم المثل بمن كانوا قبلهم - من أهل الكتاب - ممن كانوا يشددون على أنفسهم بالسؤال عن التكاليف والأحكام. فلما كتبها الله عليهم كفروا بها ولم يؤدوها. ولو سكتوا وأخذوا الأمور باليسر الذي شاءه الله لعبادة ما شدد عليهم، وما احتملوا تبعة التقصير والكفران. ولقد رأينا في سورة البقرة كيف أن بني إسرائيل حينما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة، بلا شروط ولا قيود، كانت تجزيهم فيها بقرة أية بقرة.. أخذوا يسألون عن أوصافها ويدققون في تفصيلات هذه الأوصاف. وفي كل مرة كان يشدد عليهم. ولو تركوا السؤال ليسروا على أنفسهم. وكذلك كان شأنهم في السبت الذي طلبوه ثم لم يطيقوه!.. ولقد كان هذا شأنهم دائماً حتى حرم الله عليهم أشياء كثيرة تربية لهم وعقوبة! وفي الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : ذروني ما تركتكم. فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم ". تفسير : وفي الصحيح أيضاً: "حديث : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها. وسكت عن أشياء رحمة بكم - غير نسيان - فلا تسألوا عنها ".. تفسير : وفي صحيح مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته ".. تفسير : ولعل مجموعة هذه الأحاديث - إلى جانب النصوص القرآنية - ترسم منهج الإسلام في المعرفة.. إن المعرفة في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة.. فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية. وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به. فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه؛ فإنه لا يصل إلى شيء أبداً، لأنه ليس مزوداً بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف الله عنها.. فهو جهد ضائع. فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل، يؤدي إلى الضلال البعيد. وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام.. وهذا هو منهج الإسلام.. ففي طوال العهد المكي لم يتنزل حكم شرعي تنفيذي - وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال - ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير الكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام. ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه؛ فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل؛ وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني: كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلعن من سأل عما لم يكن.. ذكره الدارميّ في مسنده.. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار ابن ياسر - وقد سئل عن مسألة - فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال. دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم. وقال الدراميّ: حدثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: {أية : يسألونك عن الشهر الحرام} {أية : ويسألونك عن المحيض}تفسير : وشبهه.. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وقال مالك: أدركت هذا البلد (يعني المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة. فإذا نزلت نازلة، جمع الأمير لها من حضر من العلماء، فما اتفقوا عليه أنفذه. وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم! وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية: روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات. وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال؛ وكثرة السؤال، وإضاعة المال"تفسير : .. قال كثير من العلماء: المراد بقوله: "وكثرة السؤال": التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعاً، وتكلفاً فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. ويقولون: إذا نزلت النازلة وفق المسؤول لها.. إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية.. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقاً كاملاً دقيقاً.. فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد. وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غيرمحدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم. ومثله الاستفتاء عن أحكام شريعة الله في أرض لا تقام فيها شريعة الله، والفتوى على هذا الأساس!.. إن شريعة الله لا تستفتى إلا ليطبق حكمها وينفذ.. فإذا كان المستفتي والمفتي كلاهما يعلمان أنهما في أرض لا تقيم شريعة الله؛ ولا تعترف بسلطان الله في الأرض وفي نظام المجتمع وفي حياة الناس.. أي لا تعترف بألوهية الله في هذه الأرض ولا تخضع لحكمه ولا تدين لسلطانه.. فما استفتاء المستفتي؟ وما فتوى المفتي؟ إنهما - كليهما - يرخصان شريعة الله، ويستهتران بها شاعرين أو غير شاعرين سواء! ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة.. إنها دراسة للتلهية! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكاناً في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكمها! وهو إيهام يبوء بالإثم من يشارك فيه، ليخدر مشاعر الناس بهذا الإيهام! إن هذا الدين جد. وقد جاء ليحكم الحياة. جاء ليعبد الناسَ لله وحده، وينتزع من المغتصبين لسلطان الله هذا السلطان، فيرد الأمر كله إلى شريعة الله، لا إلى شرع أحد سواه.. وجاءت هذه الشريعة لتحكم الحياة كلها؛ ولتواجه بأحكام الله حاجات الحياة الواقعية وقضاياها، ولتدلي بحكم الله في الواقعة حين تقع بقدر حجمها وشكلها وملابساتها. ولم يجىء هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار. ولا لتكون شريعته موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة. ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكاماً فقهية في الهواء! هذا هو جد الإسلام. وهذا هو منهج الإسلام. فمن شاء من "علماء" هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة. أو على الأقل فليسكت عن الفتوى والقذف بالأحكام في الهواء! ويبدو - بالاستناد إلى رواية مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنه - ومن قول سعيد بن جبير كذلك في أسباب نزول الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم...} أن من بين ما كانوا يسألون عنه أشياء كانت في الجاهلية. ولم نقف على معين للسؤال ماذا كان. ولكن مجيء الحديث في السياق عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي بعد آية النهي عن السؤال يوحي بأن هناك اتصالاً ما.. فنكتفي بهذا لنواجه النص القرآني عن هذه العادات الجاهلية: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، وأكثرهم لا يعقلون. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون؟}.. إن القلب البشري إما أن يستقيم على فطرته التي فطره الله عليها؛ فيعرف إلهه الواحد، ويتخذه رباً، ويعترف له وحده بالعبودية ويستسلم لشرعه وحده؛ ويرفض ربوبية من عداه فيرفض إذن أن يتلقى شريعة من سواه.. إما أن يستقيم القلب البشري على فطرته هذه فيجد اليسر في الاتصال بربه، ويجد البساطة في عبادته، ويجد الوضوح في علاقاته به.. وإما أن يتيه في دروب الجاهلية والوثنية ومنعرجاتها، تتلقاه في كل درب ظلمة، ويصادفه في كل ثنية وهم. تطلب إليه طواغيت الجاهلية والوثنية شتى الطقوس لعبادتها، وشتى التضحيات لإرضائها؛ ثم تتعدد الطقوس في العبادات والتضحيات، حتى ينسى الوثني أصولها، ويؤديها وهو لا يعرف حكمتها، ويعاني من العبودية لشتى الأرباب ما يقضي على كرامة الإنسان التي منحها الله للإنسان. ولقد جاء الإسلام بالتوحيد ليوحد السلطة التي تدين العباد؛ ثم ليحرر الناس بذلك من العبودية بعضهم لبعض؛ ومن عبوديتهم لشتى الآلهة والأرباب.. وجاء ليحرر الضمير البشري من أوهام الوثنية وأوهاقها؛ وليرد إلى العقل البشري كرامته ويطلقه من ربقة الآلهة وطقوسها. ومن ثم حارب الوثنية في كل صورها وأشكالها؛ وتتبعها في دروبها ومنحنياتها. سواء في أعماق الضمير، أم في شعائر العبادة، أم في أوضاع الحياة وشرائع الحكم والنظام. وهذا منعرج من منعرجات الوثنية في الجاهلية العربية، يعالجه ليقومه ويسلط عليه النور ليبطل ما حوله من أساطير. ويقرر أصول التفكير والنظر؛ وأصول الشرع والنظام في آن: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، وأكثرهم لا يعقلون}.. هذه الصنوف من الأنعام التي كانوا يطلقونها لآلهتهم بشروط خاصة، منتزعة من الأوهام المتراكمة في ظلمات العقل والضمير. البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي!!! هذه الصنوف من الأنعام ما هي؟ ومن الذي شرع لهم هذه الأحكام فيها؟ لقد تشعبت الروايات في تعريفها، فنعرض نحن طرفاً من هذه التعريفات: "روى الزهري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة من الإبل يمنع درها للطواغيب (أي يحجز لبنها ويخصص للآلهة فلا يطعمها الناس وكهنة الآلهة هم الذين يأخذونه طبعاً!) والسائبة من الإبل كانوا يسيبونها لطواغيتهم. والوصيلة كانت الناقة تبكر بالأنثى، ثم تثني بالأنثى فيسمونها الوصيلة، يقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يذبحونها لطواغيتهم. والحامي الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود (أي يقوم بتلقيح عدد من النوق) فإذا بلغ ذلك يقال: حمي ظهره، فيترك، فيسمونه الحامي. "وقال أهل اللغة: البحيرة الناقة التي تشق أذنها، يقال: بحرت أذن الناقة أبحرها بحراً، والناقة مبحورة وبحيرة، إذا شققتها واسعا. ومنه البحر لسعته. وكان أهل الجاهلية يحرمون البحيرة، وهي أن تنتج خمسة أبطن يكون آخرها ذكراً، بحروا أذنها وحرموها وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولم تطرد عن ماء، ولم تمنع عن مرعى، وإذا لقيها المعيي لم يركبها. قالوا: والسائبة المخلاة وهي المسيبة، وكانوا في الجاهلية إذا نذر الرجل لقدوم من سفر، أو برء من مرض، أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في التحريم والتخلية.. فأما الوصيلة فإن بعض أهل اللغة ذكر أنها الأنثى من الغنم إذا ولدت مع ذكر، قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوها: وقال بعضهم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكراً ذبحوه لآلهتهم في زعمهم. وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم. وقالوا: الحامي الفحل من الإبل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حمي ظهره فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى". وهناك روايات أخرى عن تعريف هذه الأنواع من الطقوس لا ترتفع على هذا المستوى من التصور، ولا تزيد الأسباب فيها معقولية على هذه الأسباب.. وهي كما ترى أوهام من ظلام الوثنية المخيم. وحين تكون الأوهام والأهواء هي الحكم، لا يكون هناك حد ولا فاصل، ولا ميزان ولا منطق. وسرعان ما تتفرع الطقوس ويضاف إليها وينقص منها بلا ضابط. وهذا هو الذي كان في جاهلية العرب، والذي يمكن أن يحدث في كل مكان وفي كل زمان، حين ينحرف الضمير البشري عن التوحيد المطلق، الذي لا منعرجات فيه ولا ظلام. وقد تتغير الأشكال الخارجية ولكن لباب الجاهلية يبقى، وهو التلقي من غير الله في أي شأن من شؤون الحياة! إن الجاهلية ليست فترة من الزمان؛ ولكنها حالة ووضع يتكرر - في ِأشكال شتى - على مدار الزمان. فإما ألوهية واحدة تقابلها عبودية شاملة؛ وتتجمع فيها كل ألوان السلطة، وتتجه إليها المشاعر والأفكار، والنوايا والأعمال، والتنظيمات والأوضاع، وتتلقى منها القيم والموازين، والشرائع والقوانين، والتصورات والتوجيهات.. وإما جاهلية - في صورة من الصور - تتمثل فيها عبودية البشر للبشرأو لغيرهم من خلق الله.. لا ضابط لها ولا حدود. لأن العقل البشري لا يصلح وحده أن يكون ضابطاً موزوناً ما لم ينضبط هو على ميزان العقيدة الصحيحة. فالعقل يتأثر بالهوى كما نشهد في كل حين؛ ويفقد قدرته على المقاومة في وجه الضغوط المختلفة ما لم يقم إلى جانبة ذلك الضابط الموزون. وإننا لنشهد اليوم - بعد أربعة عشر قرناً من نزول هذا القرآن بهذا البيان - أنه حيثما انفك رباط القلب البشري بالإله الواحد، تاه في منحنيات ودروب لا عداد لها، وخضع لربوبيات شتى، وفقد حريته وكرامته ومقاومته.. ولقد شهدت في هذا الجانب الخرافي وحده في صعيد مصر وريفها عشرات من الأوهام تطلق لها بعض صنوف الحيوان، للأولياء والقديسين، في ذات الصورة التي كانت تطلق بها للآلهة في الزمان القديم! على أن المسألة في تلك الطقوس الجاهلية - وفي كل جاهلية - هي القاعدة الكلية. هي نقطة الانطلاق في طريق الإسلام أو في طريق الجاهلية. هي.. لمن الحكم في حياة الناس.. لله وحده كما قرر في شريعته؟ أم لغير الله فيما يقرره البشر لأنفسهم من أحكام وأوضاع وشرائع وطقوس وقيم وموازين؟ أو بتعبير آخر: لمن الألوهية على الناس؟ لله أم لخلق من خلقه؟ أياً كان هذا الخلق الذي يزاول حقوق الألوهية على الناس! ومن ثم يبدأ النص القرآني بتقرير أن الله لم يشرع هذه الطقوس. لم يشرع البحيرة ولا السائبة ولا الوصيلة ولا الحامي.. فمن ذا الذي شرعها إذن لهؤلاء الكفار؟! {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام}.. والذين يتبعون ما شرعه غير الله هم كفار. كفار يفترون على الله الكذب. مرة يشرعون من عند أنفسهم ثم يقولون: شريعة الله.. ومرة يقولون: إننا نشرع لأنفسنا ولا ندخل شريعة الله في أوضاعنا.. ونحن مع هذا لا نعصي الله.. وكله كذب على الله: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون}.. ومشركو العرب كانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم الذي جاء به من عند الله. فهم لم يكونوا يجحدون الله البتة. بل كانوا يعترفون بوجوده وبقدرته وبتصريفه للكون كله. ولكنهم مع ذلك كانوا يشرعون لأنفسهم من عند أنفسهم ثم يزعمون أن هذا شرع الله! وهم بهذا كانوا كفاراً. ومثلهم كل أهل جاهلية في أي زمان وفي أي مكان يشرعون لأنفسهم من عند أنفسهم ثم يزعمون - أو لا يزعمون - أن هذا شرع الله! إن شرع الله هو الذي قرره في كتابه، وهو الذي بينه رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو ليس مبهماً ولا غامضاً ولا قابلاً لأن يفتري عليه أحد من عنده ما يفتري، ويزعم أنه منه، كما يتصور أهل الجاهلية في أي زمان وفي أي مكان! ولذلك يصم الله الذين ادعوا هذا الادعاء بالكفر. ثم يصمهم كذلك بأنهم لا يعقلون! ولو كانوا يعقلون ما افتروا على الله. ولو كانوا يعقلون ما حسبوا أن يمر هذا الافتراء! ثم يزيد هذه المفارقة في قولهم وفعلهم إيضاحاً: {وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا حسبنا: ما وجدنا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون؟}.. إن ما شرعه الله بيّن. وهو محدد فيما أنزل الله ومبين بما سنه رسوله.. وهذا هو المحك. وهذه هي النقطة التي يفترق فيها طريق الجاهلية وطريق الإسلام. طريق الكفر وطريق الإيمان.. فإما أن يدعى الناس إلى ما أنزل الله بنصه وإلى الرسول ببيانه فيلبوا.. فهم إذن مسلمون. وإما أن يدعوا إلى الله والرسول فيأبوا.. فهم إذن كفار.. ولا خيار.. وهؤلاء كانوا إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا! فاتبعوا ما شرعه العبيد، وتركوا ما شرعه رب العبيد. ورفضوا نداء التحرر من عبودية العباد للعباد، واختاروا عبودية العقل والضمير، للآباء والأجداد. ثم يعقب السياق القرآني على موقفهم ذاك تعقيب التعجيب والتأنيب: {أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون؟}.. وليس معنى هذا الاستنكار لاتباعهم لآبائهم ولو كانوا لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، أن لو كان يعلمون شيئاً لجاز لهم اتباعهم وترك ما أنزل الله وترك بيان الرسول! إنما هذا تقرير لواقعهم وواقع آبائهم من قبلهم. فآباؤهم كذلك كانوا يتبعون ما شرعه لهم آباؤهم أو ما شرعوه هم لأنفسهم. ولا يركن أحد إلى شرع نفسه أو شرع أبيه، وبين يديه شرع الله وسنة رسوله، إلا وهو لا يعلم شيئاً ولا يهتدي! وليقل عن نفسه أو ليقل عنه غيره ما يشاء: إنه يعلم وإنه يهتدي. فالله - سبحانه - أصدق وواقع الأمر يشهد.. وما يعدل عن شرع الله إلى شرع الناس إلا ضال جهول! فوق أنه مفتر كفور! فإذا انتهى من تقرير حال الذين كفروا وقولهم التفت إلى {الذين آمنوا} يقرر لهم انفصالهم وتميزهم؛ ويبين لهم تكاليفهم وواجبهم؛ ويحدد لهم موقفهم ممن سواهم؛ ويكلهم إلى حساب الله وجزائه لا إلى أي مغنم في هذه الأرض أو مأرب. {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم تعملون}.. إنه التميز والمفاصلة بينهم وبين من عداهم. ثم إنه التضامن والتواصي فيما بينهم بوصفهم أمة واحدة. {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.. أنتم وحدة منفصلون عمن سواكم، متضامنون متكافلون فيما بينكم. فعليكم أنفسكم.. عليكم أنفسكم فزكوها وطهروها؛ وعليكم جماعتكم فالتزموها وراعوها؛ ولا عليكم أن يضل غيركم إذا أنتم اهتديتم. فأنتم وحدة منفصلة عمن عداكم؛ وأنتم أمة متضامنة فيما بينها بعضكم أولياء بعض، ولا ولاء لكم ولا ارتباط بسواكم. إن هذه الآية الواحدة تقرر مبادىء أساسية في طبيعة الأمة المسلمة، وفي طبيعة علاقاتها بالأمم الأخرى. إن الأمة المسلمة هي حزب الله. ومن عداها من الأمم فهم حزب الشيطان. ومن ثم لا يقوم بينها وبين الأمم الأخرى ولاء ولا تضامن، لأنه لا اشتراك في عقيدة؛ ومن ثم لا اشتراك في هدف أو وسيلة؛ ولا اشتراك في تبعة أو جزاء. وعلى الأمة المسلمة أن تتضامن فيما بينها؛ وأن تتناصح وتتواصى، وأن تهتدي بهدي الله الذي جعل منها أمة مستقلة منفصلة عن الأمم غيرها.. ثم لا يضيرها بعد ذلك شيئاً أن يضل الناس حولها ما دامت هي قائمة على الهدى. ولكن ليس معنى هذا أن تتخلى الأمة المسلمة عن تكاليفها في دعوة الناس كلهم إلى الهدى. والهدى هو دينها هي وشريعتها ونظامها. فإذا هي أقامت نظامها في الأرض بقي عليها أن تدعو الناس كافة، وأن تحاول هدايتهم، وبقي عليها أن تباشر القوامة على الناس كافة لتقيم العدل بينهم؛ ولتحول بينهم وبين الضلال والجاهلية التي منها أخرجتهم.. إن كون الأمة المسلمة مسؤولة عن نفسها أمام الله لا يضيرها من ضل إذا اهتدت، لا يعني أنها غير محاسبة على التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينها أولاً، ثم في الأرض جميعاً، وأول المعروف الإسلام لله وتحكيم شريعته؛ وأول المنكر الجاهلية والاعتداء على سلطان الله وشريعته. وحكم الجاهلية هو حكم الطاغوت، والطاغوت هو كل سلطان غير سلطان الله وحكمه.. والأمة المسلمة قوامة على نفسها أولاً؛ وعلى البشرية كلها أخيراً. وليس الغرض من بيان حدود التبعة في الآية كما فهم بعضهم قديماً - وكما يمكن أن يفهم بعضهم حديثاً - أن المؤمن الفرد غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - إذا اهتدى هو بذاته - ولا أن الأمة المسلمة غير مكلفة إقامة شريعة الله في الأرض - إذا هي اهتدت بذاتها - وضل الناس من حولها. إن هذه الآية لا تسقط عن الفرد ولا عن الأمة التبعة في كفاح الشر، ومقاومة الضلال ومحاربة الطغيان - وأطغى الطغيان الاعتداء على ألوهية الله واغتصاب سلطانه وتعبيد الناس لشريعة غير شريعته، وهو المنكر الذي لا ينفع الفرد ولا ينفع الأمة أن تهتدي وهذا المنكر قائم. ولقد روى أصحاب السنن أن أبا بكر - رضي الله عنه - قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا علكيم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}.. وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه ". تفسير : وهكذا صحح الخليفة الأول - رضوان الله عليه - ما ترامى إلى وهم بعض الناس في زمانه من هذه الآية الكريمة. ونحن اليوم أحوج إلى هذا التصحيح، لأن القيام بتكاليف التغيير للمنكر قد صارت أشق. فما أيسر ما يلجأ الضعاف إلى تأويل هذه الآية على النحو الذي يعفيهم من تعب الجهاد ومشاقه، ويريحهم من عنت الجهاد وبلائه! وكلا والله! إن هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد. ولا يصلح إلا بعمل وكفاح. ولا بد لهذا الدين من أهل يبذلون جهدهم لرد الناس إليه، ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ولتقرير ألوهية الله في الأرض، ولرد المغتصبين لسلطان الله عما اغتصبوه من هذا السلطان، ولإقامة شريعة الله في حياة الناس، وإقامة الناس عليها.. لا بد من جهد. بالحسنى حين يكون الضالون أفراداً ضالين، يحتاجون إلى الإرشاد والإنارة. وبالقوة حين تكون القوة الباغية في طريق الناس هي التي تصدهم عن الهدى؛ وتعطل دين الله أن يوجد، وتعوق شريعة الله أن تقوم. وبعد ذلك - لا قبله - تسقط التبعة عن الذين آمنوا. وينال الضالون جزاءهم من الله حين يرجع هؤلاء وهؤلاء إليه: {إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون}. والآن يجيء الحكم الأخير من الأحكام الشرعية التي تتضمنها السورة، في بيان بعض أحكام المعاملات في المجتمع المسلم، وهو الخاص بتشريع الإشهاد على الوصية في حالة الضرب في الأرض، والبعد عن المجتمع. والضمانات التي تقيمها الشريعة ليصل الحق إلى أهله. {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت - حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، أو آخران من غيركم، إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، تحبسونهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله - إن ارتبتم - لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين. فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم.. الأوليان.. فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا، إنا إذن لمن الظالمين. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم؛ واتقوا الله واسمعوا، والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. وبيان هذا الحكم الذي تضمنته الآيات الثلاث: أن على من يحس بدنو أجله، ويريد أن يوصي لأهله بما يحضره من المال، أن يستحضر شاهدين عدلين من المسلمين إن كان في الحضر، ويسلمهما ما يريد أن يسلمه لأهله غير الحاضرين. فأما إذا كان ضارباً في الأرض، ولم يجد مسلمين يشهدهما ويسلمهما ما معه، فيجوز أن يكون الشاهدان من غير المسلمين. فإن ارتاب المسلمون - أو ارتاب أهل الميت - في صدق ما يبلغه الشاهدان وفي أمانتهما في أداء ما استحفظا عليه، فإنهم يوقفونهما بعد أدائهما للصلاة - حسب عقيدتهما - ليحلفا بالله، أنهما لا يتوخيان بالحلف مصلحة لهما ولا لأحد آخر، ولو كان ذا قربى، ولا يكتمان شيئاً مما استحفظا عليه.. وإلا كانا من الآثمين.. وبذلك تنفذ شهادتهما. فإذا ظهر بعد ذلك أنهما ارتكبا إثم الشهادة الكاذبة واليمين الكاذبة والخيانة للأمانة. قام أولى اثنين من أهل الميت بوراثته، من الذين وقع عليهم هذا الإثم، بالحلف بالله أن شهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين. وأنهما لم يعتديا بتقريرهما هذه الحقيقة. وبذلك تبطل شهادة الأولين، وتنفذ الشهادة الثانية. ثم يقول النص: إن هذه الإجراءات أضمن في أداء الشهادة بالحق؛ أو الخوف من رد أيمان الشاهدين الأولين، مما يحملهما على تحري الحق. {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم}. وينتهي إلى دعوة الجميع إلى تقوى الله، ومراقبته وخشيته، والطاعة لأوامره، لأن الله لا يهدي من يفسقون عن طريقه، إلى خير ولا إلى هدى: {واتقوا الله واسمعوا. والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. قال القرطبي في تفسيره عن سبب نزول هذه الآيات الثلاث: "...ولا أعلم خلافاً أن هذه الآيات الثلاث نزلت بسبب تميم الداري، وعدي بن بدّاء روي البخاري والدارقُطني وغيرهما عن ابن عباس قال: "حديث : كان تميم الداري وعدي بن بداء، يختلفان إلى مكة؛ فخرج معهما فتى من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله، وحبسا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب. فاستحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما كتمتما ولا اطلعتما". ثم وجد الجام بمكة. فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم. فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا. قال فأخذ الجام. وفيهم نزلت هذه الآية..."تفسير : (لفظ الدارقطني). " وواضح أن لطبيعة المجتمع الذي نزلت هذه الأحكام لتنظيمه دخلا في شكل الإجراءات. وربما في طبيعة هذه الإجراءات. فالإشهاد والائتمان على هذا النحو. ثم الحلف بالله في مجتمع بعد الصلاة. لاستجاشة الوجدان الديني، والتحرج كذلك من الفضيحة في المجتمع عند ظهور الكذب والخيانة.. كلها تشي بسمات مجتمع خاص. تفي بحاجاته وملابساته هذه الإجراءات. ولقد تملك المجتمعات اليوم وسائل أخرى للإثبات، وأشكالاً أخرى من الإجراءات، كالكتابة والتسجيل والإيداع في المصارف.. وما إليها.. ولكن. أو فَقدَ هذا النص قدرته على العمل في المجتمعات البشرية؟ إننا كثيراً ما نخدع ببيئة معينة، فنظن أن بعض التشريعات وبعض الإجراءات قد فقدت فاعليتها، ولم تعد لها ضرورة، وأنها من مخلفات مجتمعات مضى زمنها! لأن البشرية استجدّت وسائل أخرى! أجل كثيراً ما نخدع فننسى أن هذا الدين جاء للبشرية جميعاً، في كل أقطارها، وفي كل أعصارها. وأن كثرة ضخمة من هذه البشرية اليوم ما تزال بدائية أو متدرجة من البداوة. وأنها في حاجة إلى أحكام وإجراءات تواكب حاجاتها في جميع أشكالها وأطوارها، وأنها تجد في هذا الدين ما يلبي هذه الحاجات في كل حالة. وأنها حين ترتقي من طور إلى طور تجد في هذا الدين كفايتها كذلك بنفس النسبة؛ وتجد في شريعته ما يلبي حاجاتها الحاضرة، ثم يرتقي بها إلى تلبية حاجاتها المتطورة.. وأن هذه معجزة هذا الدين ومعجزة شريعته؛ وآية أنه من عند الله، وأنها من اختياره سبحانه. على أننا نخدع كذلك مرة أخرى حين ننسى الضرورات التي يقع فيها الأفراد من البيئات التي تجاوزت هذه الأطوار؛ والتي يسعفهم فيها يسر هذه الشريعة وشمولها، ووسائل هذا الدين المعدة للعمل في كل بيئة وفي كل حالة. في البدو والحضر. في الصحراء والغابة. لأنه دين البشرية كلها في جميع أعصارها وأقطارها.. وتلك أيضاً إحدى معجزاته الكبرى. إننا نخدع حين نتصور أننا - نحن البشر - أبصر بالخلق من رب الخلق.. فتردنا الوقائع إلى التواضع! وما أولانا أن نتذكر قبل أن تصدمنا الأحداث. وأن نعرف أدب البشر في حق خالق البشر.. أدب العبيد في حق رب العبيد.. لو كنا نتذكر ونعرف، ونثوب..
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي خطاب للمؤمنين بأحكام تشريعية، وتكملة على صورة التفريع جاءت لمناسبة ما تقدّم من الثناء على القسّيسين والرهبان. وإذ قد كان من سنّتهم المبالغة في الزهد وأحدثوا رهبانية من الانقطاع عن التزوّج وعن أكل اللحوم وكثير من الطيّبات كالتدهُّن وترفيه الحالة وحُسن اللباس، نبّه الله المؤمنين على أنّ الثناء على الرهبان والقسّيسين بما لهم من الفضائل لا يقتضي اطّراد الثناء على جميع أحوالهم الرهبانيّة. وصادف أن كانَ بعضُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طمَحت نفوسهم إلى التقلّل من التعلّق بلذائذ العيش اقتداء بصاحبهم سيِّد الزاهدين صلى الله عليه وسلم روى الطبري والواحدي حديث : أنّ نفَراً تنافسوا في الزهد. فقال أحدُهم: أمّا أنا فأقوم الليل لا أنام، وقال الآخر: أمَّا أنا فأصوم النهار، وقال آخر: أمّا أنا فلا آتي النساء، فبلغ خبرُهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فبعث إليهم، فقال: «ألَمْ أنَبَّأ أنَّكم قلتم كذا. قالوا: بَلَى يا رسول الله، وما أرَدْنا إلاّ الخَيْر، قال: لَكِنِّي أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي»»تفسير : فنزلت هذه الآية. ومعنى هذا في «صحيحي البخاري ومسلم» عن أنس بن مالك وليس فيه أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية. ورُوي أنّ ناساً منهم، وهم: أبو بكر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عُمر، وأبو ذرّ، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقدادُ بن الأسود، وسلْمان الفارسي، ومعقل بن مُقَرّن اجتمعوا في دار عثمان بن مظعون واتّفقوا على أن يرفُضوا أشغال الدنيا، ويتركوا النساء ويترهّبوا. فقام رسول الله فغلّظ فيهم المقالة، ثم قال: «حديث : إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شَدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع»تفسير : . فنزلت فيهم هذه الآية.. وهذا الخبر يقتضي أنّ هذا الاجتماع كان في أول مدّة الهجرة لأنّ عثمان بن مظعون لم يكن له دار بالمدينة وأسكنه النبي صلى الله عليه وسلم في دار أمّ العلاء الأنصارية التي قيل: إنّها زوجة زيد بن ثابت، وتوفّي عثمان بن مظعون سنة اثنتين من الهجرة. وفي رواية: أنّ ناساً قالوا إنّ النصارى قد حرّموا على أنفسهم فنحن نحرّم على أنفسنا بعض الطيّبات فحرّم بعضهم على نفسه أكل اللحم، وبعضهم النوم، وبعضهم النساء؛ وأنّهم ألزموا أنفسهم بذلك بأيمان حلفوها على ترك ما التزموا تركه. فنزلت هذه الآية. وهذه الأخبار متظافرة على وقوع انصراف بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المبالغة في الزهد واردة في الصحيح، مثل حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي. قال: قال لي رسول الله: «حديث : ألم أخْبَر أنّك تقوم الليل وتصوم النهارَ، قلت: إنّي أفعلُ ذلك. قال: فإنّك إذا فعلتَ هجَمت عينُك ونَفِهَتْ نَفْسك. وإنّ لنفسك عليك حقاً ولأهلِك عليك حقّاً، فصم وأفطر وقُم ونَم»تفسير : . وحديث سلمان مع أبي الدرداء أنّ سلمان زار أبا الدرداء فصنع أبو الدرداء طعاماً فقال لسلمان: كُلْ فإنّي صائم، فلمّا كانَ الليلُ ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فنام. فلمّا كان آخر اللّيل قال سلمان: قم الآن، وقال سلمان: إنّ لربّك عليك حقّاً ولنفسك عليك حقّاً ولأهلك عليك حقّاً فأعط كلّ ذي حقّ حقّه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدقَ سلمانُ». وفي الحديث الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أمّا أنا فأقوم وأرقد وأصوم وأفطر وأتزوّج النساء فمن رغب عن سُنّتي فليس منّي»تفسير : . والنهي إنّما هو عن تحريم ذلك على النفس. أمّا ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبّر على الحِرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس. وكذلك الإعراض عن كثير من الطّيبات للتطلّع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصّة من أصحابه، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس، فالتطلّع إليها تعسير، وهو مع ذلك كان يتناول الطيّبات دون تشوّف ولا تطلّع. وفي تناولها شكر لله تعالى، كما ورد في قصّة أبي الدحداح حين حَلّ رسولُ الله وأبُو بكر وعمرُ في حائطه وأطعمهم وسقاهم. وعن الحسن البصري: أنّه دُعي إلى طعام ومعه فَرقد السَبَخي وأصحابه فجلسوا على مائدة فيها ألوان من الطعام دجاج مسمَّن وفالَوْذ فاعتزل فرقد نَاحِية. فسأله الحسن: أصائم أنت، قال: لا ولكنّي أكره الألوان لأنّي لا أؤدّي شكره، فقال له: الحسن: أفتشرب الماءَ البارد، قال: نعم، قال: إنّ نعمةَ الله في الماءِ البارد أكثر من نعمته في الفَالَوْذ. وليس المراد من النهي أن يلفظ بلفظ التحريم خاصّة بل أن يتركه تشديداً على نفسه سواء لفظ بالتحريم أم لم يلفظ به. ومن أجل هذا النهي اعتبر هذا التحريم لغواً في الإسلام فليس يلزم صاحبه في جميع الأشياء التي لم يجعل الإسلام للتحريم سبيلاً إليها وهي كلّ حال عدا تحريم الزوجة. ولذلك قال مالك فيمن حرّم على نفسه شيئاً من الحلال أو عمّم فقال: الحلال عليّ حرام، أنّه لا شيء عليه في شيء من الحلال إلاّ الزوجة فإنّها تحرم عليه كالبتَات ما لم ينو إخراج الزوجة قبل النطق بصيغة التحريم أو يخرجها بلفظ الاستثناء بعد النطق بصيغة التحريم، على حكم الاستثناء في اليمين. ووجهه أنّ عقد العصمة يتطرّق إليه التحريم شرعاً في بعض الأحوال، فكان التزام التحريم لازماً فيها خاصّة، فإنّه لو حرّم الزوجة وحدها حرمت، فكذلك إذا شملها لفظ عامّ. ووافقه الشافعي. وقال أبو حنيفة: من حرّم على نفسه شيئاً من الحلال حَرم عليه تناوُله ما لم يكَفّر كفارة يمين، فإنْ كفَّر حلّ له إلاّ الزوجة. وذهب مسروق وأبو سلمة إلى عدم لزوم التحريم في الزوجة وغيرها. وفي قوله تعالى: {لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم} تنبيه لفقهاء الأمّة على الاحتراز في القول بتحريم شيء لم يقم الدليل على تحريمه، أو كان دليله غير بالغ قوة دليل النهي الوارد في هذه الآية. ثم إنّ أهل الجاهلية كانوا قد حرّموا أشياء على أنفسهم كما تضمنته سورة الأنعام، وقد أبطلها الله بقوله: {أية : قل من حرّم زينة الله التي أخرج لِعباده والطيّبات من الرزق}تفسير : [الأعراف: 32]، وقوله: {أية : قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرّموا ما رزقهم الله افتراء على الله}تفسير : [الأنعام: 140]، وقوله: {أية : قُل آلذّكَرَيْنِ حَرّم أم الأنثيين} تفسير : [الأنعام: 143] إلى قوله {أية : فمن أظلم ممّن افترى على الله كذباً ليُضلّ النّاس بغير علم}تفسير : [الأنعام: 144]، وغير ذلك من الآيات. وقد كان كثير من العرب قد دخلوا في الإسلام بعد فتح مكّة دفعة واحدة كما وصفهم الله بقوله: {أية : يدخلون في دين الله أفواجاً}تفسير : [النصر: 2]. وكان قصر الزمان واتّساع المكان حائلين دون رسوخ شرائع الإسلام فيما بينهم، فكانوا في حاجة إلى الانتهاء عن أمور كثيرة فاشية فيهم في مدّة نزول هذه السورة، وهي أيام حجّة الوداع وما تقدّمها وما تأخّر عنها. وجملة {ولا تعتدوا} معترضة، لمناسبة أنّ تحريم الطّيبات اعتداء على ما شرع الله، فالواو اعتراضية. وبما في هذا النهي من العموم كانت الجملة تذييلاً. والاعتداء افتعال العدوْ، أي الظلم. وذِكره في مقابلة تحريم الطيّبات يدلّ على أنّ المراد النهي عن تجاوز حدّ الإذننِ المشروع، كما قال {أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها}تفسير : [البقرة: 229]. فلمّا نهى عن تحريم الحلال أردفه بالنهي عن استحلال المحرّمات وذلك بالاعتداء على حقوق النّاس، وهو أشدّ الاعتداء، أو على حقوق الله تعالى في أمره ونهيه دون حقّ الناس، كتناول الخنزير أو الميتة. ويعمّ الاعتداءُ في سياق النهي جميع جنسه ممّا كانت عليه الجاهلية من العدوان، وأعظمه الاعتداء على الضعفاء كالوأْد، وأكللِ مال اليتيم، وعضل الأيامَى، وغير ذلك. وجملة {إنّ الله لا يحبّ المعتدين} تذييل للّتي قبلها للتحذير من كلّ اعتداء. وقوله: {وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً} تأكيد للنهي عن تحريم الطّيبات وهو معطوف على قوله: {لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم} أي أنّ الله وسّع عليكم بالحلال فلا تعتدوه إلى الحرام فتكفروا النعمة ولا تتركوه بالتحريم فتُعرضوا عن النعمة. واقتُصِر على الأكل لأنّ معظم ما حرّمه الناس على أنفسهم هو المآكل. وكأنّ الله يعرّض بهم بأنّ الاعتناء بالمهمّات خير من التهمّم بالأكل، كما قال {أية : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}تفسير : [المائدة: 93] الآية. وبذلك أبطل ما في الشرائع السابقة من شدّة العناية بأحكام المأكولات. وفي ذلك تنبيه لِهذه الأمّة. وقوله {واتّقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} جاء بالموصول للإيماء إلى علّة الأمر بالتقوى، أي لأنّ شأن الإيمان أن يقتضي التقوى، فلمّا آمنتم بالله واهتديتم إلى الإيمان فكمِّلوه بالتقوى. روي أنّ الحسن البصري لقيَ الفرزدق في جنازة، وكانا عند القبر، فقال الحسن للفرزدق: ما أعدَدْت لهذا. يعني القَبر. قال الفرزدق: شهادة أن لا إله إلاّ الله كذا كذا سنة. فقال الحسن: هذا العمود، فأين الأطْناب.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا تحرموا: التحريم: المنع أي لا تمتنعوا. ما أحل الله لكم: أي ما أباحه لكم وأذن لكم فيه من نكاح وطعام وشراب. حلالاً طيباً: مباحاً غير مستقذر ولا مستخبث. لا يؤاخذكم الله باللغو: لا يعاقبكم الله باللغو الذي هو ما كان بغير قصد اليمين. عقدتم الأيمان: عزمتم عليها بقلوبكم بأن تفعلوا أو لا تفعلوا. من أوسط: أغلبه ولا هو من أعلاه، ولا هو من أدناه. أهليكم: من زوجة وولد. تحرير رقبة: عتقها من الرق القائم بها. يبين الله لكم آياته: المتضمنة لأحكام دينه من واجب وحلال وحرام. معنى الآيات: الآيتان الأولى [87] والثانية [88] نزلتا في بعض الصحابة منهم عبد الله بن مسعود وعثمان بن مظعون وغيرهما كانوا قد حضروا موعظة وعظهم إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة. وعزموا على التبتل والانقطاع عن الدنيا فأتوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسألوها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه فكأنهم تقالوه ذلك فقال أحدهم: أنا لا آتي النساء، وقال آخر: أنا أصوم لا أفطر الدهر كله وقال آخر: أنا أقوم فلا أنام، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس، وقال: "حديث : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وإني وأنا رسول الله لآكل اللحم، وأصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" تفسير : ونزلت هذه الآية، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} من طعام وشراب ونساء، {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} بمجاوزة ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم فإن الله تعالى ربكم {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً} أما الحرام فلا يكون رزقاً لكم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوه بترك الغلوّ والتنطع المفضي بكم إلى الترهب ولا رهبانية في الإِسلام. {ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي رباً يشرع فيحلل ويحرم، وإلهاً يطاع ويعبد، هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} فقد نزلت لما قال أولئك الرهط من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم (لقد حلفنا على ما عزمنا عليه من التبتل فماذا نصنع بأيماننا) فبين لهم تعالى ما يجب عليهم في أيمانهم لما حنثوا فيها بعدولهم عما حلفوا عليه فقال: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} وهو ما لا قصد للحلف فيه وإنما جرى لفظ اليمين على اللسان فقط نحو: لا والله أو بلى والله، ومثله أن يحلف على الشيء يظنه كذا فيظهر على خلاف ما ظن، {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} أي قصدتموها عازمين عليها، فمن حنث بعد الحلف فالواجب في حقه خروجاً من الإِثم كفَّارة وهي {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} لكل مسكين نصف صاع أي مدَّان من أعدل {مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} ما هو بالأجود الغالي، ولا بالأردأ الرخيص، {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} كقميص وعمامة، أو إزار ورداء، {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي عتق رقبة مؤمنة ذكراً كان أو أنثى صغيرة أو كبيرة فهذه الثلاثة المؤمن مخّير في التكفير بأيها شاء، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام مفرقة أو متتابعة كما شاء هذا معنى قوله تعالى {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}، وقوله {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} أي هذا الذي بين لكم هو ما تكفِّرون به ما علق بنفوسكم من إثم الحنث. وقوله {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} أي لا تكثروا الحلف فتحنثوا فتأثموا فتجب عليكم الكفارة لذلك. وقوله تعالى: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} معناه مثل هذا التبيين الذي بينه لكم في مسألة الحنث في اليمين والكفارة له يبين لكم آياته المتضمنة لشرائعه وأعلام دينه ليعدكم بذلك لشكره بطاعته بفعل ما يأمركم به وترك ما ينهاكم عنه، فله الحمد والمنة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة تحريم ما أباح الله، كحرمة تحليل ما حرم الله عز وجل. 2- بيان مدى حرص الصحابة على طاعة الله خوفاً من عقابه وطمعاً في إنعامه. 3- حرمة الغلو في الدين والتنطع فيه. 4- بيان كفارة اليمين بالتفصيل. 5- كراهة الإِكثار من الحلف. وحرمة الحلف بغير الله تعالى مطلقاً. 6- استحباب حنث من حلف على ترك مندوب أو فعل مكروه، وتكفيره على ذلك أما إذا. حلف أن يترك واجباً أو يأتي محرماً فإن حنثه واجب وعليه الكفارة. 7- الأيمان ثلاثة: لغو: يمين لا كفارة لها إذا لا إثم فيها، الغموس: وهي أن يحلف متعمداً الكذب ولا كفارة لها إلا التوبة، اليمين المكفَّرة: وهي التي يتعمد فيها المؤمن الحلف ويقصده ليفعل أو لا يفعل ثم يحنث فهذه التي ذكر تعالى كفارتها وبينها.
القطان
تفسير : عندما نزلت الآيات السابقة، وفيها مدح للقسيسين والرهبان، ظن بعض المؤمنين ان في هذا ترغيبا في الرهبانية، ودعوةً إلى ترك الطيبات من الطعام واللباس والنساء، فأزال الله تعالى هذا الظن بهذا النهي الصريح. ذلك ما يرويه كثير من المحدّثين. فقد "حديث : روى الطبري: ان عثمان بن مظعون وعلي بن ابي طالب وعبد الله بن مسعود والمقداد بن الأَسْود، وسالماً مولى ابي حذيفة، وقدامة بن مظعون تبتّلوا فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح وحرّموا طيبات الطعام واللباس، وهمّوا بالاختصاء واجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار، فنزلت هذه الآية. فلما نزلت، بعثَ اليهم رسول الله فقال: "ان لأنفسكم حقاً، وان لأعينكم حقاً، وان لأهلكم حقا، فصلّوا وناموا، وصوموا وأفطِروا، فليس منا من ترك سنّتنا". فقالوا: اللهمّ صدّقْنا واتبعنا ما انزلت مع الرسول. "تفسير : والمعنى: يا أيها الذين آمنوا، لا تحرّموا على أنفسكم ما احلّ الله لكم من الطيبات، ولا تتجاوزوا الحدود التي شرعها الله لكم من التوسط في الأمور: ان الله لا يحب ذلك. كُلوا مما اعطاكم الله من الرزق الحلال، ولا تعتدوا بالتضييق على انفسكم مما لم يكلّفكم به الله. من محاسن شرعنا انه يميل دائما الى التوسط في الأمور، وعلينا ان نقتدي بالرسول الكريم عليه صلوات الله، فانه كان يأكل أطيب الطعام، إذا وجد، وتارة يأكل اخشنه، وحينا يجوع، واخرى يشبع، ويحمد الله على الحالين.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {طَيِّبَاتِ} (87) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالُوا: نَقْطَعُ مَذَاكِيرَنَا، وَنَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيا، وَنَسيحُ فِي الأرْضِ كَمَا يَفْعَلُ الرُّهْبَانُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ: وَلَكِنَّنِي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأنَامُ وَأنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمْنَ أخَذَ بِسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَأخُذُ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي. وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَة يَأمُرُ فِيهَا المُؤْمِنِينَ بِألاّ يُحَرِّمُوا الطَّيِّبَاتِ التِي أحَلَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، لأنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أنْ يَسْتَعْمِلَ عِبَادُهُ نِعَمَهُ فِيمَا خُلِقَتْ لأجْلِهِ، وَأنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكْرَهُ أنْ يَجْنُوا عَلَى الشَّرِيعَةِ التِي شُرِعَتْ لَهُمْ فَيَغْلُوا فِيهَا بِإبَاحَةِ مَا حَرَّمَ، أَوْ تَرْكِ مَا أحَلَّ وَفَرَضَ. لا تَعْتَدُوا - لاَ تُجَاوِزُوا حُدُودَ اللهِ، فَتُحَرِّمُوا مَا أحَلَّ، أَو تُحِلُّوا مَا حَرَّمَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن فأمر التحريم موكول إلى خالق الآله الإنسانية، وأمر التحليل موكول إلى خالق الآله الإنسانية. وأنت أيها الإنسان لا تتدخل في ذلك أبداً. لأن تدخل الإنسان يكون أحياناً بتحريم ما أحل الله، وأحياناً يكون تدخل الإنسان بتحليل ما حرم الله. إياك أيها الإنسان أن تحرم ما أحل الله لك، وإياك أن تحلل ما حرم الله عليك. ونحن هنا أمام مراحل عدة، لا تعتقد أن هناك أمراً حلله الله هو حرام، ولا تقل إن هناك أمراً حلله الله هو حرام، ولا تمتنع عن أمر حلله الله ظناً أنه حرام، ولا تُفْتِ بأمر حلله الله على أنه حرام، ولا تجعل أمراً حلله الله فتحرمهَ على نفسك، فلا ينذر أحد ألا يأكل لحم الضأن أو البرتقال - على سبيل المثال - لأن النذر في ذلك ليس حلالاً، لأن تحريم الأشياء المحللة بالنذر هو أمر محرم. ولذلك علمنا الحق قائلاً لرسوله: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ} تفسير : [التحريم: 1]. لا بد لنا أن نعى ذلك الأمر وأن نعرف مراحله: لا تعتقد، لا تقل، لا تمتنع، لا تُفْتِ، لا تنذر، لماذا؟ لأن في ذلك اعتداء. يقول الحق تبارك وتعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87]. وما الاعتداء؟ إنه تجاوز الحد فيما حرم الله أو فيما حلل الله. أي أن الله يحب من يقف عند الحدود. وهو سبحانه يقول مرة: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} تفسير : [البقرة: 187]. ومرة يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} تفسير : [البقرة: 229]. فهي المنهيات: لا تقترب. وفي ما أحله الله: لا تتعدَّ؛ لذلك جاء القول على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحلال بين والحرام بين وبينهما مُشْتَبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المُشْتَبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه؛ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". تفسير : إذن فكل كائن له مميزات وله مهمة في الوجود. وأنت أيها الإنسان لا تقلب الوسيلة إلى غاية، فهناك كثير من المخلوقات هي وسائل ولا تصلح أن تكون غايات؛ ولذلك أمرنا الحق بأن نأخذ ما ننتفع به مباشرة وأن نترك الأشياء التي حرمها علينا؛ فلا نقرب - على سبيل المثال - لحم الخنزير؛ لأن الخنزير مخلوق ليخلصك من الميكروبات، فإن أكلته تكون قد قلبت الوسيلة إلى غاية. وعليك أيها الإنسان أن تحتفظ بالوسيلة كوسيلة وأن تحتفظ بالغاية كغاية. والذي يحدد لك ذلك هو من صنعك . . إنه الله. ودليل ذلك أن خصوم الإسلام يكتشفون كل يوم المميزات التي جاء بها الإسلام فيتجهون إليها. إن الله بتحريمه وبإيماننا بهذا التحريم منعنا من متاعب التجربة إلى أن تثبت، والكفار الذين لم يأمنوا اضطرتهم الظروف إلى تناوله، وعلى ذلك فكل شيء محلل أو محرم بأوامر الله يظهر لنا فائدته أو ضرره طبقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصلت: 53]. إذن فلا اعتقاد في شيء حلال أنه حرام ولا قول بمثل ذلك ولا امتناع عنه ولا يفتي إنسان بمثل ذلك. ويأتي الأمر: {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ}. ونعرف أن الاعتداء إنما هو أن نتجاوز الحد فيما حرم أو فيما حلل، والحق سبحانه يحب من يقف عند حدود الله. فلا يقربها الإنسان حتى لا تحدثه نفسه بمعصية. وعندما يبتعد المسلم عنها فهو يتقي الشبهات. والحق يبين لنا قد أحللت لكم كذا وحرمت عليكم كذا وهو الخالق. فيجب أن نأخذ من الخالق مواصفات ما يبقي لنا الحياة؛ هذا الإبقاء هو ما نصنعه نحن حينما نخترع آلة توفر علينا الحركة وتعطينا الثمرة بأقل مجهود، فحين يصنع الصانع آلة من الآلات يصنع لها ما يوجد لها الطاقة لتقوم بعملها، ولا يستطيع المستعمل لهذه الآلة أن يغير وقود هذه الطاقة، فإن غير نوع الطاقة، فالآلة لا تؤدي مهمتها. فما بالنا بالذي خلق؟ إنه حين يوضح أنّ هذه الآلة لا تصلح إلا بما أحللت، ولا يصح أن تدخل عليها ما حرمت عليك. هنا يجب أن نطيع الخالق؛ لأنه هو الذي يعلم ما يصلح لنا وما لا يصلح. ولم يدع أحد في الكون أنه خلق نفسه، فلنرد اقتياتنا وحفظ حياتنا إلى خالقنا، ولنأخذ ما حلله ونبعد عما حرمه، فالآلة - الإنسان - تصلح بأن تفعل الحلال وأن تترك فعل الحرام. إذن هناك أشياء تُفعل، وهناك أشياء لا تُفعل. وهناك أشياء لم يأت فيها الحل أو الحرمة، فإن أقبل عليها الإنسان فهي تصلح، وإن لم يقبل عليها الإنسان فهي تصلح أيضاً. والحق سبحانه وتعالى يوضح: أنكم لم تخلقوا هذه الآلة - الإنسان - وأنا الذي خلقتها، فإنا أعلم بما يعطيها مدد الطاقة ومدد البقاء، فإن صنعتم غير ذلك كنتم معتدين. ولذلك يخاطب الحق الذين آمنوا بأنه خلقهم من عدم وأمدهم من عدم ورزقهم لاستبقاء حياتهم ونوعهم، وعليهم أن يأخذوا من الله هذه الأحكام: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}. وسبحانه يوضح: إن الذي يؤمن بأني إله فليأخذ مني مواصفات استبقاء حياته. وعندما يقول سبحانه ذلك فلا بد أن يكون هناك سبب داعٍ لهذا القول ولما نزل قوله - سبحانه -: {أية : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّا نَصَارَىٰ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [المائدة: 82]. الحق جاء في هذا القول الكريم بحيثيات مدحهم وحيثيات قربهم من مودتنا، فمنهم القسيسون والرهبان الذين زهدوا في الحياة. ولما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بكوا واجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وفيهم أبو بكر الصديق وعمر وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك أي الدسم. ويجبوا المذاكير ويسيحوا في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه فقال: "حديث : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ". تفسير : وأنزل الحق سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87]. وكلمات الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته وللناس منطقية، فإذا كانوا يريدون أن يمتنعوا عن طبيات ما أحل الله حتى يعلنوا الزهد مثل السابقين عليهم، ومن يريد الرهبنة أَلا يصلي؟ أنه يقيم الصلاة؛ والصلاة لا بد لها من حركة، والحركة لا بد لها من قوة، والصلاة لا بد لها من ستر العورة، وستر العورة يقتضي اللباس، وهذا اللباس يحتاج إلى تفكير من أين يأتي هذا. القماش يأتي من تاجر أقمشة، وتاجر الأقمشة لا بد أنه يأتي به من المصانع التي تنسجه، والمصانع التي تنسجه لا بد أن تأتي من المصانع التي غزلته، والمصانع التي غزلته لا بد أن تأتي به من المحالج التي حلجت، ثم لا بد من الحيوانات التي أخذ منها إن كان صوفاً، وأن تُربى وتربيتها تحتاج إلى زراعة. إذن فكل هذه الأشياء تتطلب حركة واسعة، أنت لا تشعر بها إلا حين تحتاج إلى الثوب. فإن كنت تريد أن تنقطع للعبادة فإياك أن تنتفع بحركة من يقيم أركان الإسلام، ويتحرك في الحياة في ضوء منهج الله ساعياً إلى الرزق، وهذا أمر لا يتأتى. وأيضاً، ألا يأكل الذي يريد الانقطاع إلى العبادة؟ إنه يأكل ليقوم إلى الصلاة. وكلنا يعرف كيف يجيء رغيف الخبز. صحيح أن الإنسان يذهب إلى المخبز ليشتري رغيف الخبز، والمخبز جاء بالدقيق من المطحن. والمطحن جاءته الغلال من المخازن، والغلال جاءت من الذي زرع. والذي زرع احتاج إلى الآت تحرث وآلات تغرس وإلى آلات تجنى، وبعد ذلك احتاج إلى أشياء أخرى كالسماد وغيره، إن هذا يحتاج إلى طاقة هائلة. إذن فالإنسان في حركته في الصلاة محتاج إلى كل هذه الأعمال، فإياك أن أردت أن تعتزل الحياة أن تنتفع بعمل من لم يعتزل الحياة. والعمل الذي لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولذلك يكون على ولي الأمر إن رأى حرفة يتطلبها الوجود الإنساني والوجود الإيماني ولم يذهب إليها أناس طوع أنفسهم عليه أن يلزم قوماً بأن يفعلوها. وكل صناعة هي فرض كفاية إن قام بها البعض سقطت عن الباقين. وإن لم يقم بها البعض أثم الجميع. إذن فلا بد من حركة الحياة. وحركة الحياة تُسْلم حلقة إلى حلقة أخرى. فلا تأخذ الثمرة وأنت مع ذلك تعتزل الحياة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ}. إنكم إن فعلتم ذلك تكونوا قد أخذتم صفة المشرع واعتديتم على حقه في أن يحلل وأن يحرم، وهذا اعتداء. وإذا كان الله قد حرم أشياء وحلل أشياء فهذا بمقتضى صلاحية الأشياء المحللة للإنسان. وعلى الإنسان أن ينظر إلى الأشياء الموجودة المحرمة على أنها رزق غير مباشر لأنها وسيلة إلى رزق مباشر، كما عرفنا أننا نستخلص من سم الثعبان علاجاً، إذن فالثعبان مخلوق لمهمة تخدم الإنسان. والعالم كله حلقات، حيوانات تستفيد من أذى بعضها إلى أن يصل الخير كله إلى المؤمن، فلا يقولن إنسان "لماذا خلق إذا كان قد حرم". فلا تعتد لتحلل ما حرمه الله وتحرم ما حلله الله، فبترك الاعتداء ينتظم الوجود، وحين ينظر الإنسان إلى الغابة يجد أن لكل حيوان مهمة مع غيره، هذه المهمة تؤدي إلى الصلاح فيما يصلح للإنسان. لقد حرم الحق بعض الأشياء كرزق مباشر؛ لأنها رزق غير مباشر. والرزق المباشر هو ما يأكله الإنسان مباشرة وما يلبسه، والرزق غير المباشر هو وسيلة إلى الرزق المباشر، وما حرمه الله هي أشياء مخلوقة كوسائل إلى صحة غيرها. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} أي لا تجعلوا الحرام حلالاً، ولا تجعلوا الحلال حراماً، و "لا تعتدوا" أي كلوا من الطبيات دون أن تتجاوزوا الحد، وهذا هو معنى قوله الحق: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} تفسير : [الأعراف: 31]. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ...}
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية ذكروا سبب نزولها في قصة مطولة ملخصها أن جماعة من الصحابة عزموا على التقشف المفرط والعبادة الدائمة من الصيام الدائم وترك إتيان النساء واللحم والودك والطيب ولبس المسوح والسياحة في الأرض وحب المذاكير، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهباناً وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ومستلذاتها أوهم ذلك المدح ترغيب المسلمين في مثل ذلك التقشف والتبتّل فبين تعالى أن الإِسلام لا رهبانية فيه. وقال عليه السلام: حديث : أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء وأنال الطيب فمن رغب عن سنتي فليس منيتفسير : . وأكل النبي صلى الله عليه وسلم الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل. والطيبات هنا: المستلذات من الحلال، ومعنى لا تحرمونها لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا حرّمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً. {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} الآية تقدم تفسير مثلها في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً}تفسير : [البقرة: 168] {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} وهذا تأكيد للتوصية بما أمر به وزاد تأكيداً بقوله: {ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} لأن الإِيمان به يحمل على التقوى في امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ} الآية تقدم الكلام على تفسيرها. ومعنى عقدتم وثقتم بالقصد والنية، وقرىء عاقدتم وعقدتم. وقال أبو علي الفارسي: يحتمل أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص. "انتهى". وليس مثله لأنك لا تقول طرقت النعل وعقبت اللص بغير ألف. وهذا تقول فيه: عاقدت اليمين وعقدت اليمين. قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم. فجعله بمعنى المجرد هو الظاهر كما ذكرناه. والإِيمان: جمع يمين، واليمين المنعقدة بالله أو بأسمائه أو بصفاته. وقال الإِمام أحمد: إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه لأنه حلف بما لا يتم الاِيمان إلا به، وفي بعض الصفات تفصيل وخلاف ذكر في كتب الفقه. {فَكَفَّارَتُهُ} الضمير عائد على ما ان كانت ما موصولة إسمية وهو على حذف مضاف التقدير بحنث الذي عقدتم عليه الإِيمان، وإن كانت مصدرية عاد الضمير على ما يفهم من المعنى وهو إثم الحنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن يقتضيه المعنى. و{مَسَاكِينَ} أعم من أن يكونوا ذكوراً أو إناثاً أو من الصنفين. والظاهر تعداد الأشخاص فلو أطعم مسكيناً واحداً للكفارة عشرة أيام لم يجز له. وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجزىء. وتعرضت الآية لجنس ما يطعم منه وهو من أوسط ما تطعمون ولم تتعرض لمقدار ما يطعم كل واحد هذا الظاهر. وقد رأى مالك وجماعة أن هذا التوسط هو في القدر. ورأى جماعة أنه في الصنف وبه قال ابن عمر وغيره. وقال ابن عطية: الوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف. "انتهى". وقال مالك والشافعي: مد لكل مسكين بمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو حنيفة: نصف صاعٍ من برا وصاع من تمر. والظاهر أنه لا يجزىء إلا الإِطعام بما فيه كفاية وقتاً واحداً فإِن غداهم وعشاهم أجزأه، وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي: من شرط صحة الكفارة تمليك الطعام للفقراء فإِن غداهم وعشاهم لم يجزه، وبه قال ابن جبير والحكم، والظاهر أنه لا يشترط الادام. وقال ابن عمر: الأوسط الخبر والتمر والزبيب وخير ما نطعم أهلينا الخبز واللحم. وعن غيره الخبز والسمن. وقال ابن سيرين: أفضله اللحم وأوسطه السمن وأحسنه الخبز مع التمر. وروي عن أبي مسعود مثله. وقال ابن حبيب: لا يجزىء الخبز قفاراً ولكن بإِدام زيت أو لبن أو لحم ونحوه. والظاهر أن المراعي ما يطعم أهله الذين يختصون به آي من أوسط ما يطعم كل شخص أهله وقيل المراعى عيش البلد فالمعنى من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة من مدينة أو صقع، ومن أوسط في موضع مفعول ثان لإِطعام، والأول هو عشرة مساكين أي طعاماً من أوسط، والعائد على ما من ما تطعمون محذوف تقديره تطعمونه. وجمع أهل جمع تكسير، قالوا: أهال وجمع سلامة بالواو والنون رفعاً وبالياء والنون نصباً وجراً وهو شاذ في القياس، وأهليكم هو المفعول الأول وعلامة النصب فيه الياء، والمفعول الثاني هو الضمير المقدر في تطعمونه. {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} هذا معطوف على قوله: {إِطْعَامُ}، والظاهر أن الكسوة هي مصدر وأن كان يستعمل لثوب الذي يستر ولما لم يذكر مقدار ما يطعم ولم يذكر مقدار الكسوة، وظاهره مطلق الكسوة، وأجمعوا على أن القلنسوة بانفرادها لا تجزىء، وللعلماء اختلاف كثير فيما يكسى به الفقير في الكفارة مذكور في كتب الفقه. والظاهر إطلاق الإِطعام والكسوة والرقبة، ويجزىء ما دل عليه الإِسم مما جرت به العادة. والظاهر حصول الكفارة بتحرير ما يصدق عليه رقبة من غير اعتبار شيء آخر فيجزىء عتق الكافر وذي العاهة، وبه قال داود وجماعة من أهل الظاهر، وقال مالك: لا يجزىء كافر ولا أعمى ولا أبرص ولا مجنون. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أحد هذه الثلاثة التي وقع فيها التخيير من الإِطعام والكسوة والتحرير فالواجب عليه صيام ثلاثة أيام. ومن لم يجد شرطية، وما بعده جملة الجزاء وقدرناه فالواجب عليه، فالهاء في عليه عائدة على من، وصيام خير. {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} أي ذلك المذكور. واستدل بهذا الشافعي على جواز التكفير بعد اليمين وقبل الحنث وفيها تنبيه على أن الكفارة قبل اليمين لا تجوز، وذهب الجمهور إلى أن التكفير لا يكون إلا بعد الحنث، فهم يقدرون محذوفاً أي إذا حلفتم وحنثتم. {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية نزلت بسبب قصة سعد بن أبي وقاص حين شرب طائفة من الأنصار والمهاجرين وتفاخروا فقال سعد: المهاجرون خير. فرماه أنصاري بلحمي جمل فغزر أنفسه. وتقدم الكلام على الخمر والميسر في البقر وذكروا حد الأنصاب في قوله: {أية : وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ} تفسير : [المائدة: 3] والأزلام في قوله: {أية : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ} تفسير : [المائدة: 3]، في أوائل هذه السورة. {رِجْسٌ} قال الزجاج الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل. يقال: رجس الرجل يرجس رجساً إذا عمل عملاً قبيحاً. وقال ابن دريد: الرجس الشر. ولما كان الشيطان هو الداعي إلى التلبس بهذه المعصية والمغري بها جعلت من عمله وفعله ونسبت إليه على جهة المجاز والمبالغة في كمال تقبيحه كما جاء {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ}تفسير : [القصص: 15]، والضمير في فاجتنبوه عائد على الرجس المخبر به عن الأربعة فكان الأمر باجتنابه متناولاً لها. وقال الزمخشري: فإِن قلت: إلى م يرجع الضمير في قوله: فاجتنبوه؟ قلت: إلى المضاف المحذوف. كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما وما أشبه ذلك ولذلك قال: رجس من عمل الشيطان. "انتهى". ولا حاجة إلى تقدير هذا المضاف بل الحكم على هذه الأربعة أنفسها أنها رجس أبلغ من تقدير ذلك المضاف كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}تفسير : [التوبة: 28]. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ} الآية ذكر تعالى في الخمر والميسر مفسدتين إحداهما دنيوية والأخرى دينية فاما الدنيوية فإِن الخمر تُثير الشرور والحقود وتؤول بشرابها إلى التقاطع، وأما الميسر فإِن الرجل لا يزال يقامر حتى يبقى سلبياً لها شيء له وينتهي من سوء الصنيع في ذلك إلى أن يقامر حتى على أهله وولده فيؤدي به ذلك الحال إلى أن يصير أعدى عدو ولمن قمره وغلبه لأن ذلك يؤخذ منه على سبيل القهر والغلبة، وأما الدينية فالخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذّّ الجسمانية تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة والميسر إن كان غالباً به انشرحت نفسه ومنعه حب الغلب والقهر والكسب عن ذكر الله تعالى وإن كان مغلوباً فما حصل له من الانقباض والندم والاحتيال إلى أن يصير غالباً لا يخطر بقلبه ذكر الله تعالى فأفرد الخمر والميسر هنا وإن كان قد جمعا مع الأنصاب والأزلام. قيل: لأن الخطاب كان للمؤمنين وإنما ذكر معهما الأنصاب والأزلام تأكيداً لقبح الخمر والميسر وتبعيداً عن تعاطيهما فنزلا في الترك منزلة ما قد تركه المؤمنون من الأنصاب والأزلام والعداوة تتعلق بالأمور الظاهرة وعطف عليها ما هو أشد منها وهو البغضاء لأن متعلقها القلب، كذلك ذكر الله عطف عليه ما هو ألزم وأوجب وآكد وهو الصلاة وفيما ينتجه الخمر والميسر من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر وعن الصلاة أقوى دليل على تحريمها وعلى أن ينتهي المسلم عنها، ولذلك جاء بعد: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} وهذا الاستفهام من أبلغ ما ينهى به كأنه قيل قد تلى عليكم ما فيها من المفاسد الدنيوية والدينية التي توجب الانتهاء فهل أنتم منتهون أم باقون على حالكم مع علمكم بتلك المفاسد وجعل الجملة إسمية، والمواجهة لهم بأنتم أبلغ من جعلها فعلية. وقيل: هو استفهام تضمن معنى الأمر أي فانتهوا، ولذلك قال عمر: انتهينا يا رب. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} هذا أمر والأحسن أن لا يقيد الأمر هنا بل أمروا أن يكونوا طائعين دائماً حذرين لأن الحذر مدعاة إلى عمل الحسنات واتقاء السيئات. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي فإِن أعرضتم فليس على الرسول إلا أن يبلغ أحكام الله وليس عليه خلق الطاعة فيكم ولا يلحقه من توليكم شيء بل ذلك لاحق بكم، وفي هذا من الوعيد البالغ ما لا خفاء به إذ تضمن أنّ عقابكم إنما يتولاه المرسل لا الرسول. ووصف البلاغ بالمبين اما لأنه بين في نفسه واضح. وإما لأنه مبين لكم أحكام الله.
الجيلاني
تفسير : ثم لمَّا بلغ النصارى في الإعراض والترهب عن حظوظ الدنيا والذاتها إلى حيث يحرمون على أنفسهم ما أحلَّ الله لهم، وأفرطوا فيه إلى حيث لم يبق مزاجهم على الاعتدال الذي جبلوا عليه، أراد سبحانه أن ينبه على المؤمنين طريقاً مستقيماً، وسبيلاً واضحاً متوسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط؛ لئلا يؤدي إلى تخريب المزاج وتحريفه؛ إذ للحق سبحانه في إيجاد الأمزجة صنائع عجيبة، وبدائع غريبة منتشئة عن محض الحكمة الجامع لجميع الأوصاف الذاتية الإلهية من العلم والقدرة والإرادة وغيرها. فقال منادياً: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} صدِّقوا بدين الإسلام، وامتثلوا ما أمروا فيه ونهوا عنه، عليكم أن {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} في دينكم {وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ} عن حدود الله؛ ترهباً وتزهداً، مفضياً إلى الرياء والسمعة {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لعباده {لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] المجاوزين عن مقتضى تدبيره وإصلاحه. {وَ} إذا سمعتم من الحق ما سمعتم {كُلُواْ} من طيبات {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً} غير مسرفين في أكلها {طَيِّباً} من كدِّ يمينكم، وعرق جبينكم مقدار ما يقوم مزاجكم ويقويكم على إقامة أمر الله وأحكامه {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]. موقنون مخلصون عن مجاوزة حدوده وارتكاب محظوراته، واحذروا عن بطشه وانتقامه واعلموا أن خير قوتكم في دنياكم تقواكم ورضاكم، لذلك أوصاكم سبحانه. ومن جملة الأمور التي تجب محافظتها عليكم في معاشكم،؛ لتكونوا مع المتقين المبرورين عند الله ألاَّ تجترئوا على اليمين والحلف بالله في الوقائع والعقود، سيما على وجه الكذب قصداً واختياراً حتى لا تنحطوا عن مرتبة العدالة الفطرية، ولا تحلقوا بالأخسرين {أية : ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الكهف: 104] إلا أن تصدر عنكم هفوة بغتة بلا قصد على ما هو المتعارف عند العرب في أثناء أكثر الكلام: "لا والله" بلا إغراء وتمويه، فإنه معفوٌّ عنكم. كما قال سبحانه: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ} المجازي عن أعمالكم {بِٱللَّغْوِ} الصادر منكم {فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} بلا قصد وتغرير {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم} ويعذبكم {بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} أي: بالعقود التي وثقتموها بالأيمان، وحنثتم فيها، فعليكم بعدما حنثتهم أن تجبروها بالكفارة {فَكَفَّارَتُهُ} المسقط نكاله {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} اي: كساوتهم على هذا الوجه {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} على تفاوت رتبكم ودرجاتكم عسراً أو يسراً. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} شيئاً منها {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} أي: فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متوالية؛ زجراً للنفس، وجبراً لما انكسر من المروءة الفطرية {ذٰلِكَ} المذكور {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} جازمين حقيته وحنثتم، وأمَّا إذا حلفتم كذباً وزوراً - والعياذ بالله - فنكاله لا يسقط عنكم إلا بخلاص التوبة الندامة المؤكدة {وَٱحْفَظُوۤاْ} أيها المؤمنون {أَيْمَانَكُمْ} التي حلفتم بها في مواقعها عن شوب الكذب والشك، بل عن شوب الظن أيضاً إن أردتم أن تبروا فيها، وتقسطوا عند الله، {كَذٰلِكَ} الذي وعظتم به {يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} الدالة على توحيده {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89] رجاء أن تتحققوا في مقام الشكر، تصرفوا ما وهب لكم من العطايا إلى ما اقتضته حكمته.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } من المطاعم والمشارب، فإنها نعم أنعم الله بها عليكم، فاحمدوه إذ أحلها لكم، واشكروه ولا تردوا نعمته بكفرها أو عدم قبولها، أو اعتقاد تحريمها، فتجمعون بذلك بين القول على الله الكذب، وكفر النعمة، واعتقاد الحلال الطيب حراما خبيثا، فإن هذا من الاعتداء. والله قد نهى عن الاعتداء فقال: { وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم على ذلك. ثم أمر بضد ما عليه المشركون، الذين يحرمون ما أحل الله فقال: { وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا } أي: كلوا من رزقه الذي ساقه إليكم، بما يسره من الأسباب، إذا كان حلالا لا سرقة ولا غصبا ولا غير ذلك من أنواع الأموال التي تؤخذ بغير حق، وكان أيضا طيبا، وهو الذي لا خبث فيه، فخرج بذلك الخبيث من السباع والخبائث. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه. { الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإن إيمانكم بالله يوجب عليكم تقواه ومراعاة حقه، فإنه لا يتم إلا بذلك. ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالا عليه من طعام وشراب، وسرية وأمة، ونحو ذلك، فإنه لا يكون حراما بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين، كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } تفسير : الآية. إلا أن تحريم الزوجة فيه كفارة ظهار، ويدخل في هذه الآية أنه لا ينبغي للإنسان أن يتجنب الطيبات ويحرمها على نفسه، بل يتناولها مستعينا بها على طاعة ربه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} [87] 170- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، ووكيع، عن إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء، فقلنا: يا رسول الله، ألا نستخْصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} .
همام الصنعاني
تفسير : 718- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}: [الآية: 87]، قال: نزلت في أُناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. أرادوا أن يتخلصوا عن الدّنيا ويتركوا النّساء، مِنْهُم: عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن مَظْعُون. 719- عبد الرزاق، قال: حدّثنا مَعْمَر، عن أيُّوب، عن أبي قُلابَة، قال: أرادَ أناسُ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَرْفُضُوا الدنيا، ويتركوا النِّساء ويترهَّبُوا فقَام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فَغلَّظ فِيهْم المقالة، ثُمّ قالَ: "حديث : إنّما هلك مَنْ كَانَ قبلكم بالتشديد فشَّددزوا فشُدَّ علَيْهِم، فأولئك بَقَايَاهُمْ الديار والصَّوامع. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحُجًُّوا واعتمروا، واستقيموا يُسْتَقَمُ لكُمْ"تفسير : قال: نزلت فيهم: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}: [الآية: 87]. 755- عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فأتى عبد الله بضرعٍ فتنحَّى رجل، فقال عبد الله: ادنُ، إني كنت حرمت الضرع، قال: فتلا عبد الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ}: [الآية: 87]، كُلْ وكَفِّرْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):