Verse. 757 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَكُلُوْا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللہُ حَلٰلًا طَيِّبًا۝۰۠ وَّاتَّقُوا اللہَ الَّذِيْۗ اَنْتُمْ بِہٖ مُؤْمِنُوْنَ۝۸۸
Wakuloo mimma razaqakumu Allahu halalan tayyiban waittaqoo Allaha allathee antum bihi muminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا» مفعول والجار والمجرور قبله حال متعلق به «واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون».

88

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله { وَكُلُواْ } صيغة أمر، وظاهرها للوجوب لا أن المراد ههنا الإباحة والتحليل. واحتج أصحاب الشافعي به في أن التطوع لا يلزم بالشروع، وقالوا: ظاهر هذه الآية يقتضي إباحة الأكل على الاطلاق فيتناول ما بعد الشروع في الصوم، غايته أنه خص في بعض الصور إلا أن العام حجة في غير محل التخصيص. المسألة الثانية: قوله {حَلَـٰلاً طَيّباً } يحتمل أن يكون متعلقاً بالأكل، وأن يكون متعلقاً بالمأكول، فعلى الأول يكون التقدير: كلوا حلالاً طيباً مما رزقكم الله، وعلى التقدير الثاني: كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً طيباً، أما على التقدير الأول فإنه حجة المعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً، وذلك لأن الآية على هذا التقدير دالة على الاذن في أكل كل ما رزق الله تعالى وإنما يأذن الله تعالى في أكل الحلال، فيلزم أن يكون كل ما كان رزقاً كان حلالاً، وأما على التقدير الثاني فإنه حجة لأصحابنا على أن الرزق قد يكون حراماً لأنه تعالى خصص إذن الأكل بالرزق الذي يكون حلالاً طيباً ولولا أن الرزق قد لا يكون حلالاً وإلا لم يكن لهذا التخصيص والتقييد فائدة. المسألة الثالثة: لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، لكن قال {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله} وكلمة (من) للتبعيض، فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض وأصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال: {أية : وَلاَ تُسْرِفُواْ } تفسير : [الأنعام: 141] [الأعراف: 31]. المسألة الرابعة: {أية : وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : يدل على أنه تعالى قد تكفل برزق كل أحد. فإنه لو لم يتكفل برزقه لم قال {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } وإذا تكفل الله برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعد الله تعالى وإحسانه، فإنه أكرم من أن يخلف الوعد، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»تفسير : أما قوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فهو تأكيد للتوصية بما أمر به، زاده توكيداً بقوله تعالى: {أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} فيه مسألة واحدة: الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك. وخصّ الأكل بالذكر؛ لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان. وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وأما شهوة الأشياء الملذة، ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة؛ فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أَحْرى ليذل له قيادها، ويهون عليه عنادها؛ فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها،. ومنقاداً بانقيادها. حُكي أن أبا حازم كان يمرّ على الفاكهة فيشتهيها فيقول: موعِدك الجنة. وقال آخرون: تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها. وقال آخرون: بل التوسط في ذلك أولى؛ لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أُخرى جمع بين الأمرين؛ وذلك النّصف من غير شَيْن. وتقدّم معنى الاعتداء والرزق في «البقرة» والحمد لله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلاً طَيّباً } مفعول والجار والمجرور قبله حال متعلق به {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ }.

ابن عطية

تفسير : {كلوا} في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب. ونحو ذلك، وخص الأكل بالذكر لأنه عظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به، وقالت المعتزلة: الرزق كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه. ويرد عليهم بأنه يلزمهم أن آكل الحرام ليس بمرزوق من الله تعالى وقد خرج بعض النبلاء أن الحرام رزق من قوله تعالى {أية : كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} تفسير : [سبأ:15] قال فذكر المغفرة مشيراً إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام ورد أبو المعالي في الإرشاد على المعتزلة مشيراً إلى أن الرزق ما تملك يلزمهم أن ما ملك فهو الرزق، وملك الله تعالى الأشياء لا يصح أن يقال فيه إنه رزق له. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ألزم غير لازم، فتأمله، وباقي الآية بين. وقد تقدم القول في سورة البقرة في نظير قوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وقوله تعالى: {بما عقدتم} معناه شددتم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو "عقّدتم" مشددة القاف، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي "عقَدتم" خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر "عاقدتم" بألف على وزن فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل لأنه خاطب جماعة والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل من اثنين. ومن قرأ "عقَدتم" فخفف القاف جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة: شعر : قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا تفسير : ومن قرأ "عاقدتم" فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، والآخر أن يراد به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم عليه الإيمان، ويعدى عاقد بـ "على" لما هو في معنى عاهد، قال الله تعالى: {أية : ومن أوفى بما عاهد عليه الله} تفسير : [الفتح:10] وهذا كما عديت {أية : ناديتم إلى الصلاة} تفسير : [المائدة: 58] بـ "إلى" وبابها أن تقول ناديت زيداً و {أية : ناديناه من جانب الطور الأيمن} تفسير : [مريم:52] لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى {أية : ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله} تفسير : [فصلت:33] عديت نادى بـ "إلى"، ثم يتسع في قوله تعالى "عاقدتم" عليه الإيمان فيحذف الجار، ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما عقدتموه الأيمان. كما حذف من قوله تعالى {أية : فاصدع بما تؤمر} تفسير : [الحجر:94] و {الأيمان} جمع يمين وهي الألية سميت يميناً لما كان عرفهم أن يصفقوا بأيمان بعضهم على بعض عند الألية. وقوله تعالى: {فكفارته} معناه فالشيء الساتر على إثم الحنث في اليمين إطعام، والضمير على الصناعة النحوية عائد على ما، ويحتمل {ما} في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، وتحتمل أن تكون مصدرية وهو عائد مع المعنى الذي ذكرناه على إثم الحنث، ولم يجر له ذكر صحيح لكن المعنى يقتضيه و {إطعام عشرة مساكين} معناه إشباعهم مرة، قال الحسن بن أبي الحسن إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكاً مكوكاً، وحكم هؤلاء أن لا يتكرر واحد منهم في كفارة يمين واحدة، وسواء أطعموا أفراداً أو جماعة في حين واحد ولا يجزىء في شيء من ذلك ذمي وإن أطعم صبي فيعطى حظ كبير، ولا يجوز أن يطعم عبد ولا ذو رحم تلزم نفقته، فإن كان ممن لا تلزم المكفر نفقته فقد قال مالك لا يعجبني أن يطعمه، ولكن إن فعل وكان فقيراً أجزأه، ولا يجوز أن يطعم منها غني، وإن أطعم جهلاً بغناه ففي المدونة وغير كتاب أنه لا يجزىء وفي الأسدية أنه يجزىء واختلف الناس في معنى قوله {من أوسط} فرأى مالك رحمه الله وجماعة معه هذا التوسط في القدر، ورأى ذلك جماعة في الصنف، والوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف. فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مداً بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك رطل وثلث من دقيق، وهذا لضيق المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أن يتوسع ولذلك استحسن الغداء والعشاء، وأفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث، قال ابن المواز: ومد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء، قال ابن حبيب: ولا يجزىء الخبز قفاراً ولكن بأدام زيت أو لبن أو لحم أو نحوه، وفي شرح ابن مزين أن الخبز القفار يجزىء، ورأى من يقول إن التوسط إنما هو في الصنف أن يكون الرجل المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالوسط من ذلك، ومذهب المدونة أن يراعي المكفر عيش البلد، وفي كتاب ابن المواز أن المراعى عيشه في أهله الخاص به، وكأن الآية على التأويل الأول معناها من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة من مدينة أو صقع، وعلى التأويل الثاني معناها من أوسط ما يطعم شخص أهله. وقرأ الجمهور "أهليكم" وهو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد "من أوسط ما تطعمون أهاليكم"، وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح "أهال" بمنزلة ليال، كأن واحدها أهلاة وليلاة، والعرب تقول أهل وأهلة ومنه قول الشاعر: شعر : وأهلة ود قد تبريت ودهم تفسير : ويقال ليلة وليلاة وأنشد ابن الأعرابي: شعر : في كل ما يوم وكل ليلاه حتى يقول من رآه إذ رآه يا ويحه من جمل ما أشقاه تفسير : وقرأ الجمهور "أو كِسوتهم" بكسر الكاف يراد به كسوة الثياب وقرأ سعيد بن المسيب وأبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي "أو كُسوتهم" بضم الكاف، وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني "أو كأسوتهم" من الأسوة قال أبو الفتح كأنه قال أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو ككفاية أسوتهم، قال وإن شئت جعلت الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف مضاف. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها على خلاف ما تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق، والعلماء على أن العتق أفضل ذلك ثم الكسوة الإطعام وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر، ورب مدة ومسغبة يكون فيها الإطعام أفضل من العتق لكن ذلك شاذ وغير معهود والحكم للأغلب، واختلف العلماء في حد الكسوة فراعى على قوم نفس اللفظ فإذا كان الحانث المكفر كاسياً والمسكين مكسواً حصل الإجزاء، وهذه رتبة تنحصل بثوب واحد أي ثوب كان بعد إجماع الناس أن القلنسوة بانفرادها لا تجزىء في كفارة اليمين، قال مجاهد: يجزىء في كفارة اليمين ثوب واحد فما زاد، وقال الحسن: الكسوة ثوب لكل مسكين وقاله طاوس، وقال منصور: الكسوة ثوب قميص أو رداء أو إزار قاله أبو جعفر وعطاء وابن عباس، وقال قد تجزىء العباءة في الكفارة وكذلك الشملة، وقال الحسن بن أبي الحسن: تجزىء العمامة في كفارة اليمين، وقال مجاهد: يجزىء كل شيء إلا التبان، وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم الثوب التبان، أسنده الطبري وقال الحكم بن عتيبة: تجزىء عمامة يلف بها رأسه وراعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم لا يجزىء الثوب الواحد إلا إذا كان جامعاً مما قد يتزيى به كالكساء والملحفة، قال إبراهيم النخعي: يجزىء الثوب الجامع وليس القميص والدرع والخمار ثوباً جامعاً. قال القاضي أبو محمد: قد يكون القميص الكامل جامعاً وزياً، وقال بعضهم: الكسوة في الكفارة إزار وقميص ورداء قاله ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن الحسن وابن سيرين وأبي موسى الأشعري أن الكسوة في الكفارة ثوبان لكل مسكين، وعلق مالك رحمه الله الحكم بما يجزىء في الصلاة، وهذا أحسن نظر، فقال: يجزىء في الرجل ثوب واحد، وقال ابن حبيب يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً، وكلام ابن حبيب تفسير، قال مالك: تكسى المراة درعاً وخماراً، وقال ابن القاسم في العتبية: وإن كسا صغير الإناث فدرع وخمار كالكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها لصغير، قال عنه ابن المواز ولا تعجبني كسوة المراضع بحال، فأما من أمر بالصلاة فيكسوه قيمصاً ويجزئه، قال ابن المواز من رأيه: بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجزىء، قال أشهب، تعطى الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزىء وقاله ابن الماجشون، وقوله {أو تحرير رقبة} التحرير الإخراج من الرق، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها، فمنه قوله تعالى عن أم مريم: {أية : إني نذرت لكما في بطني محرراً} تفسير : [آل عمران:35] أي من شغوب الدنيا، ومن ذلك قول الفرزدق: شعر : ابني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال تفسير : أي حررتكم من الهجاء، وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي فيه يكون الغل والتوثق غالباً من الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها، واختلف الناس في صفة المعتق في الكفارة كيف ينبغي أن يكون، فقالت جماعة من العلماء: هذه رقبة مطلقة لم تقيد بأيمان فيجوز في كفارة اليمين عتق الكافر، وهذا مذهب الطبري وجماعة من العلماء، وقالت فرقة كل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ فلا يجزيء في شيء من الكفارات كافر، وهذا قول مالك رحمه الله وجماعة معه، وقال مالك رحمه الله: لا يجزي أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وقال ابن شهاب وجماعة، وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم وفي الخصي، وفي العلماء من رأى أن جميع هذا يجزىء وفرق النخعي فجوز عتق من يعمل أشغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل كالأعمى والمقعد والأشل اليدين، قال مالك رحمه الله: والأعجمي عندي يجزىء من قصر النفقة وغيره أحب إليّ، قال سحنون يريد بعد أن يجيب إلى الإسلام، فإن كان الأعجمي لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين فقال ابن القاسم يجزىء عتقه وإن لم يسلم وقال أشهب لا يجزىء حتى يسلم، ولا يجزىء عند مالك من فيه شعبة حرية كالمدبر وأم الولد ونحوه. وقوله تعالى {فمن لم يجد} معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام او الكسوة أو عتق الرقبة واختلف العلماء في حد هذا العادم الوجد حتى يصح له الصيام، فقال الشافعي رحمه الله وجماعة من العلماء إذا كان المكفر لا يملك إلا قوته وقوت عياله يومه وليلته فله أن يصوم، فإن كان عنده زائداً على ذلك ما يطعم عشرة مساكين لزمه الإطعام، وهذا أيضاً هو مذهب مالك وأصحابه قال مالك في المدونة: لا يجزئه صيام وهو يقدر على أحد الوجوه الثلاثة، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم، وقال ابن المواز: ولا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في البلد لا يعطف عليه فيه، وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: إن كان لحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه، وقال سعيد بن جبير: إن لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم وقال قتادة: إذا لم يكن له إلا قدر ما يكفر به صام، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا كان له درهمان أطعم، قال الطبري: وقال آخرون: جائز لمن لم تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد, وقال آخرون: جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم، وقرأ أبي بن كعب فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكذلك عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال بذلك جماعة من العلماء منهم مجاهد وغيره، وقال مالك رحمه الله وغيره: إن تابع فحسن وإن فرق أجزأ، وقوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم} إشارة إلى ما ذكر من الأشياء الثلاثة وقوله {إذا حلفتم} معناه ثم أردتم الحنث أو وقعتم فيه وباقي الآية وصاة وتوقيف على النعمة والإيمان.

الخازن

تفسير : وقوله تعالى: {وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً} يعني: وكلوا أيها المؤمنون من رزق الله الذي رزقكم وأحله لكم من المطاعم والمشارب. قال عبد الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. وعن ابن عباس:حديث : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت عليَّ اللحم فأنزل الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً}تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وله عن عائشة قالت:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسلتفسير : . وله عن أبي هريرة قال:حديث : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها قالت عائشة: ما كان الذراع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم إلا غباً وكان يعجل إليه الذراع لأنه أعجلها نضجاًتفسير : أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} هذا تأكيد للوصية بما أمر الله تعالى به وزاد التأكيد بقوله الذي أنتم به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى أمر الله به وعما نهى عنه، وفي الآية دليل على أن الله عز وجل قد تكفل برزق كل أحد من عباده فإنه تعالى لو لم يتكفل بذلك لما قال وكلوا مما رزقكم الله وإذا تكفل برزق العبد وجب أن لا يبالغ في الطلب والحرص على الدنيا وأن يعول على ما وعده الله وتكفل به فإنه تعالى أكرم من أن يخلف الوعد.

البقاعي

تفسير : ولما كان الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضياً للتأكيد، أمر بالأكل بعد أن نهى عن الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهيُ فقال: {وكلوا} ورغبهم فيه بقوله: {مما رزقكم الله} أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه. ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: {حلالاً} ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهياً، وصفه امتناناً وترغيباً فقال: {طيباً} ويجوز أن يكون قيداً محذراً مما فيه شبهة تنبيهاً على الورع، ويكون معنى طيبه تيقن حله، فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله ديناً توفّرها على تناول ما هو نهاية في اللذة شهوة وطبعاً، وأن يكون مخرجاً لما تعافه النفس مما أخذ في الفساد من الأطعمة لئلا يضر، قال ابن المبارك: الحلال ما أخذ من جهته، والطيب ما غذّي ونميّ، فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة التداوي، وأن يكون مخرجاً لما فوق سد الرمق في حالة الضرورة، ولهذا وأمثاله قال: {واتقوا الله} أي الملك الذي له الجلال والإكرام من أن تحلوا حراماً أو تحرموا حلالاً، ثم وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند حدوده فقال: {الذي أنتم به مؤمنون *} أي ثابتون على الإيمان به، فإن هذا الوصف يقتضي رعي العهود، وخص سبحانه الأكل، والمراد جميع ما نهي عن تحريمه من الطيبات، لأنه سبب لغيره من المتمتعات، فلما نزلت - كما نقل البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما - هذه الآية قالوا: يا رسول الله! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه - كما تقدم، فأنزل الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله} أي على ما له من تمام الجلال {باللغو} وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد {في أيمانكم} على أني لم أعتمد على سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى، لا لكونه سبباً، فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أحد في آل عمران، وإنما كان السبب هنا داخلاً في مناسبة النظم، لأن تحريم ما أحل يكون تارة بنذر وتارة بيمين، والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد وكفارته كفارة يمين، فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان وأحكامها، فقسمها سبحانه إلى قسمين: مقصود وغير مقصود، فأما غير المقصود فلا اعتبار به، وأما المقصود فقسمان: حلف على ماض، وحلف على آت، فأما الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء، وسيأتي في آية الوصية، وأما الحلف على الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - فذكر حكمه هنا بقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم}. ولما كان مطلق الحلف الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين، أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد القلب، وهو المراد بالكسب في الآية الأخرى، فعبر بالتفعيل في قراءة الجماعة، والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيهاً على أن ذلك هو المراد من قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال {بما عقدتم الأيمان} أي بسبب توثيقها وتوكيدها وإحكامها بالجمع بين اللسان والقلب، سواء كان على أدنى الوجوه كما تشير إليه قراءة التخفيف، أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد، فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط، فلا عقد فيه فضلاً عن تعقيد، و "ما" مصدرية. ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها قوله: {فكفارته} أي الأمر الذي يستر النكث والحنث عن هذا التعقيد، ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم {إطعام عشرة مساكين} أي أحرار مساكين، لكل مسكين ربع صاع، وهو مدمن طعام، وهو رطل وثلث {من أوسط ما} كان عادة لكم أنكم {تطعمون أهليكم} أي من أعدله في الجودة والقدر كمية وكيفية، فهو مد جيد من غالب القوت، سواء كان من الحنطة أو من التمر أو غيرهما. ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفاً ورحمة، عطف على الإطعام ترقياً قوله: {أو كسوتهم} أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما مما يطلق عليه اسم الكسوة {أو تحرير} أي إعتاق {رقبة} أي مؤمنة سليمة عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملاً لمطلق الكفارات على ذلك المقيد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في كفارة إلا اختبر إيمانها، هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير تعيين. والتعيين إليه إذا كان واجداً للثلاثة أو لأحدها، والإتيان بأحدها مبرئ من العهدة، لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على الإبهام، والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام {فمن لم يجد} أي واحداً منها فاضلاً عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته {فصيام} أي فالكفارة صيام {ثلاثة أيام} ولو متفرقة. ولما تم ذلك. أكده في النفوس وقرره بقوله: {ذلك} أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر {كفارة أيمانكم} أي المعقدة {إذا حلفتم} وأردتم نكثها سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده. ولما كان التقدير: فافعلوا ما قدرتم عليه منه، عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة قوله: {واحفظوا أيمانكم} أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلاً، ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم، فإنه سبحانه عظيم، ومن أكثر الحلف وقع في المحذور ولا بد، وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير، ويجوز للمكفر الجمع بين هذه الخصال كلها واستشكل، وحلُّه بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في التلويح في بحث أو: والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمنتع في التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة، لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب، وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال: بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع الجمع ويجب الاقتصار على الواحد. لأنه المأمور به. وإن كان الأصل فيه الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة الأصلية، وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى. ولما اشتملت هذه الآيات من البيان على ما يدهش الإنسان كان كأنه قيل: هل يبين كل ما يحتاج إليه هكذا؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله: {كذلك} أي مثل هذا البيان العظيم الشأن {يبين الله} أي على ما له من العظمة {لكم آياته} أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه. ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحِكَم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نِعَم جسيمة وسنن جليلة عظيمة، ناسب ختمُها بالشكر المُربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة: {لعلكم تشكرون *} أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية.

ابو السعود

تفسير : {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيّباً} أي ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله، فحلالاً مفعول (كلوا)، ومما رزقكم إما حال منه تقدمت عليه لكونه نكرةً، أو متعلق بكلوا، ومِنْ ابتدائية، أو هو المفعول وحلالاً حال من الموصول، أو مِنْ عائدِه المحذوف، أو صفةٌ لمصدرٍ محذوف، أي أكلاً حلالاً، وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} توكيد للوصية بما أَمَر به، فإن الإيمان به تعالى يوجب المبالغة في التقوى والانتهاء عما نهىٰ عنه. {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ} اللغو في اليمين الساقطُ الذي لا يتعلق به حُكم، وهو عندنا أن يحلِف على شيء يظن أنه كذلك وليس كما يظن، وهو قول مجاهد، قيل: كانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظنِّ أنه قُربة، فلما نزل النهي قالوا: كيف بأيْماننا؟ فنزلت، وعند الشافعي رحمه الله تعالى، ما يبدو من المرء من غير قصد كقوله: لا والله وبلى والله، وهو قول عائشةَ رضي الله تعالى عنها، و(في أيمانكم) صلةُ يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر، أو حال منه{وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ} أي بتعقيدكم الأَيمانَ وتوثيقها عليه بالقصد والنية، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقّدتموه إذا حنِثتم أو بنَكْثِ ما عقّدتم، فحُذِف للعلم به، وقرىء بالتخفيف، وقرىء (عاقدتم) بمعنى عقدتم {فَكَفَّارَتُهُ} أي فكفارةُ نكْثِه وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفّرَ الخطيئة وتستُرَها، واستُدل بظاهره عن جواز التكفير قبل الحِنْث، وعندنا لا يجوز ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من حلَف على يمينٍ ورأى غيرَها خيراً فليأتِ الذي هو خيرٌ ثم لْيُكفِّرْ عن يمينه»تفسير : {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي ما أقصَدِه في النوع أو المقدار، وهو نصفُ صاع من بُر لكلِّ مسكين، ومحلُّه النصبُ لأنه صفةُ مفعولٍ محذوف تقديرُه أن تُطعموا عشرة مساكينَ طعاماً كائناً من أوسط ما تطعمون، أو الرفعُ على أنه بدل من إطعام، وأهلون جمعُ أهلٍ كأَرَضون جمع أرض، وقرىء (أهاليكم) بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف، وهذا أيضاً جمع أهلٍ كالأراضي في جمع أرض والليالي في جمع ليل، وقيل: جمع أهلاة {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} عطف على (إطعامُ) أو على محلَّ (من أوسط) على تقدير كونه بدلاً من (إطعام) وهو ثوب يغطي العورة، وقيل: ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار، وقرىء بضم الكاف وهي لغة كقِدوة في قُدوة وإسوة في أُسوة، وقرىء أو (كأُسوتهم) على أن الكاف في محل الرفع تقديره أو إطعامهم كأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً وتقتيراً تواسون بـينهم وبـينهم إن لم تُطعموهم الأوسط {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أي أو إعتاقُ إنسان كيفما كان، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه فيه الإيمان قياساً على كفارة القتل، ومعنى (أو) إيجابُ إحدى الخصال مطلقاً وخيارُ التعيـين للمكلف. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} أي شيئاً من الأمور المذكورة {فَصِيَامُ} أي فكفارتُه صيام {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} والتتابع شرط عندنا لقراءة (ثلاثة أيام متتابعات)، والشافعي رضي الله عنه لا يرى للشواذ حجة {ذٰلِكَ} أي الذي ذكر {كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} أي وحنِثْتم {وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ} بأن تضِنوا بها ولا تبذُلوها كما يُشعر به قوله تعالى: {إِذَا حَلَفْتُمْ}، وقيل: بأن تَبَرّوا فيها ما استطعتم ولم يفُتْ بها خير، أو بأن تكفروها إذا حنِثتم، وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاوناً بها {كَذٰلِكَ} إشارة إلى مصدر الفعل الآتي لا إلى تبـيـينٍ آخَرَ مفهومٍ مما سبق، والكاف مقحمةٌ لتأكيد ما أفاده اسمُ الإشارة من الفخامة، ومحله في الأصل النصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف وأصل التقدير: يبـين الله تبـيـيناً كائناً مثلَ ذلك التبـيـين، فقدم على الفعل لإفادة القصر، واعتُبرت الكاف مقحمةً للنكتة المذكورة، فصار نفسَ المصدر لا نعتاً له، وقد مر تفصيله في قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} تفسير : [البقرة، الآية 143] أي ذلك البـيان البديع {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ} أعلام شريعته وأحكامه لا بـياناً أدنى منه، وتقديم (لكم) على المفعول لما مر مراراً {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} [الآية: 88]. قال بعضهم: رزقك الذى رزقك ما هو من غير حركة منك ولا استشراف، وهو الطيب الحلال يحلك محل الدعة ويطيب قلبك بتناوله.

القشيري

تفسير : الحلال الصَّافي بأن يأكلَ العبدُ ما يأكلُ على شهوده - سبحانه - فإنْ نَزَلَتْ الحالةُ عن هذا فَعَلَى ذِكْرِ - سبحانه - فإنَّ الأكلَ على الغفلة حرامٌ في شريعة الإرادة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} الحلال ما وصل الى المعارف من خوان الغيب بلا كلفة الانسانية من غير طلب ولا اشراف نفس وقد يبدؤ الرفق بالسبب لاهل المعرفة على الظاهر وهم ياخذونه من المسبب بالحقيقة قال بعضهم رزقه الذى رزقك ما هو من غير حركة منك ولا استشراف وهو الطلب الجلال يحلك محل الدعة ويطيب قلبك يتناوله وقال الاستاد مما اباحه من الطيبات الاسترواح اى نسيم القرب فى اوطان الخلوة وتحريم ذلك ان تستبدل تلك الحال الخلصة دون لاعزلة والعشرة دون الخلوة وذلك هو العدوان العظيم والخسران المبين ذكره فى تفسير قوله لا تحرموا طيبات وقال فى قوله {أية : لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ} تفسير : الصافى ان ياكل ما ياكل على شهوده فان نزلت الحال عن هذا فعلى ذكره فان الاكل على الغفلة حرام فى شريعة الارادة ولى فى الحلال والحرام لطيفة وهى ان الحلال الذى يرانه العارف فى خزانة القدرة فياخذ منها بوصف الرضا والتسليم والحرام ما قدر لغيره وهو يجتهد فى طلبه لنفسه لقلة عرفانه بالمحذر فى المقدر وهذا العلم وعذاهم من موائد قربه ورماهم بشهيات نعمه دعاهم بعد ذلك الى طاعته وطاعة رسوله لئى يسقط عليهم اداب الحضرة وعلامات العبودية وظرافه الخدمة وحذرهم فى كتابه من مخالفته طرفة عين بقوله تعالى {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} طاعة الله يكون فى رؤية هيبته وطاعة الرسول يكون بحلاوة محبته والحذر اخراج الحدث عن وصف العدم وحبس الارواح فى منازل الاجلال اى استقيموا فى المعاملات واحذروا عن رؤيتها ورؤية اعواضها حتى لا يحتجبوا بها عن مشاهدة المعطى وايضا الا احذروا فى طاعتى من ضمائر الرياء وفى طاعة رسولى عن ضمائر الشكل واحذر عن كراهية نفوسهم فى الطاعة حتى تصلوا مقام الحرقة عن دعوى الانانية فان طاعتى بالاخلاص والمحبة تصير المطيع بصفة الربوبية وهناك موضع الحضر قال عليه السلام المخلصون على خطر عظيم ولان هناك يفنى الحدث فى العدم ويظن الفانى ان ضرغام مرك الازل نائم قال تعالى {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : قال الواسطى فى هذه الحذر لا تزول عن العبد وان كان مدرجات الصفات ولولا ذلك لبسط العلم إلى شرط الجود وقلة المبالاة بالافعال ولكن الاداب فى اقامة الموافقات كلما اذدادت السرائر به علما ازدادت خشية وايضا قال اطيعوا الله واطيعوا الرسلو واحذروا ان لا تلاحظ طاعاتكم فتسقطوا عن درجة الكمال.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا} اى ما احل لكم وطاب مما رزقكم الله فحلالا مفعول كلوا ومما رزقكم الله حال منه تقدمت عليه لكونه نكرة. قال عبد الله بن المبارك الحلال ما اخذته من وجهه والطيب ما غذى ونمى فاما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذى فمكروه الا على وجه التداوى {واتقوا الله الذى انتم به مؤمنون} تأكيد للوصية بما امر به فان قوله {كلوا حلالا} وان كان المراد به ههنا الاباحة والتحليل الا انه انما اباح اكل الحلال فيفيد تحريم ضده فأكد التحريم المستفاد منه بقوله {واتقوا الله} وزاده تأكيدا بقوله {الذى أنتم به مؤمنون} فان الايمان يوجب التقوى بالانتهاء عما نهى عنه وعدم التجاوز عما حد له. قال الامام قوله تعالى {كلوا مما رزقكم الله} يدل على انه تعالى قد تكفل برزق كل احد فانه لو لم يتكفل برزقه لما قال {كلوا مما رزقكم الله} واذا تكفل برزقه وجب ان لا يبالغ فى الطلب وان يعول على وعده واحسانه فانه اكرم من ان يخلف الوعد ولذلك قال عليه السلام "حديث : فاتقوا الله واجملوا فى الطلب"تفسير : : قال الحافظ شعر : ماابروى فقر وقناعت نمى بريم بابادشه بكوى كه روزى مقدرست تفسير : : وقال الصائب شعر : رزق اكر بر آدمى عاشق نمى باشدجرا اززمين كندم كريباز جاك مى آيدجرا تفسير : قال اهل التفسير"حديث : ذكر النبى عليه السلام يوما النار ووصف القيامة وبالغ فى الانذار فرق له الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة فى بيت عثمان بن مظعون الجمحى وتشاوروا واتفقوا على ان يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا فى الارض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه فقال لامرأته ام حكيم بنت امية واسمها خولة وكانت عطارة "احق ما بلغنى عن زوجك واصحابه" فكرهت ان تكذب على رسول الله وكرهت ان تبدى خبر زوجها فقالت يا رسول الله ان كان قد اخبرك عثمان فقد صدق فرجع رسول الله فلما جاء عثمان اخبرته زوجته بذلك فمضى الى رسول الله فسأله النبى عليه السلام عن ذلك فقال نعم فقال عليه السلام "أما انى لم آمر بذلك ان لانفسكم عليكم حقا فصوموا وافطروا وقوموا وناموا فانى اقوم وانام واصوم وافطر وآكل اللحم والدسم وآتى النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى" ثم جمع الناس وخطبهم وقال "ما بال قوم حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا اما انى لا آمركم ان تكونوا قسيسين ولا رهبانا فانه ليس من دينى ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وان سياحة امتى الصوم ورهبانيتهم الاجتهاد فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فانما هلك من هلك قبلكم بالتشديد شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم فاولئك بقاياهم فى الديارات والصوامع" " .تفسير : فانزل الله هذه الآية ـ "حديث : وروى ـ ان عثمان بن مظعون جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى بان اختصى فائذن لى فى الاختصاء قال "مهلا يا عثمان فان اختصاء امتى الصيام" ".تفسير : وفى المثنوى شعر : هين مكن خودرا خصى رهبان مشو زانكه عفت هست شهوت راكروا بى هوا نهى از هوا ممكن نبود غازىء بر مردكان نتوان نمود بس كلو از بهر دام شهوتست بعد ازان لاتسرفوا آن عفتست جونكه رنج صبر نبود مرترا شرط نبود بس فرو نايد جرا حبذا آن شرط وشادا آن جزا آن جزاى دلنواز جان فزا حديث : قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى بان اترهب فى رؤوس الجبال قال "مهلا يا عثمان فان ترهب امتى الجلوس فى المساجد لانتظار الصلاة" قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان اخرج من مالى كله قال "مهلا يا عثمان فان صدقتكم يوما بيوم وتعف نفسك وعيالك وترحم المساكين واليتيم فتعطيها افضل من ذلك" قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان اطلق امرأتى خولة قال "مهلا يا عثمان فان الهجرة فى امتى من هجر ما حرم الله عليه او هاجر الى فى حياتى او زار قبرى بعد وفاتى او مات وله امرأة او امرأتان او ثلاث او اربع" قال يا رسول الله فان نهيتنى ان لا اطلقها فان نفسى تحدثنى ان لا اغشاها قال "مهلا يا عثمان فان المسلم اذا غشى امرأته او ما ملكت يمينه فلم يكن له من وقعته تلك ولد كان له وصيف فى الجنة وان كان له من وقعته تلك ولد فمات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة وان مات بعده كان له نورا يوم القيامة" قال يا رسول الله ان نفسى تحدثنى ان لا آكل اللحم قال "مهلا يا عثمان فانى احب اللحم واكله اذا وجدته ولو سألت ربى ان يطعمنيه فى كل يوم لاطعمنيه" قال يا رسول الله فان نفسى تحدثنى ان لا امس الطيب قال "مهلا يا عثمان فان جبرائيل عليه السلام امرنى بالطيب غبا وقال يوم الجمعة لا مترك له يا عثمان لا ترغب عن سنتى فمن رغب عن سنتى ثم مات قبل ان يتوب صرفت الملائكة وجهه عن حوضى يوم القيامة ". حديث : وعن ابى موسى الاشعرى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج والفالوذج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال "ان المؤمن حلو يحب الحلاوة" قال "ان فى بطن المؤمن زاوية لا يملأها الا الحلو"" تفسير : وجاء رجل الى الحسن فقال له ان لى جارا لا يأكل الفالوذج قال ولم قال لئلا يؤدى شكره قال أفيشرب الماء البارد قال نعم قال ان جارك هذا جاهل ان نعمة الله عليه فى الماء البارد اكثر من نعمته فى الفالوذج. وسئل فضيل عن ترك الطيبات من الحوارى واللحم والخبيص للزهد وقال لمن قال لا آكل الخبيص ليتك تأكل وتتقى ان الله لا يكره ان تأكل الحلال الصرف كيف برك لوالديك وصلتك للرحم كيف عطفك على الجار كيف رحمتك للمسلمين كيف كظمك للغيظ كيف عفوك عمن ظلمك كيف احسانك الى من اساء اليك كيف صبرك واحتمالك للاذى انت الى احكام هذا احوج منك الى ترك الخبيص. والحاصل ان الافراط فى الرهبانية والاحتراز التام عن الذات والطيبات مما يوقع الضعف فى الاعضاء الرئيسة التى هى القلب والدماغ واذا وقع الضعف فيها اختلت الفكرة وباختلالها تفوت عنها الكمالات المتعلقة بالقوة النظرية رأسا وينتقص كمالاتها المتعلقة بالقوة العملية فان تمامها وكمالها يبنى على كمال القوة النظرية. وايضا الرهبانية التامة توجب خرابية الدنيا وانقطاع الحرث والنسل فلما كانت عمارة الدنيا والآخرة منوطة بترك تلك الرهبانية والمواظبة على المعرفة والمحبة والطاعة اقتضت الحكمة ان لا يحرم الانسان ماطاب ولذ مما احل الله كما نطقت الآية به. ولكن اشارة الآية ايضا الى الاعتدال كما قال {أية : ولا تعتدوا} تفسير : [المائدة: 87]. فالاعتدال فى التناول وكذا فى الرياضة ممدوح جدا ولذا ترى المرشد الكامل يأمر فى ابتداء امره بترك اللحم والدسم والجماع وغيرها ولكن على الاعتدال بحسب مزاجه فان للرياضات تأثيرا عظيما فى اصلاح الطبيعة وهو امر مهم فى باب السلوك جدا فلا متمسك لارباب الظاهر فى ترك الرياضة مطلقا وقد اشار النبى عليه الصلاة والسلام فى وصاياه لعثمان بن مظعون الى جملة من الامر فافهم وارشد الى طريق الصواب ولا تفريط ولا افراط فى كل باب.

الطوسي

تفسير : سبب نزول هذه الآية والتي قبلها على ما قال عكرمة وأبو قلابة وأبو مالك وابراهيم وقتادة والسدي وابن عباس والضحاك: إِن جماعة من الصحابة منهم علي (ع) وعثمان بن مظعون وابن مسعود وعبد الله بن عمر، همَّوا بصيام الدهر وقيام الليل، واعتزال الناس وجب أنفسهم وتحريم الطيبات عليهم. فرويحديث : أن عثمان بن مظعون قال أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت: يا رسول الله إِئذن لي في الترهب فقال: "لا إِنما رهبانية أمتي الجلوس في المسجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة" فقلت: يا رسول الله أتأذن لي في السياحة قال: "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" فقلت: يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء فقال: "ليس منا من خصا واختصا إِنما اختصاء أمتي الصوم" . تفسير : وقوله {وكلوا} لفظه لفظ الأمر والمراد به الاباحة أباح الله تعالى للمؤمنين أن يأكلوا مما رزقهم حلالاً طيباً، فالرزق هو ما للحي الانتفاع به وليس لغيره منعه منه. وقال الرماني: الرزق هو العطاء الجاري في الحكم ومن ذلك قيل: رزق السلطان الجند اذا جعل لهم عطاء جارياً في حكمه في كل شهر أو في كل سنة. قال الرماني: وكلما خلقه الله في الأرض مما يملك، فهو رزق للعباد في الجملة بدلالة قوله {أية : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : ولولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للانس إِلا أنه وإِن كان رزقاً لهم في الجملة فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الأملاك، ولا يجوز أن يكون الرزق حراماً، لأن الله منع منه بالنهي، فاما البغاة فيرزقون حراماً اذا حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لا يحل، قال وما افترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لأن المشرك يملك ما في يده، فاذا غلبنا عليه بطل ملكه، وصار رزقاً لنا في هذه الحال، قال: وقد أمرنا بأن نمنعه من الانسان مع الامكان، وأذن لنا أن نمنعه من غيره من نحو الميتة والوحش إِن شئنا ويسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا. وعندي أنه لا يجب أن يطلق أن ما يغلب عليه السبع رزق له بل إِنما نقول: إِن رزقه ما ليس لنا منعه منه فأما ما لنا منعه منه إِما بأن يكون ملكاً لنا أو أذن لنا فيه، فلا يكون رزقاً له بالاطلاق، وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقاً له وعقاباً للمشرك، والأصل فيه قوله تعالى {أية : وما من دابة في الأرض إِلا على الله رزقها}تفسير : فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه. فان قيل: اذا كان الرزق لا يكون إِلا حلالاً فلم قال: {حلالاً}؟ قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد كما قال {أية : وكلم الله موسى تكليماً} تفسير : وقد أطلق في موضع آخر على جهة المدح {أية : ومما رزقناهم ينفقون}. تفسير : وقوله: {واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} استدعاء إلى التقوى بألطف الاستدعاء وتقديره أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا ايمانكم بالتقصير في التقوى فيكون عليكم الحسرة العظمى واتقوا تحريم ما أحله الله لكم في جميع معاصيه من أنتم به تؤمنون وهو الله تعالى. وأصل الصفة التعريف ثم يخرج إلى غير ذلك من المدح والذم وغير ذلك من المعاني التي تحسن في مخرج الصفة، فلذلك قال الذي {أنتم به مؤمنون} وفي هاتين الآيتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش والخروج عما عليه الجمهور في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض.

الجنابذي

تفسير : {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} فى كلّ مرتبة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى الاعتداء عن حدّ الرّخصة الى مرتبة الحظر على ان يكون الفقرتان مطابقتين للفقرتين السّابقتين او فى الاعتداء وفى تحريم رخصه على ان يكون متعلّق التّقوى اعمّ من التّحريم والاعتداء {ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} توصيفه تعالى بهذا الوصف للتّهييج. حكاية علىّ (ع) وبلال وعثمان بن مظعون عند قوله كلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طّيباً روى عن الصّادق (ع) أنّ هذه الآية نزلت فى مولانا امير المؤمنين (ع) وبلال وعثمان بن مظعون، فامّا امير المؤمنين (ع) فحلف ان لا ينام باللّيل، وامّا بلال فانّه حلف ان لا يفطر بالنّهار ابداً، ونقل انّه حلف ان لا يناجى ربّه، وامّا عثمان بن مظعون فانّه حلف ان لا ينكح ابداً، ومضى عليه مدّة على ما نقل فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأةً جميلة فقالت عائشة: ما لى اراك متعطّلةً؟ فقالت: ولم اتزيّن؟! فوالله ما قربنى زوجى منذ كذا وكذا، فانّه قد ترهّب ولبس المسوح وزهد فى الدّنيا، فلمّا دخل رسول الله (ص) اخبرته عائشة بذلك، فخرج فنادى الصّلوة جماعة فاجتمع النّاس فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثمّ قال: "حديث : ما بال اقوام يحرّمون على انفسهم الطّيّبات انّى انام باللّيل وانكح وافطر بالنّهار فمن رغب عن سنّتى فليس منّى"تفسير : ، فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله (ص) فقد حلفنا على ذلك فأنزل الله آيات الحلف الآتية، والاشكال اوّلاً بانّ امثال هذه المعاتبات ونسبة التّحريم والاعتداء والتّقوى ولغو الايمان غير مناسبة لمقام علىٍّ (ع) وثانياً بانّه (ع) امّا كان عالماً بأنّ تحريم الحلال ان كان بالاستبداد والرّأى كان من البدع والضّلال، وان كان بالنّذر وشبهه كما دلّ عليه الخبر كان مرجوحاً غير مرضىّ لله تعالى ومع ذلك حرّمه على نفسه، او كان جاهلاً بذلك، وكلا الوجهين غير لائق بمقامه (ع) منقوض بقوله تعالى فى حقّ رسوله (ص) {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} تفسير : [التحريم:1] والجواب الحلّىّ لطالبى الآخرة والسّالكين الى الله الّذين بايعوا عليّاً (ع) بالولاية وتابعوه بقدم صدق واستشمّوا نفحات نشأته حال سلوكه ان يقال: انّ السّالك الى الله يتمّ سلوكه باستجماعه بين نشأتى الجذب والسّلوك بمعنى توسّطه بين تفريط السّلوك الصّرف وافراط الجذب الصّرف، فانّه ان كان فى نشأة السّلوك فقط جمد طبعه ببرودة السّلوك حتّى يقف عن السّير، وان كان فى نشأة الجذب فقط فنى بحرارة الجذب عن افعاله وصفاته وذاته بحيث لا يبقى منه اثر ولا خبر، وهو وان كان فى روح وراحة لكنّه ناقص كمال النّقص من حيث انّ المطلوب منه حضوره بالعود لدى ربّه مع جنوده وخدمه واتباعه وحشمه وهو طرح الكلّ وتسارع بوحدته، فالسّالك الى الله تكميله مربوط بان يكون فى الجذب والسّلوك منكسراً برودة سلوكه بحرارة جذبه فالجذب والسّلوك كاللّيل والنّهار او كالصّيف والشّتاء من حيث انّهما يربّيان المواليد بتضادّهما فهما مع كونهما متنازعين متألّفان متوافقان، اذا علمت ذلك فاعلم، انّ السّالك اذا وقع فى نشأة الجذب وشرب من شراب الشّوق الزّنجبيلىّ سكر وطرب ووجد بحيث لا يبقى فى نظره سوى الخدمة للمحبوب وكلّما رآه منافياً للخدمة رآه ثقلاً ووبالاً على نفسه ومكروهاً لمولاه فيصمّم فى طرحه ويعزم على ترك الاشتغال به وهو من كمال الطّاعة لا انّه ترك الطّاعة كما يظنّ، فلا ضير ان يكون امير المؤمنين (ع) حال سلوكه وقع فى تلك النّشأة وحرّم على نفسه كلّما يشغله عن الخدمة لكمال الاهتمام بالطّاعة، ولمّا لم يكن تحصيل الكمال التامّ الا بالجمع بين النّشأتين اسقاه محمّد (ص) من شراب السّلوك الكافورىّ وردّه الى نشأة السّلوك لانّه كان مكمّلاً مربّياً له ولغيره ولذا قالوا: لا بدّ ان يكون للسّالك شيخ والا فيوشك ان يقع فى الورطات المهلكة، ولا منقصة فى امثال هذه المعاتبات على الاحباب بل فيها من اللّطف والتّرغيب فى الخدمة ما لا يخفى، وعلىّ (ع) كان عالماً بانّ الكمال لا يحصل الاّ بالنّشأتين لكنّه يرى حين الجذب انّ كلّما يشغله عن الخدمة فهو مكروه المحبوب ومرجوح عنده فحلف على ترك المرجوح، او يقال: انّ عليّاً (ع) (ع) لمّا كان شريكاً للرّسول (ص) فى تكميل السّلاّك لقوله: انت منّى بمنزلة هارون من موسى (ع)، وكان له شأن الدّلالة ولمحمّدٍ (ص) شأن الارشاد، والمرشد بنشأته النّبويّة شأنه تكميل السّالك بحسب نشأة السّلوك وان كان بنشأته الولويّة وشأن الارشاد شأنه التّكميل بحسب الجذب، والدّليل بنشأته الولويّة شأنه التّكميل بحسب نشأة الجذب وان كان بنشأته النبويّة، وشأن الدّلالة شأن التّكميل بحسب السّلوك فالدّليل بولايته يقرّب السّالك الى الحضور ويعلّمه آداب الحضور وطريق العبوديّة من عدم الالتفات الى ما سوى المعبود وطرح جميع العوائق من طريقه، والمرشد بنبوّته يبعّده عن الحضور ويقرّبه الى السّلوك ويرغّبه فيه فهما فى فعلهما كالنّشأتين متضادّان متوافقان، فأمير المؤمنين (ع) لمّا رأى بلال وعثمان مستعدّين لنشأة الجذب رغّبهما الى تلك النّشأة بطرح المستلذّات وترك المألوفات وشاركهما فى ذلك ليستكمل بذلك شوقهما ويتمّ جذبهما، ولمّا مضى مدّة ورأى الرّسول (ص) انّ عودهما الى السّلوك اوفق وانفع لهما ردّهما الى نشأة السّلوك وعاتبهما بألطف عتابٍ، ولا يرد نقص على امير المؤمنين (ع)، ولمّا قالوا بعد عتابه (ص) قد حلفنا نزل.

الهواري

تفسير : قوله: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنَونَ}. قال بعضهم: ذكر لنا "حديث : أن رجالاً من أصحاب النبي عليه السلام رفضوا النساء واللحم وأرادوا أن يتخذوا صوامع. فلما بلغ ذلك نبي الله قال: ليس في ديني ترك النساء واللحم ولا اتخاذ الصوامع ". تفسير : قوله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ}. ذكروا عن جعفر بن أبي وحشية قال: قلت لسعيد بن جبير: قول الله: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أهو الرجل يحلف على الشيء وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك؟ قال: لا، ولكنه تحريمك ما أحلّ الله لك في يمينك، فذلك الذي لا يؤاخذك الله بتركه. وقال الحسن وغيره: هو الشيء يحلف عليه الرجل وهو يرى أنه كذلك فلا يكون كذلك. ذكروا عن عطاء أنه قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فسألناها عن هذه الآية فقالت: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} أي: ما حلفتم فيه معمّدين. وقال بعضهم: ما تعمّدت فيه المأثم فعليك فيه الكفارة. قال: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رََقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ذكروا عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا عبد الرحمن لا تسأل الإِمارة، فإنك إن تُعْطِهَا عن مسألة تُكَلْ إليها، وإن تُعْطَهَا عن غير مسألة تُعَن عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأْت الذي هو خير وكفر عن يمينك . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه قال: من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه إلاَّ طلاق أو عتاق. قوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، أي يشبعهم. إن شاء أعطى كل إنسان منهم مدّين قمحاً، وإن شاء مدّاً واحداً وإن شاء جمعهم على ثريد بخبز ولحم، أو خبز وسمن، أو خبز وزيت، أو خبز ولبن؛ إن شاء غَداء وعَشاء، وإن شاء أكلة واحدة غَذاء أو عَشاء؛ وإن كانوا صغاراً فغذاء وعشاء. وإن لم يجد عشرة مساكين جميعاً أطعم من وجد منهم اليوم، ثم أطعمهم غداً، ثم أطعمهم بعد غد حتى يتموا عشرة. وأما قوله: أو كسوتهم فإن شاء كسا كل واحد منهم ثوبين وإن شاء ثوباً واحداً. وقال بعضهم: إن كسا ثوباً واحداً كان ثوباً جامعاً كساء وملحفة. وذكر الحسن أن أبا موسى الأشعري كسا في كفارة اليمين لكل مسكين ثوبين معقدين من معقد البحرين. وبه كان يأخذ الحسن. قوله: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} إن شاء أعتق رقبة صغيرة أو كبيرة، وإن كانت من أهل الكتاب فلا بأس. قوله: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} أي: فمن لم يجد من هذه الأشياء الثلاثة شيئاً من الإِطعام أو الكسوة أو العتق فهو في ذلك مخيّر يفعل أيَّ ذلك شاء. وكل شيء في القرآن أو، أو، فهو في ذلك مخيّر، وكل شيء في القرآن كذا وكذا، فمن لم يجد فكذا وكذا، فمن لم يستطع فكذا وكذا فإنه يبدأ بالأول فالأول. قوله: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}. أي: متتابعة، وهي في قراءة عبد الله بن مسعود: (ثَلاَثَةِ أَيِّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ). قال: {ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا نعمة الله. ذكر بعضهم قال: الأََيمان أربعة: يمينان تكفران، ويمينان لا تكفّران فأما اللتان تكفّران [فهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل، أو يقول: والله لأفعلن ثم لا يفعل، وأما اللتان لا تكفران] فالرجل يقول: والله ما فعلت وقد فعل، والرجل يقول: والله قد فعلت ولم يفعل ذلك. ذكروا عن ابن عباس "حديث : أن رجلين تخاصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلف المدَّعِيَ البينةَ فلم تكن له بينة، فاستحلف المدَّعى عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق. فنزل جبريل فقال له: قل له يرد على الرجل حقّه، وكفارته شهادته أو معرفته أن لا إله إلا الله ". تفسير : قال بعضهم: إنما تكون الكفارة في المستقبل إذا حلف أن يفعل أو لا يفعل؛ فإذا أخبر عما مضى فليس عليه كفارة، وإن كان لم يتعمد فليس عليه فيه مأثم، فإن تعمّد الكذب فهو آثم، وليس على واحد منهما كفارة، ولكن يستغفر الله ولا يعود. وذكروا عن الحسن في الرجل يقول للرجل؛ والله لتفعلن ويقول الآخر: والله لا أفعل فلا يفعل، فليس على أحد منهما كفارة؛ يقول: إنما تكون الكفارة عليه إذا حلف على نفسه، وأما إذا حلف على غيره فلا كفارة. وليس ينبغي أن يحلف على الغير أن يفعل أو لا يفعل حتى يقول: إن شاء الله؛ وهو قوله: (أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ) تفسير : [الكهف:23-24] أي: تقول: إن شاء الله. وكان بعضهم يقال: إذا استثنى في اليمين قبل أن يتكلّم بَينهما بشيء فله ثنياه. ذكروا عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن استثنى فله ثنياه . تفسير : وقال بعضهم: ليس الاستثناء بشيء حتى يجهر باليمين. وسئل بعضهم عن الرجل يحلف على الشيء الواحد فقال: كفارة واحدة. وكان الحسن يقول ذلك. وقال أبو عبيدة: إن جمع فكفارة واحدة وإن فرّق فلكل يمين كفارة.

اطفيش

تفسير : {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبًا}: مما يتعلق بمحذوف حال من حلال، ولو كان نكرة لوصفه بطيباً، ولتقدم الحال عليه، ومن للتبعيض، فان الرزق أعم من الحلال على الصحيح وهو مذهبنا، فان الرزق اسم لما ينتفع به مالكه أو متملكه حلالا أو حراماً، أو يتعلق بكلوا فتكون للابتداء، وحلالا مفعول لكلوا، ويجوز أن يكون من للابتداء متعلقاً بكلوا كذلك، وحلالا حال من أو من العابد المحذوف، أى مما رزقكموه الله، ولا مفعول لكلوا، أى تقولوا مما رزقكم الله، أو حلالا مفعول مطلق، أى أكلا حلالا طيباً الا أن المتبادر وصف المأكول بالحلال الطيب لا الآكل. والمعتزلة لا يسمون الحرام رزقاً، وكان صلى الله عليه وسلم يأكل الدجاج والفالوذج، وكان يعجبه الحلواء والعسل، وقال: "حديث : ان المؤمن حلو يحب الحلاوة "تفسير : والفالوذج طعام من خالص البر والعسل والسمن، وقال رجل لابن مسعود: انى حرمت الفراش، فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك، وكفر عن يمينك. ودعى الحسن الى طعام ومعه فرقد وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذج وغير ذلك، فاعتزل وقعد ناحية فسأل الحسن أهو صائم؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلعاب البر بخالص السمن يعيبه مسلم. وقيل للحسن: فلان لا يأكل الفالوذج ويقول: لا يؤدى شكره، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم. قال: انه جاهل، ان نعمة الله عليه فى الماء البارد أكثر من نعمته فى الفالوذج وقال: ان الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم، وقال: {أية : لينفق ذو سعة من سعته }تفسير : ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوماً زواها عنهم أى أبعدها فعصوا، كان صلى الله عليه وسلم يأكل لذيذاً اذا وجده ولا يتكلفه ويغنيه ما تيسر، وكان يحب من الشاة الذراع، ويجعل اليه، لأنه أسرع نضجاً، ولا يجد اللحم الا غباً. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله انى أحببت اللحم انتشرت للنساء وأخذتنى شهوتى، فحرمت على اللحم، فأنزل الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين 0 وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيباً }. تفسير : {وَاتَقُوا اللهَ الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}: هذا تأكيدا لقوله تعالى: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّبًا} أى اتقوا عقاب الله فى تعدى الحلال الى الحرام، وقال: {الَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} لأن الايمان الحقيقى يزجر عن مقارفة الحرام.

اطفيش

تفسير : {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاَ طَيِّباً} لذيذاً، لما مدح النصارى بالتقشف عن الدنيا وشهواتها زجر المسلمين عن إِفراطهم، ثم نهاهم عن التفريط بالاعتداء فدين الله بين ذلك لا إِفراط ولا تفريط، وكان صلى الله عليه وسلم يحب لحم مقدم الشاة، ويأْكل ثريد اللحم ويحب الحلوى ويمدح الحلوى وثريد اللحم ويأْمر بأَكل الحلوى، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن الله تعالى لم يأْمَرنى بالرهبانية"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شراركم عزابكم، وأَرازل موتاكم عزابكم"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم، "حديث : من كان موسراً لأَن ينكح فلم ينكح فليس منى"تفسير : ، وفى الآية النهى عن تحريم ما حل وتحليل ما حرم، وفيها أَن الرزق يطلق على ما تملك الإِنسان من حلال أَو حرام، وهو مذهبنا ومذهب الأَشعرية خلافاً للمعتزلة إِذ قصروه على الحلال، وبيان ذلك أَنه لولا الاحتراز عن الرزق الحرام لم يذكر حلالا، وهو مفعول لكلوا أَو حال من ما أََو من عائدها المحذوف، أَو مفعول مطلق أَى أَكلا حلالا، والأَكل الحرام يكون بالمأَكول الحرام إِلا أَن المعروف أَن المتصف بالحلال المأكول لا الأَكل، وللمعتزلة أَن يقولوا ذكر حلالا توطئة لطيباً وأَن يقولوا الأَكل الحرام هو أَكل الحلال باسراف {وَاتَّقُوا الله الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} كيف تدعون الإِيمان به إِن خالفتموه في أَمره ونهيه وروى أَن هؤلاء الصحابة حلفوا على أَن يجتنبوا تلك الملاذ وأَن اجتنابها قربة، ولما نهوا قالوا: يا رسول الله كيف نفعل بأَيْماننا فنزل قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخذْكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ} وهو الحلف غلطاً والقصد إِلى لفظ الحلف بلا قصد حلف كقولك لا والله بلا قصد يمين، والحلف على ما يعتقده أَنه وقع فيخرج خلافه كما اعتقد هؤلاءِ الصحابة أَن جب المذاكر واجتناب الطيبات ونحو ذلك قربة فخرج أَنها غير قربة، وقيل: نزلت الآية في عبد الله بن رواحة أَخرت زوجه عشاءَ ضيفه فحلف لا يأْكل من الطعام، وحلفت زوجه لا تأْكل إِن لم يأكل وحلف الضيف لا يأْكل إِن لم يأْكلا، فأَكل عبد الله بن رواحة فأَكلا معه، فقال صلى الله عليه وسلم له: حديث : أَحسنت، أَى بتحنيث نفسك تفسير : {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ} بتشديد القاف للمبالغة بأَن يكون الحلف بالله وباللسان والقلب، أَو شدد لموافقة المجرد {الأَيْمَانَ} أَى بعقدكم الأَيمان من قلوبكم، أَى بنكث عقدكم الأَيمان، والنكث هنا الحنث، أَو بما عقدتم عليه الأَيمان فحذف الرابط للعلم به ولو مجروراً بما لم يجر به الموصول ولم يتعلق بمثل ما تعلق به ما جر الموصول والمراد بنكث ما عقدتم عليه الأَيمان أَو بما عقدتم عليه الأيمان إِذا حلفتم وفي هذا رد على من فسر اللغو بما يعتقده ويخرج خلافه لأَنه يصدق عليه أَنه عقد الأَيمان عليه من قلبه، والمعنى ترك الإِهمال فإِنه يؤخذ بالكفارة من عقد من قلبه {فَكَفَّارَتُهُ} صفة مبالغة أَى فعلته التى تبالغ في ستره وإِذهاب إِثمه، أَى فستارته، وفى عرف الفقه تغلبت عليه الإِسمية فالتاء للنقل، وقد قيل فعال بالشد يجوز تذكيره مع المؤنث، والهاء للنكث أَو للعقد باعتبار نكثه أَو الحنث المعلوم من المقام، أَو لليمين لجواز تذكير اليمين كما قال القرطبي، وقيل لا إلا بتأْويل الحلف، أَو للحالف المعلوم من المقام المراد به الجنس، واستدل الشافعية بذكر الكفارة بلا ذكر الحنث في الاية على جواز التكفير قبله بالمال لا بالصوم؛ لأَن الصوم لا يكون إِلا عند العجز عن غيره والعجز يتحقق بعد الحنث، وقاسوا تقديم الكفارة على الحنث على تقديم الزكاة على الحول، والصحيح أَنه لا يجوز إِلا بعده وفاقاً للحنفية لأَن موجبه الحنث، ولا دليل في الآية ولا فى قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : من حلف على يمين فرأَى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأَت الذى هو خيرتفسير : ؛ لأَن الواو لا ترتب، وأَيضاً في رواية حديث : فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينهتفسير : ، وروى أَن الشافعية يجمعون بين الروايتين في الحديث بأَن إِحداهما لبيان جواز التقديم والأُخرى لبيان الوجوب، وفاءُ الجواب ترتب مجموع ما بعدها على ما قبلها ولا ترتيب لها بين أَجزاء ما بعدها {إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ} بالعدد ولا يجزى إِطعام ما يكفيهم إِنساناً واحداً فصاعداً إِلى تسعة أَو أَحد عشر فصاعداً خلافاً لأَبى حنيفة، وكذا فى الكسوة يعطى كسوة عشرة لواحد فعنده فيما يظهر، والمراد بالإِطعام ما يشمل الإِيكال والكيل ولا يلزم التوالى فيجوز أَن يوكل اليوم إِنساناً أَو أَكثر، ومن الغد أَو بعد الغد آخر أَو أَكثر، حتى يتم العدد، أَو يكيل كذلك أَو يوكل بعضاً ويكيل البعض كذلك، والكيل مدان من الطعام الجيد أَو ثلاثة من دونه، وأَجيز مدان من طعام مطلقاً، وأُجيز مد {مِنْ أَوْسَطَ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} لا يجزئ الدون ولا يلزم الأَعلى، وظاهر الآية عموم الطعام، والمذهب أَنه من الحبوب الست، قالت الشافعية: مد لكل مسكين، والحنفية نصف صاع من بر أَو صاع من شعير، وعن ابن عمر: الأَوسط الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن والأَفضَل الخبز واللحم، وعن ابن سيرين الأَفضل الخبز واللحم، والأَوسط الخبز والسمن والأخس الخبز والتمر، والرابط محذوف أَى ما تطعمونه، وأَهلى جمع مذكر سالم شاذ قياساً لأَنه ليس أَهل علماً ولا صفة فعده بعض اسم جمع {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} قدر ما يكفى الأَنثى في الصلاة إِن كسا أَنثى وهو ما يسترها كلها إِلا الكف والوجه، وما يكفى الذكر فيها وهو ما يستره من كتفه وقيل من سُرته إِلى أَسفل من ركبتيه قدر مالا ينكشف باطن ركبتيه إِذا ركع، والكسوة إِما بمعنى اللباس فيقدر مضاف أَى وإِعطاء كسوتهم أَو إِلباس كسوتهم، ويقدر أَيضاً أَو كسوتهم من أَوسط ما تكتسون، ويجزئ الرجل سراويل، ويشترط أَن يكون مما ينتفع به ثلاثة أَشهر لا أَقل، وعن ابن عباس: كانت العباءَة تجزئ، وعن ابن عمر: قميص أَو رداء أَو كساء، وعن الحسن ثوبان أَبيضان، وعن جعفر الصادق ثوبان لكل مسكين، ويجزئ ثوب واحد عند الضرورة، ويجزئ كسوة صبى، واشترط الحنفية أَن يكون مراهقاً. {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} مؤمنة عندنا قياساً على رقبة القتل، وأَيضاً الكفارة حق الله تعالى فلا يصرف إِلى عدو الله عز وجل كالزكاة التي جاءَ فيها: ضعوها في فقرائكم، لا حملا للمطلق على المقيد وهكذا قل ولا تقل ما شهر من حمل المطلق على المقيد كما تقول الشافعية؛ وإِنما يصح هذا الحمل عندى لو كان النوع واحدا، أَو إن شئت فقل لو كان السبب واحدا أَو المعنى واحدا وليس كذلك؛ فإِن اليمين نوع والقتل نوع، فلو ذكر في موضع أَن على الحالف الحانث عتق رقبة مؤمنة وذكر في موضع آخر أَن عليه عتق رقبة لصح الحمل لاتحاد النوع، والتحرير هو الواجب لا هو والكسوة لمحرر، وصححوا وجوبها، وأَجاز أَبو حنيفة عتق الرقبة الكافرة في جميع الكفارات: اليمين والظهار وغيرهما إِلا كفارة القتل، والثلاثة على التخيير وهن فى الفضل على ترتيبهن في الآية. {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} ما ذكر {فَصِيام ثَلاثَة أَيَّامٍ} أَى فكفارته صيام ثلاثة أَيام، أَو فعليه صيام ثلاثة أَيام، ويشترط التتابع قياساً على الظهار أَو حملا لأَن ذلك كله نوع واحد وهو اليمين، والقياس أَولى لتخالفهما ولو كانا جميعاً يميناً، وغير الواجد من ليس له قوت سنة، وقيل من لم يكن له عشرون درهما، وقيل خمسة عشر درهما. وعن الشافعي غير الواجد من لم يكن عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته، وفضل ما يطعم عشرة أَو يكسوهم، وعن أَبى حنيفة من لم يكن له نصاب فهو غير واجد، وعن قتادة: من لم يكن له خمسون درهماً فغير واجد، ومن غريب أَموره أَن قوله في الجديد أَن غير الواجد من من لا يملك كفاية العمر الغالب ولو ملك قوت أَيام أَو شهور أَو سنين، وهو ظاهر البطلان، وأَظن أَنه لا يصح عنه ذلك، وللشافعي قول بعدم وجوب التتابع ولا ينقضه الحيض والنفاس خلافاً للحنفية، وأَما قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: فصيام ثلاثة أَيام متتابعات ففى من له اختيار، وأَما من لا اختيار له كالحائض والنفساء فلا يشترط له أَن لا يفصله حيض أَو نفاس، وكذا فيما روى عن ابن مسعود وأَبى بن كعب من التتابع {ذَلِكَ} ما ذكر كله أَى الواحد منه {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذْا حَلَفْتُمْ} أَى وحنثتم {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم} عن الحنث بها، أَو احفظوا أَيمانكم بأَن لا تحلفوا إِلا في أَمرمهم لداع صحيح، وبأَن لا تواقعوها إِلا باسم الله، واحفظوا شأْنها بالتكفير إِذا حنثتم، أَو لا تنسوها فإِن حفظها أَفضل من الحنث والتزام الكفارة، إلا إِن كانت على فعل مكروه أَو معصية أَو ترك طاعة فليحنث وجوباً بترك المعصية، وبفعل الطاعة الواجبة، واستحساناً في المكروه والطاعة غير الواجبة جاءَ الحديث بذلك، وقيل: ترك المعصية وفعل الواجب كفارته، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنى والله لا أَحلف على يمين فأَرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يمينى وأَتيت الذى هو خير"تفسير : ، ولا يفيد هذا تقديم الكفارة على الحنث جوازاً لأَن الواو لا ترتب {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ} أَى مثل ذلك التبيين في اليمين يبين الله {لَكُمْ آياتِهِ} سائر أَحكامه في الآيات {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لعلكم تشكرون الله على تبيينه لكم فى سهولة وعلى نعمة التعليم وجعله المخرج لكم.

الالوسي

تفسير : {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيّباً } أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالاً مفعول به لكلوا و {مِمَّا رَزَقَكُمُ } إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالاً أو متعلق بكلوا و(من) ابتدائية. ويحتمل أن يكون في موضع المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئاً مما رزقكم أو بجعله نفسه مفعولاً بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفاً. و {حَلَـٰلاً } حال من الموصول أو من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلاً حلالاً. وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن. والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى، وقد أكل صلى الله عليه وسلم ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى. وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب ملأى من ذلك. وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال: لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: لعاب النحل بلباب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم، وذكر الطبرسي أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح وقد جاء في غير ما خبر أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الله تعالى لم يبعثني بالرهبانية » تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل: « حديث : شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم » تفسير : وعن أنس قال: « حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل نهياً شديداً ». تفسير : وعن أبـي نجيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني » تفسير : إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 88- وكلوا مما أعطاكم الله ويسَّره لكم، وجعله حلالا لكم تطيب به نفوسكم، واخْشَوْا الله دائماً وأطيعوه ما دمتم مؤمنين به. 89- لا يعاقبكم الله بسبب ما لم تقصدوه من أيْمانكم، وإنما يعاقبكم بسبب الحنث فيما قصدتموه ووثَّقتموه من الأَيْمان، فإن حنثتم فيما حلفتم عليه فعليكم أن تفعلوا ما يغفر ذنوبكم بنقض اليمين، بأن تطعموا عشرة فقراء يوماً، مما جرت العادة بأن تأكلوه أنتم وأقاربكم الذين هم فى رعايتكم، من غير سَرَفٍ ولا تقتير. أو بأن تكسوا عشرة من الفقراء كسوة معتادة، أو بأن تحرروا إنساناً من الرق. فإذا لم يتمكن الحالف من أحد هذه الأمور فعليه أن يصوم ثلاثة أيام. وكل واحد من هذه الأمور يغفر به ذنب الحلف الموثق بالنية إذا نقضه الحالف. وصونوا أيْمانَكم فلا تضعوها فى غير موضعها، ولا تتركوا فعل ما يغفر ذنبكم إذا نقضتموها. على هذا النسق من البيان يشرح الله لكم أحكامه، لتشكروا نعمه بمعرفتها والقيام بحقها. 90- يا أيها المصَدّقون بالله وكتبه ورسله المذعنون للحق، ليس شرب المسكرات، ولا لعب القمار، ونصب الأحجار للذبح عندها تقرباً إلى الأصنام التى تعبدونها، واتخاذ السهام والحصى والورق للتعرف بها على مغيبات القدر.. ليس كل ذلك إلا خبثاً نفسياً باطلا، هو من تزيين الشيطان لفاعليه.. فاتركوه لكى تفوزوا فى الدنيا بحياة فاضلة، وفى الآخرة بنعيم الجنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {حَلاَلاً} (88) - وَيُبِيحُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ التَّمَتُّعَ بِالحَلاَلِ الطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ الذِي رَزَقَهُمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ أمُورِهِمْ، وَبِاتِّبَاعِ طَاعَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَتَرْكِ مُخَالَفتِهِ وَعِصْيَانِهِ، بِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ، أوْ بِتَحْرِيمِ مَا أحَلَّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أولا نسأل: ما هو الرزق؟ الرزق هو ما انتفع به. فالذي تأكله رزق، والذي تشربه رزق، والذي تلبسه رزق، والذي تتعلمه رزق، والصفات الخلقية من حلم وشجاعة وغيرها هي رزق، وكل شيء ينتفع به يُسمى رزقاً. ولكن حين يقول الحق: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} فهو ينصرف إلى ما يطعمه الإنسان. وحين يقول سبحانه ذلك فالمقصود به أن يأكل الإنسان من الرزق الحلال الطيب. إذن هناك رزق حرام، مثال ذلك اللص الذي يسرق شيئا ينتفع به، هذا رزق جاء به طريق حرام، ولو صبر لجاءته اللقمة تسعى إلى فمه لأنها رزقه. أو الرزق هو ما أحله الله، وهنا اختلف العلماء وتسائل البعض: هل الرزق هو الحلال فقط والباقي ليس رزقاً؟ وتسائل البعض الآخر: هل الرزق هو ما ينتفع به ومنه ما يكون حلالاً ومنه ما يكون حراماً؟ الحق يقول: {أية : وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [المائدة: 88]. كلوا ما رزقكم هذا أسلوب، {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} هذا أسلوب آخر. فما رزقكم الله أي نأكله كله، وهذه لا تصلح؛ لإننا لا نأكله كله طبعا بل إننا سنأكل بعضه؛ لأن الذي يؤكل ويطعم إما أن يكون صالحاً لإيجاد مثله، وإما أن يكون غير صالح لإيجاد مثله، فعندما يحتفظ الإنسان بالدقيق مثلاً فهو لا ينتج سنبلة قمح، إذن يجب علينا أن نأكل بعضاً ونستبقي بعضاً صالحاً لأن ينتج مثله، فعندما نحتفظ بالقمح فهو يصلح أن يأتي بسنابل القمح؛ لذلك جاء الأمر بأن نأكل بعض ما رزقنا الله حتى نحتفظ ببعض الورق لا نأكله، وهذا يعني أن نحتفظ بامتداد الرزق، فلو أكل الإنسان كل القمح الذي عنده فكيف يحدث إن أراد أن يزرع؟ إذن فاستبقاء الرزق يقتضي أن نحتفظ ببعض الرزق لنصنع به امتداداً رزقياً في الحياة؟ والرزق الحلال هنا نوعان: ما يصلح لامتداده فيحجب احتجاز بعض منه من اجل أن يستخدمه الإنسان في استجلاب رزق آخر. وما لا يصلح لامتداده كالدقيق مثلاً. نأكل بعضه ونحتفظ ببعضه لمن لا يقدر على الحركة. ولذلك نجد الحق في سورة يوسف يقول عن رؤيا الملك: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} تفسير : [يوسف: 43]. هنا قال أهل تفسير الرؤيا: {أية : قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} تفسير : [يوسف: 44]. إنه اضطراب في الجواب؛ لأن كونها أضغاث أحلام أنها لا معنى لها، وقولهم بعد ذلك: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} فمعنى ذلك أن لها تأويلاً وقد كان لها تأويل، ثم من الذي رأى الرؤيا؟ إنه الملك. ويأتي الحق بيوسف مفسراً للرؤيا. إذن فلا ضرورة أن يكون الرائي مؤمنا ولا صالحاً. وقد يقول قائل: كيف يطلعه الله على مثل هذه المسائل؟ ونقول: قد تكون الرؤيا إكراماً للرائي، وقد تكون الرؤيا إكراماً للمعبر الذي يعرف التأويل، وهي هنا إكرام للمعبر وهو سيدنا يوسف. وعرف سيدنا يوسف كيف يفك "شفرة" الرؤيا، والعجيب في الرؤيا أن البقر الهزيل يأكل البقر السمين: وهنا قال يوسف: {أية : تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} تفسير : [يوسف: 47]. أي كلوا البعض وليكن قليلا قليلا، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن سنين الجدب لتأكلوا فيها ما جمعتوه في سنين الخصب، اتركوا البعض الآخر. لاستمرار النوع. وتبين أن أفضل وسيلة لحفظ حبوب القمح في عصرنا هي أن نتركه في سنابله وكذلك الذرة نتركها في غلافها. وكان تعبير الرؤيا دقيقاً لأنه يريد أن يستبقي للناس حياتهم في زمن الجدب، ويستبقي لهم كذلك الضرع الحيواني، فتأكل الناس الحب، وتأكل الماشية التبن المتبقي، وكذلك ضمن الحق مقومات الحياة لكل ما يلزم للحياة. ونلحظ أن المأكول في هذه الآية هو القليل، أما الباقي فهو الكثير في سنابله، هذا في أيام الرخاء؛ فماذا عن أيام الجدب؟ {أية : ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ} تفسير : [يوسف: 48]. أي أن الناس ستأكل في أعوام الجدب الكثير من الحبوب التي في المخازن ويجب أن يحتفظوا بقليل مما يحصنون في هذه المخازن، وذلك لاستبقاء جزء من القمح للزراعة. إذن فـ (من) في قول الحق سبحانه وتعالى: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} للتبعيض أي أكلوا بعض ما رزقكم الله، فإن كانت الأشياء مما يكون بقاؤها سبباً لامتداد نوعها فالنوع يكون متصلاً. مثال ذلك رجل عنده بذور البطيخ وزرعها، وبعد أن جاءت الثمار أكلها هي والبذور فمن أين يزرع في العام القادم؟ كان يجب أن يحتفظ ببعض منها لتكون بذوراً. وكان يجب أن يحتفظ بجزء من البطيخ ليعطي منه الجار أو المحتاج؟ إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: {مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} تصلح لاستبقاء النوع وتصلح لصرف الزائد إلى غير القادر. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} أي أنك حين تتقى من تؤمن به إلهاً فليس في ذلك غضاضة؛ لأنك آمنت أنه إله وقوي، والغضاضة في أن تأمر بأمر مُساوٍ لك، أما الانقياد والائتمار لأمر الأعلى منك، فهذا لا يكون سبباً في الغضاضة إنما هو تشريف لك وتكريم. ونجد الحق يشرع لنا ذلك في قصة سيدنا موسى على السحرة، فألقى موسى عليه السلام عصاه، ورآها السحرة حية، والساحر ينظر إلى الشيء الذي تم سحره فيراه على حقيقته وصورته الأصلية، أما المسحورون بالرؤية فهم الذين يرون الشكل المراد لهم رؤيته. ورأى السحرة حبالهم مجرد حبال؛ وعصا موسى هي التي صارت حية. هنا عرفوا أنها مسألة أخرى فماذا قالوا؟: {أية : قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الشعراء: 47-48]. لقد عرفوا أن هذا أمر خارج عن نطاق البشرية. إذن فما كان من أمر السحرة تجاه قوم فرعون هو تخييل للنظر: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66]. وقال الحق: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 116]. أما موسى عليه السلام فحين ألقى العصا أول مرة ووجدها حية خاف لأنه رأى في ذلك قلباً للحقيقة. أما عند السحرة فليست حبالهم حيات حقيقية ولكنها سحر لأعين الناس أي تخيل للناظر. ومثال آخر هو سيدنا سليمان عندما أرسل لبلقيس ملكة سبأ. وجاء رسوله يقول لها: {أية : أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 31]. فماذا قالت لحاشيتها من رجال القتال؟: {أية : مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} تفسير : [النمل: 32]. وهنا عرفت الحاشية أن المسألة تتطلب رأياً سياسياً؛ فقالوا: {أية : قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} تفسير : [النمل: 33]. الرأي إذن هو من حق السياسي الذي يزن الأمور بموازين العقل وموازين الاحتمال الواقعة، وموازين رد الفعل، وأدارت بلقيس المعركة سياسياً، فأرسلت هدية من مقام ملكة، فإن راقته الهدية فهو طالب دنيا ويريد خيرها، وعندما وصل رسلها بالهدية، ماذا قال سليمان؟ {أية : فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} تفسير : [النمل: 36-37]. وهنا عرفت بلقيس أن الإسلام أمر ضروري، وها هي ذي الدقة لنعرف أن الأمر من المساوى هو الذي يعطي عزة في الآمر وذلة في المأمور، أما إذا كان الأمر من غير المساوى ومن الأعلى - سبحانه - فلا ذلة فيه لأحد. وكان إيمان بلقيس إيماناً ملوكياً. فقالت: {أية : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [النمل: 44]. إنها لم تقل أسلمت لسليمان وإنما قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ}. إذن فلا غضاضة في إيمانها. وذلك حتى لا يظن شعبها أنها ذهبت به إلى حضيض الذلة في أن يحكمهم إنسان آخر. لكن هي وسليمان محكومان لله رب العالمين، ولا غضاضة في ذلك: ونعود إلى قوله جل شأنه: {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]. أي: اجعلوا للإيمان حيثية، وما دمت قد آمنت وتأتمر بأمر من تؤمن به. فأنت لا تؤمن إلا بمن تثق في أنه يستحق الإيمان. وقوله أولاً في الآية السابقة:{وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]. وقوله في تذييل هذه الآية: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 88]. هو تسوير وإحاطة لطاعة بإيمانين، إيمان خوطبوا به، وإيمان أقروه به، ومن بعد ذلك يقول الحق: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ...}