Verse. 758 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللہُ بِاللَّغْوِ فِيْۗ اَيْمَانِكُمْ وَلٰكِنْ يُّؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الْاَيْمَانَ۝۰ۚ فَكَفَّارَتُہٗۗ اِطْعَامُ عَشَرَۃِ مَسٰكِيْنَ مِنْ اَوْسَطِ مَا تُطْعِمُوْنَ اَہْلِيْكُمْ اَوْ كِسْوَتُہُمْ اَوْ تَحْرِيْرُ رَقَبَۃٍ۝۰ۭ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلٰــثَۃِ اَيَّامٍ۝۰ۭ ذٰلِكَ كَفَّارَۃُ اَيْمَانِكُمْ اِذَا حَلَفْتُمْ۝۰ۭ وَاحْفَظُوْۗا اَيْمَانَكُمْ۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللہُ لَكُمْ اٰيٰتِہٖ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ۝۸۹
La yuakhithukumu Allahu biallaghwi fee aymanikum walakin yuakhithukum bima AAaqqadtumu alaymana fakaffaratuhu itAAamu AAasharati masakeena min awsati ma tutAAimoona ahleekum aw kiswatuhum aw tahreeru raqabatin faman lam yajid fasiyamu thalathati ayyamin thalika kaffaratu aymanikum itha halaftum waihfathoo aymanakum kathalika yubayyinu Allahu lakum ayatihi laAAallakum tashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يؤاخذكم الله باللغو» الكائن «في أيمانكم» هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله «ولكن يؤاخذكم بما عَقّدتُمُ» بالتخفيف والتشديد وفي قراءة عاقدتم «الأيمان» عليه بأن حلفتم عن قصد «فكفارته» أي اليمين إذا حنثتم فيه «إطعام عشرة مساكين» لكل مسكين مدٌ «من أوسط ما تطعمون» منه «أهليكم» أي أقصده وأغلبه لا أعلاه ولا أدناه «أو كسوتهم» بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار ولا يكفي دفع ما ذكر إلى مسكين واحد وعليه الشافعي «أو تحرير» عتق «رقبة» أي مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار حملا للمطلق على المقيد «فمن لم يجد» واحدا مما ذكر «فصيام ثلاثة أيام» كفارته وظاهره أنه لا يشترط التتابع وعليه الشافعي «ذلك» المذكور «كفارة أيمانكم إذا حلفتم» وحنثتم «واحفظوا أيمانكم» أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بر أو إصلاح بين الناس كما في سورة البقرة «كذلك» أي مثل ما بين لكم ما ذكر «يبيِّن الله لكم آياته لعلكم تشكرونـ» ـه على ذلك.

89

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع الثاني: من الأحكام المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ }. قد ذكرنا أنه تعالى بيّـن في هذا الموضع أنواعاً من الشرائع والأحكام. بقي أن يقال: أي مناسبة بين هذا الحكم وبين ما قبله حتى يحسن ذكره عقيبه؟ فنقول: قد ذكرنا أن سبب نزول الآية الأولى أن قوماً من الصحابة حرّموا على أنفسهم المطاعم والملابس واختاروا الرهبانية وحلفوا على ذلك فلما نهاهم الله تعالى عنها قالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا أنزل الله هذه الآية. واعلم أن الكلام في أن يمين اللغو ما هو قد سبق على الاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله {أية : لا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } تفسير : [البقرة: 225] فلا وجه للاعادة. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم {عَقَّدتُّمُ } بتشديد القاف بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {عَقَّدتُّمُ } بتخفيف القاف بغير ألف، وقرأ ابن عامر عاقدتم بالألف والتخفيف. قال الواحدي: يقال عقد فلان اليمين والعهد والحبل عقداً إذا وكده وأحكمه، ومثل ذلك أيضاً عقد بالتشديد إذا وكد، ومثله أيضاً عاقد بالألف. إذا عرفت هذا فنقول: أما من قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير، يقال: عقد زيد يمينه، وعقدوا أيمانهم، وأما من قرأ بالتشديد فاعلم أن أبا عبيدة زيف هذه القراءة وقال: التشديد للتكرير مرة بعد مرة فالقراءة بالتشديد توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة لأنها لم تتكرر. وأجاب الواحدي رحمه الله عنه من وجهين: الأول: أن بعضهم قال: عقد بالتخفيف والتشديد واحد في المعنى. الثاني: هب أنها تفيد التكرير كما في قوله {أية : وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ } تفسير : [يوسف: 23] إلا أن هذا التكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، ومتى جمع بين القلب واللسان فقد حصل التكرير أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر لم يكن معقداً، وأما من قرأ بالألف فإنه من المفاعلة التي تختص بالواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل وعاقبت اللص فتكون هذه القراءة كقراءة من خفف. المسألة الثانية: (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بعقدكم أو بتعقيدكم أو بمعاقدتكم الأيمان. المسألة الثالثة: في الآية محذوف، والتقدير: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة لأنه كان معلوماً عندهم أو بنكث ما عقدتم، فحذف المضاف. وأما كيفية استدلال الشافعي بهذه الآية على أن اليمين الغموس توجب الكفارة فقد ذكرناها في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ }. واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير، فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر، وهو الصوم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة، ولا يجوز له تركها جميعاً، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة، فإنه يخرج عن العهدة، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير، ومن الفقهاء من قال: الواحد لا بعينه، وهذا الكلام يحتمل وجهين: الأول: أن يقال: الواجب عليه أن يدخل في الوجود واحداً من هذه الثلاثة لا بعينه. وهذامحال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معيناً في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته، وما كان كذلك فإنه لا يراد به التكليف، الثاني: أن يقال: الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل، وذلك أيضاً محال لأن كون ذلك الشيء واجباً بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال، وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره، والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله نصيب كل مسكين مد، وهو ثلثا من، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم، وقال أبو حنيفة رحمه الله الواجب نصف صاع من الحنطة، وصاع من غير الحنطة. حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الاطعام إلا قوله {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطاً في العرف، أو ما كان متوسطاً في الشرع، فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا من الحنطة إذاجعل دقيقاً أو جعل خبزاً فإنه يصير قريباً من المن، وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهراً، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد، وهو ما روي في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار، فقال الرجل: ما أجد فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أطعم هذا، وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع، وهو مد، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل، فكان قدرها معتبراً بصدقة الفطر، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد. وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } والأوسط هو الأعدل والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي، فأما الأعدل فيكون بإدام، وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما الله: مد معه إدامه، والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب. أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر، فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جداً يكفيه الرغيف الواحد، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان، إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة لا يكون غالباً كالسكر، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة، والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب والخبز، ويحتمل أن يكون المراد الأوسط في الطيب واللذاذة، ولما كان اللفظ محتملاً لكل واحد من الأمرين فنقول: يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجهين: الأول: أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام. الثاني: أن هذا القدر واجب بيقين، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا دلالة فيه عليه فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك والله أعلم. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: الواجب تمليك الطعام. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز. حجة الشافعي: أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة، إما الاطعام، أو الكسوة، أو الاعتاق، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة التمليك، فوجب أن يكون الواجب في الاطعام هو التمليك. حجة أبي حنيفة: أن الآية دلّت على أن الواجب هو الاطعام، والتغدية والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ } تفسير : [الإنسان: 8] وقال: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وإطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك، ويقال في العرف: فلان يطعم الفقراء إذا كان يقدم الطعام إليهم ويمكنهم من أكله. وإذا ثبت أنه أمر بالاطعام وجب أن يكون كافياً. أجاب الشافعي رضي الله عنه: أن الواجب إما المد أو الأزيد، والتغدية والتعشية قد تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين والله أعلم. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: لا يجزئه إلا طعام عشرة وقال أبو حنيفة رحمه الله لو أطعم مسكيناً واحداً عشرة أيام جاز. حجة الشافعي رحمه الله: أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه، وما كان كذلك فإنه يجب الاعتماد فيه على مورد النص. المسألة الخامسة: الكسوة في اللغة معناها اللباس، وهو كل ما يكتسى به، فأما التي تجزى في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي رحمه الله. المسألة السادسة: المراد بالرقبة الجملة، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الاطلاق من الرقبة فك الرقبة، ثم جرى ذلك على العتق، ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقبات تجزيه. وقال الشافعي رحمه الله: الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل، صغيرة كانت أو كبيرة، ذكراً أو أنثى، بعد أن تكون مؤمنة، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات، ولا إعتاق المكاتب، ولا شرء القريب، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار. المسألة السابعة: لقائل أن يقول: أي فائدة لتقديم الاطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة. قلنا له وجوه: أحدها: أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ، وثانيها: قدم الاطعام لأنه أسهل لكون الطعام أعم وجوداً، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف، وثالثها: أن الاطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته. ثم قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام وعند أبي حنيفة رحمه الله، يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه الزكاة، فجعل من لا زكاة عليه عادماً. حجة الشافعي رحمه الله، أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه الثلاثة، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط، فعند عدم وجدان هذه الثلاثة وجب أن لا يجوز الصوم، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر إليه، وقد رأينا في الشرع أنه متى وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق النفس واجباً، فوجب أن تبقى الآية معمولاً بها في غير هذه الصورة. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله في أصح قوليه: أنه يصوم ثلاثة أيام إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة. وقال أبو حنيفة: يجب التتابع. حجة الشافعي: أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام، والآتي بصوم ثلاثة أيام على التفرق آت بصوم ثلاثة أيام، فوجب أن يخرج عن العهدة. حجة أبي حنيفة رحمه الله، ما روي في قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود: فصوم ثلاثة أيام متتابعات، وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما. والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآناً لنقلت نقلاً متواتراً، إذ لو جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن وذلك باطل، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة، فلا تصلح لأن تكون حجة. وأيضاً نقل في قراءة أُبي بن كعب أنه قرأ (فعدة من أيام أُخر متتابعات) مع أن التتابع هناك ما كان شرطاً، وأجابوا عنه بأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟ فقال عليه الصلاة والسلام:«حديث : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك قال بلى، قال فالله أحق أن يعفو وأن يصفح».تفسير : قلنا: فهذا الحديث وإن وقع جواباً عن هذا السؤال في صوم رمضان إلا أن لفظه عام، وتعليله عام في جميع الصيامات، وقد ثبت في الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكان ذلك من أقوى الدلائل على جواز التفريق ههنا أيضاً. المسألة الثالثة: من صام ستة أيام عن يمينين أجزأه سواء عين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين أو لا والدليل عليه أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام عليه، وقد أتى بها، فوجب أن يخرج عن العهدة. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } قوله {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة، أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، إلا أنه حذف ذكر الحنث لكونه معلوماً، كما قال: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تفسير : [البقرة: 184] أي فأفطر. احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز فقال: الآية دلّت على أن كل واحد من الأشياء الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين، وإذا كان كذلك وجب أن يخرج عن العهدة. قال: وقوله {إِذَا حَلَفْتُمْ } فيه دقيقة وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فإنه يجوز. ثم قال تعالى: {وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ } وفيه وجهان: الأول: المراد منه قللوا الأيمان ولا تكثروا منها قال كثير:شعر : قَليلُ الألا يا حافظٌ ليمينه وإن سبقت منه الأَليَّةُ بَرَّتِ تفسير : فدل قوله (وإن سبقت منه الألية) على أن قوله (حافظ ليمينه) وصف منه له بأنه لا يحلف. الثاني: واحفظوا أيمانكم إذا حلفتم عن الحنث لئلا تحتاجوا إلى التفكير، واللفظ محتمل للوجهين، إلا أن على هذا التقدير يكون مخصوصاً بقوله عليه السلام: «حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه».تفسير : ثم قال: تعالى: {كَذٰلِكَ يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } والمعنى ظاهر، والكلام في لفظ لعلّ تقدم مراراً.

القرطبي

تفسير : فيه سبع وأربعون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} تقدّم معنى اللغو في «البقرة» ومعنى «فِي أَيْمَانِكُمْ» أي من أيمانكم، والأيمان جمع يمين. وقيل: ويَمين فَعِيل من اليُمن وهو البركة؛ سماها الله تعالى بذلك؛ لأنها تحفظ الحقوق. ويمين تذكر وتؤنث وتجمع أَيْمَان وأَيْمُنٌ. قال زهير:شعر : فتُجمَـعُ أيْمـنٌ مِنّـا ومِنكـم تفسير : الثانية ـ واختلف في سبب نزول هذه الآية؛ فقال ابن عباس: سبب نزولها القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم، حَلَفوا على ذلك فلما نزلت {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} قالوا: كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية. والمعنى على هذا القول؛ إذا أتيتم باليمين ثم ألغيتموها ـ أي أسقطتم حكمها بالتكفير وكَفَّرتم ـ فلا يؤاخذكم الله بذلك؛ وإنما يؤاخذكم بما أقمتم عليه فلم تُلْغوه؛ أي فلم تُكفِّروا؛ فبان بهذا أن الحَلِف لا يحرّم شيئاً. وهو دليل الشافعي على أن اليمين لا يتعلق بها تحريم الحلال، وأن تحريم الحلال لَغْو، كما أن تحليل الحرام لَغْو مثل قول القائل: استحللت شرب الخمر، فتقتضي الآية على هذا القول أن الله تعالى جعل تحريم الحلال لَغْواً في أنه لا يُحرّم؛ فقال: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} أي بتحريم الحلال. وحديث : رُوي أن عبد الله ابن رَوَاحة كان له أيتام وضيف، فانقلب من شغله بعد ساعة من الليل فقال: أعشيتم ضيفي؟ فقالوا: انتظرناك؛ فقال: لا والله لا آكله الليلة؛ فقال ضيفه: وما أنا بالذي يأكل؛ وقال أيتامه: ونحن لا نأكل؛ فلما رأى ذلك أَكَل وأَكَلوا. ثم أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له: «أطعتَ الرّحمن وعصيتَ الشيطان» تفسير : فنزلت الآية. الثالثة ـ الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفارة، وقسمان لا كفّارة فيهما. خرّج الدَّارَقُطْنيّ في سننه، حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدّثنا خلف بن هشام حدّثنا عَبْثَر عن ليث عن حماد عن إبراهيم عن عَلْقَمة عن عبد الله. قال: الأيمان أربعة، يمينان يُكفَّران ويمينان لا يُكفَّران؛ فاليمينان اللذان يُكفَّران فالرجل الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول والله لأفعلنّ كذا وكذا فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يُكفَّران فالرجل يحلف والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله. قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوريّ في «جامعه»، وذكره المَرْوَزِيّ عنه أيضاً، قال سفيان: الأيمان أربعة؛ يمينان يكفَّران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل، أو يقول والله لأفعلنّ ثم لا يفعل، ويمينان لا يُكفَّران وهو أن يقول الرجل والله ما فعلت وقد فعل، أو يقول والله لقد فعلت وما فعل؛ قال المَرْوَزِيّ: أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان؛ وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما؛ فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه قد فعل كذا وكذا عند نفسه صادقاً يَرَى أنه على ما حلف عليه فلا إثم عليه ولا كفّارة عليه في قول مالك وسفيان الثوريّ وأصحاب الرأي، وكذلك قال أحمد وأبو عبيد؛ وقال الشافعي لا إثم عليه وعليه الكفّارة. قال المَرْوَزِيّ: وليس قول الشافعي في هذا بالقويّ. قال: وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا وقد فعل متعمداً للكذب فهو آثم ولا كفّارة عليه في قول عامة العلماء؛ مالك وسفيان الثوريّ وأصحاب الرأي وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد. وكان الشافعي يقول يُكَفِّر؛ قال: وقد رُوي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي. قال المَرْوَزِيّ: أميل إلى قول مالك وأحمد. قال: فأما يمين اللغو الذي اتفق عامة العلماء على أنها لَغْو فهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير منعقدٍ لليمين ولا مُريدها. قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} مخفف القاف من العقد، والعقد على ضربين حِسِّيّ كعَقْد الحبل، وحُكْميّ كعَقْد البيع؛ قال الشاعر: شعر : قوم إذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهم شَدُّوا العِنَاجَ وشَدُّوا فوقه الكَرَبَا تفسير : فاليمين المنعقدة منفعِلة من العقد، وهي عقد القلب في المستقبل ألاّ يفعلَ ففعل؛ أو ليفعلنّ فلا يفعل كما تقدّم. فهذه التي يُحلّها الاستثناء والكفّارة على ما يأتي. وقُرىء «عَاقَدْتُمْ» بألف بعد العين على وزن فاعل وذلك لا يكون إلا من اثنين في الأكثر، وقد يكون الثاني من حُلِف لأجله في كلام وَقَع معه، أو يكون المعنى بما عاقدتم عليه الأيمان؛ لأن عاقد قريب من معنى عاهد فعدى بحرف الجر، لما كان في معنى عاهد، وعاهد يتعدى إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر؛ قال الله تعالى: { أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وهذا كما عديت {نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ} بإلى، وبابها أن تقول ناديت زيداً { أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ } تفسير : [مريم: 52] لكن لما كانت بمعنى دعوت عديّ بإلى؛ قال الله تعالى: { أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [فصلت: 33] ثم اتسع في قوله تعالى: { أية : عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ } تفسير : [المائدة: 89] فحذف حرف الجر؛ فوصل الفعل إلى المفعول فصار عاقدتموه، ثم حذفت الهاء كما حذفت من قوله تعالى: { أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } تفسير : [الحجر: 94]. أو يكون فَاعلَ بمعنى فَعلَ كما قال تعالى: { أية : قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [التوبة: 30] أي قَتَلهم. وقد تأتي المفاعلة في كلام العرب من واحد بغير معنى «فاعلت» كقولهم: سافرت وظاهرت. وقرىء «عَقَّدْتُمْ» بتشديد القاف. قال مجاهد: معناه تعمّدتم أي قصدتم. ورُوي عن ابن عمر أن التشديد يقتضي التكرار فلا تجب عليه الكفّارة إلا إذا كرر. وهذا يَردُّه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فَأَرَى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خير وكَفَّرتُ عن يميني » تفسير : فذكر وجوب الكفّارة في اليمين التي لم تتكرر. قال أبو عبيد: التشديد يقتضي التكرير مرة بعد مرة، ولست آمن أن يلزم من قرأ بتلك القراءة ألا توجب عليه كفّارة في اليمين الواحدة حتى يرددها مراراً. وهذا قول خلاف الإجماع. روى نافع أن ابن عمر كان إذا حنِثَ من غير أن يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، فإذا وكد اليمين أعتق رقبة. قيل: لنافع ما معنى وكد اليمين؟ قال: أن يحلف على الشيء مراراً. الخامسة ـ اختلف في اليمين الغَمُوس هل هي يمين منعقدة أم لا؟ فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكرٍ وخَدِيعةٍ وكذبٍ فلا تنعقد ولا كفّارة فيها. وقال الشافعي: هي يمين منعقدة؛ لأنها مكتسَبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى، وفيها الكفّارة. والصحيح الأوّل. قال ابن المنذر: وهذا قول مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال الأُوزاعيّ ومن وافقه من أهل الشام، وهو قول الثوريّ وأهل العراق، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي من أهل الكوفة؛ قال أبو بكر: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأتِ الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه » تفسير : وقوله: « حديث : فليكفّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير » تفسير : يدل على أن الكفّارة إنما تجب فيمن حلف على فعل يفعله مما يستقبل فلا يفعله، أو على فعل ألا يفعله فيما يستقبل فيفعله. وفي المسألة قول ثان وهو أن يكفّر وإن أَثِم وعَمَد الحلِف بالله كاذباً؛ هذا قول الشافعي. قال أبو بكر: ولا نعلم خبراً يدل على هذا القول، والكتاب والسنة دالان على القول الأوّل؛ قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 224] قال ابن عباس: هو الرجل يحلف ألاَّ يَصِلَ قرابته فجعل الله له مخرجاً في التكفير، وأمره ألا يعتلَّ بالله وليكفّر عن يمينه. والأخبار دالة على أن اليمين التي يحلِف بها الرجل يقتطع بها مالاً حراماً هي أعظم من أن يكفِّرها ما يكفر اليمين. قال ابن العربي: الآية وردت بقسمين: لَغْو ومنعقدة، وخرجت على الغالب في أيمان الناس فدع ما بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفّارة. قلت: خرّج البخاريّ عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: «الإشراك بالله» قال: ثم ماذا؟ قال: «عقوق الوالدين» قال: ثم ماذا؟ قال: «اليمين الغَمُوس» قلت وما اليمين الغَمُوس؟ قال: «التي يقتطع بها مال ٱمرىء مسلم هو فيها كاذب» تفسير : . وخرّج مسلم عن أبي أُمامة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «من ٱقتطع حق ٱمرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحَرَّم عليه الجنة» فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: «وإنْ كان قضِيباً من أراكٍ» تفسير : ومن حديث عبد الله بن مسعود؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من حلف على يمينٍ صبرٍ يقتطعُ بها مالَ ٱمرىء مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» تفسير : فنزلت { أية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً } تفسير : [آل عمران: 77] إلى آخر الآية ولم يذكر كفّارة، فلو أوجبنا عليه كفّارة لسقط جرمه، ولقي الله وهو عنه راض، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه؛ وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب، واستحلال مال الغير، والاستخفاف باليمين بالله تعالى، والتهاون بها وتعظيم الدنيا؟ فأهان ما عَظَّمه الله، وعظّم ما حقّره الله وحسبك. ولهذا قيل: إنما سميت اليمين الغَمُوس غَمُوساً لأنها تغمس صاحبها في النار. السادسة ـ الحالف بألاّ يفعلَ على بِرٍّ ما لم يفعل، فإن فعل حَنِث ولزمته الكفّارة لوجود المخالفة منه؛ وكذلك إذا قال إن فعلت. وإذا حلف بأن ليفعلنّ فإنه في الحال على حِنْثٍ لوجود المخالفة، فإن فعل برَّ، وكذلك إن قال إن لم أفعل. السابعة ـ قول الحالِف: لأفعلنّ؛ وإن لم أفعل، بمنزلة الأمر. وقوله: لا أفعل، وإن فعلت، بمنزلة النهي. ففي الأوّل لا يَبَرُّ حتى يفعل جميع المحلوف عليه: مثاله لآكلنّ هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبرّ حتى يأكل جميعه: لأن كل جزء منه محلوف عليه. فإن قال: والله لآكلنّ ـ مطلقاً ـ فإنه يَبَرّ بأقل جزء مما يقع عليه الاسم؛ لإدخال ماهية الأكل في الوجود. وأما في النهي فإنه يَحنَث بأقل ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن مقتضاه ألاّ يدخلَ فرد من أفراد المنهيّ عنه في الوجود؛ فإن حلف ألاّ يدخلَ داراً فأدخل إحدى رجليه حَنث؛ والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غَلَّظ جهة التحريم بأوّل الاسم في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ } تفسير : [النساء: 22]؛ فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه، ولم يكتف في جهة التحليل بأوّل الاسم فقال: « حديث : لا حتّى تَذوقي عُسَيْلتَه ». تفسير : الثامنة ـ المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى، كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا، كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته؛ لأنها يمين بقديم غير مخلوق، فكان الحالف بها كالحالف بالذات. روى الترمذيّ والنَّسائي وغيرهما: أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال: وعِزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، وكذلك قال في النار: وعِزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها. وخرّجا أيضاً وغيرهما عن ابن عمر قال: حديث : كانت يمين النبيّ صلى الله عليه وسلم «لا ومقلبِ القلوب» تفسير : وفي رواية « حديث : لا ومصرِّف القلوب » تفسير : وأجمع أهل العلم على أن من حلف فقال: واللَّهِ أو باللَّهِ أو تاللَّهِ فحنِث أنّ عليه الكفّارة. قال ابن المنذر: وكان مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون: من حلف باسم من أسماء الله وحنِث فعليه الكفّارة؛ وبه نقول ولا أعلم في ذلك خلافاً. قلت: قد نَقَل «في باب ذكر الحَلِف بالقرآن»؛ وقال يعقوب: من حلف بالرحمن فحنِث فلا كفارة عليه. قلت: والرحمن من أسمائه سبحانه مجمع عليه ولا خلاف فيه. التاسعة ـ واختلفوا في وحقِّ الله وعظمةِ الله وقدرةِ الله وعلم الله ولعَمْرُ الله وٱيم الله؛ فقال مالك: كلها أيمان تجب فيها الكفّارة. وقال الشافعيّ: في وحقِّ الله وجلالِ الله وعظمةِ الله وقدرة الله، يمين إن نوى بها اليمين، وإن لم يُرِد اليمين فليست بيمين؛ لأنه يحتمل وحق الله واجب وقدرته ماضية. وقال في أمانة الله: ليست بيمين، ولَعَمْر اللَّهِ وٱيمُ اللَّهِ إن لم يرد بها اليمين فليست بيمين. وقال أصحاب الرأي إذا قال: وعظمةِ الله وعِزة اللَّهِ وجلال اللَّهِ وكبرياء الله وأمانة الله فحنِث فعليه الكفّارة. وقال الحسن في وحق الله: ليست بيمين ولا كفّارة فيها؛ وهو قول أبي حنيفة حكاه عنه الرّازيّ. وكذلك عهد الله وميثاقه وأمانته ليست بيمين. وقال بعض أصحابه: هي يمين. وقال الطحاويّ: ليست بيمين، وكذا إذا قال: وعِلم الله لم يكن يميناً في قول أبي حنيفة، وخالفه صاحبه أبو يوسف فقال: يكون يميناً. قال ابن العربي: والذي أوقعه في ذلك أن العِلم قد ينطلق على المعلوم وهو المحدَث فلا يكون يميناً. وذهل عن أن القدرة تنطلق على المقدور، فكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم. قال ابن المنذر: وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : وٱيم اللَّهِ أنْ كان لخليقاً للإمارة » تفسير : في قصة زيد وابنه أُسَامة. وكان ابن عباس يقول: وٱيم اللَّهِ؛ وكذلك قال ابن عمر. وقال إسحاق: إذا أراد بٱيم اللَّه يميناً كانت يميناً بالإرادة وعَقْد القلب. العاشرة ـ واختلفوا في الحِلف بالقرآن؛ فقال ابن مسعود: عليه بكل آية يمين؛ وبه قال الحسن البصريّ وابن المبارك. وقال أحمد: ما أعلم شيئاً يدفعه. وقال أبو عبيد: يكون يميناً واحدة. وقال أبو حنيفة: لا كفّارة عليه. وكان قَتَادة: يحلف بالمصحف. وقال أحمد وإسحاق لا نكره ذلك. الحادية عشرة ـ لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. وقال أحمد بن حنبل: إذا حلف بالنبيّ صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه؛ لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلاّ به فتلزمه الكفّارة كما لو حلف بالله. وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في رَكْب وعُمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليِصمت» تفسير : وهذا حَصْر في عدم الحلف بكل شيء سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا. ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنّسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون » تفسير : ثم ينتقض عليه بمن قال: وآدم وإبراهيم فإنه لا كفّارة عليه، وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به. الثانية عشرة ـ روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من حلف منكم فقال في حلفِه باللاّت فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعالَ أقامرك فليتصدق » تفسير : . وخرّج النسائيّ عن مُصعَب بن سعد عن أبيه قال: كنّا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعُزّى، فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس ما قلت: وفي رواية قلت هُجْرا؛ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: « حديث : قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وانفث عن يسارك ثلاثاً وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد » تفسير : . قال العلماء: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة، وتذكيرا من الغَفْلة، وإتماما للنعمة. وخص اللات بالذكر لأنها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها، وكذا من قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل. الثالثة عشرة ـ قال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أَكفر بالله: إنها يمين تلزم فيها الكفّارة، ولا تلزم فيما إذا قال: واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الإيمان. ومتمسكه ما رواه الدَّرَاقُطْني عن أبي رافع: أن مولاته أَرادت أن تُفرّق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوماً يهودية، ويوماً نصرانية، وكل مملوك لها حُرّ؛ وكل مال لها في سبيل الله، وعليها مشي إلى بيت الله إن لم تُفرّق بينهما، فسألت عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تُكفِّر عن يمينها وتخلي بينهما. وخرج أيضاً عنه قال: قالت مولاتي لأفرقنّ بينك وبين امرأتك، وكلّ مال لها في رِتاج الكعبة وهي يوماً يهودية ويوماً نصرانية ويوماً مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك؛ قال: فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت: إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي؛ فقالت ٱنطلق إلى مولاتك فقل لها: أن هذا لا يحل لك؛ قال: فرجعت إليها؛ قال ثم أتيت ابن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال: هٰهنا هاروت وماروت؛ فقالت: إني جعلت كل مال لي في رِتاج الكعبة. قال: فممّ تأكلين ؟ قالت: وقلت أنا يوماً يهودية ويوماً نصرانية ويوماً مجوسية؛ فقال: إن تَهودتِ قُتلت وإن تَنصرتِ قُتلتِ وإن تَمجستِ قُتلتِ؛ قالت: فما تأمرني؟ قال: تُكفّري عن يمينك، وتجمعين بين فتاك وفتاتك. وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال: أقسم بالله أنها يمين. وٱختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكونّن كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيماناً عند مالك إذا أراد بالله، وإن لم يرد بالله لم تكن أيماناً تُكفَّر. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والحسن والنَّخَعي: هي أيمان في الموضعين. وقال الشافعي: لا تكون أيماناً حتى يذكر اسم الله تعالى؛ هذه رواية المُزَني عنه. وروى عنه الربيع مثل قول مالك. الرابعة عشرة ـ إذا قال: أقسمت عليك لتفعلنّ؛ فإن أراد سؤاله فلا كفّارة فيه وليست بيمين؛ وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفاً. الخامسة عشرة ـ من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله: وخلق الله ورزقه وبيته لا شيء عليه؛ لأنها أيمان غير جائزة، وحَلف بغير الله تعالى. السادسة عشرة ـ إذا انعقدت اليمين حلّتها الكفارة أو الاستثناء. وقال ابن الماجِشُون: الإستثناء بدل عن الكفارة وليس حَلاً لليمين. قال ابن القاسم: هي حَلٌّ لليمين؛ وقال ابن العربي: وهو مذهب فقهاء الأمصار وهو الصحيح؛ وشرطه أن يكون متصلاً منطوقاً به لفظاً؛ لما رواه النَّسائي وأبو داود عن ٱبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من حلف فٱستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حِنْث » تفسير : فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه. وقال محمد بن الموّاز: يكون الاستثناء مقترناً باليمين اعتقاداً ولو بآخر حرف؛ قال: فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك؛ لأن اليمين فرغت عارية من الاستثناء، فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي؛ وهذا يرده الحديث « حديث : من حلف فاستثنى » تفسير : والفاء، للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم. وأيضاً فإن ذلك يؤدي إلى ألاّ تنحلّ يمين ابتدىء عقدُها وذلك باطل. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: واختلف أصحابنا متى ٱستثنى في نفسه تخصيص ما حلف عليه، فقال بعض أصحابنا: يصح ٱستثناؤه وقد ظلم المحلوف له. وقال بعضهم: لا يصح حتى يسمع المحلوف له. وقال بعضهم: يصح إذا حرك به لسانه وشفتيه وإن لم يسمع المحلوف له. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: وإنما قلنا يصح ٱستثناؤه في نفسه، فلأن الأيمان تعتبر بالنيات، وإنما قلنا لا يصح ذلك حتى يحرك به لسانه وشفتيه؛ فإن من لم يحرك به لسانه وشفتيه لم يكن متكلماً، والاستثناء من الكلام يقع بالكلام دون غيره؛ وإنما قلنا لا يصح بحال فلأن ذلك حق للمحلوف له، وإنما يقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم، فلما لم تكن اليمين على ٱختيار الحالف بل كانت مستوفاة منه، وجب ألاّ يكون له فيها حكم. وقال ٱبن عباس: يدرك الاستثناءُ اليمين بعد سنة؛ وتابعه على ذلك أبو العالية والحسن وتعلق بقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا آخَرَ } تفسير : [الفرقان: 68] الآية؛ فلما كان بعد عام نزل {إِلاَّ مَن تَابَ}. وقال مجاهد: من قال بعد سنتين إن شاء الله أجزأه. وقال سعيد بن جُبير: إن ٱستثنى بعد أربعة أشهر أجزأه. وقال طاوس: له أن يستثني ما دام في مجلسه. وقال قَتَادة: إن ٱستثنى قبل أن يقوم أو يتكلم فله ثُنْياه. وقال أحمد بن حنبل وإسحاق: يستثنى ما دام في ذلك الأمر. وقال عطاء: له ذلك قدر حَلَب الناقة الغزِيرة. السابعة عشرة ـ قال ٱبن العربي: أمّا ما تعلق به ٱبن عباس من الآية فلا متعلق له فيها؛ لأن الآيتين كانتا متصلتين في عِلم الله تعالى وفي لوحه، وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله ذلك فيها، أَمَا أنه يتركب عليها فرع حسن؛ وهو أن الحالف إذا قال والله لا دخلت الدار، وأنت طالق إن دخلت الدار، وٱستثنى في يمينه الأوّل إن شاء الله في قلبه، وٱستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضاً ما يصلح للاستثناء الذي يرفع اليمين لمدّة أو سبب أو مشيئة أحد، ولم يظهر شيئاً من الاستثناء إرهاباً على المحلوف له، فإن ذلك ينفعه ولا تنعقد اليمينان عليه؛ وهذا في الطلاق ما لم تحضره البينة؛ فإن حضرته بينة لم تقبل منه دعواه الاستثناء، وإنما يكون ذلك نافعاً له إذا جاء مستفتياً. قلت: وجه الاستثناء أن الله تعالى أظهر الآية الأولى وأخفى الثانية، فكذلك الحالف إذا حلف إرهاباً وأخفى الاستثناء. والله أعلم. قال ٱبن العربي: وكان أبو الفضل المراغي يقرأ بمدينة السلام، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده، فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحداً مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه؛ فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضاً من الطلب وعزم على الرحيل، شدّ رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل، فقرأ فيها ما لو أنّ واحداً منها يقرؤه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله ورَحَّل على دابة قُمَاشه وخرج إلى باب الحَلْبَة طريق خُرَاسان، وتقدّمه الَكرِيّ بالدّابة وأقام هو على فَاميّ يبتاع منه سُفرته فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر: أما سمعت العالم يقول ـ يعني الواعظ ـ أن ٱبن عباس يجوّز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد ٱشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظلَلْت فيه متفكراً، ولو كان ذلك صحيحاً لما قال الله تعالى لأيوب: { أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } تفسير : [صۤ: 44] وما الذي يمنعه من أن يقول: قل إن شاء الله! فلما سمعه يقول ذلك قال: بلد يكون فيه الفامِيُّون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبداً؛ واقتفىٰ أثر الكَرِي وحَلَّله من الكِراء وأقام بها حتى مات. الثامنة عشرة ـ الاستثناء إنما يرفع اليمين بالله تعالى إذ هي رُخْصة من الله تعالى، ولا خلاف في هذا. وٱختلفوا في الاستثناء في اليمين بغير الله؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة: الاستثناء يقع في كل يمين كالطلاق والعتاق وغير ذلك كاليمين بالله تعالى ـ قال أبو عمر: ما أجمعوا عليه فهو الحق، وإنما ورد التوقيف بالاستثناء في اليمين بالله عز وجل لا في غير ذلك. التاسعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ} ٱختلف العلماء في تقديم الكفارة على الحِنْث هل تجزىء أم لا ـ بعد إجماعهم على أن الحِنْث قبل الكفّارة مباح حسن وهو عندهم أولى ـ على ثلاثة أقوال: أحدها ـ يجزىء مطلقاً وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة وجمهور الفقهاء وهو مشهور مذهب مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزىء بوجه، وهي رواية أشهب عن مالك؛ وجه الجواز ما رواه أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأَرَى غيرها خيراً منها إلاَّ كفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير » تفسير : خرجه أبو داود؛ ومن جهة المعنى أن اليمين سبب الكفَّارة؛ لقوله تعالى: {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} فأضاف الكفّارة إلى اليمين والمعاني تضاف إلى أسبابها؛ وأيضاً فإن الكفّارة بدل عن البرّ فيجوز تقديمها قبل الحِنْث. ووجه المنع ما رواه مسلم عن عديّ بن حاتم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير » تفسير : زاد النّسائي « حديث : وليكفر عن يمينه » تفسير : ومن جهة المعنى أن الكفّارة إنما هي لرفع الإثم، وما لم يَحْنَث لم يكن هناك ما يُرفع فلا معنى لفعلها؛ وكان معنى قوله تعالى: {إِذَا حَلَفْتُمْ} أي إذا حلفتم وَحنثتم. وأيضاً فإن كل عبادة فُعلت قبل وجوبها لم تصح اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات. وقال الشافعي: تجزىء بالإطعام والعتق والكسوة، ولا تجزىء بالصوم؛ لأن عمل البدن لا يقدّم قبل وقته. ويجزىء في غير ذلك تقديم الكفّارة؛ وهو القول الثالث. الموفية عشرين ـ ذكر الله سبحانه في الكفّارة الخِلال الثلاث فخيَّر فيها. وعَقَّب عند عدمها بالصيام، وبدأ بالطعام لأنه كان الأفضل في بلاد الحجاز لغلبة الحاجة إليه وعدم شبعهم، ولا خلاف في أن كفّارة اليمين على التخيير؛ قال ٱبن العربي: والذي عندي أنها تكون بحسب الحال؛ فإن علمت محتاجاً فالطعام أفضل؛ لأنك إذا أعتقت لم تدفع حاجتهم وزدت محتاجاً حادى عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما علم الله الحاجة بدأ بالمقدّم المهم. الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} لا بدّ عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما يخرج لهم، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه؛ لقوله تعالى: { أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام: 14] وفي الحديث « حديث : أَطْعَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجَدَّ السُّدس » تفسير : ؛ ولأنه أحد نوعي الكفّارة فلم يجز فيها إلا التمليك؛ أصله الكسوة. وقال أبو حنيفة: لو غدّاهم وعشاهم جاز؛ وهو ٱختيار ٱبن الماجِشُون من عُلمائنا؛ قال ٱبن الماجشُون: إنّ التمكين من الطعام إطعام، قال الله تعالى: { أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } تفسير : [الإنسان: 8] فبأي وجه أطعمه دخل في الآية. الثانية والعشرون ـ قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} قد تقدّم في «البقرة» أن الوسط بمعنى الأعلى والخيار، وهو هنا منزلة بين منزلتين ونصفاً بين طَرفين. ومنه الحديث « حديث : خير الأمور أوسطها » تفسير : . وخرج ٱبن ماجه؛ حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان بن عُيَينة، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس قال: كان الرجل يَقُوت أهله قُوتاً فيه سَعة وكان الرجل يَقُوت أهله قُوتاً فيه شدَّة؛ فنزلت: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}. وهذا يدل على أن الوسط ما ذكرناه وهو ما كان بين شيئين. الثالثة والعشرون ـ الإطعام عند مالك مُدٌّ لكل واحد من المساكين العشرة، إن كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبه قال الشافعي وأهل المدينة. قال سليمان بن يَسَار: أدركتُ الناس وهم إذا أَعطوا في كفّارة اليمين أعطوا مُدّاً من حِنطة بالمدّ الأصغر، ورأوا ذلك مجزئاً عنهم، وهو قول ابن عمر وٱبن عباس وزيد بن ثابت وبه قال عطاء بن أبي رَبَاح. وٱختلف إذا كان بغيرها؛ فقال ٱبن القاسم: يجزئه المدّ بكل مكان. وقال ٱبن المواز: أفتى ٱبن وهب بمصر بمدّ ونصف، وأشهب بمدّ وثلث؛ قال: وإنّ مدّاً وثلثا لوسطٌ من عيش الأمصار في الغداء والعشاء. وقال أبو حنيفة: يُخرج من البرّ نصف صاع، ومن التمر والشعير صاعاً؛ على حديث عبدالله ابن ثعلبة بن صُعَيْر عن أبيه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فأمر بصدقة الفطر صاع من تمرٍ، أو صاع من شعيرٍ عن كل رأس، أو صاع بُربيْن ٱثنين. وبه أخذ سفيان وٱبن المبارك، وروى عن علي وعمر وٱبن عمر وعائشة، رضي الله عنهم وبه قال سعيد بن المسيّب، وهو قول عامة فقهاء العراق؛ لما رواه ٱبن عباس قال: حديث : كَفَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس بذلكتفسير : ، فمن لم يجد فنصف صاع من بُرّ {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}؛ خرجه ٱبن ماجه في سننه. الرابعة والعشرون ـ لا يجوز أن يُطعم غنياً ولا ذا رحم تلزمه نفقته، وإن كان ممن لا تلزمه نفقته فقد قال مالك: لا يعجبني أن يُطعمه، ولكن إن فعل وكان فقيراً أجزأه؛ فإن أطعم غنياً جاهلاً بغناه ففي «المدوّنة» وغير كتابٍ لا يجزىء، وفي «الأسدية» أنه يجزىء. الخامسة والعشرون ـ ويخرج الرجل مما يأكل؛ قال ٱبن العربي: وقد زَلَّت هنا جماعة من العلماء فقالوا: إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس البرُّ فليخرج مما يأكل الناس؛ وهذا سَهْوٌ بيّن؛ فإن المكفر إذا لم يستطع في خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلَّف أن يعطي لغيره سواه؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : صاعاً من طعامٍ صاعاً من شعير » تفسير : ففصل ذكرهما ليخرج كلُّ أحدٍ فرضه مما يأكل؛ وهذا مما لا خفاء فيه. السادسة والعشرون ـ قال مالك: إن غَدَّى عشرة مساكين وعشاهم أجزأه. وقال الشافعي: لا يجوز أن يطعمهم جملة واحدة؛ لأنهم يختلفون في الأكل، ولكن يعطي كل مسكين مداً. وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يجزىء إطعام العشرة وجبة واحدة؛ يعني غداء دون عشاء، أو عشاء دون غداء، حتى يغدّيهم ويعشيهم؛ قال أبو عمر: وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار. السابعة والعشرون ـ قال ابن حبيب: ولا يُجزىء الخبز قَفَارا بل يُعطي معه إدامه زيتا أو كَشْكاً أو كَامَخاً أو ما تيسر؛ قال ابن العربي: هذه زيادة ما أراها واجبة أما أنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر ـ نعم ـ واللحم، وأما تعيين الإدام للطعام فلا سبيل إليه؛ لأن اللفظ لا يتضمنه. قلت: نزول الآية في الوسط يقتضي الخبز والزيت أو الخلّ؛ وما كان في معناه من الجُبْن والكَشْك كما قال ٱبن حبيب. والله أعلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : نعِم الإدام الخل » تفسير : وقال الحسن البصري: إن أطعمهم خبزاً ولحماً، أو خبزاً وزيتاً مرّة واحدة في اليوم حتى يشبعوا أجزأه؛ وهو قول ٱبن سيرين وجابر بن زيد ومكحول، وروى ذلك عن أنس بن مالك. الثامنة والعشرون ـ لا يجوز عندنا دفع الكفّارة إلى مسكين واحد، وبه قال الشافعي. وأصحاب أبي حنيفة يمنعون صرف الجميع إلى واحد دفعة واحدة، ويختلفون فيما إذا صرف الجميع في يوم واحد بدفعات مختلفة؛ فمنهم من أجاز ذلك، وأنه إذا تعدّد الفعل حسن أن يقال في الفعل الثاني لا يُمنع من الذي دُفِعت إليه أوّلاً؛ فإن ٱسم المسكين يتناوله. وقال آخرون: يجوز دفع ذلك إليه في أيام، وإنّ تعدّد الأيام يقوم مقام أعداد المساكين. وقال أبو حنيفة: يجزئه ذلك؛ لأن المقصود من الآية التعريف بقدر ما يطعم، فلو دفع ذلك القدر لواحد أجزأه. ودليلنا نص الله تعالى على العشرة فلا يجوز العدول عنهم، وأيضاً فإن فيه إحياء جماعة من المسلمين وكفايتهم يوماً واحداً، فيتفرّغون فيه لعبادة الله تبارك وتعالى ولدعائه، فيغفر للمكفر بسبب ذلك. والله أعلم. التاسعة والعشرون ـ قوله تعالى »: {فَكَفَّارَتُهُ} الضمير على الصناعة النحوية عائد على «ما» ويحتمل في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية. أو يعود على إثم الحِنث وإن لم يجر له ذكر صريح ولكن المعنى يقتضيه. الموفية ثلاثين ـ قوله تعالى: {أَهْلِيكُمْ} هو جمع أهل على السلامة. وقرأ جعفر بن محمد الصادق: «أَهَالِيكُمْ» وهذا جمع مُكَسَّر؛ قال أبو الفتح: أهالٍ بمنزلة ليالٍ واحدها أَهْلاَت ولَيْلات؛ والعرب تقول: أَهْلٌ وَأَهْلَةٌ. قال الشاعر: شعر : وَأَهْلَةِ وُدً قد تَبَرَّيْتُ وُدَّهُمْ وأَبليْتَهُمْ في الجَهْدِ حَمْدِي ونَائِلي تفسير : يقول: تعرّضت لودهم؛ قاله ابن السكيت. الحادية والثلاثون ـ قوله تعالى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} قرىء بكسر الكاف وضمها هما لغتان مثل إسوة وأُسوة. وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السَّمَيْقع اليماني: «أَوْ كإسْوَتِهِم» يعني كإسوة أهلِك. والكسوة في حق الرجال الثوب الواحد الساتر لجميع الجسد؛ فأما في حق النساء فأقل ما يجزئهن فيه الصلاة، وهو الدّرع والخمار، وهكذا حكم الصغار. قال ٱبن القاسم في «العتبية» تُكسى الصغيرة كسوة كبيرة، والصغير كسوة كبير؛ قياساً على الطعام. وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي: أقل ما يقع عليه الاسم وذلك ثوب واحد؛ وفي رواية أبي الفرج عن مالك، وبه قال إبراهيم النَّخَعي ومغيرة: ما يستر جميع البدن؛ بناء على أن الصلاة لا تجزىء في أقل من ذلك. وروى عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم الثوب التُّبَّان؛ أسنده الطبري. وقال الحَكَم بن عتيبة تجزىء عمامة يلف بها رأسه، وهو قول الثوري. قال ابن العربي: وما كان أحرصني على أن يقال: إنه لا يجزىء إلا كسوة تستر عن أَذَى الحر والبرد كما أن عليه طعاماً يشبعه من الجوع فأقول به، وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه؛ والله يفتح لي ولكم في المعرفة بعونه. قلت: قد راعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة؛ فقال بعضهم: لا يجزىء الثوب الواحد إلا إذا كان جامعاً مما قد يُتَزَيا به كالكساء والمِلْحَفة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الكسوة في كفارة اليمين لكل مسكين ثوب وإزار، أو رداء أو قميص أو قَبَاء أو كساء. وروي عن أبي موسى الأشعري أنه أمر أن يكسَى عنه ثوبين ثوبين؛ وبه قال الحسن وٱبن سيرين وهذا معنى ما ٱختاره ٱبن العربي. والله أعلم. الثانية والثلاثون ـ لا تجزىء القيمة عن الطعام والكسوة؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجزىء؛ وهو يقول تجزىء القيمة في الزكاة فكيف في الكفّارة! قال ٱبن العربي: وعُمدته أن الغرض سدّ الْخَلَّة، ورفع الحاجة؛ فالقيمة تجزىء فيه. قلنا: إن نظرتم إلى سدّ الْخَلَّة فأين العبادة؟ وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؟! الثالثة والثلاثون ـ إذا دفع الكسوة إلى ذِمي أو إلى عبد لم يجزه. وقال أبو حنيفة: يجزئه؛ لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة، ويشتمل عليه عموم الآية. قلنا هذا يخصه بأن يقول جزء من المال يجب إخراجه للمساكين فلا يجوز دفعه للكافر؛ أصله الزكاة؛ وقد ٱتفقنا على أنه لا يجوز دفعه للمرتد؛ فكل دليل خصّ به المرتد فهو دليلنا في الذمي. والعبد ليس بمسكين لاستغنائه بنفقة سيده فلا تدفع إليه كالغني. الرابعة والثلاثون ـ قوله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} التحرير الإخراج من الرق؛ ويستعمل في الأَسْر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها. ومنه قول أمّ مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} أي من شُغُوب الدنيا ونحوها. ومن ذلك قول الفَرَزْدق بن غالب. شعر : أبني غُدانَة إنني حَرَّرتُكم فوهبتُكم لعطيِة بن جِعَالِ تفسير : أي حررتكم من الهجاء. وخصّ الرقبة من الإنسان، إذ هو العضو الذي يكون فيه الغُلّ والتوثق غالباً من الحيوان، فهو موضع المِلك فأضيف التحرير إليها. الخامسة والثلاثون ـ لا يجوز عندنا إلا إعتاق رقبة مؤمنة كاملة ليس فيها شرك لغيره، ولا عَتَاقة بعضها، ولا عِتق إلى أجل، ولا كِتابة ولا تدبير، ولا تكون أمّ ولد ولا من يَعتق عليه إذا ملكه، ولا يكون بها من الهَرم والزَّمانة ما يضرّ بها في الاكتساب، سليمة غير معيبة؛ خلافاً لداود في تجويزه إعتاق المعيبة. وقال أبو حنيفة: يجوز عتق الكافرة؛ لأن مطلق اللفظ يقتضيها. ودليلنا أنها قربة واجبة فلا يكون الكافر محلاً لها كالزكاة؛ وأيضاً فكل مطلَق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيَّد في عتق الرقبة في القتل الخطأ. وإنما قلنا: لا يكون فيها شِرك، لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وبعض الرقبة ليس برقبة. وإنما قلنا لا يكون فيها عقد عتق؛ لأن التحرير يقتضي ٱبتداء عِتق دون تنجيز عِتق مقدّم. وإنما قلنا: سليمة؛ لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} والإطلاق يقتضي تحرير رقبة كاملة والعمياء ناقصة. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما من مسلم يعتق ٱمرءاً مسلماً إلا كان فكاكه من النار كلُّ عضو منه بعضو منها حتى الفرج بالفرج » تفسير : وهذا نص. وقد روى في الأعور قولان في المذهب، كذلك في الأصم والخصِيّ. السادسة والثلاثون ـ من أخرج مالا ليعتق رقبة في كفارة فتلِف كانت الكفّارة باقية عليه، بخلاف مخرِج المال في الزكاة ليدفعه إلى الفقراء، أو ليشتري به رقبة فتلِف، لم يكن عليه غيره لامتثال الأمر. السابعة والثلاثون ـ اختلفوا في الكفّارة إذا مات الحالف؛ فقال الشافعي وأبو ثور: كفّارات الأيمان تخرج من رأس مال الميت. وقال أبو حنيفة: تكون في الثلث؛ وكذلك قال مالك إن أوصى بها. الثامنة والثلاثون ـ من حلف وهو موسر فلم يُكفِّر حتى أعسر، أو حَنِث وهو مُعْسر فلم يُكفِّر حتى أيسر، أو حَنِث وهو عبد فلم يُكفِّر حتى عَتَق، فالمراعاة في ذلك كله بوقت التكفير لا وقت الحِنْث. التاسعة والثلاثون ـ روى مسلم عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : واللَّهِ لأَنْ يَلَجَّ أحدُكم بيمينه في أهلِه آثَمُ له عند الله من أن يعطِي كفارته التي فرض الله » تفسير : اللجاج في اليمين هو المضي على مقتضاه، وإن لزم من ذلك حرج ومشقة، وترك ما فيه منفعة عاجلة أو آجلة؛ فإن كان شيء من ذلك فالأُولى به تحنيث نفسه وفعل الكفارة، ولا يعتلُّ باليمين كما ذكرناه في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } تفسير : [البقرة: 224] وقال عليه السلام: « حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفِّر عن يمينه وليفعل الذي هو خير » تفسير : أي الذي هو أكثر خيراً. الموفية أربعين ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : اليمين على نيّة المستحلِف » تفسير : قال العلماء: معناه أنّ من وجبت عليه يمين في حقّ وجب عليه فحلف وهو ينوي غيره لم تنفعه نِيته، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين، وهو معنى قوله في الحديث الآخر: « حديث : يَمينُك على ما يُصدِّقك عليه صاحبك » تفسير : . ورُوي « حديث : يُصدِّقك به صاحبك » تفسير : خرّجه مسلم أيضاً. قال مالك: من حلف لطالبه في حقّ له عليه، وٱستثنى في يمينه، أو حرّك لسانه أو شفتيه، أو تكلم به، لم ينفعه ٱستثناؤه ذلك؛ لأن النية نيّة المحلوف له؛ لأن اليمين حق له، وإنما تقع على حسب ما يستوفيه له الحاكم لا على ٱختيار الحالف؛ لأنها مستوفاة منه. هذا تحصيل مذهبه وقوله. الحادية والأربعون ـ قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} معناه لم يجد في مِلكه أحد هذه الثلاثة؛ من الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة بإجماع؛ فإذا عدم هذه الثلاثة الأشياء صام. والعدم يكون بوجهين إمّا بمغِيب المال عنه أو عدمه؛ فالأوّل أن يكون في بلد غير بلده فإن وجد من يسلفه لم يجزه الصوم، وإن لم يجد من يسلفه فقد ٱختلف فيه؛ فقيل: ينتظر إلى بلده؛ قال ٱبن العربي: وذلك لا يلزمه بل يكفّر بالصيام؛ لأن الوجوب قد تقرّر في الذمة والشرط من العدم قد تحقق فلا وجه لتأخير الأمر؛ فليكفّر مكانه لعجزه عن الأنواع الثلاثة؛ لقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ}. وقيل: من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش به فهو الذي لم يجد. وقيل: هو من لم يكن له إلا قُوت يومه وليلته، وليس عنده فضل يطعمه؛ وبه قال الشافعي وٱختاره الطَّبَريّ، وهو مذهب مالك وأصحابه. ورُوى عن ٱبن القاسم أنّ من تفضل عنه نفقة يومه فإنه لا يصوم؛ قال ٱبن القاسم في كتاب ٱبن مزين: إنه إن كان للحانث فضل عن قُوت يومه أطعم إلاّ أن يخاف الجوع، أو يكون في بلد لا يُعطَف عليه فيه. وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن عنده نِصاب فهو غير واجد. وقال أحمد وإسحاق: إذا كان عنده قُوت يوم وليلة أطعم ما فضل عنه. وقال أبو عبيد: إذا كان عنده قوت يومه وليلته وعياله وكسوة تكون لكفايتهم، ثم يكون بعد ذلك مالكاً لقدر الكفّارة فهو عندنا واجد. قال ٱبن المنذر: قول أبي عُبيد حَسنٌ. الثانية والأربعون ـ قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} قرأها ٱبن مسعود «متتابعات» فيقيد بها المطلق؛ وبه قال أبو حنيفة والثوريّ، وهو أحد قولي الشافعيّ واختاره المُزَنيّ قياساً على الصوم في كفّارة الظِّهار، واعتباراً بقراءة عبد الله. وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئه التفريق؛ لأن التتابع صفة لا تجب إلا بنصّ أو قياس على منصوص وقد عُدِما. الثالثة والأربعون ـ من أفطر في يوم من أيام الصيام ناسياً فقال مالك: عليه القضاء؛ وقال الشافعي: لا قضاء عليه؛ على ما تقدّم بيانه في الصيام في «البقرة». الرابعة والأربعون ـ هذه الكفّارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم باتفاق. واختلفوا فيما يجب منها على العبد إذا حَنِث؛ فكان سفيان الثوريّ والشافعيّ وأصحاب الرأي يقولون: ليس عليه إلا الصوم، لا يجزئه غير ذلك؛ واختلف فيه قول مالك، فحكى عنه ابن نافع أنه قال: لا يُكفِّر العبد بالعتق؛ لأنه لا يكون له الولاء، ولكن يُكفِّر بالصدقة إن أَذِن له سيده؛ وأصوب ذلك أن يصوم. وحَكَى ٱبن القاسم عنه أن قال: إن أطعم أو كسا بإذن السيد فما هو بالبيّن، وفي قلبي منه شيء. الخامسة والأربعون ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} أي تغطية أيمانكم؛ وكَفَّرت الشيء غطيته وسترته وقد تقدّم. ولا خلاف أن هذه الكفّارة في اليمين بالله تعالى، وقد ذهب بعض التابعين إلى أن كفّارة اليمين فعل الخير الذي حلف على تركه. وتَرْجَم ٱبن ماجه في سننه « حديث : من قال كفّارتُها تَرْكُها » تفسير : حدّثنا عليّ بن محمد حدّثنا عبد الله بن نُمَير عن حارثة بن أبي الرجال عن عَمْرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من حلف في قطيعة رحِم أو فيما لا يصلح فبِرُّه ألاَّ يتمَّ على ذلك » تفسير : وأَسنَد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليتركها فإنّ تركها كفارتُها ». تفسير : قلت: ويعتضد هذا بقصة الصدّيق رضي الله عنه حين حلف ألا يَطْعَم الطعام، وحلفت ٱمرأته ألاّ تَطعمه حتى يَطعمه، وحلف الضيف ـ أو الأضياف ـ ألا يَطعمه أو لا يَطعموه حتى يَطعمه، فقال أبو بكر: كان هذا من الشيطان؛ فدعا بالطعام فأكل وأكلوا. خرجه البخاريّ، وزاد مسلم قال: فلما أصبح غدا على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله بَرُّوا وحَنِثت؛ قال: فأَخبَره؛ قال: « حديث : بل أنت أبَرُّهُم وأَخيرُهم » تفسير : قال: ولم تبلغني كفَّارة. السادسة والأربعون ـ واختلفوا في كفّارة غير اليمين بالله عز وجل؛ فقال مالك: من حلف بصدقة ماله أخرج ثلثه. وقال الشافعي: عليه كفّارة يمين؛ وبه قال إسحاق وأبو ثور، ورُوي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما. وقال الشعبيّ وعطاء وطاوس: لا شيء عليه. وأما اليمين بالمشي إلى مكة فعليه أن يَفِيَ به عند مالك وأبي حنيفة. وتجزئه كفّارة يمين عند الشافعيّ وأحمد بن حنبل وأبي ثور. وقال ابن المسّيب والقاسم بن محمد: لا شيء عليه؛ قال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم بالمدينة وغيرها يوجبون في اليمين بالمشي إلى مكة كفّارة مثل كفّارة اليمين بالله عز وجل؛ وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين وجمهور فقهاء المسلمين. وقد أفتى به ابنُ القاسم ابنَه عبد الصمد، وذكر له أنه قول الليث بن سعد. والمشهور عن ابن القاسم أنه لا كفّارة عنده في المشي إلى مكة إلا بالمشي لمن قدر عليه؛ وهو قول مالك. وأما الحالف بالعتق فعليه عتق من حلف عليه بعتقه في قول مالك والشافعي وغيرهما. ورُوي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة أنه يُكفّر كفّارة يمين ولا يلزمه العتق ـ وقال عطاء: يتصدق بشيء. قال المهدويّ: وأجمع من يعتمد على قوله من العلماء على أن الطلاق لازم لمن حلف به وحَنِث. السابعة والأربعون ـ قوله تعالى: {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} أي بالبِدَار إلى ما لزمكم من الكفّارة إذا حَنِثتم. وقيل: أي بترك الحِلَف؛ فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تقدّم معنى «الشكر» و «لعل» في «البقرة» والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : وقد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد والمنة، وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله وبلى والله وهذا مذهب الشافعي. وقيل: هو في الهزل. وقيل: في المعصية. وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب، وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} والصحيح أنه اليمين من غير قصد؛ بدليل قوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ} أي: بما صممتم عليه منها، وقصدتموها، {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ} يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه. وقوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي: من أعدل ما تطعمون أهليكم. وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، وخبز وسمن. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان، يعني: ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتاً فيه سعة، فقال الله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي: من الخبز والزيت. وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} قال: من عسرهم ويسرهم. وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي، حدثنا محمد بن شعيب، يعني: ابن شابور، وحدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن التميمي، عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه قال: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، قال: الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل. وحدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر في قوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم: الخبز واللحم، ورواه ابن جرير عن هناد وابن وكيع، كلاهما عن أبي معاوية، ثم روى ابن جرير عن عبيدة والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضاً. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أي: في القلة والكثرة، ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي رضي الله عنه في قوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} قال: يغديهم ويعشيهم. وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزاً ولحماً، زاد الحسن: فإن لم يجد، فخبزاً وسمناً ولبناً، فإن لم يجد، فخبزاً وزيتاً وخلاً، حتى يشبعوا. وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، فهذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر، وصاع مما عداه. وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن سخبرة ابن أخي عائشة لأمه، حدثنا عمر بن يعلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد، فنصف صاع من بر. ورواه ابن ماجه عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو، به، لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا؛ فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس عن داود، يعني: ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: مدٌّ من بر، يعني: لكل مسكين، ومعه إدامه، ثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري، نحو ذلك. وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مدٌّ بمد النبي صلى الله عليه وسلم، لكل مسكين، ولم يتعرض للأدم. واحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكيناً من مكتل يسع خمسة عشر صاعاً، لكل واحد منهم مد. وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا النضر بن زرارة الكوفي عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مداً من حنطة بالمد الأول، إسناده ضعيف؛ لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول، مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة، فالله أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضاً. وقال أحمد بن حنبل: الواجب مد من بر، أو مدان من غيره، والله أعلم. وقوله تعالى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} قال الشافعي رحمه الله: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة، أجزأه ذلك، واختلف أصحابه في القلنسوة: هل تجزىء أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجاً بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي قالا: حدثنا القاسم بن مالك عن محمد بن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} قال: لو أن وفداً قدموا على أميركم، فكساهم قلنسوة، قلنسوة، قلتم: قد كسوا، ولكن هذا إسناد ضعيف؛ لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني في الخف وجهين أيضاً، والصحيح عدم الإجزاء. وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلاً أو امرأة، كل بحسبه، والله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين، أو شملة، وقال مجاهد: أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت. وقال ليث عن مجاهد: يجزىء في كفارة اليمين كل شيء إلا التُّبَّان. وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك: ثوب ثوب. وعن إبراهيم النخعي أيضاً: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعاً، وقال الأنصاري عن أشعث عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان. وقال الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين. وقال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلى، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} قال: «حديث : عباءة لكل مسكين»تفسير : ، حديث غريب. وقوله: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أخذ أبو حنيفة بإطلاقها، فقال: تجزىء الكافرة، كما تجزىء المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل؛ لاتحاد الموجب، وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم: أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية سوداء فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أين الله؟»تفسير : قالت: في السماء، قال: «حديث : من أنا؟» تفسير : قالت: رسول الله، قال: «حديث : أعتقها فإنها مؤمنة» تفسير : الحديث بطوله. فهذه خصال ثلاث، في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل، فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ}. وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري، أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم، لزمه الإطعام، وإلا صام، وقال ابن جرير حاكياً عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف فيه لمعاشه ما يكفر به بالإطعام،أن يصوم، إلا أن يكون له كفاية، ومن المال ما يتصرف به لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه، ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين. واختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع، أو يستحب ولا يجب، ويجزىء التفريق؟ قولان: أحدهما: لا يجب، وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك؛ لإطلاق قوله: {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ} وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان؛ لقوله: {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} ونص الشافعي في موضع آخر في "الأم" على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة؛ لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرؤونها: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود، وقال إبراهيم في قراءة أصحاب عبد الله ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). وقال الأعمش كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآناً متواتراً، فلا أقل أن يكون خبراً واحداً، أو تفسيراً من الصحابة، وهو في حكم المرفوع. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري، حدثنا الهيثم ابن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات، قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: «حديث : أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» تفسير : وهذا حديث غريب جداً. وقوله: {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} أي: هذه كفارة اليمين الشرعية، {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَـٰنَكُمْ}. قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ} أي: يوضحها ويفسرها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ } الكائن {فِى أَيْمَٰنِكُمْ } هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ } بالتخفيف والتشديد وفي قراءة (عاقدتم) {ٱلأَيْمَٰنَ } عليه بأن حلفتم عن قصد {فَكَفَّٰرَتُهُ } أي اليمين إذا حنثتم فيه {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ } لكل مسكين (مدٌّ) {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ } منه {أَهْلِيكُمْ } أي أقصَدُهُ وأغلَبُه لا أعلاه ولا أدناه {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار ولا يكفي دفع ما ذكر إلى مسكين واحد وعليه الشافعي {أَوْ تَحْرِيرُ } عتق {رَقَبَةٍ } أي مؤمنة كما في كفارة القتل والظهار حملاً للمطلق على المقيد {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } واحداً مما ذكر {فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ } كفارته وظاهره أنه لا يشترط التتابع وعليه الشافعي {ذٰلِكَ } المذكور {كَفّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم {وَٱحْفَظُواْ أَيْمَٰنَكُمْ } أن تنكثوها ما لم تكن على فعل بِرِّ أو إصلاح بين الناس كما في سورة (البقرة) [2: 224،225] {كَذٰلِكَ } أي مثل ما بيَّن لكم ما ذُكر {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ـه على ذلك.

الشوكاني

تفسير : قد تقدم تفسير اللغو، والخلاف فيه، في سورة البقرة، و{فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } صلة {يُؤَاخِذُكُمُ }، قيل و"فِى" بمعنى "من" والأيمان جمع يمين. وفي الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها، ولا تجب فيها كفارة. وقد ذهب الجمهور من الصحابة، ومن بعدهم، إلى أنها قول الرجل: لا والله وبلى والله في كلامه، غير معتقد لليمين، وبه فسر الصحابة الآية وهم أعرف بمعاني القرآن. قال الشافعي: وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. قوله: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأيْمَـٰنَ } قرىء بتشديد {عقدتم} وبتخفيفه، وقرىء «عاقدتم». والعقد على ضربين: حسي، كعقد الحبل؛ وحكمي، كعقد البيع، واليمين، والعهد. قال الشاعر:شعر : قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا تفسير : فاليمين المعقدة من عقد القلب ليفعلن أو لايفعلن في المستقبل، أي ولكن يؤاخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها. وأما اليمين الغموس: فهي يمين مكر وخديعة، وكذب قد باء الحالف بإثمها، وليست بمعقودة ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور، وقال الشافعي: هي يمين معقودة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخبر مقرونة باسم الله، والراجح الأول، وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين متوجهة إلى المعقودة ولا يدل شيء منها على الغموس، بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب، وأنها من الكبائر، بل من أكبر الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : الآية [آل عمران: 77]. قوله: {فَكَفَّارَتُهُ } الكفارة: هي مأخوذة من التكفير وهو التستير، وكذلك الكفر هو الستر، والكافر هو الساتر، لأنها تستر الذنب وتغطيه، والضمير في {كفارته} راجع إلى «ما» في قوله: {بِمَا عَقَّدتُّمُ }. {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } المراد بالوسط هنا المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير، وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع، أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام أهليكم منه، ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه، ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه، وظاهره أنه يجزىء إطعام عشرة حتى يشبعوا. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لا يجزىء إطعام العشرة غداء دون عشاء حتى يغديهم ويعشيهم. قال أبو عمر: هو قول أئمة الفتوى بالأمصار. وقال الحسن البصري وابن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزاً وسمناً، أو خبزاً ولحماً. وقال عمر بن الخطاب، وعائشة، ومجاهد، والشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وميمون بن مهران، وأبو مالك، والضحاك والحكم، ومكحول، وأبو قلابة، ومقاتل: يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من برّ أو تمر. وروي ذلك عن عليّ. وقال أبو حنيفة نصف صاع برّ وصاع مما عداه. وقد أخرج ابن ماجه، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كفَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وكفَّر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من برّ، وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي وهو مجمع على ضعفه. وقال الدارقطني: متروك. قوله: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على إطعام. قرىء بضم الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة. وقرأ سعيد بن جبير، ومحمد بن السميفع اليماني «أو كإسوتهم»: يعني كإسوة أهليكم، والكسوة في الرجال تصدق على ما يكسو البدن، ولو كان ثوباً واحداً، وهكذا في كسوة النساء؛ وقيل الكسوة للنساء درع وخمار؛ وقيل المراد بالكسوة ما تجزىء به الصلاة. قوله: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي إعتاق مملوك، والتحرير: الإخراج من الرقّ، ويستعمل التحرير في فكّ الأسير وإعفاء المجهود بعمل عن عمله وترك إنزال الضرر به، ومنه قول الفرزدق:شعر : أبني غدانة أنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال تفسير : أي حررتكم من الهجاء الذي كان سيضع منكم ويضرّ بأحسابكم. ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي تجزىء في الكفارة، وظاهر هذه الآية أنها تجزىء كل رقبة على أيّ صفة كانت. وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان فيها قياساً على كفارة القتل {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } أي فمن لم يجد شيئاً من الأمور المذكورة فكفارته صيام ثلاثة أيام، وقرىء «متتابعات» حكى ذلك عن ابن مسعود وأبيّ، فتكون هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم. وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو أحد قول الشافعي. وقال مالك، والشافعي في قوله الآخر: يجزىء التفريق {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم، ثم أمرهم بحفظ الأيمان، وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها، والإشارة بقوله: {كَذٰلِكَ } إلى مصدر الفعل المذكور بعده، أي مثل ذلك البيان {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ } وقد تكرّر هذا في مواضع من الكتاب العزيز، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ما أنعم به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } في القوم الذين كانوا حرّموا على أنفسهم النساء واللحم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله: {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير، في اللغو قال: هو الرجل يحلف على الحلال. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: هما الرجلان يتبايعان، يقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن النخعي قال: اللغو أن يصل كلامه بالحلف: والله لتأكلنّ والله لتشربنّ ونحو هذا لا يريد به يميناً ولا يتعمد حلفاً، فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة، وقد تقدّم الكلام في البقرة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ } قال: بما تعمدتم. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مدّاً من حنطة، وفي إسناده النضر بن زرارة بن عبد الكريم الذهلي الكوفي. قال أبو حاتم مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات. وقد تقدّم حديث ابن عباس وتضعيفه. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنا نعطي في كفارة اليمين بالمدّ الذي نقتات به، وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب قال: إني أحلف لا أعطي أقواماً، ثم يبدو لي فأعطيهم، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر أو نصف صاع من قمح. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عليّ بن أبي طالب قال: في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس مثله. وأخرج عنه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق قال: في كفارة اليمين مدّ من حنطة لكل مسكين. وأخرج هؤلاء إلا ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت مثله. وأخرج هؤلاء أيضاً عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عليّ ابن أبي طالب قال: تغديهم وتعشيهم إن شئت خبزاً ولحماً، أو خبزاً وزيتاً، أو خبزاً وسمناً، أو خبزاً وتمراً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } قال: من عسركم ويسركم. وأخرج ابن ماجه عنه قال: [كان] الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدّة، فنزلت: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه نحو ذلك. وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عائشة عن النبيّ صلى الله عيله وسلم في قوله: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } قال: "حديث : عباءة لكل مسكين"تفسير : ، قال ابن كثير: حديث غريب. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: قلت يا رسول الله {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } ما هو؟ قال: "حديث : عباءة عباءة"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: عباءة لكل مسكين أو شملة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال: الكسوة ثوب أو إزار. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: في كفارة اليمين هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة الأوّل فالأوّل، فإن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وأخرج ابن مردويه عنه نحوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قد ذكرنا اختلاف المفسرين والفقهاء في لغو اليمين. {وَلَكِنَ يُؤَاخِذُوكُمْ بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} اختلف فى سبب نزولها على قولين: أحدهما: أنها نزلت في عثمان بن مظعون، حين حرَّم على نفسه الطعام، والنساء، بيمين حَلَفَهَا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم، قاله السدي. والثاني: أنها نزلت فى عبد الله بن رَوَاحة، وكان عنده ضيف فأَخَّرَتْ زوجته قِرَاهُ فَحَلَفَ لا يَأكل من الطعام شيئاً، وَحَلَفَتِ الزوجة لا تأكل منه إن لم يأكل، وحَلَفَ الضيف لا يأكل منه إن لم يأكلا، فأكل عبد الله وأكلا معه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "حديث : أَحْسَنْتَ" تفسير : ونزلت فيه هذه الآية، قاله ابن زيد. وقوله تعالى: {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيْمَانَ} وعقدها هو لفظ باللسان وقصد بالقلب، لأن ما لم يقصده فى أَيمَانِهِ، فهو لغو لا يؤاخذ به. ثم في عقدها قولان: أحدهما: أن يكون على فعل مستقبل، ولا يكون على خبر ماض، والفعل المستقبل نوعان: نفي وإثبات، فالنفي أن يقول والله لا فعلت كذا، والإِثبات أن يقول: والله لأَفْعَلَنَّ كذا. وأما الخبر الماضي فهو أن يقول: والله ما فعلت، وقد فعل، أو يقول: والله لقد فعلت كذا،وما فعل، فينعقد يمينه بالفعل المستقبل في نوعي إثباته ونفيه. وفي انعقادها بالخبر الماضي قولان. أحدهما: أنها لا تنعقد بالخبر الماضي، قاله أبو حنيفة وأهل العراق. والقول الثاني: أنها تنعقد على فعل مستقبل وخبر ماض يتعلق الحنث بهما، قاله الشافعي، واهل الحجاز. ثم قال تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مََساكِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان، قالته عائشة، والحسن، والشعبي، وقتادة. والثاني: أنها كفارة الحنث فيما عقدة منها، وهذا يشبه أن يكون قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وإبراهيم. والأصح من إطلاق هذين القولين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحلها، فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون عقدها حلها معصية كقوله: والله لا قَتَلْتُ نفساً ولا شربت خمراً، فإذا حنث فقتل النفس، وشرب الخمر، كانت الكفار لتكفير مأثم الحنث. والحال الثالثة: أن يكون عقدها مباحاً، وحلها مباحاً كقوله: والله لا لبست هذا الثوب، فالكفارة تتعلق بهما وهي بالحنث أخص. ثم قال تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمُ} فيه قولان: أحدهما: من أوسط أجناس الطعام، قاله ابن عمر، والحسن، وابن سيرين. والثاني: من أَوسطه في القدر، قاله علي، وعمر، وابن عباس، ومجاهد. وقرأ سعيد بن جبير {مِن وَسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيكُمْ} ثم اختلفوا في القدر على خمسة أقاويل: أحدها: أنه مُدٌّ واحد من سائر الأجناس، قاله ابن عمر، وزيد بن ثابت، وعطاء، وقتادة، وهو قول الشافعي. والثاني: أنه نصف صاع من سائر الأجناس، قاله علي، وعمر، وهو مذهب أبي حنيفة. والثالث: أنه غداء وعشاء، قاله علي في رواية الحارث عنه، وهو قول محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري. والرابع: أنه ما جرت به عادة المكفر فى عياله، إن كان يشبعهم أشبع المساكين، وإن كان لا يشبعهم فعلى قدر ذلك، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والخامس: أنه أحد الأمرين من غداء أو عشاء، قاله بعض البصريين. ثم قال تعالى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} وفيها خمسة أقاويل: أحدها: كسوة ثوب واحد، قاله: ابن عباس، ومجاهد، وطاووس، وعطاء، الشافعي. والثاني: كسوة ثوبين، قاله أبو موسى الأشعري، وابن المسيب، والحسن، وابن سيرين. والثالث: كسوة ثوب جامع كالملحفة والكساء، قاله إبراهيم. والرابع: كسوة إزار ورداء وقميص، قاله ابن عمر. والخامس: كسوة ما تجزىء فيه الصلاة، قاله بعض البصريين. ثم قال تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يعني أو فك رقبة من أسر العبودية إلى حال الحرية والتحرير، والفك: العتق، قال الفرزدق: شعر : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال تفسير : ويجزىء صغيرها، وكبيرها، وذكرها، وأنثاها، وفي استحقاق أَثمانها قولان: أحدهما: أنه مستحق ولا تجزىء الكفارة، قاله الشافعي. والثاني: أنه غير مستحق، قاله أبو حنيفة. ثم قال تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} فجعل الله الصوم بدلاً من المال عند العجز عنه، وجعله مع اليسار مخيراً بين التكفير بالإِطعام، أو بالكسوة، أو بالعتق، وفيها قولان: أحدهما: أن الواجب منها أحدها لا يعينه عند الجمهور من الفقهاء. والثاني: أن جميعها واجب، وله الاقتصار على أحدها، قاله بعض المتكلمين، وشاذ من الفقهاء. وهذا إذا حقق خلف في العبارة دون المعنى. واختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل: أحدها: إذا لم يجد قوته وقوت من يقوت صام، قاله الشافعي. والثاني: إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام، قاله سعيد بن جبير. والثالث: إذا لم يجد درهمين، قاله الحسن. والرابع: إذا لم يجد مائتي درهم صام، قاله أبو حنيفة. والخامس: إذا لم يجد فاضلاً عن رأس ماله الذي يتصرف فيه لمعاشه صام. وفي تتابع صيامه قولان: أحدهما: يلزمه، قاله مجاهد، وإبراهيم، وكان أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود يقرآن: {فصيام ثلاثة أيام متتابعات} والثاني: إن صامها متفرقة جاز، قاله مالك، والشافعي في أحد قوليه: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} يعني وحنثتم، فإن قيل فلِمَ لَمْ يذكر مع الكفارة التوبة؟ قيل: لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثماً توجب التوبة، فإن اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم، وترك العزم على المعاودة. {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني احفظوها أن تحلفوا. والثاني: احفظوها أن تحنثوا.

ابن عبد السلام

تفسير : -قوله عزّ وجلّ {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ} قد ذكرنا خلاف المفسرين والفقهاء في لغو اليمين {وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ} اختلف في سبب نزولها قولين: أحدهما: أنها نزلت في عثمان بن مظعون حين حرّم على نفسه الطعام والنساء بيمين حلفها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحنث فيها قاله السدي، والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة وكان عنده ضيف فأخرت زوجته قِراه فحلف لا يأكل من الطعام شيئاً، وحلفت الزوجة لا تأكل منه إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل منه إن لم يأكلا، فأكل عبد الله وأكلا معه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: أحسنت ونزلت فيه هذه الآية قاله ابن زيد. قوله {وَلكِن يؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيْمَانَ} وعقدها هو لفظ باللسان وقصد بالقلب لأن ما لم يقصده من أيمانه فهو لغو لا يؤاخذه به ثم في عقدها قولان: أحدهما: أن تكون على فعل مستقبل ولا تكون على خبر ماض، والفعل المستقبل نوعان: نفي وإثبات، فالنفي أن يقول: "والله لا فعلت كذا" والإثبات أن يقول "والله لأفعلن" أما الخبر الماضي فهو أن يقول: "والله ما فعلت" وقد فعل ويقول: " والله لقد فعلت كذا " وما فعل فينعقد يمينه بالفعل المستقبل في نوعي إثباته ونفيه. وفي انعقادها بالخبر الماضي قولان أحدهما: أنها لا تنعقد بالخبر الماضي قاله أبو حنيفة وأهل العراق، والقول الثاني: أنها تنعقد على فعل مستقبل وخبر ماضٍ يتعلق الحنث بهما قاله الشافعي وأهل الحجاز. ثم قال {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان قالته عائشة والحسن والشعبي وقتادة، والثاني: أنها كفارة الحنث فيما عقدوه منها وهذا أشبه أن يكون قول ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم. والأصح من إطلاق هذين القولين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحَلها فإنها لا تخلوا من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون عقدها طاعة وحَلها معصية كقوله:"والله لا قتلت نفساً ولا شربت خمراً" فإذا حنث بقتل النفس وشرب الخمر كانت الكفارة لتكفير مأثم الحنث دون عقد اليمين، الحال الثاني: أن يكون عقدها معصية وحلها طاعة كقوله "والله لا صليت ولا صمت" فإذا حنث بالصلاة والصوم كانت الكفارة لتكفير مأثم العقد دون الحنث والحال الثالث: أن يكون عقدها مباحاً وحلها مباحاً كقوله: "والله لا لبست هذا الثوب" فالكفارة تتعلق بهما وهي بالحنث أخص. ثم قال {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ} فيه قولان، أحدهما: من أوسط أجناس الطعام قاله ابن عمر و الحسن وابن سيرين والأسود وعبيدة السلماني، والثاني: من أوسطه في القدر قاله علي وعمر وابن عباس ومجاهد وقرأ سعيد بن جبير من وسط ما تطعمون أهليكم ثم اختلفوا في القدر على خمسة أقاويل: أحدها: أنه نصف صاع من سائر الأجناس قاله "علي وعمر وهو مذهب أبي حنيفة، والثاني: مد واحد من سائر الأجناس قاله" ابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء وقتادة وهو مذهب الشافعي، والثالث: أنه غداء وعشاء قاله علي في رواية الحارث عنه وقول محمد بن كعب القرظي والحسن البصري، والرابع: أنه على ما جرت به عادة المكفر في عياله إن كان يشبعهم أشبع المساكين وإن كان لا يشبعهم فعلى قدر ذلك قاله ابن عباس وسعيد ابن جبير، والخامس: أنه أحد الأمرين من غداء وعشاء قاله بعض البصريين. ثم قال {أَو كِسْوَتُهُمْ} وفيها خمسة أقاويل: أحدها: كسوة ثوب واحد قاله ابن عباس ومجاهد وطاووس وعطاء [الخراساني] والشافعي. والثاني: كسوة ثوبين قاله أبو موسى الأشعري وابن المسيب والحسن وابن سيرين، والثالث: كسوة ثوب جامع كالملحفة والكساء قاله إبراهيم، والرابع: كسوة إزار ورداء وقميص قاله ابن عمر والخامس: كسوة ما تجزىء فيه الصلاة قاله بعض البصريين. ثم قال {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يعني أو فك رقبة من أسر العبودية إلى حال الحرية والتحرير والفك: الفتق، قال الفرزدق: شعر : أبني غدانة إنني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال تفسير : وتجزئ صغيرها وكبيرها وذكرها وأنثاها وفي استحقاق إيمانها قولان: أحدهما: أنه مستحق ولا تجزئ الكفارة قاله الشافعي، والثاني: أنه غير مستحق قاله أبو حنيفة. ثم قال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} فجعل الله الصوم [له] بدلاً من المال عند العجز عنه وجعله مع اليسار مخيراً بين التكفير بالإطعام والكسوة والعتق، وفيها قولان: أحدهما: أنّ الواجب منها أحدها لا بعينه عند جمهور الفقهاء والثاني: أن جميعها واجب وله الاقتصار على أحدها قاله بعض المتكلمين وشاذ من الفقهاء، وهذا إذا حُقّق خلف في العبارة دون المعنى واختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل: أحدها: إذا لم يجد قوته وقوت من يقوت [صام] قاله الشافعي، والثاني: إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام قاله سعيد بن جبير، والثالث: إذا لم يجد درهمين صام قاله الحسن، والرابع: إذا لم يجد مائتي درهم صام قاله أبو حنيفة، والخامس: إذا لم يجد ذلك فاضلاً عن رأس ماله الذي يتصرف به لمعاشه صام. وفي تتابع صيامه قولان: أحدهما: يلزمه قاله مجاهد وإبراهيم وكان أبيّ بن كعب وعبدالله بن مسعود يقرءان فصيام ثلاثة أيام متتابعات، والثاني: إن صامها متفرقاً جاز. قاله مالك وأحد قولي الشافعي {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} يعني وحنثتم، فإن قيل: لم لم يذكر مع الكفارة التوبة؟ قيل: لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثماً توجب التوبة، فإن اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم وترك العزم [على المعاودة] {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني احفظوها أن تحلفوا والثاني: احفظوها أن تحنثوا.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قال ابن عباس: "لما نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم - قالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها كانوا قد حلفوا على ما اتفقوا عليه فأنزل الله عز وجل هذه الآية لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم" وقد تقدم تفسير اللغو في الأيمان في سورة البقرة وقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} يعني ولكن يؤاخذكم بما تعمدتم وقصدتم به اليمين ومنه قول الفرزدق: شعر : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم تفسير : وفي الآية حذف تقديره ولكن يؤاخذكم بما عقدتم إذا حنثتم فحذفه لأنه معلوم عند السامعين {فكفارته} يعني فكفارة إيمانكم التي عقدتموها إذا حنثتم {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم} يعني من أقصد ذلك لأن من الناس من يسرف في إطعام أهله ومنهم من يقتر عليهم فأمر الله بالعدل في أداء الكفارة. وقيل: أراد بالأوسط في القيمة فلا يكون غالباً من أعلى الموجود ولا خسيس الثمن من أردأ الموجود بل الوسط في القيمة وقيل أراد بالأوسط الأفضل قال ابن عباس: كل شيء في كتاب الله أوسط فهو أفضل فعلى هذا يكون المعنى من خير ما تطعمون أهليكم وأفضله {أو كسوتم} هو معطوف على محل أوسط أي كما تطعمون المساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم فكذلك فاكسوهم من أوسط الكسوة {أو تحرير رقبة} يعني عتق رقبة والمراد جملة الشخص. (فصل في حكم الآية وفيه مسائل) المسألة الأولى: في بيان الكفارة وهي أربعة أنواع: النوع الأول: من الكفارة الإطعام فيجب إطعام عشرة مساكين واختلفوا في قدر ما يطعم لكل مسكين فذهب قوم إلى أنه يطعم لكل مسكين مد من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو رطل وثلث بالبغدادي من غالب قوت البلد وكذلك سائر الكفارات وهذا قول ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وسليمان بن يسار وعطاء والحسن وإليه ذهب مالك والشافعي ويروى عن عمر وعلي وعائشة أنه يطعم لكل مسكين مدان من بر وهو نصف صاع وبه قال أهل العراق. وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع وإن أطعم من غيرها فصاع وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد. وقال أحمد بن حنبل: يطعم لكل مسكين مد من البر أو نصف صاع من غيرها مثل التمر والشعير: ومن شرط الإطعام تمليك الطعام للمساكين فلو عشاهم وغداهم لم يجزه وقال أبو حنيفة: يجزيه ذلك ولا يجوز إخراج القيمة في الكفارة كالدراهم والدنانير: وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك ولا إخراج الدقيق والخبز في الكفارة بل يجب إخراج الحب، وجوَّزه أبو حنيفة ولا يجوز صرف الكل إلى مسكين واحد في عشرة أيام. النوع الثاني: من الكفارات الكسوة واختلف العلماء في قدرها فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوباً واحداً مما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو عمامة أو سراويل أو كساء ونحو ذلك وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وإليه ذهب الشافعي. وقال مالك: يجب أن يكسو كل مسكين ما تجوز به الصلاة فيكسو الرجل ثوباً والمرأة ثوبين درعاً وخماراً. وقال أحمد: للرجال ثوباً وللمرأة ثوبين درعاً وخماراً وهو أدنى ما يجزى في الصلاة وقال ابن عمر: يجب قميص وإزار ورداء. وقال أبو موسى الأشعري: يجب ثوبان وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وقال إبراهيم النخعي: يجب ثوب جامع كالملحفة. النوع الثالث: من الكفارات العتق فيجب إعتاق رقبة مؤمنة وكذلك يجب في جميع الكفارات وأجاز أبو حنيفة والثوري إعتاق الرقبة الكافرة في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإن الله قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل ومذهب الشافعي أن المطلق يحمل على المقيد ولا يجوز إعتاق المرتد في الكفارات بالإجماع ويشترط أن تكون الرقبة سليمة الرق حتى لو أعتق في الكفارة مكاتباً أو أم ولد أو عبداً اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه فكل هؤلاء لا يجزى في إعتاق الكفارة وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب في الكفارة إذا لم يؤد من نجوم الكتابة شيئاً وجوزوا عتق القريب في الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل فلا يجزى مقطوع اليد أو الرجل ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق ويجوز عتق الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب كلها لا تضر بالعمل وعند أبي حنيفة كل عيب يفوت جنساً من المنفعة يمنع الجواز فيجوز عتق مقطوع إحدى اليدين ولا يجوز عتق مقطوع الأذنين في الكفارة. النوع الرابع: من الكفارات الصوم وهو قوله تعالى: {فمن لم يجد} يعني الكفارة {فصيام ثلاثة أيام} يعني فإذا عجز من لزمته كفارة اليمين عن الإطعام أو الكسوة أو العتق وجب عليه صيام ثلاثة أيام وهو قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام، يعني فعليه صيام ثلاثة أيام. قال الشافعي: إذا كان عنده قوته أو قوت عياله يومه وليلته وفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام. وقال أبو حنيفة: يجوز له الصيام إذا لم يكن عنده من المال ما تجب فيه الزكاة فجعل من لا زكاة عليه عادماً. وقال الحسن: إذا لم يجد درهمين صام. وقال سعيد بن جبير: ثلاثة دراهم. واختلفوا في وجوب التتابع في الصيام عن كفارة اليمين على قولين: أحدهما: أنه يجب التتابع فيه قياساً على كفارة الظهار والقتل وهو قول ابن عباس ومجاهد وطاوس وعطاء وقتادة وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي الشافعي والقول الثاني: لا يجب التتابع في كفارة اليمين فإن شاء تابع وإن شاء فرق والتتابع أفضل وبه قال الحسن ومالك وهذا القول الثاني للشافعي. المسألة الثانية: كلمة أو للتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق فإن شاء أطعم وإن شاء كسا وإن شاء أعتق فبأيها أخذ المكفر فقد أصاب وخرج عن العهدة. المسألة الثالثة: لا يجوز صرف شيء من الكفارات إلا إلى مسلم حر محتاج فلو صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجزيه. وجوز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز. المسألة الرابعة: اختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث فذهب قوم إلى جوازه لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من حلف على يمينه فرأى خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير"تفسير : أخرجه الترمذي (ق) عن عبد الرحمن بن سمرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : يا عبد الرحمن لا تسأل الأمارة فإنها إن أتتك عن مسألة وكلت إليها وإن أتتك من غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفِّر عن يمينك"تفسير : وهذا قول عمر وابن عباس وعائشة وعامة الفقهاء وبه قال الحسن وابن سيرين وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي. إلا أن الشافعي قال: إن كفر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني إنما يجوز الطعام أو الكسوة أو العتق. وقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث وقوله {ذلك} إشارة إلى ما تقدم ذكره من الإطعام أو الكسوة أو العتق أو الصوم عند العجز {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} يعني: وحنثتم، لأن الكفارة لا تجب بمجرد اليمين إنما تجب بالحنث بعد اليمين وفيه إشارة إلى تقديم الكفارة على اليمين لا يجوز، بل بعد اليمين وقبل الحنث كما تقدم {واحفظوا أيمانكم} يعني قللوا أيمانكم ففيه النهي عن كثرة الحلف ومنه قول الشاعر: شعر : قليل الألايا حافظ ليمينه تفسير : وصفه بأنه لا يحلف وقيل في معنى الآية: واحفظوا أيمانكم عن الحنث إذا حلفتم لئلا تحتاجوا إلى التكفير وهذا إذا لم يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه فإن حلف على ذلك فالأفضل، بل الأولى أن يحنث نفسه ويكفر لما روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خير منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير"تفسير : أخرجاه في الصحيحين قوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم آياته} يعني كما بيَّن لكم كفارة إيمانكم إذا حنثتم كذلك يبين لكم جميع ما تحتاجون إليه في أمر دينكم {لعلكم تشكرون} يعني نعمه التي أنعم بها عليكم أن بيَّن لكم آياته ومعالم شريعته.

ابن عادل

تفسير : وهذا النَّوْعُ الثَّانِي من الأحْكام المذْكُورَةِ، ووَجْهُ المُنَاسِبَةِ بَيْنَ هذا الحُكْم والَّذِي قَبْلَهُ حتى حَسُنَ ذِكْرُهُ عَقِيبَهُ، أنَّا ذكرنَا أنَّ سبب نزول الآية: أنَّ قوماً من الصَّحابَةِ - رضي الله عنهم أجمعين - حرَّموا على أنْفُسِهِمُ المطاعِمَ والمَلاَذَّ، واخْتَارُوا الرَّهْبَانِيَّةَ، وحَلَفُوا على ذلك، فلما نَهَاهُمُ اللَّهُ تعالى عنْ ذلك قالُوا: يا رسُول اللَّه، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بأيْمَانِنَا؟ فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيَة، وقدْ تقدَّم إعرابُ نَظيرهَا في البَقَرةِ واشْتِقَاق مُفْرَدَاتِها. قوله تعالى: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}. قرأ حمزة والكسائيُّ وأبو بكْرٍ عن عاصم: "عَقَدتُمْ" بتخفيف القاف دون ألف بعد العين، وابن ذَكْوَان عن ابن عامر: "عَاقَدتُّمْ" بزنة "فاعَلْتُمْ" والباقون: "عَقَّدتُّمْ" بتشديد القاف، فأمَّا التخفيفُ، فهو الأصل، وأمَّا التشديدُ، فيحتمل أوجهاً: أحدها: أنه للتكثير؛ لأنَّ المخاطبَ به جماعةٌ. والثاني: أنه بمعنى المجرَّدِ، فيوافِقُ القراءة الأولى، ونحوه: قَدَّرَ وقَدَرَ. والثالث: أنه يَدُلُّ على توكيد اليمين، نحو: "واللَّهِ الَّذِي لا إلهَ إلاَّ هُوَ". والرابع: أنه يدلُّ على تأكيد العزم بالالتزام. الخامس: أنه عِوَضٌ من الألف في القراءة الأخرى، وقال شهاب الدين: ولا أدري ما معناه ولا يجوز أن يكون لتكرير اليمين، فإنَّ الكفارةَ تَجِبُ ولو بمَرَّةٍ واحدةٍ. وقد تَجَرَّأ أبو عُبَيْدٍ على هذه القراءةِ وزيَّفَها، فقال: "التشديدُ للتكريرِ مرةً من بعد مرَّة، ولستُ آمَنُ أن تُوجِبَ هذه القراءةُ سقوطَ الكفَّارةِ في اليمينِ الواحدة؛ لأنها لم تُكَرَّرْ". وقد وَهَّموه الناسُ في ذلك، وذكروا تلك المعاني المتقدِّمة. وأجَاب الواحِدِي بوجْهَيْن: الأول: أنَّ بعضَهُم قال: عَقَدْتُم بالتَّخفيفِ وبالتَّشْديدِ واحدٌ في المعنى. والثاني: هَبْ أنَّها تُفِيدُ التكرير، كَمَا في قوله تعالى: {أية : وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} تفسير : [يوسف: 23]، إلاَّ أنَّ هذا التكريرَ يحصل بأن يَعْقِدَهَا بقَلْبِهِ ولِسَانِه، ومتَى جَمَعَ بَيْنَ القَلْبِ واللِّسَانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّكْرِيرُ، أمَّا لَوْ عُقِدَ اليَمِينُ بأحَدِهِمَا دُونَ الآخَر لَمْ يَكُن منعقداً لَهَا فَسَلِمَتِ القِرَاءَةُ تِلاوَةً ولِلَّهِ الحَمْدُ. وأمَّا "عَاقَدَتْ"، فيُحتملُ أن تكون بمعنى [المجرَّد نحو]: "جَاوَزْتُ الشَّيءَ وَجُزْتُهُ"، وقال الفارسيُّ: "عَاقَدتُمْ" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون بمعنى "فَعَلَ"، كطَارَقْتُ النَّعْلَ، وعَاقَبْتُ اللِّصَّ. والآخر: أن يُرَادَ به "فاعَلْتُ" التي تقتضي فاعلين؛ كأن المعنى: بما عَاقَدتُّمْ علَيْهِ الأيْمَانَ، عَدَّاه بـ "عَلَى" لمَّا كان بمعنى عَاهَدَ، قال: {أية : بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح: 10]؛ كما عَدَّى: {أية : نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ} تفسير : [المائدة:58] بـ "إلَى"، وبابُها أن تقول: نَادَيْتُ زَيْداً، نحو: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ} تفسير : [مريم: 52] لمَّا كانت بمعنى دَعَوْتُ إلى كذا، قال: {أية : مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [فصلت: 33] ثم اتُّسِعَ فحُذِفَ الجارُّ، ونُقِلَ الفعلُ إلى المفعْول، ثم حُذِفَ الضميرُ العائد من الصلة إلى الموصُول؛ إذ صار: "بِمَا عَاقَدتُّمُوهُ الأيمانَ" كما من حُذِف من قوله: {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} تفسير : [الحجر: 94]، قال شهاب الدين: يريد - رحمه الله - أن يبيِّنَ معنى "المُفَاعَلَةِ"، فأتى بهذه النظائر للتضمين، ولحذفِ العائدِ على التدريج، والمعنى: بِمَا عَاقَدتُّمْ عليه الأيْمَانَ، وعاقَدَتْكُمُ الأيْمَانُ عليه، فنَسَبَ المعاقَدَةَ إلى الأيْمَانِ مجازاً، ولقائل أن يقول: قد لا نَحْتَاجُ إلى عائدٍ حتَّى نحتاجَ إلى هذا التكلُّفِ الكثير، وذلك بأن نجعل "مَا" مصدريةً، والمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: بِمَا عَاقَدتُّمْ غيْرَكُمُ الأيْمَانَ، أيْ: بمُعَاقدتِكُمْ غيرَكُمُ الأيْمَانَ، ونخلُصُ من مجازٍ آخر، وهو نسبةُ المعاقدةِ إلى الأيمان؛ فإنَّ في هذا الوجه نسبة المعاقَدَةِ للغَيْرِ، وهي نسبةٌ حقيقية، وقد نَصَّ على هذا الوجه - جماعةٌ. قالُوا: "مَا" مَعَ الفِعْلِ بِمَنْزِلةِ المصْدَرِ، ولكِن يُؤاخِذُكُم بِعَقْدِكُمْ، أوْ بِتَعْقِيدِكُمْ، أو بِمُعَاقَدَتِكُم الأيْمَان إذا خنتم، فحذف وقتاً لمؤاخَذَة؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، أو يَنْكُثُ ما عَاقَدْتُمْ، فَحَذَفَ المُضَافَ. وقد تعقَّبَ أبو حيان على أبي عليٍّ كلامَهُ؛ فقال: "قوله: إنَّه مثل "طارَقْتُ النَّعْلَ" و"عَاقَبْتُ اللِّصَّ"، ليس مثله؛ لأنَّك لا تقول: طَرَقْتُ ولا عَقَبْتُ، وتقول: عاقدتُّ اليمينَ، وعقدتُّهَا"، وهذا غيرُ لازم لأبي عليٍّ؛ لأنّ مرادَه أنه مثلُه من حَيْثُ إنَّ "المُفَاعَلَةَ" بمعنى أن المشاركة من اثنين منتفيةٌ عنه؛ كانتفائها من عاقَبْتُ وطارَقْتُ، أمَّا كونُه يقالُ فيه أيضاً كذا، فلا يضُرُّه ذلك في التشبيه، وقال أيضاً: "تقديرُه حذف حَرْفِ الجرِّ، ثم الضمير على التدرُّج - بعيدٌ، وليس بنظيرِ: {فاصْدَعْ بِمَا تُؤمرُ}؛ لأن "أمَرَ" بتعدَّى بنفسِه تارةً، وبحرف الجرِّ أخرى، وإن كان الأصلُ الحَرْفَ، وأيضاً فـ "مَا" في "فَاصْدَعْ بِمَا" لا يتعيَّن أن تكون بمعنى "الَّذي" بل الظاهر أنها مصدريَّةٌ، [وكذلك ههنا الأحسنُ: أن تكون مصدريةً] لمقابلتها بالمصْدرِ، وهو اللَّغْوُ". قال الوَاحِدِي: يُقَالُ: عَقَدَ فلانٌ اليمينَ والعهدَ والحبلَ عَقْداً، إذَا وكَّده وأحْكَمَهُ، ومثل ذلك أيضاً "عَقَّدَ" بالتَّشْديد إذا وكَّدَ، ومثله: عَاقَد بالألفِ. وقد تقدم الكلامُ في سورة النِّساء عند قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [الآية: 33] و"عاقَدت"، وذُكِرَ في هذه ثلاثُ قراءاتٍ في المشْهُور، وفي تِيكَ قراءتانِ، وقد تقدم في النساء أنه رُوِيَ عن حمزة: "عَقَّدَتْ" بالتشديد فيكون فيها أيضاً ثلاثُ قراءاتٍ، وهو اتفاقٌ غريبٌ، فإنَّ حمزة من أصحابِ التخفيفِ في هذه السورة، وقد رُوِيَ عنه التثقيلُ في النساء. والمرادُ بقوله: "عقَّدتم، وعاقَدْتُم" أي: قَصَدْتُم وتَعمَّدْتُم، وتقدَّم الكلامُ على ذلك في سُورةِ البَقَرةِ. قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ} مبتدأ وخبر، والضميرُ في "فَكَفَّارتُهُ" فيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه يعودُ على الحِنْثِ الدَّالِّ عليه سياقُ الكلام، وإنْ لم يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، أي: فكفَّارةُ الحِنْثِ. الثاني: أنه يعود على "مَا" إنْ جَعَلْنَاهَا موصولةً اسميَّةً، وهو على حذف مضافٍ، أي: فكفارة نُكْثِهِ، كذا قدَّره الزمخشريُّ. والثالث: أنه يعودُ على العَقْدِ؛ لتقدُّمِ الفعْلِ الدالِّ عليه. الرابع: أنه يعود على اليمين، وإن كانت مؤنثة؛ لأنها بمعنى الحَلْفِ، قالهما أبو البقاء، وليسا بظاهَرْين. و"إطْعَامُ" مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، وهو مقدَّرٌ بحرفٍ وفعلٍ مبنيٍّ للفاعل، أي: فكفَّارته أن يُطْعِمَ الحَانِثُ عشرة، وفاعلُ المصدرِ يُحْذَفُ كثيراً، ولا ضرورة تدعو إلى تقديره بفعلٍ مبنيٍّ للمفعولِ، أي: أن يُطْعَمَ عشرةٌ؛ لأنَّ في ذلك خلافاً تقدَّم التنبيه عليه؛ فعلى الأول: يكونُ محلُّ "عشرة" نصباً؛ وعلى الثاني: يكون محلُّها رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ولذلك فائدةٌ تَظْهر في التابع، فإذا قلت: "يُعْجِبُنِي أكْلُ الخُبْزِ" فإن قدَّرته مبنياً للفاعل، فتتبع "الخُبْز" بالجرِّ على اللفظ، والنَّصْبِ على المحلِّ، وإنْ قَدَّرْتَه مبنيًّا للمفعول، أتْبَعْتَهُ جرًّا ورفعاً، فتقول: "يُعْجِبُني أكْلُ الخُبْزِ والسَّمْنِ والسَّمْنَ والسَّمْنُ"، وفي الحديث: "نَهَى عن قَتْلِ الأبْتَرِ وذُو الطُّفَيَتَيْنِ" برفع "ذُو" على معنى: أنْ يُقْتَلَ الأبْتَرُ، قال أبو البقاء: "والجَيِّدُ أن يُقَدَّرَ - أي المصدرُ - بفعلٍ قد سُمِّي فاعلُه؛ لأنَّ ما قبله وما بعده خطابٌ"، يعني: فهذه قرينةٌ تُقَوِّي ذلك؛ لأنَّ المعنى: فكفَّارَتُهُ أنْ تُطْعِمُوا أنْتُمْ أيها الحَالِفُونَ، وقد تقدم أنَّ تقديره بالمبنيِّ للفاعلِ هو الراجحُ، ولو لم تُوجَدُ قرينةٌ؛ لأنه الأصلُ. قوله تعالى: "مِنْ أوسطِ" فيه وجهان: أحدهما: أنه في محلِّ رفعِ خبراً لمبتدأ محذوفٍ يبيِّنه ما قبله، تقديرُه: طعامُهُمْ مِنْ أوسطِ، ويكون الكلامُ قد تَمَّ عِنْدَ قوله: "مَسَاكِينَ"، وسيأتي له مزيد بيان قريباً إن شاء الله تعالى. والثاني: أنه في موضعِ نصْبٍ؛ لأنه صفةٌ للمفعول الثاني، والتقديرُ: قوتاً أو طعاماً كائناً من أوسطِ، وأما المفعولُ الأوَّل فهو "عَشَرَة" المضافُ إليه المصدرُ، و"مَا" موصولةٌ اسميَّةٌ، والعائدُ محذوفٌ، أي: من أوْسَطِ الذي تطعمُونَهُ، وقَدَّره أبو البقاء مجروراً بـ "مِنْ"، فقال: "الَّذِي تُطْعَمُونَ مِنْهُ"، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ من شرط العائد المجرورِ في الحذف: أنْ يتَّحِدَ الحرفانِ والمتعلَّقانِ، والحرفان هنا، وإن اتفقا وهما "مِنْ" و"مِنْ" إلا أنَّ العامل اختلف؛ فإنَّ "مِن" الثانيةَ متعلِّقةٌ بـ "تُطْعِمُون"، والأولى متعلِّقةٌ بمحذوفٍ، وهو الكون المطلقُ؛ لأنها وقعت صفة للمفعول المحذوف، وقد يقالُ: إنَّ الفعلَ لَمَّا كان مُنْصَباً على قوله: "مِنْ أوْسَطِ"، فكأنه عاملٌ فيه، وإنما قدَّرْنَا مفعولاً لضرورة الصِّناعة، فإن قيل: الموصولُ لم ينجرَّ بـ "مِنْ" إنما انجرَّ بالإضافةِ، فالجوابُ: أنَّ المضافَ إلى الموصول كالموصولِ في ذلك؛ نحو: "مُرَّ بِغُلامٍ الَّذي مَرَرْتُ". و"أهلِيكُمْ" مفعولٌ أول لـ "تُطْعِمُونَ"، والثاني محذوفٌ؛ كما تقدم، أي: تُطْعِمُونَهُ أهْلِيكُمْ، و"أهْلِيكُمْ" جمعُ سلامةٍ، ونَقَصَهُ من الشروط كونُه ليس عَلَماً ولا صفةً، والذي حسَّن ذلك: أنه كثيراً ما يُستعملُ استعمال "مُسْتَحِقٌّ لِكَذَا" في قولهم: "هُوَ أهْلٌ لِكَذَا"، أي: مُسْتَحِقٌّ له، فأشبه الصفاتِ، فجُمِعَ جمعَها، وقال تعالى: {أية : شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} تفسير : [الفتح: 11] {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6]، وفي الحديث: "حديث : إنَّ لله أهلينَ" قيل: يا رسُول الله: مَنْ هُمْ؟ قال: "قُرَّاء القرآن هم أهلُو الله وخاصَّتُه"تفسير : ، فقوله: "أهلُو الله" جمعٌ حُذِفَتْ نونُه للإضافة، ويُحتمل أن يكون مفرداً، فيكتب: "أهْلُ الله"، فهو في اللفظِ واحدٌ. وقرأ جَعْفَرٌ الصَّادقُ: "أهَالِيْكُمْ" بسكونِ الياء، وفيه تخريجانِ: أحدهما: أنَّ "أهَالِي" جمعُ تكسيرٍ لـ "أهْلَة"، فهو شاذٌّ في القياس؛ كـ "لَيْلَةٍ وليالٍ"، قال ابنُ جِني: "أهَالٍ" بمنزلةِ "لَيَالٍ" واحدها أهلاَة ولَيْلاَة، والعربُ تقول: أهْلٌ وأهْلَة؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2047- وَأهْلَةِ وُدٍّ سُرِرْتُ بِوُدِّهِمْ .................... تفسير : وقياسُ قولِ أبي زيدٍ: أن تجعله جمعاً لواحدٍ مقدَّرٍ؛ نحو: أحَادِيث وأعَارِيض، وإليه يشير قولُ ابن جنِّي: "أهالٍ بمنزلة ليالٍ واحدُها أهلاة وليْلاَة"، فهذا يحتمل أن يكونَ [بطريق] السماعِ، ويحتملُ أن يكون بطريقِ القياس؛ كما يقول [أبو زيد. والثاني: أنَّ هذا اسمُ جمعٍ لـ "أهْلٍ" قال الزمخشريُّ: "كَالليالي في جمع لَيْلَة والأرَاضِي في جمع أرْضٍ"]. قوله "في جَمْعِ لَيْلَةٍ، وجمعِ أرضٍ" أرادَ بالجمعِ اللغويَّ؛ لأنَّ اسمَ الجمع جمعٌ في المعنى، ولا يريد أنه جمعُ "لَيْلَة" و"أرْض" صناعةً؛ لانه قد فَرَضَه أنه اسمُ جمعٍ، فكيف يجعلُه جمعاً اصطلاحاً؟. وكان قياسُ قراءةِ جعفرٍ تحريكَ الياءِ بالفتحة؛ لخفَّتها، ولكنه شَبَّه الياء بالألف، فقدَّر فيها الحركةَ، وهو كثيرٌ في النظْمِ؛ كقول النابغة: [البسيط] شعر : 2048- رَدَّتْ عَلَيْهِ أقَاصِيهِ وَلَبَّدَهُ ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بِالْمِسْحَاةِ في الثَّأدِ تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 2049- كَأنَّ أيْديهِنَّ بِالْقَاعِ القَرِقْ أيْدِي جَوَارٍ يَتَعَاطَيْنَ الوَرِقْ تفسير : وقد مضى ذلك. فصل اختَلَفُوا في قَدْرِ هذا الإطعامِ، فقالَ قَوْمٌ: يُطعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُداً من طعام بمُدِّ النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وهو رَطلٌ وثُلُثٌ مِنْ غالبِ قُوتِ البَلْدَة، وكذَلِكَ في جَمِيعِ الكفَّارَاتِ، وهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابتٍ، وابْن عبَّاس، وابن عُمَر - رضي الله عنهم -، وبه قال سعيدُ بْنُ المُسَيَّب والحَسَن والقَاسِم، وسُلَيْمَان بنُ يَسَار، وعطاء، والشَّافِعيُِّ - رضي الله تعالى عنهم - وقال أهْلُ العِرَاقِ: عليه لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ - وهو نصف صاع، ويُرْوَى ذلِكَ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ - رضي الله عنهما -. وقال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه -: إنْ أطعم من الحِنْطَةِ فنِصْفُ صَاعٍ، وإنْ أطعم من غيرها فصاعٌ، وهو قول الشَّعْبِيِّ، والنَّخْعِيِّ، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومُجَاهِد، والحكم - رحمهم الله - ولو غدَّاهم وعشَّاهُمْ لا يجُوزُ، وجوَّزهُ أبُو حنيفةَ - رضي الله عنه -، ويُروَى ذَلِكَ عن عليٍّ - رضي الله عنه -، ولا يَجُوزُ الدَّرَاهِمُ و الدَّنَانِيرُ، ولا الخُبْزُ، والدَّقِيقُ، بل يَجِبُ إخْرَاجُ الحَبِّ إليْهِم، وجوَّز أبُو حنيفةَ - رضي الله عنه - كُلَّ ذلك، ولو صُرِفَ الكُلُّ إلى مِسْكِين واحد لا يجُوزُ، وجوَّز أبو حنيفة أن يُصْرَف طعامُ عشرةٍ إلى مسكينٍ واحدٍ في عشرة أيام ولا يَجُوزُ أن يُصرَف إلا إلى مُسْلِمٍ حر مُحْتَاج، فإن صُرِفَ إلى ذِمِّيٍّ أوْ عَبْدٍ أو غَنِيٍّ لَمْ يَجُزْ، وجوَّز أبُو حنيفةَ صرْفَهُ إلى أهْلِ الذِّمَّةِ، واتَّفَقُوا على أنَّ صَرْفَ الزَّكَاةِ إلى أهْلِ الذِّمَّة لا يَجُوزُ. فصل واختلفُوا في الوسط. فقيل: مِنْ خَيْر قُوتِ عيالِكُمْ، والوسَطُ: الخُبْزُ [وتقدم في البقرة في] قوله تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تفسير : [البقرة: 143]. وقال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الأوْسَطُ الخُبْزُ والْخَلُّ، والأعلى الخُبْزُ واللَّحْم، والأدْنَى الخُبْزُ البحْتُ، والكُلُّ يُجْزِىءُ. قوله تعالى: "أوْ كِسْوَتُهُمْ" فيه وجهان: أحدهما: أنه نَسَقٌ على "إطْعَام"، أي: فكفارتُه إطعامُ عشرةٍ أو كسْوَة تلك العشرة. والثاني: أنه عطفٌ على محلِّ "مِنْ أوسط"؛ كذا قاله الزمخشريُّ، وهذا الذي قاله إنما يتمشَّى على وجهٍ سبقَ في قوله "مِنْ أوْسَط" [وهو أن يكون "مِنْ أوسط" خبراً لمبتدأ محذوفٍ يدُلُّ عليه ما قبله، تقديرُه: طعامُهُمْ مِنْ أوْسَط]، فالكلامُ عنده تامٌّ على قوله "عَشرةِ مساكِينَ"، ثم ابتدأ إخباراً آخر بأن الطعام يكونُ من أوسط كذا وأمَّا إذا قلنا: إنَّ "مِنْ أوْسَطِ" هو المفعولُ الثاني، فيستحيل عطف "كِسْوَتُهُمْ" عليه؛ لتخالفهما إعراباً. وقرأ الجمهور: "كِسْوتُهُمْ" بكسر الكاف. وقرأ إبراهيمُ النخعيُّ وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ وسعيدُ بنُ المُسَيِّب بضمِّها، وقد تقدَّم في البقرة [الآية 233] أنهما لغتان في المصدر، وفي الشيء المَكْسُوِّ، قال الزمخشريُّ: "كالقِدْوَة في القُدْوَة، والإسْوَة في الأسْوَة" إلا أن الذي قرأ في البقرة بضَمِّها هو طلحة فلم يذكُرُوه هنا، ولا ذكَرُوا هؤلاء هناك. وقرأ سعيدُ بن جُبَيْر وابنُ السَّميفع: "أوْ كأسْوتِهِمْ" بكاف الجر الداخلة على "أُسْوَة" قال الزمخشريُّ: "بمعنى: أو مِثْلُ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ، إسْرَافاً أو تَقْتيراً، لا تُنْقصونَهُمْ عن مقْدارِ نفقتِهِمْ، ولكنْ تواسُونَ بينهم، فإنْ قُلْتَ: ما محلُّ الكافِ؟ قلتُ: الرفعُ، تقديرُه: أو طعَامُهُمْ كأسوتِهِمْ، بمعنى: كَمِثْلِ طعامهم، إن لَمْ يُطْعِمُوهُم الأوْسَطَ". انتهى، وكان قد تقدم أنه يجعل "مِنْ أوسَطِ" مرفوع المحلِّ خبراً لمبتدأ محذوف، فتكونُ الكاف عنده مرفوعةً؛ عطفاً على "مِنْ أوْسَطِ"، وقال أبو البقاء قريباً من هذا؛ فإنه قال: "فالكاف في موضعِ رفعٍ أي: أو مِثْلُ أسْوَةِ أهْلِيكُمْ"، وقال أبو حيان: "إنه في موضع نصْبٍ عطفاً على محلِّ: مِنْ أوسطَ"؛ لأنه عنده مفعولٌ ثان، إلاَّ أنَّ هذه القراءة تنفي الكسْوةَ من الكَفَّارةِ، وقد أجمعَ الناسُ على أنها إحدى الخصَالِ الثلاثِ، لكن لصاحب هذه القراءة أن يقول: "اسْتُفيدتِ الكسْوةُ من السُّنَّةِ"، أمَّا لو قام الإجماعُ على أن مستندَ الكسْوَة في الكفَّارة من الآية؛ فإنه يَصِحُّ الردُّ على هذا القارىء. والكِسْوَةُ في اللُّغَةِ معناهُ اللِّبَاسُ، وهو كُلُّ ما يُكْتَسَى بِه. فصل كُلُّ مَنْ لَزمتْهُ كَفَّارَةُ يمينٍ فهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أطْعَمَ عشْرَة مساكين، وإن شاءَ كَسَاهُم، وإن شاء أعْتَقَ رقبَةً، فإن اخْتَارَ الكِسْوَة، فاخْتَلَفُوا في قدرهَا، فذهبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَكْسُو كُلَّ مِسْكينٍ ثوباً واحداً مِمَّا يَقَعُ عليه اسم الكِسْوَةِ، إزَارٌ، أوْ رِدَاءٌ، أو قميصٌ، أو سراويل، أو عمامة مقَنَّعَة، أو كِسَاء أو نَحْوها، وهُو قولُ ابن عبَّاس والْحَسَن ومُجاهد وعطاء وطاوُس - رضي الله عنهم -، وإليه ذهبَ الشَّافِعيُّ - رضي الله عنه -. وقال مالك - رضي الله عنه -: يَجِبُ لِكُلِّ إنسان ما يجُوزُ فيه صلاتُهُ، فيكْسُو الرجُلَ ثَوْباً والمرْأةُ ثَوْبَيْن دِرْعاً وخِمَاراً. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيِّبُ: "لِكُلِّ مِسْكِينٍ ثَوْبَان". قوله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} عطف على "إطعامُ" وهو مصدر مضاف لمفعوله، والكلامُ عليه كالكلام على ["إطعامُ] عشرَةِ" من جوازِ تقديره بفعلٍ مبنيٍّ للفاعل أو للمفعول وما قيل في ذلك، [وقوله: {فمنْ لَمْ يَجِدْ فصيَامُ} كقوله في النساء: {أية : فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} تفسير : [النساء: 92]]، وقد تقدَّم ذلك. فصل المُرَادُ بالرَّقَبَةِ الجملة. قيل: الأصْلُ في هذا المجازِ، أنَّ الأسِير في العربِ كان يجمع إلى رقبتِهِ بحبْلٍ، فإذا أطلقَ حلَّ ذلك الحَبْل، فسُمِّيَ الإطلاقُ مِنَ الرَّقبَةِ فَكُّ رقبة، وأجازَ أبُو حنيفَةَ والثَّوْرِي إعْتَاقُ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَة في جَميعهَا، إلاَّ كَفارَة القَتْل؛ لأنَّ اللَّه تعالى قَيَّدَ الرَّقَبة فيها بالإيمان، قُلْنَا: المُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ، كما أنَّ اللَّهَ تعالى قَيَّدَ الشَّهَادَة بالعَدَالَةِ في موضعٍ فقال تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2]، وأطلق في موضعٍ فقال تعالى: {أية : وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [البقرة: 282]، ثم العدالةُ مشروطةٌ في جميعها حَمْلاً للمُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، كذلك هذا. ولا يجُوزُ إعْتَاقُ المُرْتَدِّ بالاتِّفَاقِ عن الكَفَّارة، ويُشْتَرَطُ أن يكونَ سليمَ الرِّقِّ، حتَّى لو أعْتَقَ عن كَفَّارتِهِ مُكَاتباً، أوْ أمَّ ولدٍ، أوْ عبداً اشْتَراه بِشَرْطِ العِتْقِ، أو اشْتَرَى قَرِيبَهُ الذي يُعْتَقُ عليه بِنيَّةِ الكَفَّارة يعتق، ولا يجُوزُ عن الكفَّارة. وجوَّز أصْحَابُ الرَّأي عِتْق المُكَاتِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ أدَّى شيئاً من النُّجُومِ، وعِتْق القَرِيبِ عن الكَفَّارة. ويُشترطُ أن تكُون الرَّقَبَةُ سليمةً من كُلِّ عَيْبٍ يَضِرُّ بالعمل ضَرَراً بَيِّناً، حتَّى لا يجُوزُ مَقْطُوع إحْدَى اليَدَيْنِ، أو إحْدَى الرِّجْلَيْن، ولا الأعمَى، ولا الزَّمِن، ولا المجْنُونُ المُطْبَقُ، ويجُوزُ الأعْوَرُ، والأصَمُّ والمقْطُوعُ الأذُنَيْنِ، والأنْفِ؛ لأنَّ هذهِ العُيُوبَ لا تَضِرُّ بالعَمَلِ إضْرَاراً بَيِّناً وعند أبي حنيفَة - رضي الله تعالى عنه - كُلُّ عَيْبٍ يُفَوِّتُ جِنْساً من المَنْفَعَةِ يَمْنَعُ الجَوازَ، حَتَّى جوَّزَ مَقْطُوعَ إحْدَى اليَدَيْن، ولم يجوِّز مَقْطُوعَ إحْدى الأذُنَيْنِ. فصل معنى الواجب المخيَّر: هُوَ أنَّهُ لا يَجِبُ عليه الإتْيان بكُلِّ واحدٍ من هذه الثلاثةِ، ولا يجُوزُ له تَرْكُ جَميعها، ومتى أتى بأيِّ واحدٍ من هذه الثلاثةِ خَرَجَ عن العُهْدَة، فإذا اجْتَمَعَتْ هذه القُيُود الثلاثةُ، فذلك هو الواجِبُ المُخَيَّرُ. وقال بعض الفُقَهَاءِ: الواجِبُ واحدٌ لا بِعَيْنِه، وهذا الكلامُ يَحْمِلُ أمْرَيْن: الأوَّلُ: أنْ يُقَال: الواجِبُ عليه أن يُدخِلَ واحداً من هذه الثلاثة لا بِعَيْنِه، وهذا مُحَالٌ في العُقُولِ؛ لأنَّ الشَيْء الذي يَكُونُ مُعَيَّناً في نَفْسِه يَكُونُ مُمْتَنِع الوُجُودِ لذاتِهِ، وما كان كذلك، فإنَّهُ لا يَرِدُ به التَّكْلِيف. والثاني: أن يُقَال: الوَاجِبُ عليه واحدٌ مُعَيَّنٌ في نَفْسِهِ وفي عِلْم الله تعالى، إلاَّ أنَّهُ مَجْهُولُ العيْنِ عند الفاعلِ، وذلك أيْضاً مُحَالٌ؛ لأنَّ كون ذلك الشَّيْء واجباً بِعَيْنِه في عِلْم الله تعالى هو أنَّهُ لا يجُوزُ تَرْكُهُ بِحَالٍ، واجْتَمَعتِ الأمَّةُ على أنَّهُ يجُوزُ له تركُهُ بتَقْييدِ الإتْيَان بِغَيْرِه، والجَمْعُ بَيْنَ هذيْنِ القوْلَيْن جمعٌ بين النَّفي والإثْبَات، وهُو مُحَال، وتمامُ هذا البَحثِ مَذْكُورٌ في أصُولِ الفِقْه. فإنْ قِيلَ: أيُّ فائدةٍ لِتَقْدِيمِ الإطعامِ على العِتْقِ مع أنَّ العتقَ أفْضَلُ؟ فالجوابُ من وُجُوه: أحدها: أنَّ المقصُودَ مِنْهُ التَّنْبِيه على أنَّ هذه الكَفَّارَة وَجَبَتْ على التَّخْيِير لا عَلَى التَّرْتيب، لأنها لوْ وَجَبَتْ على التَّرْتِيبِ لوجَبَتِ البدَايَةُ بالأغْلَظِ. وثانيها: قدَّم الإطْعام؛ لأنَّه أسْهَلُ، ولكَوْنِ الطَّعامِ أعمّ وُجُوداً، والمقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ على أنَّهُ تعالى يُراعِي التَّخْفِيفَ والَّسْهِيلَ في التَّكالِيفِ. وثالثها: أنَّ الإطعامَ أفْضَلُ؛ لأن الحُرَّ الفَقِيرَ قَدْ لا يَجِدُ طعاماً، ولا يكونُ هُنَاكَ مَنْ يُعْطِيه الطَّعام، فَيقعَ في الضُّرِّ. وأمَّا العَبدُ فَيَجِبُ على مَولاَهُ إطعامُهُ وكِسْوَتُهُ. قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} إذا عَجزَ الذي لَزِمَتْهُ كفَّارةُ اليمينِ عَنِ الإطْعَامِ، أو الْكِسْوَةِ، أو تَحْرِيرِ رقبةٍ، يجبُ عليهِ صوْمُ ثلاثةِ أيَّامٍ، والعاجزُ ألا يَفْضُل من مالهِ عن قُوتِهِ، وقُوتِ عيالِهِ وحاجَتِهِ ما يُطْعِمُ، أو يَكْسُو، أو يَعْتِقُ، فإنَّهُ يصومُ ثلاثة أيام، وقال بعضهم: إذا مَلكَ ما يمكنه الإطْعَامُ، وإنْ لم يَفضُل عن كِفَايتِهِ، فليس له صِيَامٌ، وهو قوْلُ الحَسَن، وسعيد بن جُبَيْر. واختلفُوا في وجوب التَّتَابعُ في هذا الصِّيَام، فذهب جماعةٌ إلى أنَّه لا يجب فيه التَّتَابُعُ، بل إنْ شاء تابع وإن شاء فرَّقَ، والتَّتَابعُ أفْضَلُ، وهُو أحد قولي الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه -. وذهب قوم إلى وُجوبِ التَّتَابع فيه، قِيَاساً على كَفَّارةِ القَتْلِ والظِّهَارِ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِي وأبي حنيفةَ - رضي الله تعالى عنهما - وتدلُّ عليه قِرَاءة ابن مَسْعُود - رضي الله تعالى عنه - "فصِيَام ثلاثةِ أيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ". وأُجِيبُ: بأنَّ القراءةَ الشَّاذَّةَ مردُودَةٌ، إذ لَوْ كانَتْ قُرْآناً، لنُقِلَتْ نَقْلاً مُتَوَاتراً، ولو جوَّزنا في القُرْآن ألا ينقل متواتراً، لَزِمَ طَعْن الرَّوَافِضِ والملاحِدَة في القُرْآن، وذلك بَاطِلٌ، فعِلمْنَا أن القراءة الشَّاذَّة مردُودَةٌ، فلا تَصْلحُ أنْ تكون حُجَّةً. وأيضاً نُقِلَ عن أبَيِّ بن كعب أنَّهُ قرأ: "فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر مُتَتَابِعَات"، مع أنَّ التَّتَابع هُناكَ ما كان شَرْطاً وأجابُوا عَنْهُ أنَّهُ رُوِي عن النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - حديث : أنَّ رَجُلاً قال لَهُ: عَلَيَّ أيَّامُ رمضانَ أفَأقْضِيهَا مُتفَرِّقاتٍ، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "أرأيْتَ لوْ كَانَ عَلَيْكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَ الدِّرْهِمَ بِالدِّرْهَم أمَا كان يُجْزِيك؟ قال: بلَى قال: فاللَّه تعالى أحَقُّ أن يَغْفِرَ ويَصْفَحَ "تفسير : وهذا الحَدِيثُ وإن وَقَعَ جواباً عن هذا السُّؤال في صَوْم رمضان، إلاَّ أنَّ لَفْظَهُ عامٌّ، وتَعْلِيلُهُ عَامٌّ في جَميعِ الصِّيَامَاتِ، وقد ثبتَ في الأصُولِ أنَّ العِبْرة بعُمُوم اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السبب، فهذا من أقوى الدَّلائلِ على جَوازِ التَّفْرِيق هاهُنَا. قوله تعالى: {ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}، ذلك إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الإطْعَامِ والكِسْوَة، وتحْرِيرِ الرَّقَبَة يُكفِّر عنكم حِنْثَ اليَمِين وقْتَ حَلْفِكُمْ و"إذَا حَلَفْتُمْ" قال أبو البقاء: "منصوبٌ على الظَّرْف وناصبُه "كَفَّارة"، أي: ذلك الإطعامُ، أو ما عُطِفَ عليه يُكَفِّر عنْكُمْ حِنْثَ اليمينِ وقتَ حَلْفكُمْ"، وقال الزمخشريُّ: "ذلك المذكورُ كفَّارة، ولو قيل "تِلْكَ كَفَّارةُ"، لكان صحيحاً بمعنى تلك الأشياء، أو التأنيث للكفَّارة، والمعنى: إذَا حَلَفْتُمْ حَنْثْتُم، فترك ذِكْرَ الحِنْثِ؛ لوقوع العلْمِ بأن الكفَّارة، إنما تَجِبُ بالحِنْثِ بالحَلِفِ لا بنَفْسِ الحَلِفِ، كقوله تعالى: {أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تفسير : [البقرة: 184] أي: فأفْطَرَ".؟ ولا بد من هذا الذي ذكره الزمخشريُّ، وهو تقديرُ الحِنْثِ، ولذلك عِيبَ على أبي البقاء قوله: "العَامِلُ في "إذَا" كفارةُ أيْمانِكُمْ؛ لأن المعنى: ذلك يُكَفِّرُ أيْمَانَكُمْ وَقْتَ حَلْفِكُمْ"، فقيل له: الكفَّارةُ ليستْ واقعةً في وقْتِ الحَلْفِ، فكيف يَعْمَلُ في الظرْفِ ما لا يقعُ فيه؟ وظاهرُ الآية أنَّ "إذَا" متمحِّضَة للظرفيَّةِ، وليس فيها معنى الشرطِ، وهو غيرُ الغالبِ فيها، وقد يجوزُ أن تكون شرطاً، ويكونُ جوابُها محذوفاً على قاعدةِ البصريِّين يدُلُّ عليه ما تقدَّم، أو هو نفسُ المتقدِّم عند أبي زَيْدٍ والكوفيين، والتقدير: إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُم، فذلك كفارةُ إثْمِ أيْمَانِكُمْ؛ كقولهم: "أنْتَ ظَالِمٌ إنْ فَعَلْتَ". فصل اخْتَلَفُوا في تقديم الكَفَّارة على الحنْثِ؛ فذَهَبَ قَوْمٌ إلى جَوَازِهِ لقَوْل النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -: "حديث : من حَلَفَ بِيَمِينٍ، فَرأى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَل الذي هُو خَيْر" تفسير : وهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَر، وابْنِ عبَّاس وعائِشَة - رضي الله عنهم - وبه قال الحَسَنُ وابنُ سيرين، وإليه ذهبَ مالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافعيُّ - رضي الله عنهم -، إلاَّ أنَّ الشَّافعيَّ يقُولُ: إن كَفَّرَ بالصَّوْمِ قبل الحنْثِ لا يَجُوزُ، لأنه بدَنِيٌّ، إنَّمَا يجوزُ الإطْعَامُ والكسْوَةُ والعِتْقُ؛ لأنَّه مَالِيٌّ، فأَشْبَه تَعْجِيلَ الزَّكَاةِ، كما يجُوزُ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ على الحَوْل، ولا يجُوزُ تَعْجِيلُ صَوْمِ رمضانَ. قالوا: وقوله: "إذَا حَلَفْتُم" فيه دَقِيقَةٌ، وهو التَّنْبِيهُ على أنَّ تقْدِيم الكَفَّارة قبْل اليَمِين لا يجُوز، وأمَّا بعد اليمين وقبل الحنْثِ فيجُوز، لانعِقَادِ سببها وهو اليمينُ، فصارت كمِلْكِ النِّصاب. وقال أبو حنيفةَ - رضي الله عنه -: لا يجُوزُ تقديم الكَفَّارَة على الحنْثِ. قوله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} قيل: المرادُ به تَرْكُ الحَلْفِ، أي: لا تحلِفُوا، وقِيل: المُرَادُ تَقْلِيلُ الأيْمان، أي: لا تُكثِروا مِنْهَا. قال الشَّاعر: [الطويل] شعر : 2050- قَليلُ الأَلايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ فإنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الألِيَّةُ بَرَّتِ تفسير : والصحيحُ: أنَّ المُرَادَ: حِفْظُ اليمينِ على الحنْثِ، هذا إذا لم يكن حلف بِيَمينِهِ على ترْكِ منْدُوبٍ أو فعلٍ مكرُوهٍ، فإن حَلَفَ على تَرْكِ مَنْدُوبٍ أو فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فالأفْضَلُ أن يُحنِثَ نَفْسَهُ ويُكَفِّر للحَدِيثِ المُتقدِّم. قوله تعالى: "كَذِلِكَ" هذه الكاف نعتٌ لمصدر محذوف عند جماهير المُعْربين، أي: يبيِّن الله آياته تبييناً مثل ذلك التبيين، وعند سيبويه أنه حالٌ من ضميرِ ذلك المصْدَرِ على ما عُرِفَ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال ‏"‏لما نزلت {أية : ‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 87‏]‏ في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء، واللحم على أنفسهم، قالوا‏:‏ يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها‏؟‏ فأنزل الله ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏"‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال‏:‏ سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏} ‏ قال‏:‏ اقرأ ما قبلها فقرأت ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم‏} ‏ إلى قوله ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ اللغو أن تحرم هذا الذي أحل الله لك وأشباهه تكفرعن يمينك ولا تحرمه، فهذا اللغو الذي لا يؤاخذكم به‏ {‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏} ‏ فإن مت عليه أخذت به‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل يحلف على الحلال أن يحرمه، فقال الله ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ أن تتركه وتكفر عن يمينك ‏{‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏} ‏ قال‏:‏ ما أقمت عليه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ هما الرجلان يتبايعان‏.‏ يقول أحدهما‏:‏ والله لا أبيعك بكذا، ويقول الآخر‏:‏ والله لا أشتريه بكذا‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم قال‏:‏ اللغو‏.‏ أن يصل الرجل كلامه بالحلف، والله لتجيئن، والله لتأكلن، والله لتشربن، ونحو هذا لا يريد به يميناً، ولا يتعمد به حلفاً، فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة‏. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال‏:‏ الأيمان ثلاثة‏.‏ يمين تكفر، ويمين لا تكفر، ويمين لا يؤاخذ بها، فأما التي تكفر فالرجل يحلف على قطيعة رحم أو معصية الله فيكفر يمينه، والتي لا تكفر الرجل يحلف على الكذب متعمداً ولا تكفر، والتي لا يؤاخذ بها فالرجل يحلف على الشيء يرى أنه صادق فهو اللغو لا يؤاخذ به‏.‏ والله أعلم‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال‏:‏ اللغو‏.‏ الخطأ، أن يحلف على الشيء وأنت ترى أنه كما حلفت عليه، فلا يكون كذلك تجوّز لك عنه ولا كفَّارة عليك فيه ‏ {‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏} ‏ قال‏:‏ ما تعمدت فيه المآثم فعليك فيه الكفارة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد ‏ {‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏}‏ قال‏:‏ بما تعمدتم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك ‏ {‏ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان‏}‏ قال‏:‏ الرجل يحلف على الشيء وهو يعلمه‏. وأخرج أبو الشيخ عن عائشة قالت‏:‏ إنما اللغو في المراء والهزل والمزاحة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وإنما الكفارة في كل يمين حلف عليها في جد من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن، فذاك عقد الأيمان الذي فرض الله فيه الكفارة‏. قوله تعالى: ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين‏}‏‏. وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"‏كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مداً من حنطة بمد الأول‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏:‏ كنا نعطي في كفارة اليمين بالمد الذي يقتات به‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ أني أحلف لا أعطي أقواماً ثم يبدو لي أن أعطيهم، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو نصف صاع من قمح‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من قمح‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من حنطة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس‏:‏ في كفارة اليمين نصف صاع من حنطة‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد قال‏:‏ كل طعام في القرآن فهو نصف صاع، في كفارة اليمين وغيرها‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن ثابت‏.‏ أنه قال‏:‏ في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر‏.‏ في كفارة اليمين قال‏:‏ إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة. ‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال‏:‏ ثلاث فيهن مد مد، كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الصيام‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله ‏ {‏فكفارته إطعام عشرة مساكين‏} ‏ قال‏:‏ يغديهم ويعشيهم، إن شئت خبزاً ولحماً، أو خبزاً وزيتاً، أو خبزاً وسمناً، أو خبزاً وتمراً‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين‏.‏ في كفارة اليمين قال‏:‏ أكلة واحدة‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن كفارة اليمين فقال‏:‏ رغيفين وعرق لكل مسكين. ‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سفيان الثوري عن جابر قال‏:‏ قيل للشعبي أردد على مسكين واحد‏.‏ قال‏:‏ لا يجزيك إلا عشرة مساكين. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن‏.‏ أنه كان لا يرى بأساً أن يطعم مسكيناً واحداً عشر مرات في كفارة اليمين‏. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏} ‏ قال‏:‏ من عسركم ويسركم‏. وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال‏:‏ كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة، فنزلت ‏ {‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه فضل، وبعضهم يقوت قوتاً دون ذلك، فقال الله ‏ {‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏} ‏ ليس بأرفعه ولا أدناه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ‏ {‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏} ‏ قال‏:‏ من أوسط ما نطعم أهلينا الخبز والتمر، والخبز والزيت، والخبز والسمن، ومن أفضل ما نطعمهم الخبز واللحم‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ أفضله الخبز واللحم، وأوسطه الخبز والسمن، وأخسه الخبز والتمر‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كان أهل المدينة يفضلون الحر على العبد، والكبير على الصغير، يقولون‏:‏ الصغير على قدره والكبير على قدره، فنزلت ‏ {‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏} ‏ فأمروا بأوسط من ذلك ليس بأرفعه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ‏ {‏من أوسط‏}‏ يعني من أعدل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏ {‏من أوسط‏} ‏ قال‏:‏ من أمثل‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير ‏ {‏من أوسط ما تطعمون أهليكم‏} ‏ قال‏:‏ قوتهم، والطعام صاع من كل شيء إلا الحنطة‏. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال‏:‏ كل شيء فيه إطعام مسكين فهو مد بمد أهل مكة‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة ‏‏حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏{‏أو كسوتهم‏} ‏ قال "عباءة لكل مسكين‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال ‏‏ "حديث : ‏قلنا يا رسول الله ‏ {‏أو كسوتهم‏} ‏ ما هو‏؟‏ قال‏: عباءة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏أو كسوتهم‏} ‏ قال‏:‏ عباءة لكل مسكين أو شملة‏. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏أو كسوتهم‏}‏ قال‏:‏ ثوب ثوب لكل إنسان، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال‏:‏ الكسوة ثوب أو إزار. ‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏أو كسوتهم‏} ‏ قال‏:‏ القميص أو الرداء أو الإزار‏.‏ قال‏:‏ ويجزي في كفارة اليمين كل ثوب إلا التبان أو القلنسوة‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد ‏{‏أو كسوتهم‏}‏ قال‏:‏ أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت‏. وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب ‏ {‏أو كسوتهم‏} ‏ قال‏:‏ إزار وعمامة‏. ‏ وأخرج أبو الشيخ عن الزهري قال‏:‏ السراويل لا يجزي، والقلنسوة لا تجزي‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين‏.‏ أنه سئل عن قوله ‏ {‏أو كسوتهم‏} ‏ قال‏:‏ لو أن وفداً قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن عطاء‏.‏ في الرجل يكون عليه الكفارة من اليمين فيكسو خمس مساكين، ويطعم خمسة أن ذلك جائز‏؟‏. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه قرأ "إطعام عشرة مساكين أو كاسوتهم" ثم قال سعيد‏:‏ أو كاسوتهم في الطعام‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏أو تحرير رقبة‏}. ‏ وأخرج ابن أبو شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال‏:‏ لا يجزي الأعمى ولا المقعد في الرقبة‏. وأخرج أبو الشيخ عن فضالة بن عبيد قال‏:‏ يجزي ولد الزنا في الرقبة الواجبة. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء بن أبي رياح قال‏:‏ تجزي الرقبة لصغيرة‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن‏:‏ أنه كان لا يرى عتق الكافر في شيء من الكفارات‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال‏:‏ لا يجزي ولد الزنا في الرقبة، ويجزئ اليهودي والنصراني في كفارة اليمين‏.‏ والله تعالى أعلم‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏}. ‏ وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس‏.‏ في آية كفارة اليمين قال‏:‏ هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة، الأول فالأوّل، فإن لم يجد شيئاً من ذلك فصيام ثلاثة أيام متتابعات. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏حديث : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة‏:‏ يا رسول الله نحن بالخيار‏؟‏ قال ‏"أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" ‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال‏:‏ من كان عنده درهمان فعليه أن يطعم في الكفارة‏. ‏ وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال‏:‏ إذا كان عنده خمسون درهماً فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام، وإن كانت أقل فهو ممن لا يجد ويصوم‏. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ إذا كان عنده عشرون درهماً فعليه أن يطعم في الكفارة‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي بن كعب‏.‏ أنه كان يقرأها ‏"‏فصيام ثلاثة أيام متتابعات‏". وأخرج مالك والبيهقي عن حميد بن قيس المكي قال‏:‏ كنت أطوف مع مجاهد، فجاءه إنسان يسأله عن صيام الكفارة أيتابع‏؟‏ قال حميد‏:‏ فقلت‏:‏ لا‏.‏ فضرب مجاهد في صدري، ثم قال‏:‏ إنها في قراءة أبي بن كعب ‏"متتابعات". وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري وأبو الشيخ والبيهقي من طرق عن ابن مسعود‏.‏ أنه كان يقرأها "فصيام ثلاثة أيام متتابعات‏" قال سفيان‏:‏ ونظرت في مصحف ربيع بن خيثم، فرأيت فيه ‏"فمن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات‏". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن متتابعات‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، أنه كان يقرأها ‏"‏فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ كل صوم في القرآن فهو متتابع، إلاَّ قضاء رمضان فإنه عدة من أيام أخر‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي‏.‏ أنه كان لا يفرق في صيام اليمين ثلاثة أيام. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن‏.‏ إنه كان يقول في صوم كفارة اليمين‏:‏ يصومه متتابعات، فإن أفطر من عذر يقضي يوماً مكان يوم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير ‏ {‏ذلك‏} ‏ يعني الذي ذكر من الكفارة ‏ {‏كفارة أيمانكم إذا حلفتم‏} ‏ يعني اليمين العمد ‏ {‏واحفظوا أيمانكم‏} ‏ يعني لا تعمدوا الأيمان الكاذبة ‏{‏كذلك‏}‏ يعني هكذا ‏{‏يبين الله لكم آياته‏} ‏ يعني ما ذكر من الكفارة ‏ {‏لعلكم تشكرون‏} ‏ فمن صام من كفارة اليمين يوماً أو يومين ثم وجد ما يطعم فليطعم، ويجعل صومه تطوّعا‏ً. وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن أبي شيبة وابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ كان أبو بكر إذا حلف لم يحنث، حتى نزلت آية الكفارة، فكان بعد ذلك يقول‏:‏ لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وقبلت رخصة الله‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ من حلف على ملك يمين ليضربه فكفارته تركه، ومع الكفارة حسنة‏. وأخرج أبو الشيخ عن جبير بن مطعم‏.‏ أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم، وقال‏:‏ ورب هذه القبلة لو حلفت لحلفت صادقاً، وإنما هو شيء افتديت به يميني‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي نجيح‏.‏ أن ناساً من أهل البيت حلفوا عند البيت خمسين رجلاً قسامة، فكأنهم حلفوا على باطل، ثم خرجوا حتى إذا كانوا في بعض الطريق قالوا تحت صخرة، فبينما هم قائلون تحتها إذ انقلبت الصخرة عليهم، فخرجوا يشتدون من تحتها، فانفلقت خمسين فلقة، فقتلت كل فلقة رجلاً‏.

القشيري

تفسير : الإشارة منه إلى وقتٍ يغلب على قلبك التعطشُ إلى شيء من إقباله أو وصاله، فَتُقْسِمُ عليه بجماله أو جلاله أن يرزقَك شظيةً من إقباله، فكذلك في شريعة الرضا نوعٌ من اليمين، فيعفو عنك رحمةً عليك لضعف حالك. والأوْلى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت ما يُجْرِي عليكَ من أحكامه في الردِّ والصد، وأن تؤثِرَ استقامتَك في أداء حقوقه على إكرامك بحسن تقريبه وإقباله، كما قال قائلهم: شعر : أُريدُ وِصالَه ويريد هجري فأتركُ ما أريد لما يريد تفسير : ومِنَ اللغْوِ في اليمين - عندهم - ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجْد من تجريد العهد وتأكيد العقد، فيقول: وحقِّك ما نظرتُ إلى سواكا، ولا قُلْت بغيرك.. ولا حُلْتُ عن عهدك، وأمثال هذا... وكلُّه في حكم التوحيد لغو، وعن شهود عهد الأحدية سهوٌ... ومَنْ أنتَ في الرِّفعةِ حتى تَعْدِمَ نَفْسَكَ؟ وأين في الدار ديَّار حتى تقول بتركه أو تتحقق بوصله أو هجره؟ كلا... بل هو الله الواحد القهار. وكما أن الكفَّارة الشرعيةَ إمَّا عِتْق أو إطعامٌ وإما كسوةٌ فإن لم تستطع فصيام ثلاثة أيام: فكفَّارتهم - على موجب الإشارة - إمّا بذل الروح بحكم الوَجْدِ، أو بذل القلب بصحة القصد، أو بذل النفس بدوام الجهد، فإن عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والزواجر.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يؤاخذكم الله باللغو فى ايمانكم} اليمين تقوية احد الطرفين بالمقسم به واللغو فى اليمين الساقط الذى لا يتعلق به حكم وهو عند الامام الاعظم ان يحلف على شىء يظن انه كذلك وليس كما يظن مثل ان يرى الشىء من بعيد فيظن انه كذا فيقول والله انه كذا فاذا هو بخلافه فلا مؤاخذة فى هذا اليمين باثم ولا كفارة واما الغموس وهى حلفه على امر ماض او حال كذبا عمدا مثل قوله والله لقد فعلت كذا وهو لم يفعله وعكسه ومثل والله ما لهذا على دين وهو يعلم ان له عليه دينا فحكمها الاثم لانها كبيرة قال عليه السلام "حديث : من حلف كاذبا ادخله الله النار ولا كفارة فيها الا التوبة " .تفسير : قوله فى ايمانكم صلة يؤاخذكم كما ان باللغو صلة له اى لا يؤاخذكم فى حق ايمانكم بسبب ما كان لغوا منها بان لا يتعلق بها حكم دنيوى ولا اخروى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} اى بتقيدكم الايمان وتوثيقا بالقصد والنية والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتموها اذا حنثتم او بنكث او نقض ما عقدتم فحذف للعلم به وهذا اليمين هى اليمين المنعقدة وهى الحلف على فعل امر او تركه فى المستقبل {فكفارته} اى الفعلة التى تذهب اثمه وتستره وعند الامام لا يجوز التكفير قبل الحنث لقوله عليه السلام "حديث : من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت الذى هو خير ثم ليكفر عن يمينه" تفسير : {إطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون أهليكم} محل من اوسط النصب لانه صفة مفعول محذوف تقديره ان تطعموا عشرة مساكين طعاما كائنا من اوسط ما تطعمون من فى عيالكم من الزوجة والاولاد والخدم اى من اقصده فى النوع او المقدار وهو نصف صاع من بر لكل مسكين كالفطرة ولو اطعم فقيرا واحدا عشرة ايام اجزأه ولو اعطاه دفعة لا يجوز الا عن يوم واحد {او كسوتهم} عطف على اطعام فيكسو كل واحد من العشرة ثوبا يستر عامة بدنه وهو الصحيح ولا يجزىء السراويل لان لابسه يسمى عريانا عرفا {أو تحرير رقبة} اى او اعتاق انسان كيف ما كان مؤمنا كان او كافرا او انثى صغيرا او كبيرا ولا يجوز الاعمى والاصم الذى لا يسمع اصلا والاخرس لفوات جنس المنفعة ومقطوع اليدين او ابهاميهما او الرجلين او يد ورجل من جانب واحد ومجنون مطبق لان الانتفاع ليس الا بالعقل ومدبر وام ولد لاستحقاقهما الحرية بجهة فكان الرق فيهما ناقصا ومكاتب ادى بعضا لانه تحرير بعوض فيكون تجارة والكفارة عبادة فلا بد ان تكون خالصة لله تعالى وكذا لا يجوز له تركها جميعا ومتى اتى بواحدة منها فانه يخرج عن العهدة فاذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير {فمن لم يجد} اى شيئاً من الامور المذكورة {فصيام} اى فكفارته صيام {ثلثة ايام} متتابعات عند الامام الاعظم {ذلك} اى الذى ذكرت لكم وامرتكم به {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وحنثتم {واحفظوا ايمانكم} بان تضنوا بها ولا تبذلوها لكل امر وبان تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير فان عجز عن البرّ او رأى غير المحلوف عليه خيرا منه فله حينئذ ان يحنث ويكفر كما قال الفقهاء من اليمين المنعقدة ما يجب فيه البر كفعل الفرائض وترك المعاصى لان ذلك فرض عليه فيتأكد باليمين. ومنها ما يجب فيه الحنث كفعل المعاصى وترك الواجبات وفى الحديث "حديث : من حلف ان يطيع الله فليطعه ومن حلف ان يعصيه فلا يعصه ".تفسير : ومنها ما يفضل فيه الحنث كهجران المسلم ونحوه وما عدا هذه الاقسام الثلاثة من الايمان التى يستوى فيها الحنث والبر يفضل فيه البر حفظا لليمين ولا فرق فى وجوب الكفارة بين العامد والناسى والمكره فى الحلف والحنث لقوله عليه السلام "حديث : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين " .تفسير : {كذلك} اشارة الى مصدر الفعل الآتى لا الى تبيين آخر مفهوم مما سبق والكاف مقحمة لتأكيد ما افاده اسم الاشارة من الفحامة ومحله فى الاصل النصب على انه نعت لمصدر محذوف واصل التقدير يبين الله تبيينا كائنا مثل ذلك التبيين فقدم على الفعل لافادة القصر واعتبرت الكاف مقحمة للنكتة المذكورة اى مثل ذلك البيان البديع {يبين الله لكم آياته} اعلام شريعته واحكامه لا بيانا ادنى منه {لعلكم تشكرون} نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج. والاشارة ان من عقد اليمين على الهجران من الله تعالى فكفارته اطعامه عشرة مساكين وهم الحواس الخمس الظاهرة والباطنة فانها مدخل الآفات وموئل الفترات {من اوسط ما تطعمون اهليكم} وهم القلب والروح والسر والخفى وطعامهم الشوق والمحبة والصدق والاخلاص والتفويض والتسليم والرضى والانس والهيبة والشهود والكشوف واوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء فاطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الاطعمة باستعمالها فى التعبد بها والتحفظ عما ينافيها او كسوتهم وهى الباس الحواس والقوى بلباس التقوى او تحرير رقبة النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا فمن لم يجد السبيل الى هذه الاشياء فصيام ثلاثة ايام وذلك لان الايام لا خلو عن ثلاثة اما يوم مضى او يوم حضر او يوم قد بقى فصيام اليوم الذى قد مضى بالامساك عما عقد عليه او قصد اليه او بالصبر على التوبة عنه وصيام الذى قد حضر بالامساك عن التغافل عن الاهم وبالصبر على الجد والاجتهاد ببذل الجهد فى طلب المراد وصيام اليوم الذى قد بقى بالامساك عن فسخ العزيمة فى ترك الجريمة ونسخ الاخلاص فى طلب الخلاص وبالصبر على قدم الثبات فى تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه الى حضرة الربوبية بمساعى العبودية شعر : مكن وقت ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف تفسير : قال ابن الفارض قدس سره شعر : وكن صارما كالوقت فالمقت فى عيسى واياك علّ فهى اخطر علة تفسير : وفى المثنوى شعر : اى كه صبرت نيست از دنياى دون جونت صبرست ازخداى دوست جون جونكه بى اين شرب كم دارى سكون جون زابرارى خدا وزيشرون تفسير : اعلم ان الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وجلاله ان يرزقه شظية من اقباله ووصاله وذلك فى شريعة الرضى لغو وفى مذهب التسليم سهو فيعفوا عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله وان الاولى الذوبان والجمود بحسن الرضى بحسب جريان احكام المولى فى القبول والرد والاقبال والصدّ ايثار استقامة فى اداء حقوقه على الكرامة وعلى لذة تقريبه واقباله وشهوده ووصوله ووصاله كما قال قائلهم شعر : اريد وصاله ويريد هجرى فاترك ما اريد لما يريد تفسير : كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {في أيمانكم}: يتعلق باللغو، أو بيؤاخذكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {لا يُواخذكم الله باللغو في أيمانكم} وهو ما يصدر من الإنسان بلا قصد، كقوله: لا والله، وبلى والله. وإليه ذهب الشافعي، وقيل: هو الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة، {ولكن يُؤاخذكم بما عقدتم الإيمان} عليه، أي: بما جزمتم عليه بالنية والقصد، {فكفارته} أي: ما عقدتم عليه إذا حلفتم، ويجوز التكفير قبل الحنث لظاهر الآية. ثم بيَّن الكفارة، فقال: {إطعام عشرة مساكين}، فمن أطعم غنيًا لم تجزه، واشترط مالك أن يكونوا أحرارًا، وليس في الآية ما يدل على ذلك، ثم بيَّن نوعه فقال: {من أوسط ما تُطعمون أهليكم} أي: من وسط طعام أهليكم في القدر أو في الصفة، أما القدر فقال مالك: يطعم مُدًا لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في المدينة المشرفة، وفي غيرها وسط من الشبع، وقال الشافعي وابن القاسم: يجزىء المُد في كل مكان، وقال أبو حنيفة: إن غذاهم وعشاهم أجزأه. قلت: وهو قول في المدونة لمالك أيضًا. وأما الصنف، فاختلف: هل يطعم من عيش نفسه، أو من عيش بلده وهو المشهور؟ فمعنى الآية على هذا: {من أوسط ما تطعمون} أيها الناس {أهليكم} على الجملة {أو كسوتهم}؛ فيكسو كل مسكين ما تصح به الصلاة، فالرجل ثوب، والمرأة قميص وخمار، {أو تحرير رقبة} مؤمنة على مذهب مالك؛ لتقييدها بذلك في كفارة القتل. وأجاز أبو حنيفة عتق الكافر، لإطلاق اللفظ هنا، واشترط مالك أيضًا أن تكون مسلمة من العيوب، وليس في الآية ما يدل عليه، فهذه الثلاثة بالتخيير. {فمن لم يجد} واحدًا من هذه الثلاثة، ولم يقدر على شيء منها، بحيث لم يفضل له عن قوته وقوت عياله في يومه ما يطعم به، {فصيام ثلاثة أيام} يستحب تتابعها، اشترطه أبو حنيفة؛ لأنه قرىء: ( أيام متتابعات)، والشاذ ليس بحجة، {ذلك} المذكور هو {كفارة أيمانكم إذا حلفتم} وحنثتم، {واحفظوا أيمانكم} أي: صونوا ألسنتكم عن كثرة الحلف، فيكون الله عرضة لأيمانكم، أو احفظوها بأن تبروا فيها ولا تحنثوا، إلا إن كان في الامتناع من الخير، فالحنث فيها أحسن، كما في الحديث. أو احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم، ولا تتهاونوا بها، {كذلك يُبيّن الله لكم آياته} أي: مثل ذلك البيان يُبين لكم أعلام شرائعه {لعلكم تشكرون} نعمة التعليم،أو نعمه الواجب شكرها، فإن مثل هذا التبيين يُسهل لكم المخرج من ضيق اليمين، فهو نعمة يجب شكرها. والله تعالى أعلم. الإشارة: ليس التشديد والتعقيد من شأن أهل التوحيد، إنما شأنهم الاسترسال مع ما يبرز من عنصر القدرة، ليس لهم وقت دون الوقت الذي هم فيه، قد حلّ التوحيد عُقدهم ودكّ عزائمهم، فهم في عموم أوقاتهم لا يدبرون ولا يختارون، وإن وقع منهم تدبير أو اختيار رجعوا إلى ما يفعل الواحد القهار، لا يبطشون إلى شيء ولا يهربون من شيء، إلا إن كان فيه مخالفة للشرع. ولا يعقدون على ترك شيء من المباحات ولا على فعله، لأنهم لا يرون لأنفسهم فعلاً ولا تركًا، إن صدرت منهم طاعة شهدوا المنّة لله، وإن وقعت منهم زلّة أو غفلة تأدبوا مع الله، وبادروا بالتوبة إلى الله، وما صدر من الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ فلعل ذلك كان حالاً غالبة عليهم، قد أزعجهم وعظ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهضهم حاله، فلما رآهم غلب عليهم الحال ردّهم إلى حال الاعتدال، ولعل الحق ـ جل جلاله ـ، إنما جعل كفّارة اليمين جبرًا لخلل ذلك التعقيد، الذي صدر من الحالف مع تفريطه بالحنث، فكأنه حلف على فعل غيره، ففيه نوع من التألي على الله. والله تعالى أعلم. ولما أمر الحقّ جلّ جلاله بأكل الحلال الطيب أخرج ضده، فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ "عاقدتم" بالألف ابن عامر، و "عقدتم" بلا ألف مع تخفيف القاف حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. والباقون بالتشديد. ومنع من القراءة بالتشديد الطبري، قال: لانه لا يكون إِلاَّ مع تكرير اليمين والمؤاخذة تلزم من غير تكرير بلا خلاف. وهذا ليس بصحيح لان تعقيد اليمين إِن يعقدها بقلبه ولفظه ولو عقد عليها في أحدهما دون الآخر لم يكن تعقيداً، وهو كالتعظيم الذي يكون تارة بالمضاعفة وتارة بعظم المنزلة. وقال أبو علي الفارسي من شدد احتمل أمرين: أحدهما - أن يكون لتكثير الفعل القوله {ولكن يؤاخذكم} مخاطباً الكثرة، فهو مثل {أية : وغلقت الأبواب}. تفسير : والآخر أن يكون (عقد) مثل (ضعف) لا يراد به التكثير، كما أن (ضاعف) لا يراد به فعل من اثنين. وقال الحسين بن علي المغربي: في التشديد فائدة، وهو أنه اذا كرر اليمين على محلوف واحد فاذا حنث لم يلزمه إِلا كفارة واحدة. وفي ذلك خلاف بين الفقهاء. والذي ذكره قوي. ومن قرأ بالتخفيف جاز أن يريد به الكثير من الفعلل والقليل إِلا ان فعَّل يختص بالكثير كما أن الركبة تختص بالحال التي يكون عليها الركوب، وقالوا: عقدت الحبل والعهد واليمين عقداً ألا ترى أنها تتلقى بما يتلقى به القسم، قال الشاعر: شعر : قوم اذا عقدوا عقداً لجارهم تفسير : ويقال: أعقدت العسل فهو معقد وعقيد. وحكى أبو اسحاق عقدت العسل. والأول أكثر. فأما قراءة ابن عامر فيحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون عاقدتم يراد به عقدتم كما أن (عافاه الله) و (عاقبت اللص) و (طارقت النعل) بمنزلة فعلت. ويحتمل أن يكون أراد فاعلت الذي يقتضي فاعلين فصاعداً، كأنه قال يؤاخذكم بما عاقدتم عليه اليمين، ولما كان عاقد في المعنى قريباً من عاهد عدَّاه بـ (على) كما يعدى عاهد بها. قال الله تعالى {أية : ومن أوفى بما عاهد عليه الله}تفسير : والتقدير يؤاخذكم بالذي عاقدتم عليه، ثم قال: عاقدتموه الايمان فحذف الراجع. ويجوز أن يجعل (ما) مع الفعل بمنزلة المصدر فيمن قرأ عقدتم بالتخفيف والتشديد، فلا يقتضي راجعاً كما لا يقتضيه في قوله {أية : ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}. تفسير : وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس: إِن القوم لما حرموا الطيبات من المآكل والمناكح والملابس حلفوا على ذلك فنزلت الآية. وقال ابن زيد حديث : نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاه فحلف لا يأكل من الطعام، وحلفت المرأة لا تأكل إِن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل ان لم يأكلا، فأكل عبد الله بن رواحة واكلا معه، وأخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك فقال له: أحسنتتفسير : . ونزلت هذه الآية. واللغو في اللغة هو ما لا يعتد به قال الشاعر: شعر : أو مائة تجعل أولادها لغواً وعرض المائة الجلمد تفسير : أي الذي يعارضها في قوة الجلمد يعني بالمائة نوقاً أي لا يعتد به بأولادها. ولغو اليمين هو الحلف على وجه الغلط من غير قصد مثل قول القائل: لا والله وبلى والله على سبق اللسان، هذا هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) وهو قول أبي علي الجبائي. وقال الحسن وأبو مالك: هو اليمين على ما يرى صاحبها أنه على ما حلف ولا كفارة في يمين اللغو عند أكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابراهيم أن فيها الكفارة بخلاف عنه. بين الله تعالى بهذه الاية أنه لا يؤآخذ على لغو الأيمان وأنه يؤآخذ بما عقد عليه قلبه ونواه. وقوله {فكفارته} (الهاء) يحتمل رجوعها الى أحد ثلاثة أشياء. أحدها - الى (ما) من قوله بما عقدتم الايمان. الثاني - على اللغو. الثالث - على حنث اليمين لانه مدلول عليه. والأول هو الصحيح، وبه قال الحسن والشعبي وأبو مالك وعائشة. وقوله {إِطعام عشرة مساكين} إِنما ذكر بلفظ المذكر تغليباً للتذكير في كلامهم لأنه لا خلاف أنه لو أطعم الاناث لأجزاه، ويحتاج أن يعطي قدر ما يكفيهم. وقد حده أصحابنا أن يعطي كل واحد مدِّين أو مدَّاً، وقدره رطلان وربع منفرداً، أو يجمعهم على ما هذا قدره ليألكوه. ولا يجوز أن يعطي خمسة ما يكفي عشرة، وهو قول أبي علي، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وهل يجوز اعطاء القيمة؟ فيه خلاف، والظاهر يقتضي أنه لا يجزى والروايات تدل على إِجزائه، وهو قول أبي علي وأهل العراق. وانما ذكر الكفارة في الآية ولم يذكر التوبة، لان المعنى فكفارته الشرعية كذا. واما العقاب فلأنه يجوز أن تكون المعصية صغيرة أو كبيرة فلأجل ذلك لم يبين. وعندنا أن حكم التوبة معلوم من الشرع، فلذلك لم يذكر. وقوله {من أوسط ما تطعمون} قيل فيه قولان: أحدهما - الخبز والأدم دون اللحم، لأن أفضله الخبز واللحم والتمر، وأوسطه الخبز والزيت أو السمن، وأدونه الخبز والملح. وبه قال ابن عمر والاسود وعبيدة وشريح. الثاني - قيل: أوسطه في المقدار إِن كنت تشبع أهلك أو لا تشبعهم، بحسب العسر واليسر، فبقدر ذلك - هذا قول ابن عباس والضحاك - وعندنا يلزمه أن يطعم كل مسكين مدين، وبه قال علي (ع) وعمر وابراهيم وسعيد بن جبير والشعبي ومجاهد. وقال: يكفيه مد - ذهب اليه زيد ابن ثابت والشافعي والطبري وغيرهم - وروي ذلك في أخبارنا. وقوله {أو كسوتهم} فالذي رواه أصحابنا أنه ثوبان لكل واحد مئزر وقميص، وعند الضرورة قميص، وقال الحسن ومجاهد وعطاء وطاوس وابراهيم: ثوب. وقوله {أو تحرير رقبة} فالرقبة التي تجزي في الكفارة كل رقبة كانت سليمة من العاهة صغيرة كانت أو كبيرة مؤمنة كانت أو كافرة والمؤمنة أفضل، لأن الآية مطلقة مبهمة. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وما قلناه قول أكثر المفسرين: الحسن وغيره، ومعنى فتحرير رقبة عتق رقبة. وقيل: تحرير من الحرية أي جعلها حرة قال الفرزدق: شعر : ابني عدانة انني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال تفسير : أي أعتقتكم من ذل الهجاء ولزوم العار. وهذه الثلاثة أشياء مخير فيها بلا خلاف وعندنا أنها واجبة على التخيير. وقال قوم إِن الواجب منها واحد لا بعينه. والكفارة قبل الحنث لا تجزي وفيه خلاف. وقوله {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} يحتمل رفعه أن يكون بالابتداء وخبره فكفارته، ويجوز أن يكون رفعاً بالخبر، ويكون تقديره فكفارته صيام. وحد من ليس بواجد هو (من ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله يومه وليلته) وهو قول قتادة والشافعي. وصوم الثلاثة أيام متتابعة، وبه قال ابن كعب وابن عباس ومجاهد وابراهيم وقتادة وسفيان وأكثر الفقهاء. ويقويه أنه في قراءة ابن مسعود وابي {صيام ثلاثة أيام متتابعات}. وقال مالك والحسن: التتابع أفضل والتفريق يجوز. فاما اذا قال القائل: إِن فعلت كذا فلله علي أن أتصدق بمئة دينار، فان هذا نذر عندنا، وعند أكثر الفقهاء، - يلزمه به مئة دينار. وقال أبو علي عليه كفارة يمين - لقوله {ذلك كفارة أيمانكم} وهو عام في جميع الأيمان. وهذا ليس بيمين عندنا بل هو نذر يلزمه الوفاء به لقوله {أية : أوفوا بالعقود}تفسير : واليمين على ثلاثة أقسام: أحدها - عقدها طاعة وحلها معصية، فهذه يتعلق بحنثها كفارة بلا خلاف كقوله: والله لا شربت خمراً، ولا قتلت نفساً. الثاني - عقدها معصية وحلها طاعة كقوله: والله لا صليت ولا صمت، فاذا جاء بالصلاة والصوم، فلا كفارة عليه - عندنا - وخالف جميع الفقهاء في ذلك واوجبوا عليها عليه الكفارة. الثالث - أن يكون عقدها مباحاً كقوله: والله لا لبست هذا الثوب فمتى حنث تعلق به الكفارة بلا خلاف. وقوله {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} معناه حنثتم. وقوله {واحفظوا أيمانكم} قيل في معناه قولان: أحدهما - احفظوها أن تحلفوا بها، ومعناه لا تحلفوا. الثاني - احفظوها من الحنث، وهو الاقوى، لأن الحلف مباح إلا في معصية بلا خلاف - وانما الواجب ترك الحنث، وذلك يدل على أن اليمين في المعصية غير منعقدة، لأنها لو انعقدت للزم حفظها، واذا لم تنعقد لم تلزمه كفارة على ما بيناه. وقوله {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون} معناه إِن الله يبين لكم آياته وفرائضه كما بين لكم أمر الكفارة لتشكروه على تبيينه لكم أموركم ونعمه عليكم وتسهيله عليكم المخرج من الاثم بالكفارة. فأما إِقسام الأيمان وما ينعقد منها وما لا ينعقد وشرائطها، فقد بيناها في كتب الفقه مشروحة لا نطول بذكرها الكتاب.

الجنابذي

تفسير : {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} وهو الّذى يؤتى به للتّأكيد فى الكلام كما هو عادة العوامّ {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} ما مصدرية وهو الموافق لقوله باللّغو فى ايمانكم او موصولة والمعنى بالّذى عقّدتم الايمان عليه من الامور المحلوف عليها من حيث الحلف عليها اذا حنثتم حذف لانّه معلوم ولكن جعل الله لكم لرفع المؤاخذة كفّارة يسيرة ترحّماً عليكم {فَكَفَّارَتُهُ} اى ما يستر اثمه او يزيله {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} فاذا اطعمتم عشرة من المساكين الّذين هم عيالى جبرتم نقصان تعظيم اسمى واستحققتم رحمتى {أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ} بان لا يملك طعاماً وكسوة ورقبة ولا ثمناً لها {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} لانّ الله يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} وحنثتم {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} بعدم بذلها لكلّ امر بتعظيم اسم الله وبعدم الحنث اذا بذلتموها وبالكفّارة اذا حنثتم {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} اى آيات حدوده وشرائعه {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة التّعليم والتّسهيل، اعلم انّ اليمين امّا من المؤكّدات فى الكلام وهى المسمّاة باللّغو وامّا مع قصد ونيّة لليمين فهى امّا على ترك برٍّ او فعل شرٍّ، وهى ايضاً لغو لكفّارتها فعل البّر وترك الشرّ، او على فعل برّ وترك شرّ وهى عزم يحفظ على متعلّقها، واذا حنثت يكفّر عنها بما ذكر، وامّا يمين غموس وهى الّتى تقع على منع حقّ امرءٍ مسلم او اخذ حقّه بغير حقٍّ وهى الّتى توجب النّار، وامّا اليمين على دفع الادّعاء الباطل او احقاق الحقّ فهى مشروعة لقطع الخصومات لكن كراهتها والاهتمام بعدم الاتيان بها تستنبط من الاخبار.

اطفيش

تفسير : {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغوِ فِى أَيمَانِكُمْ}: قال ابن عباس: لما نزل {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } تفسير : قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التى حلفنا عليها من تحريم ما حرمنا على أنفسنا؟ فنزلت الآية: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغوِ فِى أَيمَانِكُمْ} وهو الساقط من اليمين، وقيل: ما لفظه يمين، ولم يقصد اليمين كقولك: لا والله، وبلى والله، سئل الحسن عن لغو اليمين وعنده الفرزدق، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد دعنى أجب عنك، فقال ولست بمأخوذ بلغو تقوله: * اذا لم تعمد عاقدات العزائم * وتقدم بيان ذلك فى سورة البقرة، بقى أن يقال: كيف يكون قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغوِ فِى أَيمَانِكُمْ}. {وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ}: جواباً لسؤالهم كيف نفعل فى أيماننا التى حرمنا بها ما حرمنا، والظاهر أن المراد على هذا أن التحريم الذى هو منع النفس مما حل لها يمين ساقطة لا يؤاخذ عليها فى الآخرة، لأنهم لم يعقدوا الأيمان على معنى تحريم ما أحل الله، وقطع عذر فاعله، وان مما حلفوا عليه أعنى تأكد عزمهم عليه ترك النكاح، وقطع المذاكر، والسياحة والتشبيه بالرهبان، وذلك تقرب منهم الى الله، وهو أيضاً كان محرماً لنهى النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عنه، وترك الحرام كفارة الحلف على فعله تركه فى قول، وهو رواية عنه صلى الله عليه وسلم. وقيل: ليس بسبب نزولها ذلك، والمعنى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم عليه الأيمان بالقصد والنية، فالرابط محذوف أو ما مصدرية، أى بعقدكم الأيمان، والمؤاخذة عذاب الآخرة، اذا كان اليمين معصية والكفارة وحدها اذا لم يعص، والمراد مطلق مؤاخذة الصادقة بما يصلح، والمؤاخذة بالكفارة شرطها الحنث، وقيل: المؤاخذة بالكفارة، فيقدر مضاف، أى بنكث ما عقدتم الأيمان، أو يقدر شرط أى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان اذ حنثتم. وتخفيف قاف عقدتم قراءة نافع وحمزة والكسائى وأبى بكر بن عياش عن عاصم، وقرأ الباقون بتشديد القاف الا ابن عامر فى رواية ابن ذكوان، فانه قرأ عاقدتم بتخفيفها وألف بينها وبين المعنى، والتخفيف الأصل والتشديد موافق المجرد كقدر وقدر، أو للمبالغة وعاقدتم بالألف موافق المجرد، وذا ذكرت مواقعة المجرد فلست أريد أنه مطلوع المجرد، بل أردت أن معناهما واحد. {فكَفَارَتُهُ}: أى كفارة عقد الأيمان المرتب عليه الحنث اذا حنثتم، وانما فسره الهاء بالعقد لأنه معلوم من قوله: عقدتم، ولأن ما مصدرية فى أحد الوجهين، ويجوز تفسيرها بالنكث المقدر مضافاً الى ما، وانما أفرد الكفارة مع جمع اليمين فى قوله: {عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ} لأن جمع الأيمان باعتبار جمع الحالفين، فكل يمين بكفارة واحدة بدلا مانع من رد الهاء الى الحالف، لو جمع الخطاب قبل وبعد، لأن المراد بهذا الحالف الحبس الكفارة، أى كفارة حنثه، أو كفارة اثمه، أى فالفعلة الكفارة، أى الفعلة التى تكفر حنثه أو اثمه أى تستره وتبطله. فالكفارة فى الأصل صفة المبالغة كافرة أى ساترة، ثم تغلبت عليها الاسمية فى عرف الفقهاء، ومشهور المذهب أنه لا يجوز التكفير قبل الحنث، وبه قالت الحنفية، وقالت الشافعية، وجمهور العلماء، ونسب لعمر، وابن عباس، والحسن، وابن سيرين، ومالك، والأوزاعى أنه قال: يجزى، واستثنى الشافعى الصوم، وأوجب تأخيره عن الحنث، لأنه بشرط العدم. واستثنى أيضاً يمين المعصية، لا يجزيه التكفير قبل الحنث، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر يمينه وليأتى الذى هو خير " تفسير : وبظاهر الآية، فانه ذكر الله تعالى الكفارة مرتبة على اليمين بلا ذكر للحنث. الجواب: أن المراد فى الآية الكفارة بعد الحنث، لأنها عوض فلا يكون الا بعد فوات المعواضة عنه وهو المحلوف عليه بالحنث، فلو كفر على نية الحنث، ثم لم يحنث لضاعت كفارته، وأما الحديث فما بعد الفاء كله مرتب على ما قبلها، وأما ما بعدها بعض مع بعض فلا ترتيب، لأن العطف بعد ما يلى الفاء لم يكن بالفاء أو ثم، فالمراد فليأت الذى هو خير ثم يكفر يمينه، ثم رأيت والحمد لله ما يدل لذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "حديث : يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فانها ان أتتك عن مسألة وكلت اليها، وان أتتك عن غير مسألة أعنت عليها، واذا حلفت على يمين فرأيت خيراً منها فأت الذى هو خير وكفر عن يمينك " تفسير : أعنى انه قدم الحنث على التكفير كما قدم التكفير فى الحديث السابق فلا يحرم بترتيب ما بعد تالى الفاء وثم على تاليها، بل نجزم بأن مجموع ما بعد الفاء وثم مرتب على ما قبلها الا بدليل، وتقول: الفاء فى جواب شرط محذوف، أى اذا حنثتم فكفارته الخ. وبين الله مصرف الكفارة وهو المساكين، وبينته السنة وهو الفقير الموحد الحر موافقاً أو مخالفاً بأى حال، الا ان كان ممن لا يطعم ولا يسقى ولا يسلم عليه، أو كان يستعين بها على المعصية على علم من المعطى، أو ظن راجح مثل أن تعلم أنه ان أعطيته صرف ما أعطيته فى خمر أو دخان، وأجاز بعض أصحابنا وأبو حنيفة صرفها الى الذمى، وفروع ذلك فى الفقه، أو لم يكن تلزمه نفقته، وخرج من اللبن واستغنى بالطعام. {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}: كل واحد يطعم غداء وعشاء يشبعهم، أو يكال له، والظاهر أنه لا يجزى الا عشرة فلو اقتصر على واحد وأطعمه عشرة أيام أو كال له ما يكيل لعشرة أو على اثنين وأطعمهما خمسة أيام، أو كال لكل ما يكيل لاثنين وما أشبه ذلك لم يجز، وأجازه بعض أصحابنا وأبو حنيفة يرون أن المراد من الطعام طعام عشرة مساكين، أى ما يكفيهم سواء أطعمه عشرة أو أقل، وعليه فيجوز أيضاً أن يطعم ذلك أكثر من عشرة مساكين حتى قيل: قبضة لكل مسكين. {مِن أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهلِيكُمْ}: لا يلزم أن يطعم من البر الفائق، أو الشعير الفائق، أو الفائق مما يطعم منه، ولا يجزيه أن يطعم من الردىء وذلك من الحبوب الستة عندنا، وأجيز من التين فى أوانه وأجيزت القيمة بالذهب والفضة اذا صار الى الكيل، وفروع المسألة فى الفقه، وقيل: معنى الأوسط فى القيمة، وقيل معناه الأفضل، فعن ابن عباس: كل أوسط فى القرآن معناه أفضل. وقال قوم: تجوز الكفارة من كل طعام معتاد للطعم ولو من غير الحبوب الستة لظاهر عموم الآية، فان ظاهر الآية اعتبار التوسط فى جميع ما يطعم منه الانسان أهله، والتوسط فى تجويد الصنعة وما يزينهما ان كانت صنعة كالطبخ، والتوسط فى عدد مرات الأكل، فبعض يأكل فى يومه ثلاث مرات وأربعاً وأكثر، وبعض مرة، وبعض مرتين وهو المتوسط، وزعم بعض أنه يجوز الاطعام من الردىء، وطعام المرة الواحدة لكل مسكين لقراءة سعيد بن المسيب واليمانى أو كاسوتهم بكاف داخلة على لفظ اسوة بمعنى مثل وهى اسم معطوف على اطعام أى أو مثل ما تطعمون أهليكم من اسراف أو تقتير، ففى هذه القراءة لم تذكر الكسوة فى القرآن وهى ضعيفة. والكيل مدان من بر أو تمر جيد أو زبيب جيد وثلاثة من غير ذلك، وأجيز مدان من كل، وقيل: مدان من بر وأربعة أمداد من غيره، وبه قال الشعبى، والنخعى، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقال أحمد بن حنبل: مد من بر أو مدان من غيره، وقيل: مد واحد من بر أو غيره من غالب قوت البلد، وهو رطل وثلث بالبغدادى، وكذا سائر الكفارات، ومن أوسط متعلق باطعام، ومن للابتداء وقيل: متعلق لمحذوف نعت للمفعول الثانى المحذوف لاطعام أى اطعام عشرة مساكين طعاماً ثابتاً من أوسط، أو بمحذوف بدل من اطعام أى اطعام عشرة مساكين اطعامهم من أوسط، أو بمحذوف نعت اطعام، وأهليكم ملحق بجمع المذكر مفعول أو منصوب بالياء، والثانى محذوف مقدر قبله، أى ما تطعمونه أهليكم، وقرأ جعفر بن محمد أهاليكم اسم جمع أهل، أو جمع أهلات لا جمع مذكر سالم ولا ملحق به، ولكنه سكن الياء تخفيفاً، والأصل ظهور فتحها لخفته، ولكن ثقل هذا الاسم وهو كالليالى والأراضى. {أَو كِسْوَتُهُمْ}: مصدر مضاف لما هو فى المعنى مفعول به معطوف على اطعام، وان علقنا من أوسط ببدل محذوف كما مر فالعطف على هذا البدل أو المبدل منه، والراجح حينئذ العطف على البدل، لأنه يراد فى كلام العرب بالذات، ويجوز أن يكون كسوة اسما للثوب غير مصدر فيقدر مضاف أى أو اعطاء كسوتهم، والأولى ما ذكرته لعدم الحذف فيه، ولأن اطعام وتحرير مصدران، وكذا صيام يكسو الرجل ما يستره من سرته لركبته، وقيل: من منكبه لركبته، والمرأة ما يسترها كلها غير وجهها مما تجوز لهما به الصلاة، وعندى يكون أسفل ركبته بقدر ما اذا ركع لم ينكشف باطن فخذه. وعن مجاهد: ثوب جامع له أولها، وقال مالك: يكسوه ثوباً ويكسوها ثوبين درعاً وخماراً، وقال بعض أصحابنا، وابن عباس، الحسن، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، والشافعى: يجزيه لهما ما يسمى لباساً كازار وخف وشاشية وعمامة، ونعل وقرق، وعن ابن عمر: يجب لهم قميص أو ازار أو رداء، وعن أبى موسى الأشعرى، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين ثوبان، قال الحسن: ثوبان أبيض، والظاهر أنه أراد مجرد نفى اشتراط الصفة أو أراد أن لا يقصد الردىء الدنس، وقرأ: كسوتهم بضم الكاف لغة كغدوة وقدوة بالكسر والضم. {أَوْ تَحْرِيرٌ رَقَبَةٍ}: وأجاز أبو حنيفة والثورى تحرير الكافرة فى الكفارات كلها الا كفارة القتل، وأجمع العلماء كلهم أنه لا يجزىء عتق الرقبة المرتدة، والمكاتب عندنا حر لا يجزىء أن يعتق لأنه حر وتجزىء عندنا أم الولد، لأنها أمة ما لم يرثها ابنها وبنتها، ويجوز قصد شرائه من يعتق عليه بمجرد الملك على نية أن يكون حراً على الكفارة بالملك، وأنواع الملك كالشراء، وقيل: لا يجوز ذلك ولا يجزى ما فيه عيب يضر بالعمل كالأعمى والمجنون ومقطوع اليد، واختلف فى الأعور الأصم، وكل عيب لا يمنع من العمل كقطع الأنف والأذن، وفروع المسألة فى الفقه وأو للتخيير فى الموضعين. والتحرير أفضل، ثم الكسوة، ثم الاطعام بدأ الله بالأخف فالأخف، والاطعام أعم وجوداً، وأيضا قدم الله تعالى التحرير فى الظهار على الاطعام، وقيل: الاطعام أفضل، وقد ذكر فى الأصول اختلاف فى الواجب التخييرى، قيل: الواجب أحد الأمور لا على التعيين، وقال بعض المعتزلة: الواجب الجميع، ويسقط بواحد، وقيل: الواجب واحد معين عند الله تعالى، وهو ما يفعله المكلف، وقيل: الواجب واحد معين لا يختلف لكن يسقط به، وبالآخر وفيها أبحاث محلها الأصول. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ}: عتقاً ولا كسوة ولا اطعاماً بأن لم يملك عشرين درهماً زائدة عن قوت سنة ودينه، وله مسكن وبيت وخادم، وقال الشافعى: من له ما يطعم عشرة فوق قوته وقوت عياله ثلاثة أيام لزمه الاطعام، والا جاز له الصيام، وقال أبو حنيفة: يصوم ان لم يكن ما تجب فيه الزكاة زيادة على دينه، وقال الحسن: اذا لم يجد درهمين صام، وقال سعيد بن جبير: اذا لم يجد ثلاثة دراهم صام، وفيه أقوال ذكرتها فى شرح النيل أقوال أيضاً. {فَصِيَامٌ}: عليه أو فالواجب أو فكفارته، وهذا أولى. {ثَلاثَةِ أَيَّامٍ}: متتابعة عندنا وعند غيرنا قياساً على الظهار والقتل، وقال مالك والشافعى فى جديده والحسن: لا يجب التتابع، ولكنه أفضل، والصحيح وجوب التتابع، وقرأ أبى وابن مسعود: فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وهو مناسب لذلك، ولو كانت القراءة الشاذة لم تثبت كتاباً ولا سنة، فلم تكن حجة. وعن مجاهد: كل صوم متتابع الا قضاء رمضان، ويخير فى كفارة اليمين، والصحيح وجوب التتابع، واتفقوا أن الحيض لا يبطل ما تقدمه وكذا النفاس. {ذّلِكَ}: المذكور من أحد الثلاثة الأولى: الاطعام، والتحرير، والكسوة، ومن الرابع المشروط فيه عدم الوجود وهو الصوم. {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}: وحنثتم أو أردتم الحنث فتقدمون التكفير على الحنث على ما مر، واتفقوا على أنه لا يجوز التكفير قبل اليمين. {واحْفَظُوا أَيْمَانَكُم}: بأن لا تحلفوا كاذبين ولا على فعل معصية، واذا حنثتم فاحذروا ترك أداء الكفارة فانها فرض، من تعمد تركها عصى، والذى عندى أنه يكفر، وعلى الأول فقيل لا يبرأ ممن تركها، وتفريع ذلك فى الفقه، ويجزىء الايصاء بها، وذلك ان حنث كذلك ظهر لى تفسير الآية، ثم رأيت طرفاً منه للقاضى والزمخشرى قبله وجعلاه قولا وأخره القاضى اذ قال: {واحْفَظُوا أَيْمَانَكُم} بأن تكفروها اذا حنثتم، وذكر وجهاً اخر أن معنى احفظوا أيمانكم قللوا منها ولا تبذلوا لكل أمر، ووجهاً آخر وهو أن معناه احفظوا أيمانكم بترك الحنث فيها ما استطعتم ما لم تكن على معصية، أو ترك خير وهما قولان فتلك ثلاثة غير ما فسرته به. وقيل: احفظوها كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاوناً بها، وهذا يحتمل القول الذى سبق أن القاضى أخره، وقيل: احفظوها لئلا تحتاجوا الى التكفير. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُم آيَاتِهِ}: يبين الله لكم آيات القرآن الدالة على أحكام الشريعة غير حكم اليمين والكفارة تبييناً مثل تبيين أحكام اليمين والكفارة. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: نعمه ومن أجلها بيان الأحكام، فانه لا سبيل للشكر الا العمل بالحكم الشرعى، ولا يحصل العمل به بلا علم به، واستثنى الله مما يستلذ أشياء محرمة وذكرها بقوله:{يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا}

الالوسي

تفسير : {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف على أمر مضى يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فاليمين غموس، وروي ذلك عن مجاهد. وعند الشافعي رحمه الله تعالى ما يسبق إليه اللسان من غير نية اليمين وهو المروى عن أبـي جعفر وأبـي عبد الله / وعائشة رضي الله تعالى عنهم، والأدلة على المذهبين مبسوطة في الفروع والأصول وقد تقدم شطر من الكلام على ذلك، و {فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } إما متعلق باللغو فإنه يقال لغا في يمينه لغواً وإما بمحذوف وقع حالاً منه أي كائناً أو واقعاً في أيمانكم؛ وجوز أن يكون متعلقاً بيؤاخذكم، وقيل عليه: إنه لا يظهر ربطه بالمؤاخذة إلا أن يجعل (في) للعلة كما في حديث : إن امرأة دخلت النار في هرة تفسير : . {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} أي بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية فما مصدرية، وقيل: إنها موصولة والعائد محذوف أي بما عقدتم الأيمان عليه. ورجح الأول بأن الكلام في مقابلة اللغو وبأنه خال عن مؤنة التقدير، وقال بعضهم: إن ذلك التقدير في غير محله لأن شرط حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً وما هنا ليس كذلك فليتدبر؛ والمعنى: ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم أو لكن يؤاخذكم بما عقدتموها إذا حنثتم وحذف ذلك للعلم به، والمراد بالمؤاخذة المؤاخذة في الدنيا وهي الإثم والكفارة فلا إشكال في تقدير الظرف، وتعقيد الأيمان شامل للغموس عند الشافعية وفيه كفارة عندهم وأما عندنا فلا كفارة ولا حنث. وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم {عقدتم } بالتخفيف، وابن عامر برواية ابن ذكوان {عاقدتم} والمفاعلة فيها لأصل الفعل وكذا قراءة التشديد لأن القراءات يفسر بعضها بعضاً، وقيل: إن ذلك فيها للمبالغة باعتبار أن العقد باللسان والقلب لا أن ذلك للتكرار اللساني كما توهم. والآية كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت حين نهى القوم عما صنعوا فقالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟، وروي عن ابن زيد أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاءه فحلف لا يأكل من الطعام وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل وحلف الضيف لا يأكل إن لم يأكلا فأكل عبد الله بن رواحة وأكلا معه فأخبر النبـي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه الصلاة والسلام له: أحسنت ونزلت. {فَكَفَّارَتُهُ} الضمير عائد إما على الحنث المفهوم من السياق أو على العقد الذي في ضمن الفعل بتقدير مضاف أي فكفارة نكثه أو على ما الموصولة بذلك التقدير، وأما عوده على الأيمان لأنه مفرد كالأنعام عند سيبويه أو مؤول بمفرد فكما ترى، والمراد بالكفارة المعنى المصدري وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة وتسترها، والمراد بالستر المحو لأن الممحو لا يرى كالمستور وبهذا وجه تأنيثها، وذكر عصام الدين أن فعالاً يستوي فيه المذكر والمؤنث إلا أن ما يستوي فيه ذلك كفعيل إذا حذف موصوفه يؤنث للمؤنث كمررت بقتيلة بني فلان ولا يقال بقتيل للالتباس، وذكر أن التاء يحتمل أن تكون للنقل وأن تكون للمبالغة انتهى. ويدل على أنها بالمعنى المصدري الإخبار عنها بقوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ } واستدل الشافعية بظاهر الآية على جواز التكفير بالمال قبل الحنث سواء كان الحنث معصية أم لا، وتقييد ذلك كما فعل الرافعي بما إذا لم يكن معصية غير معول عليه عندهم، ووجه الاستدلال بذلك على ما ذكر أنه سبحانه جعل الكفارة عقب اليمين من غير ذكر الحنث وقال عز شأنه: {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } وقيدوا ذلك بالمال ليخرج التكفير بالصوم فإنه لا يكون إلا بعد الحنث عندهم لأنه عند العجز عن غيره والعجز لا يتحقق بدون حنث، وقد قاسوا ذلك أيضاً على تقديم الزكاة على الحول، واستدلوا أيضاً بما أخرجه مسلم عن أبـي هريرة رضي / الله تعالى عنه قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خيرتفسير : . ونحن نقول: إن الآية تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وهي غير واجبة قبله فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها، وقد اتفقوا على أن معنى قوله سبحانه: { أية : فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } تفسير : [البقرة: 184] فأفطر فعدة من أيام أخر فكذا هذا. والحديث الذي استدلوا به لا يصلح للاستدلال لأنه بعد تسليم دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ يقال: إن الواقع في حيزها مجموع التكفير والإيتاء ولا دلالة على الترتيب بينهما ألا ترى أن قوله تعالى: { أية : إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَ ٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ } تفسير : [الجمعة: 9] لا يقتضي تقديم السعي على ترك البيع بالاتفاق، وأيضاً جاء في رواية « حديث : فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ». تفسير : ونقل بعضهم عن الشافعية أنهم يجمعون بين الروايتين بأن إحداهما لبيان الجواز والأخرى لبيان الوجوب، وقال عصام الدين: إن تقديم الكفارة تارة وتأخيرها أخرى يدل على أن التقديم والتأخير سيان اهـ. وأنت تعلم أن الشافعية كالحنفية في أنهم يقدرون في الآية ما أشرنا إليه قبل في تفسيرها إلا أن ذلك عندهم قيد للوجوب وإلا فالاستدلال بالآية في غاية الخفاء كما لا يخفى فتدبر. و {إِطْعَامُ } مصدر مضاف لمفعوله وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل وفاعل المصدر يحذف كثيراً، ولا ضرورة تدعو إلى تقدير الفعل مبنياً للمفعول لأنه مع كونه خلاف الأصل في تقديره خلاف ذكره السمين فالتقدير هنا فكفارته أن يطعم الحانث أو الحالف عشرة مساكين {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي من أقصده في النوع أو المقدار، وهو عند الشافعية مد لكل مسكين وعندنا نصف صاع من بر أو صاع من شعير. وأخرج ابن حميد وغيره عن ابن عمر أن الأوسط الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن، والأفضل نحو الخبز واللحم. وعن ابن سيرين قال: كانوا يقولون الأفضل الخبز واللحم والأوسط الخبز والسمن والأخس الخبز والتمر. ومحل الجار والمجرور النصب لأنه صفة مفعول ثان للإطعام لأنه ينصب مفعولين وأولهما هنا ما أضيف إليه، والتقدير طعاماً أو قوتاً كائناً من أوسط، وقيل: إنه صفة مصدر محذوف أي إطعاماً كائناً من ذلك؛ وجوز أن يكون محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي طعامهم من أوسط أو على أنه صفة لإطعام أو على أنه بدل من {إِطْعَامُ }. واعترض هذا بأن أقسام البدل لا تتصور هنا. وأجيب بأنه بدل اشتمال بتقدير موصوف وذلك على مذهب ابن الحاجب وصاحب «اللباب». ومتابعيهما ظاهر لأنهم يكتفون بملابسة بين البدل والمبدل منه بغير الجزئية والكلية، وأما على مذهب الجمهور فلأنهم يشترطون اشتمال التابع على المتبوع لا كاشتمال الظرف على المظروف بل من حيث كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى ذكر الثاني فيجاء بالثاني ملخصاً لما أجمله الأول ومبيناً له، ويعدون من هذا القبيل قولهم: نظرت إلى القمر فلكه كما صرح به ركن الدين في «شرح اللباب». ولا يخفى أن إطعام عشرة مساكين دال على الطعام إجمالاً ومتقاض له بوجه. واختار بعض المحققين أنه بدل كل من كل بتقدير إطعام من أوسط نحو / أعجبني قرى الأضياف قراهم من أحسن ما وجد، و(ما) إما مصدرية وإما موصولة اسمية والعائد محذوف أي من أوسط الذي تطعمونه. وجوز أبو البقاء تقديره مجروراً بمن أي تطعمون منه، ونظر فيه السمين بأن من شرط العائد المحذوف المجرور بالحرف أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً والحرفان هنا وإن اتفقا من وجه إلا أن المتعلق مختلف لأن من الثانية متعلقة بتطعمون والأولى ليست متعلقة بذلك. ثم قال: فإن قلت الموصول غير مجرور بمن وإنما هو مجرور بالإضافة. فالجواب أن المضاف إلى الموصول كالموصول في ذلك اهـ. وقد قدمنا آنفاً نحو هذا النظر، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن الحذف تدريجي ولا يخفى أن فيه تطويلاً للمسافة. والأهلون جمع أهل على خلاف القياس كأرض وأرضون إذ شرط هذا الجمع أن يكون علماً أو صفة وأهل اسم جامد، قيل: والذي سوغه أنه استعمل كثيراً بمعنى مستحق فأشبه الصفة. وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قرأ {أهاليكم} بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف وهو أيضاً جمع أهل على خلاف القياس كليال في جمع ليلة. وقال ابن جني: واحدهما ليلاة وأهلاة وهو محتمل كما قيل لأن يكون مراده أن لهما مفرداً مقدراً هو ما ذكر ولأن يكون مراده أن لهما مفرداً محققاً مسموعاً من العرب هو ذاك، وقيل: إن أهالي جمع أهلون وليس بشيء. {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف كما قال أبو البقاء على {إِطْعَامُ } واستظهره غير واحد، واختار الزمخشري أنه عطف على محل {مِنْ أَوْسَطِ } ووجهه فيما نسب إليه بأن {مِنْ أَوْسَطِ } بدل من الإطعام والبدل هو المقصود ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى فكأنه قيل: فكفارته من أوسط ما تطعمون. ووجه صاحب «التقريب» عدوله عن الظاهر بأن الكسوة اسم لنحو الثوب لا مصدراً، فقد قال الراغب: الكساء والكسوة اللباس فلا يليق عطفه على المصدر السابق مع أن كليهما فيما يتعلق بالمساكين، وبأنه يؤدي إلى ترك ذكر كيفية الكسوة وهو كونها أوسط، ثم قال: ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر كما يشعر به كلام الزجاج أو يضمر مصدر كالإلباس، وعن الثاني بأن يقدر أو كسوتهم من أوسط ما تكسون وحذف ذلك لقرينة ذكره في المعطوف عليه أو بأن تترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة بيانها على الغير، وأيضاً العطف على محل {مِنْ أَوْسَطِ } لا يفيد هذا المقصود وهو تقدير الأوسط في الكسوة فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه وهو غير سديد اهـ. واعترض بعض المحققين على ما نسب إلى الزمخشري أيضاً بأن العطف على البدل يستدعي كون المعطوف بدلاً أيضاً وإبدال الكسوة من {إِطْعَامُ } لا يكون إلا غلطاً لعدم المناسبة بينهما أصلاً وبدل الغلط لا يقع في الفصيح فضلاً عن أفصح الأفصح. ومنع عدم الوقوع مما لا يلتفت إليه، وجعل غير واحد هذا العطف من باب: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : كأنه قيل إطعام هو أوسط ما تطعمون أو إلباس هو كسوتهم على معنى إطعام هو إطعام الأوسط وإلباس هو إلباس الكسوة وفيه إبهام وتفسير في الموضعين. واعترض بأن العطف على هذا يكون على المبدل منه لا البدل، وأجيب بأن المراد أنه بالنظر إلى ظاهر اللفظ عطف على البدل وهو كما ترى، واعترض الشهاب على دعوى أن الداعي للزمخشري عن العدول إلى / الظاهر إلى اختيار العطف على محل {مِنْ أَوْسَطِ } تحصيل التناسب بين نوعي الكفارة المتعلقة بالمساكين بأنه كيف يتأتى ذلك وقد جعل العطف على {مِنْ أَوْسَطِ } على تقدير بدليته وهو على ذلك التقدير صفة إطعام مقدر انتهى. وقد علمت أن هذا رأي لبعضهم. وبالجملة فيما ذهب إليه الزمخشري دغدغة حتى قال العلم العراقي: إنه غلط والصواب العطف على {إِطْعَامُ }، وقال الحلبـي: ما ذكره الزمخشري إنما يتمشى على وجه وهو أن يكون {مِنْ أَوْسَطِ } خبراً لمبتدأ محذوف يدل عليه ما قبله تقديره طعامهم من أوسط فالكلام تام على هذا عند قوله سبحانه: {عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ } ثم ابتدأ إخباراً آخر بأن الطعام يكون أوسط كذا. وأما إذا قلنا إن {مِنْ أَوْسَطِ } هو المفعول الثاني فيستحيل عطف {كِسْوَتُهُمْ } عليه لتخالفهما إعراباً انتهى. ثم المراد بالكسوة ما يستر عامة البدن على ما روي عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وأبـي يوسف فلا يجزي عندهما السراويل لأن لابسه يسمى عرياناً في العرف لكن ما لا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الإطعام باعتبار القيمة، وفي اشتراط النية حينئذٍ روايتان. وظاهر الرواية الإجزاء نوى أو لم ينو. وروي أيضاً أنه إن أعطى السراويل المرأة لا يجوز وإن أعطى الرجل يجوز لأن المعتبر رد العري بقدر ما تجوز به الصلاة وذلك ما به يحصل ستر العورة والزائد تفضل للتجمل أو نحوه فلا يجب في الكسوة كالإدام في الطعام والمروي عن محمد أن ما تجوز فيه الصلاة يجزىء مطلقاً. والصحيح المعول عليه عندنا هو الأول، ويشترط أن يكون ذلك مما يصلح للأوساط وينتفع به فوق ثلاثة أشهر، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانت العباءة تجزىء يومئذٍ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يجزىء قميص أو رداء أو كساء، وعن الحسن أنها ثوبان أبيضان. وروى الإمامية عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنها ثوبان لكل مسكين ويجزىء ثوب واحد عند الضرورة واشترط أصحابنا في المسكين أن يكون مراهقاً فما فوقه فلا يجزىء غير المراهق على ما ذكره الحصكفي نقلاً عن «البدائع» في كفارة الظهار، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آية كفارة الظهار أن المراد من الإطعام التمكين من الطعم وتحقيق الكلام في ذلك على أتم وجه. وقرىء {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } بضم الكاف وهو كقدوة في قدوة وأسوة في إسوة. وقرأ سعيد بن المسيب واليماني {أَوْ كإسوتهم} بكاف الجر الداخلة على إسوة وهي كما قال الراغب الحال التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسناً وإن قبيحاً. والهمزة كما قال غير واحد: بدل من واو لأنه من المواساة. والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف والتقدير أو طعامهم كأسوة أهليكم، وقال السعد: الكاف زائدة أي أو طعامهم أسوة أهليكم، وقيل: الأولى أن يكون التقدير طعام كأسوتهم على الوصف فهو عطف أيضاً على {من أوسط} وعلى هذه القراءة يكون التخيير بين الإطعام والتحرير في قوله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فقط وتكون الكسوة ثابتة بالسنة. وزعم أبو حيان أن الآية تنفي الكسوة وليس بشيء، وقال أبو البقاء: المعنى مثل أسوة أهليكم في الكسوة فلا تكون الآية عارية عن الكسوة وفيه نظر إذ ليس في الكلام ما يدل على ذلك التقدير. والمراد بتحرير رقبة إعتاق إنسان كيف ما كان. وشرط الشافعي عليه الرحمة فيه الإيمان حملاً للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل. وعندنا لا يحمل لاختلاف السبب. واستدل بعض الشافعية على ذلك بأن «الكفارة حق الله تعالى وحق الله سبحانه لا يجوز صرفه إلى عدو الله عز اسمه كالزكاة. ونحن نقول: المنصوص / عليه تحرير رقبة وقد تحقق. والقصد بالإعتاق أن يتمكن المعتق من الطاعة بخلوصه عن خدمة المولى ثم مقارفته المعصية وبقاؤه على الكفر يحال به إلى سوء اختياره». واعترض بأن لقائل أن يقول: نعم مقارفته المعصية يحال به إلى ما ذكر لكن لم لا يكون تصور ذلك منه مانعاً عن الصرف إليه كما في الزكاة؟ وأجيب بأن القياس جواز صرف الزكاة إليه أيضاً لأن فيه مواساة عبيد الله تعالى أيضاً لكن قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم » تفسير : أخرجهم عن المصرف. وقد ذكر بعض أصحابنا ضابطاً لما يجوز إعتاقه في الكفارة وما لا يجوز فقال: متى أعتق رقبة كاملة الرق في ملكه مقروناً بنية الكفارة وجنس ما يبتغي من المنافع فيها قائم بلا بدل جاز وإن لم يكن كذلك فإنه لا يجوز وهل يجوز عتق الأصم أم لا؟ قولان، وفي «الهداية»، «ويجوز الأصم والقياس أن لا يجوز وهو رواية «النوادر» لأن الفائت جنس المنفعة إلا (أنا) استحسنا الجواز لأن أصل المنفعة باق فإنه إذا صيح عليه يسمع حتى لو كان بحال لا يسمع أصلاً بأن ولد أصم وهو الأخرس لا يجزئه» انتهى. ومعنى «أو» إيجاب إحدى الخصال الثلاث مطلقاً وتخيير المكلف في التعيين ونسب إلى بعض المعتزلة أن الواجب الجمع ويسقط واحد. وقيل: الواجب متعين عند الله تعالى وهو ما يفعله المكلف فيختلف بالنسبة إلى المكلفين. وقيل: إن الواجب واحد معين لا يختلف لكن يسقط به وبالآخر. وتفاوتها قدراً وثواباً لا ينافي التخيير المفوض تفاوته إلى الهمم وقصد زيادة الثواب فإن الكسوة أعظم من الإطعام والتحرير أعظم منهما. وبدأ سبحانه بالإطعام تسهيلاً على العباد. وذكر غير واحد من أصحابنا أن المكلف لو أدى الكل جملة أو مرتباً ولم ينو إلا بعد تمامها وقع عنها واحد هو أعلاها قيمة ولو ترك الكل عوقب بواحد هو أدناها قيمة لسقوط الفرض بالأدنى. وتحقيق ذلك في الأصول. {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي شيئاً من الأمور المذكورة {فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } أي فكفارته ذلك. ويشترط الوِلاء عندنا ويبطل بالحيض بخلاف كفارة الفطر. وإلى اشتراط الوِلاء ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وقتادة والنخعي. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: « حديث : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله نحن بالخيار فقال صلى الله عليه وسلم: أنت بالخيار إن شئت أعتقت وإن شئت كسوت وإن شئت أطعمت فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات ». تفسير : وأخرج ابن أبـي شيبة وابن حميد وابن جرير وابن أبـي داود في «المصاحف». وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبـي بن كعب أنه كان يقرأ (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). وأخرج غالب هؤلاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ أيضاً كذلك، وقال سفيان: نظرت في مصحف الربيع فرأيت فيه (فمن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وبمجموع ذلك يثبت اشتراط التتابع على أتم وجه، وجوز الشافعي رحمه الله تعالى التفريق ولا يرى الشواذ حجة، ولعل غير ذلك لم يثبت عنده واعتبر عدم الوجدان والعجز عما ذكر عندنا وقت الأداء حتى لو وهب ماله وسلمه ثم صام ثم رجع بهبته أجزأه الصوم كما في «المجتبـى»، ونسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه اعتبار العجز عند الحنث. ويشترط استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم فلو صام المعسر يومين ثم قبل فراغه ولو بساعة أيسر ولو بموت مورثه موسراً لا يجوز له الصوم ويستأنف بالمال. ولو صام ناسياً له لم يجز على الصحيح، واختلف في الواجد فأخرج / أبو الشيخ عن قتادة قال: إذا كان عنده خمسون درهماً فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام وإن كان عنده أقل فهو ممن لا يجد ويصوم. وأخرج عن النخعي قال: إذا كان عنده عشرون درهماً فعليه أن يطعم في الكفارة، ونقل أبو حيان عن الشافعي وأحمد ومالك أن من كان عنده فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يومه وليلته وعن كسوته بقدر ما يطعم أو يكسو فهو واجد، وعن الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد. {ذٰلِكَ } أي الذي مضى ذكره {كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } أي وحنثتم وقد مر تفصيل ذلك. و {إِذَا } على ما قال السمين لمجرد الظرفية وليس فيها معنى الشرط، وجوز أن تكون شرطية ويكون جوابها محذوفاً عند البصريين، والتقدير إذا حلفتم وحنثتم فذلك كفارة أيمانكم. ويدل على ذلك ما تقدم أو هو ما تقدم عند الكوفيين والخلاف بين الفريقين مشهور {وَٱحْفَظُواْ أَيْمَـٰنَكُمْ } أي راعوها لكي تؤدوا الكفارة عنها إذا حنثتم أو احفظوا أنفسكم من الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية أو لا تبذلوها وأقلوا منها كما يشعر به قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ } تفسير : [البقرة: 224] وعليه قول الشاعر: شعر : قليل الألايا حافظ ليمينه إذا بدرت منه الألية برت تفسير : أو احفظوها ولا تنسوا كيف حلفتم تهاوناً بها وصحح الشهاب الأول. واعترض الثاني بأنه لا معنى له لأنه غير منهي عن الحنث إذا لم يكن الفعل معصية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : فليأت الذي هو خير وليكفر » تفسير : وقال سبحانه: { أية : فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ } تفسير : [التحريم: 2] فثبت أن الحنث غير منهي عنه إذا لم يكن معصية فلا يجوز أن يكون {ٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} نهياً عن الحنث، والثالث بأنه ساقط واه لأنه كيف يكون الأمر بحفظ اليمين نهياً عن اليمين وهل هو إلا كقولك: احفظ المال بمعنى لا تكسبه، وأما البيت فلا شاهد فيه لأن معنى حافظ ليمينه أنه مراع لها بأداء الكفارة ولو كان معناه ما ذكر لكان مكرراً مع ما قبله أعني ـ قليل الألايا ـ. واعترض الرابع بأنه بعيد فتدبر {كَذٰلِكَ } أي ذلك البيان البديع {يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَـٰتِهِ } أعلام شريعته وأحكامه لا بياناً أدنى منه، وتقديم {لَكُمْ } على المفعول الصريح لما مر مراراً. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة التعليم أو نعمه الواجب شكرها.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي نشأ بمناسبة قوله: {أية : لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}تفسير : [المائدة: 87] لأنّ التحريم يقع في غالب الأحوال بأيْمان معزومة، أو بأيمان تجري على اللسان لقصد تأكيد الكلام، كأنْ يقول: والله لا آكل كذا، أو تجري بسبب غضب. وقيل: إنّها نزلت مع الآية السابقة فلا حاجة لإبداء المناسبة لذكر هذا بعد ما قبله. روى الطبري والواحدي عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزل قوله تعالى: {أية : يا أيّها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}تفسير : [المائدة: 87] ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عمّا عزموا عليه من ذلك، كما تقدّم آنفاً، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفناها عليها، فأنزل الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} الآية. فشرع الله الكفّارة. وتقدّم القول في نَظير صدر هذه الآية في سورة البقرة. وتقدّم الاختلاف في معنى لغو اليمين. وليس في شيء من ذلك ما في سبب نزول آية {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}تفسير : [المائدة: 87]، ولا في جعل مثل ما عزم عليه الذين نزلت تلك الآية في شأنهم من لغو اليمين. فتأويل ما رواه الطبري والواحدي في سبب نزول هذه الآية أنّ حادثة أولئك الذين حرّموا على أنفسهم بعض الطيّبات ألحقت بحكم لغو اليمين في الرخصة لهم في التحلّل من أيمانهم. وقوله: {بما عَقَّدْتُمْ الأيمان}، أي ما قصدتم به الحَلف. وهو يُبيّن مجمل قوله في سورة البقرة (225) {أية : بما كَسَبَتْ قلوبُكم}.تفسير : وقَرَأ الجمهورُ {عقَّدتم} ـــ بتشديد القاف ـــ. وقرأه حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلَف ـــ بتخفيف القاف ـــ. وقرأه ابن ذكوان عن ابنِ عامر {عَاقدتم} بألف بعد العين من باب المفاعلة. فأمّا {عقّدتم} بالتشديد فيفيد المبالغة في فعل عَقَد، وكذلك قراءة {عاقدتم} لأنّ المفاعلة فيه ليست على بابها، فالمقصود منها المبالغة، مثل عافَاه الله. وأمّا قراءة التخفيف فلأنّ مادّة العقد كافية في إفادة التثبيت. والمقصود أنّ المؤاخذة تكون على نية التوثّق باليمين، فالتعبير عن التوثّق بثلاثة أفعال في كلام العرب: عقَد المخفّف، وعقَّد المشدّد، وعَاقَد. وقوله: {ذلك كفّارة أيمانكم} إشارة إلى المذكور، زيادة في الإيضاح. والكفّارة مبالغة في كفَر بمعنى ستَر وأزال. وأصل الكَفْر ـــ بفتح الكاف ـــ الستر. وقد جاءت فيها دلالتان على المبالغة هما التضعيف والتاء الزائدة، كتاء نسَّابة وعلاّمة. والعرب يجمعون بينهما غالباً. وقوله: {إذا حلفتم} أي إذا حلفتم وأردتم التحلّل ممّا حلفتم عليه فدلالة هذا من دلالة الاقتضاء لظهور أن ليست الكفّارة على صدور الحلف بل على عدم العمل بالحلف لأنّ معنى الكفارة يقتضي حصول إثم، وذلك هو إثم الحِنث. وعن الشافعي أنّه استدلّ بقوله: {كفّارة أيمانكم إذا حلفتم} على جواز تقديم الكفّارة على وقوع الحنث، فيحتمل أنّه أخذ بظاهر إضافة {كفّارة} إلى {أيمانكم}، ويحتمل أنّه أراد أنّ الحلف هو سبب السبب فإذا عزم الحالف على عدم العمل بيمينه بعد أن حلف جاز له أن يكفّر قبل الحنث لأنّه من تقديم العوض، ولا بأس به. ولا أحسب أنّه يعني غير ذلك. وليس مراده أنّ مجرّد الحلف هو موجب الكفّارة. وإذ قد كان في الكلام دلالة اقتضاء لا محالة فلا وجه للاستدلال بلفظ الآية على صحّة تقديم الكفّارة. وأصل هذا الحكم قول مالك بجواز التكفير قبل الحنث إذا عزم على الحنث. ولم يستدلّ بالآية. فاستدلّ بها الشافعي تأييداً للسنّة. والتكفيرُ بعد الحنث أولى. وعقّب الترخيص الذي رخّصه الله للنّاس في عدم المؤاخذة بأيمان اللغو فقال {واحفظوا أيمانكم}. فأمر بتوخّي البرّ إذا لم يكن فيه حرج ولا ضُرّ بالغير، لأنّ في البرّ تعظيم اسم الله تعالى. فقد ذكرنا في سورة البقرة أنّهم جرى معتادهم بأنّ يقسموا إذا أرادوا تحقيق الخبر، أو إلجاء أنفسهم إلى عمل يعزمون عليه لئلاّ يندموا عن عزمهم، فكان في قوله {واحفظوا أيمانكم} زجر لهم عن تلك العادة السخيفة. وهذا الأمر يستلزم الأمر بالإقلال من الحلف لئلاّ يعرّض الحالف نفسه للحنث. والكفّارة ما هي إلاّ خروج من الإثم. وقد قال تعالى لأيّوب ـــ عليه السلام ـــ: {أية : وخُذ بيدك ضِغثاً فاضرب به ولا تحنَث}تفسير : [ص: 44]. فنزّهه عن الحنث بفتوى خصّه بها. وجملة {كذلك يبيّن الله لكم آياته} تذييل. ومعنى {كذلك} كهذا البيان يبيّن الله، فتلك عادة شرعه أن يكون بيّناً، وقد تقدّم القول في نظيره في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً} تفسير : في سورة البقرة (143). وتقدّم القول في معنى {لعلّكم تشكرون} عند قوله تعالى: {أية : يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم} تفسير : في سورة البقرة (21).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}. قد قدمنا في سورة البقرة أن المراد بما عقدتم الأيمان، هو ما قصدتم عقد اليمين فيه، لا ما جرى على ألسنتكم من غير قصد نحو "لا والله" و "بلى والله"، ومنه قول الفرزدق: شعر : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائم تفسير : وهذا العقد معنوي، ومنه قول الحطيئة: شعر : قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا تفسير : وقرأه حمزة، والكسائي، وشعبة ع عاصم {عَقدْتُمُ} بالتخفيف بلا ألف. وقراه ابن ذكوان عن ابن عامر {عَاقدْتُم} بألف بوزن فاعل، وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف، والتضعيف والمفاعلة: معناهما مجرد الفعل بدليل قراءة {عَقَّدْتُم} بلا ألف، ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضاً "وما" في قوله {بِمَا عَقَّدْتُمُ} مصدرية على التحقيق لا موصولة، كما قاله بعضهم زاعماً أن ضمير الربط محذوف. وفي المراد باللغو في الآية أقوال أشهرها عند العلماء اثنان: الأول: أن اللغو ما يجري على لسان الإنسان من غير قصد، كقوله "لا والله" و "بلى والله". وذهب إلى هذا القول الشافعي، وعائشة في إحدى الروايتين عنها، وروي عن ابن عمر، وابن عبّاس في أحد قوليه، والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعُروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحّاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره. القول الثاني: أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده، فيظهر نفيه: وهذا هو مذهب مالك بن أنس، وقال: إنه أحسن ما سمع في معنى اللغو، وهو مروي أيضاً عن عائشة، وأبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جُبَيْر، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسُّدِّي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن سعيد، وربيعة، كما نقله عنهم ابن كثير. والقولان متقاربان، واللغو يشملهما. لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلاً، وفي الثاني لم يقصد إلا الحقّ والصواب، وغير هذين القولين من الأقوال تركته لضعفه في نظري، واللغو في اللُّغة: هو الكلام بما لا خبر فيه، ولا حاجة إليه، ومنه حديث: "حديث : إذا قلت لصاحبك، والإمام يخطب يوم الجمعة انصت، فقد لغوت أو لغيت ". تفسير : وقول العجاج: شعر : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم تفسير : مسائل من أحكام الأيمان المسألة الأولى: اعلم أن الأيمان أربعة أقسام: اثنان فيهما الكفَّارة بلا خلاف، واثنان مُخْتلف فيهما. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصّه: الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفارة، قسمان لا كفَّارة فيهما. خرج الدارقطني في سننه، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عبثر عن ليث، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: الأيمان أربعة، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران فاليمينان اللذان يكفران، فالرجل الذي يحلف: والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول: والله لأفعلن كذا وكذا، فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يكفران، فالرجل يحلف: والله ما فعلت كذا وكذا، وقد فعل، والرجل يحلف: لقد فعلت كذا وكذا ولم يفعله. قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوري في (جامعه)، وذكره المرزوي عنه أيضاً، قال سفيان: الأيمان أربعة، يمينان يكفران، وهو أن يقول الرجل: والله "لا أفعل" ثم يفعل، أو يقول: "والله لأفعلن" ثم لا يفعل. ويمينان لا يكفران، وهو أن يقول الرجل "والله ما فعلت"، وقد فعل أو يقول "والله لقد فعلت" وما فعل. قال المروزي: أما اليمينان الأوليان، فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قال سفيان. وأما اليمينان الأُخريان، فقد اختلف أهل العلم فيهما فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه فعل كذا وكذا عند نفسه صادقاً يرى أنه على ما حلف عليه، فلا إثم عليه ولا كفَّارة عليه في قول مالك وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي وكذلك قال أحمد وأبو عبيد. وقال الشافعي: لا إثم عليه، وعليه الكفَّارة. قال المرزوي: وليس قول الشافعي في هذا بالقوي، قال: وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل، متعمِّداً للكذب فهو آثم، ولا كفّارة عليه في قول عامَّة العلماء. مالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عبيد. وكان الشافعي يقول: يكفر. قال: وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي، قال المروزي: أميل إلى قول مالك وأحمد، اهـ محل الغرض من القرطبي بلفظه، وهو حاصل تحرير المقام في حلف الإنسان "لأفعلن" أو "لا أفعل". وأما حلفه على وقوع أمر غير فعله، أو عدم وقوعه، كأن يقول: والله لقد وقع في الوجود كذا، أو لم يقع في الوجود كذا، فإن حلف على ماض أنه واقع، وهو يعلم عدم وقوعه متعمداً الكذب فهي يمين غموس، وإن كان يعتقد وقوعه فظهر نفيه فهي من يمين اللغو كما قدمنا، وإن كان شاكاً فهو كالغموس، وجعله بعضهم من الغموس. وإن حلف على مستقبل لا يدري أيقع أم لا؟ فهو كذلك أيضاً يدخل في يمين الغموس، وأكثر العلماء على أن يمين الغموس لا تكفر لأنها أعظم إثماً من أن تُكفِّرها كفّارة اليمين. وقد قدمنا قول الشافعي بالكفّارة فيها، وفيها عند المالكية تفصيل، وهو وجوب الكفّارة في غير المتعلقة بالزمن الماضي منها، واعلم أن اليمين منقسمة أيضاً إلى يمين منعقدة على بر، ويمين منعقدة على حِنث، فالمنعقدة بر، هي التي لا يلزم حالفها تحليل اليمين كقوله "والله لا أفعل كذا"، والمنعقدة على حنث، هي التي يلزم صاحبها حل اليمين بفعل ما حلف عليه، أو بالكفّارة كقوله "والله لأفعلن كذا"، ولا يحكم بحنثه في المنعقدة على حنث حتى يفوت إمكان فعل ما حلف عليه، إلا إذا كانت مؤقَّتة بوقت فيحنث بفواته، ولكن إن كانت بطلاق كقوله على طلاقها "لأفعلن كذا" فإنه يمنع من وطئها حتَّى يفعل ما حلف عليه، لأنه لا يدري أيبر في يمينه أم يحنث؟ ولا يجوز الإقدام على فرج مشكوك فيه عند جماعة من العلماء منهم مالك وأصحابه. وقال بعض العلماء: لا يمنع من الوطء، لأنها زوجته، والطلاق لم يقع بالفعل، وممّن قال به أحمد. المسألة الثانية: اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت"تفسير : ، ولا تنعقد يمين بمخلوق كائناً من كان، كما أنها لا تجوز بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله، فقول بعض أهل العلم بانعقاد اليمين به صلى الله عليه وسلم لتوقف إسلام المرء على الإيمان ظاهر البطلان، والله تعالى أعلم. المسالة الثالثة: يخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء: الأول: إبرارها بفعل ما حلف عليه. الثاني: الكفَّارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده على التحقيق. الثالث: الاستثناء بنحو إن شاء الله، والتحقيق أنه حل لليمين لا بدل من الكفارة، كما زعمه ابن الماجشون، ويشترط فيه قصد التلفُّظ به، والاتصال باليمين، فلا يقبل الفصل بغير ضروري كالسعال، والعطاس، وما ذهب إليه ابن عباس وغيره من جواز تراخي الاستثناء. فالتحقيق فيه أن المراد به أن العبد يلزمه إذا قال "لأفعلن كذا" أن يقول: إن شاء الله، كما صرح به تعالى في قوله: أية : {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الكهف: 23-24] فإن نسي الاستثناء بإن شاء، وتذكره ولو بعد فصل، فإنه يقول: إن شاء الله. ليخرج بذلك من عهدة عدم تفويض الأمور إلى الله وتعليقها بمشيئته، لا من حيث إنه يحل اليمين التي مضت وانعقدت. ويدل لهذا أنه تعالى قال لأيُّوب: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [ص: 44]، ولو كان تدارك الاستثناء ممكناً لقال له قل: إن شاء الله، ويدل له أيضاً أنه ولو كان كذلك لما علم انعقاد يمين لإمكان أن يلحقها الاستثناء المتأخر، واعلم أن الاستثناء بإن شاء الله يفيد في الحلف بالله إجماعاً. واختلف العلماء في غيره كالحلف بالطلاق والظهار والعتق، كأن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، أو أنت حرة إن شاء الله، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفيد في شيء من ذلك، لأن هذه ليست أيماناً، وإنما هي تعليقات للعتق والظهار والطلاق. والاستثناء بالمشيئة إنما ورد به الشرع في اليمين دون التعليق، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وبه قال الحسن، والأوزاعي، وقتادة، ورجحه ابن العربي وغيره. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يفيد في ذلك كلِّه، وبه قال الشافعي. وأبو حنيفة، وطاوس، وحماد، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وفرق قوم بين الظهار وبين العتق والطلاق، لأن الظهار فيه كفارة فهو يمين تنحل بالاستثناء، كاليمين بالله والنذر، ونقله ابن قدامة في المغني عن أبي موسى، وجزم هو به. المسالة الرابعة: لو فعل المحلوف عن فعله ناسياً، ففيه للعلماء ثلاثة مذاهب: الأول: لا حِنث عليه مطلقاً، لأنه معذور بالنسيان، والله تعالى يقول: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} تفسير : [الأحزاب: 5]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تجاوز لي عن أُمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه"تفسير : ، وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، فإن العلماء تلقوه بالقبول قديماً وحديثاً، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة: 286]، قال الله نعم" ومن حديث ابن عباس: قال الله "قد فعلت" وكون من فعل ناسياً لا يحنث هو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وإسحاق، ورواية عن أحمد، كما قاله صاحب المغني، ووجه هذا القول ظاهر للأدلة التي ذكرنا. الثاني: وذهب قوم إلى أنه يحنث مطلقاً، وهو مشهور مذهب مالك، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد والزهري وقتادة، وربيعة وأبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم صاحب المغني، ووجه هذا القول عند القائل به أنه فعل ما حلف لا يفعله عمداً، فلما كان عامداً للفعل الذي هو سبب الحنث لم يعذر بنسيانه اليمين، ولا يخفى عدم ظهوره. الثالث: وذهب قوم إلى الفرق بين الطلاق والعتق وبين غيرهما، فلا يعذر بالنسيان في الطلاق والعتق، ويعذر به في غيرهما، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد، كما قاله صاحب المغني قال: واختاره الخلال، وصاحبه، وهو قول أبي عبيد. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا القول الأخير له وجه من النظر، لأن في الطلاق والعتق حقاً لله وحقاً للآدمي، والحالف يمكن أن يكون متعمداً في نفس الأمر، ويدعي النسيان لأن العمد من القصود الكامنة التي لا تظهر حقيقتها للناس، فلو عذر بادعاء النسيان لأمكن تأدية ذلك إلى ضياع حقوق الآدميِّين، والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: إذا حلف لا يفعل أمراً من المعروف كالإصلاح بين الناس ونحوه، فليس له الامتناع عن ذلك، والتعلُّل باليمين بل عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 224] الآية، أي لا تَجْعَلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصِلَة الرحم إذا حلفتم على تَرْكها، ونظير الآية قوله تعالى في حلف أبي بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح، لما قال في عائشة رضي الله عنها ما قال: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [النور: 22]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لأن يَلِج أحَدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفَّارته التي افترض الله عليه"تفسير : ، متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها"تفسير : ، متفق عليه أيضاً من حديث أبي موسى. وقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: "حديث : يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسال الإمارة فإنَّك إن أُعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك"تفسير : ، متفق عليه أيضاً، والأحاديث في الباب كثيرة. وهذا هو الحقّ في المسألة خلافاً لمن قال: كفّارتها تركها متمسِّكاً بأحاديث وردت في ذلك، قال أبو داود: والأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم كلها: "حديث : فليكفِّر عن يمينه"تفسير : ، وهي الصحاح، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. لم يقيد هنا {رَقَبَةٍ} كفّارة اليمين بالإيمان، وقيد به كفّارة القتل خطأ. وهذه من مسائل المطلق والمقَيَّد في حالة اتِّفاق الحكم، مع اختلاف السبب، وكثير من العلماء يقولون فيه بحَمْل المُطْلق على المُقَيَّد فتُقَيَّد رَقَبة اليمين والظِّهار بالقَيد الذي في رَقَبة القَتْل خطأ، حملاً للمُُطْلَق على المقيَّد، وخالف في ذلك أبو حنيفة ومن وافقه. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دَفْع إيهام الاضطراب) في سورة النساء عند قوله تعالى: {أية : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} تفسير : [النساء: 92]، ولذلك لم نُطل الكلام بها هنا، والمراد بالتحرير الإخراج من الرقّ، وربّما استعملته العرب في الإخراج مِن الأسر والمشقّات، وتعب الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} تفسير : [آل عمران: 35] أي من تعب أعمال الدُّنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب التميمي: شعر : أبني غدانة إنّني حررتكم فوهبتكم لعطية بن جعال تفسير : يعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم.

الواحدي

تفسير : {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} وفسَّرْنا هذا في سورة البقرة {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} وهو أن يقصد الأمر، فيحلف بالله ويعقد عليه اليمين بالقلب متعمِّداً {فكفارته} إذا حنثتم {إطعام عشرة مساكين} لكلِّ مسكين مدٌّ، وهو [رطلٌ وثلث، ] وهو قوله: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} لأنَّ هذا القدر وسط في الشِّبع. وقيل: من خير ما تطعمون أهليكم، كالحنطة والتمر {أو كسوتهم} وهو أقلُّ ما يقع عليه اسم الكسوة من إزارٍ، ورداءٍ، وقميصٍ {أو تحرير رقبة} يعني: مؤمنة، والمُكفِّر في اليمين مُخيَّر بين هذه الثَّلاث {فمن لم يجد} يعني: لم يفضل من قوته وقوت عياله يومه وليلته ما يطعم عشرة مساكين {فـ} ـعليه {صيام ثلاثة أيام} {واحفظوا أيمانكم} فلا تحلفوا، واحفظوها عن الحنث. {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر} يعني: الأشربة التي تخمَّر حتى تشتدَّ وتُسْكِر {والميسر} القمار بجميع أنواعه {والأنصاب} الأوثان {والأزلام} قداح الاستقسام التي ذُكرت في أوَّل السُّورة {رجسٌ} قذرٌ قبيحٌ {من عمل الشيطان} ممَّا يسِّوله الشِّيطان لبني آدم {فاجتنبوه} كونوا جانباً منه. {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} وذلك لما يحصل بين أهلها من العداوة والمقابح، والإِقدام على ما يمنع منه العقل {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} لأنَّ مَن اشتغل بهما منعاه عن ذكر الله والصَّلاة {فهل أنتم منتهون} [استفهامٌ بمعنى الأمر] قالوا: انتهينا، ثمَّ أمر بالطَّاعة.

القطان

تفسير : اللغو في اليمين: الحلف على وجه الغلط من غير قصد. بما عقدتم: بما قصدتموه. الكفّارة: الستر والتغطية، لانها تمحو الذنوب وتسترها. الاوسط: الطعام العادي، ليس. بالرديء، ولا الفاخر. تحرير رقبة: عتقها. روى ابن جرير عن ابن عباس، قال: لما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} قالوا يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا؟ فأنزل الله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}. لا يؤاخذكم الله بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، ولا يعاقبكم عليها، وإنما يعاقبكم إذا أنتم حنثتم باليمين فيما قصدتم به. فلو قال رجل: واللهِ لا أفعل كذا، وفَعَلَه، فعليه الكفّارة. وهذه الكفارة هي إطعام عشرة مساكين وجبةً واحدة، مما جرت العادة أن تأكلوا في بيوتكم من غير إسراف ولا تقتير. او كِسوة عشرة مساكين كسوةً معتادة. او ان تحرروا إنسانا من الرق. فاذا لم يستطع الحالف القيام بأي من هذه الأمور فعليه ان يصوم ثلاثة أيام. ان كل واحد من هذه الامور كفارة كافية، لكنّ عليكم ان تحفظوا أيمانكم فلا تحلفوا على أتفه الاشياء. لا تُكثروا من الأيمان سواء أكانت صادقة ام كاذبة، فالاحسنُ تجنُّب الحلف. {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} على هذا النحو الشافي الوافي يبين الله أحكامه ويشرحها لكم، لتشكروا نعمته بعد معرفتها بالقيام بحقها. والإيمان ثلاثة أقسام: (1) قسم ليس من أيمان المسلمين، مثل الحلف بالمخلوقات، نحو الكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء وغير ذلك.. وهذه من اللغو في الايمان، غير منعقدة، ولا كفارة فيها، ولا يجوز الحلف بها. (2) أيمان بالله تعالى، كقول الحالف: واللهِ لأفعلنّ كذا، وهذه يمين منعقدة فيها الكفّارة عند الحلف. (3) أيمان بمعنى الحلف بالله، يريد بها الحالف تعظيم الخالق، كالحلف بالنِّذْر، والحرام والطلاق، كقوله: إن فعلتُ كذا فعليّ صيام شهر، أو الحج الى بيت الله، او الطلاقُ يلزمني، او عليّ الطلاق لا أفعل كذا، او ان فعلته فنسائي طوالق، او كل صدقة او نحو ذلك، فهذا كله فيه كفّارة اليمين. وهناك نوع من الأيمان تسمى اليمين الغموس، وهي كما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: "حديث : جاء أَعرابي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس". قال وما اليمين الغموس؟ قال: "التي يُقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها كاذب ". تفسير : فهذه اليمين لا كفّارة فيها لأنها جرم لا يُغتفر. ولأنها تغمس صاحبها في النار، ولا يكفّرها عتق ولا صيام ولا صدقة، بل لا بدّ من التوبة ورد الحقوق. ويلاحظ ان الكفّارات وردت كثيراً في عتق العبيد، فان الاسلام رغّب كثيراً في عتقه، والعتق يدخل في أكثر الكفّارات للذنوب. قراءات قرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم "عقدتم" بالتخفيف، وقرأ ابن عامر "عاقدتم" وقرأ الباقون "عقدتم".

د. أسعد حومد

تفسير : {ۤ أَيْمَانِكُمْ} {ٱلأَيْمَانَ} {فَكَفَّارَتُهُ} {مَسَاكِينَ} {ثَلاَثَةِ} {كَفَّارَةُ} {أَيْمَانِكُمْ} {آيَاتِهِ} (89) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الآيَةَ السَّابِقَةَ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ...}. فَقَالَ الجَمَاعَةُ الذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِم النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ ...: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمَانِنَا التِي حَلَفْنَاهَا، فَأْنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَاللَّغْوُ فِي اليَمِينِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ: لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ (وَقِيلَ: إِنَّها اليَمِينُ عِنْدَ الهَزْلِ، وَقِيلَ إنَّها فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقِيلَ إنَّهَا اليَمِينُ عِنْدَ الغَضَبِ). فَاللهُ تَعَالَى لاَ يُؤَاخِذُكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُونَ، بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا صَمَّمْتُمْ عَلَيْهِ وَقَصَدْتُمُوهُ، فَإِذَا حَنِثَ المُؤْمِنُ بِيَمِينِهِ التِي قَصَدَهَا وَعَقَدَهَا، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ مُحَتْاجِينَ مِنَ الفُقَرَاءِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ، أكْلَةً وَاحِدَةً، أوْ يَوْماً وَاحِداً. ثُمَّ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى نَوْعُ الطَّعَامِ الذِي يُقَدَّمُ لِهَؤُلاءِ المَسَاكِينِ، فَقَالَ إنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ عِيَالَكُمْ فِي القِلَّةِ وَالكَثْرَةِ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ (عَلَى خِلاَفٍ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الكُسْوَةِ)، أَوْ إعتَاقُ رَقَبَةٍ مِنَ الرِّقِّ. وَإذَا لَمْ يَقْدِرِ المُكَلَّفُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الخَيَارَاتِ الثَّلاَثَةِ كَفَّرَ عَنْ حَنَثِهِ بِيَمِينِهِ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ عَلَى قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَهَذِهِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ التِي يَحْلِفُهَا المُؤْمِنُ بِاللهِ أوْ بِأحَدِ أسْمَائِهِ، إنْ حَنَثَ بِهَا، أوْ أَرَادَ أنْ يَحْنَثَ بِهَا. يَقُولُ تَعَالَى: لاَ تَتْرُكُوا أَيْمَانَكُمْ المَحْنُوثَ بِهَا دُونَ كَفَّارَةٍ. وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - هُوَ لاَ تَبْذُلُوهَا فِي أتْفَهِ الأُمورِ وَأحْقَرِهَا، وَلاَ تُكْثِرُوا مِنَ الأَيْمَانِ الصَّادِقَةِ)، كَذَلِكَ يُوَضِّحُ اللهُ آيَاتِهِ وَيُبَيِّنُهَا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذَا اتَّقَيْتُمْ وَأطَعْتُمُ اللهَ. (وَيَجُوزُ الحَنَثُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَعَ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحَنَثِ. وَفِي الحَدِيثِ: "حديث : إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْهَا، فَأتِ الذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ"تفسير : ). احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - كَفِّرُوا عَنْهَا وَلاَ تَتْرُكُوهَا دُونَ كَفَّارَةٍ. تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ - إعْتَاقُهَا. الحِنْثُ فِي اليَمِين - عَدَمُ التَّمَسُّكِ بِمُوجِبَاتِ اليَمِينِ. اللَّغْوُ فِي الأيْمَانِ - هُوَ الحَلِفُ عَلَى مَا اعْتَقَدْتُمْ صِدْقَهُ أَوْ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ لَغْواً. عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ - وَثَّقْتُمُوهَا بِالقَصْدِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عندما ننظر في قول الحق: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} نعرف أن "يؤاخذ" من "أخذ" ويأخذ من أخذ، فإن قلت: "أخذت فلاناً بكذا" فذلك دليل على أنك أنزلت به نكالاً لأنه لم يدخل في تعاقد خيري معك، ولكن أن تقول: "آخذته". كأن المفاعلة حدثت بأن دخل معك في عقد الإيمان ولذلك يأخذ الحق الكافرين أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يؤاخذ المؤمنين، لماذا؟ لأن المؤمنين طرف في التعاقد، أما الكافرون فليسوا طرفاً في التعاقد؛ لذلك يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. إذن فالمؤاخذة غير الأخذ، المؤاخذة هي إنزال عقوبة بمن له معك عهد فخالفه بعمل جريمة نُصَّ عليها؛ فلا يؤاخذه أبداً بجريمة لم ينص عليها، ولا يتم توقيع عقاب على أحد دون تحذير مسبق. ولذلك ففي القانون المدني يقولون: لا عقوبة إلا بجريمة ولا جريمة إلا بنص. إذن لا بد من النص أولاً على العقاب على الجريمة؛ لأن النص على فعلٍ ما بأنه جريمة يجعل الإنسان يراجع نفسه قبل الإقدام على مثل هذا الفعل. أما عدم وجود نص على أن ذلك الفعل جريمة يجعل الإنسان حراً في أن يفعله أو لا يفعله لأنه فعل مباح. وعلينا أن نلحظ التعاقد في قوله الحق: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ}. وعندما ننظر إلى معنى: "اللغو" نجده الشيء الذي يجري على اللسان بدون قصد قلبي؛ مثل قول الإنسان في اللغة العامية: لا والله أو: والله أن تأتي للغداء معنا، هذا هو اللغو. أي هو الكلام من غير أن يكون للقلب فيه تصميم. وسبحانه وتعالى قد خلقنا وهو الأعلم بنا علم - سبحانه - أن هناك كلمات تجري على ألسنتنا لا نعنيها. ودليل ذلك أن الأم التي تحب وحيدها قد تدعو عليه، لكن ذلك بلسانها، أما قلبها فيرفض ذلك. ولهذا يقول المثل الشعبي: أَدْعي على ابني واكره من يقول آمين. إذن الحق سبحانه وتعالى علم بشريتنا، وعلم أن اللسان قد يأتي بألفاظ لم تمر على قلبه فيقول سبحانه: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} واتبع الحق ذلك: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}. وساعة نرى كلمة "ولكن" نعرف أن هناك استدراكاً، والاستدراك هو إثبات ما يتوهم نفيه أو نفي ما يتوهم ثبوته. وساعة نرى كلمة "عقَّدتُم" فهي دليل على أنها عملية جزم قلبية، وأن الإنسان قبل أن ينطق بالقسم قد أدار المسألة في ذهنه وخواطره وانتهى إلى هذا الرأي. إذن فاللغو هو مرور كلمة اللسان دون أن تمر علة القلب، وضربنا مثلاً على ذلك وهو دعاء الأم على وحيدها. ونحن نرى أن هناك ألفاظاً كثيرة تمر على ألسنة قد تؤدي إلى الكفر ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله يضع لنا صدق النية فيقول: (حديث : "أخطأ من شدة الفرح". قالها رسول الله تعليقاً على رجل قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" ". تفسير : هذا هو اللغو ومن رحمة الله بنا أنه يعفو بعميق وواسع رحمته فيقول لنا: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}. وكلمة "عقدتم" دليل على أن اللسان لم يعقد شيئاً فحسب ولكن عقده بإحكام قوي. فساعة تبالغ في الحدث فأنت تأتي له باللفظ الذي يدل على المعنى تماماً بتمكين وتثبيت. وعلى ذلك فكلمة "عقَّد" غير "عَقَدَ" إذن فكلمة "عقَّد" أي أن الإنسان قد صنع عقدة محكمة. ومثال على التأكيد قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} تفسير : [يوسف: 23]. قد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الحق سبحانه: "وغلقت الأبواب"؟ ونقول: لا إن الحق قد أتى بالفعل الذي يؤكد إحكام الإغلاق. فإغلاق الأبواب يختلف من درجة إلى أخرى؛ فهناك غلق للباب بلسان "طبلة" الباب؛ وهناك غلق بالمزلاج، وقوله الحق: {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} أي أن امرأة العزيز بالغت في غلق الأبواب. وكذلك قوله الحق: {عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ}. أي جالت في قلوبكم جولة تُثبِّت صدق نيتكم في الحلف. وهناك صورة أدائية أخرى تلتقي مع هذه الصورة في المعنى، حين قال سبحانه: {أية : لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 225]. ونلحظ هنا أن القلوب قد كسبت، فما الذي تكسبه القلوب في مثل هذه الحالة؟ نعرف أن الكسب هو وجود حصيلة فوق رأس المال. والكسب الزائد في القسم، هو أن يؤكد الإنسان بقلبه هذا القسم؛ أي أن القسم انعقد باللسان والقلب معاً وسبب نزول آية سورة المائدة {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} أن الصحابة الذين حرموا على أنفسهم طيبات المطاعم والملابس والمناكح وحلفوا على ذلك فلما نزل قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} تفسير : [المائدة: 87-88]. قالوا: كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية أي أن تحريم الحلال لغو لا كفارة فيه، ونعلم أن الإنسان لا يصح له أن يحلف على شيء ليس له دخل فيه؛ كقول إنسان ما: والله لن أصلي. إن مثل هذه اليمين لا تنعقد، ولذلك لا كفارة لها. لكن إن قال: والله لأشربن الخمر. هنا نقول له: امتثل إلى ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ". تفسير : والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} إذن فهناك استدراك يتعلق باليمين المؤكدة وهي تستدعي المؤاخذة. فكيف تكون المؤاخذة وهي عقوبة، على الرغم من أنه لا عقوبة إلا بنص؟ إن الحق سبحانه وتعالى ستر العقوبة ومنعها بالكفارة: "فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام". والكفارة هي ستر للعقوبة. فهل معنى ذلك أن الإنسان تلزمه الكفارة ما دام قد عقَّد الأيمان؟ لا، تكون الكفارة فقد حين تحنث في القسم فلم تبر فيه. فتكون الكفارة في هذا المجال كالآتي: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صوم ثلاثة أيام لمن لم يجد. والمناسب في الكفارة يختلف في مفهوم المفتين باختلاف الحانث، ومثال ذلك أن خليفة في الأندلس حلف يميناً وأراد أن يؤدي عن اليمين كفارة، فجاء إلى القاضي منذر بن سعيد وسأله عن كفارة هذه اليمين؛ فقال: لا بد أن تصوم ثلاثة أيام. وكان يجلس شخص آخر فأشار للقاضي إشارة فلم يعبأ القاضي منذر بن سعيد بتلك الإشارة. وخرج القاضي ومعه ذلك الشخص، فسأل القاضي: يا أبا سعيد، إن في نفسي شيئاً من فتواك؛ لماذا لم تقل للخليفة إن كفارة اليمين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين؟ فقال القاضي منذر بن سعيد: أمثل أمير المؤمنين يزجر بعتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين؟ وهذا يدلنا على أن القاضي منذر بن سعيد قد أجهد نفسه ليختار الكفارة التي تزجر. وهذا يعلمنا أن الكفارة في جانب منها زجر للنفس وفي جانب آخر جبر للذنب. وقد رجح القاضي منذر بن سعيد جانب الزجر على جانب جبر الذنب؛ لأن الخليفة لن يرهقه إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق أكثر من رقبة. وفي الإطعام لعشرة مساكين من أواسط ما نطعم به الأهل، قد يقول قائل: هل الأوسطية هنا للكمية أو الكيفية؟ ونقول: يراعى فيها الكمية والكيفية. فإن كانت وجبة الإنسان مكونة من رغيف واحد فليعرف أن مِن أهله من يأكل في الوجبة الواحدة ثلاثة أرغفة فيكون الأوسط في مثل هذه الحالة رغيفين مع ما يكون من أدم كلحم ودسم. وكذلك الكسوة؛ أن يكسو الإنسان الذي يكفر عن يمين عشرة مساكين بما يستر العورة وتصح به الصلاة؛ كإزار ورداء أو قميص وعمامة، أو أي ملابس تسترهم. وها نحن أولاء نجد أن كفارة تحرير رقبة تأتي في المرتبة قبل الأخيرة ويأتي بعدها قول الحق: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}. إذن فالحق لم يرتب الكفارة وإنما علينا أن نختار منها الكفارة الملائمة. ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول: {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} والحفظ هو عدم التضييع. أما كيف نحفظ أيماننا؟ فنقول: إن على الإنسان ألا يجري اليمين على لسانه، هذه واحدة. والثانية: أن يحاول الإنسان ألا يحنث في اليمين. وهذا يقتضي ألا يحلف الإنسان على شيء يقوله بلسانه ويخضعه لقلبه إى إذا كان على ثقة من أنه سيجند كل جوارحه للقيام بهذا العمل الذي أقسم أن يقوم به، وهذا هو معنى قوله الحق: {وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ}. ويذيل الحق الآية الكريمة: {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. والشكر هو الثناء من المّنعم عليه على المُنْعِمِ بالنعمة، فكأن هذه التشريعات تستحق منا الشكر؛ لأنها جعلت اللغو غير مؤاخذ عليه، ولأنها جعلت اليمين الذي عقَّدته له كفارة، وفي كل من الأمرين تيسير يستحق الشكر لله. ويتابع الحق القول: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الصابوني

تفسير : [4] كفارة اليمين وتحريم الخمر والميسر التحليل اللفظي {عَقَّدتُّمُ}: عقّدتم من العقد وهو على ضربين: حسّي كعقد الحبل، ومعنوي كعقد البيع، فاليمين المنعقدة هي اليمين التي انعقد عليها العزم بالفعل أو الترك. ومعنى عقدّتم الأيمان أي وكّدتموها ووثقّتموها بذكر اسم الله تعالى. {تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}: التحرير الإخراج من الرق، ويستعمل في الأسر، والمشقات، وتعب الدنيا ونحوها ومنه قول مريم {أية : نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً}تفسير : [آل عمران: 35] وقال الفرزدق: شعر : أبني غُدانة إنني حرّرتكم فوهبتكم لعطيّة بن جِعَال تفسير : أي حررتكم من الهجاء، وخصّ الرقبة من الإنسان لأنها موضع الملك فأضيف التحرير إليها. {رِجْسٌ}: أي قذر تعافه العقول قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل، يقال رَجُسَ الرجل يرجُس إذا عمل عملاً قبيحاً. ويقال للنتن والعذِرة والأقذار رجسٌ لأنها قذارة ونجس. {فَٱجْتَنِبُوهُ}: يعني أبعدوه واجعلوه في ناحية، فالاجتناب في اللغة: الابتعاد وقد أمر تعالى باجتناب هذه الأمور المحرمة، واقترنت بصيغة الأمر فكان ذلك على جهة التحريم القطعي. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}: أي راجين الفوز والفلاح بهذا الاجتناب. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - بما جرى على ألسنتكم من لغو اليمين، الذي لم تتقصدوا فيه الكذب، أو لم تتعمد قلوبكم العزم على الحلف به، ولكن يؤاخذكم بما وثّقتموه من الأيمان فكفارة هذا النوع من الأيمان أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تُطعمون منه أهليكم، أو تكسوهم بكسوة وسط، أو تعتقوا عبداً مملوكاً أو أمة لوجه الله، فإذا لم يقدر الشخص على الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، فليصم ثلاثة أيام متتابعة، ذلك كفارة أيمانكم أيها المؤمنون فاحفظوا أيمانكم عن الابتذال وأقلوا من الحلف لغير ضرورة. ثم أخبر تعالى في الآية الثانية بأن الخمر، والقمار، والذبح للأصنام، والاستقسام بالأزلام (الأقداح) كل ذلك رجسٌ مستقذر لا يليق بالمؤمن فعله وهو من تزيين الشيطان للإنسان، فيجب اجتنابه والبعد عنه، لأن غرض الشيطان أن يوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، ويمنعهم عن ذكر الله وأداء الصلاة، بسبب هذه المنكرات والفواحش التي يزينها للناس، فانتهوا أيها المؤمنون عن ذلك. ثم ختم تعالى الآيات بالأمر بطاعته وطاعة رسوله، والحذر من مخالفة أوامر الله تعالى، فإذا لم ينته الإنسان عن مقارفة المعاصي فقد استحق الوعيد والعذاب الشديد يوم القيامة. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التعبير بقوله تعالى: {فَٱجْتَنِبُو} أبلغ في النهي والتحريم من لفظ (حُرّم) لأن معناه البعد عنه بالكلية فهو مثل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32] لأن القرب منه إذا كان حراماً فيكون الفعل محرماً من باب أولى فقوله {فَٱجْتَنِبُو} معناه كونوا في جانبٍ آخر منه، وكلّما كانت الحرمة شديدة جاء التعبير بلفظ الاجتناب كما قال تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30] ومعلوم أنه ليس هناك ذنب أعظم من الإشراك بالله فتنبه له فإنه دقيق. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}؟ استفهام ومعناه الأمر أي انتهوا، فقد خرج عن صيغته الأصلية إلى معنى الأمر أي انتهوا عن ذلك. قال الفرّاء: ردّد عليّ أعرابي: هل أنتَ ساكتٌ؟ هل أنتَ ساكتٌ؟ وهو يريد: اسكت، اسكت. أقول: ومما يدل على ذلك قول عمر رضي الله عنه لما سمع الآية: انتهينا ربنا، انتهينا ربنا. اللطيفة الثالثة: لم يُذكر في القرآن الكريم تعليلُ الأحكام إلاّ بالإيجاز، أمّا هنا فقد ذكر بالإطناب والتفصيل، وذكرت فيه الأسباب لتحريم الخمر والميسر بالإسهاب، منها: إلقاء العداوة والبغضاء بين المؤمنين، والصدّ عن ذكر الله، وشغل المؤمنين عن الصلاة، كما وصفت الخمر والميسر بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان إلخ وكل ذلك ليشير إلى الضرر العظيم، والخطر الجسيم، من جراء اقتراف هاتين الرذيلتين (جريمة القمار) و(جريمة تناول المسكرات) استمع إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}؟ اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} ظاهر اللفظ الإخبار، وحقيقته الوعيد والتهديد، فكأنه تعالى يقول: ليس على رسولي إلا أن يبلّغكم وحسابكم عليّ يوم الدين {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} تفسير : [الغاشية: 25-26]. الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هي أنواع اليمين؟ قسم العلماء اليمين إلى ثلاثة أقسام: (لغو، ومنعقدة، وغموس). فأما اللغو: فهي اليمين التي لا يتعلق بها حكم، وقد ورد عن عائشة أنها قالت: اللغو هو كلام الرجل: لا والله، وبلى والله، روي ذلك عنها مرفوعاً. وروي عن ابن عباس في لغو اليمين أن تحلف على الأمر أنه كذلك وليس كذلك، أي أن يحلف على ظنه واعتقاده فيتبيّن الأمر خلافه، وقد تقدم هذا في سورة البقرة. وأمّا المنعقدة: فهي أن يحلف على أمرٍ في المستقبل بأن يفعله أو لا يفعله ثم يحنث في يمينه، فهذه يجب فيها الكفارة كما فصّلها القرآن الكريم. وأما الغموس: فهي اليمين التي يتعمد فيها الإنسان الكذب كقوله: والله ما فعلت كذا وقد فعله، أو والله لقد فعلتُ كذا ولم يفعله، وسمّي غموساً لأنه يغمس صاحبه في نار جهنم، وذنبه أعظم من أن يكفّر؛ لأنه استهان بعظمة الله جلّ وعلا حين حلف كاذباً. روى الدارقطني في "سننه" عن علقمة عن عبد الله أنه قال: الأيمان أربعة: يمينان يُكفّران، ويمينان لا يُكفّران، فاليمينان اللذان يُكفّران فالرجلُ الذي يحلف والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل الذي يقول: والله لأفعلنّ كذا وكذا فلا يفعل، واليمينان اللذان لا يُكفّران فالرجل يحلف والله ما فعلتُ كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف لقد فعلتُ كذا وكذا ولم يفعله. قال القرطبي: وقد اختلف في اليمين الغموس، فالذي عليه الجمهور أنها يمين مكرٍ وخديعةٍ وكذب فلا تنعقد، ولا كفارة فيها. وقال الشافعي: هي يمين منعقدة لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله تعالى وفيها الكفارة. والصحيح الأول، قال ابن المنذر: وهذا قول مالك ومن تبعه من أهل المدينة، وبه قال أحمد: وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة. أخرج البخاري في "صحيحه" حديث : أن أعرابياً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، قال: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين، قال: ثم ماذا؟ قال: اليمين الغموس، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال امرئ مسلمٍ هو فيها كاذب . تفسير : الحكم الثاني: هل تصح الكفارة قبل الحنث في اليمين؟ ذهب الشافعية إلى جواز إخراج الكفارة قبل الحنث إذا كانت مالاً، وأمّا إذا كانت صوماً فلا يجوز حتى يتحقق السبب بالحنث، واستدلوا بظاهر هذه الآية {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ...} حيث ذكر الكفارة مرتبة على اليمين من غير ذكر الحنث، واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} وقاسوها أيضاً على إخراج الزكاة قبل الحول. وأما الصوم فلا ينتقل إليه إلا بعد العجز عن الخصال الثلاثة قبله، ولا يتحقق العجز إلاّ بعد الحنث ووجوب التكفير، واستدلوا بحديث "حديث : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير" تفسير : وهذا القول هو مشهور مذهب مالك رحمه الله. وذهب الحنفية إلى عدم جواز إخراج الكفارة قبل الحنث، وقالوا: إن في الآية إضمار الحنث فكأنه تعالى يقول: فكفارته إذا حنثتم، وهو على حد قوله تعالى: {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} تفسير : [البقرة: 184] أي إذا أفطر في رمضان، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ". تفسير : واستدلوا أيضاً بالمعقول فقالوا: إن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم، وإذا لم يحنث لم يكن هناك إثم حتى يرفع فلا معنى للكفارة. واستدلوا أيضاً بأن كل عبادة فعلت قبل وجوبها لم تصحّ اعتباراً بالصلوات وسائر العبادات، وهذا القول في رواية أشهب عن مالك رحمه الله. الحكم الثالث: هل يشترط التتابع في صيام كفارة اليمين؟ نصت الآية الكريمة على جواز الصيام عند العجز عن الإطعام، وقد اختلف الفقهاء في الصيام هل يشترط فيه التتابع أم يجزئه التفريق؟ أ - فذهب الحنفية إلى اشتراط التتابع لقراءة ابن مسعود (فصيامُ ثلاثة أيام متتابعات) وهو مروي عن عباس ومجاهد. ب - وذهب الشافعية إلى عدم اشتراط التتابع، وأنه يجزئ التفريق فيها وهو قول مالك. قال القرطبي: "فإذا لم يجد الإطعام أو الكسوة أو عتق الرقبة صام لقوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} قرأها ابن مسعود (متتابعات) فيقيّد بها المطلق، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وهو أحد قولي الشافعي. واختاره المزني قياساً على الصوم في (كفارة الظهار). وقال مالك والشافعي في قوله الآخر: يجزئه التفريقُ، لأن التتابع صفة لا تجب إلاّ بنص، أو قياس منصوص وقد عُدما". الحكم الرابع: هل الخمر تتناول جميع المسكرات؟. الخمر اسم لما خامر العقل وغطّاه من الأشربة هذا رأي جمهور الفقهاء، وقال الحنفية: الخمر خاصٌ بما كان من ماء العنب النِّيء إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فالخمر عندهم اسم لهذا النوع فقط، وما وجد فيه مخامرة للعقل من غير هذا النوع لا يسمى خمراً وإن كان حراماً. والجمهور على أن الخمر ليست خاصة بعصير العنب، فغير ماء العنب حرام بالنص، وكل مسكر خمر لما روي عن أنس أنه قال: "حرمت الخمر وهي من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والذرة" والجميع متفقون على حرمة كل مسكر والخلاف يكاد يكون شكلياً وقد تقدم في سورة البقرة. الحكم الخامس: هل الخمر نجسة أم أنها حرام فقط؟ فهم العلماء من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها، وخالفهم في ذلك (المزني) صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من فقهاء الحنفية فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرّم إنما هو شربها، وقالوا لا يلزم من كون الشيء محرماً أن يكون نجساً، فكم من محرم في الشرع ليس بنجس! والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، لأن قوله تعالى: {رِجْسٌ} يدل على نجاستها، فإن الرجس في اللغة القذر والنجاسة، وقد دلّ على نجاستها أيضاً ما روي أن بعض الصحابة قالوا يا رسول الله: إنّا نمر في سفرنا على أهل كتاب يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في آنيتهم الخمر فماذا نصنع؟ فأمرهم عليه السلام بعدم الأكل أو الشرب منها، فإن لم يجدوا غيرها غسلوها ثم استعملوها. فالأمر بالغسل يدل على عدم الطهارت إذ لو كانت طاهرة غير متنجسة لما أمرهم بغسلها. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - اليمين اللغو لا كفارة فيها وإنما تجب في اليمين المنعقدة. 2 - لا تصح الكفارة بالصيام إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق. 3 - الخمر والميسر من أخطر الجرائم الإجتماعية ولهذا قرنا بالأنصاب والأزلام. 4 - العداوة والبغضاء تتولدان من جريمتي (الخمر) و(القمار). 5 - القمار مرض اجتماعي خطير يهدّم البيوت ويخرّب الأسر ويقضي على الاقتصاد. 6 - وجوب الابتعاد عن كل ما حرّمه الله عز وجل وخاصة الكبائر كالخمر والميسر. خاتمة البحث: حكمة التشريع شدّد المولى جل وعلا في الآية الكريمة النكير على أمر (الخمر) و(الميسر) تشديداً بالغاً يصرف النفوس عنهما إلى غير عودة، وقرنهما بالأنصاب والأزلام - وهما من أشنع المنكرات، وأقبح الفواحش في نظر الإسلام - ليشير إلى ما في الخمر والميسر من ضررٍ بالغ، وخطورة عظيمة، تهدّد الأمة والمجتمع، وتقوّض دعائم الحياة. أما الخمر فإنها تذهب العقل، وتُنهك الصحة، وتُضيع المال، ومتى ذهب العقل جاء الإجرام، وكانت العربدة، وأفعال الطيش والجنون، وحسبُ السكران ألاّ يفرّق بين النافع والضار، ولا يميّز بين الجواهر والأقذار، لفقدان العقل. وأما الميسر (القمار) فإنه يفقد الإنسان الإحساس والشعور حال انشغاله باللعب، حتى لا يبالي بالمال يخرج من يده إلى غير رجعة، طمعاً في أن ينال أكثر منه، فإذا رجع خاسراً أكل قلبَه الحسدُ، وامتلأت نفسه حقداً وغيظاً على من سلبه المال، وربما أداه ذلك إلى قتل من كان سبباً في خسارته، أو عزم على قتل نفسه بطريق الانتحار، وكم من أسرةٍ تهدّمت، وكم من عائلةٍ تشرّدت، بسبب (القمار) وأصبحت في ذل وفاقة، بعد أن كانت في عزّ ورفاهية، والحوادث التي نسمعها كل يوم أصدق شاهد على ما يجره (القمار) من ويلاتٍ ونكبات على الأشخاص والأسر التي بليت في بعض أفرادها بأناسٍ مقامرين.. دعْ ما يتخذه المقامرون من وسائل خسيسة وأيمان كاذبة يستعملونها في سبيل تحقيق أطماعهم وصدق الله حيث يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}؟

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن لغو أيمان أهل الأيمان بقوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 88]، إشارة أن لا يؤاخذكم أهل الفقه باللغو في أيمانكم عند استيلاء النفس وغلبات صفاتها وسلطان الهوى في أثناء المجاهدة وشدة المكابدة وإعواز المشاهدة أن تخلقوا بالآيات على التبرم من ولاية النفس وكلالة التقوى، ثم إذا كشطت عن سموات قلوبكم غمام القبض تعدون الولاء عين الفرض {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} [المائدة: 89]، على الهجران وقصدتم الصدود بالخذلان فأبديتم الشاقة وأخفيتم الكرامة وتعرضتم للملامة {فَكَفَّارَتُهُ} [المائدة: 89]؛ أي: فكفارة ما عقدتم وقصدتم إليه {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89]، وهم الخواص الخمس الظاهرة والباطنة فإنها مدخل الآفات وموئل الفترات {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89]، وهم القلب والسير والروح والغنى، والشهود والكشوف بواسطة الذكر والتذكير، وتفكروا والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء، فإطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الأطعمة باستعمالها في التعبد بها والتحفظ عما ينافيها {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} [المائدة: 89]، وهو ألباس الحواس والقوى بلباس التقوى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]، النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ} [المائدة: 89]، السبيل إلى هذه الأشياء {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]، وذلك لأن الأيام لا تخلو عن ثلاث إما يوم قد مضى، أو يوم قد حضر، أو يوم قد بقي، فصيام اليوم الذي قد مضى بالإمساك عما عقد عليه أو قصد إليه أو بالصبر عن الجد والاجتهاد، وبذل الجهد في طلب المراد وصيام اليوم الذي قد بقي بالإمساك عن فسخ العزيمة في ترك الجريمة، وفسخ الإخلاص في طلب الخلاص وبالصبر على قدم الثبات في تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه إلى حضرة الربوبية بمساعي العبودية من لغو اليمين عند أرباب اليقين أعلم أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الأرق يقسم عليه بكماله وجلاله أن يرزقه شظية من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو فيعفو عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله، وإن الأولى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت جريان أحكام المولى في القبول والرد والإقبال والصد وإيثار الاستعانة في أداء حقوقه على الكرامة، وعلى لذة تقريبه وإقباله وشهوة وصوله ووصاله، كما قال قائلهم: شعر : أريد وصاله ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد وحقك ما نظرت إلى سواك بعين مودة حتى أراك تفسير : وهذا حكم التوحيد لغو وعن شهود الأحدية سهو وأين في الدار ديار، ومن أنت في الرفعة حتى يتحقق لك وصله أو بحره بل هو الله الواحد القهار {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} [المائدة: 89]، وفي مرآة روحه وصفاته الوحدانية القهارية {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 89]، نعمة رؤية هويته بوحدانيته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نية ولا قصد، أو عقدها يظن صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك. { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ } أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم. كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } تفسير : { فَكَفَّارَتُهُ } أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } . وذلك الإطعام { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة. { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه. { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } واحدا من هذه الثلاثة { فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ } المذكور { كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } تكفرها وتمحوها وتمنع من الإثم. { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } عن الحلف بالله كاذبا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرا، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير. { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ } المبينة للحلال من الحرام، الموضحة للأحكام. { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } اللهَ حيث علمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما منَّ به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} [89] 169- أخبرني شُعيب بن يوسف، عن يحيى، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ} قالت: نزلت في قول الرجل: لا والله، بلى والله.

همام الصنعاني

تفسير : 722- حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا مَعْمَر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن زيد بنِ ثابِتٍ في قوله تعالى: {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}: [الآية: 89] قال: مدّاً لِكُلِّ مسكين. 723- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثّوري، عن سليمان العبسي، عن سعيد بن جبير، {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ}: [الآية: 89]، قال: قوتهم. 724- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن الأشعري كسَا ثَوْباً ثوباً المساكين. 725- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن أبا بكر كانَ إذا حلَف على شيءٍ لم يأثم حتى نزلت كفَّارة اليمين. 726- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في رجُلٍ حلَف كاذباً لم يكن قال: هو أعظم من الكفّارة. 727- عبد الرزاق، عن مَعْمر، وأنا أرى فيه الكفارة ويتوب. 728- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحاق الهمداني، قال لي حرف ابن مسعود: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} [الآية: 89] ممتابعات قال أبو إسحاق: فكذلك نقرؤها. 730- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}: [الآية: 89] كما تطعم المدّ مِنْ أهْلِكَ.