٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
90
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم {لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } إلى قوله {أية : وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيّباً } تفسير : [المائدة: 87، 88] ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات، بل في المحرمات. واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله {أية : وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام} تفسير : [المائدة: 3] فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع. وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان: الأول: سميت الخمر خمراً لأنها خامرت العقل، أي خالطته فسترته، والثاني: قال ابن الأعرابي: تركت فاختمرت، أي تغير ريحها، والميسر هو قمارهم في الجزور، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر. واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين: الأول: قوله {رِجْسٌ } والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل. يقال: رجس الرجل رجساً ورجس إذا عمل عملاً قبيحاً، وأصله من الرجس بفتح الراء، وهو شدة الصوت. يقال: سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح. الوصف الثاني: قوله {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وهذا أيضاً مكمل لكونه رجساً لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله {أية : ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ } تفسير : [النور: 26] وأيضاً كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك الإضافة المبالغة في كمال قبحه. قال تعالى: {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [القصص: 15] ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين قال {فَٱجْتَنِبُوهُ } أي كونوا جانباً منه، والهاء عائدة إلى ماذا- فيه وجهان: الأول: أنها عائدة إلى الرجس، والرجس واقع على الأربعة المذكورة، فكان الأمر بالاجتناب متناولاً للكل. الثاني: أنها عائدة إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك، ولذلك قال: {رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ٱ.
القرطبي
تفسير : فيه سبع عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء؛ إذ كانت شهوات وعادات تلبسوا بها في الجاهلية وغلبت على النفوس، فكان نَفِيٌّ منها في نفوس كثير من المؤمنين. قال ابن عطية: ومن هذا القبيل هَوَى الزجر بالطير، وأخذ الفأل في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم. وأما الخمر فكانت لم تُحرّم بعد، وإنما نزل تحريمها في سنة ثلاثٍ بعد وقعة أُحُد، وكانت وقعة أحد في شوّال سنة ثلاث من الهجرة. وتقدّم ٱشتقاقها. وأما «الميسر» فقد مضى في «البقرة» القول فيه. وأما ٱلأنصاب فقيل: هي الأصنام. وقيل: هي النَّرْد والشَّطْرَنْج؛ ويأتي بيانهما في سورة «يونس» عند قوله تعالى: { أية : فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ } تفسير : [يونس: 32]. وأما الأزلام فهي القِداح؛ وقد مضى في أوّل السورة القول فيها. ويقال: كانت في البيت عند سَدَنة البيت وخُدّام الأصنام؛ يأتي الرجل إذا أراد حاجة فيقبض منها شيئاً؛ فإن كان عليه أمرني ربي خرج إلى حاجته على ما أحب أو كره. الثانية ـ تحريم الخمر كان بتدريج ونوازل كثيرة؛ فإنهم كانوا مولعين بشربها، وأول ما نزل في شأنها { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 219] أي في تجارتهم؛ فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير، ولم يتركها بعض الناس وقالوا: نأخذ منفعتها ونترك إثمها فنزلت هذه الآية { أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ } تفسير : [النساء: 43] فتركها بعض الناس وقالوا: لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة حتى نزلت: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ} ـ الآية ـ فصارت حراماً عليهم حتى صار يقول بعضهم: ما حرم الله شيئاً أشدّ من الخمر. وقال أبو مَيْسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب؛ فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر، وما ينزل بالناس من أجلها، ودعا الله في تحريمها وقال؛ ٱللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت هذه الآيات، فقال عمر: ٱنتهينا ٱنتهينا. وقد مضى في «البقرة» و «النساء». وروى أبو داود عن ٱبن عباس قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} و {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} نسختها التي في المائدة {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ}. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: نزلت فيّ آيات من القرآن؛ وفيه قال: وأتيت على نَفرَ من الأنصار؛ فقالوا: تَعالَ نُطعمْك ونسقيك خمراً، وذلك قبل أن تُحرَّم الخمر؛ قال: فأتيتهم في حشٍّ ـ والحَشُّ البستان ـ فإذا رأس جَزُور مشويّ عندهم وزِقٌّ من خمر؛ قال: فأكلتُ وشربتُ معهم؛ قال: فذكرتُ الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار؛ قال: فأخذ رجل لَحْيَى جمل فضربني به فجرح أنفى ـ وفي رواية فَفَزَره وكان أنف سعد مَفْزُوراً ـ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته؛ فأنزل الله تعالى فيّ ـ يعني نفسَه شأنَ الخمر ـ {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ}. الثالثة ـ هذه الأحاديث تدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحاً معمولاً به معروفاً عندهم بحيث لا يُنكَر ولا يُغيَّر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عليه، وهذا ما لا خلاف فيه؛ يدل عليه آية النساء {لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} على ما تقدّم. وهل كان يباح لهم شرب القَدْر الذي يُسكر؟ حديثُ حمزة ظاهر فيه حين بَقَر خواصر ناقتي عليّ رضي الله عنهما وجَبَّ أسنمتَهما، فأخبر علي بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، فجاء إلى حمزة فصدر عن حمزة للنبيّ صلى الله عليه وسلم من القول الجافي المخالف لما يجب عليه من احترام النبيّ صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتعزيره، ما يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يُسكر؛ ولذلك قال الراويّ: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثَمِلٌ؛ ثم إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُنكر على حمزة ولا عَنَّفه. لا في حال سكره ولا بعد ذلك، بل رجع لَمَّا قال حمزة: ـ وهل أنتم إلا عبيد لأبي ـ على عقبيه القَهْقَري وخرج عنه. وهذا خلاف ما قاله الأُصوليون وحَكَوه فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه أو يشوشه، إلا أنه يحتمل حديث حمزة أنه لم يقصد بشربه السكر لكنه أسرع فيه فغلبه. والله أعلم. الرابعة ـ قوله تعالى: {رِجْسٌ} قال ٱبن عباس في هذه الآية: «رِجْسٌ» سخط وقد يقال للنَّتْن والعَذِرة والأقذار رجسٌ. والرِّجز بالزاي العذاب لا غير، والرِّكْسُ العَذِرة لا غير. والرِّجسُ يقال للأمرين. ومعنى {مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} أي بحمله عليه وتزيينه. وقيل: هو الذي كان عَمِل مبادىء هذه الأُمور بنفسه حتى ٱقتدى به فيها. الخامسة ـ قوله تعالى: {فَٱجْتَنِبُوهُ} يريد أبعدوه وٱجعلوه ناحية؛ فأمر الله تعالى باجتناب هذه الأُمور، وٱقترنت بصيغة الأمر مع نصوص الأحاديث وإجماع الأُمة، فحصل الاجتناب في جهة التحريم؛ فبهذا حرّمت الخمر. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن سورة «المائدة» نزلت بتحريم الخمر، وهي مدنية من آخر ما نزل، وورد التحريم في الميتة والدم ولحم الخنزير في قوله تعالى: { أية : قُل لاَّ أَجِدُ } تفسير : [الأنعام: 145] وغيرها من الآي خبراً، وفي الخمر نَهْيا وزَجْراً، وهو أقوى التحريم وأوكده. روى ٱبن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر، مشى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا حُرِّمت الخمر، وجعلت عدلاً للشِّرك؛ يعنى أنه قرنها بالذبح للأنصاب وذلك شِرْكٌ. ثم علق {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فعلق الفلاح بالأمر، وذلك يدل على تأكيد الوجوب. والله أعلم. السادسة ـ فَهِمَ الجمهورُ من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرِّجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمُزَنيّ صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد ٱستدل سعيد بن الحداد القرويّ على طهارتها بسفكها في طرق المدينة؛ قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق. والجواب؛ أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سُرُوب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كُنُف في بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكُنُف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضاً فإنه يمكن التحرز منها؛ فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهراً يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرّز عنها ـ هذا ـ مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طُرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم. فإن قيل؛ التَّنجِيس حكم شرعيّ ولا نص فيه، ولا يلزم من كون الشيء محرّماً أن يكون نجساً؛ فكم من محرّم في الشرع ليس بنجس؛ قلنا: قوله تعالى: «رِجْسٌ» يدل على نجاستها: فإن الرّجس في اللسان النجاسة، ثم لو ٱلتزمنا ألاّ نحكم بحكم إلا حتى نجد فيه نصّاً لتعطلت الشريعة؛ فإن النصوص فيها قليلة؛ فأيُّ نص يوجد على تنجيس البول والعَذِرة والدّم والميتة وغير ذلك؟ وإنما هي الظواهر والعمومات والأقيسة. وسيأتي في سورة «الحج» ما يوضح هذا المعنى إن شاء الله تعالى. السابعة ـ قوله: {فَٱجْتَنِبُوهُ} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه؛ لا بشرب ولا بيع ولا تخلِيل ولا مداواة ولا غير ذلك. وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. روى مسلم عن ٱبن عباس: حديث : أن رجلاً أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رَاوِية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل علمت أن الله حرّمها» قال: لا، قال: فسَارَّ رجلاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بِم سَارَرْتَه» قال؛ أمرته ببيعها؛ فقال: «إن الذي حَرّم شربها حَرّم بيعها» قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيهاتفسير : ؛ فهذا حديث يدل على ما ذكرناه؛ إذ لو كان فيها منفعة من المنافع الجائزة لبيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال في الشاة الميتة: « حديث : هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فٱنتفعتم به » تفسير : الحديث. الثامنة ـ أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر والدم، وفي ذلك دليل على تحريم بيع العَذِرات وسائر النجاسات وما لا يحل أكله؛ ولذلك ـ والله أعلم ـ كره مالك بيع زِبل الدواب، ورخص فيه ٱبن القاسم لما فيه من المنفعة؛ والقياس ما قاله مالك، وهو مذهب الشافعي، وهذا الحديث شاهد بصحة ذلك. التاسعة ـ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر لا يجوز تخليلها لأحد، ولو جاز تخليلها ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الرجل أن يفتح المزادة حتى يذهب ما فيها؛ لأن الخلّ مال وقد نهى عن إضاعة المال، ولا يقول أحد فيمن أراق خمراً على مسلم أنه أتلف له مالاً. وقد أراق عثمان بن أبي العاص خمراً ليتيم، وٱستؤذن صلى الله عليه وسلم في تخليلها فقال: « حديث : لا » تفسير : ونهى عن ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من العلماء من أهل الحديث والرأي، وإليه مال سُحْنُون بن سعيد. وقال آخرون: لا بأس بتخليل الخمر ولا بأس بأكل ما تخلل منها بمعالجة آدمي أو غيرها؛ وهو قول الثوريّ والأُوزاعيّ والليث بن سعد والكوفيين. وقال أبو حنيفة: إن طرح فيها المِسك والملح فصارت مُرَبَّى وتحوّلت عن حال الخمر جاز. وخالفه محمد بن الحسن في المربَّى وقال: لا تُعالجَ الخمر بغير تحويلها إلى الخلّ وحده. قال أبو عمر: ٱحتج العراقيون في تخليل الخمر بأبي الدرداء؛ وهو يُروى عن أبي إدريس الخولانيّ عن أبي الدرداء من وجه ليس بالقويّ أنه كان يأكل المربَّى منه، ويقول: دبغته الشمس والملح. وخالفه عمر بن الخطاب وعثمان بن أبي العاص في تخليل الخمر؛ وليس في رأي أحد حجة مع السنة. وبالله التوفيق. وقد يحتمل أن يكون المنع من تخليلها كان في بدء الإسلام عند نزول تحريمها؛ لئلا يستدام حبسها لقرب العهد بشربها، إرادة لقطع العادة في ذلك. وإذا كان كذلك لم يكن في النهي عن تخليلها حينئذٍ، والأمر بإراقتها ما يمنع من أكلها إذا خُلّلت. وروى أشهب عن مالك قال: إذا خلّل النصرانيّ خمراً فلا بأس بأكله، وكذلك إن خَلّلها مسلم وٱستغفر الله؛ وهذه الرواية ذكرها ٱبن عبد الحكَم في كتابه. والصحيح ما قاله مالك في رواية ٱبن القاسم وٱبن وهب أنه لا يحل لمسلم أن يعالج الخمر حتى يجعلها خَلاًّ ولا يبيعها، ولكن ليُهرِيقها. العاشرة ـ لم يختلف قول مالك وأصحابه أن الخمر إذا تخللت بذاتها أن أكل ذلك الخلّ حلال. وهو قول عمر بن الخطاب وقَبِيصة وٱبن شهاب وربيعة وأحد قولي الشافعي، وهو تحصيل مذهبه عند أكثر أصحابه. الحادية عشرة ـ ذكر ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد أنها تُملك، ونزع إلى ذلك بأنه يمكن أن يزال بها الغَصَص، ويطفأ بها حريق؛ وهذا نقل لا يعرف لمالك بل يُخرّج هذا على قول من يرى أنها طاهرة. ولو جاز ملكها لما أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بإراقتها. وأيضاً فإن الملك نوع نفع وقد بطل بإراقتها. والحمد لله. الثانية عشرة ـ هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنّرد والشِّطْرَنج قماراً أو غير قمار؛ لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} الآية. ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} الآية. فكل لهوٍ دعا قليله إلى كثير، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر، وأوجب أن يكون حراماً مثله. فإن قيل: إنّ شرب الخمر يورث السكر فلا يقدر معه على الصلاة وليس في اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج هذا المعنى؛ قيل له: قد جمع الله تعالى بين الخمر والميسر في التحريم، ووصفهما جميعاً بأنهما يوقعان العداوة والبغضاء بين الناس، ويصدّان عن ذكر الله وعن الصلاة؛ ومعلوم أن الخمر إن أسكرت فالميسر لا يسكر، ثم لم يكن عند الله ٱفتراقهما في ذلك يمنع من التسوية بينهما في التحريم لأجل ما ٱشتركا فيه من المعاني. وأيضاً فإن قليل الخمر لا يسكر كما أن اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج لا يسكر ثم كان حراماً مثل الكثير، فلا ينكر أن يكون اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنج حراماً مثل الخمر وإن كان لا يسكر. وأيضاً فإن ٱبتداء اللعب يورث الغَفْلة، فتقوم تلك الغَفْلة المستولية على القلب مكان السكر؛ فإن كانت الخمر إنما حرّمت لأنها تسكر فتصدّ بالإسكار عن الصلاة، فليحرم اللعب بالنَّرد والشِّطْرَنْج لأنه يُغفِل ويُلهي فيصدّ بذلك عن الصلاة. والله أعلم. الثالثة عشرة ـ مُهدى الراوية يدل على أنه كان لم يبلغه الناسخ، وكان متمسكاً بالإباحة المتقدّمة، فكان ذلك دليلاً على أن الحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ـ كما يقوله بعض الأُصوليين ـ بل ببلوغه كما دل عليه هذا الحديث، وهو الصحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخه، بل بيّن له الحكم؛ ولأنه مخاطب بالعمل بالأوّل بحيث لو تركه عصى بلا خلاف، وإن كان الناسخ قد حصل في الوجود، وذلك كما وقع لأهل قُبَاء؛ إذ كانوا يُصلّون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ، فمالوا نحو الكعبة. وقد تقدّم في سورة «البقرة» والحمد لله؛ وتقدّم فيها ذكر الخمر واشتقاقها والميسر. وقد مضى في صدر هذه السورة القول في الأنصاب والأزلام. والحمد لله. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}. الآية. أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره، فحذّرنا منها، ونهانا عنها. روى أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وٱنتشوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صَحَوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل بعضهم يقول: لو كان أخي بي رحيماً ما فعل بي هذا، فحدثت بينهم الضغائن؛ فأنزل الله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} الآية. الخامسة عشرة ـ قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} يقول: إذا سكِرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعليّ، وروى: بعبد الرحمن كما تقدّم في «النساء». وقال عبيد الله بن عمر: سئل القاسم بن محمد عن الشِّطْرَنج أهي ميسر؟ وعن النّرد أهو ميسر؟ فقال: كلّ ما صدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. قال أبو عبيد: تأوّل قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ}. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى ٱنتهوا قال: ٱنتهينا. وأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة، ألاَ إنّ الخمر قد حُرّمت؛ فكسرت الدِّنان، وأُريقت الخمر حتى جرت في سِكك المدينة. السابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد، وٱمتثال للأمر، وكفّ عن المنهيّ عنه، وحَسُن عطف «وَأَطِيعُوا اللَّهَ» لما كان في الكلام المتقدّم معنى ٱنتهوا. وكرر «وَأَطِيعُوا» في ذكر الرسول تأكيداً؛ ثم حذر في مخالفة الأمر، وتوعد من تولى بعذاب الآخرة؛ فقال: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي خالفتم {أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} في تحريم ما أمر بتحريمه وعلى المرسِل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يُعصَى أو يطاع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ناهياً عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر، وهو القمار، وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: الشطرنج من الميسر، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن عيسى بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن سفيان، عن ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس، قال سفيان: أو اثنين منهم قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي عن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب مثله، وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار. وقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة. وقال مالك، عن داود بن الحصين: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين. وقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر: الضرب بالقداح على الأموال والثمار. وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو من الميسر، رواهن ابن أبي حاتم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً؛ فإنها من الميسر»تفسير : حديث غريب، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» تفسير : وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنن أبي داود وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» تفسير : وروي موقوفاً عن أبي موسى من قوله، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا الجعيد عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي: أنه سمع محمد بن كعب، وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مثل الذي يلعب بالنرد، ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير، ثم يقوم فيصلي» تفسير : وأما الشطرنج، فقد قال عبد الله بن عمر: إنه شر من النرد، وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر، ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي، رحمهم الله تعالى، وأما الأنصاب، فقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها، وأما الأزلام فقالوا أيضاً: هي قداح كانوا يستقسمون بها، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى: {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: سخط من عمل الشيطان. وقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أي: شر من عمل الشيطان {فَٱجْتَنِبُوهُ} الضمير عائد إلى الرجس، أي: اتركوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وهذا ترغيب، ثم قال تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} وهذا تهديد وترهيب. ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر قال الإمام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما، فأنزل الله: {أية : يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 209] إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرما علينا، إنما قال: {أية : فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 219]، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوماً من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أم أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} تفسير : [النساء: 43] فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ منها { يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قالوا: انتهينا ربنا. وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو حرم عليهم، لتركوه كما تركتم» تفسير : انفرد به أحمد. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب: أنه قال لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في البقرة: {أية : يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 219] فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} تفسير : [النساء: 43] فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قال: حي على الصلاة، نادى: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} قال عمر: انتهينا انتهينا. وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، وعن أبي ميسرة، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني، عن عمر، به، وليس له عنه سواه، قال أبو زرعة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي. وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز، حدثني نافع عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب. (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري، يعني: أبا طعمة قارىء مصر، قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء نزل: {أية : يَسْـأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219] الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا ننتفع بها كما قال الله تعالى، قال: فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ} تفسير : [النساء: 43] فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ} الآيتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حرمت الخمر»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق عن القعقاع بن حكيم: أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، صديق من ثقيف، أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا فلان أما علمت أن الله حرمها؟» تفسير : فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا فلان بماذا أمرته؟» تفسير : فقال: أمرته أن يبيعها. قال: «حديث : إن الذي حرم شربها حرم بيعها» تفسير : فأمر بها، فأفرغت في البطحاء، ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، ومن طريق ابن وهب أيضاً عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، به، ورواه النسائي عن قتيبة عن مالك به. (حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري: أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كل عام راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر، جاء بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضحك، وقال: «حديث : إنها قد حرمت بعدك» تفسير : قال: يا رسول الله، فأبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله اليهود، حرمت عليهم شحوم البقر والغنم، فأذابوه وباعوه، والله حرم الخمر وثمنها» تفسير : وقد رواه أيضاً الإمام أحمد فقال: حدثنا روح، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال: سمعت شهر بن حوشب قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم: أن الداري كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت، جاء براوية، فلما نظر إليه، ضحك، فقال: «حديث : أشعرت أنها قد حرمت بعدك؟» تفسير : فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله اليهود؛ انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحم البقر والغنم، فأذابوه، فباعوا به ما يأكلون، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام، وإن الخمر حرام، وثمنها حرام»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن سليمان بن سليمان ابن عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان: أن أباه أخبره: أنه كانه يتجر في الخمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أقبل من الشام، ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا كيسان إنها قد حرمت بعدك» تفسير : قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنها قد حرمت، وحرم ثمنها»تفسير : ، فانطلق كيسان إلى الزقاق، فأخذ بأرجلها، ثم هراقها. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن حميد، عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسعيد بن بيضاء ونفراً من أصحابه عند أبي طلحة، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين، فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس أَكْفِ ما بقي في إنائك، فوالله ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ، أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ؛ البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، قال: اخرج فانظر، فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها، فقالوا، أو قال بعضهم: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد، حدثنا عباد بن راشد عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعت منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلميقرأ: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} فقال رجل: يا رسول الله، فما ترى فيمن مات وهو يشربها؟ فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية، فقال رجل لقتادة: أنت سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم، وقال رجل لأنس بن مالك، أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، أو: حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ربي تبارك وتعالى، حرم الخمر والكوبة والقنين، وإياكم والغبيراء؛ فإنها ثلث خمر العالم»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر، والمزر والكوبة والقنين، وزادني صلاة الوتر» تفسير : قال يزيد: القنين البرابط، تفرد به أحمد، وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو عاصم، وهو النبيل، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من قال عليّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من جهنم» تفسير : قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله حرم الخمر والميسر، والكوبة والغبيراء، وكل مسكر حرام» تفسير : تفرد به أحمد أيضاً. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز، عن أبي طعمة مولاهم، عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي: أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعنت الخمر على عشرة أوجه: لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها»تفسير : ، ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث وكيع به، وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المربد، فخرجت معه، فكنت معه، فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر، فتأخرت عنه، فكان عن يمينه، وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر، فتنحيت له، فكان عن يساره، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدية، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذ، فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: «حديث : لعنت الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها»تفسير : ، وقال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب قال: قال عبد الله ابن عمر: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمدية، وهي الشفرة، فأتيته بها، فأرسل بها، فأرهفت، ثم أعطانيها، وقال: «حديث : اغد عليّ بها» تفسير : ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني، فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي، وأن يعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها، فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت، فلم أترك في أسواقها زقاً إلا شققته. (حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد، عن خالد بن زيد، عن ثابت: أن يزيد الخولاني أخبره: أنه كان له عم يبيع الخمر، وكان يتصدق، قال: فنهيته عنها، فلم ينته، فقدمت المدينة، فلقيت ابن عباس، فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام، وثمنها حرام، ثم قال ابن عباس رضي الله عنه: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم، ونبي بعد نبيكم، لأنزل فيكم كما أنزل فيمن قبلكم، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة، ولعمري لهو أشد عليكم، قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر؛ فقال: سأخبرك عن الخمر؛ إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلمفي المسجد، فبينما هو محتب حلَّ حبوته، ثم قال: «حديث : من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها» تفسير : فجعلوا يأتونه، فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخر: عندي زق، أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : اجمعوه ببقيع كذا وكذا، ثم آذنوني» تفسير : ففعلوا، ثم آذنوه، فقام وقمت معه، ومشيت عن يمينه، وهو متكىء عليّ، فلحقنا أبو بكر رضي الله عنه، فأخرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلني عن شماله، وجعل أبا بكر في مكاني، ثم لحقنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأخرني، وجعله عن يساره، فمشى بينهما، حتى إذا وقف على الخمر، قال للناس: «حديث : أتعرفون هذه؟» تفسير : قالوا: نعم يا رسول الله، هذه الخمر، قال: «حديث : صدقتم»تفسير : ، ثم قال: «حديث : فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها» تفسير : ثم دعا بسكين، فقال: «حديث : اشحذوها» تفسير : ففعلوا، ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: في هذه الزقاق منفعة، فقال: «حديث : أجل، ولكني إنما أفعل ذلك غضباً لله عز وجل؛ لما فيها من سخطه» تفسير : فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله، قال: «حديث : لا» تفسير : قال ابن وهب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث، رواه البيهقي. (حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو الحسين بن بشر، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة عن سماك، عن مصعب بن سعد. عن سعد قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث قال: وصنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعانا، فشربنا الخمر قبل أن تحرم، حتى انتشينا فتفاخرنا، فقالت الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور، فضرب به أنف سعد، ففزره، وكانت أنف سعد مفزورة، فنزلت: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} أخرجه مسلم من حديث شعبة. (حديث آخر) قال البيهقي: وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو علي الرفاء، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا، فلما أن ثمل القوم، عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا، جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} فقال أناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان، وقد قتل يوم أحد: فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} إلى آخر الآية، ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني محمد بن خلف، حدثنا سعيد بن محمد الحرمي عن أبي تميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بينا نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية لنا، ونحن نشرب الخمر حلّاً، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} إلى آخر الآيتين، {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} قال: وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا. (حديث آخر) قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة عن عمرو، عن جابر قال: صبح أناس غداة أحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبل تحريمها، هكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه. وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} ثم قال: وهذا إسناد صحيح، وهو كما قال، ولكن في سياقه غرابة. (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية، ورواه الترمذي عن بندار عن غندر عن شعبة به نحوه، وقال: حسن صحيح. (حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب القمي عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة، فيبيعها من المسلمين، فحمل منها بمال، فقدم بها المدينة، فلقيه رجل من المسلمين، فقال: يا فلان إن الخمر قد حرمت، فوضعها حيث انتهى على تل، وسجى عليها بأكسية، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حرمت؟ قال: «حديث : أجل» تفسير : قال: لي أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: «حديث : لا يصلح ردها»تفسير : . قال: لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: «حديث : لا»تفسير : . قال: فإن فيها مالاً ليتامى في حجري، قال: «حديث : إذا أتانا مال البحرين، فأتنا نعوض أيتامك من مالهم» تفسير : ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله، الأوعية ننتفع بها؟ قال: «حديث : فحلوا أوكيتها»تفسير : ، فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي، هذا حديث غريب. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن السدي، عن أبي هبيرة، وهو يحيى بن عباد الأنصاري، عن أنس بن مالك: أن أبا طلحة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أيتام في حجره ورثوا خمراً، فقال: «حديث : أهرقها»تفسير : ، قال: أفلا نجعلها خلاً؟ قال: «حديث : لا»تفسير : . ورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه. (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا عبد العزيز بن سلمة، حدثنا هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن: { يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قال: هي في التوراة: إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير، والزفن والكبارات، يعني: البرابط والزمارات، يعني به: الدف والطنابير والشعر، والخمر مرة لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزته من شربها بعد ما حرمتها، لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها، لأسقينه إياها في حظيرة القدس، وهذا إسناد صحيح. (حديث آخر) قال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث: أن عمرو بن شعيب حدثهم عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات، كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال» تفسير : قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «حديث : عصارة أهل جهنم» تفسير : ورواه أحمد من طريق عمرو بن شعيب. (حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال: سمعت النعمان، هو ابن أبي شيبة الجندي يقول: عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكراً، بخست صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة، كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال» تفسير : قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: «حديث : صديد أهل النار، ومن سقاه صغيراً لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال»تفسير : تفرد به أبو داود. (حديث آخر) قال الشافعي رحمه الله: أنبأنا مالك عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة» تفسير : أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر، فمات وهو يدمنها، ولم يتب منها، لم يشربها في الآخرة»تفسير : (حديث آخر) قال ابن وهب: أخبرني عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار: أنه سمع سالم ابن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى»تفسير : . ورواه النسائي عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به. وروى أحمد عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر»تفسير : . ورواه أحمد أيضاً عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد،عن مجاهد به. وعن مروان بن شجاع، عن حصيف، عن مجاهد به. ورواه النسائي عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن يزيد بن أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد، كلاهما عن أبي سعيد، به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابان عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زنية» تفسير : وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور، عن سالم، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، به، وقد رواه أيضاً عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط بن شريط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر»تفسير : . ورواه النسائي من حديث شعبة كذلك، ثم قال: ولا نعلم أحداً تابع شعبة عن نبيط بن شريط. وقال البخاري: لا يعرف لجابان سماع عن عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط، وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريقه أيضاً عن أبي هريرة، فالله أعلم. وقال الزهري: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن أباه قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد، ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت: إنّا ندعوك لشهادة، فدخل معها، فطفقت كلما دخل باباً أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأساً، فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس. فاجتنبوا الخمر؛ فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبداً إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. رواه البيهقي، وهذا إسناد صحيح، وقد رواه أبوبكر بن أبي الدنيا في كتابه ذم المسكر عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن الفضيل بن سليمان النميري، عن عمر بن سعيد، عن الزهري، به مرفوعاً، والموقوف أصح، والله أعلم. وله شاهد في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»تفسير : وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما حرمت الخمر، قال ناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} إلى آخر الآية، ولما حولت القبلة، قال ناس: يا رسول الله، إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ} تفسير : [البقرة: 143] وقال الإمام أحمد: حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا داود، يعني: العطار، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من شرب الخمر، لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات، مات كافراً، وإن تاب، تاب الله عليه، وإن عاد، كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال» تفسير : قالت: قلت: يارسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «حديث : صديد أهل النار»تفسير : . وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَءامَنُواْ} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قيل لي: أنت منهم» تفسير : وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: قرأت على أبي، حدثنا علي بن عاصم، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم وهاتان الكعبتان الموسومتان اللتان تزجران زجراً؛ فإنهما ميسر العجم».
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ } المسكر الذي يخامر العقل {وَٱلْمَيْسِرِ } القمار {وَٱلأَنصَابُ } الأصنام {وَٱلأَزْلاَمُ } قداح الاستقسام {رِجْسٌ } خبيث مستقذر {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ } الذي يزينه {فَٱجْتَنِبُوهُ } أي الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
الشوكاني
. تفسير : قوله: { يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} خطاب لجميع المؤمنين. وقد تقدم تفسير الميسر في سورة البقرة {وَٱلأنصَابُ } هي: الأصنام المنصوبة للعبادة، {وَٱلأزْلاَمُ }. قد تقدّم تفسيرها في أوّل هذه السورة، والرجس يطلق على العذرة والأقذار، وهو خبر للخمر، وخبر المعطوف عليه محذوف. وقوله: {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } صفة لرجس: أي كائن من عمل الشيطان، بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له. وقيل: هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه فاقتدى به بنو آدم والضمير في {فَٱجْتَنِبُوهُ } راجع إلى الرجس أو إلى المذكور. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } علة لما قبله. قال في الكشاف: أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد، منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : شارب الخمر كعابد الوثن»تفسير : ، ومنها أنه جعلهما رجساً، كما قال: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30]، ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشرّ البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبة ومحقة، ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر، وما يؤديان إليه من الصدّ عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلوات انتهى. وفي هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب وتحريم الصدّ، ولما تقرّر في الشريعة من تحريم قربان الرجس، فضلاً عن جعله شراباً يشرب. قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة، لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم، فأوّل ما نزل في أمرها {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 219] فترك عند ذلك بعص من المسلمين شربها، ولم يتركه آخرون، ثم نزل قوله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43] فتركها البعض أيضاً، وقالوا لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة، حتى نزلت هذه الآية: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } فصارت حراماً عليهم، حتى كان يقول بعضهم ما حرّم الله شيئاً أشدّ من الخمر، وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها، وأنها من كبائر الذنوب. وقد أجمع على ذلك المسلمون إجماعاً لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضاً على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمراً، وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر، دلت أيضاً على تحريم الميسر، والأنصاب، والأزلام. وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية بقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء } ومن المفاسد الدينية بقوله: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ }. قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ. ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا: انتهينا، ثم أكد الله سبحانه هذا التحريم بقوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ } أي مخالفتهما أي مخالفة الله ورسوله، فإن هذا وإن كان أمراً مطلقاً فالمجيء به في هذا الموضع يفيد ما ذكرناه من التأكيد، وهكذا ما أفاده بقوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي: إن أعرضتم عن الامتثال، فقد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذي فيه رشادكم وصلاحكم، ولم تضرّوا بالمخالفة إلا أنفسكم، وفي هذا من الزجر ما لا يقدر قدره ولا يبلغ مداه. قوله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } أي من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة: 249] أباح الله سبحانه لهم في هذه الآية جميع ما طعموا كائناً ما كان مقيداً بقوله: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ } أي اتقوا ما هو محرّم عليهم كالخمر وغيره من الكبائر، وجميع المعاصي {وَءامَنُواْ } بالله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } من الأعمال التي شرعها الله لهم: أي استمروا على عملها. قوله: {ثُمَّ اتَّقَواْ } عطف على اتقوا الأوّل، أي اتقوا ما حرّم عليهم بعد ذلك مع كونه كان مباحاً فيما سبق {وَءامَنُواْ } بتحريمه {ثُمَّ اتَّقَواْ } ما حرّم عليهم بعد التحريم المذكور قبله مما كان مباحاً من قبل {وَأَحْسِنُواْ } أي عملوا الأعمال الحسنة، هذا معنى الآية؛ وقيل: التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة؛ وقيل: إن التكرير باعتبار المراتب الثلاث، المبدأ، والوسط، والمنتهى؛ وقيل: إن التكرار باعتبار ما يتقيه الإنسان، فإنه ينبغي له أن يترك المحرّمات توقياً من العذاب، والشبهات توقياً من الوقوع في الحرام، وبعض المباحات حفظاً للنفس عن الخسة؛ وقيل إنه لمجرّد التأكيد، كما في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [التكاثر: 3، 4]، هذه الوجوه كلها مع قطع النظر عن سبب نزول الآية إما مع النظر إلى سبب نزولها، وهو أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ فنزلت، فقد قيل: إن المعنى {ٱتَّقَوْاْ } الشرك {وَءامَنُواْ } بالله ورسوله {ثُمَّ اتَّقَواْ } الكبائر {وَءامَنُواْ } أي ازدادوا إيماناً {ثُمَّ اتَّقَواْ } الصغائر {وَأَحْسِنُواْ } أي تنفلوا. قال ابن جرير الطبري: الاتقاء الأول: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث: الاتقاء بالإحسان والتقرّب بالنوافل. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر قال: نزل في الخمر ثلاث آيات، فأول شيء: {أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } تفسير : [البقرة: 219] الآية، فقيل: حرّمت الخمر، فقيل: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم، ثم نزلت هذه الآية: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43]، فقيل: حرّمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت: {يَـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حرّمت الخمر» تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: حرّمت الخمر ثلاث مرات، وذكر نحو حديث ابن عمر، فقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فراشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو حرّم عليهم لتركوه كما تركتم»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص قال: فيّ نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعا ناساً، فأتوه، فأكلوا وشربوا، حتى انتشوا من الخمر، وذلك قبل تحريم الخمر فتفاخروا، فقالت الأنصار: الأنصار خير من المهاجرين، وقالت قريش: قريش خير، فأهوى رجل بلحى جمل فضرب على أنفي، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الآية: {يَـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِر} الآية. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً رحيماً ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية: {يَـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد؟ فأنزل الله هذه الآية: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } الآية. وقد رويت في سبب النزول روايات كثيرة موافقة لما قد ذكرناه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: الميسر هو القمار كله. وأخرج ابن مردويه، عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر متى حرّمت الخمر؟ قال: بعد أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة قال: نزل تحريم الخمر في سورة المائدة، بعد غزوة الأحزاب. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عليّ بن أبي طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر. وأخرج عبد بن حميد عن عليّ قال: الشطرنج ميسر الأعاجم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن القاسم بن محمد، أنه سئل عن النرد أهي من الميسر؟ قال: كل من ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذمّ الملاهي، والبيهقي في الشعب، عنه أيضاً أنه قيل له: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر. وأخرجوا أيضاً عن ابن الزبير قال: يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير، والله يقول في كتابه: {يَـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال: الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الله بن عمير قال: سئل ابن عمر عن الشطرنج؟ فقال هي شرّ من النرد. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الملك بن عبيد قال: رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرّة إلا أصحاب الشاه، يعني أصحاب الشطرنج. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج، فقال تلك المجوسية فلا تلعبوا بها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله»تفسير : . وأخرج أحمد عن عبد الرحيم الخطمي، سمعت رسول الله يقول: «حديث : مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي»تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر قال: اللاعب بالنرد قماراً كآكل لحم الخنزير، واللاعب بها من غير قمار كالمدّهن بودك الخنزير. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن يحيى بن كثير قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد فقال: "حديث : قلوب لاهية وأيدي عليلة وألسنة لاغية»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، عن قتادة قال: الميسر القمار. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، من طريق ليث عن عطاء وطاوس، ومجاهد قالوا: كل شيء فيه قمار، فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال: القمار من الميسر. وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، عنه قال: ما كان من لعب فيه قمار، أو قيام أو صياح، أو شرّ، فهو من الميسر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن يزيد بن شريح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاث من الميسر: الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها الأمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت لهم حصيات إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الأزلام قال: هي كعاب فارس التي يقتمرون بها، وسهام العرب. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذمّ الخمر وشاربها، والوعيد الشديد عليها، وأن كل مسكر حرام، وهي مدوّنة في كتب الحديث، فلا نطوّل المقام بذكرها، فلسنا بصدد ذلك، بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى:{يَا أْيُّهَا الَّذيِنَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ....} الآية. اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روى ابن إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فزلت الآية التي في البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} فَدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية التي في سورة النساء: {لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُم سُكَارَى} وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضرت الصلاة ينادي لا يقربن الصلاة سكران، فَدُعِيَ عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في المائدة {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} فقال عمر: انتهينا، انتهينا. والثاني: أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص وقد لاحى رجلاً على شراب، فضربه الرجل بلحي جمل، ففزر قاله مصعب بن سعد. والثالث: أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشراب فعبث بعضهم ببعض، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، قاله ابن عباس. فأما {الْمَيْسِرُ} فهو القمار. وأما {الأنصَابُ} ففيها وجهان. أحدهما: أنها الأصنام تعبد، قاله الجمهور. والثاني: أنها أحجار حول الكعبة يذبحون لها، قاله مقاتل. وأما {الأَزْلاَمُ} فهي قداح من خشب يُسْتَقْسَمُ بها على ما قدمناه. قوله تعالى: {رِجْسٌ} يعني حراماً، وأصل الرجس المستقذر الممنوع منه، فعبر به عن الحرام لكونه ممنوعاً منه. ثم قال تعالى: {مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} أي مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به لأنه لا يأمر إلا بالمعاصي، ولا ينهى إلا عن الطاعات. فلما حُرِّمَتِ الخمر قال المسلمون: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين شربوها وماتوا قبل تحريمها، فَأنزل الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعِمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ}، يعني من الخمر قبل التحريم، {إِذَا مَا اتَّقَواْ} يعني فى أداء الفرائض {وَّءَامَنُواْ} يعني بالله ورسوله {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} يعني البر والمعروف، {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُّم اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} يعني بعمل النوافل، فالتقوى الأولى عمل الفرائض، والتقوى الثانية عمل النوفل.
ابن عطية
تفسير : الخطاب للمؤمنين جميعاً، لأن هذه الأشياء شهوات وعادات قد تلبس بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان بقي منها في نفوس كثير من المؤمنين، فأما {الخمر} فكانت لم تحرم بعد وأما {الميسر} ففيه قمار ولذة للفارغ من النفوس ونفع أيضاً بوجه ما، وأما {الأنصاب} وهي حجارة يذكون عندها لفضل يعتقدونه فيها، وقيل هي الأصنام المعبودة كانوا يذبحون لها وعندها في الجاهلية. فإن كانت المرادة في هذه الآية الحجارة التي يذبح عندها فقط فذلك لأنه كان في نفس ضعفة المؤمنين شيء من تعظيم تلك الحجارة، وهذا كما قالت امرأة الطفيل بن عمرو الدوسي لزوجها: أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً؟ وذو الشرى صنم لدوس، وإن كانت المرادة في هذه الآية الأصنام فإنما قرنت بهذه الأمور ليبين النقص في هذه إذ تقرن بالأصنام، ولا يتأول أنه بقي في نفس مؤمن شيء من تعظيم الأصنام والتلبس بها حتى يقال له اجتنبه، وأما {الأزلام} فهي الثلاثة التي كان أكثر الناس يتخذونها في أحدها "لا" وفي الآخر "نعم"، والآخر "غفل"، وهي التي حبسها سراقة بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الهجرة، فكانوا يعظمونها، وبقي منها في بعض النفوس شيء ومن هذا القبيل هو الزجر بالطير وأخذ الفأل منها في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم، وقد يقال لسهام الميسر أزلام، والزلم السهم وكان من الأزلام أيضاً ما يكون عند الكهان وكان منها سهام عند الأصنام وهي التي ضرب بها على عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عند قريش في الكعبة أزلام فيها أحكام ذكرها ابن إسحاق وغيره، فأخبر الله تعالى أن هذه الأشياء {رجس}، قال ابن زيد: الرجس الشر. قال القاضي أبو محمد: كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب، وقال ابن عباس في هذه الآية {رجس} سخط، وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار رجس، والرجز العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين، وأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر في قوله {فاجتنبوه} نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في رتبة التحريم، فبهذا حرمت الخمر بظاهر القرآن ونص الحديث وإجماع الأمة، وقد تقدم تفسير لفظة {الخمر} ومعناها. وتفسير {الميسر} في سورة البقرة، وتقدم تفسير {الأنصاب} والاستقسام بالأزلام في صدر هذه السورة، واختلف الناس في سبب نزول هذه الآيات فقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا إلى الله في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا فيها بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر انتهينا، انتهينا وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد قال: صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف، قال سعد ففيّ نزلت الآية إلى آخرها، وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا فلما صحوا جعل كل واحد منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته وجسده، فيقول هذا فعل فلان بي، فحدث بينهم في ذلك ضغائن، فنزلت هذه الآيات في ذلك. قال القاضي أبو محمد: وأمر الخمر إنما كان بتدريج ونوازل كثيرة، منها قصة حمزة حين جبَّ الأسنمة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، ومنها قراءة علي بن أبي طالب في صلاة المغرب "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " فنزلت {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء:43] الآية، ثم لم تزل النوازل تحزب الناس بسببها حتى نزلت هذه الآية، فحرمت بالمدينة وخمر العنب فيها قليل، إنما كانت خمرهم من خمسة أشياء من العسل ومن التمر ومن الزبيب ومن الحنطة ومن الشعير، والأمة مجمعة على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها شيء، وأكثر الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام, ولأبي حنيفة وبعض فقهاء الكوفة إباحة ما لا يسكر مما يسكر كثيره من غير خمر العنب، وهو مذهب مردود، وقد خرج قوم تحريم الخمر من وصفها برجس, وقد وصف تعالى في آية أخرى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير بأنها رجس، فيجيء من ذلك أن كل رجس حرام. قال القاضي أبومحمد: وفي هذا نظر، والاجتناب أن يجعل الشيء جانباً أو ناحية. ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزيناً فقيراً فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً " تفسير : ، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، و {البغضاء} تنقض عري الدين وتهدم عماد الحماية، وكذلك أيضاً يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك، وفي قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا. ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه {وأطيعوا} وكرر {أطيعوا} في ذكر الرسول تأكيداً، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة أي إنما على الرسول أن يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع.
ابن عبد السلام
تفسير : ـ قوله عزّ وجلّ {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روى ابن إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال عمر بن الخطاب: اللهمّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية في البقرة {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}تفسير : [البقرة: 219] فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بَيِّن لنا في الخمر بياناَ شافياً فنزلت الآية التي في سورة النساء {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء: 43] وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضرت الصلاة ينادي لا يقربنّ الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت التي في المائدة {أية : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } تفسير : الآية إلى قوله {أية : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ }تفسير : فقال عمر: انتهينا انتهينا والثاني: أنها نزلت في سعد بن أبي وقّاص وقد لاحى رجلاً على شراب فضربه الرجل بلحي جمل ففرز أنفه قاله مصعب بن سعد، والثالث: أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشراب فعبث بعضهم ببعض فأنزل الله فيهم هذه الآية قاله ابن عباس فلما حرمت الخمر قال المسلمون "يا رسول الله, كيف بأخواننا الذين شربوها وماتوا قبل تحريمها فأنزل الله ـ تعالى ـ {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ}تفسير : [المائدة: 93] يعني من الخمر قبل التحريم {إِذَا مَا اتَّقَواْ} يعني في أداء الفرائض و {وءَامَنُواْ} يعني بالله ورسوله، {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} يعني البرّ والمعروف، {ثُمَّ اتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ} يعني بعمل النوافل فالتقوى الأول عمل الفرائض، والتقوى الثاني عمل النوافل، فأما الميسر: فهو القمار، وأما الأنصاب ففيها وجهان: أحدهما: أنها الأصنام تعبد قاله الجمهور، والثاني: أنها أحجار [حول] الكعبة يذبحون لها قاله مقاتل وأما الأزلام فهي قداح من خشب يستقسم بها على ما قدّمناه وقوله {رِجْسٌ} يعني حراماً، وأصل الرجس: المستقذر الممنوع منه فعبّر به عن الحرام لكونه ممنوعاً منه ثم قال {مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} أي مما يدعو إليه الشيطان ويأمر به لأنه [لا] يأمر إلا بالمعاصي ولا ينهى إلا عن الطاعات.
الخازن
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} لما أنزل الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}تفسير : [المائدة: 87] وقوله: {أية : وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً}تفسير : [المائدة: 88] وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم بين الله تعالى في هذه الآية أن الخمر والميسر غير داخلين في جملة الطيبات المحللات، بل هما من جملة المحرمات والخمر كل ما خامر العقل وغطاه والميسر القمار وقد تقدم تفسيرهما في سورة البقرة والأنصاب هي الحجارة التي كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها والأزلام هي القداح التي كانوا يستقسمون بها وتقدم تفسير ذلك. والرجس في اللغة الشيء الخبيث المستقذر {من عمل الشيطان} يعني من تزيينه وإغوائه ودعائه إياكم إليها وليس المراد أنها من عمل يديه {فاجتنبوه} يعني كونوا جانباً منه والضمير في قوله فاجتنبوه عائد إلى الرجس لأنه اسم جامع للكل كأنه قال إن هذه الأربعة الأشياء كلها رجس فاجتنبوه {لعلكم تفلحون} يعني لكم لكي تدركوا الفلاح إذا اجتنبتم هذه المحرمات التي هي رجس قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فروى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر والميسر بياناً شافياً فنزلت الآية في سورة البقرة: {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير}تفسير : [البقرة: 219] الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر والميسر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في سورة النساء: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}تفسير : [النساء: 43] فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر والميسر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في المائدة {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} فدعي عمر فقرئت عليه فقال انتهينا انتهينا أخرجه الترمذي من طريقين: وقال رواية أبي ميسرة هذه أصح وأخرجه أبو داود والنسائي. وروى مصعب بن سعيد عن أبيه قال: صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا فشربنا وذلك قبل أن تحرم زاد حتى انتشينا فتفاخرت الأنصار وقريش فقالت الأنصار نحن أفضل منكم فقال سعد بن أبي وقاص: المهاجرون خير منكم فأخذ رجل من الأنصار لحى جمل فضرب به أنف سعد ففزره فأتى سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا حتى ثملوا وعبث بعضهم ببعض فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول فعل بي هذا فلان أخي وكانوا أخوة ليس في قلوبهم ضغائن فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} وأما تفسير الآية فقوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر يعني إنما يزين لكم الشيطان شرب الخمر والقمار بالقداح وهو الميسر ويحسن ذلك لكم إرادة أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء بسبب شرب الخمر لأنها تزيل عقل شاربها فيتكلم بالفحش وربما أفضى ذلك إلى المقاتلة وذلك سبب إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيها. وأما الميسر، فقال قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقمر فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره فيورثه ذلك العداوة والبغضاء فنهى الله عن ذلك وتقدم ما فيه والله أعلم بما يصلح خلقه فظهر بذلك أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس وهذا فيما يتعلق بأمر الدنيا وفيهما مفاسد تتعلق بأمر الدين وهي قوله تعالى: {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} لأن شرب الخمر يشغل عن ذكر الله وعن فعل الصلاة وكذلك القمار يشغل صاحبه عن ذكر الله وعن الصلاة. فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى ثم أفرد الخمر والميسر في هذه الآية؟ قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين بدليل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا والمقصود نهيهم عن شرب الخمر واللعب بالقمار وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر لتأكيد تحريم الخمر والميسر فلما كان المقصود من الآية النهي عن شرب الخمر والميسر لا جرم أفردهما بالذكر في آخر الآية والله أعلم. قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} لفظة استفهام ومعناه الأمر أي انتهوا وهذا من أبلغ ما ينهى به لأنه تعالى ذم الخمر والميسر واظهر قبحهما للمخاطب كأنه قيل قد تدلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور أم أنتم على ما كنتم عليه كأنكم لم توعَظوا ولم تنزجروا؟ وفي هذه الآية دليل على تحريم شرب الخمر لأن الله تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأصنام وعدَّد أنواع الفساد الحاصلة بهما ووعد بالفلاح عند اجتنابهما وقال فهل أنتم منتهون ومعناه الأمر وقد صح من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : كل شراب أسكر فهو حرام"تفسير : أخرجاه في الصحيحين وزاد الترمذي وأبو داود: ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام. الفرق بالتحريك إناء يسع ستة عشر رطلاً، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لن يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لن يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له أربعين صباحاً فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه الله من نهر الخبال"تفسير : قالوا يا أبا عبد الرحمن وما نهر الخبال؟ قال: صديد أهل النار أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن وأخرجه النسائي وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه"تفسير : أخرجه أبو داود.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ...} الآية: قال * ع *: وفي معنى الأزلام: الزَّجْرُ بالطيرِ، وأخْذُ الفألِ في الكتب ونحوه ممَّا يصنعه الناسُ، وأخبر سبحانه أنَّ هذه الأشياء رجْسٌ، قال ابن عباس في هذه الآية: رِجْسٌ: سَخَطَ، وقال ابن زَيْدٍ: الرجْسُ الشرُّ. قال * ع *: الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غَيْر، والرِّجْسُ يقال للأمرين. وقوله سبحانه: {فَٱجْتَنِبُوهُ}: أمر بٱجتنابه، فحرمت الخمر؛ بظاهر القرآن، ونصِّ الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمْرُ الخمر إنما كان بتدريجٍ ونوازلَ كثيرةٍ؛ كقصَّة حمزة، حين جَبَّ الأسْنِمَة، وقولِهِ: وهل أنتم إلا عبيدُ أبِي، ثم أعلم سبحانه عباده أنَّ الشيطان إنَّمَا يريد أنْ تقع العداوةُ بسَبَبِ الخَمْر، وما يعتري عليها بَيْنَ المؤمنينِ، وبسبب المَيْسر؛ إذ كانوا يتقَامَرُونَ عَلَى الأموال؛ حتى رُبَّما بَقِيَ المقمور فقيراً، فَتَحْدُثُ من ذلك ضغائِنُ وعداواتٌ، فإن لم يصلِ الأمر إلى حَدِّ العداوة، كانَتْ بغضاء، ولا تحسُنُ عاقبة قومٍ متباغضين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَاناً»تفسير : ، وبٱجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين، ويجاهَدُ العدوُّ، والبغضاءُ تنقضُ عُرَى الدِّين، وتهدم عمادَ الحمايةِ، وكذلك أيضاً يريدُ الشيطانُ أنْ يصدَّ المؤمنين عَنْ ذكْر اللَّه، وعنِ الصلاة، ويشغلهم عنها بٱتِّبَاعِ الشهواتِ، والخمرُ والميسرُ والقمَارُ كلُّه مِنْ أعظم الآفات في ذلك، وفي قوله سبحانه: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}: وعيدٌ زائدٌ علَىٰ معنى: «انتهوا».
ابن عادل
تفسير : هذا هو النَّوْعُ الثَّالثُ من الأحْكَامِ المذكُورَةِ هُنَا، ووجهُ اتِّصاله بما قبله، أنَّه - تعالى - قال: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 87]، إلى قوله تعالى: {أية : وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً} تفسير : [المائدة: 88]، ثم كان من جُمْلَةِ الأمُورِ المستَطَابَة للجُمْهُورِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ، فبيَّن الله - تعالى - أنَّهُمَا غير دَاخِلَيْن في المُحَلَّلات، بل في المُحرَّمَات، وقد تقدَّم بَيَانُ الخَمْرِ والمَيْسِر في سُورة البَقرَة [البقرة 219]، وبيان الأنْصَاب والأزلام في أوَّل هذه السُّورة [المائدة 3]. وفي اشتِقَاقَ الخَمْرِ وجهان: أحدهما: سُمِّيَ خَمْراً لِمُخَامَرَته العقل، أي: خَالَطَتْهُ فَسَتَرَتْهُ. الثاني: قال ابنُ الأعْرَابِي: تُرِكَتْ فاخْتَمَرَتْ، أي: تَغَيَّر رِيحُهَا. فصل قال القُرْطُبِي: تحريمُ الخَمْرِ كان بالتَّدْرِيج ونَوازِلَ كَثِيرة، لأنَّهُمْ كانوا مُولَعِينَ بشُرْبِهَا، وأوَّلُ ما نزلَ في أمْرِهَا: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة: 219]، أي: في تِجَارَتِهِم، فلما نَزلَتْ هذه الآيةُ تركَهَا بَعْضُ النَّاس، وقالُوا: لا حَاجَةَ لنا فِيمَا فِيهِ إثْمٌ كَبِيرٌ. وقال بعضهم: نأخُذُ مَنْفعَتَهَا ونَتْرُكُ إثْمَهَا، فنزلتْ {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ}تفسير : [النساء:43] فتركَهَا بَعْضُهُمْ، وقالوا لا حَاجَةَ لنا فِيمَا يَشْغَلُنَا عَنِ الصلاة، وشَرِبَهَا بَعْضُهُمْ في غَيْرِ أوقاتِ الصَّلاة، حتى نَزَلَتْ هذه الآيَةُ، فصارتْ حَرَاماً عَلَيْهم، وذلك في ستة ثلاث من الهِجْرَة بعد وَقْعَةِ أُحُد. قوله تعالى: "رجسٌ": خبرٌ عن هذه الأشياء المتقدِّمة، فيقال: كيف أخبر عن جَمْع بمفردٍ؟ فأجاب الزمخشريُّ بأنه على حَذْف مضافٍ، أي: إنما شأنُ الخَمْرِ، وكذا وكذا، ذكر ذلك عند تعرُّضِه للضَّميرِ في "فاجْتَنِبُوهُ" كما سيأتي، وكذا قدَّره أبو البقاء، فقال: "لأنَّ التقدير: إنما عَمَلُ هذه الأشياء". قال أبو حيان بعد حكايته كلامَ الزمخشريِّ: ولا حاجة إلى هذا، بل الحكم على هذه الأربعة نفسها أنَّها رِجْسٌ أبلغُ من تقدير هذا المضاف؛ كقوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28]، وهو كلامٌ حسن، وأجاب أبو البقاء أيضاً بأنه يجوزُ أن يكونَ "رِجْسٌ" خبراً عن "الخَمْر"، وحُذِفَ خبرُ المعطوفاتِ؛ لدلالةِ خبر الأولِ عليها، قال شهاب الدين: وعلى هذا: فيجوزُ أن يكونَ خبراً عن الآخر، وحُذِفَ خبرُ ما قبله؛ لدلالةِ خبر ما بعده عليه؛ لأنَّ لنا في نحو قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62] هذين التقديرين، وقد تقدَّم تحقيقُهما مراراً. والرجسُ قال الراغب: "هو الشيْءُ القَذِرُ، رجلٌ رِجْسٌ، ورِجَالٌ أرْجَاسٌ"، ثم قال: "وقيل: رِجْسٌ ورِجْزٌ للصَّوْت الشديد، يقال: بَعِيرٌ رَجَّاسٌ: شديدُ الهدير، وغمامٌ راجِسٌ ورجَّاسٌ: شديدُ الرعْد"، وقال الزجَّاج: هو اسمٌ لكلِّ ما استُقْذِرَ من عمل قبيحٍ، يقال: رَجِسَ ورَجَسَ بكسر الجيم وفتحها يَرْجُسُ رِجْساً إذا عمل عملاً قبيحاً، وأصله من الرَّجْسِ بفتح الراء، وهو شدة صوت الرعد؛ قال: [الرجز] شعر : 2051- وَكُلُّ رَجَّاسٍ يَسُوقُ الرَّجْسَا تفسير : وفرَّق ابن دُرَيْدٍ بين الرِّجْسِ والرِّجْزِ والرِّكْسِ، فجعل الرِّجْسَ: الشرَّ، والرِّجْزَ: العذابَ، والرِّكْسَ: العَذِرةَ والنَّتْنَ، ثم قال: "والرِّجْسُ يقال للاثْنَيْنِ"، فتحصَّلَ من هذا؛ أنه اسمٌ للشيءِ القَذِرِ المنتنِ، أو أنه في الأصل مصدرٌ. وقوله تعالى: {مِن عَمَلِ الشَّيْطَان} في محلِّ رفعٍ؛ لأنه صفةٌ لـ "رِجْس". وهذا أيْضاً مُكَمِّلٌ لكونِهِ رجْساً؛ لأنَّ الشَّيطان نَجْسٌ خَبِيثٌ؛ لأنه كَافِرٌ، والكَافِرُ نَجسٌ لقوله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} تفسير : [التوبة: 28] والخبيث لا يَدْعُو إلاَّ إلى الخَبِيثِ لقوله تعالى: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} تفسير : [النور: 26] والهاء في "فَاجْتَنِبُوهَ" تعودُ على الرِّجْس، أي: فاجتنبُوا الرِّجْسَ الذي أخْبَرَ به مما تقدَّم من الخَمْر وما بعدها، وقال أبو البقاء: "إنها تعود على الفِعْلِ"، يعني الذي قدَّره مضافاً إلى الخَمْر وما بعدها، وإلى ذلك نحا الزمخشريُّ أيضاً، قال: "فإنْ قلتَ: إلامَ يَرْجِعُ الضميرُ في قوله: فاجتنبُوهُ؟ قلت: إلى المضافِ المحذوفِ، أو تعاطيهمَا، أو ما أشبه ذلك، ولذلك قال: رِجْسٌ من عَمَلِ الشَّيْطَانِ"، وقد تقدَّم أن الأحْسَنَ: أن هذه الأشياء جُعِلَتْ نفسَ الرِّجْسِ مبالغةً. قوله تعالى: "فِي الخَمْرِ": فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه متعلق بـ "يُوقِعَ"، أي: يُوقعَ بينكم هذين الشيئينِ في الخمر، أي: بسبب شرْبها، و"في" تفيد السببيةَ؛ كقوله عليه السَّلام: "حديث : إنَّ امرأةً دخلتِ النَّارَ في هِرَّةٍ ". تفسير : الثاني: أنها متعلِّقة بالبغضاء؛ لأنه مصدر معرف بـ "ألْ". الثالث: أنه متعلقٌ بـ "العداوة"، وقال أبو البقاء: "ويجوزُ أن تتعلَّق "في" بالعداوة، أو بـ "البَغْضَاء"، أي: [أنْ] تَتَعادَوْا وأنْ تَتَبَاغَضُوا بسبَبِ شُرْبِ الخَمْرِ"؛ وعلى هذا الذي ذكره: تكونُ المسألةُ من باب التنازعِ، وهو الوجهُ الرابع، إلاَّ أنَّ في ذلك إشكالاً، وهو أنَّ من حقِّ المتنازعين؛ أن يصلُحَ كلٌّ منهما للعملِ، وهذا العاملُ الأولُ، وهو العداوة، لو سُلِّط على المتنازعِ فيه، لزم الفصلُ بين المصدر ومعموله بأجنبيٍّ وهو المعطوف، وقد يقال: إنه في بعضِ صُورِ التنازع يُلتَزَمُ إعمالُ الثاني، وذلك في فِعْلَي التعجُّبِ، إذا تنازعا معمولاً فيه، وقد تقدَّمَ مُشْبَعاً في البقرة. فصل في مفاسد الأشياء المذكورة في الآية اعلم أنَّه تعالى لمّا أمَرَ باجْتِنَابِ هذه الأشياءِ، ذكر فِيهَا نوعَيْنِ من المَفْسَدَة: الأول: ما يتعلَّقُ بالدُّنْيَا وهُوَ قولُهُ تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}. والثاني: المَفْسَدَةُ المُتعلِّقَةُ بالدِّين، وهو قولُهُ تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ}. فأمَّا شَرْحُ هذه العداوة [والبغضاء أولاً في الخَمْر ثمَّ في المَيْسِر]: وأمَّا الخَمْرُ، فاعْلَم: أنَّ الظَّاهر فيمَنْ يَشْرَبُ الخَمْرَ، أنَّه يَشْرَبُهَا مع جَمَاعةٍ، ويكونُ غَرَضُهُ الاسْتِئْنَاس برُفَقَائِهِ، ويفرحُ بِمُحَادثَتِهمْ، ويكون بذلك الاجْتِمَاع تأكيدُ المَحَبَّةِ والألْفَةِ، إلاَّ أنَّ ذلِكَ في الأغْلَبِ ينقلبُ إلى الضِّدِّ؛ لأنَّ الخَمْرَ يُزيلُ العَقْلَ، وإذا أزَالَ العَقْلَ اسْتَوْلَتِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ من غير مُدَافَعَةِ العقل، وعند اسْتِلائِهما تَحْصُلُ المُنازَعَةُ بين أولَئِكَ الأحْبَاب، وتِلْكَ المُنَازَعَةُ رُبَّما أدَّتْ إلى الضَّرْبِ والقَتْلِ، والمُشافَهَةِ بالفُحْشِ، وذلك يُورِثُ أشَدَّ العداوةِ والبَغْضَاء، كما فعل الأنْصَارِيُّ الذي شَجَّ رأسَ سَعْد بن أبي وقّاص بلحي الجَمَل. ورُوِيَ أن قَبيلَتَيْنِ من الأنْصَارِ شَرِبُوا الخَمْرَ، وانْتَشَوْا فَعَبَث بعضُهم على بَعْض، فلما [صَحَوْا رأى بعضُهُم في وجْهِ] بعْضٍ آثَار ما فَعلُوا، وكانوا إخْوَةً ليْسَ في قُلُوبِهِمْ ضَغَائِن، فجعل بَعْضُهُم يقُولُ: لو كان أخي بي رَحيماً ما فعل بِي هذا، فحدثَتْ بَيْنَهُم الضَّغَائِنُ، فالشَّيطان يُسَوِّلُ أنَّ الاجتماعَ على الشُّرْبِ يوجِبُ تَأكِيدَ الألْفَةِ والمَحَبَّةِ بين الأخوة، فينْقَلِبُ الأمْرُ، وتحصُلُ العداوَةُ والبَغْضَاءُ. وأمَّا المَيْسِرُ، ففيه بإزَاءِ التَّوْسِعَةِ على المُحْتَاجِينَ من الإجْحَافِ بأرْبَابِ الأمْوالِ؛ لأنَّ من صارَ مَغْلُوباً في القُمَارِ مَرَّةً، دَعَاهُ ذلك إلى اللِّجَاحِ فيه، يَرْجُو بذلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ غَالِباً، وقد يتَّفِقُ أنَّه لا يَحْصُلُ لَهُ ذلك، إلى أن لا يَبْقَى لَهُ شيءٌ من المَالِ، وإلى أن يُقَامِرَ على لحْيَتِهِ وأهْلِهِ وَوَلَدِهِ. قال قتادةُ: كان الرَّجُلُ يُقامِرُ على الأهْلِ والمالِ، ثم يَبْقَى مَسْلُوبَ الأهْل والمالِ، ولا شكَّ أنَّه يَبْقَى بعد ذلك فَقِيراً مِسْكِيناً، ويصيرُ من أعْدَى الأعْدَاءِ لأولئكَ الذين غلبُوه، فَظَهَر أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِر سبَبَانِ عَظِيمَان في إثَارَةِ العَدَاءِ والبغْضَاءِ بين النَّاسِ، والعداوةُ والبَغضَاءُ تُفْضِي إلى أحْوالٍ مَذْمُومَةٍ من الهرَج والمَرجِ والفِتَنِ، وذلك مُضَادٌّ لمصالِحِ العِبَادِ. فلو قِيلَ: لما جمع الخَمْرَ والمَيْسر مع الأنْصَاب والأزلامِ، ثم أفرَدَهُمَا في آخر الآية. قلنا: لأنَّ لهذه الآيَةِ خِطَابٌ مع المُؤمنين، لقوله تعالى: {يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} والمقصُودُ نَهْيُهُم عن الخَمْرِ والميْسِر، وإنَّما ضمَّ الأنْصَابَ والأزْلاَم إلى الخَمْرِ والميْسِرِ، إظهاراً أنَّ هذه الأرْبَعَة مُتَقَارِبةٌ في القُبْح والمفْسَدَة، فلما كان المَقْصُودُ من الآيَةِ النَّهْي عن الخَمْرِ والميْسِر، لا جَرَم أفَردهُمَا في آخِرِ الآيَةِ بالذِّكْرِ. قال شهاب الدين: ويظهرُ شيءٌ آخرُ، وهو أنه لم يُفْردِ الخَمْرَ والميْسِرَ بالذِّكْر [آخراً]، بل ذَكَرَ مَعهُمَا شيئاً يَلْزَمُ منه عدمُ الأنصاب والأزلام [فكأنه] تكملة ذكر الجميع، بيانه أنه قال: "في الخَمْرِ والميسِرِ ويَصُدُّكُمْ عنْ ذِكْرِ الله" بعبادة الأنْصَاب أو بالذبحِ عليها للأصنام على ما علم تفسيره أوَّلَ السُّورة، و"عن الصلاةِ" باشتغالِكم بالأزْلام، وقد تقدَّم فَذِكْرُ الله والصَّلاة مُنَبِّهَانِ على الأنْصَاب والأزلام. وأمَّا النَّوع الثَّانِي من المفاسِد الموجُودة في الخَمْرِ والميْسِر: المفَاسِدُ المتعلِّقةُ بالدِّينِ، وهو قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ}، أمَّا كَوْنُ شُرْبِ الخَمْرِ يَمْنَعُ عن ذِكْرِ اللَّه وعن الصَّلاة، فظاهرٌ؛ لأنَّ شُرْبَ الخَمْرِ يُورِثُ الطَّربَ واللَّذَّة الجُسْمَانيَّة، والنَّفسُ إذا اسْتَغْرَقَت في اللَّذَّات الجُسْمانِيَّة، غَفلَتْ عن ذِكْرِ اللَّه وعن الصَّلاة، وأمَّا كونُ الميْسِر مانِعاً عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، إنْ كانَ غَالِباً صارَ استغراقُهُ في لذَّةِ الغلبَةِ من أنْ يَخْطُر بِبَالِه شيءٌ سِوَاه، وإن صَارَ مَغْلُوباً صار شِدَّة اهتمامِه بأنْ يحْتَال بحِيلَةٍ، حتَّى يَصِيرَ غَالِباً مَانِعاً من أنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ شَيءٌ سواه، ولا شكَّ أنْ هذه الحالةَ مما يَصُدُّ عَنْ ذِكرِ اللَّهِ وعن الصَّلاة، ولمَّا بيَّن تعالى اشْتِمَال شُرْبِ الخَمْرِ، واللَّعِب بالميْسِر على هذه المفاسِدِ العَظِيمَةِ في الدِّينِ، قال تعالى {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}. فصل قال القُرْطُبِي: فَهِمَ الجُمْهُورِ من تَحْرِيم الخَمْرِ، وإطلاقِ الرِّجْس عليها، والأمْر باجْتِنَابِهَا، الحكْم بِنَجَاسَتِهَا، وخَالَفَهُمْ في ذلك رَبيعَةُ، واللَّيْثُ بنُ سَعْد، والمُزَنِيُّ، وبَعْضُ المُتَأخِّرِين من البَغْدَادِيِّين والقَرَويِّين، وقالُوا: إنَّها طَاهِرَةٌ وأنَّ المُحرَّمَ إنما هو شُربُهَا؛ لأنَّ المَيْسِر والأنْصَاب والأزْلامَ ليسوا بِنَجسٍ، فكذلِكَ الخَمْرُ، ولجواز سَكْبِهَا [في] طُرُقِ المدينَةِ، مع نَهْيِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - عن التَّخَلِّي في الطريق. قوله تعالى: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} هذا الاستفهامُ فيه معنى الأمر، أي: انْتَهُوا. رُوِيَ أنَّه لمَّا نزلَ قوْلُ اللَّهِ تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ} تفسير : [النساء: 43] قال عُمَر بنُ الخطَّابِ - رضي الله تعالى عنه -: "اللَّهُمَ بيِّن لَنَا في الخَمْرِ بَيَاناً شافياً" فلما نَزَلَتْ هذه الآيَةُ قال عُمَرُ - رضي الله عنه -: "انْتَهَيْنَا يا رَبِّ، انْتَهَيْنَا يَا ربِّ" ويدلُّ على أن المراد منه الأمر أيضاً: عطفُ الأمر الصَّريحِ عليه في قوله "وأطيعُوا"، كأنه قيل: انتهوا عن شُرْبِ الخَمْرِ، وعن كذا، وأطِيعُوا، فمجيءُ هذه الجملةِ الاستفهاميةِ المصدَّرة باسْم مُخْبَرٍ عنه باسمِ فاعلٍ دالٍّ على ثبوتِ النهي واستقراره - أبلغُ من صريح الأمر. قال ابنُ الخطيب: وإنما حَسُنَ هذا المجازُ؛ لأنَّ الله تعالى ذمَّ هذه الأفعالَ، وأظْهَرَ قُبْحَهَا للمُخَاطَبِ، فلما استفهم بَعْدَ ذَلِكَ عن تَرْكِهَا، لم يَقْدِر المُخَاطبُ إلاَّ على الإقْرَارِ بالتَّرْكِ، وكأنَّه قِيلَ لَهُ: أتَفْعَلُه وقَدْ ظَهَر من قُبحهِ ما ظَهَر؛ فصار {فَهَلْ أَنْتُم مُنتَهُونَ}؛ جَارِياً مُجْرَى تنصِيصِ اللَّهِ تعالى على وُجُوبِ الانْتِهَاءِ، مَقْرُوناً بإقْرَارِ المُكَلَّفِ بوجوبِ الانْتِهَاءِ. واعلم: أنَّ هذه الآيةُ دالَّةٌ على وُجوبِ تحريم شُرْبِ الخَمْرِ من وُجُوهٍ: أحدها: تَصْدِيرُ الجُمْلَة بـ "إنَّما" وهي لِلْحَصْرِ، فَكَأنَّهُ قال: لا رِجْسَ ولا شَيءَ من أعْمَالِ الشَّيْطَانِ إلاَّ هذِهِ الأربَعَةُ. وثانيها: أنَّهُ تعالى قَرَنَ الخَمْرَ والميْسِر بِعبَادةِ الأوْثَان، ومنه قولُهُ - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : شَارِبُ خَمْرٍ كَعَابدٍ وثَنٍ ". تفسير : وثالثها: قال "لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون"، جعلَ الاجْتِنَاب من الفلاحِ، وإذا كان الاجْتِناب فَلاَحاً، كان الارْتِكَابُ خَيْبَةً. ورابعها: ما تقدَّم من اشْتِمَال الاسْتِفْهَامِ على المَنْفِي.
البقاعي
تفسير : ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب، احتيج إلى بيانه، فبين تعالى المحرم منه. فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به، وذلك محاذٍ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها، فقال تعالى مذكراً لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا به. ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى: {إنما الخمر} وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر ديناً ودنيا وفي كونه سبباً للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيداً لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال: {والميسر} أي الذي تقدم ذكره في البقرة {والأنصاب والأزلام} المتقدم أيضاً ذكرُهما أول السورة، والزلم: القدح لا ريش له - قاله البخاري؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركاً جلياً إن عبدت، وخفياً إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعاً من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال: {رجس} أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عيناً أو معنى، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى، ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت، لأنها أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك, ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله: {من عمل الشيطان} أي المحترق البعيد، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال: {فاجتنبوه} أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه. وأفرد لما تقدم من الحِكَم، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال: {لعلكم تفلحون *} أي تظفرون بجميع مطالبكم، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء" وفي رواية: "نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب" وفي رواية عنه: "سمعت عمر على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب - وفي رواية: من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل" وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلاناً وفلاناً إذ جاء رجل فقال: حرمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس! فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل" وفي رواية عنه: "حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلاً، وعامة خمرنا البسر والتمر" قال الأصبهاني: وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة، وهي أنها فسق، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاماً بأنهما المقصودان بالذات، وإن كان الآخرينَ ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم، لأن المخاطب أهل الإيمان، وقد كانوا مجتنبين لذينك، فقال مؤكداً لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك: {إنما يريد الشيطان} أي بتزيين الشرب والقمار لكم {أن يوقع بينكم العداوة}. ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو تعذر زواله، فقال: {والبغضاء في الخمر والميسر} أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله. ولما ذكر ضررهما في الدنيا، ذكر ضررهما في الدين فقال: {ويصدكم عن ذكر الله} أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له، وكرر الجار تأكيداً للأمر وتغليظاً في التحذير فقال: {وعن الصلاة} أما في الخمر فواضح، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة، والخائب مغمور بهمه، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحِكَم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل فقال: {فهل أنتم منتهون *} أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون. ولما كان ذلك مألوفاً لهم محبوباً عندهم، وكان ترك المألوف أمرّ من ضرب السيوف، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذراً من المخالفة بقوله عاطفاً على ما تقديره: فانتهوا: {وأطيعوا الله} أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك، وأكد الأمر بإعادة العامل فقال: {وأطيعوا الرسول} أي الكامل في الرسلية في ذلك، وزاد في التخويف بقوله: {واحذروا} أي من المخالفة، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله: {فإن توليتم} أي بالإقبال على شيء من ذلك، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه بالأمر بالعلم فقال: {فاعلموا} أنكم لم تضروا إلا أنفسكم، لأن الحجة قد قامت عليكم، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم {أنما على رسولنا} أي البالغ في العظمة مقداراً يجل عن الوصف بإضافته إلينا {البلاغ المبين *} أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قِبَلنا، وهذا ناظر إلى قوله: {أية : بلغ ما أنزل إليك من ربك} تفسير : [المائدة: 67] فكأنه قيل: ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من البلاغ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر، و الله لا يهدي من كان مختاراً لنفسه الكفر.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد عن أبي هريرة قال "حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؟ فأنزل الله {أية : يسألونك عن الخمر والميسر} تفسير : [البقرة: 219] الآية. فقال الناس ما حرم علينا، إنما قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمّ أصحابه في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} تفسير : [النساء: 43] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغتبق، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان؟ فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} إلى آخر الآية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: حديث : نزل في الخمر ثلاث آيات، فأوّل شيء نزل {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219] الآية. فقيل حرمت الخمر فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...} الآية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص قال: "فيَّ نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعانا فأتاه ناس، فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر. وذلك قبل أن تحرم الخمر. فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار خير وقالت قريش: قريش خير. فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره، فكان سعد مفزور الأنف، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى آخر الآية". وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه. أن أول ما حرمت الخمر أن سعد بن أبي وقاص وأصحاباً له شربوا فاقتتلوا فكسروا أنف سعد، فأنزل الله {إنما الخمر والميسر...} الآية. وأخرج الطبراني حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال "نزلت فيَّ ثلاث آيات من كتاب الله نزل تحريم الخمر، نادمت رجلاً فعارضته وعارضني، فعربدت عليه فشججته، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} ونزلت فيَّ {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً} [العنكبوت: 8] حملته أمه كرهاً إلى آخر الآية ونزلت {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى {أأشفقتم أن تقدموا...} [المجادلة: 13] الآية". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد، فأنزل الله هذه الآية {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. وأخرج ابن جرير عن بريدة قال "بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر جلاء، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {منتهون} فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم، قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا". وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يا أهل المدينة إن الله يعرض عن الخمر تعريضاً لا أدري لعله سينزل فيها أمر، ثم قام فقال: يا أهل المدينة إن الله قد أنزل إليَّ تحريم الخمر، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن سابط قال: زعموا أن عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شيئاً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد، فنزلت هذه الآية في سورة المائدة في الخمر، فمر عليَّ رجل فقال: حرمت الخمر، وتلا هذه الآية فقال: تباً لها قد كان بصري فيها ثابتاً. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال "لما نزلت في البقرة {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} تفسير : [البقرة: 219] شربها قوم لقوله منافع للناس وتركها قوم لقوله إثم كبير منهم عثمان بن مظعون، حتى نزلت الآية التي في النساء {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] فتركها قوم وشربها قوم، يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل، حتى نزلت الآية التي في المائدة {إنما الخمر والميسر...} الآية. قال عمر: أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام بعداً لك وسحقاً، فتركها الناس ووقع في صدور أناس من الناس منها، فجعل قوم يمر بالراوية من الخمر فتخرق فيمر بها أصحابها فيقولون: قد كنا نكرمك عن هذا المصرع، وقالوا: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر، حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول: إن في نفسي شيئاً. فيقول له صاحبه: لعلك تذكر الخمر. فيقول: نعم. فيقول: إن في نفسي مثل ما في نفسك، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه فقالوا: كيف نتكلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد، وخافوا أن ينزل فيهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعدوا له حجة، فقالوا: أرأيت حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش أليسوا في الجنة؟ قال: بلى. قالوا: أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر؟ فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه. فقال: قد سمع الله ما قلتم، فإن شاء أجابكم، فأنزل الله {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} قالوا: انتهينا، ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...} الآية". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {يسألونك عن الخمر والميسر} قال: الميسر. هو القمار كله {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس} قال: فذمهما ولم يحرمهما وهي لهم حلال يومئذ، ثم أنزل هذه الآية في شأن الخمر وهي أشد منها فقال {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] فكان السكر منها حراماً، ثم أنزل الآية التي في المائدة {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام...} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر. وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: أول ما نزل تحريم الخمر {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير...} تفسير : [البقرة: 219] الآية. فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها التي فيها، وقال آخرون لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] الآية. فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...} الآية. فانتهوا فنهاهم فانتهوا. وأخرج عبد بن حميد حديث : عن قتادة في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] قال: كان القوم يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا عنها قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال حين أنزلت هذه الآية: قد تقرَّب الله في تحريم الخمر، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وعلم أنها تسفِّه الأحلام، وتجهد الأموال، وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فهل أنتم منتهون} قال: فانتهى القوم عن الخمر وأمسكوا عنها قال: وذكر لنا أن هذه الآية لما أنزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيها الناس إن الله قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها، فلبث المسلمون زماناً يجدون ريحها من طرق المدينة لكثرة ما أهرقوا منها ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس. أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حداً، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، حتى أتى برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به أن يجلد فقال: لم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله. قال: وفي أي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} فإنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات {ثم اتقوا وأحسنوا} شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحداً والخندق والمشاهد. فقال عمر: ألا تردون عليه؟ فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين وحجة على الباقين، عذراً للماضين لأنهم لقوا الله قبل أن حرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} حتى بلغ الآية الأخرى، فإن كان من {آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا ثم اتقوا وأحسنوا} فإن الله نهى أن يشرب الخمر. فقال عمر: فماذا ترون؟ فقال علي بن أبي طالب: نرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر عمر فجلد ثمانين. وأخرج ابن مردويه عن أنس عن أبي طلحة زوج أم أنس قال "لما نزلت تحريم الخمر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتفاً يهتف: ألا أن الخمر قد حرمت فلا تبيعوها فمن كان عنده منه شيء فليهرقه. قال أبو طلحة: يا غلام حل عُزّلى تلك المزاد، ففتحها فأهرقها وخمرنا يومئذ البسر والتمر، فأهرق الناس حتى امتنعت فجاج المدينة". وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: "كنا نأكل من طعام لنا ونشرب عليه من هذا الشراب، فأتانا فلان من نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشربون الخمر وقد أنزل فيها. قلنا ما تقولون؟ قال: نعم، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم الساعة ومن عنده أتيتكم، فقمنا فأكفينا ما كان في الإناء من شيء". وأخرج ابن مردويه عن أنس قال "حديث : كان عند أبي طلحة مال ليتيم، فاشترى به خمراً، فلما حرمت الخمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اجعله خلاً؟ فقال: لا، أهْرقْهُ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس. أن الآية التي حرم الله فيها الخمر نزلت وليس في المدينة شراب يشرب إلا من تمر. وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: لما نزل تحريم الخمر فدخلت على ناس من أصحابي وهي بين أيديهم فضربتها برجلي، وقلت: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كانوا يشربون الخمر بعد ما أنزلت التي في البقرة، وبعد التي في سورة النساء، فلما نزلت التي التي في سورة المائدة تركوه. وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يا أيها الناس إن الله أعرض بالخمر، فمن كان عنده منها شيء فليبع ولينتفع به، فلم نلبث إلا يسيراً ثم قال: إن الله قد حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يبع ولا يشرب. قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب. وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر بن عبد الله متى حرمت الخمر؟ قال: بعد أحد صبحنا الخمر يوم أحد حين خرجنا إلى القتال. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب. وأخرج ابن مردويه عن جابر قال "حديث : كان رجل عنده مال أيتام، فكان يشتري لهم ويبيع، فاشترى خمراً فجعله في خوابي، وإن الله أنزل تحريم الخمر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه ليس لهم مال غيره فقال: أهرقه. فأهرقه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، وما خمرهم يومئذ إلا الفضيخ. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وما بالمدينة خمر إلا الفضيخ. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} هي في التوراة، إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والمزامير والكبارات. يعني البرابط، والزمارات، يعني الدف، والطنابير والشعر والخمر مرة لمن طعمها، وأقسم ربي بيمينه وعزة حيله لا يشربها عبد بعدما حرمتها عليه إلا عطشته يوم القيامة، ولا يدعها بعد ما حرمتها إلا سقيته إياها من حظيرة القدس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : حرم الله الخمر، وكل مسكر حرام ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر، وما بالمدينة زبيبة واحدة. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن الجارود وابن مردويه حديث : عن أبي سعيد قال "كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت الآية التي في المائدة سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: ليتيم؟ فقال: اهريقوها". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: حرمت الخمر وهي تخمر في الجراري. وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: نزل تحريم الخمر وما في أسقيتنا إلا الزبيب والتمر، فأكفأناهما. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : من التمر خمر، ومن العسل خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العنب خمر، ومن الحنطة خمر، وأنهاكم عن كل مسكر ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت {أية : يسألونك عن الخمر والميسر...} تفسير : [البقرة: 219] الآية. كرهها قوم لقوله {فيهما إثم كبير} وشربها قوم لقوله {ومنافع للناس} حتى نزلت {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] فكانوا يَدَعونها في حين الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة. حتى نزلت {إنما الخمر والميسر...} الآية، فقال عمر: ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات {يسألونك عن الخمر والميسر...} الآية. فتركوها، ثم نزلت {تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} [النحل: 67] فشربوها، ثم نزلت الآيتان في المائدة {إنما الخمر والميسر...} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} . وأخرج ابن جرير عن السدي قال: نزلت هذه الآية {يسألونك عن الخمر والميسر....} الآية. فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا ساقيهم وعلي بن أبي طالب يقرأ {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] فلم يفهمها، فأنزل الله يشدد في الخمر {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} فكانت حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا، فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً، فدعا ساقيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعد بشيء، فغضب الأنصاري، فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها {إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون}. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن ربكم يقدم في تحريم الخمر، ثم نزلت آية النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يقرب في تحريم الخمر، ثم نزلت آية المائدة، فحرمت الخمر عند ذلك ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال "نزلت أربع آيات في تحريم الخمر أولهن التي في البقرة، ثم نزلت الثانية {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً} تفسير : [النحل: 67]، ثم أنزلت التي في النساء، بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعض الصلوات إذ غنى سكران خلفه، فأنزل الله {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...} تفسير : [النساء: 43] الآية. فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة، ثم نزلت الرابعة التي في المائدة، فقال عمر ين الخطاب، انتهينا يا ربنا". وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال "لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوه عن ذلك؟ فأنزل الله {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} تفسير : [البقرة: 219] فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخصة، نأكل الميسر ونشرب الخمر ونستغفر من ذلك، حتى أتى رجل صلاة المغرب فجعل يقرأ {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} [الكافرون: الآيات الثلاث] فجعل لا يجوّد ذلك ولا يدري ما يقرأ، فأنزل الله {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون، فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} فقال: انتهينا يا رب". وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يموت مدمن خمر إلا لقي الله كعابد وثن، ثم قرأ {إنما الخمر والميسر...} الآية ". تفسير : وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبدالله بن عمرو. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله حرم الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء، وكل مسكر حرام ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله حرم عليكم الخمر، والميسر، والكوبة، وكل مسكر حرام ". تفسير : وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن عبد الله. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح "حديث : إن الله حرَّم بيع الخمر، الأنصاب، والميتة، والخنزير، فقال بعض الناس: كيف ترى، في شحوم الميتة يدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هي حرام، ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم، جملوه فباعوه وأكلوا ثمنه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : قدم رجل من دوس على النبي صلى الله عليه وسلم براوية من خمر أهداها له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله حرمها بعدك؟ فأقبل الدوسي على رجل كان معه فأمره ببيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الذي حرَّم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها؟ وأمر بالمزاد فأهريقت حتى لم يبق فيها قطرة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن تميم الداري أنه "حديث : كان يهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت الخمر جاء براوية، فلما نظر إليها ضحك وقال: هل شعرت أنها قد حرمت؟ فقال: يا رسول الله أفلا نبيعها فننتفع بثمنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر والغنم، فأذابوه اهالة فباعوا منه ما يأكلون، والخمر حرام ثمنها حرام بيعها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة والطحاوي وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عمر. أنه قام على المنبر فقال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة. من العنب، والتمر، والبر، والشعير، والعسل، والخمر، ما خامر العقل. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء. من التمر، والزبيب، والعسل، والبر، والشعير، فما خمرته منها ثم عتقته فهو خمر. وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كل مسكر خمر، وكل خمر حرام ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الزبيب والتمر هو الخمر، يعني إذا انتبذا جميعاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححهحديث : عن مريم بنت طارق قالت: "كنت في نسوة من المهاجرات، حججنا فدخلنا على عائشة، فجعل نساء يسألنها عن الظروف؟ فقالت: إنكم لتذكرون ظروفاً ما كان كثير منها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتقين الله واجتنبن ما يسكركن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل مسكر حرام، وإن أسكرها ماء حبها فلتجتنبه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن أبي هريرة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن الحسن قال: الميسر. القمار. وأخرج البيهقي في سننه عن نافع. أن ابن عمر كان يقول: الميسر. القمار. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: الميسر كعاب فارس، وقداح العرب، وهو القمار كله. وأخرج البيهقي عن مجاهد قال: الميسر القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً فإنها من الميسر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها من الميسر ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إياكم وهاتين اللعبتين الموسومتين اللتين يزجران زجراً فإنهما ميسر العجم ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها ميسر العجم. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر. وأخرج عبد بن حميد عن علي قال: الشطرنج ميسر الأعاجم. وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد. أنه سئل عن النرد أهي من الميسر؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عن القاسم. أنه قيل له: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟ قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب من طريق ربيعة بن كلثوم عن أبيه قال: خطبنا ابن الزبير فقال: يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النرد شير، وإن الله يقول في كتابه {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون}، وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد لعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من لعب بالنرد شير فقد عصى الله ورسوله ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي عبد الرحمن الخطمي "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبدالله بن عمرو قال: اللاعب بالنرد قماراً كآكل لحم الخنزير، واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك الخنزير. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مجاهد قال: اللاعب بالنرد قماراً من الميسر، واللاعب بها سفاحاً كالصابغ يده في دم الخنزير، والجالس عندها كالجالس عند مسالخه، وإنه يؤمر بالوضوء منها، والكعبين والشطرنج سواء. وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير قال:حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد، فقال:قلوب لاهية، وأيد عاملة، وألسنة لاغية . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: النرد ميسر العجم. وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال: الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبيدالله بن عمير قال: سئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال: تلك المجوسية لا تلعبوا بها. وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن عمير قال: رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرة، إلا أصحاب الشاه يعني الشطرنج. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن قتادة قال: الميسر القمار، كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد سليباً حزيناً ينظر إلى ماله في يد غيره، وكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء فنهى الله عن ذلك، وتقدم فيه وأخبر إنما هو رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا: كل شئ فيه قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين. أنه رأى غلماناً يتقامرون في يوم عيد فقال: لا تقامروا فإن القمار من الميسر. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال: ما كان من لعب فيه قمار، أو قيام، أو صياح، أو شر، فهو من الميسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن شريح. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاث من الميسر: الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: شهدت عثمان وهو يخطب، وهو يأمر بذبح الحمام، وقتل الكلاب. وأخرج ابن أبي الدنيا عن خالد الحذاء عن رجل يقال له أيوب قال: كان ملاعب آل فرعون الحمام. وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في الميسر قال: كانوا يشترون الجزور فيجعلونها أجزاء، ثم يأخذون القداح فيلقونها، وينادي: يا ياسر الجزور يا ياسر الجزور، فمن خرج قدحه أخذ جزءاً بغير شيء، ومن لم يخرج قدحه غرم ولم يأخذ شيئاً. وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس. أنه كان يقال: اين ايسار الجزور؟ فيجتمع العشرة، فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيجيلون السهام فتصير بتسعة حتى تصير إلى واحد، ويغرم الآخرون فصيلاً فصيلاً إلى الفصال، فهو الميسر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، والأزلام قداح كانوا يقتسمون بها الأمور. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت لهم حصيات، إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {والأزلام} قال: هي كعاب فارس التي يقتمرون بها، وسهام العرب. وأخرج أبو الشيخ عن سلمة بن وهرام قال: سألت طاوساً عن الأزلام؟ فقال: كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربون بها قدح معلم يتطيرون منه، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القدح لم يخرج لحاجته، وإن خرج غيره خرج لحاجته، وكانت المرأة إذا أرادت حاجة لها لم تضرب بتلك القداح، فذلك قوله الشاعر: شعر : إذا جددت أنثى لأمر خمارها أتته ولم تضرب له بالمقاسم تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {رجس} قال: سخط. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير في قوله {رجس} قال: إثم {من عمل الشيطان} يعني من تزيين الشيطان {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} يعني حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} فهذا وعيد التحريم {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} يعني في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام {فإن توليتم} يعني أعرضتم عن طاعتهما {فاعلموا أنما على رسولنا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {البلاغ المبين} يعني أن يبين تحريم ذلك. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فنزلت {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح...} الآية. وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فنزلت {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح...} الآية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال "بينا أدير الكاس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دجانة، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعنا منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {فهل أنتم منتهون} فقال رجل: يا رسول الله فما منزلة من مات منا وهو يشربها؟ فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...} الآية". وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فنادى مناد، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. فقال لي: اذهب فأهرقها. قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ البسر والتمر، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...} الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد، ثم قتلوا شهداء. وأخرج الطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه حديث : عن ابن مسعود قال: "لما نزل تحريم الخمر قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح...} الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم". تفسير : وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن مردويه عن ابن مسعود قال: "لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بمن شربها من إخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم؟ فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا...} الآية". وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {ليس على الذين آمنوا...} الآية. يعني بذلك رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم، فلما حرمت قالوا: كيف تكون علينا حراماً وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟ فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا...} يقول ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذ كانوا محسنين متقين، والله يحب المحسنين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: نزلت {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} فيمن كان يشربها ممن قتل ببدر وأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: لما أنزل الله تحريم الخمرة في سورة المائدة بعد سورة الأحزاب، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصيب فلان يوم بدر، وفلان يوم أحد، وهم يشربونها فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة، فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين} يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرمت بعدهم فلا جناح عليهم في ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس في قوله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول لإخواننا الذين مضوا كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} من الحرام قبل أن يحرم عليهم {إذا ما اتقوا وأحسنوا} وأحسنوا بعدما حرم عليهم، وهو قوله {أية : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} تفسير : [البقرة: 275]. وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن مسعود قال: حديث : لما نزلت {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...} الآية. قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "قيل لي: أنت منهم" . تفسير : وأخرج الدينوري في المجالسة وابن مردويه وأبو نعيم عن ثابت بن عبيد قال: جاء رجل من آل حاطب إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين إني أرجع إلى المدينة، وإنهم سائلي عن عثمان، فماذا أقول لهم؟ قال: أخبرهم أن عثمان كان من {الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار "أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ فقالوا: نعم، لقول الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} حتى فرغوا من الآية. فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنظر بهم الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تنظر بهم النهار، حتى تبعث بهم إليَّ لا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم {إنما الخمر والميسر...} إلى آخر الآية. قالوا: اقرأ التي بعدها {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟ قال: أرى أنهم شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض. قال: فجلدهم ثمانين ثمانين. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله لعن الخمر، ولعن غارسها، ولعن شاربها، ولعن عاصرها، ولعن مؤويها، ولعن مديرها، ولعن ساقيها، ولعن حاملها، ولعن آكل ثمنها، ولعن بائعها ". تفسير : وأخرج وكيع والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب، لم يشربها في الآخرة وإن أُدخل الجنة ". تفسير : وأخرج مسلم والبيهقي عن جابر بن عبدالله. حديث : أن رجلاً قدم من اليمن، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أويسكر هو؟ قالوا: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، إن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمرو. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن شربها الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن شربها الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب لم يتب الله عليه وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو بن العاص. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من شرب الخمر شربة لم تقبل صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل توبته أربعين صباحاً، فلا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة؟ قال: فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: عصارة أهل النار ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها". وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها، ومسقيها ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عثمان. سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اجتنبوا أم الخبائث، فإنه كان رجل فيمن كان قبلكم يتعبد ويعتزل النساء، فعلقته امرأة غاوية فأرسلت إليه خادمها، فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل فطفقت كلما دخل عليها باب أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة جالسة عندها غلام، وباطية فيها خمر، فقالت: أنا لم أدعك لشهادة ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام، أو تقع عليَّ، أو تشرب كأساً من هذا الخمر، فإن أبيت صحت وفضحتك، فلما رأى أنه لا بد من ذلك قال: اسقني كأساً من هذا الخمر، فسقته كأساً من الخمر، ثم قال: زيديني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه - والله - لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في صدر رجل أبداً، ليوشكن أحدهما أن يخرج صاحبه "تفسير : . وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن عثمان موقوفا. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء قال "أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا تشرك بالله شيئاً، وإن قطِّعت أو حرِّقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً فمن تركها متعمداً برئت منه الذمة، وأن لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر". وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تبارك وتعالى بنى الفردوس بيده، وحظره على كل مشرك وكل مدمن الخمر سكير ". تفسير : وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يرفع لهم إلى السماء عمل: العبد الآبق من مواليه حتى يرجع فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو ". تفسير : وأخرج البيهقي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر". وأخرج البيهقي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر ". تفسير : وأخرج البخاري في التاريخ عن سهل بن أبي صالح عن محمد بن عبيدالله عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من لقي الله وهو مدمن خمر لقيه كعابد وثن ". تفسير : وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، وقال البخاري ولا يصح حديث أبي هريرة. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من شرب شراباً يذهب بعقله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبدالله بن عمرو قال: لأن أزني أحب إليَّ من أن أسكر، ولأن أسرق أحب إليَّ من أن أسكر، لأن السكران يأتي عليه ساعة لا يعرف فيها ربه. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدِّق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يخرج من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه حديث : عن ابن عمر: أن أبا بكر، وعمر، وناساً جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبدالله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر. فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك ووثبوا جميعاً حتى أتوه في داره، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب الخمر، أو يقتل نفساً، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتلوه. فاختار الخمر، وإنه لما شربه لم يمتنع من شيء أرادوه منه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية" . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مسلم الخولاني. أنه حج، فدخل على عائشة، فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها، فجعل يخبرها فقالت: كيف تصبرون على بردها؟ قال: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شراباً لهم يقال له الطلا. قالت: صدق الله وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول حديث : "إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها" . تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بعثني الله رحمة وهدى للعالمين، وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية، ثم قال: من شرب خمراً في الدنيا سقاه الله كما شرب منه من حميم جهنم، معذب بعد أو مغفور له ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، بعثني لأمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية والأوثان، وحلف ربي عز وجل بعزته لا يشرب الخمر أحد في الدنيا إلا سقاه الله مثلها من الحميم يوم القيامة مغفور له أو معذب، ولا يدعها أحد في الدنيا إلا سقيته إياها في حظيرة القدس حتى تقنع نفسه ". تفسير : وأخرج الحاكم حديث : عن ثوبان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا حلفت على معصية فدعها واقذف ضغائن الجاهلية تحت قدمك، وإياك وشرب الخمر فإن الله لم يقدس شاربها". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ. قيل: يا رسول الله، متى؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف. قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ذلك؟ قال: إذا ظهرت المعازف، وكثرت القينات، وشربت الخمر ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا حديث : عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف. قلت: يا رسول الله، وهم يقولون لا إله إلا الله؟ قال: إذا ظهرت القيان، وظهر الزنا، وشرب الخمر، ولبس الحرير، كان ذا عند ذا". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعقَّ أمه، وبرَّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذوا القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ثلاثاً: ريحاً حمراء، وخسفاً، ومسخاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمر، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير. قالوا: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟ قال: بلى، ويصومون ويصلون ويحجون. قال: فما بالهم؟ قال: اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ. قالوا: متى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا أظهروا المعازف، واستحلوا الخمور، ولبس الحرير ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن الغازي بن ربيعة رفع الحديث قال "حديث : ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيان ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على أهل حاضرتهم بجبل عظيم حتى ينبذه عليهم، ويمسخ آخرون قردة وخنازير ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف، يصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير ". تفسير : وأخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف. قالوا: ومتى ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا رأيتم النساء ركبن السروج، وكثرت المعازف، وفشت شهادات الزور، وشربت الخمر لا يستخفى به، وشربت المصلون في آنية أهل الشرك من الذهب والفضة، واستغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال، فإذا رأيتم ذلك فاستدفروا واستعدوا، واتقوا القذف من السماء ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا استعملت أمتي خمساً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، ولبس الحرير، واتخذوا القينات، وشربوا الخمر، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس، فيقولون: قد خسف الليلة ببني فلان، وخسف الليلة بدار فلان، وليرسلن عليهم حاصباً من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً على قبائل فيها، وعلى دور بشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعتهم الرحم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رؤوسهم المعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير ". تفسير : وأخرج البيهقي عن معاذ وأبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوّة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً وجبرية وفساداً في الأرض، يستحلون الحرير والخمور والفروج، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من حبس العنب أيام قطافه حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يعلم أنه يتخذ خمراً فقد تقدم في النار على بصيرة ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر: أنه كان يكره أن تسقى البهائم الخمر. وأخرج البيهقي عن عائشة: أنها كانت تنهى النساء أن يمتشطن بالخمر. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من شرب الخمر فاجلدوه. قالها ثلاثاً، فإن شربها الرابعة فاقتلوه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أبي موسى الأشعري "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن سأله قال: إن قومي يصنعون شراباً من الذرة يقال له المزر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيسكر؟ قال: نعم، قال: فانههم عنه. قال: نهيتهم ولم ينتهوا. قال: فمن لم ينتهِ في الثالثة منهم فاقتله ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر فاضربوه، ثم قال في الرابعة: من شرب الخمر فاقتلوه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا شربوا فاجلدوهم. قالها ثلاثاً، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم " تفسير : . قال معمر: فذكرت ذلك لابن المنكدر فقال: قد ترك القتل، قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن النعيمان فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده الرابعة أو أكثر. وأخرج عبد الرزاق عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاقتلوهم، ثم قال: إن الله قد وضع عنهم القتل، فإذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ذكرها أربع مرات ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من شرب الخمر فحدُّوه، فإن شرب الثانية فحدُّوه، فإن شرب الرابعة فاقتلوه "تفسير : ، قال: فأتى بابن النعيمان قد شرب فضرب بالنعال والأيدي، ثم أتى به الثانية فكذلك، ثم أتى به الرابعة فحدَّه ووضع القتل. وأخرج عبد الرزاق عن قبيصة بن ذؤيب "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب رجلاً في الخمر أربع مرات، ثم أن عمر بن خطاب ضرب أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرات". وأخرج الطبراني عن أبي الرمد البلوي "أن رجلاً منهم شرب الخمر، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه، ثم شرب الثانية فأتوا به فضربه، فما أدري قال في الثالثة أو الرابعة، فجعل على العجل فضربت عنقه". وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر "تفسير : ، قال ابن عباس: فذهبنا ننظر في كتاب الله، فإذا هم فيه في العاق {أية : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} تفسير : [محمد: 22] إلى آخر الآية. وفي المنان {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} تفسير : [البقرة: 264] وفي الخمر {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} إلى قوله {من عمل الشيطان}. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه حديث : عن الديلمي قال "وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا نصنع طعاماً وشراباً فنطعمه بني عمنا، فقال: هل يسكر؟ قلت: نعم. فقال: حرام. فلما كان عند توديعي إياه ذكرته له، فقلت: يا نبي الله، إنهم لن يصبروا عنه. قال: فمن لم يصبر عنه فاضربوا عنقه". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد عن شرحبيل بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أم حبيبة بنت أبي سفيان "حديث : أن ناساً من أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، ثم قالوا: يا رسول الله، إن لنا شراباً نصنعه من التمر والشعير، فقال: الغبيراء؟ قالوا: نعم. قال: لا تطعموه. قالوا: فإنهم لا يدعونها. قال: من لم يتركها فاضربوا عنقه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الذين يشربون الخمر وقد حرم الله عليهم لا يسقونها في حظيرة القدس ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال "من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحاً، فإن مات في الأربعين دخل النار ولم ينظر الله إليه". وأخرج عبد الرزاق عن الحسن. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يلقى الله شارب الخمر يوم القيامة وهو سكران، فيقول: ويلك، ما شربت...؟! فيقول: الخمر. قال: أو لم أحرمها عليك؟ فيقول: بلى. فيؤمر به إلى النار ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا، ولبسهم الحرير ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو قال: إنه في الكتاب مكتوب: أن خطيئة الخمر تعلو الخطايا كما تعلو شجرتها الشجر. وأخرج عبد الرزاق عن مسروق بن الأجدع قال: شارب الخمر كعابد الوثن، وشارب الخمر كعابد اللات والعزى. وأخرج عبد الرزاق عن ابن جبير قال: من شرب مسكراً لم يقبل الله منه ما كانت في مثانته منه قطرة، فإن مات منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي صديد أهل النار وقيحهم. وأخرج عبد الرزاق عن أبي ذر قال: من شرب مسكراً من الشراب فهو رجس، ورجس صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن شرب أيضاً فهو رجس، ورجس صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لها قال: في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. وأخرج عبد الرزاق عن أبان رفع الحديث قال: إن الخبائث جعلت في بيت فأغلق عليها، وجعل مفتاحها الخمر، فمن شرب الخمر وقع بالخبائث. وأخرج عبد الرزاق عن عبيد بن عمير قال: إن الخمر مفتاح كل شر. وأخرج عبد الرزاق عن محمد المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر صباحاً كان كالمشرك بالله حتى يمسي، وكذلك إن شربها ليلاً كان كالمشرك بالله حتى يصبح، ومن شربها حتى يسكر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، ومن مات وفي عروقه منها شيء مات ميتة جاهلية ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حلف الله بعزته وقدرته لا يشرب عبد مسلم شربة من خمر إلا سقيته بما انتهك منها من الحميم معذب بعد أو مغفور له، ولا يتركها وهوعليها قادر ابتغاء مرضاتي إلا سقيته منها فأرويته في حظيرة القدس ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: يجيء يوم القيامة شارب الخمر مسوداً وجهه، مزرقَّة عيناه، مائلاً شقه. أو قال: شدقه مدلياً لسانه، يسيل لعابه على صدره، يقذره كل من يراه. وأخرج أحمد عن قيس بن سعد بن عبادة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من شرب الخمر أتى عطشان يوم القيامة، ألا وكل مسكر خمر، وإياكم والغبيراء ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان مثل ذلك، فما أدري في الثالثة أم في الرابعة قال: فإن عاد كان حتماً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قالوا: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي سعد وابن أبي شيبة حديث : عن خلدة بنت طلق قالت: قال لنا أبي: "جلسنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء صحار، فسأله ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا؟ قال: تسألني عن المسكر، لا تشربه ولا تسقه أخاك، فوالذي نفس محمد بيده ما شربه رجل قط ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة ". تفسير : وأخرج أحمد حديث : عن أسماء بنت يزيد. أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من شرب الخمر لم يرضَ الله عنه أربعين ليلة، فإن مات مات كافراً، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال. قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال "الريب من الكفر، والنوح عمل الجاهلية، والشعر من أمر إبليس، والغلول جمر من جهنم، والخمر جامع كل إثم، والشباب شعبة من الجنون، والنساء حبائل الشيطان، والكبر شر من الشر، وشر المآكل مال اليتيم، وشر المكاسب الربا، والسعيد من وُعِظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه". وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لم يزل جبريل ينهاني عن عبادة الأوثان وشرب الخمر وملاحاة الرجال ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أم سلمة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان في أول ما نهاني عنه ربي وعهد إليَّ بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر لملاحاة الرجال " تفسير : والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ} أي الأصنامُ المنصوبةُ للعبادة {وَٱلأَزْلاَمُ} سلف تفسيرها في أوائل السورة الكريمة {رِجْسٌ} قذر تعاف عنه العقول، وإفراده لأنه خبرُ الخمر، وخبرُ المعطوفات محذوفٌ ثقةً بالمذكور، أو المضاف محذوف أي شأن الخمر والميسر، الخ {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} في محل الرفع على أنه صفةُ (رجس)، أي كائن من عمله لأنه مسبَّبٌ من تسويله وتزيـينه {فَٱجْتَنِبُوهُ} أي الرجس أو ما ذكر {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي راجين فلاحكم، وقيل: لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر تحقيقه في تفسير قوله تعالى: {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة، الآية 21. والآية 179. والآية 183] ولقد أُكِّد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية الكريمة بفنون التأكيد حيث صُدِّرت الجملة بإنما وقُرِنا بالأصنام والأزلام، وسُمِّيا رجساً من عمل الشيطان تنبـيهاً على أن تعاطيَها شرٌّ بحْتٌ، وأَمَر بالاجتناب عن عينهما وجعل ذلك سبباً يُرْجىٰ عنه الفلاح، فيكون ارتكابهما خَيبة ومَحْقة، ثم قرر ذلك ببـيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم، فقيل:
القشيري
تفسير : الخمر ما خامر العقول، والخمر حرام. والإشارة فيه أنه يزيد نَفَادَ العقل بما يوجب عليه من الالتباس. ومَنْ شَرِبَ من خمر الغفلة فسُكْرُه أصعب؛ فشرابُ الغفلةِ يوجب البعد عن الحقيقة. وكما أن من سَكِرَ من خمر الدنيا ممنوعٌ عن الصلاةِ فمن سَكِرَ من خمر الغفلة فهو محجوبٌ عن المواصلاتِ. وكما أنَّ مَنْ شَرِبَ من خمر الدنيا وجبَ عليه الحدُّ فكذلك من شَرِبَ شرابَ الغفلة فعليه الحَدُّ إذ يُضْرَبُ بسياط الخوف. وكما أنَّ السكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يُفِقْ فالغافل لا ينجح فيه الوعظُ ما لم ينته. وكما أن مفتاحَ الكبائر شربُ الخمر (فالغفلة)، أصلُ كلِّ زَلَّة، وسببُ كلِّ ذِلَّة وبدءُ كل بُعْد وحجبة عن الله تعالى. ويقال لم يحرم عليه الشرابَ في الدنيا إلا وأباح له شرابَ القلوب؛ فشراب الكبائر محظور وشراب الاستئناس مبذول، وعلى حسب المواجد حظى القوم بالشراب، وحيثما كان الشرابُ كان السكْر، وفي معناه أنشدوا: شعر : فما ملَّ ساقيها وما ملَّ شارب عقار لحاظ كأسه يسكر اللُّبَّا فصحوك من لفظي هو الوصل كله وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا تفسير : وحُرِّم الميسر في الشرع، وفي شريعة الحب القوم مقهورون؛ فمن حيث الإشارة أبدانهم مطروحة في شوارع التقدير، يطؤها كل عابر سبيل من الصادرين من عين المقادير، وأرواحهم مستباحة بحكم القهر، عليها خرجت القُرْعةُ من (....)، قال تعالى {أية : فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُدْحَضِينَ}تفسير : [الصافات: 141].
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر} هذه هى الآية الرابعة من الآيات الاربع التى نزلت فى الخمر وقد سبق التفصيل فى سورة البقرة ويدخل فى الخمر كل مسكر {والميسر} اى القمار كله فيدخل فيه النرد والشطرنج والاربعة عشر والكعب والبيضة وغير ذلك مما يقامرون به {والأنصاب} اى الاصنام المنصوبة للعبادة واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد {والأزلام} هى سهام مكتوب على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى يطلبون بها علم ما قسم من الخير والشر. قال المفسرون كان اهل الجاهلية اذا اراد احدهم سفرا او غزوا او تجارة او غير ذلك طلب علم انه خير او شر من الازلام وهى قداح كانت فى الكعبة عند سدنة البيت على بعضها امرنى ربى وعلى بعضها نهانى ربى وبعضها غفل لا كتابة عليها ولا علامة فان خرج السهم الآمر مضوا على ذلك وان خرج الناهى يجتنبون عنه وان خرج الغفل اجالوها ثانيا فمعنى الاستقسام بالازلام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم وهى جمع زلم {رجس} قذر يعاف عند العقول اى تكرهه وتنفر منه العقول السليمة. والرجس بمعنى النجس الا ان النجس يقال فى المستقذر طبعا والرجس اكثر ما يقال فى المستقذر عقلا وسميت هذه المعاصى رجسا لوجوب اجتنابها كما يجب اجتناب الشىء المستقذر {من عمل الشيطان} صفة لرجس اى رجس كائن من عمله اى من تزيينه لانه هو الداعى اليه والمرغب فيه والمزين له فى قلوب فاعليه {فاجتنبوه} اى الرجس {لعلكم تفلحون} اى راجين فلاحكم امر بالاجتناب وهو تركه جانبا وظاهر الامر على الوجوب {انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر} وهو اشارة الى المفاسد الدنيوية. اما العداوة فى الخمر فهى ان الشاربين اذا سكروا عربدوا وتشاجروا. كما فعل الانصارى الذى شج سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل. واما العداوة فى الميسر فهى ان الرجل كان يقامر على الاهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الاهل والمال مغتاظا على حرفاته والفرق بين العداوة والبغضاء ان كل عدو مبغض بلا عكس كلى. وقوله تعالى فى الخمر متعلق بيوقع على ان تكون كلمة فى هنا لافادة معنى السببية كما فى قوله عليه السلام "حديث : ان امرأة دخلت النار فى هرة" تفسير : اى يوقع بينكم هذين الشيئين فى الخمر بسبب شربها وتخصيص الخمر والميسر تنبيها على انهما المقصودان بالبيان لان هذه الآية خطاب مع المؤمنين والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وانما ضم الانصاب والازلام اليهما مع ان تعاطيهما مختص باهل الجاهلية تأكيدا لقبح الخمر والميسر واظهارا لكون هذه الاربعة متقاربة فى المفسدة {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلوة} اى يمنعكم عنهما وهو اشارة الى المفاسد الدينية فان شرب الخمر يورث الطرب واللذة الجسمانية والنفس اذا استغرقت فى اللذة غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة وكذا من يقامر بالميسر ان كان غالبا صار استغراقه فى لذة الغلبة يورثه الغفلة عن العبادة وان صار مغلوبا صار شدة اهتمامه بان يختال بحيلة يصير بها غالبا مانعا من ان يخطر بباله شىء سواه وتخصيص الصلاة بالافراد مع دخولها فى الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد عنها كالصاد عن الايمان لما انها عماده {فهل انتم منتهون} لفظه استفهام ومعناه امر اى انتهوا وهذا نهى بألطف الوجوه ليكون ادعى الى الانتهاء فلما سمعها عمر رضى الله عنه قال انتهينا يا رب وحرمت الخمر فى سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة احد{واطيعوا الله واطيعوا الرسول} فيما امرا به وهو عطف على اجتنبوه {واحذروا} عما نهيا عنه {فان توليتم} اى اعرضتم عن الامتثال والطاعة {فاعلموا انما على رسولنا البلاغ المبين} وقد فعل ذلك بما لا مزيدة عليه وخرج عن عهدة الرسالة أى خروج وقامت عليكم الحجة انتهت الاعذار وانقطعت العلل وما بقى بعد ذلك الا العقاب. اعلم ان الله تعالى قرن الخمر والميسر بالاصنام ففيه تحريم بليغ لهما ولعل قوله عليه السلام "حديث : شارب الخمر كعابد الوثن " .تفسير : مستفاد من هذه الآية وفى الحديث "حديث : من شرب الخمر فى الدنيا سقاه الله من سم الاساود وسم العقارب اذا شربه تساقط لحم وجهه فى الاناء قبل ان يشربها فاذا شربها تفسخ لحمه كالجيفة يتأذى به اهل الموقف ومن مات قبل ان يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ان يسقيه بكل جرعة شربها فى الدنيا شربة من صديد جهنم " .تفسير : وفى الحديث "حديث : لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها ". تفسير : وفى الحديث "حديث : من شرب الخمر بعد ان حرمها الله على لسانى فليس له ان يزوج اذا خطب ولا يصدق اذا حدث ولا يشفع اذا تشفع ولا يؤمن على امانة فمن ائتمنه على امانته فاستهلكها فحق على الله ان لا يخلف عليه"تفسير : قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره شعر : بى نمكى دان جكر آميخته بر جكر بى نمكان ريخته بى خبر آن مردكه جيزى جشيد كش قلم بى خبرى دركشيد تفسير : والاشارة {يا أيها الذين ءآمنوا} ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية فى قلوبهم {انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} فاما الخمر فانها تخمر العقل وهو نور روحانى علوى من اوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفسانى سفلى من اخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فاذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى الى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها فى مهالك المخالفات كلها ولهذا قال عليه السلام "حديث : الخمر ام الخبائث" تفسير : لان هذه الخبائث كلها تولدت منها. واما الميسر فان فيه تهيج اكثر الصفات الذميمة وهى الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد واشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل. واما الانصاب فهى تعبد من دون الله فهى تصير العبد مشركا بالله. واما الازلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله تعالى من المضلات فان الله هو الضار والنافع ثم قال تعالى {رجس من عمل الشيطان} يعنى هذه الاشياء اخبث شىء من اعمال الشيطان التى يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد {فاجتنبوه} اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الاعمال الخبيثة {لعلكم تفلحون} تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الاعمال كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {رجس} خبر، وأفرده؛ لأنه على حذف مضاف، أي: تعاطي الخمر، أو خبر عن الخمر، وخبر المعطوفات محذوف، أي: كذلك. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إنما} تناول {الخمر}؛ وهو كل ما غيب العقل، دون الحواس، مع النشوة والطرب، {والميسر} وهو القمار {والأنصاب} وهو ما نصب ليُعبد من حجارة أو خشب، {والأزلام} أي: الاستقسام بها، وقد تقدم تفسيرها، {رجس} قذر خبيث تعافه العقول السليمة، {من عمل الشيطان} أي: من تسويله وتزيينه، {فاجتنبوه} أي: ما ذكر من تعاطي الخمر، وما بعده، {لعلكم تفلحون} أي: تفوزون بالرضوان والنعيم المقيم. قال البيضاوي: اعلم أن الحق تعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية، بأن صدّر الجملة بإنما، وقرنها بالأنصاب والأزلام وسماهما رجسًا، وجعلهما من عمل الشيطان، تنبيهًا على أن الاشتغال بهما شر محض، وأمر بالاجتناب عن عينهما، وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرّر ذلك بأن بيّن ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال: {إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبغضَاءَ فِي الخَمرِ وَالمَيسِرِ}، وقد وقع ذلك في زمن الصحابة، وهي كانت سبب تحريمه، {ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة}؛ إنما خصّ الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهًا على أنهما المقصودان بالبيان. وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : شَارِبُ الخَمرِ كَعَابِد الوَثَنِ ". تفسير : وخصّ الصلاة من الذكر بالإفراد؛ للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان؛ من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبًا على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال: {فهل أنتم منتهون}؟ إيذانًا بإن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية، وأن الأعذار قد انقطعت. هـ. ولذلك لما سمعها الفاروق رضي الله عنه حين نزلت، قال: (قد انتهينا يا ربنا). وبهذا الآية وقع تحريم الخمر، وقد كان حلالاً قبلها، بدليل سكوته صلى الله عليه وسلم على شربها قبل نزول الآية، فإن قلت: حفظ العقول من الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع على تحريمها؟ قلنا: لا حكم قبل الشرع، بل الأمر موقوف إلى وروده، ولما طالت الفترة، وانقطعت الشرائع عند العرب، رجعت الأشياء إلى أصلها من الإباحة بمقتضى قوله تعالى: { أية : خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعًا}تفسير : [البَقَرة:29]، حتى جاءت الشريعة المحمدية فحرمتها كالشرائع قبلها، فكانت حينئٍذ حرامًا، ودخلت في الكليات الخمس التي هي: حفظ العقول والأبدان والأموال والأنساب والأديان. ثم أكد ذلك أيضًا بقوله: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} فيما أمر ونهى {واحذروا} غضبهما إن خالفتم، {فإن توليتم} أو أعرضتم عن طاعتهما {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين}؛ لا تضرّه مخالفتكم، إنما عليه البلاغ وقد بلغ. الإشارة: المقصود هو النهي عن كل ما يصد عن الله أو يشغل العبد عن شهود مولاه، وخص هذه الأربعة، لأنها أمهات الخطايا ومنبع الغفلة والبلايا، فالخمر فيه فساد العقل الذي هو محل الإيمان، والميسر فيه فساد المال وفساد القلب بالعداوة، والشحناء، وفساد الفكر لاستعماله في الهوى، والأنصاب فيه فساد الدين الذي هو رأس المال، والأزلام فيه الفضول والاطلاع على علم الغيب، الذي هو سر الربوبية، وهو موجب للمقت والعطب، والعياذ بالله. ثم عفا عما سلف من الخمر والميسر قبل التحريم، فلقال: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب للمؤمنين أخبرهم الله تعالى أن الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس، فالخمر عصير العنب المشتد، وهو العصير الذي يسكر كثيره وقليله. والخمر حرام وتسمى خمراً لأنها بالسكر تغطي على العقل، والأصل في الباب التغطية من قول أهل اللغة خمرت الأناء اذا غطيته، ومنه دخل في خمار الناس اذا خفي فيما بينهم بسترهم له والخمير العجين الذي يغطى حتى يختمر، وخمار المرأة، لأنها تغطي رأسها به. وخامره الحزن اذا خالطه منتشراً في قلبه واستخمرت فلاناً أي استعبدته. والاصل فيه أمرته أن يتخذ الخمر، ثم كثر حتى جرى في كل شىء يأمر به. وعلى هذا الاشتقاق يجب أن يسمى النبيذ وكل مسكر على اختلاف أنواعه خمراً، لاشتراكها في المعنى وان يجري عليها أجمع جميع أحكام الخمر. و {الميسر} القمار كله مأخوذ من تيسير أمر الجزور بالاجتماع على القمار فيه والذي يدخل فيه ييسر والذي لا يدخل فيه برم. قال أبو جعفر (ع) ويدخل فيه الشطرنج والنرد وغير ذلك حتى اللعب بالجوز. والأصل فيه اليسر خلاف العسر وسميت اليد اليسرى تفاؤلاً بتيسير العمل بها. وقيل: بل لأنها تعين اليمنى فيكون العمل أيسر، وذهب يسرة خلاف يمنة. {والأنصاب} الاصنام واحدها نصب. وقيل لها أنصاب، لانها كانت تنصب للعبادة وأصله الانتصاب: القيام، نصب ينصب نصباً. ومنه النصب التعب عن العمل الذي ينتصب له، ونصاب السكين، لأنها تنصب فيه، ومناصبة العدو: الانتصاب لعداوته قال الاعشى: شعر : وذا النصب المنصوب لا تنسكنه ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا تفسير : و {الأزلام} القداح، وهي سهام كانوا يجيلونها ويجعلون عليها علامات (إِفعل، ولا تفعل) ونحو ذلك على ما يخرج من ذلك في سفر أو إِقامة أو غير ذلك من الامور المهمة، وكانوا يجيلونها للقمار، واحدها زلم، وزلم. وقال الاصمعي: كان الجزور يقسمونه على ثمانية وعشرين جزءاً. وقال أبو عمرو: كان عددها على عشرة. وقال أبو عبيدة: لا علم لي بمقدار عدتها، وقد ذكرت أسماؤها مفصلاً، وهي عشرة: ذوات الحظوظ منها سبعة وأسماؤها: الفذ، والتوءم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. والاغفال التي لا حظوظ لها ثلاثة اسماؤها: السفيح، والمنيح، والوغد. ذكر القتيبي ذلك. وقوله {رجس} أي نجس {والرجز} العذاب. ومنه قوله {أية : لئن كشفت عنا الزجر} تفسير : أي العذاب وقوله {أية : والرجز فاهجر}تفسير : يعني الاوثان. ومعناه الرجس فاهجر، وأصل الرجز تتابع الحركات يقال ناقة رجزاء اذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. وقال الزجاج: يقال: رجس يرجس اذا عمل عملا قبيحاً. والرجس بفتح الراء شدة الصوت، وسحاب الرجاس، ورعد رجاس اذاكان شديد الصوت قال الشاعر: شعر : وكل رجاس يسوق الرجسا تفسير : وقوله {من عمل الشيطان} إِنما نسبها الى عمل الشيطان وهي أجسام لما يأمر به فيها من الفساد فيأمر بالسكر ليزيل العقل، ويأمر بالقمار لاستعمال الاخلاق الدنيئة ويأمر بعبادة الأوثان لما فيها من الكفر بالله العظيم، ويأمر بالأزلام لما فيها من ضعف الرأي والاتكال على الاتفاق. وقوله {فاجتنبوا} أمر بالاجتناب أي كونوا جانبا منه في ناحية {لعلكم تفلحون} ومعناه لكي تفوزوا بالثواب. وفي الآية دلالة على تحريم الخمر، وهذه الأشياء الأربعة من أربعة أوجه: أحدها - أنه وصفها بأنها رجس وهي النجس والنجس محرم بلا خلاف. الثاني - نسبها الى عمل الشيطان وذلك لا يكون الا محرماً. والثالث - أنه أمرنا باجتنابه. والامر يقتضي الايجاب. الرابع - أنه جعل الفوز والفلاح باجتنابه. والهاء في قوله {فاجتنبوه} راجعة الى عمل الشيطان، وتقديره اجتنبوا عمل الشيطان. قال ابن عباس: الرجس - ها هنا - معناه السخط. وقال ابن زيد: هو الشر.
الجنابذي
تفسير : {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} كلّ ما تقومر به {وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ} قد سبقا فى اوّل السّورة {رِجْسٌ} قذر تستكرهه العقول {مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} اكدّ الحرمة باداة الحصر، واطلاق الرّجس عليها وكونها من عمل الشّيطان والامر بالاجتناب فانّه يفيد التّأكيد بالنّسبة الى النّهى عن الفعل والمقصود ههنا النّهى عن الخمر والميسر، وقرنهما بالانصاب والازلام مبالغة فى حرمتها ولذلك لم يذكر فى بيان الغاية سواهما، وذكر غايتهما والمفسدة الّتى تترتّب عليها مبالغة اخرى فى حرمتها فقال {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ}.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} قيل: لما نزل قوله تعالى: {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} تفسير : [النساء: 43] قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزل قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر} الآية، والخمر أصله الستر يقال: خمرت الإناء إذا غطيته ومنه سمي الخمار لأنه يغطي الرأس، والميسر القمار، وكانوا يصيبون في القمار الأموال العظيمة من غير كدّ ولا نصب {والأنصاب} حجارة ينصبونها للعبادة {والأزلام} السهام {رجس من عمل الشيطان} الآية، قال جار الله: أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد منها: أنه جعله رجساً كما قال: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج: 30] ومنها: أنه جعلها من عمل الشيطان وهو لا يأتي إلا بالشر، ومنها: أنه جعله الاجتناب من الفلاح، ومنها: أنه ذكر ما نسخ منها من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار، وما يؤديان إليه من الصدّ عن ذكر الله تعالى، وعن مراعاة أوقات الصلاة، وقوله: {فهل أنتم منتهون} من أبلغ ما ينهي عنه، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع فهل أنتم مع هذه منتهون، قال جار الله: فإن قلت: إلى ما يرجع الضمير في قوله: {فاجتنبوه}؟ قلت: إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ولذلك قال: {رجس من عمل الشيطان}، قوله تعالى: {واحذروا} يعني كونوا حذرين خاشيين لأنهم إذا كانوا حذرين دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة ويجوز أن يكون المراد واحذروا ما عليكم في الخمر والميسر في ترك طاعة الله والرسول {فإن توليتم فاعلموا} أنكم لم تضروا الرسول بتوليكم لأن الرسول ليس عليه إلا {البلاغ المبين} وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه، قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} قال جار الله: رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم {إذا ما اتقو} ما حرم عليهم {وآمنوا} وثبتوا على التقوى والايمان والعمل الصالح {ثم اتقوا وآمنوا} ثم ثبتوا على التقوى والايمان {ثم اتقوا وأحسنوا} أي وثبتوا على اتقاء المعاصي، قال تعالى: {وأحسنوا} أعمالهم إلى الناس، وقيل: فيما بينهم وبين الله تعالى أي أخلصوا أعمالهم إلى الله تعالى، وقيل: لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميتة فنزلت الآية، يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموا من المباحات إذا ما اتقوا المحارم وآمنوا {ثم اتقوا وأحسنوا} على معنى أن أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. أما الميسر فهو القمار كله. والأنصاب هي أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. والأزلام القداح، وهي السهام. كان أحدهم إذا أراد سفراً أخذ قدحين فقال: هذا يأمرني بالخروج، وهذا يأمرني بالمقام، مكتوب عليهما هذا. والمنيح بينهما؛ فأيهما خرج عمل به. وأما ذكر الخمر في هذه الآية ففيها نزل تحريم الخمر، وقد فسّرناه في سورة البقرة. قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشِّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} كانوا إذا شربوا الخَمر فسكروا عدا بعضهم على بعض فكانوا يتقامرون حتى لا يبقى لأحدهم شيء. فكان يورث ذلك بينهم عداوة. وقال بعضهم: الميسر القمار كله. قال: وذكر لنا حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن اللعب بالكعبين، وقال:هو ميسر العجم . تفسير : وكان الرجل في الجاهلية يقامر على عز ماله وأهله فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره، فكانت تورث بينهم عداوة فنهى الله عن ذلك. قوله: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ}. كان أنزل في سورة البقرة: (أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) تفسير : [البقرة:219] فذمّها في هذه الآية وهي يومئذ حلال. وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال: حديث : إن الله يقرب في تحريم الخمر تفسير : . ثم نزلت أية أشدّ منها: (أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) تفسير : [النساء:43]. فكانوا يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا. وكان السكر عليهم منها حراماً، وأحل لهم ما سوى ذلك. ثم جاء تحريمها في هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [فجاء تحريم الخمر قليلها وكثيرها ما أسكر منها وما لم يسكر]. ذكر بعضهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من شرب الخمر ثم لم يسكر أعرض الله عنه أربعين ليلة، ومن شرب الخمر ثم سكر لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أربعين ليلة، فإن مات فيها مات كعابد الأوثان، وكان حقاً على الله أن يسقيه الله من طينة الخبال. قيل يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار في النار: القيح والدم .
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيسِرٌ وَالأَنصَابُ}: الأصنام المنصوبة للعبادة، أو الحجارة التى تنصب للعبادة بدون أن تصور. {وَالأَزْلامُ}: مر بيانها وبيان ذلك كله قيل يجعلون الأزلام فى الكعبة عند سدنة البيت. {رِجْسٌ}: شىء تستقذره النفس السالمة، كما تستقذر أعيان الأرجاس كالعذرة، فذلك تشبيه لتلك الأشياء بأعيانهن بالرجس الذى هو العذرة ونحوها، فيفيد ذلك التقبيح تناول الخمر لغير اراقته أو افساده، ولعب الميسر وعبادة النصب والاستقسام بالأزلام كتقبيح نحو العذرة، وايضاح ذلك أن نفس الأزلام ولو قبل العمل بها، ونفس ما ينصب اذا اعتبر أنه ينصب للعبادة، ولو قبل أن يعبد، وكيفية لعب الميسر ولو قيل أن يلعب به، ونفس الخمر ولو قبل تناولها للشرب أو البيع أو غير ذلك قبيحة كالعذرة، فيقبح تناولهن لقبحهن. وقال الزجاج: الرجس موضوع لما يستقذر من الأعيان الكريهة والأعمال القبيحة بالمعنى، والجمهور على أنه محكى فى الذات النجسة حقيقة فى كل ما يستقبحه العقل، وعن ابن زيد: الرجس الشر، وأفرد الرجس مع أنه خبر عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، لأن المراد التشبيه ويجوز تشبيه أشياء بشىء نحو الزيدون كزيد، أو التقدير مضاف مفرد صلح الاخبار به عنه، أى انما تناول الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس، أى مستقبح ويجوز أن يكون خبر للخمر فيقدر لغيره فهو فى نية التقديم، أى انما الخمر رجس وكذلك الميسر والأنصاب والأزلام. {مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ}: لا يخفى أن عصر الخمر وكيفية لعب الميسر، ونصب الحجارة وتصوير آلات الاستقسام ليست عملا للشيطان، بل للانسان وكذلك تناولها واستعمالها لما صورت له فما نسب تصويرها أو استعمالها والعمل بها للشيطان، الا لكونه أمراً بذلك مسبباً مزيناً، ولا سيما أنه يجوز أيضاً أن يراد بالشيطان الانسان الشبيه بفسقه الجن فى الخبث والبعيد جداً عن مقام الخير، لكن هذا وجه ضعيف، وعلى كل فالمراد الجنس، ويجوز أن يراد ابليس. {فَاجْتَنِبُوهُ}: الرجس المذكور، أو اجتنبوا المذكور من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، أو اجتنبوا التناول لهن. {لَعَلَّكُم تُفْلِحُونَ}: تفوزون بالجنة لاجتنابها، أكد الله جل وعلا تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام بقصرها على الرجس، قصر موصوف على الصفة كأنه قيل: ليس فيها من الصفات الا كونها رجساً من عمل الشيطان، فذلك ثلاث تأكيدات: الحصر، وكونها رجساً، وكونها من عمل الشيطان، على أن من عمل الشيطان خبر ثان، أو الحصر وكونها رجساً، وكون ذلك الرجس من عمل الشيطان، على أن من عمل الشيطان نعت لرجس، وأكده أيضاً بكون الجملة اسمية، وبالأمر باجتنابهن، وبترتيب الفلاح على اجتنابهن، ففى تناولهن الهلاك، وزال تأكيد تحريم الخمر والميسر والأزلام، بأن قرنها بعبادة غير الله وهى شرك. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شارب الخمر كعابد الوثن " تفسير : وزاد تأكيد تحريم الخمر والميسر يذكر أنهما يورثان العداوة والبغضاء، وأنهما يصدان عن ذكر الله، وأنهما يصدان عن الصلاة، ويكفى من نظر بعين البصيرة فى الكف عنهن أنهن من عمل الشيطان الذى هو عدوه الحقيقى الذى لا يأتيه منه الا الشر الخالص.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ} هى ما يسكر قليله أَو كثيره، وجاءَ الحديث أَنه ما أَسكر كثيره فقليله حرام، وسميت لأَنها تخامر العقل أَى تعالج تغطيته، فكل ما يغيره خمر، وهذا أَصله بالاشتقاق ولو غلب في عصير العنب، وقد قيل أَنها من الخمر وأَما غيرها فمن الحديث {وَالمَيْسِرُ} القمار سمى لأَنه يؤخذ به المال يسرا أَى سهولة، وعدوا منه اللعب بالجوز والكعاب وما أَشبه ذلك، وتنسب قطعة من جبن كصورة الرغيف إِلى القمار لأَنهم يلعبون بها فيأخذها الغالب من المغلوب {وَالأَنْصَابُ} الأَصنام سميت لأَنها تنصب للعبادة، والمفرد نصب بفتحتين أَو ضمتين أَو هي أَحجار تنصب دون الأَصنام، ولا تخلو عن تبرك بها وعبادة {والأَزْلاَمُ} سهام يكتب في بعضها أَمرنى ربى وفى بعضها نهانى ربى وبعض لا كتابة فيه، وهى فى الكعبة عند سدنة الكعبة، إِذا أَرادوا نكاحاً أَو سفراً أَو تجرا أَو غزواً أَو نحو ذلك أَجالوها فما خرج عملوا به، وإِن خرج ما لم يكتب عليه أَعادوا حتى يخرج ما فيه كتابة فهم يستقسمون بها أَى يطلبون ما قسم لهم من الله ذلك دون مالم يقسم لهم من ذلك وتقدم غير ذلك. {رِجْسٌ} خبيث تستقذره العقول السالمة، أَو المراد أَنه كرجس أَى كنجس مستخبث، وأَكثر ما يستعمل الرجس فيما يستخبث عقلا، والنجس طبعاً، ولم يقل أَرجاس لأَن المبتدأ مضاف مفرد محذوف، أَى إِنما تعاطى الخمر، أَو لأَنه في الأَصل مصدر أَو لأَن المراد التشبيه كرجس أَو خبر للخمر، وذكر لأَن المراد شئ رجس ويقدر الخبر لغيره وهو في نية التقديم هكذا، إِنما الخمر رجس والميسر والأَنصاب والأَزلام كذلك {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} من وسوسته، أَو نسب العمل إِليه لأَنه داع إِليه، ولا يخفى أَن تعاطى تلك المحرمات هو الذى من عمل الشيطان لا نفس تلك الأَشياء، فقوى تقدير إِنما تعاطى الخمر إِلخ، أَو معاملة الخمر إِلخ، ومثله أَن يقدر لكل ما يناسبه، أَى إِنما شرب الخمر ولعب الميسر وعبادة الأَصنام واستقسام الأَزلام، إِلا أَن فيه كثرة الحذف، وإما بلا تقدير فيكون نفس الخمر وما بعده من عمل الشيطان أَى من صنعته وهو جائز إِلا أَنه دون ذلك {فَاجْتَنِبُوهُ} أَى اجتنبوا ما ذكر، أَو اجتنبوا الرجس، أَو اجتنبوا تعاطى ذلك، أَو الشيطان. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} باجتنابه، قال عمر رضى الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل: {أية : يسأَلونَكَ عَنِ الخَمْرِ والميْسَرِ} تفسير : [البقرة: 219] فدعا صلى الله عليه وسلم عمر فقرأَها عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل قوله تعالى{أية : يا أَيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأَنتم سكارى}تفسير : [النساء: 43] إِلخ، فدعا فقرأَه عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل قوله تعالى:{إِنما الخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}.
الالوسي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ} وهو المسكر المتخذ من عصير العنب أو كل ما يخامر العقل ويغطيه من الأشربة. وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {وَٱلْمَيْسِرِ } وهو القمار وعدوا منه اللعب بالجوز والكعاب {وَٱلأَنصَابُ } وهي الأصنام المنصوبة للعبادة، وفرق بعضهم بين الأنصاب والأصنام بأن الأنصاب حجارة لم تصور كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها، والأصنام ما صور وعبد من دون الله عز وجل {وَٱلأَزْلاَمُ } وهي القداح وقد تقدم الكلام في ذلك على أتم وجه {رِجْسٌ } أي قذر تعاف عنه العقول، وعن الزجاج الرجس كل ما استقذر من عمل قبيح. وأصل معناه الصوت الشديد ولذا يقال للغمام رجاس لرعده والرجز بمعناه عند بعضهم /. وفرق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس الشر والرجز العذاب والركس العذرة والنتن، وإفراد الرجس مع أنه خبر عن متعدد لأنه مصدر يستوي فيه القليل والكثير، ومثل ذلك قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] وقيل: لأنه خبر عن الخمر وخبر المعطوفات محذوف ثقة بالمذكور. وقيل: لأن في الكلام مضافاً إلى تلك الأشياء وهو خبر عنه أي إنما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رجس. وقوله سبحانه: {مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } في موضع الرفع على أنه صفة {رِجْسٌ } أي كائن من عمله لأنه مسبب من تزيينه وتسويله، وقيل: إن من للابتداء أي ناشىء من عمله. وعلى التقديرين لا ضير في جعل ذلك من العمل وإن كان ما ذكر من الأعيان. ودعوى أنه إذا قدر المضاف لم يحتج إلى ملاحظة علاقة السببية ولا إلى القول بأن من ابتدائية لا يخلو عن نظر {فَٱجْتَنِبُوهُ } أي الرجس أو جميع ما مر بتأويل ما مر أو التعاطي المقدر أو الشيطان {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي راجين فلاحكم أو لكي تفلحوا بالاجتناب عنه وقد مر الكلام في ذلك، ولقد أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بفنون التأكيد حيث صدرت الجملة بإنما وقرنا بالأصنام والأزلام وسميا رجساً من عمل الشيطان تنبيهاً على غاية قبحهما وأمر بالاجتناب عن عينهما بناء على بعض الوجوه وجعله سبباً يرجى منه الفلاح فيكون ارتكابهما خيبة. ثم قرر ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية فقال سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ..}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف خطاب للمؤمنين تقفية على الخطاب الذي قبله ليُنْظَم مضمونه في السلك الذي انتظم فيه مضمون الخطاب السابق، وهو قوله: {أية : ولا تعتدوا}تفسير : [المائدة: 87] المشير إلى أنّ الله، كما نَهى عن تَحريم المباح، نهَى عن استحلال الحرام وأنّ الله لمّا أحلّ الطيّبات حرّم الخبائث المفضية إلى مفاسد، فإنّ الخمر كان طيّباً عند الناس، وقد قال الله تعالى: {أية : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتّخذون منه سكراً ورزقاً حسناً}تفسير : [النحل: 67]. والميسر كان وسيلة لإطعام اللحم من لا يقدرون عليه. فكانت هذه الآية كالاحتراس عمّا قد يُساء تأويله من قوله {أية : لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}تفسير : [الأنعام: 87]. وقد تقدّم في سورة البقرة أنّ المعوّل عليه من أقوال علمائنا أنّ النهي عن الخمر وقع مدرّجاً ثلاث مرات: الأولى حين نزلت آية {أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}تفسير : [البقرة: 219]، وذلك يتضمّن نهياً غير جازم، فتَرك شرب الخمر ناس كانوا أشدّ تقوى. فقال عمر: اللّهمّ بَيّن لنا في الخمر بياناً شافياً. ثم نزلت آية سورة [النساء: 43] {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتّى تعلموا ما تقولون}تفسير : ، فتجنّب المسلمون شربها في الأوقات التي يظنّ بقاء السكر منها إلى وقت الصلاة؛ فقال عمر: اللّهم بيِّن لنا في الخمر بَيَاناً شافياً. ثم نزلت الآية هذه. فقال عمر: انتهينا. والمشهور أنّ الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحُد، فتكون هذه الآية نزلت قبل سورة العقود ووضعت بعد ذلك في موضعها هنا. وروي أنّ هذه الآية نزلت بسبب ملاحاة جرَت بين سعد بن أبي وقاص ورجللٍ من الأنصار. روى مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال: أتيتُ على نفر من الأنصار، فقالوا: تعالَ نطعِمْك ونُسقك خمراً وذلك قبل أن تحرّم الخمر فأتيتهم في حُشّ، وإذا رأسُ جَزور مشوي وزقّ من خمر، فأكلت وشربت معهم، فذكرتُ الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلتُ: المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَ جَمَل فضربني به فجَرح بأنفي فأتيت رسول الله فأخبرته، فأنزل الله تعالى فِيّ {إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه}. وروى أبو داود عن ابن عبّاس قال: {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}تفسير : [النساء: 43] و{أية : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للنّاس}تفسير : [البقرة: 219] نسختهما في المائدة {إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان}. فلا جرم كان هذا التحريم بمحلّ العناية من الشارع متقدّماً للأمّة في إيضاح أسبابه رفقاً بهم واستئناساً لأنفسهم، فابتدأهم بآية سورة البقرة، ولم يسفّههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك، بل أنبأهم بعذرهم في قوله: {أية : قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}تفسير : [البقرة: 219]، ثم بآية سورة النساء،ثم كرّ عليها بالتحريم بآية سورة المائدة فحصر أمرهما في أنّهما رجس من عمل الشيطان ورجا لهم الفلاح في اجتنابهما بقوله: {لعلّكم تفلحون}، وأثار ما في الطباع من بغض الشيطان بقوله: {إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء}. ثم قال {فهل أنتم منتهون}، فجاء بالاستفهام لتمثيل حال المخاطبين بحال من بيَّن له المتكلّم حقيقة شيء ثم اختبر مقدار تأثير ذلك البيان في نفسه. وصيغة: هل أنت فاعل كذا. تستعمل للحثّ على فعل في مقام الاستبطاء، نبّه عليه في «الكشاف» عند قوله تعالى: {أية : وقيل للنّاس هَلْ أنتم مُجتمعون}تفسير : في سورة [الشعراء: 39]، قال: ومنه قول تأبّط شرّاً:شعر : هل أنتَ باعثُ دينار لحاجتنا أو عَبْدِ ربّ أخَا عَوْنِ بنِ مِخْرَاقِ تفسير : (دينار اسم رجل، وكذا عبد ربّ. وقوله: أخا عون أو عوف نداء، أي يا أخا عون). فتحريم الخمر متقرّر قبل نزول هذه السورة، فإنّ وفد عبد القيس وفدوا قبل فتح مكة في سنة ثمان، فكان ممّا أوصاهم به رسول الله أن لا ينتبذوا في الحَنتم والنقير والمُزَفَّت والدّبَّاءِ، لأنَّها يسرع الاختمار إلى نبيذها. والمراد بالأنصاب هنا عبادة الأنصاب. والمراد بالأزلام الاستقسام بها، لأنّ عطفها على الميسر يقتضي أنّها أزلام غير الميسر. قال في الكشاف: ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم للخمر والميسر. وتقدّم الكلام على الخمر والميسر في آية سورة البقرة، وتقدم الكلام على الأنصاب عند قوله تعالى: {أية : وما ذُبح على النّصُب}تفسير : [المائدة: 3]، والكلام على الأزلام عند قوله: {أية : وأن تستقسموا بالأزلام}تفسير : في أول هذه السورة [3]. وأكّد في هذه الآية تحريم ما ذُبح على النُصب وتحريم الاستقسام بالأزلام وهو التحريم الوارد في أوّل السورة والمقرّر في الإسلام من أوّل البعثة. والمرادُ بهذه الأشياء الأربعة هنا تعاطيها، كلّ بما يُتعاطى به من شُرْب ولعب وذَبح واستِقسام. والقصرُ المستفاد من {إنّما} قصرُ موصوف على صفة، أي أنّ هذه الأربعة المذكورات مقصورة على الاتّصاف بالرجس لا تتجاوزه إلى غيره، وهو ادّعائي للمبالغة في عدم الاعتداد بما عدا صفة الرجس من صفات هذه الأربعة. ألا ترى أنّ الله قال في سورة [البقرة: 219] في الخمر والميسر {أية : قل فيهما إثم كبير ومَنَافع للناس}تفسير : ، فأثبت لهما الإثم، وهو صفة تساوي الرجس في نظر الشريعة، لأنّ الإثم يقتضي التباعد عن التلبّس بهما مثل الرجس. وأثبت لهما المنفعة، وهي صفة تساوي نقيض الرجس، في نظر الشريعة، لأنّ المنفعة تستلزم حرصَ الناس على تعاطيهما، فصحّ أنّ للخمر والميسر صفتين. وقد قُصر في آية المائدة على ما يساوي إحدى تينك الصفتين أعني الرجس، فما هو إلاّ قَصْر ادّعائي يشير إلى ما في سورة [البقرة: 219] من قوله: {أية : وإثمُهما أكبر من نفعهما}تفسير : ، فإنّه لمّا نبّهنا إلى ترجيح ما فيهما من الإثم على ما فيهما من المنفعة فقد نبّهنا إلى دحض ما فيهما من المنفعة قُبالة ما فيهما من الإثم حتّى كأنّهما تمحّضا للاتّصاف بـ{أية : فيهما إثم}تفسير : [البقرة: 219]، فصحّ في سورة المائدة أن يقال في حقّهما ما يفيد انحصارهما في أنّهما فيهما إثم، أي انحصارهما في صفة الكون في هذه الظرفية كالانحصار الذي في قوله: {أية : إنْ حسابُهم إلاّ على رَبِّي}تفسير : [الشعراء: 113]، أي حسابهم مقصور على الاتّصاف بكونه على ربّي، أي انحصر حسابهم في معنى هذا الحرف. وذلك هو ما عبّر عنه بعبارة الرجس. والرجس الخبث المستقذر والمكروه من الأمور الظاهرة، ويطلق على المذمّات الباطنة كما في قوله: {أية : وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 125]، وقوله: {أية : إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت}تفسير : [الأحزاب: 33]. والمراد به هنا الخبيث في النفوس واعتبارِ الشريعة. وهو اسم جنس فالإخبار به كالإخبار بالمصدر، فأفاد المبالغة في الاتّصاف به حتّى كأنّ هذا الموصوف عين الرجس. ولذلك أيضاً أفرد (رجس) مع كونه خبراً عن متعدّد لأنّه كالخبر بالمصدر. ومعنى كونها من عمل الشيطان أن تعاطيَها بما تُتعاطى لأجله من تسويله للناس تعاطيها، فكأنّه هو الذي عملها وتعاطاها، وفي ذلك تنفير لمتعاطيها بأنّه يعمل عمل الشيطان، فهو شيطان، وذلك ممّا تأباه النفوس. والفاء في {فاجتنبوه} للتفريع وقد ظهر حُسن موقع هذا التفريع بعد التقدّم بما يوجب النفرة منها. والضمير المنصوب في قوله {فاجتنبوه} عائد إلى الرجس الجامع للأربعة. و{لعلّكم تفلحون} رجاء لهم أن يفلحوا عند اجتناب هذه المنهيات إذا لم يكونوا قد استمرّوا على غيرها من المنهيات. وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: {أية : يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلّكم تتّقون}تفسير : [البقرة: 21]. وقد بيّنت ما اخترته في محل (لعلّ) وهو المطّرد في جميع مواقعها، وأمّا المحامل التي تأوّلوا بها (لعلّ) في آية سورة البقرة فبعضها لا يتأتّى في هذه الآية فتأمّلْه. واجتناب المذكورات هو اجتناب التلبّس بها فيما تقصد له من المفاسد بحسب اختلاف أحوالها؛ فاجتناب الخمر اجتناب شربها؛ والميسر اجتناب التقامر به، والأنصاب اجتناب الذبح عليها؛ والأزلام اجتناب الاستقسام بها واستشارتها. ولا يدخل تحت هذا الاجتناب اجتناب مسّها أو إراءتها للناس للحاجة إلى ذلك من اعتبار ببعض أحوالها في الاستقطار ونحوه، أو لمعرفة صورها، أو حفظها كآثار من التاريخ؛ أو ترك الخمر في طور اختمارها لِمن عَصَر العنب لاتّخاذه خلاً، على تفصيل في ذلك واختلاف في بعضه. فأمّا اجتناب مماسّة الخمر واعتبارها نجسة لمن تلطّخ بها بعض جسده أو ثوبه فهو ممّا اختلف فيه أهل العلم؛ فمنهم من حملوا الرجس في الآية بالنسبة للخمر على معنييه المعنوي والذاتي، فاعتبروا الخمر نجس العين يجب غسلها كما يجب غسل النجاسة، حملاً للفظ الرجس على جميع ما يحتمله. وهو قول مالك. ولم يقولوا بذلك في قداح الميسر ولا في حجارة الأنصاب ولا في الأزلام والتفرقة بين هذه الثلاث وبين الخمر لا وجه لها من النظر. وليس في الأثر ما يحتجّ به لنجاسة الخمر. ولعلّ كون الخمر مائعة هو الذي قرّب شبهها بالأعيان النجسة، فلمّا وُصفت بأنّها رجس حُمل في خصوصها على معنييه. وأمّا ما ورد في حديث أنس أنّ كثيراً من الصحابة غسلوا جرار الخمر لما نودي بتحريم شربها لذلك من المبالغة في التبرّىء منها وإزالة أثرها قبل التمكّن من النظر فيما سوى ذلك، ألا ترى أنّ بعضهم كسر جرارها، ولم يَقُل أحد بوجوب كسر الإناء الذي فيه شيء نجس. على أنّهم فعلوا ذلك ولم يُؤمروا به من الرسول صلى الله عليه وسلم. وذهب بعض أهل العلم إلى عَدم نجاسة عين الخمر. وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمان، والليث بن سعد، والمُزني من أصحاب الشافعي، وكثير من البغداديين من المالكية ومن القيروانيين؛ منهم سعيد بن الحَدّاد القيرواني. وقد استدلّ سعيد بن الحدّاد على طهارتها بأنّها سُفِكت في طرق المدينة، ولو كانت نجساً لنهوا عنه، إذ قد ورد النهي عن إراقة النجاسة في الطرق. وذكر ابن الفرس عن ابن لبابة أنّه أقام قولاً بطهارة عين الخمر من المذهب. وأقول: الذي يقتضيه النظر أنّ الخمر ليستْ نَجَس العين، وأنّ مسَاق الآية بعيد عن قصد نجاسة عينها، إنّما القصد أنّها رجس معنوي، ولذلك وصفه بأنّه من عَمَل الشيطان، وبيّنه بعدُ بقوله: {إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة}، ولأنّ النجاسة تعتمد الخباثة والقذارة وليست الخمر كذلك، وإنّما تنزّه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس. وجملة {إنّما يريد الشيطان} بيان لكونها من عمل الشيطان. ومعنى يريد يحبّ وقد تقدّم بيان كون الإرادة بمعنى المحبّة عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلّوا السبيل}تفسير : في سورة [النساء: 44]. وتقدّم الكلام على العداوة والبغضاء عند قوله تعالى: {أية : وألقينا بينهم العداوة والبغضاء} تفسير : في هذه السورة [64]. وقوله: {في الخمر والميسر} أي في تعاطيهما، على متعارف إضافة الأحكام إلى الذوات، أي بما يحدث في شرب الخمر من إثارة الخصومات والإقدام على الجرائم، وما يقع في الميسر من التحاسد على القامر، والغيظ والحسرة للخاسر، وما ينشأ عن ذلك من التشاتم والسباب والضرب. على أنّ مجرّد حدوث العداوة والبغضاء بين المسلمين مفسدة عظيمة، لأنّ الله أراد أن يكون المؤمنون إخوة إذ لا يستقيم أمْر أمّة بين أفرادها البغضاء. وفي الحديث: «حديث : لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً»تفسير : . و(في) من قوله {في الخمر والميسر} للسبيبة أو الظرفية المجازية، أي في مجالس تعاطيهما. وأمّا الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فلِما في الخمر من غيبوبَة العقل، وما في الميسر من استفراغ الوقت في المعاودة لتطلّب الربح. وهذه أربع علل كلّ واحدة منها تقتضي التحريم، فلا جرم أن كان اجتماعها مُقتضياً تغليظ التحريم. ويلحق بالخمر كلّ ما اشتمل على صفتها من إلقاء العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة. ويلحق بالميسر كلّ ما شاركه في إلقاء العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وذلك أنواع القمار كلّها أمّا ما كان من اللهو بدون قِمار كالشطرنج دون قِمار، فذلك دون الميسر، لأنّه يندر أن يصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأنّه لا يوقع في العداوة والبغضاء غالباً، فتدخل أحكامه تحت أدلّة أخرى. والذّكر المقصود في قوله: {عن ذكر الله} يحتمل أنّه من الذكر اللسان فيكون المراد به القرآن وكلام الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ الذي فيه نفعهم وإرشادهم، لأنّه يشتمل على بيان أحكام ما يحتاجون إليه فإذا انغمسوا في شرب الخمر وفي التقامر غابوا عن مجالس الرسول وسماععِ خُطبه، وعن ملاقاة أصحابه الملازمين له فلم يسمعوا الذكر ولا يتلقّوه من أفواه سامعيه فيجهلوا شيئاً كثيراً فيه ما يجب على المكلّف معرفته. فالسيء الذي يصدّ عن هذا هو مفسدة عظيمة يستحقّ أن يحرّم تعاطيه، ويحتمل أنّ المراد به الذكر القلبي وهو تذكّر ما أمر الله به ونهَى عنه فإنّ ذكر ذلك هو ذكر الله كقول عمر بن الخطاب: أفضلُ من ذكر الله باللسان ذِكرُ الله عند أمره ونهيه. فالشيء الذي يصدّ عن تذكّر أمر الله ونهيه هو ذريعة للوقوع في مخالفة الأمر وفي اقتحام النهي. وليس المقصود بالذكر في هذه الآية ذكر الله باللسان لأنّه ليس شيء منه بواجب عدا ما هو من أركان الصلاة فذلك مستغنى عنه بقوله: {وعن الصلاة}. وقوله: {فهل أنتم منتهون} الفاء تفريع عن قوله: {إنّما يريد الشيطان} الآية، فإنّ ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كاف في انتهاء الناس عنهما فلم يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعاً بهم إلى مقام الفَطن الخبير، ولو كان بعد هذا البيان كلّه نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبي، ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حد الإعجاز. ولذلك اختير الاستفهام بــ {هل} التي أصل معناها (قد). وكثر وقوعها في حيّز همزة الاستفهام، فاستغنوا بــ {هل} عن ذكر الهمزة، فهي لاستفهاممٍ مضمَّن تحقيقَ الإسناد المستفهَم عنه وهو {أنتم منتهون}، دون الهمزة إذ لم يقل: أتنتهون، بخلاف مقام قوله {أية : وجَعَلنا بعضَكم لبعض فتنة أتصبرون}تفسير : [الفرقان: 20]. وجعلت الجملة بعد {هل} اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته، وأريد معها معناه الكنائي، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه. ولذلك روي أنّ عمر لمّا سمع الآية قال: «انتهينا انتهينا». ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أنّ الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجرّداً عن الكناية. فما حكي عن عمرو بن معد يكرب من قوله «إلاّ أنّ الله تعالى قال {فهل أنتم منتهون} فقلْنا: لا» إن صحّ عنه ذلك. ولي في صحته شكّ، فهو خطأ في الفهم أو التأويل. وقد شذّ نفر من السلَف نقلت عنهم أخبار من الاستمرار على شرب الخمر، لا يُدرى مبلغها من الصحّة. ومحملها، إنْ صحّت، علَى أنّهم كانوا يتأوّلون قوله تعالى {فهل أنتم منتهون} على أنّه نهي غير جازم. ولم يَطُل ذلك بينهم. قيل: «إنّ قُدامَة بن مظْعون، مِمَّن شهد بدراً، ولاّه عُمر على البحرين، فشهد عليه أبو هريرة والجارود بأنّه شرب الخمر، وأنكر الجارود، وتمّت الشهادة عليه برجل وامرأة. فلمّا أراد عمر إقامة الحدّ عليه قال قدامة: لو شربتُها كما يقولون ما كان لك أن تجلدني. قال عُمر: لِمَ، قال: لأنّ الله يقول: {أية : ليس على الذين آمنوا وعَملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [المائدة: 93]، ـــ فقال عمر ـــ: أخطأت التأويل إنّك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حَرّم عليك». ويروى أنّ وحشياً كان يشرب الخمر بعد إسلامه، وأنّ جماعة من المسلمين من أهل الشام شربوا الخمر في زمن عمر، وتأوّلوا التحريم فتلوا قوله تعالى: {أية : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}تفسير : [المائدة: 93]، وأنّ عمر استشار عليّاً في شأنهم، فاتّفقا على أن يستتابوا وإلاّ قُتلوا. وفي صحة هذا نظر أيضاً. وفي كتب الأخبار «أنّ عُيينة بنَ حِصن نزل على عمرو بن معد يكرب في محلّة بني زُبيد بالكوفة فقدّم له عَمْرو خَمراً، فقال عيينةُ: أو ليس قد حرّمها الله. قال عَمْرو: أنتَ أكبَرُ سِنّاً أم أنا، قال عيينة: أنتَ. قال: أنتَ أقدَمُ إسلاماً أم أنا، قال: أنتَ. قال: فإنّي قد قرأتُ ما بين الدفتين، فوالله ما وجدت لها تحريماً إلاّ أنّ الله قال: فهل أنتم منتهون، فقلنا: لا». فبات عنده وشربَا وتنادما، فلمّا أراد عيينة الانصراف قال عيينة بن حصن:شعر : جُزيت أبَا ثَوْر جَزَاء كرامةٍ فنِعْم الفتى المُزْدَار والمُتَضَيِّف قَرَيْتَ فأكْرَمتَ القِرى وأفدْتَنَا تَحِيَّةَ عِلْم لم تَكن قبلُ تُعرف وقلتَ: حلال أن ندِير مُدامة كَلَوْن انعِقَاقِ البَرْقِ والليلُ مُسدف وقَدّمْتَ فيها حُجَّة عربيَّة تَرُدّ إلى الإنصاف مَن ليس يُنْصِفُ وأنتَ لنا واللّهِ ذي العرش قُدوَة إذا صدّنا عن شُرْبها المُتكَلِّفُ نَقُول: أبُو ثَوْر أحَلّ شَرَابَهَا وقولُ أبي ثَوْر أسَدّ وأعْرف تفسير : وحذف متعلّق {منتهون} لظهوره، إذ التقدير: فهل أنتم منتهون عنهما، أي عن الخمر والميسر، لأنّ تفريع هذا الاستفهام عن قوله: {إنّما يريد الشيطان} يعيّن أنّهما المقصود من الانتهاء. واقتصار الآية على تبيين مفاسد شرب الخمر وتعاطي الميسر دون تبيين ما في عبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام من الفساد، لأنّ إقلاع المسلمين عنهما قد تقرّر قبل هذه الآية من حين الدخول في الإسلام لأنّهما من مآثر عقائد الشرك، ولأنّه ليس في النفوس ما يدافع الوازع الشرعي عنهما بخلاف الخمر والميسر فإنّ ما فيهما من اللذات التي تزجي بالنفوس إلى تعاطيهما قد يدافع الوزاع الشرعي، فلذلك أكّد النهي عنهما أشدّ ممّا أكّد النهي عن الأنصاب والأزلام.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ} الآية. يفهم مِن هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين، لأن الله تعالى قال: إنها رجس، والرِّجْس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس. وقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن. قال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنَّة {أية : وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} تفسير : [الإنسان: 21]، لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه، أن خمر الدنيا ليستْ كذلك، ومما يؤيِّد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ} تفسير : [الصافات: 47]، وكقوله: {أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} تفسير : [الواقعة: 19]، بخلاف خمر الدنيا ففيها غَوْل يغتال العقُول وأهلها يصدَّعون. أي يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها، وقوله {وَلاَ يُنزِفُونَ} على قراءة فتح الزاي مبنياً للمفعول، فمعناه: أنهم لا يسكرون، والنزيف السكران، ومنه قول حميد بن ثور: شعر : نزيف ترى ردع العبير بجيبها كما ضرج الضاري النزيفُ المكلما تفسير : يعني أنها في ثقل حركتها كالسكران، وأن حمرة العبير الذي هو الطيب في جيبها كحمرة الدم على الطريد الذي ضرجه الجوارح بدمه: فأصابه نزيف الدم من جرح الجوارح له، ومنه أيضاً قول امرئ القيس: شعر : وإذ هي تمشي كمشّي النزيف يصرعه بالكثِيب البهر تفسير : وقوله أيضاً: شعر : نزيف إذا قامتْ لوجه تمايلت تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا تفسير : وقول ابن أبِي ربيعة أو جميل: شعر : فلثمتُ فاها آخذاً بقرونِها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج تفسير : وعلى قراءة {يُنزِفُونَ} بكسر الزاي مبنياَ للفاعل، ففيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أنه من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر. ونظيره قولهم: أحصد الزرع إذا حان حصاده وأقطف العنب إذا حان قطافه، وهذا القول معناه راجع إلى الأول. والثاني: أنه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم، ومنه قول الحَطيئة: شعر : لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا لَبِئس الندامى أنتم آل ابجرا تفسير : وجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين لما ذكرنا، وخالف في ذلك ربيعة واللَّيث، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخِّرين من البغدادِيِّين والقرويِّين، كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره. واستدلُّوا لطهارة عينها بأن المذكورات معها في الآية من مال ميسر، ومال قِمار وأنصاب وأَزلام ليست نجسة العين، وإن كانت محرَّمة الاستعمال. وأُجيب من جهة الجمهور بأن قوله {رِجسٌ} يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخْرجه إجماع، أو نصّ خرج بذلك، وما لم يخْرجه نصّ ولا إجماع، لزم الحكم بنجاسته، لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصّص من المخصصات، لا يسقط الاحتجاج به في الباقي، كما هو مقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: شعر : وهو حجّة لدى الأكثر إن مخصّص له معيناً يبِن تفسير : وعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوى اليوم بالتطيُّب به المعروف في اللِّسان الدارجي بالكولانيا نجس لا تجوز الصلاة به، ويؤيده أن قوله تعالى في المسكر {فَٱجْتَنِبُوهُ} يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المُسكر، وما معه في الآية بوجه من الوجوه، كما قاله القرطبي وغيره. قال مُقيِّده عفا الله عنه: لا يخفَى على منصف أن التضمخ بالطِّيب المذكور والتلذذ بريحه واستطابته. واستحسانه مع أنه مسكر، والله يصرح في كتابه بأن الخمر رجس فيه ما فيه، فليس للمسلم أن يتطيب بما يسمع ربَّه يقول فيه: إنه {رِجْسٌ} كما هو واضح، ويؤيده "أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة الخمر" فلو كانت فيها منفعة أخرى لبينها، كما بين جواز الانتفاع بجلود الميتة، ولما أراقها. واعلم أن ما استدل به سعيد بن الحداد القروي على طهارة عَين الخمر بأن الصحابة أراقوها في طرق المدينة، ولو كانت نجسة، لما فعلوا ذلك ولَنهاهم النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، كما نهاهم عن التخلي في الطرق، لا دليل له فيه، فإنها لا تعم الطرق، بل يمكن التحرز منها، لأن المدينة كانت واسِعة، ولم تكُن الخمر كثيرة جِداً بحيث تكون نَهراً أو سيلاً في الطرق يَعمُّها كلها، وإنما أُرِيقت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها، قاله القرطبي، وهو ظاهر.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الخمر والميسر: الخمر: كل مسكر كيفما كانت مادته وقلّت أو كثرت، والميسر: القمار. والأنصاب: الأنصاب: جمع نصب. ما ينصب للتقرب به إلى الله أو التبرك به، أو لتعظيمة كتماثيل الرؤساء والزعماء في العهد الحديث. الأزلام: جمع زلم: وهي عيدان يستقسمون بها في الجاهلية لمعرفة الخير من الشر والربح من الخسارة، ومثلها قرعة الأنبياء، وخط الرمل، والحساب بالمسبحة. رجس: الرجس: المستقذر حساً كان أو معنى، إذ لمحرمات كلها خبيثة وإن لم تكن مستقذرة. من عمل الشيطان: أي مما يزيّنة للناس ويحببه إليهم ويرغبهم فيه ليضلهم. فاجتنبوه: اتركوه جانباً فلا تقبلوا عليه بقلوبكم وابتعدوا عنه بأبدانكم. تفلحون: تكملون وتسعدون في دنياكم وآخرتكم. ويصدكم: أي يصرفكم. فهل أنتم منتهون: أي انتهوا فالإِستفهام للأمر لا للإِستخبار. جناح فيما طعموا: أي إثم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من الميسر قبل تحريم ذلك. معنى الآيات: لمَّا نهى الله تعالى المؤمنين عن تحريم ما أحل الله تعالى لهم بَيَّنَ لَهُم ما حرَّمه عليهم ودعاهم إلى تركه واجتنابه لضرره بهم، وإفساده لقلوبهم وأرواحهم فقال تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من صدقتم بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً اعلموا {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ} أي سخط وقذر مما يدعوا إليه الشيطان ويزيّنه للنفوس ويحسنه لها لترغب فيه، وهو يهدف من وراء ذلك إثارة العداوة والبغضاء بين المسلمين الذين هم كالجسم الواحد. وإلى صدهم عن ذكر الله الذي هو عصمتهم وعن الصلاة التي هي معراجهم إلى الله ربهم، وآمرتهم بالمعروف وناهيتهم عن المنكر، ثم أمرهم بأبلغ أمر وأنفذه إلى قلوبهم لخطورة هذه المحرمات الأربع وعظيم أثرها في الفرد والمجتمع بالشر والفساد فقال: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}؟! وأمرهم بطاعته وطاعة رسوله وحذرهم من مغبة المعصية وآثارها السيئة فقال {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} مغبة ذلك ثم أعلمهم أنّهم إن تولوا عن الحق بعدما عرفوه فالرسول لا يضيره توليهم إذ ما عليه إلا البلاغ المبين وقد بلّغ وأما هم فإن جزاءهم على توليهم سيكون جزاء الكافرين وهو الخلود في العذاب المهين. هذا معنى قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} وقوله تعالى في الآية الأخيرة [93] {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} فقد نزلت لقول بعض الأصحاب لرسول الله صلى عليه وسلم (يا رسول الله ما بال الذين ماتوا من إخواننا وهم يشربون الخمر ويلعبون الميسر؟) أي كيف حالهم فهل يؤاخذون أو يعفى عنهم فأنزل الله تعالى هذه الآية فأعلم أنهم ليس عليهم جناح أي إثم أو مؤاخذة فيما شربوا وأكلوا قبل نزول التحريم بشرط أن يكونوا قد اتقوا الله في محارمه وآمنوا به وبشرائعه، وعملوا الصالحات استجابة لأمره وتقرباً إليه. فكان رفع الحرج عليهم مقيداً بما ذكر. وقوله: {ثُمَّ اتَّقَواْ...} كما لا جناح على الأحياء فيما طعموا وشربوا قبل التحريم وبشرط الإِيمان، والعمل الصالح والتقوى لسائر المحارم، ودوام الإِيمان والتقوى والإِحسان في ذلك بالإِخلاص فيه لله تعالى. هداية الآيات من هداية آلايات: 1- حرم الخمر والقمار، وتعظيم الأنصاب والاستقسام بالأزلام. 2- وجوب الانتهاء من تعاطي هذه المحرمات فوراً وقول انتهينا يا ربنا كما قال عمر رضي الله عنه. 3- بيان علة تحريم شرب الخمر ولعب الميسر وهي إثارة العداوة والبغضاء بين الشاربين واللاعبين والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهما قوام حياة المسلم الروحية. 4- وجوب طاعة الله والرسول والحذر من معصيتهما. 5- وجوب التقوى حتى الموت ووجوب الإِحسان في المعتقد والقول والعمل.
القطان
تفسير : الخمر: كل شراب مسكر. الميسر: القمار. الانصاب الأصنام التي نصبت للعبادة، وكانوا يذبحون قرابينهم عندها. الأزلام: قِداح اعواد من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية. الرجس: المستقذَر حساً او معنى. بعد ان نهى سبحانه عن تحريم الحلال من الطيبات، وامر بأكل الطيّب من الرزق، نظر إلى الخمر والميسر والازلام. وكانت هذه من الطيبات في الجاهلية، وكان العرب يشربون الخمر بإسراف، بل يجعلونها من المفاخر التي يتسابقون في مجالسها. وكان يصاحب مجلسَ الشراب نحرُ الذبائح، واتخاذ الشواء منها للشاربين، والمقامرة عليها بالأزلام. كذلك كانوا يذبحون قرابينهم عند الانصاب.. فنهى الله تعالى عن هذه المفاسد كلها نهياً قاطعاً، بعد ان مهد لتحريم الخمر مرتين قبل هذه الآية. وأول ما ذُكرت الخمر في سورة النحل، وهي مكيّة، في قوله تعالى {وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً....} الآية. ثم نزل في المدينة وفي سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا....} الآية فالمنافع في الربح والتجارة، والإثم في الشر والمفاسد التي تنجم عنهما. وقد تركها بعضُ الصحابة، واستمر آخرون. ثم نزل قوله تعالى في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...} الآية كذلك تركها البعضُ واستمرّ عليها آخرون. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه دائما يقول: اللهم بَيّن لنا في الخمر. وقد حدثت حوادث بين بعض الأنصار ونفرٍ من قريش، وهم على الشراب، وكان من جملة الذين لحقهم أذى سعد بن أبي وقّاّص حيث ضربه احد الانصار ففَزَر له أنفه. وحين نزلت {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ...} الآية كانت الحاسمة في تحريم الخمر تحريماً قاطعاً. يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله: إن الخمر التي تشربونها، والميسر الذي تقامرون به، والاصنام التي تذبحون عندها قرابينكم، والازلام التي تستقسمون بها، كل ذلك رِجسٌ قذِر من إغواء الشيطان لكم، وقد كرهه الله لكم ولذلك حرّمها، فاجتنبوها نهايئاً، رجاء ان تفلحوا وتفوزوا برضاه. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ }. بعد ان أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر ذكر أن فيهما مفسدتين: احداهما دنيوية، هي ايقاع العداوة والبغضاء بين الناس. والثانية دينية هي الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة التي هي عماد الدين. ثم اكد ذلك بهذا الاستفهام بقوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}، أي انْتَهُوا عن هذه الأشياء. وأسمعُ بعض الناس يقولون: ان الخمر غير محرّمة، لأنه لم يقل الله انها حرام صراحةً بل قال: اجتنبوه. وقولهم هذا كلام فيه الهوى والتذرّع بالتلاعب بالالفاظ لتعليل الأمور التي يحبونها، فالقرآن ليس كتاب فقه حتى ينصّ على كل شيء بأنه حرام او حلال، وانما هو قرآن كريم له اسلوب عربي فريد لا يدانيه اسلوب. واكبر دليل على تحريم الخمر تحريما نهائياً أن الله تعالى قرن الخمر بالميسر الذي هو القمار، وبالأزلام والأنصاب، وقد جاء تحريم الأزلام والانصاب صريحاً بقوله تعالى في أول هذه السورة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ...} الآية ولما نزلت {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ...} الآية قال سيدُنا عمر: أُقرِنْتِ بالميسِر والأنصابِ والأزلام، بعداً لكِ وسحُقا. فإذا كانت عبادة الأصنام والذبحُ عندها تقرّباً لها حلالا، فإن الخمر تكون حلالا، واذا كانت الأزلام والاستقسام بها حلالا، فإن الخمر تكون كذلك، واذا كان الميسر والمقامرة حلالاً فإن الخمر كذلك تكون حلالا.. فالذين يقولون بتحليلها أناس يتّبعون أهواءهم، ولا يخشَون الله فيما يقولون. والأزلام: هي سهام من خشب، وهي ثلاثة أقسام. (1) قِداح الميسر وهي عشرة واسماؤها كما يلي: الفَذّ والتوأم والرقيب والحِلْسُ والنافِس والمُسيل والمعلَّى والمَنِيح والسَّفِيح والوغد، ولكل واحدٍ من هذه نصيبٌ اذا فاز، واذا خاب عليه ذلك النصيب. وأعلاها المعلَّى له سبعة أجزاء. (2) والقسم الثاني: ثلاثة ازلام: مكتوب على أحدها: امرني ربي، وعلى الثاني نهاني ربي، والثالث غُفل ليس عليه كتابة. (3) وهذا القسم للأحكام. وكانت العرب في الجاهلية إذا أراد أحدهم سفراً او تجارة او نكاحاً او اختلفوا في نسب، أو أمر قتيل أو تحمُّل دية مقتول او غير ذلك من الامور ـ جاء الى هُبَل، أعظم صنم في الكعبة لقريش، وقدّم مائة درهم الى السادن، فيخرج له القداح ويسحب واحداً منها من الكيس التي هي فيه. فإذا خرج أمرني ربي، أمضى عمله، والا تركه. ولقد حرم الإسلام هذه الأمور لأنها تشتمل على مفاسد، والاسلام يريد ان يبني مجتمعاً نقيا طاهرا.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلأَزْلاَمُ} {ٱلشَّيْطَانِ} (90) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَنْ تَعَاطِي الخَمْرِ وَلَِْبِ القِمَارِ (المَيْسِر)، وَعَنْ ذَبْحِ القَرَابينِ عِنْدَ الأَنْصَابِ، (وَهِيَ حِجَارَةٌ كَانَتْ تُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ)، كَمَا يَنْهَاهُمْ عَنِ الاسْتِقْسَامِ بِالأَزْلاَمِ (وَالأَزْلاَمِ ثَلاَثَةُ قِدَاحٍ أَوْ سِهَامٍ يُجِيلُونَهَا ثُمَّ يُلْقُونَهَا، وَقَدْ كُتِبَ عَلَى أَحَدِهَا (افْعَلْ)، وَعَلى الأخَرِ (لاَ تَفْعَلْ)، وَالثَّالِثُ غُفْلٌ مِنَ الكِتَابَةِ. فَإِذَا خَرَجَ السَّهْمُ الذِي كُتِبَ عَلَيْهِ (افْعَلْ) فَعَلَ. وَإذَا خَرَجَ السَّهْمُ الذِي كُتِبَ عَلَيْهِ (لاَ تَفْعَلْ) لَمْ يَفْعَلْ. وَإذا خَرَجَ السَّهْمُ الغُفْلُ مِنَ الكِتَابَةِ أَعَادَ الاسْتِقْسَامَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ إنَّ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ: الخَمْرَ وَالمَيْسِرَ.. إنَّمَا هِيَ شَرٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (رِجْسٌ) فَاجْتَنِبُوا هَذَا الرِّجْسَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَتَفُوزُونَ بِرِضْوَانِ اللهِ. الرِّجْسُ - لُغَةً هُوَ المُسْتَقْذَرُ حِسّاً أَوْ مَعْنىً. الخَمْرُ - هِيَ مَا تَخَمَّرَ مِنْ عَصِيرِ الفَوَاكِهِ عَامَّةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا مَا تَخَمَّرَ مِنْ عَصِيرِ العِنَبِ أَوْ التِّمْرِ، وَقَالَ الشَّافِعيُّ إنَّهَا كُلُّ مَا أسْكَرَ. المَيْسِرُ - القِمَارُ. الأَنْصَابُ - حِجَارَةٌ حَوْلَ الكَعْبَةِ كَانُوا يُعَظِّمُونَها.
الثعلبي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ} وقد مرّ تفسيره، فإن جمعه تحريمها وسنذكر أخباراً في الوعيد الوارد في شربها واتخاذها وبيعها وباللّه التوفيق. عن الشيخ أبو عمرو أحمد بن أبي الفراني، الحاكم أبو الفضل محمد بن أحمد بن عبد اللّه المروزي حدثني عبد اللّه بن يحيى حدثني الحسين بن المبارك حدثني عتبة بن الوليد عن عبد اللّه ابن حبيب عن الزهري عن ابن المسيب عن عثمان بن عفان قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن اللّه لا يجمع الخمر والإيمان في إمرىء أبداً ". تفسير : أحمد بن أبي، عمران بن موسى، ومارود بن بطن، عثمان بن أبي شيبة، محمد بن أبي سلمى الأصفهاني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : مدمن الخمر كعابد الوثن ". تفسير : أحمد بن أُبي، محمد بن يعقوب، الربيع بن سليمان، الشافعي مالك عن نافع عن إبن عمر إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة ". تفسير : أحمد بن أُبي، أبو عبد اللّه بن محمد بن موسى الرازي، الحرث بن أبي أسامة البغدادي، داود ابن المحسن الواسطي، ميسر بن عبد ربه عن أبي عائشة السعدي عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وابن عباس جميعاً قالا: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شرب الخمر في الدنيا سقاه اللّه من سم الأساود وسم العقارب، من شربها تساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها فإذا شربها [تفسخ لحمه] ينادي به أهل الجمع ثم يؤمر به إلى النار إلا وشاربها وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إليه وكل فيها سواء في إثمها وحاد بها، ولا يقبل اللّه منه صلاة ولا صياماً ولا حجاً ولا عمرة حتى يتوب فإن مات قبل أن يتوب منها كان حقاً على اللّه يعاقبه فيه بكل جرعة شربها في الدنيا شربة من صديد جهنم ألا وكل مسكر خمر وكل خمر حرام ". تفسير : أحمد بن أُبي، أبو العباس الأصم، أحمد بن إسحاق الصنعاني، أبو نعيم، عبد العزيز بن محمد ابن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن عبد اللّه الغافقي من أهل مصر عن ابن عمر أنه قال: أشهد أني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو يقول:"حديث : لعن اللّه الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه وأكل ثمنها ". تفسير : أحمد بن أُبي، أبو العباس الأصم، محمد بن إسحاق بن جعفر الصنعاني، نعيم بن ماد، عبد العزيز بن محمد عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر ولا يموتن أحدكم وعليه دين فإنه ليس هناك دينار ولا درهم وإنما يقتسمون هناك الحسنات والسيئات واحد بيمينه وواحد بشماله ". تفسير : أبو بكر أحمد بن محمد القطان، محمد بن الحسين بن محمد الدهقان، عثمان بن سعيد الدارمي، الربيع بن الروح أبو توبة الحلبي، محمد بن الحرمي عن حكم بن عيينة عن محمد بن [المنكدر] عن علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شرب الخمر بعد أن حرمها اللّه على لساني فليس له أن يزوج إذا خطب ولا يصدق إذا حدث ولا يشفع إذا شفع ولا يؤتمن على أمانة فمن أئتمنه على أمانة فاستهلكها فحق على اللّه عز وجل أن لا يخلف عليه ". تفسير : أنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو العباس عبد اللّه بن محمد الجبّائي، أنشدنا رضوان ابن أحمد الصيدلاني شعراً: شعر : تركت النبيذ لأهل النبيذ وصرت حليفاً لما عابه شراباً يدنس عرض الفتى ويفتح للشر أبوابه تفسير : {وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ} أي الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها: نصب بفتح النون وجزم الصاد، ونصب منهم النون مثقلاً ومخففاً {وَٱلأَزْلاَمُ} يعني القداح التي كانوا يقتسمون بها {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} تزينه {فَٱجْتَنِبُوهُ} رد الكناية إلى الرجس {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ} يلقي {بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} كما فعل الأنصاري الذي [شج] سعد بن أبي وقاص [بلحي] الجمل {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} أي إنتهوا لفظه إستفهام ومعناه أمر كقوله {أية : فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 80] {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} المحارم والملاهي {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ}. عن ذلك {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ} فإما التوفيق والخذلان، والثواب والعقاب فإلى اللّه سبحانه، فلما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصحابة: يا رسول اللّه ما تقول في إخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فأنزل اللّه {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} شربوا الخمر نظيره قوله {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249] وفيما أكلوا من الميسر ذلك ذكر المنعم لأنه لفظ جامع {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ} الشهوات {وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ} الخمر والميسر بعد تحريمهما {ثُمَّ اتَّقَواْ} حرم اللّه عليهم كله {وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. الحسين بن محمد بن فنجويه، عمر بن الخطاب، محمد بن إسحاق الممسوحي، أبو بكر ابن أبي شيبة، محمد بن بكر عن سعد بن عوف عن محمد بن حاطب قال: ذكر عثمان قال الحسن بن علي: هذا أمير المؤمنين يأتيكم خبركم فجاء علي فقال: إن عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا واللّه يحب المحسنين {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} الآية، نزلت عام الحديبية إبتلاهم اللّه بالصيد فكان الوحش يغشى رجالهم كثير وهم محرمون فبينما هم يسيرون بين مكة والمدينة إذ عرض اليهم حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر بن عمرو فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت حرم فأتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فأنزل اللّه {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} ليختبرنكم اللّه {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} وإنما بعض فقال بشيء لأنه إبتلاهم بصيد البرّ خاصة {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} وهي الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر من الصيد الوحش {وَرِمَاحُكُمْ} وهي الوحش وكبار الصيد {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} ليرى اللّه من يخافه بالغيب ولم يره {مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} فلا يصطاد في حال الإحرام {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي صاده بعد تحريمه فاستحلّه {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أي محرمون بالحج والعمرة وهو جمع إحرام يقال رجل حرام وامرأة حرام {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} إختلفوا في صيغة العمد الموجب للجزاء والكفارة في قتل الصيد، قال: حرموا العمد في قتل الصيد مع نسيانه لإحرامه في حال قتله فأما إذا قتله عمداً وهو ذاكراً لإحرامه فلا حكم عليه وأمره إلى اللّه لأنه أعظم من أن يكون له كفارة. قرأ مجاهد والحسن وقال آخرون: هو العمد من يحرم بقتل الصيد ذاكر الحرمة فيحكم عليه في العمد والخطأ وهو إختيار الشافعي وأكثر الفقهاء. وقال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ. وقال ابن عباس: إن قتله متعمداً مختاراً سئل: هل قتلت قبله شيئاً من الصيد؟ فإن قال: نعم لم يحكم عليه وقيل له: إذهب فينتقم اللّه منك. وإن قال: لم أقتل قبله شيئاً حكم عليه فإن عاد وقتل الصيد محرماً بعد ما حكم عليه لم يحكم عليه ولكن يملأ ظهره وصدره ضرباً وجيعاً، وكذلك حكم رسول اللّه (عليه السلام) في وج وهو وادي بالطائف، وعندنا إذا عاد يحكم عليه وعليه الجمهور بذلك. قوله: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} نوّنها يعقوب وأهل الكوفة ورفعوا المثل على البدل من الجزاء، كأنه فسّر الجزاء فقال: مثل ما قيل من النعم وأضافها الآخرون لاختلاف الإسمين {يَحْكُمُ بِهِ} أي بالجزاء {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به حتى يفديه ويهديه إلى الكعبة فإن قتل نعامة فعليه بدنة فإن قتل بقرة أو إبلاً أو حماراً فعليه بقرة وإن قتل بقرة وحشية فعليه عجل إنسي وفي الضبع كبش لأنه صيد وأكله حلال. وأما السباع فلا شيء فيها وإن قتل ضبياً فعليه شاة، وفي الغزال والأرنب جمل، وفي الضب واليربوع سخلة، وفي الحمام والفواخت والقمري والدبسي وذوات الأطواق وكل ما عبث وهدر شاة، واختلفوا في الجراد وروي عن عمر أنّه قال لكعب وقد قتل جرادتين: ما جعلت على نفسك، قال: درهماً قال: بخ، قال: درهم خير من مائة جرادة. وروي عن عمر أيضاً في الجرادة تمرة. قال ابن عباس: قبضة من طعام فإن أصاب فرخاً أو بيضاً أو شيئاً لا يبلغ بهيمة فعليه قيمته طعاماً، وهو قول عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر وإليه ذهب الشافعي، وعليه جمهور أهل العلم، قال النخعي: يقوم الصيد المقتول قيمته من الدراهم فيشتري بثمنه فداء من النعم ويهديه إلى الكعبة. وروى عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: خرجنا حجاجاً وكنا إذا صلينا الغداة أفسدنا رواحلنا نتماشى ونتحدث، فبينا نحن ذات غداة إذ سنح لنا ضبي [فابتدرناه] فابتدرته ورميته بحجر فأصاب حشاه فركب ردعه فمات فلما قدمنا مكة سألنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وكان حاجاً وكان جالساً وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف فسألته عن ذلك، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ فقال: عليه شاة قال: وأنا أرى ذلك. قال: إذهب فأهد شاة فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم [يفجأنا] إلاّ وعمر معه درّة فعلاني بالدرّة فقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم، قال اللّه {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} فأنا عمر وهذا عبد الرحمن. محمد بن عبدوس عن محمد بن الحسن عن علي بن عبد العزيز عن القاسم بن علام عن أبي أمية عن أبي [صوليه] عن عبد الملك بن عمير: أو كفارة طعام مساكين إذا لم يكن واجداً للفدية أو لم يكن للمقتول مثل من النعم فكفارته حينئذ الإطعام. يقوّم الصيد المقتول دراهم ثم يقوّم الدراهم طعاماً فتصدق على مساكين الحرم فإن لم يجد فصيام لكل نصف صاع يوماً عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: لكل مدّ وعنده إنه يخير من هذه الأشياء الثلاثة فإنه ذكرها تلفظاً وهو قول مجاهد وعطاء، واختلفوا في تقويم الطعام. فقال الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء: يقوّم الصيد قيمة الأرض التي أصابه بها. وقال الشعبي: يقوّم بسعر الأرض التي يكفر بها. قال جابر: سأل الشعبي عن محرم أصاب صيداً بخراسان. قال: يكفر بمكة بثمن مكة. واختلفوا في الإطعام أين يُطعم؟. فقال قوم: يُطعم بمكة فلا يجزي إلاّ بها، وهذا قول عطاء وإليه ذهب الشافعي. فأما الهدي فلا يجوز إلاّ بمكة بلا خلاف. فأما الصوم فيجوز بأي موضع صام بلا خلاف فلو أكل من لحم صيد فلا جزاء عليه إلاّ في قتله أو جرحه ولو دلّ على صيد كان مسيئاً جزاء عليه كما لو أمر بقتل مسلم لا قصاص عليه وكان مسيئاً. واعلم أن الصيد الذي لا يجوز قتله في الحرم وفي حال الإحرام هو ما حلّ أكله. أبو عبد اللّه الحسين بن محمد الدينوري، أبو بكر البستي، أبو عبد الرحمن البستي، قتيبة ابن سعد عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة والكلب العقور ". تفسير : وبه عن عبد الرحمن عمرو بن علي عن يحيى عن شعبة عن قتادة عن ابن المسيّب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خمس يقتلهن المحرم: الحية والفأرة والحدأة والغراب الأبقع والكلب العقور ". تفسير : {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} جزاء معصيته {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} في الجاهلية {وَمَنْ عَادَ} في الإسلام { فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} في الآخرة. وقال ابن عباس: يملأ ظهره سوطاً حتى يموت. السدي: عاد رجل بعد ما حكم عليه بالتحريم وأحرقه اللّه بالنار. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} على المحرم والحلال. وهو على ثلاثة أوجه: الحيتان وأجناسها وكلها حلال، والثاني: الضفادع وأجناسها وكلها حرام. والثاني فيه قولان، أحدهما: حلال، والثاني: حرام، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال بعضهم: كل ماكان مثاله في البر فهو حلال في البحر وما كان مثاله [جزاء ما] في البر فهو حرام في البحر. فأراد بالبحر جميع المياه لقوله {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} تفسير : [الروم: 41] {وَطَعَامُهُ} قال بعضهم: هو ما مات في الماء فقذفه الماء إلى الساحل ميتاً وهو قول أبي بكر وعمر وإبنه وأبي هريرة وابن عباس، وقال بعضهم: هو المليح منه، وهو قول ابن جبير وعكرمة والنخعي وابن المسيب وقتادة {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} يعني المارة. {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} لا يجوز للمحرم أكل الصيد إذا صاد هو وصيد له بأمره فأما إذا صاده حلال بغير أمره ولا له فيجوز له بلا خلاف. فأما إذا قتله المحرم فهل يجوز أكله أم لا؟ قال الشافعي: يجوز لأنه ذكاة مسلم، وعند أبي حنيفة لا يجوز فأحلّه محل ذكاة المجوس، ودليل الشافعي، أبو عبد اللّه [الفنجوي]، أبو بكر السني، النامي، محمود بن عبد اللّه، أبو داود، سعيد عن عثمان بن عبد اللّه موهب سمعت عبدالله بن أبي قتادة حدث عن أبيه حديث : إنهم كانوا في مسير لهم في بعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حماراً وحشياً، فركبت فرسي وأخذت الرمح واستعنتهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطاً من بعضهم فشددت على الحمار وأخذته فأكلوا منه فأشفقوا فسئل عن ذلك النبي (عليه السلام) فقال: هل محرم عنيتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا . تفسير : وبإسناده عن النسائي قال: [حدّثنا]، قتيبة بن سعيد عن يعقوب وهو ابن عبد الرحمن بن عمرو عن المطلب عن جابر سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو صيد لكم ". تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ساعة تسمع كلمة: "إنما" فاعلم أنهم يسمونها في اللغة "أداة قصر" كقولنا: إنما زيد مجتهد، وهذا يعني أننا قَصِرَنْا زيداً على الاجتهاد. لكن إذا قلنا: إنما المجتهد زيد، فنحن في هذه الحالة قَصَرْنا الاجتهاد على زيد. وساعة تقصر إنساناً على وصف فذلك يسمونه: "قصر موصوف على صفة"، وعندما نقول: إنما زيد شاعر. فهذا يعني أن زيداً شاعر فقط وهو ليس بكاتب أو خطيب. أما إن قلت: إنما الشاعر زيد، فهذا يعني أنه لا يوجد شاعر إلا زيد؛ فكأنك نفيت عن الآخرين أنهم شعراء، وأن زيداً فقط هو الشاعر ويحتمل أن يكون كاتباً وخطيباً وعالماً مع كونه شاعراً. إذن فساعة ترى "إنما" فاعرف أنها أداة من أدوات القصر. والحق سبحانه يقول هنا: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]. أي أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كلها رجس من عمل الشيطان. والرجس هو الشيء الرديء الخبيث القذر. والقذارة والخبث هما من الأمور التي قد تكون حسية مثل الخمر، وقد تكون معنوية كالأنصاب والأزلام؛ وجمع الحق سبحانه في هذه الآية الأمرين معاً. ولم يقل إن الخمر هي عصير العنب أو عصير التفاح، إنما جاء بالخمر التي تشمل كل ما يخامر العقل ويستره. وتعجب بعض العلماء من أن هذه الآية نزلت في البلاد التي ليس فيها شيء من عصير العنب، ذلك أنهم ظنوا أن عصير العنب فقط هو الذي يستر العقل، لكن الحق جاء بالتحريم الشامل لكل ما يستر العقل. لماذا إذن تكون الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجساً من عمل الشيطان؟ إنّ الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض وسخر له كل شيء في الوجود وطلب منه أن يعبده وحده وأن يعمر هذه الأرض. وأراد الحق أن يضمن للإنسان سلامة أشياء متعددة؛ سلامة نفسه فلا يُعتدي عليها بالقتل أو غير ذلك، وسلامة عقله فلا يُجنى عليه بما يستر آلية الاختيار بين البدائل، وسلامة عرضه فلا يَلغ فيه أحد وحتى تأتي الأنسال التي تعمر الكون وهي أنسال طاهرة، وسلامة ماله حتى يحفظ على الإنسان أثر حركته في الحياة وحتى لا يأخذ غيره أثر حركته، وذلك حتى لا يزهد العامل في العمل ولا يعود الطاقات أن تأخذ من غير عملها فتكسل وتتواكل، فالإنسان إذا ما اعتاد أن يأخذ من غير عمل صار العمل صعباً عليه، وهكذا كانت صيانة المال لا تبدد طاقة ولا تهدر حقا، ولا تعطي غير ذي حق حقا لغيره، وهكذا حتى لا يشيع العجز الاصطناعي في الكون. ولذلك قال الحق وهو مانح كل مال: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245]. أي أنه - وهو المانح سبحانه وتعالى - قد احترم حركة الإنسان فلا يستمرئ أحد البطالة. وعندما تنتشر البطالة في الإسلام يعالج الأمر بحكمة بالغة؛ فهو يطلب من الوالي أن يسبب لهم الأسباب ليعملوا. وذلك حتى لا يتعودوا على الأخذ بغير عمل لئلا تكون مصيبة على المجتمع. وأراد سبحانه بالشريعة السمحاء أن يحمي الإنسان من كل ما يبدده، فحينما حرم الخمر، أي منع عن الإنسان ستر العقل، ذلك أن ميزة الإنسان على الحيوان هي العقل. إن الإنسان يختلف عن الحيوان بأنه يحفظ حياته بالعقل، أما الحيوان فيحفظ حياته بالغريزة. ولذلك فالحيوان لا يملك إلا رداً واحداً إذا ما تم الاعتداء عليه؛ الكلب يعض المعتدي والقطة تخمش المعتدي، أما الإنسان فعندما يعتدي عليه أحد فهو يختار بين بدائل للرد على العدوان، إما أن يضرب وإما يقتل وإما أن يسامح. ومثال لذلك نراه في الريف، عندما يحاول راكب الحمار أن يجبر الحمار على القفز على قناة صغيرة فيها مياه يرفض الحمار ذلك تماماً ومهما ضربه راكبه فهو يرفض القفز؛ لأن غريزته تمنعه من ذلك. أما الإنسان فقد ينتابه الغرور ويظن أنه قادر على القفز فوق القناة فيقفز لكنه قد يقع في المياه. وتوجد المجازفة عند الإنسان، لكنها لا توجد عند الحيوان بمقتضى الغريزة. ومثال آخر من عالم الحيوان. نجد ذكر الجاموس يقترب من الأنثى ليشمها فإن وجدها حاملاً لا يقربها، هكذا الحيوان. أما الإنسان فلا. والحمار يتناول طعامه من البرسيم مثلا ما يشبعه ولا يزيد أبداً في الطعام مهما ضربه صاحبه؛ لأنه محكوم بالغريزة، أما الإنسان فقد يأكل فوق طاقته. وهكذا نجد الغريزة هي التي تعصم الحيوان، والعقل هو الذي يعصم الإنسان. ولذلك لا يملك الحيوان القدرة على الاختيار، ولكن ميزان غرائزه لا يختل أبداً. أما ميزان الغرائز عند الإنسان فقد يختل. لقد ميز الله الإنسان عن الحيوان بالاختيار بين البدائل بالعقل، ولذلك لا يصح ولا يستقيم من الإنسان أن يطمس هذه القدرة بالخمر. فإن طمس قدرة الاختيار، فإن غرائزه في هذه الحالة لا تنفعه لأنها غير مؤهلة لحمايته، ولذلك نجد الذي يطمس عقله يضع نفسه في مرتبة أقل من الحيوان؛ لأن الحيوان تحميه الغريزة، والإنسان يحفظه عقله، وهو في هذه الحالة قد طمسه وغطاه، وقد حرم الله الخمر لأنها تستر العقل. وكل ما يستر العقل خمر ولو كان أصله حلالاً؛ وذلك لأن العقل هو مناط التكليف. وكذلك حرم الله الميسر. ولنر دقة الاسم الذي اختاره الله للقمار، إنه "الميْسر" ولم يسمه "المعسر" ذلك أن أحداً لا يقبل على الميسر وهو يظن أنه سوف يخسر، وكل من يلعبون القمار إنما يفعلون ذلك على أمل الكسب؛ لذلك جاء بالاسم الذي يعبر عن حالة اللاعب للقمار إنه يلعب على وهم الكسب، وإن كسب فالمكسب يُغْريه بالمزيد من اللعب. والخسران يغري باللعب أكثر لعل كسباً يعرض الخسارة التي مني بها، وقد يبيع اللاعب للميسر كل ما يملك كي يعوض خسارته ومع ذلك فالكسب من الميسر هين على النفس تبدده وتنفقه فيما لا ينفع بل قد ينفقه فيما يضر، فالمكسب ليس له والخسارة محسوبة عليه. والذين يلعبون الميسر مع بعضهم لا تربطهم صداقة أو محبة. فكل منهم حريص على أن يأخذ ما في جيب الآخر. وهذا اللون من اللعب يعطل القدرة على الكسب الحلال؛ لأن الكسب الحلال يحتاج إلى حركة في الكون. والميسر يشل حركة الكاسب لأنه يزهد في العمل. والخسران يشل حركة الخاسر لأنه مهما سعى في الأرض فقد لا يستطيع أن يسدد ديونه. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضمن للناس ألا ينتفع أحد بشيء إلا نتيجة كده وعمله. والحق يريد أن يكون جسد كل إنسان من ناتج عرقه في عمل مشروع وكذلك أجساد من يعول. وأبلغنا أيضاً أن الأنصاب رجس من عمل الشيطان. والأنصاب ثلاثة قداح كانت توجد عند الكاهن؛ قدْح مكتوب عليه أمرني ربي، والقدح الثاني: مكتوب عليه نهاني ربي، والقدح الثالث: غفل من الكتابة أي خال منها فلا علامة فيه. فإن كان في نية إنسان السفر أو الزواج أو التجارة فهو يذهب إلى الكاهن ليضرب له هذه القداح. فإن خرج القدح المكتوب عليه أمرني ربي فعل. وإن خرج نهاني ربي لم يفعل. أما أن خرج القدح الغفل فهو يعيد ضرب القداح حتى يخرج أحد القدحين: إما الذي يحمل الأمر، وإما الذي يحمل النهي. ولم يتساءل أحد لماذا عندما يخرج القدح الغفل لا يعتبر أن هذا أمر خارج عن نطاق التحريم. ويؤخذ على أنه إباحة واختيار يعمل أو لا يعمل. لقد أنساهم الحق ذلك حتى يدلنا على أن ذلك أمر كاذب جاء به الكهنة من عندهم. فإن سألهم سائل: من الإله الذي أمر ونهى؟ هنا يقول القائل منهم: الله هو الذي أمر وهو الذي نهى. (والله يعلم إنهم لكاذبون). والحق سبحانه وتعالى حين ينهانا عن تلك الأمور فهو يريد للإنسان أن ينمي ملكة الاختيار بين البدائل. وعلى الإنسان أن يستنبط وأن يحلل وأن يعرف المقدمات فيدرسها ويحلل الخطوات ليصل إلى النتائج. لا أن يعطل القوة المدركة التي تختار بين البديلات، فالخمر تستر العقل، وكذلك الميسر يضع الإنسان بين فكي الوهم، وكذلك الأنصاب تعطل القدرة على السعي والرضوخ للكهنة. وعندما تسأل شارب الخمر: لماذا تشربها؟ يجيب: إنني أريد أن أستر همومي. وستر الهموم. لا يعني إنهاءها. ولكن مواجهة الهموم هي التي تنهي الهموم بالأسباب المتاحة للإنسان. فإن لم تقو أسبابك فالجأ إلى المسبب في إطار قول الحق: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62]. وعندما تستنفد أسبابك وتلجأ إلى الله فهو يعينك على الأمر الشاق المسبب للهموم. ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة. فقد كان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. ومعنى "حزبه" أي خرج عن نطاق أسبابه. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى رب الأسباب. وقد نجد من يقول: إنني أدعو الله كثيراً ولكنه لا يستجيب لي. ونقول: إما لأنك قد دعوت في غير اضطرار، وإما لأنك لم تلفت إلى الأسباب، وأنت حين تتجنب الأسباب فأنت ترفض يد الله الممدودة لك بالأسباب. وأنا أتحدى أن يوجد مضطر أنهى الأسباب، ولا يأتي له الفرج. وأنت حين تدعو بحاجة وتتأخر عليك، نقول لك: إنك دعوت بغير اضطرار. وكثيراً ما أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى المنزه دائماً - وأقول: هب أن تاجراً من تجار الجملة الكبار يجلس أمام المخازن التي يملكها وجاءت السيارات الشاحنة بصناديق بضائعه. والعمال يحملون البضائع ليضعوها في المخازن. وفجأة رأى عاملاً من عماله يكاد يقع بالصندوق الذي يحمله، هنا نجد التاجر يهب بلا شعور لنجدة العامل. فما بالنا بالحق الذي خلق لنا الأسباب؟ إنك إن استنفدت الأسباب فإن الله يعينك مصداقاً لقوله: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} تفسير : [النمل: 62]. إذن فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان. والأزلام هي نوع من الميسر؛ فقد كانوا يحضرون الناقة أو الجزور ويذبحونها ويقسمونها إلى ثمانية وعشرين قسماً ويخصصون لإنسان نصيباً وللثاني نصيبين وللثالث ثلاثة أنصبة، وللرابع أربعة أنصبة وللخامس خمسة أنصبة، وللسادس ستة أنصبة، والسابع له سبعة أنصبة. وكانوا يأتون بالقِداح السبعة. قدح اسمه "الفذ" ويأخذ الفائز به نصيباً، والقدح الثاني: "التوأم" ويأخذ نصيبين، والقدح الثالث اسمه "الرقيب" يأخذ ثلاثة. والقدح الرابع اسمه "المُسْبِل" ويأخذ ستة. والسابع اسمه "المُعَلَّى"ويأخذ سبعة أنصبة. وهناك ثلاثة قداح هي المنيح والسفيح والوَغْد، وهؤلاء الثلاثة لا يأخذون شيئا بل يدفعون ثمن الذبيحة. وذلك رجس من عمل الشيطان. إن النفس العاقلة لا تقبل على مثل هذه الأعمال، بل لا بد أن يحرك أحد تلك الأطماع، ذلك أن المخالفات إنما تنشأ من أمرين؛ إما أن تكون من النفس، وإما أن تكون من الشيطان. والمخالفة التي تكون من النفس هي التي تحقق شهوة من نوع خاص بحيث إذا زحزحت النفس عنها فهي تريدها. والمخالفة التي من نزغ الشيطان تختلف، فقد يوعز الشيطان لإنسان بالسرقة، فيرفض، فيعرف الشيطان أن لهذا الإنسان مناعة ضد هذه المعصية، فيوعز بمعصية أخرى، فإذا وجد مناعة انتقل إلى معصية ثالثة؛ لأن وسوسة الشيطان تطلب الإنسان عاصياً على أي لون من الألوان. فإذا وقفت عند معصية بذاتها فاعلم أن ذلك من عمل نفسك، وإن انتقلت بالوسوسة من معصية عزت على الشيطان إلى معصية أخرى فاعلم أنها من عمل الشيطان ولا دخل للنفس بها. والعاقل الذي يتمعن في كل تلك المسائل المحرمة يرى أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام هي أمور لا تستطيبها النفس غير المنزوعة من الشيطان، فكأن قوله الحق: {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} يدلنا على أن العاقل لا يمكن أن يصنع هذه الأشياء. ويذيل الحق الآية: {فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. ويأمرنا سبحانه باجتناب الرجس الذي جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والاجتناب هو أن يعطي الإنسان الشيء المجْتَنَب جانَبَه، أي المنع للذرائع والأسباب والسد لها؛ لأنك إن لم تجتنبها فمن الجائز أن قربك منها يغريك بارتكابها. وبعض الناس يظنون أن الخمر لم يأت لها تحريم وإنما جاء الأمر فيها بالاجتناب. ونقول لهم: إن التحريم هو النص بعدم احتسائها، وأما الاجتناب فهو أقوى من التحريم لأنه أمر بعدم الوجود في مكانها. فإذا كان الحق قد قال في قمة العقائد: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]. فقد قال هنا اجتنبوا الرجس الذي يجمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. والحق سبحانه وتعالى واجه العادات التي شاعت قبل الإسلام ليخلع الفاسد منها ولم يجابهها دفعة واحدة وذلك لتعليق النفس بها والإلف لها، وإنما كان التحريم لها بالتدريج. لقد حزم الإسلام الأمر أولاً في مسائل العقائد، أما الأمور التي تترتب على إلف العادة فكان تحريمها على مراحل. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى عن شيء إنه: "رجس"، فذلك حكم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن نقبل هذا الحكم حتى ولو لم نفهم نحن معنى الرجس، أو لم نتأكد مادياً من أن الشيء المحرم هو من الرجس، ذلك أنه يكفي في ذلك حكم الله الذي يرضخ له العبد المؤمن الذي قبل التكليف من ربه؛ لأن ربه مُؤتمن على كل مصالحه. وما دام الحق قد قال عن شيء إنه رجس، فهو رجس ولا جدال في ذلك. أقول ذلك لأن بعضاً يظل متصيداً لأي ثغرة مفتعلة متسائلا: كيف يكون ذلك العمل أو ذلك الشيء من الرجس؟ ونقول: إننا نرضخ لحكم الله تعالى وننفذ ما أمر به، فهو إله مأمون على كل الخلق، وتثبت لنا الأيام دائماً صدق قول الحق في أن الأشياء التي قال عنها سبحانه إنها رجس، هي من الرجس فعلاً، فحين يقول سبحانه لخلقه: افعلوا كذا، لا نسأله: وما علة ذلك التكليف، ولكننا ننفذ أمر الحق، ونكتشف في أعماقنا فائدة ذلك التكليف. أما عندما يكلفنا عبد مساوٍ لنا بشيء فلا بد أن نسأل: لماذا؟ والعبد المساوى لنا عليه أن يقدم لنا العلة لأي فعل يطلب منا القيام به، ولكننا لا نسأل الله عن علة التكليف لنا؛ لأننا نؤمن بأنه إله حكيم، والأيام ستثبت لنا أن قول الله حق. ومثال على ذلك نجد أن الذي لا يشرب الخمر امتثالاً لنهي الله عن ذلك الفعل، هو إنسان مستقيم السلوك، طاهر القصد، ولا يتأتى منه نشاز في الكون. أما الذي يشرب الخمر فهو معوج السلوك، غير طاهر القصد، ويتأتى منه نشاز في الكون. وقد أثبتت التجربة أن شارب الخمر إنما يصاب بأمراض في الكبد ويعاني من ارتباك في إدارة حياته وكلماته. نحن نقرأ قول الله سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 282]. والتقوى - كما علمنا - أن نجعل بيننا وبين غضب الله وقاية؛ لذلك نفعل ما أمرنا به. وحين نفعل أوامر الإله الحق فإننا نتعلم حكم الله في الفعل. ومثال ذلك قوله الحق: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45]. ونحن نعرف كيف تنهانا الصلاة عن الفحشاء والمنكر؛ لأننا نسلم وجوهنا وقلوبنا الله فننفذ ما أمر به. وكذلك نجد في الزكاة نماء. ونجد الحج يصفي النفس من أي كبر ويغسل الذنوب. وكل فعل أمر به الحق نجد له الأثر في نفوسنا بعد أن نقوم به. أما إن فعلت الحكم للعلة فذلك يبعد بك عن مرتبة الإيمان. ونجد أن الطبيب يأتي لشارب الخمر بصورة ملتقطة للكبد بواسطة الموجات الصوتية أو الأشعة فيجد شارب الخمر صورة كبده وقد امتلأت بالتهرؤ وصارت عرضة لأمراض كثيرة ثقيلة وربما تعطلت وظائف الكبد في بعض الأحيان، وهنا يأمر الطبيب شارب الخمر أن يمتنع عن شرب الخمر. فهل امتناع شارب الخمر في مثل هذه الحالة هو امتناع بسبب الإيمان أو بسبب الأمر الطبي؟ إنه امتناع بسبب الأمر الطبي، ويستوي في ذلك المسلم العاصي والكافر. ولكن المؤمن الذي يمتنع عن شرب الخمر ابتداءً، فهو قد امتنع لا لعلة الأمر ولكن لأن الأمر من الله، وهو يتبع أوامر الحق دون سؤال عن العلة. والمؤمن يأخذ الحكم من الله دون طلب تعليل منه ليشرح له أسباب المنع في سلوكه. والحق سبحانه قال: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ} والعداوة المسبقة بين الشيطان وأبينا آدم عليه السلام بينها - سبحانه - بقوله للملائكة: {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} تفسير : [البقرة: 34]. وكان الشيطان موجوداً مع الملائكة، وكان الأولى أن يسجد هو؛ لأن الأمر إذا كان للجنس الأعلى وهو الملائكة، فيجب أن ينسحب على الأدنى، لكنه عصى وقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [البقرة: 61]. إذن فالعداوة مسبقة بين آدم والشيطان، فكيف إذن نقبل نحن أبناء آدم وسوسته؟ وكيف نقبل نزغه؟ وكيف نقبل إغراءه؟ لا بد إذن أن نتجنب ذلك لأنه رجس ومن عمل الشيطان، حتى ننجو من كل سوء، ويأتي لنا كل فلاح. ويقول الحق: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {ٱلْمَيْسِرُ} [الآية: 90]. كعاب فارس وقداح العرب والقمار كله. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} [الآية: 93]، فيمن كان يشرب الخمر ممن قتل ببدر وأُحد. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} [الآية: 94]. قال: يعني النبل. و {تَنَالُهُ / 30و / أَيْدِيكُمْ} أَيضاً صغار الصيد، الفراخ والبيض. {وَرِمَاحُكُمْ} [الآية: 94]. فقال: كبار الصيد. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الْمُتَعَمِّدُ" [الآية: 95]: غير الناسي لحرمه ولا مريد غيره. فقد حلّ وليست له رخصة، ومن قتله ناسياً لحرمه و أَراد غيره فأَخطأً فذلك العمد المكفر، وعليه مثله من النعم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} [الآية: 95]. فإن لم يجد هديا، ولم يبلغ ثمنه هديا، اشترى بثمنه طعاما فأَعطى كل مسكين مدّين. فإن لم يجد الثمن صام لكل مدين يوماً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} المَيسرُ: القِمَارُ.
الجيلاني
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم محافظة حدود الله الموضوعة فيكم لإصلاحكم أمراً ونهياً، كراهةً وندباً، حلاً وحرمة {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ} أي: مطلق ما يترتب عليه السكر وإزالة العقل من أي شيء أخذتم {وَٱلْمَيْسِرُ} القمار مع أي شيء لعبتم {وَٱلأَنصَابُ} أي: الأصنام الموضوعة؛ لتضليل العباد {وَٱلأَزْلاَمُ} الموضوعة للاستعلام مما استأثر الله به من غيبه، كلٌّ منها {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} قذر ونجس بلا واسطة أو واسطة {فَٱجْتَنِبُوهُ} أي: جانبوا، وأبعدوا أنفسكم عن كل منها {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] رجاء أ تفوزوا بما يرضى به الله عنكم. {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ} المضل {أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} إلى حيث يفضي إلى المقاتلة والمشاجرة {وَ} يريد أن {يَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} وخصوصاً {وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} التي هي معراج المؤمن نحو الحق {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91] أيها المؤمنون، أم مهلكون بارتكابها؛ إذ لا واسطة فيهما ولا عذر. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} فيما أمركم به، ونهاكم عنه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} المبيّن لكم أمر الله ونهيه {وَٱحْذَرُواْ} عمَّا حذركم الله ورسوله {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} وأعرضتم بعد وضوح البرهان {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [المائدة: 92] الظاهر الواضح، وعلينا الحساب والأخذ، والانتقام والعذاب والنكال.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الاجتناب عن الخمر والميسر والأزلام والأنصاب بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]، إشارة أن الله تعالى أخبر عباده المؤمنين عن الأعمال التي يوسوسهم بها الشيطان ويضلهم عن طريق الهدى ويهلكهم بمتابعة الهوى، وإن النجاة والفلاح في اجتنابها فقال تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 90] إيماناً حقيقياً مستفاداً من كتابة الحق بقلم العناية في قلوبهم {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]. {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ} فلأنها تخمر العقل وهو نور روحاني علو من أوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى، وهو طلمة نفسانية سفلية من أخريات المخلوقات من طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان، فإذا خمر الخمر نور العقل يكون العقل مغلوباً لا يهتدي إلى الحق وطريقه، ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس أمارة بالسوء وتستمد من الهوى فيتبع بالهوى السلفي جميع شهواتها النفسانية مستلذاتها الحيوانية السفلية، فيظفر بها الشيطان فيوقعها في مهالك المخالفات كلها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخمر أم الخبائث"تفسير : لأن هذه الخبائث كلها تولدت منها. وأما الميسر فإنه فيه تهيج أكثر الصفات الذميمة مثل الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سوء السبيل. وأما الأنصاب فهي تعبد من دون الله فيها يصير العبد مشركاً بالله. وأما الأزلام ما يلتفت إليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون الله وأنها من المضلات، فإن الله هو الضار النافع، ثم قال تعالى: {رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} [المائدة: 90]؛ يعني: هذه الأشياء أحب شيء من أعمال الشيطان التي يغوي بها العبد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد، ثم قال تعالى: {فَٱجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، يعني: اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الأعمال الخبيثة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، تخلصون من مكائد الشيطان وجنابة هذه الأعمال آفاتها ومحنها وتظفرون بالقربات والمواصلات {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} [المائدة: 91]، والصفات الذميمة التي ذكرناها {فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} [المائدة: 91]، كما ذكرناها {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ} [المائدة: 91]؛ يعني: عن شهود قلوبكم مع الله تعالى {وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} [المائدة: 91]؛ يعني: لذة المناجاة مع الله تعالى وعروج الأرواح إلى الله فإن الصلاة معراج المؤمن {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]؛ أي: فاتركوا هذه المعاملات التي من عمل الشيطان لتفوزوا بمواصلات الرحمن في نعيم الجنان.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذم تعالى هذه الأشياء القبيحة، ويخبر أنها من عمل الشيطان، وأنها رجس. { فَاجْتَنِبُوهُ } أي: اتركوه { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإن الفلاح لا يتم إلا بترك ما حرم الله، خصوصا هذه الفواحش المذكورة، وهي الخمر وهي: كل ما خامر العقل أي: غطاه بسكره، والميسر، وهو: جميع المغالبات التي فيها عوض من الجانبين، كالمراهنة ونحوها، والأنصاب التي هي: الأصنام والأنداد ونحوها، مما يُنصب ويُعبد من دون الله، والأزلام التي يستقسمون بها، فهذه الأربعة نهى الله عنها وزجر، وأخبر عن مفاسدها الداعية إلى تركها واجتنابها. فمنها: أنها رجس، أي: خبث، نجس معنى، وإن لم تكن نجسة حسا. والأمور الخبيثة مما ينبغي اجتنابها وعدم التدنس بأوضارها. ومنها: أنها من عمل الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان. ومن المعلوم أن العدو يحذر منه، وتحذر مصايده وأعماله، خصوصا الأعمال التي يعملها ليوقع فيها عدوه، فإنها فيها هلاكه، فالحزم كل الحزم البعد عن عمل العدو المبين، والحذر منها، والخوف من الوقوع فيها. ومنها: أنه لا يمكن الفلاح للعبد إلا باجتنابها، فإن الفلاح هو: الفوز بالمطلوب المحبوب، والنجاة من المرهوب، وهذه الأمور مانعة من الفلاح ومعوقة له. ومنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، خصوصا الخمر والميسر، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء. فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل. وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء. ومنها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو. فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟!! فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟!! ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا بقوله: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } لأن العاقل -إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} [90] 171- أنا محمد بن عبد الرحيم صاعِقة، أنا حجاج بن مِنهال، نا ربيعة بن كُلثوم بن جَبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزل تحريم الخمر في قَبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى إذا نَهِلوا عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا، جعل الرجل يرى الأثر بوجهه وبرأسه وبلحيته فيقول: قد فعل بي هذا أخي - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن - والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما فعل بي هذا، فوقعت في قلوبهم الضغائن، فأنزل الله عز وجل {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} فقال ناس: هي رِجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أُحد، فأنزل الله عز وجل {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [93]. قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} [93] 173- أنا أحمد بن عثمان بن حكيم، نا خالد بن مَخْلد، نا علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: حديث : لما نزلت {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه منهم ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):