Verse. 760 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِنَّمَا يُرِيْدُ الشَّيْطٰنُ اَنْ يُّوْقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَۃَ وَالْبَغْضَاۗءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللہِ وَعَنِ الصَّلٰوۃِ۝۰ۚ فَہَلْ اَنْتُمْ مُّنْتَہُوْنَ۝۹۱
Innama yureedu alshshaytanu an yooqiAAa baynakumu alAAadawata waalbaghdaa fee alkhamri waalmaysiri wayasuddakum AAan thikri Allahi waAAani alssalati fahal antum muntahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر» إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشر والفتن «ويصدَّكم» بالاشتغال بهما «عن ذكر الله وعن الصلاة» خصها بالذكر تعظيما لها «فهل أنتم منتهون» عن إتيانهما أي انتهوا.

91

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولاً في الخمر ثم في الميسر: أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء. وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الأجحاف بأرباب الأموال، لأن من صار مغلوباً في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالباً فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيراً مسكيناً ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم. فإن قيل: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية. قلنا: لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال:{أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } تفسير : [المائدة: 90] والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيداً لقبح الخمر والميسر، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر. أما النوع الثاني: من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر: المفاسد المتعلقة بالدين، وهو قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ } فنقول: أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر الله فظاهر، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى، وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك، لأنه إن كان غالباً صار استغراقه في لذة الغلبة مانعاً من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. فإن قيل: الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي هذه المعاني، ثم إن هذه المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلاً وهذا يقدح في صحة هذا التعليل: قلنا: هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها علة. ولما بيّـن تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين. قال تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } روي أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء: 43] قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللّهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فلما نزلت هذه الآية قال عمر: انتهينا يا رب. واعلم أن هذا وإن كان استفهاماً في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الاقرار بالترك، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } جارياً مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء مقروناً بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء. واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه: أحدها: تصدير الجملة بإنما، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة وثانيها: أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : شارب الخمر كعابد الوثن» تفسير : وثالثها: أنه تعالى أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر للوجوب، ورابعها: أنه قال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبة، وخامسها: أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الاعراض عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة. وسادسها: قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف؟ أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ. وسابعها: أنه تعالى قال بعد ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } إذا أتيتموها لما يحصل فيهما من الشرّ والفتن {وَيَصُدَّكُمْ } بالاشتغال بهما {عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ } خصها بالذكر تعظيماً لها {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } عن إتيانهما؟ أي انتهوا.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} وهو إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ} إشارة إلى مفاسدهما الدينية، وتخصيصُهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبـيه على أن المقصود بـيانُ حالهما، وذكرُ الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلُهما في الحرمة والشرارة لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : شارب الخمر كعابد الوثن»تفسير : وتخصيصُ الصلاة بالإفراد مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن الصادَّ عنها كالصادِّ عن الإيمان لما أنها عِمادُه، ثم أعيد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتَّباً على ما تقدم من أصناف الصوارف، فقيل: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} أيذاناً بأن الأمر في الزجر والتحذير وكشفِ ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية وأن الأعذارَ قد انقطعت بالكلية. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} عطف على اجتنبوه أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه {وَٱحْذَرُواْ} أي مخالفتَهما في ذلك فيدخل فيه مخالفةُ أمرِهما ونهْيِهما في الخمر والميسر دخولاً أولياً {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتم عن الامتثال بما أُمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر وعن طاعة الله تعالى وطاعةِ رسوله عليه الصلاة والسلام والاحترازِ عن مخالفتهما {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} وقد فعل ذلك بما لا مزيد عليه وخرج عن عُهدة الرسالة أيَّ خروج، وقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب. وفيه من عظم التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى، وأما ما قيل من أن المعنى فاعلموا أنكم لم تضُروا بتولِّيكم الرسولَ لأنه ما كُلّف إلا البلاغَ المبـينَ بالآيات وقد فعل؛ وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كُلِّفتموه، فلا يساعده المقام، إذ لا يُتوهم منهم ادعاءُ أنهم بتوليهم يضرونه عليه الصلاة والسلام حتى يردَ عليهم بأنهم لا يضرونه وإنما يضرون أنفسهم. {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ} أي إثم وحرج {فِيمَا طَعِمُواْ} أي تناولوا أكلاً أو شرباً فإن استعماله في الشرب أيضاً مستفيضٌ، منه قولُه تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة، الآية 249] قيل: (لما أنزل الله تعالى تحريم الخمر بعد غزوة الأحزاب قال رجال من أصحاب النبـي عليه الصلاة والسلام: أصيب فلان يوم بدر وفلان يوم أحد وهم يشربونها، ونحن نشهد أنهم في الجنة)، وفي رواية أخرى: (لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟)، وفي رواية أخرى: (قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار؟ فنزلت)، وليست كلمة (ما) في ما طعموا عبارةً عن المباحات الخاصة، والإلزام تقيـيدُ إباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله تعالى: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ} واللازمُ منْتفٍ بالضرورة، بل هي على عمومها موصولةً كانت أو موصوفة، وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها، والمعنى ليس عليهم جُناحٌ فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائناً ما كان إذا اتقَوْا أن يكون في ذلك شيء من المحرمات، وإلا لم يكن نفْيُ الجُناح في كل ما طعموه بل في بعضه ولا محذورَ فيه، إذِ اللازمُ منه تقيـيد إباحة الكل بأن لا يكون فيه محرم لا تقيد إباحة بعضه باتقاء بعضٍ آخرَ منه كما هو اللازم من الأول {وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات} أي واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة، وقوله تعالى: {ثُمَّ اتَّقَواْ} عطف على (اتقوا) داخلٌ معه في حيِّز الشرط، أي اتقوا ما حُرّم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق {وَءامَنُواْ} أي بتحريمه، وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمَنُ به، أو واستمروا على الإيمان {ثُمَّ اتَّقَواْ} أي ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحاً من قبل، على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحةُ كل ما طعِموه في ذلك الوقت لا إباحةُ كل ما طعموه قبله، لانتساخ إباحةِ بعضِه حينئذ {وَأَحْسِنُواْ} أي عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبـية والقالبـية، وليس تخصيص المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها، بل لبـيان التعدد والتكرر بالغاً ما بلغ، والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على ما هم عليه من الإيمان والأعمال الصالحة، وكانوا في طاعة الله ومراعاةِ أوامرِه ونواهيه بحيث كلما حرِّم عليهم شيء من المباحات اتقَوْه، ثم... وثم.. فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المطاعم والمشارب، إذ ليس فيها شيء محرم عند طُعْمِه. وأنت خبـير بأن ما عدا اتقاءِ المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخْلَ لها في انتفاء الجُناح، وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادةً باتصاف الذين سُئل عن حالهم بها، ومدحاً لهم بذلك وحمداً لأحوالهم، وقد أشير إلى ذلك حيث جُعلت تلك الصفاتُ تبعاً للاتقاء في كل مرةٍ تميـيزاً بـينها وبـين ما له دخل في الحكم، فإن مَساقَ النظم الكريم بطريق العبارة وإن كان لبـيان حال المتصفين بما ذُكر من النعوت فيما سيأتي بقضية كلمة (إذا ما)، لكنه قد أُخرج مُخْرَجَ الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النص، بناءً على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها، فكأنه قيل: ليس عليهم جُناح فيما طعِموه إذْ كانوا في طاعته تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة، بحيث كلما أمِروا بشيء تلقَّوْه بالامتثال. وإنما كانوا يتعاطَوْن الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك، ولو حُرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة. هذا وقد قيل: التكريرُ باعتبار الأوقات الثلاثة، أو باعتبار الحالات الثلاث: استعمالِ الإنسان التقوىٰ بـينه وبـين نفسه، وبـينه وبـين الناس، وبـينه وبـين الله عز وجل، ولذلك جيءَ بالإحسان في الكرة الثالثة بدلَ الإيمان إشارةً إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يُتَّقى، فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب، والشبُهاتِ توقياً من الوقوع في الحرام، وبعضَ المباحات حفظاً للنفس عن الخِسة وتهذيباً لها عن دنَس الطبـيعة، وقيل: التكريرُ لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [التكاثر، الآية 3، 4] ونظائرِه، وقيل: المرادُ بالأول اتقاءُ الكفر، وبالثاني اتقاءُ الكبائر، وبالثالث اتقاءُ الصغائر. ولا ريب في أنه تعلَّقَ لهذه الاعتبارات بالمَقام فأَحسِنِ التأمل {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تذيـيلٌ مقرِّر لمضمون ما قبله أبلغَ تقرير.

القشيري

تفسير : طال بُعْدُهم عن الحقيقة فقاسوا الهوان في مطارح الغربة، وصاروا سخرة للشيطان؛ فبقوا عن الصلاة التي هي محل النجوى وكمال الراحة، وفَسَدَتْ ذاتُ بَيْنِهِم بما تولد من الشحناء والبغضاء.

الطوسي

تفسير : قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - أنه لاحق سعد بن أبي وقاص رجلا من الانصار، وقد كانا شربا الخمر فضربه بلحي جمل ففزر أنف سعد بن ابي وقاص، فنزلت هذه الآية. الثاني - أنه لما نزل قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}تفسير : قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت هذه الآية. والشيطان انما يريد إِيقاع العداوة والبغضاء بينهم بالاغراء المزين لهم ذلك حتى اذا سكروا زالت عقولهم وأقدموا من المكاره والقبائح على ما كانت تمنعه منه عقولهم. وقال قتادة: كان الرجل يقامر في ماله وأهله فيقمر، ويبقى حزيناً سليباً فيكسبه ذلك العداوة والبغضاء. وقوله {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} أي يمنعكم من الذكر لله بالتعظيم له والشكر له على آلائه، لما في ذلك من الدعاء الى الصلاح واستقامة الحال في الدين والدنيا بالرغبة فيما عنده، والتوسل اليه بالاجتهاد في طاعته التي تجمع محاسن الافعال ومكارم الاخلاق. وقوله {فهل أنتم منتهون}؟ صيغته صيغة الاستفهام ومعناه النهي، وانما جاز ذلك، لأنه اذا ظهر قبح الفعل للمخاطب صار في منزلة من نهي عنه، فاذا قيل له: أتفعله؟ بعد ما قد ظهر من أمره وصار في محل من عقد عليه باقراره. فان قيل: ما الفرق بين انتهوا عن شرب الخمر، وبين لا تشربوا الخمر، قلنا: لأنه اذا قال: انتهوا دل ذلك على أنه مريد لأمر ينافي شرب الخمر. وصيغة النهي إنما تدل على كراهة الشرب، لأنه قد ينصرف عن الشرب الى أخذ أشياء مباحة، وليس كذلك المأمور به، لأنه لا ينصرف عنه إِلا في محذور. والمنهي عنه قد ينصرف عنه الى غير مفروض.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} هذا بحسب الدّنيا {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ} وهذا بحسب الآخرة، وذكر الصّلوة بعد الّذكر من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ للاشارة الى انّهما صادّان عمّا هو عماد الدّين ليكون ابلغ فى المنع {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} اداء الامر بصورة الاستفهام لا الحكم تلطّف بهم يعنى بعد ما ذكر من المفاسد والاوصاف فى الخمر والميسر ينبغى لكم ان تنتهوا ان تأمّلتم فيها.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانِ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُم العَدَاوَةَ وَالبَغْضَآءَ فِى الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ} فى التعليل، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دخلت امرأة النار فى هرة "تفسير : أى لهرة وان شئت فقل: للسببية ويجوز أن تكون للآلة، أما ايقاع العداوة والبغضاء بالخمر فلأنهم يشربونها فتغيب عقولهم، فيتضاربون ويتهاجون، فيجدون أثر الضرب بعد الصحو، فربما حقدوا ولو يذكر لهم أيضاً أن فلاناً ضربك، وربما عقلوا ما هجاهم به، أو يذكر لهم فيكون الحقد، بل ذلك الهجو أيضاً قد يصيب عشيرة من لم يشرب، أو من يعز عليه فتثور الفتن فى ذلك بين الأوس والخزرج، وتثور أيضاً بينهما وبين المهاجرين الى غير ذلك، وربما صحا فيقول: فعل بى أخى فلان هذا الضرب. وأما ايقاعهما بالميسر فلأنه قد يقامر الرجل ويسلب ماله بالقمار، فيقعد حزيناً عليه تراه فى يد غيره، وربما قامروا أيضا على الأهل فيسلب أهله، فيبقى بلا أهل فيحقد لذلك. {وَيَصُدَّكُم}: بهما. {عَن ذِكْرِ اللهِ}: قراءة القرآن والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد. {وَعَنِ الصَّلاةِ}: صلاة الفرض والنفل، وخص الله الخمر والميسر بالذكر بعد ذكرهما مع الأنصاب والأزلام، لأنهما المقصود بالذات فى النهى، وانما ذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما فى الحرمة، وفى كونهما من فعل الجاهلية المحرم، لأن المؤمنين ليسوا يعبدون الأصنام، ولا يستقسمون الأزلام، قد علموا تحريمهما بآية قبل هذه، وبالسنة وقد تركوهما، وخص الله الصلاة بالذكر مع دخولها فى عموم قوله عز ذكر الله لشرفها، ولأن الصاد عنها كالصاد عن الايمان بالله تعالى، اذ ليس بين العبد والكفر الا تركه الصلاة. أما صد الخمر عن الذكر لله والصلاة، فلأن العقل يذهب بها، وأما صد الميسر عنهما فلأنه قد يمتد العمل بين المتقامرين فلا ينفصلان، وقد ينفصلان فيدعو للحاج والطمع المغلوب أن يعاود الغالب لعله يرد منه ما سلب أو أكثر. {فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ}: الفاء للتفريع والسببية، أى ان هذه الزواجر توجب الانتهاء عن تلك المحرمات، ولا عذر فى تناولها بعد، ويجوز أن يكون الاستفهام توبيخاً أو انكاراً، لأن يسوغ شرعاً أو عقلا بعد ذلك أن يبقوا عليها، ويجوز أن يكون أمراً أى انتهوا، وهذا عام ثلاث من الهجرة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شرب الخمر لم تقبل صلاته أربعين صباحاً، فان تاب تاب الله عليه، وان عاد لم تقبل صلاته أربعين صباحاً، فان تاب تاب الله عليه، وان عاد لم يقبل الله صلاته أربعين صباحاً، فان تاب تاب الله عليه، فان عاد فى الرابعة لم يقبل الله صلاته أربعين صباحاً، فان تاب لم يتب الله عليه، وسقاه الله من نهر الخبال "تفسير : رواه ابن عمر فقيل له:eحديث : يا رسول الله، وما نهر الخبال قال: "صديد أهل النار" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ان على الله عهداً لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال" قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: "صديد أهل النار ". تفسير : قال عمرو بن العاص: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من شرب الخمر فجعلها فى بطنه لم تقبل منه صلاة سبعاً، وان مات فيها مات كافراً، وان أذهبت عقله عن شىء من الفرائض "تفسير : وفى رواية: "حديث : لم تقبل صلاته أربعين يوماً وان مات فيها كافراً "تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما وغيره: لما نزل تحريم الخمر والميسر، وقد انتفع بهما المؤمنون قال قوم من الصحابة: يا رسول الله كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول؟ فنزل قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُول}

اطفيش

تفسير : فدعاه فقرأَه عليه، فقال: انتهينا يا ربنا، وقال صلى الله عليه وسلم حديث : من كان عنده شئ من الخمر فلا يطعمها ولا يبعهاتفسير : . أَكد الله جل وعلا تحريم الخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام بالجملة الاسمية وبالحصر بإِنما المفيدة قصرهن على صفة هى كونهن رجساً كائنا من عمل الشيطان قصر موصوف على صفة، كأَنه قيل ليس لهن من الصفات إِلا كونهن رجساً من عمل الشيطان، وأَكد تحريمهن أَيضاً بأَنهن رجس وأَنهن من عمل الشيطان، فالاشتغال بهن شر خالص لأَن الشيطان كافر متمرد لا غرض له سوى مخالفة الله، والرجس مستقذر عقلا ونجس، وأَكد تحريمهن بالأَمر بالاجتناب وبترتيب الفلاح على اجتنابهن فلا يحصل الفلاح معهن وأَكد تحريمهن بتحريم أَعينهن ولو كان المراد تحريم معاملتهن فإِن تحريم عين الشئ أَبلغ من تحريم معاملته والانتفاع به، وكم شئ مرغوب في عينه محرم الانتفاع به كلبس الرجل الذهب والحرير، وزاد في تحريم الخمر والميسر تأكيداً بقربهما بالأَصنام تشبيهاً بها، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : شارب الخمر كعابد وثن"تفسير : ، وكثيراً ما يسب شاربها الله عز وجل ويقارف أَلفاظ الشرك وكلاهما كعبادة الصنم في ارتكاب المحرمات، وأَكد تحريمها بالحصر بأَنه ما أَراد الشيطان بهما إِلا إِيقاع العداوة والبغضاءِ من أُمور الدنيا والصد عن ذكر الله والصد عن الصلاة من أُمور الدين، إِذا شرب الخمر سب الناس ولا سيما إِن شربها مع غيره، وتحصل العداوة بالسب، وقد يشربون معاً تأكيداً للأَلفة ويئول أَمرهم إِلى أَعظم عداوة وبغضاء بالتنازع، وقد يتقامرون ليحصل لهم مال يجودون على الفقراء ويئول أَمرهم إِلى ذهاب أَموالهم كلما صار مغلوباً أَعاد لعله يكون غالباً فلا عدو له أَعدى ممن تغلب على ماله، وقد يقامر حتى لا يبقى له شئ فيقامر لجاجاً وأَنفة وطمعاً في الغلبة بولده وأَهله، فلا أَعدى له ممن يأخذ ذلك منه، ويلهو المقامر والشارب عن الصلاة والذكر، وفي شربها سكر وطرب ولذة فيغفل عنهما، وفى المقامرة استغراق الكفر فيما يكون به غالباً، وخص الخمر والميسر بالذكر ثانياً مع ذكر العداوة والبغضاء والصد عن الصلاة والذكر؛ لأَنهما مما يأْنفه المؤمنون، وأَنها المقصود بالذات في الآية الأُولى، وأَما الأَنصاب والأَزلام فليست مما يتعاطاه المؤمنون، وإِنما ذكرت تأكيداً لقبح الخمر والميسر وإِظهاراً لكونهما كالأَنصاب والأَزلام، والصلاة داخلة في الذكر إِلا أَنها خصت باسمها تعظيماً لها وإِشعاراً بأَن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان؛ لأَنها عماد الدين، وليس بين العبد والكفر إِلا تركه الصلاة، ويدل على أَن المراد بالذات في النهى عن الخمر والميسر المؤمنون قوله تعالى {أية : يا أَيها الذِينَ آمَنوا} تفسير : [المائدة: 90] وفي ذكر الانتهاء إِيذان بأَن الأَعذار انقطعت ولم يبق إِلا الانتهاء عن الخمر والميسر؛ لأَن العداوة والبغضاءَ والصد يوجبن الكف عنهما. واللفظ استفهام والمراد الأَمر، أَى أَتقيمون عنهما مع تلك المفاسد الدنيوية والدينية أَم لا، انتهوا ولكونه بمعنى الأمر عطف الأَمر عليه في قوله.

الالوسي

تفسير : {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } أي بسبب تعاطيهما لأن السكران يقدم على كثير من القبائح التي توجب ذلك ولا يبالي وإذا صحا ندم على ما فعل، «والرجل قد يقامر حتى لا يبقى له شيء وتنتهي به المقامرة إلى أن يقامر بولده وأهله فيؤدي به ذلك إلى أن يصير أعدى الأعداء لمن قمره وغلبه وهذه إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية. وقوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ } إشارة إلى مفاسدهما الدينية. ووجه صد الشيطان لهم بذلك عما ذكر أن الخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية تلهي عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإن الميسر إن كان اللاعب به غالباً انشرحت نفسه ومنعه حب الغلب والقهر والكسب عما ذكر وإن كان مغلوباً حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالباً فلا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك. وقد شاهدنا كثيراً ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج والحلف الكاذب» والغفلة عن الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويصوح من سمومه الرخ بل يتساقط ريشه ويحار لشناعته بيذق الفهم ويضطرب فرزين العقل ويموت شاه القلب وتسود رقعة الأعمال، وتخصيص الخمر والميسر بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة كما يشعر بذلك ما جاء عن النبـي صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الأخبار الصادحة بمزيد ذمهما والحط على مرتكبهما. وخص الصلاة من الذكر بالإفراد بالذكر مع أن الذي يصد عنه يصد عنها لأنه من أركانها تعظيماً لها كما في ذكر الخاص بعد العام وإشعاراً بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان لما أنها عماده والفارق بينه وبين الكفر إذ التصديق القلبي لا يطلع عليه وهي أعظم شعائره المشاهدة في كل وقت ولذا طلبت فيها الجماعة / ليشاهدوا الإيمان ويشهدوا به، ففي الكلام إشارة إلى أن مراد اللعين ومنتهى آماله من تزيين تعاطي شرب الخمر واللعب بالميسر الايقاع في الكفر الموجب للخلود معه في النار وبئس القرار. ثم إنه سبحانه أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام الانكاري مع الجملة الاسمية مرتباً على ما تقدم من أصناف الصوارف فقال جل شأنه: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } إيذاناً بأن الأمر في الردع والمنع قد بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية حتى إن العاقل إذا خلي ونفسه بعد ذلك لا ينبغي أن يتوقف في الانتهاء. ووجه تلك التأكيدات أن القوم رضي الله تعالى عنهم كما قيل كانوا مترددين في التحريم بعد نزول آية البقرة [219] ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: «اللهم بين لنا في ذلك بياناً شافياً» فنزلت هذه الآية، ولما سمع عمر رضي الله تعالى عنه {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } قال: «انتهينا يا رب»، وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: أول ما نزل في تحريم الخمر { أية : يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ } تفسير : [البقرة: 219] الآية، فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها التي فيها، وقال آخرون: لا خير في شيء فيه إثم ثم نزل { أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ } تفسير : [النساء: 43] الآية فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين فنزلت: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ } الآية فانتهوا. وأخرج عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله سبحانه قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها » تفسير : فلبث المسلمون زمانا يجدون ريحها من طرق المدينة مما أهراقوا منها. وأخرج عن الربيع أنه قال لمَّا نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن ربكم يقدم في تحريم الخمر » تفسير : ثم نزلت آية النساء فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن ربكم يقدم في تحريم الخمر » تفسير : ثم نزلت آية بالمائدة فحرمت الخمر عند ذلك. وقد تقدم في آية البقرة شيء من الكلام في هذا المقام فتذكر.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 91- إن الشيطان لا يريد بتزيينه لكم شرب الخمر ولعب الميسر إلا أن يوجد بينكم الخلاف والشقاق والكراهية، ليضعف أمركم بذهاب الألفة بينكم، وتفتيت وحدتكم، بسبب ما يزينه لكم من شرب المسكرات ولعب القمار، لكى يصرفكم عن عبادة الله، ويلهيكم عن أداء الصلاة، لتسوء آخرتكم كما ساءت دنياكم. فبعد علمكم هذه المفاسد ابتعدوا عما نهيتكم عنه، لتفوتوا على إبليس غرضه. 92- وامتثلوا أمر الله وأمر رسوله فيما يبلغكم به عن ربه، وابتعدوا عما يعرضكم للعذاب إن خالفتم. لأنكم إن أعرضتم عن الاستجابة لما أمركم به، فتيقنوا أنه معاقبكم. وليس لكم عذر بعد أن بين لكم الرسول عاقبة المخالفين، وأنه ليس على رسولنا إلا إخباركم بأحكامنا، وتوضيحها توضيحاً كاملا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {ٱلْعَدَاوَةَ} {ٱلصَّلاَةِ} (91) - إنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ لَكُمْ شُرْبَ الخَمْرِ، وَلَعِبَ المَيْسِرِ، لِيُعَادِيَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَيَبْغُضَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فِيِتَشَتَّتَ أمْرُكُمْ بَعْدَ أنْ ألَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِالإيمَانِ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمْ بِأخُوَّةِ الإسْلاَمِ، ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يَصْرِفَكُمْ بِالسُّكْرِ وَالاشْتِغَالِ بِالمَيْسِرِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ الذِي بِهِ صَلاَحُ أمْرِكُمْ، فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وَعَنِ الصَّلاَةِ التِي فَرَضَهَا اللهُ عَلَيْكُمْ، تَزْكِيَةً لِنُفُوسِكُمْ، وَتَطْهِيراً لِقُلُوبِكُمْ. وَالخَمْرُ تٌفْقِدُ الإِنْسَانَ عَقْلَهُ الذِي يَمْنَعُهُ عَنْ إتْيَانِ الأفْعَالِ القَبِيحَةِ، وَعَنْ تَوْجِيهِ الأقْوالِ الشَّائِنَةِ إلى النَّاسِ، فَإِذا شَربهاَ الإِنْسَانُ أقْدَمَ عَلَى مَا لاَ يُقْدِمُ عَلَيهِ وَهُوَ صَاحٍ مَتَمَالِكٌ قِواهُ فَيُسِيءُ إلى أصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَيُؤذِيهِمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الشَّحْنَاءِ وَالبَغْضَاءِ. وَالمَيْسِرُ يُثِيرُ البَغْضَاءَ وَالشَحْنَاءَ بَيْنَ اللاعِبِينَ وَالحَاضِرِينَ، وَكَثِيراً مَا يُفرِّطُ المُقَامِرُ فِي حُقُوقِ الوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالأوْلاَدِ، حَتَّى يُوشِكُ أنْ يَمْقُتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ. ثُمَّ يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأنْ يَنْتَهُوا عَنْ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ ليُفَوِّتُوا عَلَى إبْلِيسَ غَرَضَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لم يأت الحق هنا بالأنصاب أو الأزلام؛ لأن المؤمنين لا يعتقدون فيها وانتهوا منا، والخطاب هنا موجه للمؤمنين. إذن لماذا قرن الحق التكليف بالنهي عن الخمر والميسر - من قبل - بالأنصاب والأزلام؟ قال سبحانه ذلك ليبشع لنا الأمر، فوضع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام، ولنفهم أن الحكم بالنهي عن الخمر والميسر جاء ليقرنهما بالأنصاب والأزلام، وما داموا مؤمنين فلا بد أنهم قد انتهوا عن الأنصاب والأزلام. ويقول سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ}. والإرادة هي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وتتعلق الإرادة بمريد، فهل يقدر على إنقاذ ما يريد أم لا يقدر؟ إن كان يقدر على إنقاذ ما يريد، فالقدرة تكون من بعد الإرادة. وحينما يريد سبحانه وتعالى فالقدرة تبرز المراد، فقدرته لا تتخلف ولا مراده يتخلف؛ لأن كل شيء منفعل له سبحانه وتعالى، وتختلف المسألة عند الإنسان والشيطان، فالإنسان يريد، ولكن أله القدرة على إنفاذ ذلك؟ أحياناً تكون له بعض من القدرة على إنفاذ ما يريد، وأحياناً لا. والشيطان يريد، لكن أيقدر على إنفاذ ما يريد؟ إنه يقدر في حالة إطاعة الإنسان له. وهكذا تكون إرادة الشيطان، وهو يحب أن تحدث المعصية من الإنسان، ويتمنى الشيطان ذلك، ويخطط لذلك. لكن الفعل لا يأتي إلى الوجود إلا إذا وافق الإنسان على طاعة الشيطان. إذن فالإرادة إن كانت ممن يقدر على الإرغام والإبراز فهي تظهر العمل فوراً، والقادر المطلق هو الله، وهو يحكم ما يريد، ولذلك يأتي قوله الحق: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. لكن خلقه حين يريدون فالأشياء لا تنفعل لهم انفعالها لخالقها؛ لأن إرادة المخلوقات تقتضي أن ينفذ الإنسان على قدر طاقته، وهي مهما زادت محدودة. وإرادة الشيطان تحتال على الإنسان حتى يفعل ما يتمناه، ولا يستطيع الشيطان أن يُكره الإنسان قهراً على فعل ما، ولكنه يزين له الفعل. فليس للشيطان سلطة الإكراه ليقهر الإنسان على فعل، وليس للشيطان قدرة على الإقناع أو الإتيان بأدلة تجعل الإنسان يفعل مراد الشيطان وهو راضٍ عن عمله. ولذلك يقول الشيطان في الآخرة للمذنبين: إن الذنب ذنبهم. {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]. هكذا يعلن الشيطان أنه غير قادر على البشر، لا بالقهر ولا بالحجة، إنّه فقط زين لهم الأمر، فمن كانت له شهوة فالشيطان يزينها له فيرتكب الذنب. ويعلن الشيطان: {أية : مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} تفسير : [إبراهيم: 22]. ويعترف الشيطان أنه مهما صرخ مستغيثاً - يوم القيامة - فلن يجد من يغيثه، وكذلك أصحاب الذنوب الذين اتبعوه سيصرخون ولن يجدوا من الشيطان عوناً ينجيهم من العذاب. و "أصرخ فلان فلانا" أي ذهب ليزيل صراخه وينجده. إذن فقول الحق: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ} يشرح لنا أن إرادة الشيطان هي إرادة تزيين، لا إرادة قدرة على القهر أو الإقناع. وإذا سمعت كلمة "يوقع"، فافهم أن هناك شيئين الأصل فيهما الالتحام، وهناك من يريد أن يجعل بينهما يفصل هذا الالتحام. ولذلك يقال: "فلان مشى بالوقعية" أي أنه أراد أن يصنع فجوة وشرخاً بين اثنين الأصل فيهما الالتحام. وكلمة "بينكم" تفيد الانفصال. وهذا الانفصال هو الذي توضع فيه الوقيعة. لماذا؟ لأن المؤمنين إخوة، ولأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والشيطان يسعى بالخمر والميسر بأن يمشي بالوقيعة بين المؤمنين. ونجد مجالس الخمر فيها هذا؛ فالشاربون معاً كثيراً ما تقوم بينهم المعارك ويدور بينهم السباب. ولاعبو الميسر يأخذ بعضهم مال بعض، وهكذا يتحولون من وحدة كالبنيان إلى فرقة وتحدث بينهما العداوة والبغضاء. وما الفرق بين العداوة والبغضاء؟ العداوة هي انفصال متلاحمين حدثت بينهما عداوة وبغضاء. والبغضاء هي انفعال القلب بشيء مكروه. كأن البغضاء توجد في الصدور بعد حصول العدوان، فكأن العداوة تكون هي المنطقة الوسط التي باعدت بين هذين الشخصين بعد أن استسلما لنزغ الشيطان. وهذان الاثنان كان يجمعهما من قبل الصفاء والمودة والحب والأخوة الإيمانية. والعداوة في هذه الحالة تأخذ من مشاعر كل طرف؛ لأن العداوة إن كانت من طرف واحد فعمرها قصير، ولكنها تطول إن كانت بين طرفين. ولذلك تكون المعركة حامية بين عدوين يستشعر كل منهما العداوة للآخر. وهي تكون عداوة مؤججة وملتهبة إن لم يتدخل طرف ثالث ليحسم بالحق بين الاثنين، فيخزي الذي على الباطل ويأخذ الحق منه ويعطيه لصاحبه، وهنا يحس صاحب الحق أن هناك من ينصره. وبهذا تحسم العداوة وتنقضي. لكن إن لم يجد الطرفان رادَّا ولا رادعاً، تظل العداوة متوهجة. ولذلك حينما عرض الحق أمر موسى عليه السلام وأمر فرعون، قال عن موسى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} تفسير : [القصص: 8]. والتقطوا موسى لماذا؟ {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. فهل عرفوا هم من البداية أنه عدو؟ لا، لقد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الله أفسد مرادهم. فاللام في قوله: "ليكون" هي لام الغاية والعاقبة وليست لام العلة الفاعلة، وقد أثبت سبحانه بذلك أن فرعون ليس إلهاً، وأن أتباعه كانوا قوماً مغفلين لا فطنة لهم. فلو كان فرعون إلهاً لعرف أن هذا الوليد الذي سيربيه سيكون عدواً له. والعداوة هنا هل هي من ناحية موسى فقط تجاه فرعون؟ لا. إنها عداوة بين الله وموسى كطرف، وفرعون كطرف. لذلك قال: {أية : فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} تفسير : [طه: 39]. ولم تنته هذه العداوة إلا بغرق فرعون. والحق ينبهنا: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} و "في" هنا هي للسببية كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت ". تفسير : ونقول في حياتنا اليومية: أُخذ فلان إلى الحبس لمدة أعوام في قطعة مخدرات. أي أنه أوقع نفسه في المكروه بسبب شيء ما. وقوله الحق: {فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} دلت على أن العداوة والبغضاء مظروفة في الخمر والميسر. ويقول بعد ذلك: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}. إن ذكر أي أمر يعني أن يكون هذا الأمر في بؤرة الشعور دائماً، فكل معلومة يذكرها الإنسان تكون في بؤرة شعوره، ومن بعد ذلك تتحرك لتحل محلها معلومة أخرى. وعندما يكون بال الإنسان مشغولاً بشيء فهذا الشيء لا يتزحزح من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور إلا بعد أن يأتي أمر آخر يشغل البال. ولذلك نقول: إياكم أن تعتقدوا أن الذهن يفهم أي أمر من مرة واحدة أو من مرتين أو من ثلاث مرات. لا، بل يفهم الذهن من مرة واحدة كآلة التصوير، والمهم أن يكون ساعة التقاط المعلومة خالياً من غيرها؛ ولذلك كنا نعرف أن إخواننا المكفوفين الدارسين معنا أقدر على الاستيعاب الحفظي منا نحن المبصرين؛ لأن المبصر عندما يكون بصدد مسألة قد تنشغل عيناه بشيء، فتكون بؤرة شعوره مشتتة. أما الأعمى فبؤرة شعوره تذكر فقط ما يسمعه. وهكذا نعرف ما هو "الذكر". والخمر تطمس العقل وتستره فكيف يذكر الله إذن؟ وكذلك الصلاة، وهي الذكر، تسترها الخمر عنا. وكذلك الميسر الذي يلوح فيه الوهم بالكسب كالسراب، فيلهث اللاعب خلف اللعب لعله يكسب، ويفقد القدرة على ذكر الله والصلاة. ولأن العداوة مسبقة بين الإنسان والشيطان، نجد الشيطان قد قال فيما يحكيه الحق عنه: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82]. قد عرف الشيطان كيف يقسم؟ أقسم بعزة الله أن يغوي خلقه، فلو أن الله أراد عباده لما أخذهم الشيطان. ويذيل الحق أمر الخمر والميسر بقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}. هذا استفهام، وهو طلب فهم الشيء، هذا ما نعرفه عندما يكون الاستفهام من البشر، ولكن عندما يصدر هذا الاستفهام من الله لنا، فهذا أمر الأمر سبحانه وتعالى. كيف؟ إن هناك أمراً من الآمر هو حكم لازم. وهناك أمر يريده الله من المأمور ليأمر به نفسه. وهي ثقة من الآمر الأعلى في الإنسان المؤمن الذي يتلقى مثل هذا الأمر. ومثال ذلك - والله المثل الأعلى - يقول الأب لأحد أبنائه: إن إهمالك لدروسك سيجعلك تنال غضبي واحتقار زملائك لك وتتأخر عن غيرك، فهل ستنتهي من اللعب واللهو أو لا؟ ولم يقل: انته عن اللعب؛ لأن الأب أراد أن يأتي بالحيثيات حتى يحكم الابن بنفسه، وحتى يدير المسألة بمقابلها، ولا يجد إلا أن يقول: لقد انتهيت عن اللعب. وهنا جاءت المسألة أيضا على هذا الشكل، فبدلاً من أن تكون حكماً من الله أصبحت حكماً من العبد المأمور. وهذا أبلغ أنواع الحكم؛ لأن المتكلم يلقي بالأمر في صيغة سؤال، ليدير المسئول كل جواب فلا يجد إلا الجواب الذي يريده السائل. ومثال ذلك عندما فتر الوحي عن حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال أهل قريش: إن رب محمد قد قلاه وأبغضه وكرهه، ثم نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {أية : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 3]. ويتابع الوحي: {أية : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ} تفسير : [الضحى: 6]. وعندما يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة يجيب: نعم يا رب أنت وجدتني يتيماً فآويتني. وهذا يسمونه مشاركة المأمور في علة الأمر. وهذه أبلغ أنواع الأمر. وعندما يقول الحق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} يعلم المخاطبون ماذا يريده الله، فيقولون: نعم انتهينا يا ربنا. وبالغوا كثيراً في هذا الانتهاء، فالإمام عليّ - كرم الله وجهه - يقول: لو وقعت قطرة منها في بحر ثم جف البحر، ونبت فيه الكلأ واندلع لساني من الجوع ما قربته. ولم يكن هذا أمراً مفروضاً، ولكنها المبالغة في الانتهاء على أقصى صورة. وها هوذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي. وهكذا كان رد فعل قول الحق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ}. وبذلك تم حسم مسألة الخمر. ونعرف أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجاً، والتكاليف الإيمانية إنما تأتى على لسان رسول، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع، وفي ذوات البشر في آن واحد. فلا نجد من يلوم نفسه، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده؛ هنا تتدخل السماء بإرسال رسول، ولا تصب السماء كل أحكامها في أول الأمر، ولكنها تدعو خلال الرسول بالإيمان بالله الواحد حتى يتلقوا منه الحكم. فالأيمان بوحدانية الله هو قمة العقيدة التي لا هوادة فيها. لكن في الأمور التي تتعلق بالأحكام، فالأحكام تُغيِّر أوضاعاً عرفية وأوضاعاً اجتماعية متداولة بين الناس. فإذا أراد الله أن يغير عادة بحكم فهو يأتي بهذه المسألة تدريجا؛ لأنه سبحانه وتعالى يتلطف مع خلقه برحمته. ومثال ذلك: كان الرجل يملك المال فلا يعطي أباه ولا أمه، إنما يعطي المال لأولاده؛ لأنه يعرف أن والده منته وسيموت قريبا، وأن الابن هو الذي يستقبل الحياة، ولذلك فالابن يأخذ كُلَّ المال. هنا قال الحق: لا، إنك أنت يا صاحب المال قد تموت قبل أبيك فاترك له شيئاً. {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} تفسير : [البقرة: 180]. لقد أراد أن يخرجهم من عدم العطاء إلى الوصية التي تكون منهم. وبعد أن استقرت الأحكام، قرر الحق للوالدين نصيباً من الميراث. إذن جاء الأمر أولاً بتلطف في الخروج عن حكم الإلف والعادة والعرف؛ حتى لا يخرجهم إخراجاً قسرياً. والحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل المال دُولة بين الأغنياء فحسب أي يتداولوه دون غيرهم، بل يريد أن يجعل المال دولة بين الناس. لذلك جاء الميراث. إننا عندما نحسب ميراث ألف فدان مثلا نجده قد ذاب وتقلص وتناثر خلال ثلاثة أجيال إلى فدانين وخمسة أفدنة. وهذا تدرج أجيالي لا قسري. حتى يرتب الإنسان حياته وحياة أبنائه، فيترك المالك لأولاده ميراثاً وخيراً ليديروا العمل فيه. أما الذي لا يملك فهو يعطي لأبنائه حرفة أو وظيفة. لذلك يذيب الدِّيُن المسألةَ المالية والعقارية أو الإقطاع كما يقولون، لا بالقسر حتى لا تحدث للمجتمع هزة حقد أو هزة توتر؛ لأن الذي جمع ماله من عرقه ومن اجتهاده ساعة يرى المال قد خرج منه إلى من لم يعرق ومن لم يجد، فهو يحقد، والحق يقول: {أية : وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} تفسير : [محمد: 36-37]. وساعة يحدث الضغن في المجتمع فإن كل استقرار وود ينتهي. وهذا هو منتهى التلطف في رعاية العادات. وكانت الخمر ومجالسها عادة موجودة عند العرب، وكان من الصعب أن يخرجهم منها مرة واحدة. لذلك جاء تحريمها بتدرج وبتلطف والذكي والفطن عندما يسمع الآية التالية يعرف أن الله قد بيت للخمر تبييتاً محكما للقضاء عليها وذلك بتحريمها، يقول الله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} تفسير : [النحل: 67]. فسبحانه يقول: "ورزقاً حسناً"، ولم يصف السكر بأنه حسن. ومعنى هذا أن أخذ الرزق وتخميره واتخاذه سكراً هو إتلاف للحسن. وجاء الحق بـ (السكر) أولاً ليخبرنا أنهم كانوا يأخذون منه الرزق أولاً النصيب الذي يجعلونه خمراً. ومن بعد ذلك يطرح الحق الأمر كعظة من الواعظ للموعوظ، والعظة ليست إلزاماً، إنما هي إبداء رأي حكيم لغيره، وهذا أول التبيت للدخول إلى تحريمها، ثم يقول الحق: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة: 219]. وهكذا رجح الحق جانب الإثم على جانب المنفعة. ومن بعد ذلك يأتي للصلاة، ولم يكن هناك حكم جازم بعدم شرب الخمر قبل الصلاة إلى أن قام واحد للصلاة وهو سكران، ونعوذ بالله مما قال، قال: قل أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. لقد اضطرته الخمر أن يخطيء في القمة العقدية، لذلك جاء الأمر: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ} تفسير : [النساء: 43]. ونعلم أن المسلم يصلي خمسة فروض في اليوم، وحتى لا يقرب الإنسان الصلاة وهو سكران فهذا يقتضي أن يمر النهار كله تقريبا دون خمر إلى ما بعد العشاء. وبذلك أطال الحق المسافة الزمنية التي يمتنع فيها عن تعاطي الخمر. وفي ذلك حبس للنفس عن المعتاد عليه حتى يألف الشخص المعتادُ تركَ ما اعتادَهُ. ومن بعد ذلك يطلبون من الرسول رأياً شافياً في الخمر فيأتي قوله الحق: {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]. لقد كان هذا هو التدرج الذي يخرجهم من الإلف والعادة في أعمالهم، فيأتي الأمر بالتحريم وكأنه صادر منهم. ويردف الحق سبحانه وتعالى ذلك الحكم الجزئي في الخمر والميسر فكأنه يقول: ما دامت المسألة كما علمتم مني بأن هذا رجس ومن عمل الشيطان فلا تعينوا الشيطان على نفوسكم وأخلصوا في عبادة الحق وحده، ويقول سبحانه - بعد ذلك: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ...}