٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
الرازي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ } فظاهره أن المراد وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فيما تقدم ذكره من أمرهما بالاجتناب عن الخمر والميسر، وقوله {وَٱحْذَرُواْ } أي احذروا عن مخالفتها في هذه التكاليف. وثامنها: قوله: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } وهذا تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف في هذا التكليف وأعرض فيه عن حكم الله، وبيانه، يعني أنكم إن توليتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ والاعذار والانذار، فأما ما وراء ذلك من عقاب من خالف هذا التكليف وأعرض عنه فذاك إلى الله تعالى، ولا شك أنه تهديد شديد، فصار كل واحد من هذه الوجوه الثمانية دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً في تحريم الخمر. واعلم أن من أنصف وترك الاعتساف علم أن هذه الآية نص صريح في أن كل مسكر حرام، وذلك لأنه تعالى لما ذكر قوله {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَاء فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ } تفسير : [المائدة: 91] قال بعده {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } فرتب النهي عن شرب الخمر على كون الخمر مشتملة على تلك المفاسد، ومن المعلوم في بدائه العقول أن تلك المفاسد إنما تولدت من كونها مؤثرة في السكر وهذا يفيد القطع بأن علة قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } هي كون الخمر مؤثراً في الاسكار، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن كل مسكر حرام، ومن أحاط عقله بهذا التقدير وبقي مصراً على قوله فليس لعناده علاج، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} فيما أمرا به. {وَٱحْذَرُواْ} ما نهيا عنه أو مخالفتهما. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ} أي فاعلموا أنكم لم تضروا الرسول صلى الله عليه وسلم بتوليكم، فإنما عليه البلاغ وقد أدى، وإنما ضررتم به أنفسكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ } المعاصي {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن الطاعة {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ } الإِبلاغ المبيِّن وجزاؤكم علينا.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول} يعني، فيما أمركم به ونهاكم عنه {واحذروا} أي واحذروا مخالفة الله ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمركم به ونهاكم عنه {فإن توليتم} يعني فإن أعرضتم عما أمركم به ونهاكم عنه {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} وهذا وعيد وتهديد لمن أعرض عن أمر الله ونهيه كأنه قال فاعلموا أنكم بسبب توليكم وإعراضكم قد استحققتم العذاب والسخط. قوله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية عن البراء بن عازب قال: حديث : مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال: فنزلت: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآيةتفسير : أخرجه الترمذي. وقال حديث: حسن صحيح. عن ابن عباس قال: حديث : قالوا يا رسول الله صلى الله أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر لما نزل تحريم الخمر فنزلت: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية تفسير : أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. ومعنى الآية {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} أي لا حرج ولا إثم عليهم فيما شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار في وقت الإباحة قبل التحريم قال ابن قتيبة يقال: لم أطعم خبزاً ولا ماء ولا نوماً قال الشاعر: شعر : فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا تفسير : النقاخ الماء والبرد النوم {إذا ما اتقوا} يعني إذا ما اتقوا الشرك وقيل اتقوا ما حرم الله عليهم {وآمنوا} يعني بالله ورسوله {وعملوا الصالحات} أي وازدادوا من عمل الصالحات {ثم اتقوا وآمنوا} يعني اتقوا الخمر والميسر بعد التحريم فعلى هذا تكون الأولى إخباراً عن حال من مات وهو يشربها قبل التحريم أنه لا جناح عليه. والثانية: خطاب لمن بقي بعد التحريم أمروا باتقائها والإيمان بتحريمها {ثم اتقوا} يعني ما حرم عليهم في المستقبل {وأحسنوا} يعني العمل. وقيل: المراد بالاتقاء الأول فعل التقوى وبالثاني المداومة عليها وبالثالث اتقاء الظلم مع ضم الإحسان إليه. وقيل: إن المقصود من التكرير التأكيد والمبالغة في الحث على الإيمان والتقوى وضم الإحسان إليهما ثم قال تعالى: {والله يحب المحسنين} يعني أنه تعالى يحب المتقربين إليه بالإيمان والأعمال الصالحة والتقوى والإحسان وهذا ثناء ومدح لهم على الإيمان والتقوى والإحسان لأن هذه المقامات من أشرف الدرجات وأعلاها (م) عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} إلى آخر الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم ومعناه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له إن ابن مسعود منهم يعني من الذين آمنوا وعملوا الصالحات والتقوى والإحسان. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} نزلت هذه الآية عام الحديبية وكانوا محرمين، فابتلاهم الله بالصيد، فكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهمّوا بأخذها وصيدها فأنزل الله هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله} الآية اللام في ليبلونكم لام القسم أي ليخبرن طاعتكم من معصيتكم والمعنى يعاملكم معاملة المختبر بشيء من الصيد يعني بصيد البر دون البحر. وقيل: أراد الصيد في حالة الإحرام دون الإحلال وإنما قال بشيء من الصيد ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي نزل عندها أقدام الثابتين ويكون التكليف فيها صعباً شاقاً كالابتلاء ببذل الأموال والأرواح وإنما هو ابتلاء سهل كما ابتلي أصحاب السبت بصيد السمك فيه لكن الله عز وجل بفضله وكرمه عصم أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يصطادوا شيئاً في حالة الابتلاء ولم يعصم أصحاب السبت فمسخوا قردة وخنازير. وقوله تعالى: {تناله أيديكم} يعني الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد {ورماحكم} يعني كبار الصيد مثل حمر الوحش ونحوها. وقال ابن عباس: في قوله تناله أيديكم ورماحكم هو الضعيف من الصيد وصغير يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاؤوا نالوه بأيديهم فنهاهم الله أن يقربوه {ليعلم الله} أي: ليرى الله فإنه قد علمه فهو مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل والمعنى يعاملكم معاملة المختبر. وقيل: معناه ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف وقيل هو من باب حذف المضاف والتقدير ليعلم أولياء الله {من يخافه بالغيب} يعني: من يخاف الله ولم يره فلا يصطاد في حالة الإحرام شيئاً بعد النهي {فمن اعتدى بعد ذلك} يعني فصاد في حالة الإحرام بعد النهي {فله عذاب أليم} يعني في الدنيا. قال ابن عباس: هو أن يوجع ظهره وبطنه جلداً وتسلب ثيابه وهذا قول أكثر المفسرين في معنى هذه الآية لأنه قد سمى الجلد عذاباً وهو قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين.
ابن عادل
تفسير : وخامسها: قوله تعالى بعد ذلك: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} وظاهرُ الأمْرِ بالطَّاعَةِ، فيما تقدَّم ذكرُه من أمرهم بالاجْتِنَابِ عَنِ الخمْرِ والميْسِر. وقوله "واحْذَرُوا" أي: احْذَرُوا عن مُخَالَفتهِمَا في هذا التَّكْلِيفِ. وسادسها: قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ}، وهذا تَهْدِيد عَظِيمٌ ووعيدٌ شَدِيدٌ في حقِّ من خَالَفَ في هذا التَّكْلِيفِ، وأعْرَضَ عن حُكْمِ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ مَعْنَاه إنْ تَوَلَّيْتُم فالحُجَّةُ قد قَامَتْ عَلَيْكُمْ، والرَّسُول قد خَرَجَ عن عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ والإعْذَارِ، فأمَّا ما وراء ذلِكَ من عِقَابِ من خَالَفَ هذا التَّكْلِيف وأعرض، فذَلِكَ إلى اللَّهِ تعالى، وهذا تَهْديدٌ عظيمٌ، وهذا نصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كلَّ مُسكرٍ حرَامٌ؛ لاشْتِمَالِهِ على ما تَشْتَمِلُ عليه الخَمْرُ. قال - عليه الصَّلاة والسلام -:" حديث : كلّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وإن حتماً على اللَّهِ أنْ لا يَشْرَبَهُ عبْدٌ في الدُّنيا إلاَّ سَقَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَة من طِينَةِ الخَبَالِ، هَلْ تَدْرُونَ مَا طِيْنَةُ الخَبَالِ؟" قلنا: لا. قال: "عَرَقُ أهْلِ النَّارِ"تفسير : ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا في الآخِرَةِ ". تفسير : وعن ابن عُمَرَ - رضي الله عنهما - أنَّهُ قال: أشْهَدُ أنِّي سَمِعْتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وهو يقُولُ: "حديث : لَعَنَ اللَّهُ الخَمْرَ وشَاربَهَا وساقِيهَا وبَائِعَهَا ومُبْتَاعَهَا وعاصِرهَا ومُعْتَصِرهَا وحَامِلَهَا والمحمولةَ إلَيْه وآكِلَ ثَمَنِهَا ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} [الآية: 92]. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: الحذر لا يزول عن العبد، وإن كان مدرجًا تحت الصفات ولولا ذلك لبسطه العلم إلى شرط الجور وقلة المبالاة بالأفعال، ولكن الآداب فى إقامة الموافقات كلما ازدادت السرائر به علمًا إزدادت له خشية. وقال ابن العزمى: الحذر انكسار القلب. وقال أيضًا: معنى الحذر مراقبة القلب. وقال الواسطى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ} أى: لا تلاحظوا طاعاتكم فتسقطوا عن درجة الكمال. وقال ابو سعيد الخراز: الحذر من ثمانية أوجه: احذر الله فيما تعرفه من ذنوبك، واحذره فيما لا تعرفه أنت ويعرفه منك، واحذره فيما لا ترى من فضله عليك، واحذره أن لا ينسيك عيوبك، واحذره أن تكون مخدوعًا برؤية طاعتك ونسيان مخالفاتك، واحذره أن تكون مستدرجًا، واحذره أن يحجبك برؤية رحمته عن رؤية عدله، واحذره أن لا يغرك بثناء الخلق عليك بخلاف ما يعلمه منك.
القشيري
تفسير : كما كان العبد أعرفَ بربه كان أخوفَ من ربه، وإنما ينتفي الحذر عن العبد عند تحقيق الموعد بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلأَمْنُ}تفسير : [الأنعام: 82] وذلك عند دخول الجنة. وحقيقةُ الحذر نهوضُ القلب بدوام الاستغاثة مع مجاري الأنفاس.
الطوسي
تفسير : لما أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر والانصاب والازلام أمر في هذه الآية بطاعته في ذلك وغيره من أوامر الله تعالى. والطاعة هي امتثال الأمر، والانتهاء عن المنهي عنه، ولذلك يصح أن تكون الطاعة طاعة لاثنين بأن يوافق أمرهما وإِرادتهما. وقوله {واحذروا} أمر منه تعالى بالحذر، وهو امتناع القادر من الشىء لما فيه من الضرر. والخوف هو توقع الضرر الذي لا يؤمن كونه. والجزع مفاجأة الضرر الذي يزعج النفس مثله. الفزع والرعب مثل الجزع. وقوله {فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} معناه الوعيد والتهديد كأنه قال: فاعلموا أنكم قد حق لكم العقاب لتوليكم عما أدى رسولنا من البلاغ المبين، يعني الاداء الظاهر الواضح، فوضح كلام موضع كلام للايجاز ولو كان على صيغته من غير هذا التقدير لم يصح، لأن عليهم أن يعلموا ذلك تولوا أو لم يتولوا. و "ما" في قوله: {أنما} كافة لـ "أن" عن عملها، وذلك أنها لما كانت من عوامل الاسماء خاصة ثم احتيج الى ادخالها على غيرها زيد عليها (ما) ليعلم تغيرها عن حالها فصارت كافة لها.
الجنابذي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} فى خصوص النّهى عن الاربعة المذكورة او فى كلّ ما أمرتم ونهيتم عنه، والعمدة فى الكلّ وغايته الامر بالولاية او فى الامر بالولاية مخصوصاً فانّ الاطاعة فيه غاية جميع الطّاعات ومستلزم لجميع الطّاعات {وَٱحْذَرُواْ} عن عقوبة مخالفتهما {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} عنهما {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} فلا يرد من تولّيكم منقصة عليه وقد بلّغ ما امر بتبليغه.
الهواري
تفسير : قوله: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاَغُ المُبِينُ}. {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّءَامَنُوا}. قال بعضهم: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي يومئذ لهم حلال، ثم حرمت بعدهم، فلا جناح عليهم فيما شربوا قبل التحريم وقال السدي: {فِيمَا طَعِمُوا} أي فيما شربوا، يعني الحي منهم والميت قبل تحريمها. {ثُمَّ اتَّقَوا وَّءَامَنُوا} أي صدقوا بتحريمها {ثُمَّ اتَّقَوا} أي اتقوا شربها {وَّأَحْسَنُوا} العمل بعد تحريمها فلم يشربوها، ومن فعل ذلك فهو محسن. {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} أي الذين يأخذون بالسنة.
اطفيش
تفسير : {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحذَرُوا فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ0 لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}: أكلوا وشربوا فطعموا بمعنى تناولوا لبطونهم، فهو من عموم المجاز أو يقدر فيما طمعوا وما شربوا، وذلك أن الآية فى الخمر وهى مشروبة والقمار وهو مأكول. {إِذَا مَا}: حرف مؤكد. {اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا}: أى ليس على الذين آمنوا بالله ورسوله، وفعلوا ما فرض عليهم اثم بسبب ما أكلوا مما لم يحرم عليهم كالخمر قبل تحريمها اذا تحقق تركهم المحرمات كالسرقة والغيبة، وثبتوا على الايمان والعمل ما فرض، فان ترك الايمان وترك ما فرض داخلان فى جملة ما تبقى، ثم اتقوا ما حرم عليهم بعد كالخمر والميسر فى حق من حرمها على عهده، وكلما نزل تحريم شىء اتقوه وآمنوا بتحريمه، ثم اتقوا داموا على ترك المحرمات وأحسنوا بفعل ما لم يجب من أفعال الطاعات، فالايمان الأول التصديق، والثانى الدوام عليه، والثالث التصديق بتحريم ما حرم. وعمل الصالحات الأول فعل الواجب، والثانى الدوام عليه، والاتقاء الأول ترك المحرمات، والثانى ترك ما حدث تحريمه، والثالث الدوام على التركين، وفى الآية وجه آخر أن يجعل عمل الصالحات الثانى عمل المسنونات والاحسان مطلق النفل، والاتقاء الأول، والثانى ترك الصغائر، والثالث ترك المكروهات، والباقى كما فى الوجه الأول وكلا الوجهين تأسيس، والثانى ولو كان فى التأسيس ادخل لقلة ترك الكبائر ما أخرج فيه من الأفعال عن معنى احداثه الى معنى الدوام عليه، لكن فى الدوام شأن عظيم. وكان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة وأحب العمل اليه أدومه ولو قل، وفى مجانبة الترك والابطال يتفاضل الناس. شعر : لكل الى جنب العلى حركات ولكن عزيز فى الرجال ثبات تفسير : وفى الآية وجه آخر هو أن يجعل الايمان والأول تصديقاً بالفرض، والثانى بالمسنون، والثالث بالنفل، هكذا وباقى الآية كما فى الوجه الأول، فهذا وجه ثالث، وان جعلت باقيها كما فى الثانى كان وجهاً رابعاً، وفى الآية وجه خامس كالأول، الا أن ثم لتراخى الرتب، وسادس كالثانى، وثم لتراخى الرتب، وسابع كالثالث، وثم لتراخى الرتب، وثامن كالرابع، وثم لتراخى الرتب، وتاسع أن يجعل الايمان كله فى الآية بالواجبات وعمل الصالحات فى الموضعين عمل الفرض، والتقوى كلها ترك المحرمات، والعطف للتأكيد، وعاشر أن يكون التكرير باعتبار ما قبل نزول تحريم الخمر والميسر وزمان نزولهما وبعده، وهذا فيما ذكر ثلاثاً وهو الايمان والتقوى. وأما ما ذكر مرتين فما قبل نزول تحريمهما، وحال نزولهما مع ما بعده، وحادى عشر أن يكون تكرير ما ذكر ثلاثاً باعتبار زمان الشباب، وزمان الكهولة، وزمان الشيوخة، وما ذكر مرتين باعتبار، وثانى عشر أن يكون تكرير ما ذكر ثلاثاً باعتبار زمان ابتداء الايمان، وزمان الوفاة وما بينهما، وما ذكر مرتين ما قبل الوفاة، وزمان الوفاة، وثالث عشر أن يكون التكرير باعتبار حال الانسان مع نفسه، وحاله مع الخلق، وحاله مع الله تعالى، وما ذكر مرتين باعتبار حاله مع نفسه، ومع الخلق وحاله مع الله تعالى، وذلك باعتبار الحق لنفسه أو عليهما، واعتبار الحق للخلق أو عليه، واعتبار الحق لله، ورابع عشر أن يكون ما ثلث باعتبار اجتماعه مع الناس، وخلوه عنهم لنفسه، ومعاملته مع الله، وما ثنى باعتبار خلوه لنفسه واجتماعه بالخلق، وباعتبار معاملته الله تعالى، وخامس عشر أن يكون تكرير الايمان باعتبار الايمان التقليدى، ثم التقليدى اليقينى، ثم الايمان القوى جداً، الذى هو عيان العمل الصالح مرتب عليه فى أحواله الثلاث، وما ثنى مرتب عليه باعتبار التقليد، واعتبار ما عداه، وسادس عشر أن يتكرر التقوى باعتبار ترك المحرم، واعتبار ترك الشبه، واعتبار ترك بعض المباح لئلا تقسو به نفسه، فيتدرج به لما لا يحل ويتكرر الايمان معهن وما ثنى باعتبار ما وجب، واعتبار ما لم يجب، ونزيد على هذه الأقسام الخمسة عشر قسماً هو أن فعل الاحسان مع كل واحد غير الأول كمال الخشوع والتواضع فيهن، وان فسرت التقوى الأولى باتقاء الشرك، والثانية باتقاء الكبائر والثالثة باتقاء المعصية مطلقا زادت الوجوه. {وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}: ينعم عليهم بالجنة ولا يعذبهم، فمن فعل ذلك كان محسناً، وعن ابن مسعود حديث : لما نزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية، قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت منهم، قيل قال بعض: يا رسول الله أمنهم ابن مسعود؟ فقال: نعم .
اطفيش
تفسير : {وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} فيما أَمر به الله ورسوله، {واحْذَرُوا} المخالفة في أَمر الله ورسوله وفيما نهى الله ورسوله عنه كالخمر والميسر والأَنصاب والأَزلام، فهذا تأْكيد لتحريمهن بذكر الله ورسوله معاً وتكرير الإِطاعة وذكر الحذر تعميماً لهن ولغيرهن، وزاد تأكيداً آخر بقوله: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} عن الإِطاعة والحذر فجزاؤكم علينا لا على الرسول، ولم تضروا بتوليكم الرسول {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاَغُ المُبِينُ} أَى تحصيل البلاغ للوحى، فهو مصدر، أَو التبليغ فهو اسم مصدر، وقد بلغ فما ضررتم إِلا أَنفسكم، ولما أَلفوا الخمر تحرا وشرباً وإِزالة للهم بشربها كان تحريمها تدريجاً فنزل قوله تعالى "أية : يسأَلونك عن الخمر" تفسير : [البقرة: 219] إلخ فتركها بعض تحرجاً عن إِثمها وبقى بعض على منافعها، فنزل "أية : لا تقربوا الصلاة وأَنتم سكارى" تفسير : [النساء: 43] فتركها بعض وقال بعض نشربها ونقعد في بيوتنا حتى لا نضر أَحداً، وشربها بعض حين لا تضر بالصلاة حتى نزل إِنما الخمر، إِلى فهل أَنتم منتهون، فقالوا: انتهينا يا ربنا، وذلك سنة ثلاث من الهجرة، فقال أَبو بكر وغيره: كيف حال من مات وقد شربها وأَكل الميسر من المؤمنين يا رسول الله، فنزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الأَحياءِ والأَموات {جُنَاحٌ فِيمَا طَعمُوا} أَكلوا مما لم يحرم، ولو حرم بعد كالخمر والميسر، والطعم شامل للشرب كقوله تعالى {أية : ومن لم يطعمه} تفسير : [البقرة: 249] - أَى الماء فإِنه منى، وقيل نزلت الآية في الرد على الذين أَرادوا الترهب وقد مر ذكرهم {إِذَا ما اتَّقَوْا} نزل تحريمه عليهم {وآمَنُوا} وثبتوا على الإِيمان، أَو ازدادوا إِيماناً {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ثبتوا على عملها، أَو ازدادوا منها {ثُمَّ اتَّقَوْا} ما حرم بعد، وهم أَحياء كالخمر والميسر {وآمَنُوا} بتحريمه {ثُمَّ اتَّقَوْا} داموا على اتقائهما واتقاءَ سائر المعاصى، والجناح في ترك الاتقاء والإِيمان وعمل الصالحات لا فى تناول المباح عند الترك لذلك، فقوله إِذا ما اتقوا إِلخ لم يذكر لتقييد نفى الجناح عنهم بتحقق الإِيمان والتقوى والعمل الصالح، بل ذكر لمدحهم فإِنه تم جواب سؤال: كيف حال إِخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأْكلون الميسر فى قوله طعموا بدليل {وَأَحْسَنُوا واللهُ يُحِبُّ المحْسِنينَ} فإِنه لا يناسب الختم به كون قوله إِذا ما اتقوا إِلخ قيد نفى الجناح بتحقيق الإِيمان وما بعده، ويحتمل أَن يكون التكرير باعتبار ما قبل زمان تحريم الخمر والميسر وزمان تحريمهما وما بعد تحريمهما، أَو زمان الشباب وزمان الكهولة وزمان الشيخوخة، أَو زمان ابتداء الإِيمان وزمان الوفاة وما بينهما. والمراد أَحسنوا على الاستمرار والثبات على الاتقاءِ، والترتيب في ذلك باعتبار الزمان، ويجوز أَن يكون باعتبار الرتبة؛ لأَن الثبوت على الشئ فوق إِحداثه قال: شعر : لكل إِلى جنب العلا حركات ولكن عزيز فى الرجال ثبات تفسير : ومن تراخى الرتبة فأْولاها ترك المحرم خوف العقاب أَو رجاءَ الجنة، وبعده ترك الشبهات أَن لا يقع في الحرام، وبعد هذا ترك بعض المباح تحفظاً عن الخسة وتهذيباً عن دنس الطبع، أَو مرتبة خلوه ثم مرتبة اجتماعه مع الناس ثم مرتبة خلوه مع ربه، يستعمل التقوى والإِيمان فيهن، أَو مرتبة الإِيمان التقليدى ثم اليقينى ثم العيانى، أَو التقوى الأُولى ترك الحرام والثانية الدوام عليه والثالثة انتفاء الظلم، وفي الحديث: حديث : الإِحسان أَن تعبد الله كأّنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراكتفسير : ، والتقوى تتبين في الأَمر الصعب، وفى الأَمر السهل فاختبر الله فى السهل المسلمين بتحريم الصيد وهم محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة وقت الحديبية، وكثر عليهم حتى كان يقع فى رحالهم ويتمكنون في أَخذه باليد والضرب بالسيف والطعن بالرمح كما اختبر بنى إِسرائيل بتحريم صيد البحر في السبت وأَرسله عليهم حتى كان يغطى وجه الماء كما قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَئٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} فالآية نزلت قبل الحديبية وجعلت في هذا المحل، والسورة مدنية، إِلا "أية : اليوم أكملت لكم دينكم"تفسير : [المائدة: 3] إِلخ، فمكى، وقيل: نزلت في حجة الوداع بين مكة والمدينة، أَى والله لا يعاملنكم معاملة المختبر بتحريم شئ ثابت من الصيد البرى، أَى هو الصيد البرى أَو بعض مطلق الصيد، والبعض هو البرى والصيد بمعنى الوحش، والمراد المأَكول وغير المأكول لا بمعنى الاصطياد، لأَن الوصف بأَنه تناله الأَيدى والرماح لا يناسبه متبادر أَو لو احتمله، بمعنى تحصل الأَيدى والرماح اصطياده، وعن ابن عباس: الذى تناله الأَيدى فراخ الطير وصغار الوحش والبيض والضعيف بمرض أَو غيره، والذى تناله الرماح الكبار الصحاح، وقيل: الذى تناله الأَيدى والرماح صيد الحرم لأَنه يأْنس بالناس ولا ينفر كما ينفر بالحل، وقيل: ما قرب وما بعد، وذكر بعض أَنه خص الأَيدى بالذكر لأَنها أَعظم تصرفاً في الاصطيادِ، وفيها تدخل الجوارح والحبالات وما عمل بالأَيدي من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأَنها أَعظم ما يجرح به الصيد، ويدخل فيها السهم ونحوه {لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافَهُ بِالغَيْبِ} أَى ليعلم أَولياءَ الله أَو جند الله، فالتجاوز بالحذف أَو العلم مجاز في معنى التمييز، لأَن العلم بالشئ يستلزم تمييز ذلك الشئ، وتمييزه بكسر الياء مستلزم لظهروه ولتميزه بضم الياء أَو علمه سبب لإِظهاره وإِظهاره سبب لظهوره فذلك مجاز لغوى بمرتبتين، أَو المعنى ليعاملكم معاملة من يمتحن الشئَ ليعلمه، أَو المعنى: ليتعلق علمه الأَزلى بمن يخاف، فالحدوث في التعلق لا في العلم، فالمتجدد المعلومات وحدوثها لا العلم، فالعلم مجاز عن تعلقه بالمعلوم على طريق الملزوم، أَو السبب وإِرادة اللازم أَو المسبب، أَى ليتعلق علمه الأَزلى بوجود الخائف من عقابه تعلقه به قبل وجوده بأَنه سيوجد، وعلمه أَزلى ذاتى لا يتجدد؛ لأَن صفته هو، والغيب غيب عقابه أَو عدم مشاهدته الله فمن خاف مع الغيب فهو قوى الإِيمان، مع أَن الصيد ليس بأَمر عظيم على النفوس كما يعظم عليها القتل وبذل المال بل هو أَمر حقير قليل كما أَشار إِليه بقوله بشئ، فمن لم يثبت عند الأَمر الحقير فكيف يثبت عند العظيم، وذلك لضعف إِيمانه فيرتكب المحذور فيعاقب. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أَى بعد بيان أَن ما وقع من كثرة الوحش بحضرتهم ابتلاء، وقيل بعد التحريم والنهى، ورد بأَن التحريم والنهى ليسا أَمراً حادثاً ترتب عليه الشرطية بالفاء، وقيل بعد الابتلاء، ورد بأَن الابتلاء نفسه لا يصلح مدار العذاب، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة بالنار وفي الدنيا بالتعزير، فإِنه يضرب ظهره وبطنه ضرباً وجيعاً ليرتدع هو وغيره، كما روى عن ابن عباس، وروى قومنا عنه أَنه ينزع ثيابه، والصيد عندنا وعند أبى حنيفة الممتنع المتوحش ولو حرم أَكله أَو كره كالأَسد والذئب، فمن صاده ضمن قيمته، وقال زفر: شاة، والتفضيل في الفروع، وقال الشافعي: الصيد اسم لما يؤكل فلا جزاءَ عنده على محرم الأَكل ويدل لنا قول على: شعر : صيد الملوك أَرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدى الأَبطال تفسير : والثعالب من السباع، وقيل: لا، ويجوز رجوع الإِشارة إِلى النهى عن تحريم الصيد، أَو إِلى تحريمه، وجازا للابتداء لترتب عذاب المتعدى عليهم، إِذا لو لم يكن نهى وتحريم لم يتصور الاعتداء فضلا عما يترتب عليه من العذاب الأَليم، ولو لم يكن الابتلاء لم يكن الاعتداء، ولما كان الابتلاء وهو التكليف ترتب الاعتداء فالعذاب.
الالوسي
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } عطف على «اجتنبوه» أي أطيعوهما في جميع ما أمرا به ونهيا عنه ويدخل فيه أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولاً أولياً {وَٱحْذَرُواْ } أي مخالفتهما في ذلك وهذا مؤكد للأمر الأول، وجوز أن يكون المراد أطيعوا فيما أمرا واحذروا عما نهيا فلا تأكيد. وجوز أيضاً أن لا يقدر متعلق للحذر أي وكونوا حاذرين خاشين وأمروا بذلك لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كل سيئة وعمل كل حسنة {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتهم ولم تعملوا بما أمرتم به {فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } أي ولم يأل جهداً في ذلك فقامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار وانقطعت العلل ولم يبق بعد ذلك إلا العقاب. وفي هذا كما قال الطبرسي وغيره من التهديد وشدة الوعيد ما لا يخفى، وقيل: إن المعنى فاعلموا أنكم لن تضروا بتوليتكم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه ما كلف إلا البلاغ المبين بالآيات وقد فعل وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتموه وليس بشيء إذ لا يتوهم منهم ادعاء الضرر بتوليتهم حتى يرد عليهم. ومثل ذلك ما قيل: إن المعنى فإن توليتم فلا تطمعوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يهملكم لأن ما على الرسول إلا البلاغ المبين فلا يجوز له ترك البلاغ.
ابن عاشور
تفسير : عطفت جملة {وأطيعوا} على جملة {أية : فهل أنتم منتهون}تفسير : [المائدة: 91]، وهي كالتذييل، لأنّ طاعة الله ورسوله تعمّ ترك الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وتعمّ غير ذلك من وجوه الامتثال والاجتناب. وكرّر {وأطيعوا} اهتماماً بالأمر بالطاعة. وعطف {واحذَروا} على {أطيعوا} أي وكونوا على حذر. وحذف مفعول {احذروا} ليُنَزّلَ الفعلُ منزلة اللازم لأنّ القصد التلبّس بالحذر في أمور الدين، أي الحذر من الوقوع فيما يأباه الله ورسوله، وذلك أبلغ من أن يقال واحذروهما، لأنّ الفعل اللازم يقرُب معناه من معنى أفعال السجايا، ولذلك يجيء اسم الفاعل منه على زِنة فَعِلٍ كفرِح ونَهِمٍ. وقوله: {فإن تولّيتم} تفريع عن {أطيعوا - واحذروا}. والتولّي هنا استعارة للعصيان، شُبّه العصيان بالإعراض والرجوع عن الموضع الذي كان به العاصِي، بجامع المقاطعة والمفارقة، وكذلك يطلق عليه الإدبار. ففي حديث ابن صياد «ولئنْ أدْبَرْتَ ليَعْقَرَنَّك الله» أي أعرضتَ عن الإسلام. وقوله: {فاعلموا} هو جواب الشرط باعتبار لازم معناه لأنّ المعنى: فإن تولّيتم عن طاعة الرسول فاعلموا أن لا يضرّ تولّيكم الرسولَ لأنّ عليه البلاغ فحسب، أي وإنّما يضرّكم تولّيكم، ولولا لازم هذا الجواب لم ينتظم الربط بين التولّي وبين علمهم أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام ما أمر إلاّ بالتبليغ. وذكر فعل {فاعلموا} للتنبيه على أهمية الخبر كما بيّنّاه عند قوله تعالى: {أية : واتّقوا الله واعلموا أنّكم ملاقوه}تفسير : في سورة البقرة (223). وكلمة {أنّما} بفتح الهمزة تقيّد الحصر، مثل (إنّما) المكسورةِ الهمزة، فكما أفادت المكسورة الحصر بالاتّفاق فالمفتوحتها تفيد الحصر لأنّها فرع عن المكسورة إذ هي أختها. ولا ينبغي بقاء خلاف من خالف في إفادتها الحصر، والمعنى أنّ أمره محصور في التبليغ لا يتجاوزه إلى القدرة على هدي المبلّغ إليهم. وفي إضافة الرسول إلى ضمير الجلالة تعظيم لجانب هذه الرسالة وإقامة لمعذرته في التبليغ بأنّه رسول من القادر على كلّ شيء، فلو شاء مُرسله لهَدَى المرسَلَ إليهم فإذا لم يهتدوا فليس ذلك لتقصير من الرسول. ووصفُ البلاغ بــ {المُبين} استقصاء في معذرة الرسول وفي الإعذار للمعرضين عن الامتثال بعد وضوح البلاغ وكفايته وكونه مُؤيَّداً بالحجّة الساطعة.
الواحدي
تفسير : {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} المحارم والمناهي {فإن توليتم} عن الطَّاعة {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} فليس عليه إلاَّ البلاغ، فإن أطعتم وإلاَّ استحققتم العقاب، فلمَّا نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربونها، ويأكلون الميسر؟ فنزل: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} من الخمر والميسر قبل التحريم {إذا ما اتقوا} المعاصي والشِّرك {ثمَّ اتقوا} داموا على تقواهم {ثم اتقوا} ظلم العباد من ضمِّ الإِحسان إليه. {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} كان هذا عام الحديبية، كانت الوحش والطيَّر تغشاهم في رحالهم كثيرة، وهم مُحْرِمون ابتلاءً من الله تعالى. {تناله أيديكم} يعني: الفراخ والصِّغار {ورماحكم} يعني: الكبار {ليعلم الله} ليرى الله {مَنْ يخافه بالغيب} أَيْ: مَنْ يخاف الله ولم يره {فمن اعتدى} ظلم بأخذ الصَّيد {بعد ذلك} بعد النَّهي {فله عذابٌ إليم}. {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} حرَّم الله قتل الصَّيد على المُحْرِم، فليس له أن يتعرَّض للصَّيد بوجهٍ من الوجوه ما دام مُحرماً {ومَنْ قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم} أَيْ: فعليه جزاءٌ مماثل للمقتول من النَّعم في الخِلقة، ففي النَّعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الضَّبع كبش، على هذا التَّقدير {يحكم به ذوا عدل} يحكم في الصَّيد بالجزاء رجلان صالحان {منكم} من أهل [ملَّتكم] فينظران إلى أشبه الأشياء به من النَّعم، فيحكمان به {هدياً بالغ الكعبة} أَيْ: إذا أتى مكة ذبحه، وتصدَّق به {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك} أَيْ: مثل ذلك {صياماً} والمُحرِم إذا قتل صيداً كان مخيَّراً؛ إن شاء جزاه بمثله من النَّعم؛ وإن شاء قوَّم المثل دراهم، ثمَّ الدراهم طعاماً، ثمَّ يتصَّدق به، وإن شاء صام عن كلِّ مدٍّ يوماً {ليذوق وبال أمره} جزاء ما صنع {عفا الله عما سلف} قبل التَّحريم {ومن عاد فينتقم الله منه} مَنْ عاد إلى قتل الصَّيد مُحرماً حُكم عليه ثانياً، وهو بصدد الوعيد {والله عزيز} منيع {ذو انتقام} من أهل معصيته. {أحلَّ لكم صيد البحر} ما أُصيب من داخله، وهذا الإِحلالُ عامٌّ لكلِّ أحد مُحرِماً كان أو مُحِلاًّ {وطعامه} وهو ما نضب عنه الماء ولم يُصَد {متاعاً لكم وللسيارة} منفعة للمقيم والمسافر، يبيعون ويتزوَّدون منه، ثمَّ أعاد تحريم الصَّيد في حال الإِحرام، فقال: {وحرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً واتقوا الله الذي إليه تحشرون} خافوا الله الذي إليه تبعثون.
القطان
تفسير : طعم: ذاق، وتأتي بمعنى أكل. جناح: إثم او جُرم. أطيعوا الله تعالى فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما من المحرّمات، وأطيعوا الرسول فيما بيّنه لكم مما نزّل عليكم، واحذروا ما يصيبكم اذا خالفتم ذلك من فتنة في الدنيا وعذاب في الآخرة.. فإن أعرضتم عن الطاعة، فتيقنوا ان الله معاقبكم. ولا عذر لكم بعد هذا البلاغ الواضح المبين. وفي هذا تهديد ووعيد شديد. ليس على الذين آمنوا وصدّقوا بالله ورسوله، وأتوا بصالح الأعمال إثمٌ فيما يأكلون من الطيبات ولا فيما سبق أن أكلوه من المحرّمات قبل علمهم بتحريمها، شرط ان يبتعدوا عنها بعد الآن، وان يستمروا على خوفهم من الله وتصديقهم بما شرعه لهم من احكام. والله يحب المتقربين اليه بنوافل الاعمال التي يرضاها. والاتقاء الأول في هذه الآية: هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق. والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير. والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرب بنوافل الاعمال.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْبَلاَغُ} (92) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أمَرَ بِهِ مِنِ اجْتِنَابِ الخَمْرِ وَالمَيَسِرِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ المُحَرَّمَاتِ، وَبِطَاعَةِ رَسُولِهِ فِيمَا بَيَّنَهُ لَهُمْ مِنْ شَرْعِ اللهِ، وَفِيمَا يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَهُمْ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنَ العِصْيَانِ وَالمُخَالَفَةِ وَالعِنَادِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ إنَّهُمْ إنْ تَوَلَّوْا عَنِ الإِيمَانِ، وَأصَرُّوا عَلَى المُخَالَفَةِ، وَالاعْتِدَاءِ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، وَعَلَى تَجَاوُزِ شَرْعِهِ الكَرِيمِ، فَإنَّ الحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَيهِمْ، وَالرَّسُولُ قَامَ بِمَا أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ مِنَ الإِبْلاغِ وَالإِنْذَارِ وَالدَّعْوَةِ، وَإنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى اللهِ فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أعْمَالِهِمْ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِها. البَلاغُ - تَبْلِيغُ الدَّعْوَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد نقل الله الحكم بعدما انتهى من هذه الجزئية إلى حكم عام هو طاعة الله وطاعة الرسول. وأنت ساعة تستقرئ أمر الله بالطاعة فأنت تجدها في صور متعددة. فمرة يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: 92]. فقد كرر الأمر بالطاعة لله وللرسول، فالإطاعة لله في الحكم العام، وإطاعة الرسول في تفصيله، ومرة يقول سبحانه: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} تفسير : [آل عمران: 32]. إنه هنا لا يكرر أمر الطاعة، فهناك أمر للطاعة، وهناك مطاع، وهناك مطيع والمطيع، هم المخاطبون، فهو هنا يوجد أمر الطاعة، والمطاع هنا هو الله، والرسول يأتي معطوفا على لفظة الجلالة. ومرة يقول الحق سبحانه: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النور: 56]. نحن إذن أمام حالات للطاعة: الأولى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، والثانية: أطيعوا الله والرسول، والثالثة: أطيعوا الرسول، ومرة واحدة فقط يعطف على ذلك "أولي الأمر" فيقول جل وعلا: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ} تفسير : [النساء: 59]. وحين قال الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: 92]. فهو يكرر الأمر بالطاعة عند الله وعند الرسول، لكن عند أولي الأمر لم يأت سبحانه بأمر: "وأطيعوا"؛ ذلك أن طاعة أولي الأمر تكون من باطن الطاعتين: طاعة الله، وطاعة الرسول؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإذا قال الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} تكون طاعة الله في الحكم العام، وطاعة الرسول في تفصيل الحكم. والمثال قوله الحق: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97]. هنا نطيع الله في الحكم العام، ونطيع الرسول في تفصيل الحج. لأن التفصيل لم يأت في القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خذوا عني مناسككم"تفسير : . وعندما يتوحد الأمران: "وأطيعوا الله والرسول" فهذا يعني أن هناك أمراً واحداً قد صدر من الله، وصدور وحصول الفعل من الرسول يكون للقدوة والأسوة وتوكيدا للحكم. وإذا كان لله أمر بالإجمال وللرسول أمر بالتفصيل فسبحانه يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}. وإذا كان الأمر للرسول فقط ولم يرد فيه شيء من الله فهو أمر صدر بتفويض من الله بناء على قوله الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. وهكذا نجد أنه لا تلتبس طاعة بطاعة ولا تتناقض طاعة مع طاعة. والحق هنا يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ}. لماذا هذا التحذير؟ يأتي هذا التحذير ليعلمنا الله أن الشيطان لن يدعنا ندخل في مجال طاعة الله وطاعة الرسول، وسيحاول جاهداً أن يُلبَّس علينا الأمر. فعندما يعرف الشيطان ميلاً في نفس إنسان إلى لون من الشهوات، يدخل إليه من باب المعاصي. وإن كان الإنسان قد أوصد بعض السبل أمام الشيطان فلا يستطيع مثلا إغراءه بالسرقة أو شرب الخمر، لا يتركه بل يدخل إليه من باب الطاعة، فيأتي الشيطان إلى الإنسان لحظة الوضوء وينسيه هل غسل هذه اليد أو تلك، وهل أسبغ الوضوء أم لا؟ أو يأتي الشيطان إلى المؤمن لحظة الصلاة فينسيه عدد الركعات أو عدد السجدات، وهكذا يدخل الشيطان للمؤمن من ناحية الطاعة. ومعنى قوله سبحانه: {وَٱحْذَرُواْ} أي احذروا أن يحتال الشيطان عليكم؛ لأنه سيحاول أن يدخل لكم من كل مدخل، يدخل على المسرف على نفسه بالمعصية، وأشد أعمال الشيطان على المؤمنين هي أن يدخل عليهم من باب الطاعة. ولذلك قال الحق: {وَٱحْذَرُواْ} وكثيراً ما نجد الإنسان منا ينسى موضوعاً ما، وحين يأتي إلى الصلاة فهو يتذكر هذا الموضوع. والشيطان لا يترك الإنسان في مثل هذه الحالة، فقد أقسم الشيطان فقال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82]. وقال الحق سبحانه: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. إنه أقسم أن يقف على الطريق المستقيم لا على الطريق المعوج. ومثال ذلك عندما يتصدق إنسان بصدقة قد يعلنها ويقول: لقد تصدقت أكثر من فلان. وهكذا يضيع منه الأجر. الشيطان يحاول - إذن - أن يدخل علينا من باب لا تفطن إليه وهو باب الطاعة. وأروي لكم هذه القصة حتى تعرفوا مدى تَدَخُّل الشيطان، وقد حدثت مع الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه. فقد جاء إليه من يسأله الفتوى في أمر غريب؛ قال السائل: ضاعت مني نقودي، فقد دفنتها في مكان من الأرض، ونزل السيل فطمس مكان النقود وأزال الحجر الذي وضعته علامة على مكانها. فقال الإمام أبو حنيفة: اذهب الليلة بعد صلاة العشاء وقف أمام ربك إلى أن يطلع الفجر، وقل لي ماذا سوف يحدث. وعندما جاءت صلاة الفجر جاء الرجل متهللاً إلى أبي حنيفة وقال: وجدت مالي. فسأله أبو حنيفة" كيف؟ قال الرجل: بينما أنا أقف للصلاة تصورت مكان وضع النقود، ومتى نزل السيل، وكيف سار، وهكذا قست المسافة وقدرتها إلى أن عرفت موقع النقود. فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك. هكذا ترى كيف يدخل الشيطان من باب الطاعة. ولذلك قال الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [المائدة: 92]. أي فإن أعرضتم عمّا كلفتكم به فاعلموا أنكم بتوليكم وإعراضكم لن تضروا الرسول؛ لأن الرسول ما كلف إلاّ أن يقوم بالبلاغ المبين، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم به. إن الحق يعلم أزلاً أن بعضاً من عباده قد يقول: إن هذا الحكم لم يَرِد في القرآن؛ لذلك جاء بالأمر بطاعة الرسول. وهكذا صارت للرسول طاعة مستقلة، وأرادها الله حتى يَرُدّ مقدماً على الذين يسألون عن نص فيه كل تفصيل. بينما نجد هذه التفاصيل في السنة النبوية الشريفة. ومثال ذلك عدد ركعات كل صلاة، إنها لم تَرِدْ في القرآن، ولكننا عرفناها تفصيلاً من الرسول. وفَوَّض الحق رسوله في التشريع: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7]. فسبحانه قد علم أزلاً أن هناك من سيدَّعي أنه لن يطيع إلا القرآن. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (حديث : يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله عزوجل، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ). تفسير : أي أن الرسول هو المبلغ عن ربه، وأن علينا أن نحذر الشيطان إذا أراد أن يدخل علينا من باب الطاعة. ولكن لماذا قال الحق: {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ}؟ وعن أي شيء يكون التولي؟ قال الحق ذلك ليوضح لنا أن الإنسان له الاختيار في أن يذهب إلى الطاعة، وله الاختيار في أن يذهب إلى المعصية، وإن تولى الإنسان عن الطاعة إلى المعصية، وعن الإيمان الذي جاء به الرسول الذي بلغ عن الله إلى البقاء في الكفر، فليعلم ذلك الإنسان أن الرسول قد أوفى مهمته وأداها. فالمطلوب من الرسول أن يبلغ المنهج، وقد بلغ صلى الله عليه وسلم بلاغاً مبيناً، محيطاً، واضحاً ومستوعباً لكل أقضية الحياة. لقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم مطلوب الله منا أن نؤمن بإله واحد، قادر، حكيم، له كل صفات الكمال، ذلك هو الأمر الأول في العقيدة. وأبلغنا صلى الله عليه وسلم أن نبتعد عما كان عليه العرب من الأنصاب، ومن الأوثان، ومن الأصنام. وبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منا إيماناً، وعملاً، والعمل ينقسم إلى قسمين: عمل إيجابي، وعمل سلبي. ويتركز العمل الإيجابي في "افعل كذا"، إذا لم تكن تفعله، أما العمل السلبي فهو أن تكف عما نهاك عنه الله، ونهاك عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن أول مطلوب الإيمان هو الاعتقاد في الإله الواحد، وأن نكف عن عبادة الأوثان والأصنام، والطلب - كما نعرف - هو أن تنشيء كلاماً تطلب به من مخاطبك أن يفعل شيئاً لم يكن مفعولاً وقت طلبه. فإذا أوضح الحق: لا تعبد الأوثان، فهذا طلب الفعل، وهو أن نكف عن عبادة الأوثان. وحين يأمرنا الحق بالصلاة والصوم والزكاة وحج البيت، فهذا طلب لأفعال. وطلب الفعل يقال له: "أمر". وطلب الكف عن فعل يقال له: "نَهْي". وأنت إذا نظرت إلى كل التكاليف في الإسلام، تجدها لم تأت مرة واحدة، وإنما جاءت على مدار ثلاثة وعشرين عاماً. فعندما جاء الإسلام آمن به أناس، ولم يكن قد صدر إليهم تنفيذ أي من الأحكام التي وردت على مدار سنوات الرسالة، وإنما كان المطلوب منهم بعضاً يسيراً منها، وكانوا يؤدونها، منهم من بلغه فقط ضرورة الإيمان بالإله الواحد، وآمن بذلك ثم وافاه الأجل وكانت له الجنة. ومنهم من امتدت حياته، فزادت عليه أحكام جديدة فنفذها، وكان إسلامه بذلك إسلاماً تاماً. إذن، فالتمام في الإسلام هو تنفيذ كل عمل جاء في الأحكام التي أدركها المسلم. فإن لم يكن المسلم قد أدرك إلا حكماً واحداً ونفذه فله كل ما وعد الحق به. ومثال ذلك "مخيريق اليهودي" الذي أسلم وأوصى بماله للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوم أُحُد، وقف في قومه قائلاً: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لَحَقُّ. فلم يجيبوه، فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أُصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء. ثم خرج إلى القتال فقاتل حتى استشهد. ولم يكن قد نفذ أي حكم من أحكام الإسلام، لكنه قاتل فنال شرف الشهادة، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : مُخَيْريق خير يهود ). تفسير : ولا بد لنا أن نفرق دائماً بين "أركان الإسلام" والمطلوب من المسلم. ونعلم جميعاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (حديث : بني الإسلام على خمس: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان ). تفسير : هذه هي أركان الإسلام. أما المسلم فقد يختلف المطلوب منه، فالمطلوب من المسلم أن يشهد مرة واحدة في حياته أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ومطلوب منه دائماً أن يقيم الصلاة مهما تكن حالته. لكن فرض الزكاة قد يسقط عنه إن كان لا يملك مالاً. وقد يسقط عنه الصوم إن كان مريضاً مرضا لا يرجى شفاؤه أو كان كبير السن لا يقدر على الصوم وعليه فدية طعام مسكين، أما المريض الذي يرجى شفاؤه وكذلك المسافر فيقضيان الصوم بعد زوال العذر ومثلهما الحائض والنفساء. وقد يسقط عنه الحج لأنه لا يملك المال الكافي. هكذا تختلف أركان الإسلام من مسلم لآخر، وهكذا نعرف أن من عاش في بدايات الإسلام ونفذ القليل من الأحكام التي نزلت حتى مات أو استشهد، فقد أدى مطلوب الإسلام منه. وعندما نزلت مسألة النهي عن الخمر، والميسر، ذهب أناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن مصير زملائهم وإخوتهم في الإيمان الذين ماتوا أو استشهدوا قبل أن ينزل تحريم الخمر والميسر. ومجرد السؤال هو دليل على اليقظة الإيمانية، فالإنسان لا يكون مؤمناً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهنا أنزل الحق سبحانه وتعالى القول الكريم: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 92]، فما يأمركم بما يقربكم إليه ويباعدكم عنكم { وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة: 92]، يخرجكم من ظلمات وجودكم إلى نور شهود معبودكم {وَٱحْذَرُواْ} [المائدة: 92]، المخالفات فإنها تباعدكم عن الله وتزيد في حجب أنانيتكم {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} [المائدة: 92]، عن طلب الحق في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ} [المائدة: 92]؛ يعني: على الرسول التبليغ والدلالة وعليكم المتابعة وعلينا التوفيق والهداية {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 93]، يعني: بالتقليد لا بالتحقيق {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93]؛ أي: حافظوا على الأوامر والنواهي {جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} [المائدة: 93]؛ يعني: من المباحات {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ} [المائدة: 93]، الشبهة والإسراف {وَآمَنُواْ} [المائدة: 93]، بالتحقيق بعد التقليد، فإن الأعمال الصالحات أنوار الهداية واتقاء الشبهة فعلى أقدر الأعمال يتنور القلوب بالأنوار، وعلى قدر الأنوار تكاشف القلوب بالأسرار {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} [المائدة: 93]، ففائدة التكرار فيه أن الأذل يشير إلى الأعمال البدنية مثل المحافظة على الأوامر والنواهي، والثاني يشير إلى الأعمال القلبية مثل تصفيته القلوب عن دنس كل حب في حب الله وطلبه تحليتها بالصدق والإخلاص والتوكيل والتسليم والرضا واليقين وبجميع الأخلاق الحميدة {ثُمَّ اتَّقَواْ} [المائدة: 93]، الالتفات بغير الله بحيث ما رضوا من الله بشيء دونه {وَآمَنُواْ} [المائدة: 93]، بواحدية أي: تيقنوا أنه تعالى المعاصي يوجد باب لطفه كما قال تعالى: "حديث : ألا من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني"تفسير : ، {ثُمَّ اتَّقَواْ} [المائدة: 93]، ترك اللإثنينية ببذل الأنانية وإفنائها في هويته {وَّأَحْسَنُواْ} [المائدة: 93]، تهدوا الحق بالحق فإن "حديث : الإحسان أن تعبدوا الله كأنك تراه" تفسير : {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93]، الفانين عن أنانيتهم والباقين بهويته المشاهدين بأنوار جماله إلى جلاله، فهم القوم الذين قال تعالى فيهم: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]، وحقيقة الإشارة أن المحبوب الأزلي من هذا سيره وسيره لا يضره التصرف في المكونات بمحصول هذا الشرائط فافهم جيداً. ثم أخبر عن ابتلاء أهل الولاء بقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} [المائدة: 94]، إشارة إن الله تعالى جعل البلاء لأهل الولاء كاللهب للذئب فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}، أي: إيمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال والحرام، وأحرموا بحجج الوصول وعمرة الوصال ليبلونكم الله في أثناء السلوك بشيء من الصيد، وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية والدنياوية {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات أبدانكم {وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94]؛ أي: ما يتعلق بالمال والجاه {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} [المائدة: 94]، وهو يعلم ويرى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد في طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات بغيره {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} [المائدة: 94]، تعلق بالمطالب بعد ترك الطلب {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 94]، من الرد والصد والانقطاع عن الله تعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : طاعة الله وطاعة رسوله واحدة، فمن أطاع الله، فقد أطاع الرسول، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله. وذلك شامل للقيام بما أمر الله به ورسوله من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، الواجبة والمستحبة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق خلقه والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه كذلك. وهذا الأمر أعم الأوامر، فإنه كما ترى يدخل فيه كل أمر ونهي، ظاهر وباطن، وقوله: { وَاحْذَرُوا } أي: من معصية الله ومعصية رسوله، فإن في ذلك الشر والخسران المبين. { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } عما أمرتم به ونهيتم عنه. { فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } وقد أدى ذلك. فإن اهتديتم فلأنفسكم، وإن أسأتم فعليها، والله هو الذي يحاسبكم، والرسول قد أدى ما عليه وما حمل به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):