٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة: إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم، فنزلت هذه الآية والمعنى: لا إثم عليهم في ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة، وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] أي إنكم حين استقبلتم بيت المقدس فقد استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك، كما قال: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ } تفسير : [آل عمران: 195]. المسألة الثانية: الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب، فكذلك يجب أن يكون الطُّعْمُ خلاف الشرب، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات، كما قال تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة: 249] وعلى هذا يجوز أن يكون قوله {جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } أي شربوا الخمر، ويجوز أن يكون معنى الطُّعْمُ راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب، وقد تقول العرب: تطعم تطعم أي ذق حتى تشتهي وإذا كان معنى الكلمة راجعاً إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب معاً. المسألة الثالثة: زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بيّن في الخمر أنها محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، بيّن في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى، والاحسان إلى الخلق. قالوا: ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم، لأنه لو كان المراد ذلك لقال: ما كان جناح على الذين طعموا، كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143] ولكنه لم يقل ذلك، بل قال: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ } إلى قوله {إذا ما اتقوا وآمنوا} ولا شك أن إذا للمستقبل لا للماضي. واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة وقولهم: إن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي. فجوابه ما روى أبو بكر الأصم: أنه لما نزل تحريم الخمر، قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرّم الخمر وهم يطعمونها، فأنزل الله هذه الآيات، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص. المسألة الرابعة: أنه تعالى شرط لنفي الجناح حصول التقوى والايمان مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والاحسان واختلفوا في تفسير هذه المراتب الثلاث على وجوه قال الأكثرون: الأول: عمل الاتقاء، والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه، والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الاحسان إليه. القول الثاني: أن الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول هذه الآية، والثاني: اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية. الثالث: اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم، القول الثالث: اتقاء الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر، القول الرابع: ما ذكره القفال رحمه الله تعالى قال: التقوى الأولى عبارة عن الاتقاء من القدح في صحة النسخ وذلك لأن اليهود يقولون النسخ يدل على البداء فأوجب على المؤمنين عند سماع تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة أن يتقوا عن هذه الشبهة الفاسدة والتقوى الثانية الإتيان بالعمل المطابق لهذه الآية وهي الاحتراز عن شرب الخمر والتقوى الثالثة عبارة عن المداومة على التقوى المذكورة في الأولى والثانية ثم يضم إلى هذه التقوى الإحسان إلى الخلق. والقول الخامس: أن المقصود من هذا التكرير التأكيد والمبالغة في الحث على الايمان والتقوى. فإن قيل: لم شرط رفع الجناح عن تناول المطعومات بشرط الايمان والتقوى مع أن المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم يتق ثم تناول شيئاً من المباحات فإنه لا جناح عليه في ذلك التناول، بل عليه جناح في ترك الإيمان وفي ترك التقوى، إلا أن ذلك لا تعلق له بتناول ذلك المباح فذكر هذا الشرط في هذا المعرض غير جائز. قلنا: ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الأقوام الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمداً لأحوالهم في الايمان والتقوى والاحسان، ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح، وقد علمت أن ذلك الأمر مباح فتقول: ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمناً محسناً تريد أن زيداً إن بقي مؤمناً محسناً فإنه غير مؤاخذ بما فعل. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } والمعنى أنه تعالى لما جعل الاحسان شرطاً في نفي الجناح بيَّن أن تأثير الإحسان ليس في نفي الجناح فقط، بل وفي أن يحبه الله، ولا شك أن هذه الدرجة أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وقد تقدم تفسير محبة الله تعالى لعباده.
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأُولى ـ قال ٱبن عباس والبَرَاء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر؟ ـ ونحو هذا ـ فنزلت الآية. روى البخاريّ عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر، فأمر منادياً ينادي، فقال أبو طلحة: ٱخرج فانظر ما هذا الصوت! قال: فخرجت فقلت: هذا منادٍ ينادي أَلاَ إنّ الخمر قد حُرّمت؛ فقال: ٱذهب فأَهرِقها ـ وكان الخمر من الفَضِيخ ـ قال: فجرت في سِكك المدينة؛ فقال بعض القوم: قُتِل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية. الثانية ـ هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأُولى فنزلت { أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143]. ومن فعل ما أُبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء؛ لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع؛ وعلى هذا فما كان ينبغي أن يُتخوّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإما أن يكون ذلك القائل غَفَل عن دليل الإباحة فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين تَوهَّم مؤاخذةً ومعاقبةً لأجل شرب الخمر المتقدّم؛ فرفع الله ذلك التوهم بقوله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية. الثالثة ـ هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خَمْر؛ وهو نصٌّ ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عَقَلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره؛ وقد قال الحَكَميّ: شعر : لنا خَمرٌ وليست خمر كَرْمٍ ولكن مِن نِتاجِ الباسِقاتِ كِرامٌ في السماءِ ذهبن طُولا وفات ثِمارها أيدِي الجناةِ تفسير : ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النَّسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن مُحارِب بن دِثار عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : الزبيب والتمر هو الخمر » تفسير : . وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ وحسبك به عالماً باللسان والشرع ـ خطب على منبر النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس؛ أَلاَ إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير؛ والخمر ما خامر العقل. وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر؛ يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمراً ولا يتناوله ٱسم ٱلخمر، وإنما يسمى نبيذاً؛ وقال الشاعر: شعر : تركتُ النَّبِيذ لأهل النبِيذِ وصِرتُ حلِيفاً لِمن عابَه شَرابٌ يُدنِّس عِرْضَ الفَتَى ويَفتحُ للشَّر أبوابَه تفسير : الرابعة ـ قال الإمام أبو عبد الله المازَرِيّ: ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أنّ كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلاً كان أو كثيراً نِيئا، كان أو مطبوخاً، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره، وأنّ من شرب شيئاً من ذلك حُدَّ؛ فأما المستخرج من العنب المسكر النِّيء فهو الذي ٱنعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه. وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر، وهو الذي لا يبلغ الإسكار؛ وفي المطبوخ المستخرج من العنب؛ فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزّبيب النِّيء؛ فأما المطبوخ منهما، والنِّيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصَر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل؛ فيرى أن سُلاَفة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها، وأما نقيع الزّبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسّته النَّارُ مسّاً قليلاً من غير ٱعتبار بحدّ؛ وأما النِّيء منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحدّ فيه؛ وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكار ٱستوى الجميع. قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه: العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصَر من العنب حرام ككثيره، وهو مجمع عليه؛ فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهباً للعقل؟ فلا بدّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد؛ فحينئذ يقال لهم: كلّ ما قدّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضاً، إذ لا فارق بينهما إلا مجرّد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس؛ لأن الفرع فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه؛ وهذا كما يقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله! فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجليّ المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأُمة، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بيّن عِلَلها المحدّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها. وسيأتي في سورة «النحل» تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى. الخامسة ـ قوله تعالى: {طَعِمُوۤاْ} أصل هذه اللفظة في الأكل؛ يقال: طَعِمَ الطّعامَ وشَرِب الشَّرَاب، لكن قد تجوّز في ذلك فيقال: لم أطعم خُبزاً ولا ماء ولا نوماً؛ قال الشاعر: شعر : نَعَاماً بِوَجْرة صُعْر الخُدو دِ لا تَطْعَمُ النومَ إلاّ صِيَامَا تفسير : وقد تقدّم القول في «البقرة» في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} بما فيه الكفاية. السادسة ـ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات، والانتفاع بكل لذيذ من مَطْعَم ومَشْرَب ومَنْكَح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه. وهذه الآية نظير قوله تعالى: {لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ} ونظير قوله: { أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ } تفسير : [الأعراف: 32]. السابعة ـ قوله تعالى: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}. فيه أربعة أقوال: الأوّل ـ أنه ليس في ذكر التقوى تكرار؛ والمعنى ٱتقوا شربها، وآمنوا بتحريمها؛ والمعنى الثاني دام ٱتقاؤهم وإيمانهم؛ والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء. والثاني ـ ٱتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرّمات، ثم ٱتقوا بعد تحريمها شربَها، ثم ٱتقوا فيما بقي من أعمالهم، وأحسنوا العمل. الثالث ـ ٱتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله، والمعنى الثاني ثم ٱتقوا الكبائر، وٱزدادوا إيماناً، ومعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تَنَفَّلُوا. وقال محمد بن جَرير: الاتقاء الأوّل هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول، والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق، والثالث الاتقاء بالإحسان، والتقرّب بالنوافل. الثامنة ـ قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات؛ فضله بأجر الإحسان. التاسعة ـ قد تأوّل هذه الآية قُدَامة بن مَظْعون الجُمَحِيّ من الصحابة رضي الله عنهم، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بَدْراً وعُمِّر. وكان خَتَن عمر بن الخطاب، خال عبد الله وحفصة، وولاّه عمر بن الخطاب على البَحْرَين، ثم عزله بشهادة الجَارُود ـ سيّد عبد القيس ـ عليه بشرب الخمر. روى الدَّارَقُطْنيّ قال حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمّد المصري حدّثنا يحيى بن أيوب العلاّف حدّثني سعيد بن عُفَير حدّثني يحيى بن فُلَيْح بن سليمان قال حدّثني ثورْ بن زيد عن عِكْرمة عن ابن عباس: أن الشُّرَّاب كانوا يُضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنِّعال والعِصيّ حتى تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى تُوفّى، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أُتي برجل من المهاجرين الأوّلين وقد شرب فأمر به أن يجلد؛ فقال لِم تجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله! فقال عمر: وفي أيّ كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ فقال له: إن الله تعالى يقول في كتابه: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية. فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم ٱتقوا وآمنوا، ثم ٱتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدْراً وأُحُداً والْخَندق والمشاهد كلها؛ فقال عمر: أَلاَ تردون عليه ما يقول؛ فقال ابن عباس: إنّ هؤلاء الآيات أنزلن عذراً لمن غَبَر وحُجّة على الناس؛ لأن الله تعالى يقول: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} الآية؛ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأُخرى؛ فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآية؛ فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر؛ فقال عمر: صدقت ماذا ترون؟ فقال عليّ رضي الله عنه: إنه إذا شرب سَكر وإذا سَكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة؛ فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة. وذكر الحميديّ عن أبي بكر البَرْقانيّ عن ابن عباس قال: لما قدم الجارُود من البحرين قال: يا أمير المؤمنين إنّ قُدَامة ابن مَظْعون قد شرب مُسْكِرا، وإني إذا رأيت حقاً من حقوق الله حق عليّ أن أرفعه إليك؛ فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة؛ فدعا عمر أبا هريرة فقال: عَلاَمَ تشهد يا أبا هريرة؟ فقال: لم أره حين شرب، ورأيته سكران يَقيء، فقال عمر: لقد تَنَطَّعتَ في الشهادة؛ ثم كتب عمر إلى قُدَامة وهو بالبَحْرَين يأمره بالقدوم عليه، فلما قدم قُدَامة والجَارُود بالمدينة كلّم الجارود عمر؛ فقال: أقم على هذا كتاب الله؛ فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خَصْم؟ فقال الجارود: أنا شهيد؛ قال: قد كنتَ أديتَ الشهادة؛ ثم قال لعمر: إني أنْشُدك الله! فقال عمر: أَمَا والله لتملكنّ لسانك أو لأسوءنّك؛ فقال الجارود: أما والله ما ذلك بالحق، أن يشرب ٱبن عمك وتسوءني! فأوعده عمر؛ فقال أبو هريرة وهو جالس: يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ٱبن مَظْعون، فأرسل عمر إلى هند يَنْشدها بالله، فأقامت هند على زوجها الشهادة؛ فقال عمر: يا قُدامة إني جالدك؛ فقال قُدامة: والله لو شربت ـ كما يقولون ـ ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: ولم يا قُدامة؟ قال: لأن الله سبحانه يقول: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} الآية إلى «الْمُحْسِنِينَ». فقال عمر: أخطأت التأويل يا قُدامة؛ إذا اتقيت الله ٱجتنبت ما حرم الله، ثم أقبل عمر على القوم فقال: ما ترون في جلد قُدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده ما دام وَجِعا؛ فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوماً فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قُدَامة؟ فقال القوم: لا نرى أن تجلده مادام وَجِعا، فقال عمر: إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط، أحب إليّ أن ألقى الله وهو في عنقي! واللَّهِ لأجلدنه؛ ٱئتوني بسوط، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده ثم قال لأسلم: أخذتك دِقْرارة أهلك؛ ٱئتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط تام؛ فأمر عمر بقُدَامة فجلد؛ فغاضب قُدَامة عمر وهجره؛ فحجَّا وقُدَامة مهاجر لعمر حتى قَفَلوا عن حجهم ونزل عمر بالسُّقْيَا ونام بها فلما استيقظ عمر قال: عجلوا عليّ بقُدَامة، ٱنطلقوا فأتوني به، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال: سالم قُدامة فإنه أخوك، فلما جاءوا قُدامة أَبَى أن يأتيه، فأمر عمر بقُدامة أن يجر إليه جَرّاً حتى كلمه عمر وٱستغفر له، فكان أوّل صلحهما. قال أيوب ابن أبي تميمة: لم يحدّ أحد من أهل بدر في الخمر غيره. قال ٱبن العربيّ: فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكِر فيه عن ٱبن عباس من حديث الدّارقطنيّ، وعمر في حديث البَرْقَاني وهو صحيح؛ وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حُدّ على الخمر أحد، فكان هذا من أفسد تأويل؛ وقد خفي على قُدامة؛ وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما؛ قال الشاعر: شعر : وإنّ حراماً لا أرى الدهر باكياً على شَجْوه إلاّ بكيتُ على عُمر تفسير : وروي عن عليّ رضي الله عنه أن قوماً شربوا بالشام وقالوا: هي لنا حلال وتأوّلوا هذه الآية، فأجمع عليّ وعمر على أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا؛ ذكره الكِيَا الطَّبَري.
البيضاوي
تفسير : {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} مما لم يحرم عليهم لقوله: {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} أي اتقوا المحرم وثبتوا على الإِيمان والأعمال الصالحة. {ثُمَّ اتَّقَواْ} ما حرم عليهم بعد كالخمر. {وَءَامَنُواْ} بتحريمه. {ثُمَّ اتَّقَواْ} ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي. {وَأَحْسَنُواْ} وتحروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها. روي (أنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر) فنزلت. ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، أو باعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإِيمان بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدل الإِيمان بالإِحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسيره، أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يتقي فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب والشبهات تحرزاً عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} فلا يؤاخذهم بشيء، وفيه أن من فعل ذلك صار محسناً ومن صار محسناً صار لله محبوباً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } أكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ } المحرّمات { وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ} ثبتوا على التقوى والإيمان {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ } العمل {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } بمعنى أنه يثيبهم.
ابن عطية
تفسير : سبب هذه الآية فيما قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك: أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول؟ فنزلت هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة:143] ولما كان أمر القبلة خطيراً ومعلماً من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و "الجناح" الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي و {طعموا} معناه ذاقوا فصاعداً في رتب الأكل والشرب وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق, والتكرار في قوله {اتقوا} يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال قوم: الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات، والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم: الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليست هذه الآية وقفاً على من عمل الصالحات كلها، واتقى كل التقوى. بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه، وقد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنه، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وعمّر، وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر: ومن يشهد معك؟ فقال: أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد؟ قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء، فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد، قال: بل شهيد: قال: قد أديت شهادتك، فصمت الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر: ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود: إني أنشدك الله، قال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود: ما هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني، قال عمر لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} الآية، فقال له عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضاً فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً، فأصبح يوماً وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى ذلك ما دام وجعاً، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إليَّ من أن ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة مغاضباً له، فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال: عجلوا عليَّ بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال: سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبي فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} أي ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم مستعماً جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في السبت، و {من} تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب إليه الطبري وغيره، ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال بعض الصيد على العموم، ويجوز أن تكون لبيان الجنس، قال الزجّاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من الورق، وكما قال تعالى {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : [الحج:30] وقوله {بشيء} يقتضي تبعيضاً ما وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم} تفسير : [المائدة:6] أعطت تبعيضاً ما، وقرأ ابن وثاب والنخعي "يناله" بالياء منقوطة من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى {ليعلم} معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري "ليُعلِم الله" بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده، و {بالغيب} قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو الذي أراد بقوله {ليبلونكم} وأشار إليه قوله {ذلك} والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ...} الآية: قال ابن عباس وغيره: لما نزل تحريمُ الخَمْر، قال قومٌ من الصحابة: يا رسول اللَّه، كَيْفَ بِمَنْ مات مِنَّا، وهو يشربها، ويأكل المَيْسِرَ، ونحو هذا من القَوْل، فنزلَتْ هذه الآية، وهذا نظيرُ سؤالِهِمْ عَمَّن مات على القبلة الأولَىٰ، والجُنَاحُ: الإثم والحَرَج، والتَّكرار في قوله سبحانه: «اتَّقوا» يقتضي في كلِّ واحدة زيادةً على التي قبلها، وفي ذلك مبالغةٌ في هذه الصِّفَات لهم، وليسَتِ الآيةُ وقفاً علَىٰ مَنْ عمل الصالحاتِ كلَّها، واتقَىٰ كلَّ التقوَىٰ، بل هي لكلِّ مؤمن، وإن كان عاصياً أحياناً؛ إذا كان قد عَمِلَ من هذه الخصالِ المَمْدُوحة ما ٱستحَقَّ به أنْ يوصف بأنه مؤمنٌ عامل للصالحات متَّقٍ في غالبِ أمره، محسنٌ، فليس علَىٰ هذا الصِّنْف جُنَاحٌ فيما طعم ممَّا لم يُحَرَّم عليه، و {طَعِمُواْ}: معناه: ذَاقُوا فصَاعداً في رُتَب الأكل والشُّرب، وقد يستعار للنوم وغيره، وحقيقتُهُ في حاسَّة الذَّوْق. وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ}، أي: ليختبرنَّكم لِيَرَىٰ طاعتكم مِنْ معصيتكم، وقوله: «بشيءٍ» يقتضي تبعيضاً، و «مِنْ»: يحتمل أنْ تكون للتبعيض، ويحتمل أنْ تكون لبيانِ الجِنْس؛ كقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ} تفسير : [الحج:30]. وقوله تعالَىٰ: {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ}: معناه: ليستمرَّ علمه تعالَىٰ عليه، وهو موجودٌ؛ إذ قد علم تعالَىٰ ذلك في الأزل، و {بِٱلْغَيْبِ}: قال الطبريُّ: معناه: في الدنيا حيثُ لا يَرَى العبْدُ ربَّه، فهو غائبٌ عنه، والظاهر أنَّ المعنَىٰ: بالغَيْب من الناس، أي: في الخَلْوة ممَّن خاف اللَّه. انتهى، قلتُ: وقول الطبريِّ أظهر، ثم توعَّد تعالَىٰ من ٱعتدَىٰ بعد النهْيِ بالعذابِ الأليم، وهو عذابُ الآخرة.
ابن عادل
تفسير : سبَبُ نزولِ هذه الآيَةِ: أنَّ الصَّحابَةَ - رضي الله عنهم - أجمعين، لمَّا نزلَ تَحْريمُ الخَمْرِ، قالوا: يا رسُول اللَّهِ كَيْفَ بإخوَانِنَا الَّذِين مَاتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويأكُلُون من مالِ الميْسِر؛ فنزلت هذه الآيةُ، والمعنى لا إثْمَ عليْهم؛ لأنَّهُم شَرِبُوها حال ما كَانَتْ مُحَلَّلَةً، وهذه الآيةُ مُشَابِهَةٌ لقوله تعالى في نَسْخِ القِبْلَةِ من بَيْتِ المقْدِسِ لِلْكَعْبَةِ: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} تفسير : [البقرة: 143] أي: أنَّكُم حين اسْتَقْبَلْتُمْ بَيْتَ المَقْدِس، اسْتَقْبَلْتُمُوه بأمْرِي، فلا أضَيِّعُ ذلك. قوله تعالى: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ}: ظرفٌ منصوبٌ بما يُفْهَمُ من الجملة السابقة، وهي: "لَيْسَ" وما في حَيِّزها، والتقدير: لا يَأثَمُونَ، ولا يُؤاخَذُونَ وقْتَ اتِّقائهم، ويجوزُ أن يكون ظَرْفاً محْضاً، وأن يكونَ فيه معنى الشرط، وجوابه محذوفٌ، أو متقدِّمٌ على ما مَرَّ. فصل الطعَامُ في الأغْلَبِ من اللُّغَةِ خلاف الشَّرَاب، ولذلك يُقَالُ: الطعم خلافُ الشُّرْب، إلاَّ أن اسم الطعام يقعُ على المَشْرُوبات، كقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249]، وعلى هذا يجُوزُ أن يكون قوله: "فِيمَا طَعِمُوا" أي: شَرِبُوا الخَمْرَ، ويجوزُ أن يَكُونَ معنى الطَّعْمِ راجعاً إلى التَّلَذُّذِ بما يُؤكَلُ ويُشْرَبُ. وقد تقُولُ العربُ: تطعّم حتى تطعم أي: ذُق حتى تَشْتَهِيَ، فإذا كانَ مَعْنَى الكَلِمَة راجِعاً إلى الذَّوقِ، صَلُحَ لِلْمأكُولِ والمشْرُوبِ معاً. فإن قيل: إنهُ تعالى شَرَطَ نَفْيَ الجناح بِحُصُول التَّقْوَى والإيمان مرَّتَيْن، وفي المَرَّةِ الثَّالِثَةِ: بحُصُولِ التَّقْوَى والإحْسَان. وللنَّاس في هذا قولان: أحدهما: أنَّ هذا من باب التوكيد، ولا يَضُرُّ حرفُ العطف في ذلك؛ كقوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [التكاثر: 3، 4]، حتى إنَّ ابن مالكٍ جعل هذا من التوكيدِ اللفظيِّ المبوبِ له في النحو. والثاني: أنه للتأسيس، إلا أنَّه جعل التغايُرَ حاصلاً بتقديرِ المتعلّقاتِ. واختلفُوا في تَفْسِير هذه المراتبِ الثَّلاثةِ على وجوه: أحدها: قال الأكْثَرُونَ: الأوَّل: عَمَلُ الاتِّقَاء. والثاني: دوامُ الاتِّقاء والثبَات عليه. والثالث: اتقاء ظُلم العباد مع ضم الإحسان إليه. وثانيها: أن الأول اتِّقَاء جميع المعاصِي قَبْلَ نُزُول هذه الآيَة. والثاني: اتِّقَاء الخَمْرِ والميْسِر وما في هذه الآية. والثالث: اتِّقَاء ما يَجِبُ تَحْرِيمُهُ بعد هذه الآية [وهذا قول الأصَمِّ]. وثالثها: اتَّقُوا الكُفْرَ ثمَّ الكبائِر، ثُمَّ الصَّغَائر. ورابعها: قال القفَّال - رحمه الله تعالى -: التَّقْوى الأولى عبارةٌ عن الاتقاء من القَدْحِ في صِحَّةِ النَّسْخِ؛ وذلك لأنَّ اليَهُود يقولُون: النَّسخ يدُلُّ على البداء، فأوْجَبَ على المُؤمنين عند سمَاع تَحْرِيم الخَمْر، بَعْدَ أنْ كانَتْ مُبَاحَة أنْ يَتَّقوا عن هذه الشُّبْهَةِ الفَاسِدَةِ. والتقوى الثانية: الإتْيَان بالعَمَلِ المُطَابِق لهذه الآيَة وهي الاحتِرَاز عن شُرْبِ الخَمْرِ. والتقوى الثالثة: عِبَارة عن المُداومةِ على التَّقْوى المَذْكُورَةِ في الأولى والثانِية، ثم يَضُمُّ إلى هذه التَّقْوى الإحسَان إلى الخَلْقِ. وخامسها: أنَّ المَقْصُود من هذا التَّكْرير التَّأكيدُ، والمُبالغَةُ في الحَثِّ على الإيمانِ، والتَّقْوى. فإن قيل: لِمَ شرطَ دَفْعِ الجُنَاحِ عن تناوُلِ المطْعُومات بِشَرْط الإيمان والتَّقْوى؛ مع أنَّ المَعْلُوم أن من لم يُؤمِن ومن لَمْ يتَّقِ، ثُمَّ تناول شَيْئاً من المُبَاحَاتِ فإنَّه لا جُناح عليْه في ذلك التَّنَاوُل، بل إنما عليه جُنَاحٌ في تَرْكِ التَّقْوى والإيمَان، إلاَّ أن ذلك لا تعلُّق له بِتَنَاوُل ذلِكَ المُبَاح، فذكرُ هذا الشَّرْط في هذا المَعْرِض غَيْرُ جَائِزٍ. فالجوابُ: لَيْسَ هذا اشْتِرَاطٌ، بل لِبَيَانِ أنّ أولَئِكَ الأقْوَام الذين نَزَلَتْ فيهِمْ هذه الآيَةُ، كَانُوا على هذه الصِّفَةِ ثَنَاءً عَلَيْهِم، وحَمْداً لأحْوَالهم في الإيمَان والتَّقْوَى والإحْسَان. ومثَالُهُ أنْ يُقال لك: "هَلْ عَلَى زَيْدٍ فيما فَعَل جُنَاحٌ"، وقد عَلِمْتَ أنَّ ذلك الأمْرَ مُبَاحٌ؛ فتقول: ليس على أحَدٍ جُنَاح في المُبَاحِ إذا اتَّقَى المَحَارِمَ وكان مُؤمِناً مُحْسِناً، تريدُ أنَّ زَيْداً إنْ بَقِي مُؤمِناً مُحْسِناً، فإنَّه غير مُؤاخَذٍ بما فَعَل. فصل قال ابن الخطيب: زَعَم بَعْضُ الجُهَّال: أنَّ [اللَّه] تعالى لمَّا بيَّن في الخَمْرِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عِنْدَما تكُون مُوقِعَةً لِلْعَدَاوَة والبَغْضَاء، وصَادَّة عن ذِكْرِ اللَّه وعن الصَّلاة، بيَّن في هذه الآيَةِ أنَّه لا جُنَاح على من طَعمَها، إذا لم يَحْصُل مَعَهُ شَيْءٌ من تلك المفاسِدِ، بل حَصَّل أنْواع المَصَالِح من التَّقْوَى والطَّاعَة والإحْسَانِ إلى الخَلْقِ، قالوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُه على أحْوالٍ من شُرْب الخَمْرِ قبل نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيم؛ لأنه لو كان المُرَادُ ذلك لقالَ: ما كان جُنَاحٌ على الَّذِين طَعِمُوا، كما ذكر مِثْل ذلك في آيَة تحْويل القِبْلَةِ، فقال: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} تفسير : [البقرة: 143] ولكنه لم يَقُلْ ذلك، بل قال: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}، إلى قوله تعالى: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ}، وهذا للمُسْتَقْبَلِ لا لِلْمَاضِي، وهذا القولُ مردودٌ بإجْماعِ الأمَّةِن وقولهم: إنَّ كَلِمَة "إذَا" للمُسْتَقبلِ،فجوابه: ما رَوَى أبُو بَكْر الأصَمّ - رحمه الله - أنَّه لمَّا نزل تَحْرِيم الخَمْرِ، قال أبُو بكر - رضي الله عنه -: يا رسُول الله كيف بإخْوانِنَا الَّذِين ماتُوا، وقد شَرِبُوا الخَمْرَ، وفَعَلُوا القُمَار، وكيف بالغائبين عَنَّا في البُلْدانِ لا يَشْعُرونَ أنَّ اللَّهَ حرَّم الخَمْرَ وهم يَطْعَمُونَهَا؛ فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآيَات، وعلى هذا التقدير، فالحَلُّ قد ثَبَتَ في الزَّمانِ المُسْتقبَلِ عن وقْتِ نُزُولِ هذه الآيَة، لكن في حَقِّ الغَائِبين الذين لَمْ يَبْلُغْهُم هذا النَّصُّ. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي: أنَّه تعالى ما جَعَلَ الإحْسَان شَرْطاً في نَفْيِ الجُنَاح فقط، بل وَفِي أنْ يحبَّهُ اللَّهُ، وهذا أشْرَفُ الدرَجَات.
البقاعي
تفسير : ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه، وهو من مات منهم وهو يفعلهما، قال جواباً لذلك السؤال: {ليس على الذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات جناح} فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم يكونوا منعوا منهما، وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب من المحرمات، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم {يسئلونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219]، فقال الناس: لم يحرم علينا، إنما قال: إن فيهما إثماً، وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى{يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90]، فقالوا: انتهينا يا رب! وقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجساً من مل الشيطان! فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} [المائدة: 93]، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم"تفسير : ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق لقواعد الدين، وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: "كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، وإذا منادٍ ينادي: ألا! إن الخمر قد حرمت، فقال لي أبو طلحة رضي الله عنه: اخرج فاهرقها، فهرقتها، فقال بعض القوم: قد قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟ فأنزل الله تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} على أنه لو لم يرد هذا السببُ كانت المناسبة حاصلة، وذلك أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب، نفى الجناح عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه. فأتى بعبارة تعم المأكل والمشرب فقال: {فيما طعموا} أي مأكلاً كان أو مشرباً، وشرط ذلك عليهم بالتقوى ليخرج المحرمات فقال: {إذا ما اتقوا} أي أوقعوا جميع التقوى التي تطلب منهم فلم يطعموا محرماً. ولما بدأ بالتقوى وهي خوف الله الحامل على البعد عن المحرمات، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال: {وآمنوا} ولما ذكر الإقرار باللسان، ذكر مصداقه فقال: {وعملوا} أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقاً {الصالحات ثم اتقوا} أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه {وآمنوا} أي بأنه من عند الله، وأن الله له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه. ولما كان قد نفى الجناح أصلاً ورأساً، شرط الإحسان فقال: {ثم اتقوا وأحسنوا} أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة، وهي الغنى عن رؤية غير الله، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال "واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون"، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - والله الموفق؛ ولما كان التقدير: فإن الله يحب المتقين المؤمنين، عطف عليه قوله: {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب المحسنين}. ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات، وكان من أمثل مطعوماتهم، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} {وأحل لكم الطيبات} أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت، فكان ذلك سبباً لجعلهم قردة، ومنَّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بياناً لفضلهم على من سواهم، فقال تعالى منادياً لهم بما يكفّهم ذكره عن المخالفة: {يا أيها الذين آمنوا} أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه، فعم بذلك العالي والداني {ليبلونكم الله} أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلماً، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء، وأشار إلى تحقير البلوى تسكيناً للنفوس بقوله: {بشيء من الصيد} أي الصيد في البر في الإحرام، وهو ملتفت إلى قوله: {أية : هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله} تفسير : [المائدة: 60] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله {غير محلي الصيد وأنتم حرم}، وما ذكر بعد المحرمات من قوله: {أية : فكلوا مما أمسكن عليكم} تفسير : [المائدة: 4]، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال: {تناله أيديكم} أي إن أردتم أخذه سالماً {ورماحكم} إن أردتم قتله، ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم فقال: {ليعلم الله} أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم {من يخافه بالغيب} أي بما حجب به من هذه الحياة الدنيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق معرفته سبحانه، والمعنى أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً لتقوم بذلك الحجة على الفاعل في مجاري عاداتهم، ويزداد من له اطلاع على اللوح المحفوظ من الملائكة إيماناً ويقيناً وعرفاناً، وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم. ولما كان هذا زاجراً في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسماً للطمع فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان، سبب عنه قوله: {فمن اعتدى} أي كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له؛ ولما كان سبحانه يقبل التوبة عن عباده، خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال: {بعد ذلك} أي الزجر العظيم {فله عذاب أليم *} بما التذَّ من تعرضه إليه لما عرف بالميل إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ} [الآية: 93]. قال سهل: إذا طلب الحلال ولم يأخذ فوق الكفاية وآثر مما حَصَّله وواسى. قال أبو عثمان الحيرى فى قوله: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} إذا ما اتقوا الحرام وآمنوا بوعيد الله وعملوا الصالحات اتبعوا السُّنة، ثم اتقوا البخل وآمنوا بالخلف ثم اتقوا كثرة الأكل وأحسنوا يعنى قالوا: بالفضل.
القشيري
تفسير : من حافظ على الأمر والنهي فليس للقمة يتناولها من الخطر ما يُضَايَق فيها، وإنما المقصود من العبد التأدبُ بصحبة طريقه سبحانه، فإذا اتَّقى الشِرْكَ تعَرّف، ثم اتقى الحرامَ فما تصرّف، ثم اتقى الشحَّ فآثر وما أسرف. وقوله {ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ} يعني اتقوا المنع وأحسنوا للخلْق - وهذا للعموم. ثم اتقوا شهود الخلْق؛ فأحسنُ الشهودِ الحقُّ، والإحسانُ أَنْ تعبد الله كأنك تراه - وهذا للخواص. والله يحب المحسنين أعمالاً والمحسنين (آمالاً) والمحسنين أحوالاً.
البقلي
تفسير : {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ} لما كان الله سبحانه يتجلى بوصف اللطف بشئ فيه محل ابتلاء العباد كان مباحا لهم وهم غير ماخوذين يتناوله ماداموا مبصرين لطائف الحق فيه واذا رفع عنه نور تجلى اللطف ذلك عليهم هذا إشارة لطيفة لمن له فهم رجعنا إلى شغلنا بالتفسير أن العاشق العراف ما دام في سيره الى الله على نعت التجريد مما سواه وهو فى منظر من الله بالمراقبة والاجلال لم يضره اوقات الرفاهية والدخول فى الرخص والبسط فى السعادة ما دام عيشه بشرط العلم قال العلم قال سهل اذا طلب الحلال ولم يأخذ فوق الكفاية واثر مما حلمه رواسى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} اى اثم وحرج {فيما طعموا} اى تناولوا اكلا او شربا فيتناول شرب الخمر واكل مال الميسر فانزل الله تعالى هذه الآية {اذا ما اتقوا} ان يكون فى ذلك شىء من المحرمات {وءآمنوا وعملوا الصالحات} اى واستمروا على الايمان والاعمال الصالحة {ثم اتقوا} عطف على اتقوا داخل معه فى حيز الشرط اى اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق {وءآمنوا} اى بتحريمه {ثم اتقوا} اى ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحا من قبل على ان الشروط بالاتقاء فى كل مرة اباحة كل ما طعموه فى ذلك الوقت لا اباحة كل ما طعموه قبله لانتساخ اباحة بعضه حينئذ {وأحسنوا} اى عملوا الاعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الاعمال القلبية والقالبية {والله يحب المحسنين} فلا يؤاخذهم بشىء وفيه ان من فعل ذلك صار محسنا ومن صار محسنا صار لله محبوبا ومقام المحبوبية فوق جميع المراتب ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيب الله وقد فسر الاحسان "حديث : بان تعبد الله كأنك تراه " .تفسير : يعنى ان الاحسان مرتبة المشاهدة فاذا ترقى العبد من الايمان الغيبى الى الايمان الشهودى ثم فنى عن كل قيد حتى عن الاطلاق فقد تم امره وكان طعمه وشربه وتصرفه فى المكونات مما لا يضره لانه قد استوفى الشرائط كلها فلا يقاس عليه غيره ثم ان المحسن يتناول كل اهل ويستحق المدح والثناء: وفى المثنوى شعر : محسنان مردندو احسانها بماند اىخنك آن راه اين مركب براند ظالمان مردندو ماند آن ظلمها واى جانى كوكند مكرودهان كفت بيغمبر خنك آنراكه او شد زدنيا ماندازو فعل نكو مرد محسن ليك احسانش نمرد نزديزدان دين واحسان نيست خرد واى آن كو مرد وعصيانش نمرد تانبندارى بمرك او جان ببرد تفسير : وورد فى فضائل عشر ذى الحجة (ان من تصدق فى هذه الايام بصدقة على مسكين فكأنما تصدق على رسل الله وانبيائه ومن عاد فيه مريضا فكأنما عاد اولياء الله وبدلاءه ومن شيع جنازة فكأنما شيع جنائز شهداء بدر ومن كسا مؤمنا كساه الله تعالى من حلل الجنة ومن ألطف يتيما اظله الله فى القيامة تحت عرشه ومن حضر مجلسا من مجالس العلم فكأنما حضر مجالس انبياء الله ورسوله) كذا فى روضة العلماء: قال السعدى قدس سره شعر : باحسانى آسوده كردن دلى به ازالف ركعت بهر منزلى تفسير : ـ حكى ـ انه وقع القحط فى بنى اسرائيل فدخل فقير سكة من السكك وكان فيها بيت غنى فقال تصدقوا على لاجل الله فاخرجت اليه بنت الغنى خبزا حارا فاستقبله الغنى فقال من دفع اليك هذا الخبز فقال ابنة من هذا البيت فدخل وقطع يد ابنته اليمنى فحول الله حاله فافتقر ومات فقيرا ثم ان شابا غنيا استحسن الابنة لكونها حسناء فتزوجها وادخلها داره فلما جن الليل احضرت مائدة فمدت اليد اليسرى فقال الفتى سمعت ان الفقراء يكونون قليلى الادب فقال مدى يدك اليمنى فمدت اليسرى ثانيا وثالثا فهتف بالبيت هاتف اخرجى يدك اليمنى فالرب الذى اعطيت الخبز لاجله رد عليك يدك اليمنى فاخرجت يدها اليمنى بامر الله تعالى واكلت معه كذا فى الروضة شعر : تونيكى كن بآب انداز اىشاه اكر ماهى نداند داند الله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح} أي: إثم {فيما طعموا} من الخمر والميسر قبل التحريم، {إذا ما اتقوا} أي: إذا اتقوا الشرك، {وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا} المحرمات {وآمنوا} أي: حققوا مقام الإيمان، {ثم اتقوا} الشبهات والمكروهات {وأحسنوا} أي: حصلوا مقام الإحسان، وهو إتقان العبادة، وتحقيق العبودية، ومشاهدة عظمة الربوبية، {والله يحب المحسنين} أي: يقربهم ويصطفيهم لحضرته، رُوِي أنه لما نزل تحريم الخمر، قالت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ: يا رسول الله؛ فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟ فنزلت. ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، أي: الماضي والحال والاستقبال، أو باعتبارات الحالات الثلاثة. فيستعمل التقوى فيما بينه وبين نفسه بالتزكية والتحلية، وفيما بينه وبين الناس بالكف عن التعرض لهم، وفيما بينه وبين الله بامتثال أمره واجتناب نهيه والغيبة عن غيره، ولذلك بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة، أو باعتبار المراتب الثلاثة؛ المبدأ والوسط والنهاية، أو باعتبار ما يُتقى، فإنه ينبغي أن يتقي المحرمات توقيًا من العقاب، ثم يتقي الشبهات تحفظًا من الحرام، ثم يتقي بعض المباحات تحفظًا للنفس عن خسة الشره، وتهذيبًا لها عن دنس الطبيعة، قال معناه البيضاوي. الإشارة: المقامات التي يقطعها المريد ثلاث: مقام الإسلام، ومقام الإيمان، ومقام الإحسان، فما دام المريد مشتغلاً بالعمل الظاهر؛ من صلاة وصيام وذكر اللسان، سُمي مقام الإسلام، فإذا انتقل لعمل الباطن من تخلية وتحلية وتهذيب وتصفية، سُمي مقام الإيمان، فإذا انتقل لعمل باطن الباطن من فكرة ونظرة وشهودة وعيان سمي مقام الإحسان، وهذا اصطلاح الصوفية؛ سموا ما يتعلق بإصلاح الظواهر: إسلامًا، وما يتعلق بإصلاح القلوب والضمائر، إيمانًا، وما يتعلق بإصلاح الأرواح والسرائر: إحسانًا. وجعل الساحلي في البغية كل مقام مركبًا من ثلاثة مقامات، فالإسلام مركب من التوبة والتقوى والاستقامة، والإيمان مركب من الإخلاص والصدق والطمأنينة، والإحسان مركب من مراقبة ومشاهدة ومعرفة. وأطال الكلام في كل مقام، لكن من سقط على شيخ التربية لم يحتج إلى شيء من هذا التفصيل. وبالله التوفيق. ثم تكلم على حرمة الصيد في الإحرام تبييناً لقوله: {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}تفسير : [المائدة: 1]، فقال: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ}.
الطوسي
تفسير : قال ابن عباس وابن مالك والبراء بن عازب ومجاهد، وقتادة والضحاك: إِنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة كيف بمن مات من اخواننا وهو يشربها، فأنزل الله الآية وبين أنه ليس عليهم في ذلك شىء اذا كانوا مؤمنين عاملين للصالحات، ثم يتقون المعاصي وجميع ما حرم الله عليهم. فان قيل لم كرر الاتقاء ثلاث مرات في الآية؟ قيل: الأول المراد به اتقاء المعاصي. الثاني - الاستمرار على الاتقاء. والثالث - اتقاء مظالم العباد، وضم الاحسان الى الاتقاء على وجه الندب واعتبر أبو علي في الثالث الأمرين. وقوله {والله يحب المحسنين} أي يريد ثوابهم واجلالهم واكرامهم. والاحسان النفع الحسن الواصل الى الغير، ولا يقال لكل حسن إِحسان، لأنه لا يقال في العذاب بالنار أنه إِحسان وان كان حسناً. والصلاح استقامة الحال وهو مما يفعله العبد، وقد يفعل الله تعالى له الصلاح في دينه باللطف فيه. والايمان هو الاطمئنان الى الصواب بفعله مع الثقة به وهو من أفعال العباد. وعلى هذا يحمل قوله {وآمنوا} والاول على الايمان بالله الذي هو التصديق. وروي أن قدامة بن مظعون شرب الخمر في أيام عمر، فأراد عمر أن يقيم عليه الحد فقال {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} فأراد عمر أن يدرأ عنه الحد حين لم يعلم تحريمها. فقال أمير المؤمنين (ع) أديروه على الصحابة، فان لم يسمع أحداً منهم قرأ عليه آية التحريم، فأدرؤا عنه، وان كان قد سمع فاستتيبوه، وأقيموا عليه الحد، فان لم يتب وجب عليه القتل.
الجنابذي
تفسير : هذه الجمل فى مقام التّعليل للامر بالاجتناب والطّاعة، اعلم انّ للانسان من اوّل تميزه الى آخر مراتبه تطوّراتٍ ونشأتٍ، وبحسب كلّ نشأة له اعمال وارادات وشرور وخيرات وللسّالك الى الله من بدو سلوكه الى آخر مراتبه الغير المتناهية مقامات ومراحل واسفار ومنازل، والتّقوى تارة تطلق على التّحفّظ عن كلّ ما يضرّ للانسان فى الحال او فى المآل وهو معناه اللّغوىّ، وبهذا المعنى تكون قبل الاسلام وقبل الايمان ومعهما وبعدهما، وتارة تطلق على التّحفّظ عمّا يصرفه عن توجّهه الى الايمان، وبهذا المعنى تكون مع الاسلام وقبل الايمان ومع الايمان لكن فى مرتبة الاسلام فانّه ما لم يسلم لم يتصوّر له توجّه واهتداء الى الايمان حتّى يتصوّر صارف له عن الايمان وحفظ عن ذلك الصّارف، والتّقوى بهذا المعنى عبارة عن تحفّظ النّفس عن جملة المخالفات الشّرعيّة، وتارة تطلق على ما يصرفه عن الطّريق الموصل له الى غايته ويدخله فى الطّريق الموصلة الى الجحيم، وبهذا المعنى لا تكون قبل الايمان لانّه لم يكن حينئذٍ فى الطّريق بل تكون مع الايمان الخاصّ الّذى به يكون الوصول الى الطّريق، والايمان قد يطلق على الاذعان وهو معناه اللّغوى وقد يطلق على ما يحصل بالبيعة العامّة وهو الايمان العامّ المسمّى بالاسلام، وقد يطلق على ما يحصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وهو الايمان الحقيقىّ، وقد يطلق على شهود ما كان موقناً به وهو الايمان الشّهودىّ وقد سبق فى اوّل سورة البقرة تحقيق وتفصيل للايمان، والتّقوى وصلاح العمل بخروج الانسان من امر نفسه فى العمل ودخوله تحت امر آمرٍ آلهىٍّ، وفساده بدخوله تحت امر نفسه، والجناح بمعنى الحرج والاثم، والطّعم كما يطلق على الاكل والشّرب الظّاهرين يطلق على مطلق الفعل ومطلق الادراك من الجزئيّة والكلّيّة ففعل القوى المحّركة اكلها، وادراك المدارك الجزئيّة والكلّيّة اكلها، وكذلك تصرّفات القوى العّلامة لتهيّؤ القوى العمّالة اكلها، والانسان من اوّل تميّزه نشأته نشأة الحيوان لا يدرى خيراً الا ما اقتضته القوى الحيوانيّة ولا شرّاً الاّ ما استكرهته ولا يتصوّر له التّقوى سوى التّقوى اللّغويّة، فاذا بلغ مقام المراهقة حصل له فى الجملة تميز الخير والشّرّ الانسانيّين وتعلّق به زاجر آلهىّ باطنىّ بحيت يستعدّ لقبول الامر والنّهى من زاجرٍ بشرىّ، لكن لا يكلّف لضعفه ويمرّن لوجود الاستعداد والزّاجر الباطنىّ ويتصوّر له التّقوى بالمعنى الاوّل والثّانى فى هذا المقام بمقدار تميزه الخير والشّرّ الانسانيّين، فاذا بلغ او ان التّكليف وقوى التميز والاستعداد والزّاجر الآلهىّ تعلّق به التّكليف من الله بواسطة النّذر، وبقبوله التّكليف بالبيعة والميثاق يحصل له الاسلام ويتصوّر له التّقوى ايضاً بالمعنى الاوّل والثّانى، ولا يتصوّر له التّقوى بالمعنى الثّالث لعدم وصوله الى الطّريق بعد، وفى هذا المقام يكلّفه الملكّف الآلهىّ بالتّكاليف القالبية وينبّهه على انّ للانسان طريقاً الى الغيب وله بحسب هذا الطّريق تكاليف أُخر ويدلّه على من يريه الطّريق ويكلّفه التّكليفات الاُخر اشارة او تصريحاً، او يريه بنفسه الطّريق فاذا ساعده التّوفيق وتمسّك بصاحب الطّريق حتّى قبله وكلّفه بالبيعة والميثاق التّكليفات القلبيّة صار مؤمناً بالايمان الخاصّ ومتمسّكاً بالطّريق متّقياً بالمعنى الثّالث وسالكاً الى الله وله فى سلوكه مراحل ومقامات وزكوة وصوم وصلوة وتروك وفناءات. ففى المرتبة الاولى يرى من نفسه الفعل والتّرك وجملة صفاته فاذا ترقّى وطرح بعض ما ليس له ويرى الفعل من الله ولا حول ولا قوّة الاّ بالله صار فانياً من فعله باقياً بفعل الحقّ، فاذا ترقّى وطرح بعضاً آخر بحيث لا يرى من نفسه صفةً صار فانياً من صفته باقياً بصفة الله، فاذا ترقّى وطرح الكلّ بحيث لا يرى نفسه فى البين صار فانياً من ذاته وفى هذا المقام ان ابقاه الله صار باقياً بعد الفناء ببقاء الله وتمّ له السّلوك وصار جامعاً بين الفرق والجمع والوحدة والكثرة، وجعل العرفاء الشّامخون بحسب الامّهات أسفار السّالك وسيره اربعةً وسمّوها اسفاراً اربعة: السّفر الاوّل السّير من النّفس الى حدود القلب وهو سيره فى الاسلام وعلى غيره الطّريق ويسمّونه السّفر من الخلق الى الحقّ، والثّانى سيره من حدود القلب الى الله وهو سيره فى الايمان وعلى الطّريق وبدلالة الشّيخ المرشد وفى هذا السّير يحصل الفناءات الثّلاثة ويسمّونه السّفر من الحقّ فى الحقّ الى الحقّ، والثّالث سيره بعد الفناء فى المراتب الآلهيّة من غير ذاتٍ وشعورٍ بذات ويسمّونه السّفر بالحقّ فى الحقّ، والرّابع سيره بالحقّ فى الخلق بعد صحوه وبقائه بالله ويسمّونه السّفر بالحقّ فى الخلق، اذا علمت ذلك فنقول: معنى الآية انّه ليس على الّذين بايعوا بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهره وأسلموا بقبول الاحكام القالبيّة وتوجّهوا من ديار الاسلام الّتى هى صدروهم الى ديار الايمان الّتى هى قلوبهم وعملوا الاعمال الّتى اخذوها من صاحب اسلامهم جناح فيما فعلوا وحصّلوا من الافعال والعلوم، ولمّا كان المراد بالتّقوى فى لسان الشّارع هو المعنى الثّانى والثّالث دون الاوّل لم يقل تعالى شأنه: ليس على الّذين اتّقوا وآمنوا فى تلك المرتبة واقتصر على الايمان والعمل الصّالح، لكن نفى الجناح بشرط ان اتّقوا صوارفهم عن التّوجّه الى الايمان والترحّل الى السّفر الثانى والوصول الى الطّريق، وجملة المخالفات الشّرعيّة صوارفه عن هذا التّوجّه، وآمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة وعملوا الصّالحات الّتى اخذوها من صاحب الطّريق ثم اتّقوا نسبة الافعال والصّفات الى انفسهم وآمنوا شهوداً بما آمنوا به غياباً، وفى هذا المقام يقع السّالك فى ورطات الحلول والاتّحاد والالحاد وسائر انواع الزّندقة من الثّنويّة وعبادة الشّيطان والرّياضة بخلاف الشّرائع الآلهيّة ومغلطة الارواح الخبيثة بالارواح الطّيّبة فانّه مقام تحته مراتب غير متناهية وورطات غير محصورة واكثر ما فشا فى القلندريّة من العقائد والاعمال نشأ من هذا المقام، والسّالك فى هذه المرتبة لا يرى صفةً ولا فعلاً من نفسه ولذلك اسقط العمل الصّالح ولم يذكره ثمّ اتّقوا من رؤية ذواتهم وهذا هو الفناء التامّ والفناء الذّاتىّ، وهى هذا المقام لا يكون لهم ذات بعد التّقوى حتّى يتصوّر لهم ايمان او عمل، والسّالك فى هذا السّفر لا نهاية لسيره ولا تعيّن لوجوده ولا نفسيّة له ويظهر منه الشّطحيّات الّتى لا تصحّ من غيره كما تظهر منه فى المقام السّابق ايضاً وكما لا يرى السّالك فى هذا المقام لنفسه عيناً ولا اثراً لا يرى لغيره عيناً ولا اثراً، ومن هذا المقام ومن سابقه نشأت الوحدة الممنوعة وما يترتّب عليها من العقائد الباطلة والاعمال الكاسدة فان ادركته العناية وافاق من فنائه وصار باقياً ببقاء الله صار محسناً بحسب الذّات والصّفات والافعال، ولذلك قال تعالى بعد ذكر التّقوى واحسنوا واسقط الايمان والعمل جميعاً، لانّه بعد فنائه الّذاتىّ وبقائه بالله صار ذاته وصفته وفعله حسناً واحساناً حقيقيّاً، وامّا قبل ذلك فانّه لا يخلو من شوب سوئة واسائة بقدر بقاء نسبة الوجود الى نفسه قبل فنائه، وايضاً قبل الفناء بقدر نسبة الوجود الى نفسه يكون مبغوضاً لا محبوباً على الاطلاق وبعد الفناء وقبل البقاء بالله لا موضوع له حتّى يحكم عليه بالمحبوبيّة والمبغوضيّة، وبعد البقاء بالله يصير محبوباً على الاطلاق ولذلك قال: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} فى آخر الآية.
الالوسي
تفسير : {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ } أي إثم وحرج / {فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَءامَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } قيل: لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم: كيف بمن شربها من إخواننا الذين ماتوا وهم قد شربوا الخمر وأكلوا الميسر؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على نفوسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنس بن مالك والبراء بن عازب ومجاهد وقتادة والضحاك وخلق آخرين. وللمفسرين في معنى الآية كلام طويل الذيل فنقل الطبرسي والعهدة عليه عن تفسير أهل البيت أن (ما) عبارة عن المباحات، واختاره غير واحد من المتأخرين. وتعقب بأنه يلزم عليه تقييد إباحتها باتقاء ما عداها من المحرمات لقوله سبحانه: {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ } واللازم منتف بالضرورة فهي سواء كانت موصولة أو موصوفة على عمومها وإنما تخصصت بذلك القيد الطارىء عليها، والطعم كالطعام يستعمل في الأكل والشرب كما تقدمت إليه الإشارة. والمعنى ليس عليهم جناح فيما تناولوه من المأكول والمشروب كائناً ما كان إذا اتقوا أن يكون في ذلك شيء من المحرم واستمروا على الإيمان والأعمال الصالحة وإلا لم يكن نفي الجناح في كل ما طعموه بل في بعضه، ولا محذور في هذا إذ اللازم منه تقييد إباحة الكل بأن لا يكون فيه محرم لا تقييد إباحة بعضه باتقاء بعض آخر منه كما هو اللازم مما عليه الجماعة. و {ٱتَّقَوْاْ } الثاني عطف على نظيره المتقدم داخل معه في حيز الشرط. والمراد اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق، والمراد بالإيمان المعطوف عليه إما الإيمان بتحريمه وتقديم الاتقاء عليه إما للاعتناء به أو لأنه الذي يدل على التحريم الحادث الذي هو المؤمن به، وإما الاستمرار على الإيمان بما يجب الإيمان به ومتعلق الاتقاء ثالثاً ما حرم عليهم أيضاً بعد ذلك مما كان مباحاً من قبل على أن المشروط بالاتقاء في كل مرة إباحة ما طعموه في ذلك الوقت لا إباحة ما طعموه قبله لانتساخ إباحة بعضه حينئذ وأريد بالإحسان فعل الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة بجميع ما ذكر من الأعمال القلبية والقالبية. وليس تخصيص هذه المراتب بالذكر لتخصيص الحكم بها بل لبيان التعدد والتكرار بالغاً ما بلغ، والمعنى أنهم إذا اتقوا المحرمات واستمروا على ما هم عليه من الإيمان والأعمال الصالحة وكانوا في طاعة الله تعالى ومراعاة أوامره ونواهيه بحيث كلما حرم عليهم شيء من المباحات اتقوه ثم وثم فلا جناح عليهم فيما طعموه في كل مرة من المآكل والمشارب إذ ليس فيها شيء محرم عند طعمه قاله مولانا شيخ الإسلام، ثم قال: وأنت خبير بأن ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة لا دخل لها في انتفاء الجناح وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادة باتصاف الذين سئل عن حالهم بها ومدحاً لهم بذلك وحمداً لأحوالهم، وقد أشير إلى ذلك حيث جعلت تلك الصفات تبعاً للاتقاء في كل مرة تميزاً بينها وبين ما له دخل في الحكم فإن مساق النظم الكريم بطريق العبارة وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذكر من النعوت فيما سيأتي من الزمان بقضية {إِذَا مَا } لكنه قد أخرج مخرج الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى مع ما لهم من الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال، وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمهما إذ ذاك ولو حرما في عصرهم لاتقوهما بالمرة انتهى. / ومما يدل على أن الآية للتشريع الكلي ما أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن مسعود قال: لما نزلت {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الآية قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : قيل لي أنت منهم » تفسير : وقيل: إن ما في حيز الشرط من الاتقاء وغيره إنما ذكر على سبيل المدح والثناء للدلالة على أن القوم بتلك الصفة لأن المراد بما المباحات، ونفي الجناح في تناول المباح الذي لم يحرم لا يتقيد بشرط، وقال علي بن الحسين النقيب المرتضى: إن المفسرين تشاغلوا بإيضاح الوجه في التكرار الذي تضمنته هذه الآية وظنوا أنه المشكل فيها وتركوا ما هو أشد إشكالاً من ذلك وهو أنه تعالى نفى الجناح عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيما يطعمونه بشرط الاتقاء والإيمان والعمل الصالح مع أن المباح لو وقع من الكافر لا إثم عليه ولا وزر. ولنا في حل هذه الشبهة طريقان، أحدهما: أن يضم إلى المشروط المصرح بذكره غيره حتى يظهر تأثير ما شرط فيكون تقدير الآية ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وغيره إذا ما اتقوا الخ لأن الشرط في نفي الجناح لا بد من أن يكون له تأثير حتى يكون متى انتفى ثبت الجناح، وقد علمنا أن باتقاء المحارم ينتفي الجناح فيما يطعم فهو الشرط الذي لا زيادة عليه، ولما ولي ذكر الاتقاء الإيمان والعمل الصالح ولا تأثير لهما في نفي الجناح علمنا أنه أضمر ما تقدم ذكره ليصح الشرط ويطابق المشروط لأن من اتقى الحرام فيما يطعم لا جناح عليه فيما يطعم ولكنه قد يصح أن يثبت عليه الجناح فيما أخل به من واجب وضيعه من فرض فإذا شرطنا الإيمان والعمل الصالح ارتفع عنه الجناح من كل وجه، وليس بمنكر حذف ما ذكرناه لدلالة الكلام عليه فمن عادة العرب أن يحذفوا ما يجري هذا المجرى ويكون قوة الدلالة عليه مغنية عن النطق به، ومنه قول الشاعر: شعر : تراه كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه بات له وفر تفسير : فإنه لما كان الجدع لا يليق بالعين وكانت معطوفة على الأنف الذي يليق الجدع به أضمر ما يليق بالعين من البخص وما يجري مجراه. الطريق الثاني أن يجعل الإيمان والعمل الصالح ليس شرطاً حقيقياً وإن كان معطوفاً على الشرط فكأنه تعالى لما أراد أن يبين وجوب الإيمان وما عطف عليه عطفه على ما هو واجب من اتقاء المحارم لاشتراكهما في الوجوب وإن لم يشتركا في كونهما شرطا في نفي الجناح فيما يطعم وهذا توسع في البلاغة يحار فيه العقل استحساناً واستغراباً انتهى. ولا يخفى ما في الطريق الثاني من البعد وإن الطريق الأول حزن فإن مثل هذا الحذف مع ما زعمه من القرينة لا يكاد يوجد في الفصيح في أمثال هذه المقامات، وليس ذلك كالبيت الذي ذكره فإنه من باب: شعر : علفتها تبنا وماء باردا تفسير : وهو مما لا كلام لنا فيه وأين البيض من الباذنجان. وقيل في الجواب أيضاً عن ذلك: إن المؤمن يصح أن يطلق عليه بأنه لا جناح عليه والكافر مستحق للعقاب مغمور به يوم الحساب فلا يطلق عليه ذلك، وأيضاً إن الكافر قد سد على نفسه طريق معرفة التحليل والتحريم فلذلك يخص المؤمن بالذكر ولا يخفى ما فيه. وقال عصام الملة: الأظهر أن المراد أنه لا جناح فيما طعموا مما سوى هذه المحرمات إذا ما اتقوا ولم يأكلوا فوق الشبع ولم يأكلوا من مال الغير، وذكر الإيمان والعمل الصالح للإيذان بأن الاتقاء لا بد له منهما فإن من لا إيمان له لا يتقي وكذا من لا عمل صالح له فضمهما إلى الإيمان لأنهما ملاك الاتقاء، وتكرير التقوى والثبات على الإيمان للإشارة إلى أن ثبات نفي الجناح فيما يطعم على ثبات التقوى، وترك ذكر العمل الصالح ثانياً للإشارة إلى أن / الإيمان بعد التمرن على العمل لا يدع أن يترك العمل. وذكر الإحسان بعد للإشارة إلى أن كثرة مزاولة التقوى والعمل الصالح ينتهي إلى الإحسان وهو أن تعبد الله تعالى كأنك تراه إلى آخر ما في الخبر انتهى. وفيه الغث والسمين. وكلامهم الذي أشار إليه المرتضى في إيضاح وجه التكرير كثير فقال أبو علي الجبائي: إن الشرط الأول: يتعلق بالزمان الماضي. الثاني: يتعلق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله. والثالث: يختص بمظالم العباد وبما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد. واستدل على اختصاص الثالث بذلك بقوله تعالى: {وَأَحْسِنُواْ } فإن الإحسان إذا كان متعدياً وجب أن تكون المعاصي التي أمروا باتقائها قبله أيضاً متعدية وهو في غاية الضعف إذ لا تصريح في الآية بأن المراد بالإحسان الإحسان المتعدي ولا يمتنع أن يراد به فعل الحسن والمبالغة فيه وإن خص الفاعل ولم يتعد إلى غيره كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن أحسنت وأجملت، ثم لو سلم أن المراد به الإحسان المتعدي فلم لا يجوز أن يعطف فعل متعد على فعل لا يتعدى. ولو صرح سبحانه فقال: اتقوا القبائح كلها وأحسنوا إلى الناس لم يمتنع وذلك ظاهر. وقيل: إن الاتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي تخص المكلف ولا تتعداه. والإيمان الأول الإيمان بالله تعالى وبما أوجب الإيمان به والإيمان بقبح هذه المعاصي ووجوب تجنبها والاتقاء الثاني هو اتقاء المعاصي السمعية والإيمان الثاني هو الإيمان بقبحها ووجوب تجنبها. والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد وهو كما ترى، وقيل: المراد بالأول اتقاء ما حرم عليهم أولاً مع الثبات على الإيمان والأعمال الصالحة إذ لا ينفع الاتقاء بدون ذلك. وبالثاني اتقاء ما حرم عليهم بعد ذلك من الخمر ونحوه والإيمان التصديق بتحريم ذلك. وبالثالث الثبات على اتقاء جميع ذلك من السابق والحادث مع تحري الأعمال الجميلة. وهذا مراد من قال: إن التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة، وقيل: إنه باعتبار المراتب الثلاث للتقوى المبدأ والوسط والمنتهى وقد مر تفصيلها، وقيل: باعتبار الحالات الثلاث بأن يتقي الله تعالى ويؤمن به في السر ويجتنب ما يضر نفسه من عمل واعتقاد ويتقي الله تعالى ويؤمن به علانية ويجتنب ما يضر الناس ويتقي الله تعالى ويؤمن به بينه وبين الله تعالى بحيث يرفع الوسائط وينتهي إلى أقصى المراتب. ولما في هذه الحالة من الزلفى منه تعالى ذكر الإحسان فيها بناء على أنه كما فسره صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح « حديث : أن تعبد الله تعالى كأنك تراهتفسير : . وقيل: باعتبار ما يتقي فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب والشبهات توقياً من الوقوع في الحرام. وبعض المباحات حفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة، وقيل: المراد بالأول اتقاء الكفر وبالثاني اتقاء الكبائر وبالثالث اتقاء الصغائر، وقيل: إن التكرير لمجرد التأكيد ويجوز فيه العطف بثم كما صرح به ابن مالك في قوله تعالى: { أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [التكاثر: 3-4] ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال غير مناسبة للمقام، وذكر العلامة الطيبي أن معنى الآية أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به وعلى الأعمال الصالحة لتحصل الاستقامة التامة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج »أن تعبد الله تعالى كأنك تراه« وهو المعني بقوله تعالى: {وَأَحْسِنُواْ } الخ وبها يمنح الزلفى عند الله تعالى ومحبته سبحانه المشار إليها بقوله عز وجل: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ }. وفي هذا النظم نتيجة مما رواه الترمذي وابن ماجه من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : ليس الزهادة في / الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما بيد الله تعالى أوثق منك بما في يدك » تفسير : انتهى. وهو ظاهر جدا على تقدير أن تكون الآية في القوم الذين سلكوا طريق الترهب وهو قول مرجوح فتدبر. وجملة {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } على سائر التقادير تذييل مقرر لمضمون ما قبله أبلغ تقرير، وذكر بعضهم أنه كان الظاهر والله يحب هؤلاء فوضع المحسنين موضعه إشارة إلى أنهم متصفون بذلك.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية بيان لما عرض من إجمال في فهم الآية التي قبلها، إذ ظنّ بعض المسلمين أنّ شرب الخمر قبل نزول هذه الآية قد تلبّس بإثم لأنّ الله وصف الخمر وما ذكر معها بأنّها رجس من عمل الشيطان. فقد كان سببُ نزول هذه الآية ما في «الصحيحين» وغيرهما عن أنس بن مالك، والبراء بن عازب، وابن عبّاس، أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيفَ بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمرَ ـــ أوْ قال ـــ وهي في بطونهم وأكلوا الميسر. فأنزل الله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} الآية. وفي تفسير الفخر روى أبو بكر الأصمّ أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القِمار، وكيف بالغائبين عنّا في البلدان لا يشعرون أنّ الله حرّم الخمر وهم يَطعَمُونها. فأنزل الله هذه الآيات. وقد يَلُوح ببادىء الرأي أنّ حال الذين تُوُفُّوا قبل تحريم الخمر ليس حقيقاً بأن يَسأل عنه الصحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم بأنّ الله لا يؤاخذ أحداً بعمل لم يكن محرّماً من قبل فعله، وأنّه لا يؤاخذ أحداً على ارتكابه إلاّ بعد أن يعلم بالتحريم، فالجواب أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا شديدي الحذر ممّا ينقص الثواب حريصين على كمال الاستقامة فلمّا نزل في الخمر والميسر أنّهما رجس من عمل الشيطان خَشُوا أن يكون للشيطان حظّ في الذين شربوا الخمر وأكلوا اللحم بالميسر وتُوفُّوا قبل الإقلاع عن ذلك أوْ ماتوا والخمر في بطونهم مخالطة أجسادهم، فلم يتمالكوا أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم لشدّة إشفاقهم على إخوانهم. كما سأل عبد الله بن أمّ مكتوم لمّا نزل قوله تعالى: {أية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدُون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم}تفسير : [النساء: 95] فقال: يا رسول الله، فكيف وأنا أعمَى لا أبصر فأنزل الله {أية : غيرَ أولِي الضّرر}تفسير : [النساء: 143]. وكذلك ما وقع لمّا غُيّرت القبلة من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قال ناس: فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يستقبلون بيت المقدس، فأنزل الله تعالى {أية : وما كان الله ليُضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143]، أي صلاتَكم فكان القصد من السؤال التثبّت في التفقّه وأن لا يتجاوزُوا التلقّي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم. ونفيُ الجناح نفي الإثم والعصيان. و(مَا) موصولة. و{طَعموا} صلة. وعائد الصلة محذوف. وليست (ما) مصدرية لأنّ المقصود العفو عن شيء طعموهُ معلوممٍ من السؤال، فتعليق ظرفية ما طعموا بالجُناح هو على تقدير: في طَعْم ما طعموه. وأصل معنى {طَعِموا} أنّه بمعنى أكلوا، قال تعالى: {أية : فإذا طعِمتم فانتشروا}تفسير : [الأحزاب: 53]. وحقيقة الطعم الأكل والشيء المأكول طَعام. وليس الشراب من الطعام بل هو غيره، ولذلك عُطف في قوله تعالى {أية : فانظُر إلى طعامك وشَرابك لم يَتَسَنَّهْ}تفسير : [البقرة: 259]. ويدلّ لذلك استثناء المأكولات منه في قوله تعالى: {أية : قل لا أجد فيما أوحي إلي محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقاً أهلّ لغير الله به}تفسير : [الأنعام: 145]. ويقال: طَعِم بمعنى أذَاق ومصدره الطُّعْم ـــ بضمّ الطاء ـــ اعتبروه مشتَقّاً من الطَّعْم الذي هو حاسّة الذوق. وتقدّم قوله تعالى {أية : ومن لم يطْعَمه فإنّه منّي}تفسير : [البقرة: 249]، أي ومن لم يذقه، بقرينة قوله {أية : فمن شرب منه}تفسير : [البقرة: 249]. ويقال: وجَدت في الماء طعْم التراب. ويقال تغيّر طعم الماء، أي أسِنَ. فمن فصاحة القرآن إيراد فعل {طَعِمُوا} هنا لأنّ المراد نفي التَّبِعَة عمَّن شربوا الخمر وأكلوا لحم المَيْسر قبل نزول آية تحريمهما. واستعمل اللفظ في معنييه، أي في حقيقته ومجازه، أو هو من أسلوب التغليب. وإذ قد عبّر بصيغة المضي في قوله {طعموا} تعيّن أن يكون {إذا} ظرفاً للماضي، وذلك على أصحّ القولين للنحاة، وإن كان المشهور أنّ (إذا) ظرف للمستقبل، والحقّ أنّ (إذا) تقع ظرفاً للماضي. وهو الذي اختاره ابن مالك ودرج عليه ابن هشام في «مغني اللبيب». وشاهده قوله تعالى: {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم}تفسير : [التوبة: 92]، وقوله: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}تفسير : [الجمعة: 11]، وآيات كثيرة. فالمعنى لا جناح عليهم إذ كانوا آمنوا واتّقوا، ويؤوّل معنى الكلام: ليس عليهم جناح لأنّهم آمنوا واتّقوا فيما كان محرّماً يومئذٍ وما تناولوا الخمر وأكلوا الميسر إلاّ قبل تحريمهما. هذا تفسير الآية الجاري على ما اعتمده جمهور المفسّرين جارياً على ما ورد في من سبّب نزولها في الأحاديث الصحيحة. ومن المفسّرين من جعل معنى الآية غير متّصل بآية تحريم الخمر والميسر. وأحسب أنّهم لم يلاحظوا ما روي في سبب نزولها لأنّهم رأوا أنّ سبب نزولها لا يقصرها على قضيَّة السبب بل يُعمل بعموم لفظها على ما هو الحقّ في أنّ عموم اللفظ لا يخصّص بخصوص السبب، فقالوا: رَفَع الله الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذّات المطاعم وحلالها، إذا ما اتّقوا ما حَرّم الله عليهم، أي ليس من البرّ حرمانُ النفس بتحريم الطيّبات بل البرّ هو التقوى، فيكون من قبيل قوله تعالى: {أية : وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتّقى}تفسير : [البقرة: 189]. وفَسَّر به في «الكشاف» مبتدئاً به. وعلى هذا الوجه يكون معنى الآية متّصلاً بآية: {يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}، فتكون استئنافاً ابتدائياً لمناسبة ما تقدّم من النهي عن أن يحرّموا على أنفسهم طيّباتتِ ما أحلّ الله لهم بنذرٍ أو يميننٍ على الامتناع. وادّعى بعضهم أنّ هذه الآية نزلت في القوم الذين حَرّموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهّب. ومنهم عثمان بن مظعون، ولم يصحّ أنّ هذا سبب نزولها. وعلى هذا التفسير يكون {طعِموا} مستعملاً في المعنى المشهور وهو الأكل، وتكون كلمة (إذا) مستعملة في المستقبل، وفعل {طعِموا} من التعْبير عن المستقبل بلفظ الماضي بقرينة كلمة (إذا)، كما في قوله تعالى: {أية : ثمّ إذَا دَعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}تفسير : [الروم: 25]. ويعكّر على هذا التفسير أنّ الذين حرّموا الطيّبات على أنفسهم لم ينحصر تحريمهم في المطعوم والشراب بل يشمل اللباس والنساء، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الكلام جرى على مراعاة الغالب في التحريم. وقال الفخر: زعم بعض الجهّال أنّ الله تعالى لمّا جعل الخمر محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادّة عن ذكر الله وعن الصلاة بيّن في هذه الآية أنّه لا جناح على من طعِمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق، ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم لأنّه لو كان ذلك لقال ما كان جناح على الذين طعموا، كما ذكر في آية تحويل القبلة، فقال {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143] ولا شكّ أنّ (إذا) للمستقبل لا للماضي. قال الفخر: وهذا القول مردود بإجماع كلّ الأمّة. وأمّا قولهم (إذا) للمستقبل، فجوابه أنّ الحلّ للمستقبل عن وقت نزول الآية في حقّ الغائبين. والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ولذلك فعطْف {وعملوا الصالحات} على {اتَّقَوْا} من عطل الخاصّ على العامّ، للاهتمام به، كقوله تعالى: {مَن كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل}، ولأنّ اجتناب المنهيات أسبق تبادرا إلى الأفهام في لفظ التقوى لأنّها مشتقّة من التوقّي والكفّ. وأمّا عطف {وآمَنُوا} على {اتّقوا} فهو اعتراض للإشارة إلى أنّ الإيمان هو أصل التقوى، كقوله تعالى {فَكّ رقبةٍ أو أطعام} ـــ إلى قوله ـــ {ثُمّ كان من الذين آمنوا}. والمقصود من هذا الظرف الذي هو كالشرط مجردّ التنويه بالتقوى والإيمانِ والعملِ الصالح، وليس المقصود أنّ نفي الجناح عنهم قيَّد بأن يتّقوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات، للعلم بأنّ لكلّ عمل أثراً على فِعْله أو على تركه، وإذ قد كانوا مؤمنين من قبلُ، وكان الإيمان عَقداً عقلياً لا يقبَل التجدّد تعيّن أنّ المراد بقوله: {وآمنوا} معنى ودَاموا على الإيمان ولم ينقضوه بالكفر. وجملة {ثمّ اتَّقوا وآمنوا} تأكيد لفظي لجملة {إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} وقُرن بحرف {ثمّ} الدالّ على التراخي الرتبي ليكون إيماءاً إلى الازدياد في التقوى وآثارِ الإيمان، كالتأكيد في قوله تعالى: {أية : كلاّ سيعلمون ثمّ كلاّ سيعلمون}تفسير : [النبإ: 4، 5] ولذلك لم يكرّر قوله: {وعملوا الصالحات} لأنّ عمل الصالحات مشمول للتقوى. وأمّا جملة {ثمّ اتّقوا وأحسنوا} فتفيد تأكيداً لفظياً لجملة {ثمّ اتّقوا} وتفيد الارتقاء في التقوء بدلالة حرف {ثمّ} على التراخي الرتبي. مع زيادة صفة الإحسان. وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الإحيان بقوله: «حديث : أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»تفسير : . وهذا يتضمَّن الإيمان لا محالة فلذلك استغني عن إعادة {وآمنوا} هنا. ويشمل فعل {وأحسنوا} الإحسانَ إلى المسلمين، وهو زائد على التقوى، لأنّ منه إحساناً غير واجب وهو ممّا يَجلب مرضاة الله، ولذلك ذيّله بقوله: {والله يحبّ المحسنين}. وقد ذهب المفسّرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا دلائل عليها في نظم الآية، ومرجعها جعل التكرير في قوله: {ثمّ اتّقوا} على معنى تغاير التقوى والإيمان باختلاف الزمان أو باختلاف الأحوال. وذهب بعضهم في تأويل قوله تعالى {إذا ما اتّقوا} وما عطف عليه إلى وجوه نشأت عن حمله على معنى التقييد لنفي الجناح بحصول المشروط. وفي جلبها طول. وقد تقدّم أنّ بعضاً من السلف تأوّل هذه الآية على معنى الرخصة في شرب الخمر لمن اتّقى الله فيما عدّ، ولم يكن الخمر وسيلة له إلى المحرّمات، ولا إلى إضرار الناس. وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون، كما تقدّم في تفسير آية تحريم الخمر: وأنّ عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب لم يقبلاه منه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 93- ليس على الذين صدَّقوا بالله ورسوله وأتوا بصالح الأعمال إثم فيما يطعمون من حلال طيب، ولا فيما سبق أن طعموه من المحرمات قبل علمهم بتحريمها، إذا خافوا الله، وابتعدوا عنها بعد علمهم بتحريمها، ثم استمروا على خوفهم من الله، وتصديقهم بما شرعه لهم بعد من أحكام، ثم داوموا على خوفهم من الله فى كل حال وأخلصوا فى أعمالهم وأدُّوها على وجه الكمال، فإن الله يثيب المخلصين فى أعمالهم على قدر إخلاصهم وعملهم. 94- يا أيها الذين آمنوا: إن الله يختبركم فى الحج بتحريم بعض من الحيوان والطيور يسهل عليكم اصطياده بأيديكم ورماحكم، ليظهر الذين يراقبونه منكم فى غيبة من أعين الخلق. فالذين تجاوزوا حدود الله بعد بيانها يقع عليهم عذاب مؤلم شديد. 95- يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وقد نويتم الحج والعمرة وتقومون بأعمالهما، ومن قتله منكم قاصداً، فعليه أن يؤدى نظير الصيد الذى قتله، يخرجه من الإبل والبقر والغنم. ويعرف النظير بتقدير رجلين عادلين منكم يحكمان به، ويهديه إلى الفقراء عند الكعبة، أو يدفع بدله إليهم، أو يخرج بقيمة المثل طعاماً للفقراء، لكل فقير ما يكفيه يومه، ليكون ذلك مسقطاً لذنب تعديه على الصيد، أو يصوم أياماً بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرجه. وقد شرع ذلك ليحس المعتدى بنتائج جرمه وسوء عاقبته. عفا الله عما سبق لكم من المخالفة قبل تحريمها، ومن رجع إلى التعدى بعد العلم بتحريمه، فإن الله يعاقبه بما ارتكب، وهو غالب لا يُغْلَب، شديد العقاب لمن يصر على الذنب.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {وَآمَنُواْ} (93) - حِينَمَا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الخَمْرِ تَسَاءَلَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ عَنْ حَالِ مَنْ شَرِبُوا الخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وَبُيَيِّنُ لَهُمْ تَعَالَى أنَّ الذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ إثْمَ، فِيمَا أَكَلُوا أوْ شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ، أوْ أكَلُوا وَشَرِبُوا، مِمَّا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّماً ثُمَّ حُرِّمَ، إذَا مَا اتَّقَوا اللهَ، وَآمَنُوا بِمَا كَانَ قَدْ نَزَلَ مِنَ الأحْكَامِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ التِي كَانَتْ قَدْ شُرِعَتْ، كَالصَّلاَةِ وَالصَّومِ، ثُمَّ اتَّقَوا مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ العِلْمِ بِهِ، وَآمَنُوا بِمَا أنْزَلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى التَّقْوَى، وَأحْسَنُوا أعْمَالَهُمْ، فَأَتَوْا بِهَا عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وَتَمَّمُوا نَقْصَ فَرِائِضِهَا بِنَوَافِلِ الطَّاعَاتِ، وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنينَ، فَلا يُبِقِي فِي قُلُوبِهِمْ أثَراً مِنَ الآثَارِ السَّيِّئَةِ، التِي وَصَفَ بِهَا الخَمْرَ وَالمَيْسِرَ، مِنَ الإِيقَاعِ فِي العَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ. الجُنَاحُ - الحَرَجُ وَالإِثْمُ. طَعِمُوا - أكَلُوا أوْ شَرِبُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد أنزل الحق هذه الآية ليُطَمْئن المؤمنين السائلين عن الحكم في إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا وكانوا يشربون الخمر قبل نزول الحكم بتحريمها. {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ} و {طَعِمُوۤاْ} لا تخص الطعام فقط ولكن تشمل وتضم الشراب أيضاً، فالحق يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ} تفسير : [البقرة: 249]. وعلى ذلك فالماء طعام، بمعنى أن طعمه يكون في الفم. وهكذا عرف المسلمون السائلون عن إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا أن إسلامهم كان مقصوراً على الأحكام التي نزلت في أثناء حياتهم، فقد نفذوا المطلوب منهم بعدم عبادة الأصنام. وقد يكون منهم من مات قبل أن تفرض الصلاة، أو مات قبل أن تنزل أحكام الزكاة أو الصوم، ولذلك لم يفعلوها. وعلى ذلك يكون عملهم الصالح هو تنفيذ التعاليم التي نزلت إليهم. لقد اتقوا الله فنفذوا مطلوب الإيمان على قدر ما طلب منهم الحق، آمنوا بالإله المكلِّف وجعلوا بينهم وبين الله وقاية بأن نفذوا مطلوبه سبحانه امراً ونهياً. والإيمان له قمة هي أن يؤمن الإنسان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبعد ذلك بالأحكام التي تنزل من السماء. واختلف العلماء فيما بينهم في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن العلماء من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنما نظروا إلى الإيمان بالقمة العقدية وهي الإيمان بالله: والذين قالوا بأن الإيمان يزيد وينقص إنما نظروا إلى الإيمان بالأحكام التي ينزلها الله، وأخذوا ذلك من قوله الحق: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} تفسير : [التوبة: 124]. فكل آية تنزل بأحكام جديدة فهي تزيد الإيمان. فعندما نزل الحكم بالزكاة أمن به المسلمون وطبقوه. ومنهم ممن لم يكن يملك المال فلم يطبق الحكم على الرغم من أنه آمن به. فالمسلم يؤمن بالحكم، وإن كان مستطيعاً فهو يفعله، وإن كان غير مستطيع فهو لا يفعله. ولهذا كانوا يستبشرون بالأحكام التي تنزل بها الآيات. وعلى ذلك يكون خلاف العلماء خلافا على جهة منفكة، ونلحظ أن الحق يقول: {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93]. إذن، فهنا ثلاث مراحل: هناك من أدرك حكماً فاتقى الله وآمن وعمل صالحاً، وبعد ذلك انتقل وأفضى إلى ربه فلا جناح عليه، وهناك من عاش ليعاصر أحكاماً أخرى فآمن بها وعمل بها، وهناك من عاش ليعاصر أحكاماً قد زادت فعمل بها أيضاً. والإيمان الأول ارتبط بالعمل الصالح، وكذلك الإيمان الثاني الذي جاء في الآية. ثم يأتي الإيمان الثالث مرتبطاً بالإحسان. والإحسان كما نعلم له وجهان: الأول أن يعبد المؤمن الله كأنه يراه، وكلما جاء تكليف، يحسن المؤمن في أدائه، كأنه يرى الله، وإن لم يكن يراه فإنه يحس أنه سبحانه يراه. وإذا ما استوعب المسلم كل أحكام الله التي استوعبت بدورها كل أقضية الحياة، فهو يحسن أداء هذه الأحكام. والوجه الثاني للإحسان أن يزيد المؤمن في أداء هذه التكاليف فوق ما فرض الله، وهي النوافل. وبذلك لا يكتفي المؤمن بتصديق الأحكام التي نزلت، بل يزيد من جنسها. والحق يقول: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 15-16]. وجاء الحق بالتعليل وهو: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 16]. ووجه إحسانهم أن الواحد منهم لا يقف عند ما كلفه الله به، بل يزيد على ما كلفه الله من جنس ما كلفه سبحانه، فالحق قد فرض على المسلم خمسة فروض، والمحسن هو من يزيد ويتقرب إلى الله بالنوافل. وفرض سبحانه على المسلم صوم رمضان، والمحسن هو من يؤدي صيام رمضان بتمامه ويزيد بصوم أيام أخرى من العام. وفرض سبحانه على المسلم زكاة مال بقدر اثنين ونصف في المائة وهو ربع العشر، والمحسن قد يزيد الزكاة إلى أكثر من ذلك. وفرض سبحانه على المسلم حج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمحسن هو الذي يزيد مرات الحج. إذن، فالمحسن هو من عشق التكليف من الله، وعرف منزلة القرب من الله، فوجد أن الله قد كلفه دون ما يستحق - سبحانه - منا فزاد من العمل الذي يزيده قرباً من الله. ويضيف الحق في وصف المحسنين: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} تفسير : [الذاريات: 17]. ولم يكلفنا سبحانه بألا نهجع إلا قليلاً من الليل. كلفنا فقط بأن نصلي العشاء، وبعد ذلك قد ننام لنصحو لنصلي الصبح، أما المحسن الذي عرف حلاوة الخلوة مع الله فهو لا يهجع إلا قليلاً من الليل. ويضيف الحق سبحانه في وصف المحسنين: {أية : وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 18]. ولم يكلف الله المسلم بالاستغفار في السحر، لكن المحسن يفعل ذلك ويضيف الحق سبحانه: {أية : وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 19]. ولم يقل سبحانه: إنه حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو الزكاة. وهذه المراحل الثلاث هي التي تُدخل المؤمن في مرتبة الإحسان. ولذلك نجد الحق في آخر مرحلة في الآية التي نحن بصددها يتحدث عن الإحسان: {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} أي أن يزيد الإنسانُ المؤمنُ من جنس ما فرض الله. ووقت أن كان التكليف في دور الاستكمال فكل حكم يأتي كان يستقبله المؤمن بإيمان وعمل. أما الذين أدركوا كل التكاليف خلال الثلاثة والعشرين عاماً - المدة التي مكثها وعاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى - فقد استوت عندهم التكاليف، وإذا ما أرادوا الإحسان فلا بد لهم من الزيادة من جنس التكليف. ويقول الحق من بعد ذلك: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ...}
الأندلسي
تفسير : {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس: لما تزل تحريم الخمر قال قوم: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر. فنزلت. فأعلم تعالى أن الدم والجناح إنما يتعلق بفعل المعاصي والذين ماتوا قبل التحريم ليسوا بعاصين. والظاهر من سبب النزول أن اللفظ عام ومعناه الخصوص. {ثُمَّ اتَّقَواْ} ثبتوا وداموا على الحالة المذكورة. {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} انتهوا في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} الآية نزلت عام الحديبية وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنعيم فكان الوحش والطير يغشاهم في رحالهم وهم محرمون. وقيل: كان بعضهم أحرم وبعضهم لم يحرم فإِذا عرض صيد اختلفت أحوالهم واشتبهت الأحكام. وقيل: قتل أبو اليسر حمار وحش برمحه، فقيل: قتلت الصيد وأنتم محرم. فنزلت. ومناسبتها لما قبلها هو أنه لما أمرهم أن لا يحرموا الطيبات وأخرج من ذلك الخمر والميسر وهما حرامان وإنما أخرج بعده ما حرم من الطيبات في حال دون حال وهو الصيد وكان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة. والظاهر أن الخطاب بقوله: يا أيها الذين آمنوا، عام للمحل والمحرم لكن لا يتحقق الإِبتلاء إلا مع الإِحرام أو الحرم. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} هذا تعليل لقوله: ليبلونكم، ومعنى ليعلم ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآية فيتقي العبيد ممن لا يخافه فيقدم عليه. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي فمن اعتدى بالمخالفة فصاد. وذلك إشارة إلى النهي الذي تضمنه معنى الكلام السابق، وتقديره فلا تصيدوا يدل عليه قوله: {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ}. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قيل: في الآخرة. وقيل: في الدنيا. قال ابن عباس: يوسع بطنه وظهره جلداً ويسلب ثيابه. {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} جملة حالية. وحرم جمع حرام، والحرام ينطلق على من كان محرماً وعلى من حل الحرم. {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم} الآية الظاهر تقييد القتل بالعمد فمن لم يتعمد فقتل خطأ بأن كان ناسياً لإِحرامه أو رماه ظاناً أنه ليس بصيد فإِذا هو صيد أو عدل سهمه الذي رماه لغير صيد فأصاب صيداً فلا جزاء عليه، وروى ذلك عن أبي عباس وابن جبير وطاووس وعطاء وسالم، وبه قال أبو ثور وداود والطبري، وهو أحد قولي الحسن البصري ومجاهد وأحمد وغيرهم. ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابه أن الخطأ بنسيان أو غيره، كالعمد والعمد أن يكون ذاكراً لإِحرامه قاصداً للقتل، وروي ذلك عن عمر وابن عباس. وقرأ الكوفيون فجزاء بالتنوين مثل بالرفع فارتفاع جزاء على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره فالواجب عليه أو اللازم له جزاء، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره فعليه جزاء ومثل صفة أي فجزاء يماثل ما قتل. وقرأ باقي السبعة فجزاء مثل برفع جزاء وإضافته إلى مثل، فقيل: مثل كأنها مفخمة. كما تقول: مثلك يفعل كذا أي أنت تفعل كذا فالتقدير فجزاء ما قتل. وقيل: ذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وكان الأصل فعليه جزاء مثل ما قتل أي يغرم مثل ما قتل ثم أضيف إلى المفعول، ويدل على هذا التقدير قراءة السلمي فجزاء بالرفع والتنوين مثل ما قتل بالنصب. ومن النعم صفة لجزاء سواء أرفع جزاء مثل أو أضيف جزاء إلى مثل أي كائن من النعم. ويجوز في وجه الإِضافة أن يتعلق من النعم بجزاء إلا في الوجه الأول لأن جزاء مصدر موصوف فلا يعمل. ووهم أبو البقاء في تجويزه أن يكون من النعم حالاً من الضمير في قتل يعني من الضمير المنصوب المحذوف في قتل العائد على ما قال لأن المقتول يكون من النعم وليس المعنى على ذلك لأن الذي هو من النعم هو ما يكون جزاء لا الذي يقتله المحرم ولأن النعم لا تدخل في اسم الصيد. والظاهر في المثلية أنها مثلية في الصورة والخلقة والعظم والصغر وهو قول الجمهور وظاهر قوله: من النعم أنه لا يشترط سن فتجزىء الجفرة والعناق على قدر الصيد وبه قال ابو يوسف ومحمد. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يهدي إلا ما يجزىء في الأضحية. {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ} الآية أن يحكم به بمثل ما قتل. قال ابن وهب: من السنة أن يخيّر الحكمان من قتل الصيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة. وانتصب هدياً على الحال من الضمير في قوله: به، ومعنى بالغ الكعبة وأصلاً إِليها أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً فإِن اختار الهدى حكماً عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب وأدنى الهدى شاة وما لم يبلغ شاة حكماً فيه بالطعام ثم خير بين أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوماً وكذلك قال مالك. والظاهر أنه يحكم به عدلان وكذلك فعل عمر في حديث قبيصة بن جابر استدعى عبد الرحمن بن عوف وحكم في ظبي بشاة وفعل ذلك جرير وابن عمر رضي الله عنهما. والظاهر أن العدلين ذكران فلا يحكم في امرأتان عدلتان. {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} قرأ الصاحبان بالإِضافة. وزعم الزمخشري أن هذه الإِضافة مبنيّة، كأنه قيل: أو كفارة من طعام مسكين، كقوله: خاتم فضة بمعنى خاتم من فضة. وليست من هذا الباب لأن خاتم فضة من باب إضافة الشيء إلى جنسه، والطعام ليس جنساً للكفارة إلا بتجوز بعيد جداً. وقرأ باقي السبعة بالتنوين ورفع طعام، وقرأ كذلك الأعرج وعيسى بن عمر إلا أنهما أفردا مسكين على أنه اسم جنس، قال أبو علي: طعام عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة. "انتهى". وهذا لا يجوز على مذهب البصريين لأنهم شرطوا في عطف البيان أن يكون في المعارف لا في النكرات فالأولى أن يعرب بدلاً وقد أجمل في مقدار الطعام وفي عدد المساكين. والظاهر أنه يكفي ما يسمى طعاماً وأنه يكفي أقل ما ينطلق عليه جمع مساكين. وجوزوا أن يكون ذلك إشارة إلى الصيد المقتول، وفي الظبي ثلاثة أيام، وفي الإِبل عشرون يوماً، وفي النعامة وحمار الوحش ثلاثون يوماً، قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. والظاهر عدم تقييد الإِطعام والصوم بمكان، وبه قال جماعة من العلماء فحيثما شاء كفر بهما. وقال عطاء وغيره: الهدي والإِطعام بمكة والصوم حيث شاء. {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} الذوق معروف، فاستعير هنا لما يؤثر من غرامة أو أتعاب النفس بالصوم. والوبال: سوء عاقبة ما فعل، وهو هتكه حرمة الإِحرام بقتل الصيد. قال الزمخشري: ليذوق متعلق بقوله: فجزاء، أي فعليه أن يجازى أو يكفر ليذوق. "انتهى". وهذا لا يجوز إلا على قراءة من أضاف فجزاء أو نون ونصب مثل وأما على قراءة من نوّن ورفع مثل فلا يجوز أن تتعلق اللام به، لأن مثل صفة لجزاء، وإذا وصف المصدر لم يجز لمعموله أن يتأخر عن الصفة، لو قلت: أعجبني ضرب زيد الشديد عمراً، لم يجز، فإِن تقدم المعمول على الوصف جاز ذلك، والصواب أن يتعلق على هذه القراءة بفعل محذوف التقدير جوزي بذلك ليذوق. {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} أي في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرم. قال الزمخشري: لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً. "انتهى". وقال ابن زيد: عفا الله عما سلف لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم. {وَمَنْ عَادَ} قال ابن عباس: ان عاد متعمداً عالماً بإِحرامه فلا كفارة عليه وينتقم الله منه. {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} الآية، قال الكلبي: نزلت في بين مدلج وكانوا ينزلون في أسياف البحر سألوا عما نَضَبَ عنه الماء من السمك. فنزلت. قال الزمخشري: صيد البحر مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل وطعامه وما يطعم من صيده. ومعنى أحل لكم: الانتفاع بجميع ما يصاد من البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده عند أبي حنيفة، وعند ابن أبي ليلى جميع ما يصاد منه على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه. "انتهى". وتفسير وطعامه بقوله: وأن تطعموه، خلاف الظاهر ويكون على قول ابن أبي ليلى الضمير في وطعامه عائداً على صيد البحر، والظاهر عوده على البحر فإِنه يراد به المطعوم لا الإِطعام، ويدل على ذلك ظاهر لفظ وطعامه. وقراءة ابن عباس وطعمه بضم الطاء وسكون العين تدل على أنه لا يراد به المصدر، وقد فسر قوله: وطعامه، بما يرمي به البحر ولم يصد. وفي الأثر: كلوا السمكة الطافية وهي الميتة التي طفت على وجه الماء، وقد أكل جماعة من الصحابة في سفر لهم من دابة عظيمة تسمى العنبر حسر عنها البحر، والحديث في ذلك مشهور. وانتصب متاعاً قال ابن عطية: على المصدر، والمعنى متعكم به متاعاً تنتفعون به وتأتدمون. وقال الزمخشري: متاعاً لكم مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم وهو في المفعول له بمنزلة قوله: ووهبنا له اسحاق ويعقوب. نافلة في باب الحال لأن قوله: متاعاً لكم، مفعول له مختص بالطعام كما أن نافلة حال مختصة بيعقوب يعني أحل لكم طعامه تمتيعاً تأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيرة إلى الخضر. "انتهى". وتخصيصه المفعول له بقوله: وطعامه، جار على مذهب أبي حنيفة بأن صيد البحر منه ما يؤكل وما لا يؤكل. وان قوله: وطعامه، هو المأكول منه، وانه لا يقع التمتيع إلا بالمأكول منه طرياً وقديداً. وعلى مذهب غيره يجوز أن يكون مفعولاً له باعتبار صيد البحر وطعامه، والخطاب في لكم لحاضري البحر ومدته. {وَلِلسَّيَّارَةِ} أي المسافرين. {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ} الآية كرر تعالى تحريم الصيد على المحرم تغليظاً لحكمه. والظاهر تحريم صيد البر على المحرم من جميع الجهات صيد وأكل صيد ذلك من أجله أو من أجل غيره روي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين. وعن أبي هريرة وبعض التابعين أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذ لم يدل عليه ولم يشد. وروي عن عمر وعثمان والزبير أنه يأكل المحرم ما صاده الحلال لنفسه أو لحلال مثله. وقال آخرون: يحرم على المحرم أن يصيد فأما ان اشتراه من مالك فذبحه وأكله فلا يحرم، وفعل ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أكل المحرم الصيد جائز إذا اصطاده الحلال ولم يأمر المحرم بصيد، ولا دل عليه. وقال مالك والشافعي وأحمد: يأكل ما صاده الحلال إن لم يصده لأجله فإِن صيد من أجله فلا يأكل فإِن أكل، فقال مالك والأوزاعي والحسن بن صالح: عليه الجزاء. وقال الشافعي: لا جزاء عليه. وقال الزمخشري: فإِن قلت: ما يصنع أبو حنيفة بعموم قوله: صيد البر؟ قلت: قد أخذ أبو حنيفة بالمفهوم من قوله: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً، لأن ظاهره أنه صيد المحرمين دون صيد غيرهم لأنهم هم المخاطبون، فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر، فيخرج منه مصيد غيرهم ومصيدهم حين كانوا غير محرمين. ويدل عليه قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. "انتهى". وهذه مكابرة من الزمخشري في الظاهر بل الظاهر من قوله: صيد البر، العموم سواء صاده محرم أم حلال: وقرىء وحرّم مبنياً للفاعل صيد بالنصب وحرم بفتح الحاء والراء، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} هذا فيه تنبيه وتهديد جاء عقيب تحليل وتحريم وذكر الحشر إذ فيه يظهر جزاء من أطاع وعصى.
الجيلاني
تفسير : {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة {جُنَاحٌ} حرج وضيق وتعب {فِيمَا طَعِمُوۤاْ} من المحرمات المذكورة قبل ورود تحريمها {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ} بعد ورودها عن غضب الله {وَآمَنُواْ} صدقوا تحريمها {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} المرخصة بمقتضاها بلا إخلال {ثُمَّ اتَّقَواْ} عن رخصها {وَآمَنُواْ} أي: أخلصوا بعزائمها {ثُمَّ اتَّقَواْ} عن عزائمها طالبين رضا الله {وَّأَحْسَنُواْ} في هذه التقوى، وتعبدوا الله كأنهم يرونه {وَٱللَّهُ} المحسن، المفضل لعباده {يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] منهم، الطالبين رضاه، المتشوقين لقاءه. ومن أجلٍّ الأمور المحرمة علكيم في دينكم: الاصطياد حال كونكم محرمين للحج. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ} ويختبرنكم {ٱللَّهُ بِشَيْءٍ} حقير {مِّنَ ٱلصَّيْدِ} حال كونكم محرمين يغشاكم بحيث {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} من غاية قربه، هل ما تأخذونه وتشوشونه، أم تحفظون أمر التحريم، وتراعون حقه، وما ذلك إلا {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} أي: يميز ويفصل {مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} أي: من انتقامه في يوم الجزاء عمَّن لا يخاف، ولا يبال بأمره وشأنه {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ} وتجاوز {بَعْدَ ذٰلِكَ} أي: بعدما سمع من الحق ما سمع {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 94] وعقاب عظيم باعتدائه واجترائه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما نزل تحريم الخمر والنهي الأكيد والتشديد فيه، تمنى أناس من المؤمنين أن يعلموا حال إخوانهم الذين ماتوا على الإسلام قبل تحريم الخمر وهم يشربونها. فأنزل الله هذه الآية، وأخبر تعالى أنه { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ } أي: حرج وإثم { فِيمَا طَعِمُوا } من الخمر والميسر قبل تحريمهما. ولما كان نفي الجناح يشمل المذكورات وغيرها، قيد ذلك بقوله: { إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: بشرط أنهم تاركون للمعاصي، مؤمنون بالله إيمانا صحيحا، موجبا لهم عمل الصالحات، ثم استمروا على ذلك. وإلا فقد يتصف العبد بذلك في وقت دون آخر. فلا يكفي حتى يكون كذلك حتى يأتيه أجله، ويدوم على إحسانه، فإن الله يحب المحسنين في عبادة الخالق، المحسنين في نفع العبيد، ويدخل في هذه الآية الكريمة، من طعم المحرم، أو فعل غيره بعد التحريم، ثم اعترف بذنبه وتاب إلى الله، واتقى وآمن وعمل صالحا، فإن الله يغفر له، ويرتفع عنه الإثم في ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):