Verse. 763 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللہُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَـنَالُہٗۗ اَيْدِيْكُمْ وَ رِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللہُ مَنْ يَّخَافُہٗ بِالْغَيْبِ۝۰ۚ فَمَنِ اعْتَدٰي بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَہٗ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۹۴
Ya ayyuha allatheena amanoo layabluwannakumu Allahu bishayin mina alssaydi tanaluhu aydeekum warimahukum liyaAAlama Allahu man yakhafuhu bialghaybi famani iAAtada baAAda thalika falahu AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لَيبلونَّكم» ليختبرنكم «الله بشيء» يرسله لكم «من الصيد تناله» أي الصغار منه «أيديكم ورماحكم» الكبار منه، وكان ذلك بالحديبية وهم مُحرمون فكانت الوحش والطير تغشاهم في حالهم «ليعلم الله» علم ظهور «من يخافه بالغيب» حال أي غائبا لم يره فيجتنب الصيد «فمن اعتدى بعد ذلك» النهي عنه فاصطاده «فله عذاب أليم».

94

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ } اعلم أن هذا نوع آخر من الأحكام، ووجه النظم أنه تعالى كما قال: {أية : لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ }تفسير : [المائدة: 87] ثم استثنى الخمر والميسر عن ذلك، فكذلك استثنى هذا النوع من الصيد عن المحللات، وبين دخوله في المحرمات. وهٰهنا مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ } لام القسم، لأن اللام والنون قد يكونان جواباً للقسم، وإذا ترك القسم جيء بهما دليلاً على القسم. المسألة الثانية: الواو في قوله {لَيَبْلُوَنَّكُمُ } مفتوحة لالتقاء الساكنين. المسألة الثالثة: ليبلونكم أي ليختبرن طاعتكم من معصيتكم أي ليعاملنكم معاملة المختبر. المسألة الرابعة: قال مقاتل بن حيّان: ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى كانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم، فيقدرون على أخذها بالأيدي، وصيدها بالرماح، وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عنها ابتلاءً. قال الواحدي: الذي تناله الأيدي من الصيد، الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار، وقال بعضهم: هذا غير جائز، لأن الصيد اسم للمتوحش الممتنع دون ما لم يمتنع. المسألة الخامسة: معنى التقليل والتصغير في قوله {بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ } أن يعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي يكون التكليف فيها صعباً شاقاً، كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، وإنما هو ابتلاء سهل، فإن الله تعالى امتحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بصيد البركما امتحن بني إسرائيل بصيد البحر، وهو صيد السمك. المسألة السادسة: من في قوله {مّنَ ٱلصَّيْدِ } للتبعيض من وجهين: أحدهما: المراد صيد البر دون البحر. والثاني: صيد الإحرام دون صيد الإحلال، وقال الزجاج: يحتمل أن تكون للتبيين كقوله {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلاْوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30]. المسألة السابعة: أراد بالصيد المفعول، بدليل قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ } والصيد إذا كان بمعنى المصدر يكون حدثاً، وإنما يوصف بنيل اليد والرماح ما كان عينا. ثم قال تعالى: {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن هذا مجاز لأنه تعالى عالم لم يزل ولا يزال واختلفوا في معناه فقيل نعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم وقيل ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف وقيل هذا على حذف المضاف والتقدير: ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب. المسألة الثانية: قوله {بِٱلْغَيْبِ } فيه وجهان: الأول: من يخافه حال إيمانه بالغيب كما ذكر ذلك في أول كتابه وهو قوله {أية : يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] الثاني: من يخاف بالغيب أي يخافه بإخلاص وتحقيق ولا يختلف الحال بسبب حضور أحد أو غيبته كما في حق المنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم. المسألة الثالثة: الباء في قوله {بِٱلْغَيْبِ } في محل النصب بالحال والمعنى من يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته ومثل هذا قوله {أية : مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [ق: 33] {أية : وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [الأنبياء: 49] وأما معنى الغيب فقد ذكرناه في قوله{أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3]. ثم قال تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والمراد عذاب الآخرة والتعزيز في الدنيا قال ابن عباس: هذا العذاب هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه. قال القفال: وهذا جائز لأن اسم العذاب قد يقع على الضرب كما سمى جلد الزانيين عذاباً فقال {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ } تفسير : [النور: 2] وقال {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] وقال حاكياً عن سليمان في الهدهد: {أية : لاعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً }تفسير : [النمل: 21].

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} أي ليختبرنكم، والابتلاء الاختبار. وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم، مستعملاً جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم، كما ابتلى بني إسرائيل في ألاّ يعتدوا في السبت. وقيل: إنها نزلت عام الحديبية؛ أحرم بعض الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحرم بعضهم، فكان إذا عرض صيدٌ اختلف فيه أحوالهم وأفعالهم، وٱشتبهت أحكامه عليهم، فأنزل الله هذه الآية بياناً لأحكام أحوالهم وأفعالهم، ومحظورات حجّهم وعُمرتهم. الثانية ـ اختلف العلماء من المخاطب بهذه الآية على قولين: أحدهما ـ أنهم المُحِلّون؛ قاله مالك. الثاني ـ أنهم المحرمون قاله ابن عباس؛ وتعلق بقوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ} فإن تكليف الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام. قال ابن العربي: وهذا لا يلزم؛ فإن التكليف يتحقق في المُحِّل بما شُرط له من أُمور الصيد، وما شُرع له من وصفه في كيفية الاصطياد. والصحيح أن الخطاب في الآية لجميع الناس مُحلّهم ومُحرمهم؛ لقوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} أي ليكلفنكم، والتكليف كله ابتلاء وإن تفاضل في الكثرة والقلة، وتباين في الضّعف والشدّة. الثالثة ـ قوله تعالى: {بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} يريد ببعض الصيد، فمِن للتبعيض، وهو صيد البر خاصّة؛ ولم يعمّ الصيد كله لأن للبحر صيدا، قاله الطَّبَريّ وغيره. وأراد بالصيد المصيد؛ لقوله: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}. الرابعة ـ قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} بيان لحكم صغار الصيد وكباره. وقرأ ٱبن وثّاب والنَّخَعيّ: «يناله» بالياء منقوطة من تحت. قال مجاهد: الأيدي تنال الفِراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفِر، والرّماح تنال كبار الصيد. وقال ٱبن وهب قال مالك قال الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} وكل شيء يناله الإنسان بيده أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله فهو صيد كما قال الله تعالى. الخامسة ـ خص الله تعالى الأيدي بالذكر لأنها عُظْم التصرف في الاصطياد؛ وفيها تدخل الجوارح والحِبالات، وما عمل باليد من فِخاخ وشِباك؛ وخص الرّماح بالذكر لأنها عُظْم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه؛ وقد مضى القول فيما يصاد به من الجوارح والسهام في أوّل السورة بما فيه الكفاية والحمد لله. السادسة ـ ما وقع في الفخّ والحِبالة فلربّها، فإن ألجا الصيد إليها أحد ولولاها لم يتهيأ له أخذه فربها فيه شريكه. وما وقع في الجُبَحْ المنصوب في الجبل من ذباب النّحل فهو كالحِبالة والفخّ، وحمام الأبرجة تُردّ على أربابها إن ٱستطِيع ذلك، وكذلك نحل الجِباح؛ وقد روي عن مالك. وقال بعض أصحابه: إنه ليس على من حصل الحمام أو النحل عنده أن يردّه. ولو ألجأت الكلاب صيداً فدخل في بيت أحد أو داره فهو للصائد مرسِل الكلاب دون صاحب البيت، ولو دخل في البيت من غير ٱضطرار الكلاب له فهو لرب البيت. السابعة ـ ٱحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية؛ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعدُ شيئاً، وهو قول أبي حنيفة. الثامنة ـ كره مالك صيد أهل الكتاب ولم يحرمه، لقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} يعني أهل الإيمان، لقوله تعالى في صدر الآية: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فخرج عنهم أهل الكتاب. وخالفه جمهور أهل العلم، لقوله تعالى: {وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} وهو عندهم مثل ذبائحهم. وأجاب علماؤنا بأن الآية إنما تضمنت أكل طعامهم، والصيد باب آخر فلا يدخل في عموم الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه. قلت: هذا بناء على أن الصيد ليس مشروعاً عندهم فلا يكون من طعامهم، فيسقط عنا هذا الإلزام؛ فأما إن كان مشروعاً عندهم في دينهم فيلزمنا أكله لتناول اللفظ له، فإنه من طعامهم. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ} نزلت في عام الحديبية ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في بشيء للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عند ما هو أشد منه. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } ليتيمز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره أو تعلق العلم. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} بعد ذلك الابتلاء بالصيد. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فالوعيد لاحق به، فإن من لا يملك جأشه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه وأحرص عليه.

ابن كثير

تفسير : قال الوالبي عن ابن عباس قوله: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ} قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاؤوا لتناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه. وقال مجاهد: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} يعني: صغار الصيد وفراخه، {وَرِمَـٰحُكُمْ} يعني: كباره. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد، يغشاهم في رحالهم يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سراً وجهراً؛ لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِٱلْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [الملك:12] وقوله ههنا {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ} قال السدي وغيره: يعني: بعد هذا الإعلام والإنذار والتقدم، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: لمخالفته أمر الله وشرعه. ثم قال تعالى: {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى: المأكول، وما يتولد منه ومن غيره، فأما غير المأكول من حيوانات البر، فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضاً، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين من طريق الزهري عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور»تفسير : . وقال مالك: عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» تفسير : أخرجاه، ورواه أيوب عن نافع عن ابن عمر مثله. قال أيوب: فقلت لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك فيها، ولا يختلف في قتلها. ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد؛ لأنها أشد ضرراً منه، فالله أعلم. وقال زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها، واستأنس من قال بهذا بما روي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما دعا على عتبة بن أبي لهب، قال: «حديث : اللهم سلط عليه كلبك بالشام» تفسير : فأكله السبع بالزرقاء، قالوا: فإن قتل ما عداهن، فداه؛ كالضبع والثعلب وهرّ البر، ونحو ذلك، قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي. وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل مالا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العلة الجامعة كونها لا تؤكل. وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم الكلب العقور والذئب، لأنه كلب بري، فإن قتل غيرهما، فداه، إلا أن يصول عليه سبع غيرهما، فيقتله، فلا فداء عليه. وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي. وقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك، وإن صال عليه. وقال بعض الناس: المراد بالغراب ههنا الأبقع، وهو الذي في بطنه وظهره بياض، دون الأدرع، وهو الأسود، والأعصم، وهو الأبيض؛ لما رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خمس يقتلهن المحرم: الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب الأبقع، والكلب العقور» تفسير : والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك؛ لما ثبت في الصحيحين من إطلاق لفظه. وقال مالك رحمه الله: لا يقتل المحرم الغراب، إلا إذا صال عليه وآذاه. وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله، بل يرميه، ويروى مثله عن علي. وقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد: عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سئل عما يقتل المحرم؟ فقال: «حديث : الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي» تفسير : رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، والترمذي عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم، وابن ماجه عن أبي كريم، وعن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن علية عن أيوب قال: نبئت عن طاوس أنه قال: لا يحكم على من أصاب صيداً خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمداً، وهذا مذهب غريب عن طاوس، وهو متمسك بظاهر الآية، وقال مجاهد بن جبر: المراد بالمتعمد هنا القاصد إلى قتل الصيد، الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه، فذاك أمره أعظم من أن يكفر، وقد بطل إحرامه، ورواه ابن جرير عنه من طريق ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم، وغيرهما عنه، وهو قول غريب أيضاً، والذي عليه الجمهور أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد، وجرت السنة على الناسي، ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد، وعلى تأثيمه بقوله: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} وجاءت السنة من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ، كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضاً فإن قتل الصيد إتلاف، والإتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم، والمخطىء غير ملوم. وقوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} قرأ بعضهم بالإضافة، وقرأ آخرون بعطفها {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}، وحكى ابن جرير، أن ابن مسعود قرأها: {فجزاؤه - مثل ما قتل من النعم}. وفي قوله: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور؛ من وجوب الجزاء من مثل ما قتله المحرم، إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله؛ حيث أوجب القيمة، سواء كان الصيد المقتول مثلياً، أو غير مثلي، قال: وهو مخير، إن شاء تصدق بثمنه، وإن شاء اشترى به هدياً، والذي حكم به الصحابة في المثل أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحش ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثلياً، فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة، رواه البيهقي. وقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثل، أو بالقيمة في غير المثل، عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل: هل يجوز أن يكون أحد الحكمين؟ على قولين: (أحدهما): لا؛ لأنه قد يتهم في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك. (والثاني): نعم؛ لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، واحتج الأولون بأن الحاكم لا يكون محكوماً عليه في صورة واحدة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا جعفر، هو ابن برقان، عن ميمون بن مهران: أن أعرابياً أتى أبا بكر، فقال: قتلت صيداً وأنا محرم، فما ترى علي من الجزاء؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه لأبي بن كعب، وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك، فإذا أنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} فشاورت صاحبي، حتى إذا اتفقنا على أمر، أمرناك به، وهذا إسناد جيد، لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق، ومثله يحتمل ههنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابياً جاهلاً، وإنما دواء الجهل التعليم، فأما إذا كان المعترض منسوباً إلى العلم، فقد قال ابن جرير: حدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي،قالا: حدثنا وكيع بن الجراح عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجاً، فكنا إذا صلينا الغداة، اقتدنا رواحلنا، فنتماشى نتحدث. قال: فبينما نحن ذات غداة، إذ سنح لنا ظبي أو برح، فرماه رجل كان معنا بحجر، فما أخطأ خُشَّاءَهُ، فركب رَدْعَه ميتاً. قال: فَعَظَّمْنا عليه، فلما قدمنا مكة، خرجت معه، حتى أتينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقص عليه القصة، فقال: وإذا إلى جنبه رجل، كأن وجهه قلب فضة، يعني: عبد الرحمن بن عوف، فالتفت عمر إلى صاحبه، فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل، فقال: أعمداً قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه، وما أردت قتله، فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها، وتصدق بلحمها، واستبق إهابها، قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل عظم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها؛ فلعل ذلك، يعني: أن يجزىء عنك، قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} فبلغ عمر مقالتي، فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدرة، قال: فعلا صاحبي ضرباً بالدرة، وجعل يقول: أقتلت في الحرم وسفهت في الحكم؟ قال: ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئاً يحرم عليك مني، فقال: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بين اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة، وخلق سيىء، فيفسد الخلق السيىء الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب. وروى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة، بنحوه. ورواها أيضاً عن حصين، عن الشعبي، عن قبيصة، بنحوه. وذكرها مرسلة عن عمر بن بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين بنحوه. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن منصور، عن أبي وائل، أخبرني ابن جرير البجلي، قال: أصبت ظبياً وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك، فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن وسعداً، فحكما علي بتيس أعفر. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة عن مخارق، عن طارق، قال: أوطأ أربد ظبياً، فقتلته وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}، وفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين، كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله، واختلفوا: هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل، وإن كان قد حكم في مثله الصحابة، أو يكتفى بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين، فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعاً مقرراً لا يعدل عنه، ومالم يحكم فيه الصحابة، يرجع فيه إلى عدلين. وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد، سواء وجد للصحابة في مثله حكم، أم لا؛ لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}. وقوله تعالى: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ} أي: واصلاً إلى الكعبة، والمراد: وصوله إلى الحرم؛ بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. وقوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} أي: إذا لم يجد المحرم مثل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام؛ كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولي الشافعي، والمشهور عن أحمد، رحمهم الله، لظاهر «أو» بأنها للتخيير، والقول الآخر أنها على الترتيب، فصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم. وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجوداً، ثم يشترى به طعام، فيتصدق به، فيصرف لكل مسكين مد منه، عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مدين، وهو قول مجاهد. وقال أحمد: مد من حنطة، أو مدان من غيره، فإن لم يجد، أو قلنا بالتخيير، صام عن إطعام كل مسكين يوماً؛ وقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يوماً؛ كما في جزاء المترفه بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب ابن عجرة أن يقسم فرقاً بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق ثلاثة آصع، واختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: مكانه الحرم، وهو قول عطاء. وقال مالك: يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد، أو أقرب الأماكن إليه. وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره. ذكر أقوال السلف في هذا المقام قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قوله الله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} قال: إذا أصاب المحرم الصيد، حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه، ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد، نظر كم ثمنه، ثم قوم ثمنه طعاماً، قال الله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً}، قال: إنما أريد بالطعام والصيام، أنه إذا وجد الطعام، وجد جزاؤه، ورواه ابن جرير من طريق جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً}، فإذا قتل المحرم شيئاً من الصيد، حكم عليه فيه، فإن قتل ظبياً أو نحوه، فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد، فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلاً أو نحوه، فعليه بقرة، فإن لم يجد، أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد، صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه، فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد، أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وزاد: الطعام مدّ مدّ يشبعهم، وقال جابر الجعفي، عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد: {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} قالوا: إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي، رواه ابن جرير، وكذا روى ابن جريج عن مجاهد وأسباط عن السدي أنها على الترتيب. وقال عطاء وعكرمة ومجاهد في رواية الضحاك وإبراهيم النخعي: هي على الخيار، وهي رواية الليث عن مجاهد، عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير رحمه الله. وقوله: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي: أوجبنا عليه الكفارة؛ ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} أي: في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإسلام، واتبع شرع الله، ولم يرتكب المعصية، ثم قال: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه، {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}. قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف}؟ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: وما {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}؟ قال: ومن عاد في الإسلام، فينتقم الله منه، وعليه مع ذلك الكفارة. قال: قلت: فهل في العود من حد تعلمه؟ قال: لا، قال: قلت: فترى حقاً على الإمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله عز وجل، ولكن يفتدي، رواه ابن جرير. وقيل: معناه: فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن جبير وعطاء، ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد، وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر، سواء الخطأ في ذلك والعمد. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قال: من قتل شيئاً من الصيد خطأ، وهو محرم، يحكم عليه فيه كلما قتله، فإن قتله عمداً، يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد، يقال له: ينتقم الله منك؛ كما قال الله عز وجل. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي، جميعاً عن هشام، هو ابن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس، فيمن أصاب صيداً فحكم عليه ثم عاد، قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه. وهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، رواهن ابن جرير، ثم اختار القول الأول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، حدثنا المعتمر بن سليمان عن زيد بن أبي المعلى، عن الحسن البصري: أن رجلاً أصاب صيداً، فتجوز عنه، ثم عاد، فأصاب صيداً آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}. وقال ابن جرير في قوله: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ} يقول ــ عز ذكره ــ: والله منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خلقه، والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: {ذُو ٱنتِقَامٍ} يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ } ليختبرنَكَّم {ٱللَّهُ بِشَىْءٍ } يرسله لكم {مّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ } أي الصغار منه {أَيْدِيكُمْ وَرِمَٰحُكُمْ } الكبار منه، وكان ذلك بالحديبية وهم محرمون فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } علم ظهور {مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } حال أي غائباً لم يره فيجتنب الصيد {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } النهي عنه فاصطاده {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ } أي ليختبرنكم، واللام جواب قسم محذوف، كان الصيد أحد معايش العرب فابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم، كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت، وكان نزول الآية في عام الحديبية، أحرم بعضهم وبعضهم لم يحرم، فكان إذا عرض صيدهم اختلفت فيه أحوالهم. وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية، هل هم المحلون أو المحرمون؟ فذهب إلى الأوّل: مالك وإلى الثاني: ابن عباس، والراجح أن الخطاب للجميع، ولا وجه لقصره على البعض دون البعض، و«من» في {مّنَ ٱلصَّيْدِ } للتبعيض وهو صيد البر، قاله ابن جرير الطبري وغيره؛ وقيل: إن «من» بيانية أي شيء حقير من الصيد، وتنكير {شيء} للتحقير. قوله: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ } قرأ ابن وثاب: "يناله" بالياء التحتية، هذه الجملة تقتضي تعميم الصيد، وأنه لا فرق بين ما يؤخذ باليد، وهو ما لا يطيق الفرار كالصغار والبيض، وبين ما تناله الرماح: وهو ما يطيق الفرار، وخصّ الأيدي بالذكر لأنها أكثر ما يتصرّف به الصائد في أخذ الصيد، وخص الرماح بالذكر؛ لأنها أعظم الآلات للصيد عند العرب. قوله: {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْب} أي: ليتميز عند الله من يخافه منكم بسبب عقابه الأخروي فإنه غائب عنكم غير حاضر، {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي بعد هذا البيان الذي امتحنكم الله به، لأن الاعتداء بعد العلم بالتحريم معاندة لله سبحانه وتجرئة عليه. قوله: {أية : لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}تفسير : [المائدة: 1] نهاهم عن قتل الصيد في حال الإحرام، وفي معناه {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} وهذا النهي شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم، لأنه يقال رجل حرام وامرأة حرام والجمع حرم، وأحرم الرجل: دخل في الحرم. قوله: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } المتعمد: هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، والمخطىء: هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً، والناسي: هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. وقد استدل ابن عباس، وأحمد في رواية، وداود عنه باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة على غيره، بل لا تجب إلا عليه وحده. وبه قال سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو ثور. وقيل: إنها تلزم الكفارة المخطىء والناسي كما تلزم المتعمد، وجعلوا قيد التعمد خارجاً مخرج الغالب، روي عن عمر، والحسن، والنخعي، والزهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم، وروي عن ابن عباس. وقيل: إنه يجب التكفير على العامد الناسي لإحرامه، وبه قال مجاهد، قال: فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حلّ، ولا حج له، لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. قوله: {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } أي فعليه جزاء مماثل لما قتله، و{من النعم} بيان للجزاء المماثل. قيل: المراد المماثلة في القيمة، وقيل: في الخلقة. وقد ذهب إلى الأوّل: أبو حنيفة، وذهب إلى الثاني: مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وهو الحق لأن البيان المماثل للنعم يفيد ذلك، وكذلك يفيده هدياً بالغ الكعبة. وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل، وأن المحرم مخير. وقرىء: "فَجَزَاؤُهُ مّثْلُ مَا قَتَلَ" وقرىء: "فَجَزَاء مّثْلُ" على إضافة جزاء إلى مثل، وقرىء بنصبهما على تقدير فليخرج جزاء مثل ما قتل، وقرأ الحسن "ٱلنَّعَمِ" بسكون العين تخفيفاً. {يَحْكُمُ بِهِ } أي بالجزاء أو بمثل ما قتل {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين، فإذا حكما بشيء لزم، وإن اختلفا رجع إلى غيرهما، ولا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين وقيل يجوز، وبالأوّل قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي في أحد قوليه: وظاهر الآية يقتضي حكمين غير الجاني. قوله: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } نصب هدياً على الحال، أو البدل من {مثل}، و{بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } صفة لهدياً؛ لأن الإضافة غير حقيقية، والمعنى: أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك، والإشعار والتقليد، ولم يرد الكعبة بعينها، فإن الهدي لا يبلغها، وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. قوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ } معطوف على محل من النعم: وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، و{طَعَامُ مَسَـٰكِينَ } عطف بيان لكفارة، أو بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ } معطوف على طعام. وقيل هو معطوف على جزاء، وفيه ضعف، فالجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة، وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، و{صِيَاماً } منصوب على التمييز، وقد قرّر العلماء عدل كل صيد من الإطعام والصيام، وقد ذهب إلى أن الجاني يخير بين الأنواع المذكورة جمهور العلماء. وروي عن ابن عباس أنه لا يجزىء المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدي. والعدل بفتح العين وكسرها لغتان، وهما الميل قاله الكسائي. وقال الفراء: عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، وبمثل قول الكسائي قال البصريون. قوله: {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } عليه لإيجاب الجزاء: أي أوجبنا ذلك عليه ليذوق وبال أمره، والذوق مستعار لإدراك المشقة، ومثله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }تفسير : [الدخان: 49] والوبال: سوء العاقبة، والمرعى الوبيل: الذي يتأذى به بعد أكله، وطعام وبيل: إذا كان ثقيلاً. قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف } يعني في جاهليتكم من قتلكم للصيد. وقيل عما سلف قبل نزول الكفارة {وَمَنْ عَادَ } إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد بعد هذا البيان {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } خبر مبتدأ محذوف؛ أي فهو ينتقم الله منه. وقيل المعنى: إن الله ينتقم منه في الآخرة فيعذبه بذنبه. وقيل: ينتقم منه بالكفارة. قال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أوّل مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له: اذهب ينتقم الله منك: أي ذنبك أعظم من أن يكفر. قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } الخطاب لكل مسلم أو للمحرمين خاصة، وصيد البحر ما يصاد فيه؛ والمراد بالبحر هنا كل ماء يوجد فيه صيد بحريّ وإن كان نهراً أو غديراً. قوله: {وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} الطعام لكل ما يطعم، وقد تقدّم. وقد اختلف في المراد به هنا فقيل: هو ما قذف به البحر وطفا عليه، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين؛ وقيل طعامه ما ملح منه وبقي، وبه قال جماعة، وروي عن ابن عباس؛ وقيل طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره، وبه قال قوم. وقيل المراد به ما يطعم من الصيد: أي ما يحل أكله وهو السمك فقط، وبه قالت الحنفية. والمعنى: أحلّ لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحلّ لكم المأكول منه وهو السمك، فيكون التخصيص بعد التعميم، وهو تكلف لا وجه له، ونصب {متاعاً} على أنه مصدر: أي متعتم به متاعاً، وقيل: مفعول له مختص بالطعام: أي أحلّ لكم طعام البحر متاعاً، وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير، بل إذا كان مفعولاً له كان من الجميع، أي أحلّ لكم مصيد البحر وطعامه تمتيعاً لكم، أي لمن كان مقيماً منكم يأكله طرياً {وَلِلسَّيَّارَةِ } أي المسافرين منكم يتزوّدونه ويجعلونه قديداً، وقيل السيارة: هم الذين يركبونه خاصة. قوله: {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } أي حرّم عليكم ما يصاد في البر ما دمتم محرمين، وظاهره تحريم صيده على المحرم ولو كان الصائد حلالاً، وإليه ذهب الجمهور إن كان الحلال صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث؛ وقيل إنه يحلّ له مطلقاً، وإليه ذهب جماعة: وقيل يحرم عليه مطلقاً، وإليه ذهب آخرون، وقد بسطنا هذا في شرحنا للمنتقى. قوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي اتقوا الله فيما نهاكم عنه. {الذي إليه تحشرون} لا إلى غيره، وفيه تشديد ومبالغة في التحذير. وقرىء: "وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ" بالبناء للفاعل وقرىء "مَا دُمْتُمْ" بكسر الدال. قوله: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ } جعل هنا بمعنى خلق، وسميت الكعبة كعبة لأنها مربعة، والتكعيب التربيع، وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة؛ وقيل سميت كعبة لنتوئها وبروزها، وكل بارز كعب مستديراً كان أو غير مستدير، ومنه كعب القدم، وكعوب القنا، وكعب ثدي المرأة، و{ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } عطف بيان، وقيل: مفعول ثان ولا وجه له، وسمي بيتاً؛ لأن له سقوفاً وجدراً وهي حقيقة البيت، وإن لم يكن به ساكن، وسمي حراماً لتحريم الله سبحانه إياه. وقوله: {قِيَاماً لّلنَّاسِ } كذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عامر "قَيِّماً" وهو منصوب على أنه المفعول الثاني إن كان جعل هو المتعدي إلى مفعولين، وإن كان بمعنى خلق كما تقدّم، فهو منتصب على الحال، ومعنى كونه قياماً: أنه مدار لمعاشهم ودينهم: أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم: يأمن فيه خائفهم، وينصر فيه ضعيفهم، ويربح فيه تجارهم، ويتعبد فيه متعبدهم. قوله: {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } عطف على الكعبة، وهو ذو الحجة، وخصه من بين الأشهر الحرم؛ لكونه زمان تأدية الحج، وقيل: هو اسم جنس. والمراد به: الأشهر الحرم، ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرّم، ورجب، فإنهم كانوا لا يطلبون فيها دماً، ولا يقاتلون بها عدواً، ولا يهتكون فيها حرمة، فكانت من هذه الحيثية قياماً للناس {وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ} أي وجعل الله الهدي والقلائد قياماً للناس. والمراد بالقلائد: ذوات القلائد من الهدي، ولا مانع من أن يراد بالقلائد أنفسها، والإشارة بذلك إلى الجعل أي ذلك الجعل {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ } أي لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أمر السموات والأرض، ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما فيهما، فكل ما شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم، ودفع لما يضرّكم {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } هذا تعميم بعد التخصيص، ثم أمرهم بأن يعلموا بأن الله لمن انتهك محارمه ولم يتب عن ذلك شديد العقاب، وأنه لمن تاب وأناب غفور رحيم، ثم أخبرهم أن ما على رسوله إلا البلاغ لهم، فإن لم يمتثلوا ويطيعوا فما ضرّوا إلا أنفسهم، وما جنوا إلا عليها، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه، وقام بما أمره الله به. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } قال: إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه، وفي قوله: {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } قال: إذا قتل المحرم شيئاً من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلاً ونحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ستين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً، والطعام مدّ يشبعهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن الحكم، أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد. وأخرجا نحوه عن عطاء. وقد روي نحو هذا عن جماعات من السلف، من غير فرق بين العامد والخاطىء والناسي، وروي عن آخرين اختصاص ذلك بالعامد. وللسلف في تقدير الجزاء المماثل، وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال في بيضة النعام: «حديث : صيام يوم أو إطعام مسكين»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن ذكوان، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله. وأخرج أيضاً عن عائشة، عنه صلى الله عليه وسلم نحوه. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، من طريق أبي المهزّم عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في بيض النعام ثمنه»تفسير : . وقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم من حيوانات الحرم الخمس الفواسق، كما ورد ذلك في الأحاديث فإنه يجوز للمحرم أن يقتلها ولا شيء عليه. وأخرج ابن جرير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ } "حديث : ما لفظه ميتاً فهو طعامه"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة موقوفاً مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي بكر الصدّيق نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة أن أبا بكر الصدّيق قال في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } قال: صيد البحر ما تصطاده أيدينا، وطعامه مالاثه البحر، وفي لفظ «طعامه كل ما فيه». وفي لفظ «طعامه ميتته». ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل الصحابة منها، وقرّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وحديث هو: «حديث : الطهور ماؤه والحل ميتته»تفسير : . وحديث: «حديث : أحلّ لكم ميتتان ودمان»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ } قال: قياماً لدينهم ومعالم حجهم. وأخرج ابن جرير، عنه قال: قيامها أن يأمن من توجه إليها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب قال: جعل الله الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام قياماً للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى، لا يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت، أو في الحرم، أو في الشهر الحرام. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ } قال: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام، لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر، فحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الأذخر أو من السمر، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. وأخرج أبو الشيخ، عن زيد بن أسلم {قِيَاماً لّلنَّاسِ } قال أمنا.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلَوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ} في قوله ليبلونكم تأويلان: أحدهما: معناه لَيُكَلِّفَنَّكُمْ. الثاني: لَيَخْتَبِرَنَّكُم، قاله قطرب، والكلبي. وفي قوله: {مِّنَ الصَّيْدِ} قولان: أحدهما: أن {مِّنَ} للتبعيض في هذا الموضع لأن الحكم متعلق بصيد البَرِّ دون البحر، وبصيد الحرم والإِحرام دون الحل والإِحلال. والثاني: أن {مِّنَ} في هذا الموضع داخلة لبيان الجنس نحو قوله تعالى: {أية : اجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30] قاله الزجاج. {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: ما تناله أيدينا: البيض، ورماحنا: الصيد، قال مجاهد. والثاني: ما تناله أيدينا: الصغار، ورماحنا: الكبار، قاله ابن عباس. {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن معنى ليعلم الله: ليرى، فعبر عن الرؤية بالعلم لأنها تؤول إليه، قاله الكلبي. والثاني: ليعلم أولياؤه من يخافه بالغيب. والثالث: لتعلموا أن الله يعلم من يخافه بالغيب. والرابع: معناه لتخافوا الله بالغيب، والعلم مجاز، وقوله: {بِالْغَيْبِ} يعني بالسر كما تخافونه في العلانية. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} يعني فمن اعتدى في الصيد بعد ورود النهي. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم، قال الكلبي: نزلت يوم الحديبية وقد غشي الصيد الناس وهم محرمون. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني الإِحرام بحج أو عمرة، قاله الأكثرون. والثاني: يعني بالحرم الداخل إلى الحرم، يقال أحرم إذا دخل في الحرم، وأَتْهَمَ إذا دخل تهامة، وأَنْجَدَ إذا دخل نجد، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم. قاله بعض البصريين. والثالث: أن اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل الحرم، وحكم قتل الصيد فيهما على سواء بظاهر الآية، قاله علي بن أبي هريرة. {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فيه قولان: أحدهما: متعمداً لقتله، ناسياً لإحرامه،قاله مجاهد، وإبراهيم، وابن جريج. والثاني: متعمداً لقتله ذاكراً لإِحرامه، قاله ابن عباس، وعطاء، والزهري. واختلفوا في الخاطىء في قتله الناسي لإِحرامه على قولين. أحدهما: لا جزاء عليه، قاله داود. الثاني: عليه الجزاء، قاله مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. {فَجَزآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} يعني أن جزاء القتل فى الحرم أو الإِحرام مثل ما قتل من النعم. وفي مثله قولان: أحدهما: أن قيمة الصيد مصروفة في مثله من النعم، قاله أبو حنيفة. والثاني: أن عليه مثل الصيد من النعم في الصورة والشبه قاله الشافعي. {يَحْكُمْ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} يعني بالمثل من النعم، فلا يستقر المثل فيه إلا بحكم عدلين فقيهين، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما. {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} يريد أن مثل الصيد من النعم يلزم إيصاله إلى الكعبة، وعنى بالكعبة جميع الحرم، لأنها في الحرم. واختلفوا هل يجوز أن يهدي في الحرم ما لا يجوز في الأضحية من صغار الغنم على قولين: أحدهما: لا يجوز قاله: أبو حنيفة. الثاني: يجوز، قاله الشافعي. {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامٌ مَسَاكِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنه يُقَوِّم المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعاماً، قاله عطاء، والشافعي. الثاني: يقوِّم الصيد ويشتري بالغنيمة طعاماً، قاله قتادة، وأبو حنيفة. {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} يعني عدل الطعام صياماً، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يصوم عن كل مد يوماً، قاله عطاء، والشافعي. والثاني: يصوم عن كل مد ثلاثة أيام، قاله سعيد بن جبير. والثالث: يصوم عن كل صاع يومين، قاله ابن عباس. واختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة، هل هو على الترتيب أو التخيير على قولين: أحدهما: على الترتيب، إن لم يجد المثل فالإطعام، فإن لم يجد الطعام فالصيام، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعامر، وإبراهيم، والسدي. والثاني: أنه على التخيير في التكفير بأي الثلاثة شاء، قاله عطاء، وهو أحد قولي ابن عباس، ومذهب الشافعي. {لِّيذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} يعني في التزام الكفارة، ووجوب التوبة. {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} يعني قبل نزول التحريم. {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} فيه قولان: أحدهما: يعني ومن عاد بعد التحريم، فينتقم الله منه بالجزاء عاجلاً، وعقوبة المعصية آجلاً. والثاني: ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله، فينتقم الله منه. وعلى هذا التأويل قولان: أحدهما: فينتقم الله منه بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء، قاله ابن عباس، وداود. والثاني: بالجزاء مع العقوبة، قاله الشافعي، والجمهور.

ابن عبد السلام

تفسير : ـ قوله عزّ وجلّ: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ} في قوله ليبلونكم تأويلان: أحدهما: معناه ليكلفنكم، والثاني: ليختبرنكم قاله قطرب والكلبي. وفي قوله {مِّنَ الصَّيْدِ} قولان: أحدهما: أن "من" للتبعيض في هذا الموضع لأن الحكم يتعلق بصيد البردون البحر، وبصيد الحرم والإحرام دون الحل والإحلال، والثاني: أن "من" في هذا الموضع داخلة للتجنيس نحو قوله: { أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30] قال الزجاج. {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} فيه تأويلان، أحدهما: ما تناله [أيدينا] البيض، ورماحنا الصيد قاله مجاهد، والثاني: ما تناله أيدينا الصغار ورماحنا الكبار قاله ابن عباس. {لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فيه أربعة تأويلات أحدها: أنّ معنى ليعلم ليرى فعبّر عن الرؤية بالعلم لأنها تؤول إليه قاله الكلبي، والثاني: معناه ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب، "والثالث: معناه ليعلموا أنّ الله يعلم من يخافه بالغيب" والرابع: معناه ليخافوا الله بالغيب والعلم مجاز. وقوله {بِالْغَيْبِ} يعني في السرّ كما يخافونه في العلانية, {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} يعني فمن اعتدى في قتل الصيد بعد ورود النهي {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم قال الكلبي نزلت يوم الحديبية وقد غشى الصيد الناس وهم محرمون بعمرة.

ابن عادل

تفسير : اللام جواب قسم محذوفٍ، أي: واللَّهِ، ليَبْلُونَّكُمْ، وقد تقدَّم أنه تَجِبُ اللامُ وإحدى النونَيْن في مثل هذا الجواب واللام في "لَيبْلونَّكُمْ" مفتوحة لالتقاء الساكنين. قوله تعالى: "بِشَيءٍ" متعلِّقٌ بـ "لَيَبلُونَّكُمْ" أي: لَيَخْتبرنَّكُمْ بشيءٍ؛ وقوله تعالى: "مِنَ الصَّيْدِ": في محلِّ جرٍّ صفةً لـ "شَيْء" فيتعلَّقُ بمحذوف، و"مِن" الظاهرُ أنها تبعيضيةٌ؛ لأنه لم يُحَرِّم صيدَ الحلال، ولا صيدَ الحِلِّ، ولا صيد البْحرِ، وقيل: إنها لبيان الجِنْسِ، وقال مكيٌّ: "وقيل "مِنْ" لبيان الجنس، فلما قال "بِشَيء" لم يُعْلَمْ من أي جنْسٍ هو: فبيَّن، فقال: "مِنَ الصَّيْدِ"؛ كما تقولُ: لأعْطِيَنَّكَ شَيْئاً مِنَ الذَّهَب"، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء، ثم قال: "وقيل: إنَّها للتبعيض"، وكونُها للبيان فيه نظرٌ؛ لأنَّ الصَّحيحَ أنها لا تكونُ للبيان، والقائلُ بأنها للبيان يُشْترطُ أنْ يكونَ المُبَيَّنُ بها معرَّفاً بألِ الجنسيَّة؛ كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]، وبه قال ابن عطيَّة أيضاً، والزَّجَّاج هو الأصل في ذلك، فإنه قال: وهذا كما تقولُ: "لأمْتَحِنَنَّكَ بِشَيءٍ مِنَ الرِّزْقِ"، وكما قال تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : [الحج: 30]. والمرادُ بالصَّيْد: المَصِيدُ، لقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} والصَّيْدُ إذا كان بِمَعْنَى المصدرِ يكون حدثاً، وإنما يُوصفُ بِنَيْلِ الأيْدِي والرِّمَاحِ ما يكونُ عَيْناً. قوله تعالى: "تَنَالُهُ" في محلِّ جر؛ لأنَّه صفةٌ ثانيةٌ لـ "شَيْء"، وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً: إمَّا من الصَّيْد، وإمَّا من "شَيْء"، وإن كان نكرة؛ لأنه قد وُصِفَ فتخصَّصَ، واستبعدَ أبو حيان جَعْلَه حالاً من الصَّيْد، ووجهُ الاستبعادِ: أنه ليس المقصودَ بالحديثِ عنه، وقرأ الجُمْهُور: "تَنَالُهُ" بالمنقوطةِ فوقُ؛ لتأنيثِ الجمع، وابنُ وثَّاب والنخعي بالمنقوطةِ من تحْتُ؛ لأنَّ تأنيثه غيرُ حقيقيٍّ. فإن قيل: نزلتْ هذه الآيةُ عام "الحُدَيْبِيَةِ"، وكانوا مُحْرِمِينَ ابتلاهُمُ اللَّه بالصَّيْد، وكانت الوُحُوش تَغْشَى رحالَهُم من كَثْرَتِها، فهمُّوا بأخْذِهَا، فنَزَلَتْ هذه الآيَةُ أي: لَيَخْتَبِرَنَّكُمْ. وفائِدَةُ البَلْوَى: إظْهَارُ المُطِيعِ من العَاصِي، وإنَّما بَعَّضَ الصَّيْد؛ لأنه ابتلاهُم بِصَيْدِ البَرِّ خاصَّةً، وقيل: صَيْد الإحْرامِ دونَ صَيْدِ الإحلالِ. وقوله تعالى: "تَنَالُهُ أيْدِيكُمْ" يعني: الفَرْخَ والبَيْضَ، وما لا يَقْدِرُ أن يضِرَّ من صِغَارِ الصَّيْدِ، و"رِمَاحُكُمْ" يعني: الكِبَار من الصَّيْدِ "لِيَعْلَمَ اللَّهُ" قاله الواحدي وغيره، وقال مُقَاتِل بن حيان: كانت الوُحُوشُ والطَّيْر تَغْشَاهُم في رِحَالِهِم، حتى يَقْدِرُون على أخْذِهَا بالأيدي، وصَيْدِهَا بالرِّمَاحِ. وقال بعضهم: هذا غَيْر جَائزٍ؛ لأن الصَّيْد المُتوحِّش هو المُمْتَنِعُ دون ما لاَ يَمْتَنِع. "ليَعْلَمَ اللَّهُ" قيل: اللامُ متعلِّقةٌ بـ "لَيَبْلُونَّكُمْ"، والمعنى: ليتميَّزَ أو ليظهر لكم، وقد مضى تحقيقُه في البقرة، وأنَّ هذه تسمَّى لام كي، وقرأ بعضهم: "لِيُعْلِمَ" بضم الياء وكسر اللام من "أعْلَمَ"، والمفعول الأوَّل على هذه القراءة محذوفٌ، أي: لِيُعْلِمَ اللَّهُ عِبَادَهُ، والمفعول الثاني هو قوله: "مَنْ يَخَافُهُ" فَـ "أعْلَمَ" منقولةٌ بهمزة التعدية لواحدٍ بمعنى "عَرَفَ" وهذا مجازٌ؛ لأنَّه - تعالى - عَالِمٌ لَمْ يَزَلْ ولا يَزَالُ، واخْتَلَفُوا في معناه، فَقِيلَ، يعامِلُكُم مُعَامَلَةَ من يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ، وقيل: لِيظهر المَعْلُوم، وهو خَوْفُ الخَائِفِ، وقيل: هذا بِحَذْفِ المُضَافِ والتَّقْدِيرٌ: لِيَعْلَمَ أوْلِيَاءُ اللَّهِ من يَخَافُهُ بالغَيْبِ، وقِيلَ: ليرى اللَّه لأنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ. وقوله تعالى: "بالغَيْبِ" أي: يَخَافُ اللَّه ولمْ يَرَه، كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الأنبياء: 49] أي: يَخَافُون، فلا يَصْطَادُون في حال الإحرامِ، وكقوله تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3]، وقيل: معنى يَخَافُهُ بالغَيْبِ أي: بإخلاصٍ وتحْقِيقٍ، ولا يختلف الحالُ بسِبَبِ حضُورِ واحدٍ أو غَيْبَتِهِ، كما في حقِّ المُنَافِقِين الذين {أية : إِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 14]. قوله تعالى: "بالغَيْبِ" في محلِّ نصب على الحال من فاعل "يَخَافُهُ"، أي: يخافُه مُلْتَبِساً بالغيبِ، وقد تقدَّم معناه في البقرة [الآية 3]. والمعنى: من يخافُهُ حال كونهِ غَائباً عن رُؤيتِهِ، كقوله تعالى: {أية : مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [ق: 33]. وجوَّز أبو البقاء ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكرناه. والثاني: أنه حالٌ مِنْ "مَنْ" في "مَنْ يَخَافُهُ". والثالث: أنَّ الباءَ بمعنى "في"، والغيب مصدرٌ واقعٌ موقع غائبٍ، أي: يخافه في المكانِ الغائب عن الخَلْقِ، فعلى هذا يكونُ متعلِّقاً بنفْسِ الفعل قبله، وعلى الأوَّلَيْن يكونُ متعلِّقاً بمحذوفٍ على ما عُرِف. قوله تعالى: {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: اصْطَادَ بعد تَحْريمِهِ، فله عذابٌ أليمٌ، والمراد: عذابُ الآخرة، والتَّعْزيرُ في الدُّنْيَا. قال ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما -: هذا العذابُ هَوْ أنْ يُضَرب ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ ضرباً وجيعاً، ويُنْتَزَع ثِيَابُه. قال القَفَّالُ: وهذا غير جائزٍ؛ لأن اسم العذابِ قد يقعُ على الضَّرْبِ، كما سُمِّيَ جَلْدُ الزَّانِيين عذاباً {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} تفسير : [النور: 2]، وقال تعالى: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] وقال تعالى حَاكياً عن سُلَيْمان - عليه السلام - في الهُدْهُدِ {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} تفسير : [النمل: 21].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم‏}‏ قال‏:‏ هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله به عباده في إحرامهم حتى لو شاؤوا تناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه، فمن قتله منكم متعمداً قال‏:‏ إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله ‏{‏ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم‏}‏ قال‏:‏ النبل والرمح ينال كبار الصيد، وأيديهم تنال صغار الصيد، أخذ الفروخ والبيض‏.‏ وفي لفظ‏:‏ أيديكم‏.‏ أخذكم إياهن بأيديكم من بيضهن وفراخهن، ورماحكم‏.‏ ما رميت أو طعنت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ‏ {‏ليبلونكم الله بشيء من الصيد‏} ‏ قال‏:‏ ما لا يستطيع أن يرمي من الصيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ‏{‏ليعلم الله من يخافه بالغيب‏}‏‏. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طرق قيس بن سعد عن ابن عباس‏.‏ أنه كان يقول في قوله‏:‏ ‏{‏فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم‏}‏‏:‏ أن يوسع ظهره وبطنه جلداً، ويسلب ثيابه‏. وأخرج أبو الشيخ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ كان إذا ما أخذ شيئاً من الصيد أو قتله جلد مائة، ثم نزل الحكم بعد. وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي صالح عن ابن عباس قال‏:‏ يملأ بطنه وظهره إن عاد لقتل الصيد متعمداً، وكذلك صنع بأهل وج أهل واد بالطائف، قال ابن عباس‏:‏ كانوا في الجاهلية إذا أحدث الرجل حدثاً أو قتل صيداً ضرب ضرباً شديداً وسلب ثيابه. ‏ أخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم‏} ‏ قال‏:‏ هي والله موجبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد‏.‏ مثله‏.

ابو السعود

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله ليُعامِلَّنكم معاملةَ مَنْ يختبركم ليتعرَّفَ أحوالَكم {بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ} أي من صيدِ البَرّ مأكولاً أو غيرَ مأكول ما عدا المستثنياتِ من الفواسق، فاللام للعَهْد، نزلت عام الحُدَيْبـية. ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم مُحرِمون كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدِها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وذلك قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ} فهمُّوا بأخذها فنزلت، ورُوي أنه عَنَّ لهم حمارُ وحشٍ فحمل عليه أبو اليَسَر بنُ عمرو فطعنه برمحه وقتله، فقيل له: قتلته وأنت مُحرم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية، فالتأكيد القَسَميُّ في (ليبلونكم) إنما هو لتحقيق أن ما وقع من عدم توحُّش الصيد عنهم ليس إلا لابتلائهم لا لتحقيق وقوعِ المُبتلىٰ به كما لو كان النزول قبل الابتلاء، وتنكير (شيء) للتحقير المُؤْذِن بأن ذلك ليس من الفِتن الهائلة التي تزِلُّ فيها أقدامُ الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلافِ الأموال، وإنما هو من قبـيل ما ابتُليَ به أهلُ أَيْلَةَ من صيد البحر، وفائدته التنبـيه على أن من لم يثبّتْ في مثل هذا كيف يثبتُ عند شدائد المحن؟ (فمن) في قوله تعالى: {مّنَ ٱلصَّيْدِ} بـيانية قطعاً أي بشيء حقير هو الصيد، وجعلُها تبعيضيةً يقتضي اعتبارَ قِلَّته وحقارته بالنسبة إلى كل الصيد لا بالنسبة إلى عظائم البلايا فيَعْرَى الكلامُ عن التنبـيه المذكور. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} أي ليتميز الخائفُ من عقابه الأخروي وهو غائبٌ مترقبٌ لقوة إيمانه، فلا يتعرض للصيد، ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيُقدم عليه، وإنما عبر عنْ ذلك بعلم الله تعالى اللازم له إيذاناً بمدار الجزاءِ ثواباً وعقاباً فإنه أدْخَلُ في حملهم على الخوف، وقيل: المعنى ليتعلق علمه تعالى بمن يخافه بالفعل، فإن علمه تعالى بأنه سيخافه وإن كان متعلقاً به قبل خوفه لكنّ تعلُّقَه بأنه خائف بالفعل وهو الذي يدور عليه أمرُ الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل، وقيل: هناك مضاف محذوف، والتقدير ليعلم أولياءَ الله، وقرىء (ليُعلِمَ) من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليُعْلِمَ الله عباده الخ، والعلمُ على القراءتين متعدٍّ إلى واحد، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربـية المهابة وإدخال الروعة {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} أي بعد بـيان أنّ ما وقع ابتلاءٌ من جهته تعالى لِما ذُكر من الحِكمة لا بعد تحريمِه أو النهي عنه كما قاله بعضهم، إذ النهي والتحريم ليس أمراً حادثاً يترتب عليه الشرطية، بالفاء، ولا بعد الابتلاء كما اختاره آخرون، لأن نفس الابتلاء لا يصلح مداراً لتشديد العذاب، بل ربما يتوهم كونُه عذراً مسوِّغاً لتخفيفه، وإنما الموجب للتشديد بـيانُ كونه ابتلاءً، لأن الاعتداء بعد ذلك مكابرةٌ صريحة، وعدمُ مبالاةٍ بتدبـير الله تعالى، وخروجٌ عن طاعته، وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية. أي: فمن تعرض للصيد بعد ما بـينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحُّشه منهم ابتلاءٌ مؤدَ إلى تميـيز المطيع من العاصي {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لما ذكر من أنه مكابرة محضة ولأن من لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهيِّنة لا يكاد يُراعيه في عظائم المداحض. والمراد بالعذاب الأليم عذاب الدارين، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يُوسَعُ ظهرُه وبطنه جَلداً وينزع ثيابه.

القشيري

تفسير : أباح الصيد لمن كان حَلاَلاً، وحرَّم الصيد على المُحْرِم الذي قَصْدهُ زيارة البيت. والإشارة فيه أن من قصد بيتنا فينبغي أن يكون الصيد منه في الأمان، لا يتأذى منه حيوان بحال، لذا قالوا: البَرُّ مَنْ لا يؤذي الذر ولا يُضْمِر الشر. ويقال الإشارة في هذا أَنْ مَنْ قصَدَنا فعليه نَبْذُ الأطماعِ جملةً، ولا ينبغي أن تكون له مطالبة بحالٍ من الأحوال. وكما أنَّ الصيدَ على المُحْرِم حرامٌ إلى أن يتحلل فكذلك الطلب والطمع والاختيار - على الواجِد - حرامٌ ما دام مُحْرِمًا بقلبه. ويقال العارفُ صيدُ الحق، ولا يكون للصيد صيد. وإذا قَتَلَ المُحرِمُ الصيدَ فعليه الكفَّارة، وإذا لاحظ العارفُ الأغيارَ، أو طمع أو رغب في شيءٍ أو اختار لَزِمَتْه الكفَّارة، ولكن لا يُكْتَفى منه بجزاء المثل، ولا بأضعاف أمثال ما تصرَّف فيه أو طمع، ولكن كفَّارته تجرده - على الحقيقة - عن كل غير، قليلٍ أو كثير، صغير أو كبير.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين ءآمنوا} نزلت عام الحديبية فى السنة السادسة من الهجرة. والحديبية بتخفيف الياء الاخيرة وقد تشدد موضع قريب من مكة اراد عليه السلام زيارة الكعبة فسار مع اصحابه من المدينة وهم الف وخمسمائة واربعون رجلا فنزلوا بالحديبية فابتلاهم الله بالصيد وهم محرومون كانت الوحوش تغشاهم فى رحالهم بحيث كانوا متمكنين من صيدها اخذا بايديهم وطعنا برماحهم فهموا باخذها فانزل الله {يا أيها الذين آمنوا} {ليبلونكم الله} يقال بلوته بلوا جربته واختبرته واللام جواب قسم محذوف اى والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف احوالكم {بشىء من الصيد} اى بتحريم شىء حقير هو الصيد بمعنى المصيد كضرب الامير فمن بيانية قطعا والمراد صيد البر مأكولا وغير مأكول ما عدا المستثنيات من الفواسق فاللام للعهد وفى الحديث"حديث : خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والعقرب والغراب والفارة والكلب العقور " .تفسير : واراد بالكلب العقور الذئب على ما ورد فى بعض الروايات {تناله ايديكم ورماحكم} اى تصل اليه ايديكم ورماحكم بحيث تأخذون بايديكم وتطعنون برماحكم فالتأكيد القسمى فى ليبلونكم انما هو لتحقيق ما وقع من ان عدم توحش الصيد عنهم ليس الا لابتلائهم لا لتحقيق وقوع المبتلى به كما لو كان النزول قبل الابتلاء وتنكير شىء للتحقير المؤذن بان ذلك ليس من الفتن الهائلة التى تزل فيها اقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الانفس واتلاف الاموال وانما هو من قبيل ما ابتلى به اهل ايلة من صيد السمك يوم السبت وفائدته التنبيه على ان من لم يتثبت فى مثل هذا كيف يتثبت عند ما هو اشد منه من المحن {ليعلم الله من يخافه بالغيب} الخوف من الله بمعنى الخوف من عقابه وبالغيب حال من مفعول يخافه وهو عقاب الله اى ليتميز الخائف من عقابه الاخروى وهو غائب مترقب لقوة ايمانه فلا يتعرض للصيد ممن لا يخاف كذلك لضعف ايمانه فيقدم عليه فعلم الله تعالى لما كان مقتضى ذاته وامتنع عليه التجدد والتغير كما امتنع ذلك على ذاته جعل ههنا مجازا عن تميز المعلوم وظهوره على طريق اطلاق السبب على المسبب حيث قال القاضى ذكر العلم واراد وقوع المعلوم وظهوره. وابو السعود انما عبر عن ذلك بعلم الله اللازم له ايذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا فانه ادخل فى حملهم على الخوف {فمن اعتدى بعد ذلك} اى بعد بيان ان ما وقع ابتلاء من جهته تعالى بما ذكر من الحكمة والمعنى فمن تعرض للصيد بعد ما بينا ان ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤدّ الى تميز المطيع من العاصى {فله عذاب اليم} لان الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة وعدم مبالاة بتدبير الله وخروج عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية والمراد عذاب الآخرة ان مات قبل التوبة والتعزير والكفارة فى الدنيا بنزع ثيابه فيضرب ضربا وجيعا مفرقا فى اعضائه كلها ما خلا الوجه والرأس والفرج ويؤمر بالكفارة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى جعل البلاء للولاء كاللهب للذهب فقال {يا ايها الذين آمنوا} ايمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال واحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال واحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال {ليبلونكم الله} فى اثناء السلوك {بشىء من الصيد} وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية الدنيوية {تناله ايديكم} اى ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات ابدانكم {ورماحكم} اى ما يتعلق بالمال والجاه {ليعلم الله من يخافه بالغيب} وهو يعلم ويرى اى ليظهر الله ويميز بترك المطالب والمقاصد فى طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات لغيره {فمن اعتدى بعد ذلك} اى تعلق بالمطالب بعد الطلب {فله عذاب اليم} من الرد والصد والانقطاع عن الله كذا فى التأويلات النجمية. قال اوحد المشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازى قدس سره رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين. يقول الفقير سمى الذبيح الحقى غفر الله ذنوبه انما كان عذابه اشد لانه رجع عن طريقه بعد معرفته انه الحق الموصل الى الله تعالى وليس من يعلم كمن لا يعلم وسبب الرجوع الامتحانات فى الطريق: قال فى المثنوى شعر : قلب جون آمد سيه شد در زمان زر درآمدشد زرىء اوعيان دست وبا انداخت زردربوته خش در رخ آتش همى خندد رخش تفسير : قال الحافظ شعر : ترسم كزين جمن نبرى آستين كل كز كلشنش تحمل خارى نميكنى تفسير : فينبغى للطالب الصادق ان يتحمل مشاق الرياضات ويزكى نفسه عن الشهوات ويحترز عن اكل ما يجده من الحلال فضلا عما حرم الله الملك المتعال فان اصلاح الطبيعة والنفس وان كان بفضل الله وعنايته لكن الصوم وتقليل الطعام من الاسباب القوية فى هذا الباب ـ يحكى ـ ان سالكا خاطب نفسه بعد رياضات شديدة فقال من انت ومن انا فقالت له نفسه انت انت وانا انا فاشتغل بالتزكية ثانيا حتى حج ماشيا مرات فسأل ايضا فاجابت بما اجابت به اولا فاشتغل اشد من الاول وعالجها بتقليل الطعام حتى امات نفسه فسأل من انت فقالت انت انت وانا صرت فانية ولم يبق من وجودى اثر فاستراح بعون الله تعالى. وسئل حضرة المولوى هل يعصى الصوفى قال لا الا ان يأكل طعاما قبل الاشتهاء فانه سم له وداء اللهم اعنا على اصلاح هذه النفس الامارة.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فجزاء}: مبتدأ، والخبر محذوف، أي: فعليه جزاء، أو خبر عن مبتدأ محذوف، أي: فواجبه جزاء، و {مثل}: صفته، و {من النعم}: صفة ثانية لجزاء، أي: فعلية جزاء مماثل حاصل من النعم، ومن قرأ {مثل} بالجر، فعلى الإضافة، من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: فعليه أن يجزي مثل ما قتل، أو يكون {مثل} مقحمة كما في قولهم: مثلى لا يقول كذا. وقرىء بالنصب، أي: فليجزأ جزاء مماثلاً. وجملة {يحكم} صفة لجزاء أيضًا، أو حال من ضمير الخبر. و {هَدْيًا}: حال من ضمير {به}، أو من جزاء؛ لتخصيصه بالإضافة أو الصفة فيمن نون، و {بالغ}: صفة للحال، أو بدل من مثل باعتبار محله، أو لفظه فيمن نصبه، أو {كفارة} عطف على {جزاء} إن رفعته، وإن نصبت جزاء فهو خبر، أي: وعليه كفارة، و {طعام مساكين}: عطف بيان، أو بدل منه، أو خبر عن محذوف، أي: هي طعام، ومَن جرّ طعامًا فبالإضافة للبيان، كقوله: خاتم فضة، أو {عدل} عطف على {طعام} فيمن رفعه، أو خبر فيمن جره، أي: عليه كفارة طعام، أو عليه عدل ذلك، و {ليذوق}: متعلق بمحذوف، أي: فيجب عليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة فعله، و {متاعًا لكم}: مفعول من أجله، و {حُرُمًا}: حال، أي: ما دمتم محرمين، أو خبر دام على النقص، ويقال: دام يدوم دُمت، كقال يقول قلت: ودام يَدام دِمت، كخاف يخاف خفت. وبه قٌرىء في الشاذ. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم} أي: والله ليختبرنكم {الله بشيء} قليل {من الصيد} يسلطه عليكم وَيُذَلِّلُهُ لكم حتى {تناله أيديكم} بالأخذ {ورماحكم} بالطعن {ليعلم الله} علم ظهور وشهادة تقوم به الحجة، {من يخافه بالغيب} فيكف عن أخذه حذرًا من عقاب ربه، نزل عام الحديبية، ابتلاهم الله بالصيد، كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم، بحيث يتمكنون من صيده، أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم، وهم مُحرمون، وكان الصيد هو معاش العرب ومستعملاً عندهم، فاختبروا بتركه مع التمكن منه، كما اخُتبر بنو إسرائيل بالحوت في السبت. وإنما قلَّلَهُ بقوله: {بشيء من الصيد} إشعارًا بأنه ليس من الفتن العظام كبذل الأنفس والأموال، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها، فمن لم يصبر عنده فكيف يصبر بما هو أشد منه؟ {فمن اعتدى بعد ذلك} الابتلاء بأن قتل بعد التحريم، {فله عذاب أليم} في الآخرة، لأن من لا يملك نفسه من مثل هذه فكيف يملكها فيما تكون النفس فيه أميل وعليه أحرص؟!. ثم صرح بالحرمة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي: محرمون جمع حَرَم، والمراد من دخل في الإحرام أو في الحرم، وذكر القتل ليفيد العموم، فيصدق بالذبح وغيره، وما صاده المحرم أو صيد له ميتةٌ لا يؤكل، والمراد بالصيد المنهي عن قتله: ما صيد وما لم يُصَد مما شأنه أن يصاد، وورد هنا النهي عن قتله قبل أن يصاد، وبعده، وأما النهي عن الاصطياد فيؤخذ من قوله: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حُرمًا}، وخصص الحديث: الغراب والحدأة، والفأرة والعقرب والكلب العقور، فلا بأس بقتلهم، في الحل والحرم، وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي الناس من السباع وغيرها، وقاس الشافعي على هذه الخمسة كل ما لا يؤكل لحمه. ثم ذكر جزاء قتله فقال: {ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النَّعَم} أي: فعليه جزاء مثل ما يماثله من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم، ففي النعامة بدنةَ، وفي الفيل ذات سنامين، وفي حمار الوحش وبقره بَقَرة، وفي الغزالة شاة، فالمثلية عند مالك والشافعي في الخلِقة والمقدار، فإن لم يكن له مثلٌ؛ أطعم أو صام، يُقوّم بالطعام فيتصدق به، أو يصوم لكل مدِّ يومًا، ومَذهب أبي حنيفة أن المثلية: القيمة، يُقوم الصيد المقتول، ويُخير القاتل بين أن يتصدق بالقيمة أو يشتري بها من النعم ما يهديه. وذكر العمد ليس بتقييد عند جمهور الفقهاء، خلافًا للظاهرية؛ بل المتعمد، والناسي في وجوب الجزاء سواء، وإنما ذكره ليرتب عليه قوله: {ومن عاد فينتقم الله منه}، ولأن الآية نزلت فيمن تعمد، إذ رُوِي أنهم عرض لهم حمار وحشي، فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله، فنزلت الآية. ولا بد من حكم الحكَمين على القاتل لقوله: {يَحكم به ذوا عدل منكم}، فكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد، فكذلك تحتاج المماثلة في الخلقة والهيأة إليهما، فإن أخرج الجزاء قبل الحكم عليه؛ فعليه إعادته، إلا حمام مكة؛ فإنه لا يحتاج إلى حكمين، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم، لعموم الآية. وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة، حال كون المحكوم به {هديًا} بشرط أن يكون مما يصح به الهدي، وهو الجذع من الضأن، والثني مما سواه، وقال الشافعي: يخرج المثل في اللحم، ولا يشترط السن، {بالغ الكعبة} لم يرد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم، وظاهره يقتضي أن يصنع به ما يصنع بالهدي؛ من سوق من الحل إلى الحرم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه. {أو كفارة طعام مساكين}؛ مد لكل مسكين، {أو عدل ذلك صيامًا}، يوم لكل مد، عدد الحق ـ تعالى ـ ما يجب في قتل الصيد، فذكر أولاً الجزاء من النعم، ثم الطعام، ثم الصيام، ومذهب مالك والجمهور: أنها على التخيير، وهو الذي يقتضيه العطب بأو، ومذهب ابن عباس أنها مرتبة. وقد نظم ابن غازي الكفارات التي فيها التخيير أو الترتيب؛ فقال: شعر : خَيَّر بِصَومٍ ثَمَّ صَيدٍ وَأذَى وقُل لِكُلَّ خَصلَةٍ: يا حَبَّذا وَرَتِّب الظِّهارَ والتَّمَتُّعا وَالقَتلَ ثَمّ في اليَمِينِ اجتَمَعَا تفسير : وكيفية التخيير هنا: أن يخير الحكمان القاتلَ؛ فإن أراد الجزاء عينوا له ما يهدي، وإن أراد الإطعام قوموا الصيد بالطعام في ذلك المحل، فيطعم مُدًا لكل مسكين، وإن أراد الصيام صام يومًا لكل مُدّ، وكمل لكسره، فإذا قوم بعشرة مثلاً ونصف مُدّ، صام أحد عشر يومًا. ثم ذكر حكمة الجزاء، فقال: {ليذوق وبال أمره} أي: فعليه الجزاء أو الإطعام أو الصيام؛ ليذوق عقوبة سوء فعله، وسوء هتكه لحرمة الإحرام، {عفا الله عما سلف} في الجاهلية أو قبل التحريم، {ومن عاد فينتقم الله منه} في الآخرة، وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد، كما حكى عن ابن عباس وشريح. {والله عزيز ذو انتقام} ممن أصر على عصيانه. ثم استثنى صيد البحر فقال: {أُحل لكم صيد البحر} وهو ما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: " حديث : هُو الطَّهُورُ ماَؤهُ، الحِلُّ مَيتَتُه" تفسير : . وقال أبو حنيفة: لا يحل منه إلا السمك، {وطعامه} أي: ما قذفه، أو طفا على وجهه؛ لأنه ليس بصيد إنما هو طعام، وقال ابن عباس: طعامه: ما مُلِّح وبقي، {متاعًا لكم وللسيارة}، الخطاب بلكم للحاضرين في البحر، والسيارة: المسافرون في البر، أي: هو متاع تأتِدمون به في البر والبحر، {وحُرم عليكم صيد البر} يحتمل أن يريد به المصدر، أي الاصطياد، أو الشيء المصيد، أو كلاهما، وتقدم أن ما صاده محرم أو صيد له، ميتة، وحد الحرمة: {ما دمتم حُرمًا} فإذا حللتم فاصطادوا، {واتقوا الله} في ترك ما حرم عليكم، {والذي إليه تحشرون} فيجازيكم على ما فعلتم. الإشارة: إذا عقد المريد مع الله عقدة السير والمجاهدة، قد يختبره الله ـ تعالى ـ في سيره بتيسير الشهوات، وتسليط العلائق والعوائق؛ ليعلم الكاذب من الصادق، فإن كف عنها وأعرض، هيأ لدخول الحضرة، وإن انهمك فيها، واقتُنص فيه شبكتها، بقي مرهونًا في يدها، أسيرًا في قبضة قهرها، فإذا نهض حتى دخل حرم الحضرة قاصدًا لعرفة المعارف، حَرُم عليه صيد البر، وهو كل ما يخرج من بحر الحقيقة إلى شهود بَر السِّوى، فرقًا بلا جمع، كائنًا ما كان، رسومًا أو علومًا أو أحوالاً أو أقوالاً، وحلّ له صيد البحر وطعامه، من أسرارِ أو أنوارِ أو حقائق، متاعًا لروحه وسره، وللسيارة من أبناء جنسه، يطعمهم من تلك الأسرار، بالهمة أو الحال أو التذكار، واتقوا الله في الاشتغال بما سواه، الذي إليه تحشرون، فيدخلكم جنة المعارف قبل جنة الزخارف. والله تعالى أعلم. ولما عَظَّم شأن الحرم عَظَّم شأن الكعبة، فقال: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين وقسم منه أنه يبلوهم بشىء من الصيد، لأن اللام في قوله: {ليبونكم} لام القسم والواو مفتوحة لالتقاء الساكنين في قول بعضهم مثل (واو) اغزون. وأما واو {ليبونكم} قال سيبويه هي مبنية على الفتح. وقال الزجاج: فتحت واو {ليبلونكم} لأنها حرف الاعراب الذي تتعاقب عليه الحركات وضمت واو {لتبلون} لأنها واو الجمع، فصح لالتقاء الساكنين نحو قوله {أية : فلا تخشوا الناس واخشونِ}تفسير : ومعنى {ليبلونكم} ليختبرن طاعتكم من معصيتكم {بشيء من الصيد} وأصله اظهار باطن الحال ومنه البلاء للنعمة لأنه يظهر به باطن حال المنعم عليه في الشكر، والكفر. والبلاء النقمة، لانه يظهر به ما يوجبه كفر النعمة. والبلى الخلوقة لظهور تقادم العهد فيه. وقوله {بشيء من الصيد} قيل في معنى (من) ثلاثة أوجه: أحدها - صيد البر، دون البحر. والآخر صيد الاحرام دون الاحلال. الثالث - للتجنيس نحو اجتنبوا الرجس من الاوثان - في قول الزجاج - وقوله {تناله أيديكم ورماحكم} يعني به فراخ الطيور وصغار الوحش في قول ابن عباس ومجاهد، وزاد مجاهد: والبيض. والذي تناله الرماح الكبار من الصيد. قال أبو علي: معنى {تناله أيديكم ورماحكم} إِن صيد الحرم يقرب من الناس ولا ينفر منهم فيه كما ينفر في الحل، وذلك آية من آيات الله. وقال الحسن ومجاهد: حرم الله بهذه الآية صيد البرِّ كله. وقال أبو علي: صيد الحرم هو المحرم بهذه الآية. وقال الزجاج: بين النبي (صلى الله عليه وسلم) تحريم صيد الحرم على المحرم وغيره بهذه الآية، وهذا صحيح. وصيد غير المحرم إنما يحرم على المحرم دون المحل. وقوله {ليعلم الله من يخافه بالغيب} معناه لعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم، مظاهرة في العدل. ووجه آخر - ليظهر المعلوم، والأول أحسن. واختار البلخي الوجه الثاني، قال والله تعالى وان كان عالماً بما يفعلونه فيما لم يزل، فانه لا يجوز أن يثيبهم ولا يعاقبهم على ما يعلم منهم، وانما يستحقون ذلك اذا علمه واقعاً منهم على وجه كلفهم، فاذاً لا بد من التكليف والابتلاء. وقوله {من يخافه بالغيب} يعني من يخشى عقابه اذا توارى بحيث لا يقع عليه الحس - في قول الحسن - تقول: غاب يغيب غياباً فهو غائب عن الحس، ومنه الغيبة وهي الذكر بظهر الغيب بالقبيح. وقال قوم: معناه من يخاف صيد الحرم في السر كما يخافه في العلانية، فلا يعرضون له على حال. وقوله {فمن اعتدى بعد ذلك} يعني من تجاوز حد الله بمخالفة أمره وارتكاب نهيه بالصيد في الحرم، وفي حال الاحرام {فله عذاب أليم} أي مؤلم. قال البلخي: يجوز أن يكون ذلك في النار، ويجوز أن يكون غير ذلك من صنوف الآلام والعقوبات، قال سليمان {أية : لأعذبنه عذاباً شديداً}تفسير : يعني الهدهد ولم يرد عذاب النار.

الجنابذي

تفسير : {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بقبول الدّعوة الظّاهرة اى اسلموا {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} يعنى فى احرامكم قيل: نزلت فى غزوة الحديبية جمع الله عليهم الصّيد، وعن الصّادق (ع) حشر عليهم الصّيد فى كلّ مكان حتّى دنا منهم {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} بترك الصّيد مع سهولته بمحض النّهى {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ} الابتلاء والنّهى {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} عن الصّادق (ع) اذا أحرمت فاتّق قتل الدّوابّ كلّها الاّ الافعى والعقرب والفأرة، وذكر الوجه لكلّ وتفصيل ذلك موكول الى الفقه، والحرم جمع الحرام بمعنى المحرم او جمع الحرم بكسر الحاء وسكون الرّاء او جمع الحريم بمعنى المحرم بالحجّ او العمرة وبمعنى الدّاخل فى الحرم وكلا الوجهين صحيح لفظاً ومعنى {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} فى اخبار كثيرة انّ المراد ذو عدل وهو العدل الآلهىّ من الرّسول (ص) والامام وتثنية ذوا عدل خطأ من الكتّاب ولفظ الكتاب ذو عدل بدون الالف، ولمّا لم يرخّص فى الشّريعة الآلهيّة لشيء من القياس كان هذه الكلمة ذا عدلٍ بالافراد وكان ذا عدلٍ مختصّاً بالحاكم الآلهىّ حتّى يسدّ باب القياس بالكلّيّة، وان لم يكن كذلك جاز لمجوّز القياس التّمسّك به فى جواز قياسه {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} كيفيّة بلوغه الكعبة موكولة الى الفقه {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} كما فصّل فى الفقه {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وثقل هتكه لحرمة الحرم {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} على زمان الحكم بحرمة قتل الصّيد {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} عن الصّادق (ع) فى محرم اصاب صيداً؟ - قال: عليه الكفّارة، قيل فان اصاب آخر؟ - قال: فان اصاب آخر فليس عليه كفّارة وهو ممّن قال الله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ}، وفى معناه اخبار أخر، وعنه اذا اصاب المحرم الصّيد خطأ فعليه الكفّارة فان اصاب ثانيةً خطأ فعليه الكفّارة ابداً اذا كان خطأ، فان اصابه متعمّداً كان عليه الكفّارة، فان اصابه ثانية متعمّداً فهو ممّن ينتقم الله منه ولم يكن عليه الكفّارة، وعلى هذا فمعنى عفا الله عمّا سلف عفا عن الدّفعة الاولى السّابقة على الثّانية.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد} نزلت الآية وما بعدها بالحديبية ابتلاهم الله تعالى بالوحش وهم محرمون فنهوا عن قتلها فبينما هم كذلك إذ عرض لهم حمار وحش فقتله بعضهم فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية، قوله: {ليعلم الله من يخافه بالغيب} ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب، قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك} الابتلاء {فله عذاب أليم} {يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} يعني وأنتم محرمون قيل: ابتلى الله أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بصيد البر كما امتحن بني إسرائيل بصيد البحر واختلفوا في هذه الآية، فقيل: صيد البر كله عن ابن عباس، وقيل: صيد الحرم المحرم، فهذه الآية فيها الخلاف، قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} وهو ذاكر لإحرامه أي عالم إنما يقتله مما يحرم عليه قتله، قال جار الله: فإن قتله وهو ناسي لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، فإذا هو صيد وقصد برميه غير صيد فعدل السهم عن رميته فأصاب صيداً فهو مخطئ، فإن قيل فمحظورات الاحرام يستوي فيها العمد والخطأ فما بال العمد مشروطاً في الآية؟ قلت: لأن مورد الآية فمن تعمد، فقد روي أنه عنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه ابو اليسر فقتله برمحه فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم؟ فنزلت لأن الأصل فعل المتعمد والخطأ لاحقٌ به للتغليظ ويدل عليه قوله تعالى: {ليذوق وبال أمره... ومن عاد فينتقم الله منه} وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ، وعن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئاً آخذا باشراط العمد في الآية، وعن الحسن روايتان، قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} بمثل ما قتل من الصيد أي يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وإن شرى طعاماً يعطي كل مسكين نصف صاع {يحكم به ذوا عدل منكم} يعني بمثل ما قتل حاكمان عادلان من المسلمين قالوا: وفيه دليل على أن المثل القِيمة، لأن التقويم مما يحتاج إلى النظر والاجتهاد وإن صام عن طعام، أو أطعم عن كل مسكين يوماً، هذا هو مذهب أبي حنيفة ومذهب أصحاب الشافعي والناصر المماثلة والمقصود في الآية مما يليه في الحلقة الإِلهية أيضاً والله أعلم، قوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} قيل: هو ما لزمه من الجزاء، وقيل: عقوبة فعله في الآخرة إن لم يتب عفى الله عما سلف لكم في الصيد في حال الإِحرام قبل أن يراجعوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسألوه، وقيل: عما سلف لكم في زمن الجاهلية، لأنهم كانوا متعبدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرماً، وقوله {ومن عاد فينتقم الله منه} يعني ومن عاد الى قتل الصيد وهو محرم فينتقم الله منه في الآخرة، وذلك بعد نزول النهي، واختلف في وجوب الكفارة على العائد فعن عطا وإبراهيم وسعيد بن جبير والحسن وجوبها وعليه عامة العلماء، وعن ابن عباس: أنه لا كفارة عليه أحداً تعلقاً بالظاهر وإن لم يذكر الكفارة، قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} مما يؤكل ومما لا يؤكل {وطعامه} مما يؤكل، والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم المأكول منه وهو السمك، ولسيارتكم أي يتزودونه قديداً كما تزود موسى الحوت في مسيره إلى الخضر، قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر} أي وحرم الله عليكم صيد البر {ما دمتم حرماً} محرمين.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ} أي ليختبرنَّكم الله {بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} قال مجاهد: رماحكم ونبالكم تنال كبير الصيد، وأيديكم تنال صغير الصيد أخذاً. قوله: {لِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال مجاهد: إن قتله ناسياً لإِحرامه غير متعمد لقتله فعليه الجزاء. وإن قتله ذاكراً لإِحرامه غير متعمد لقتله فعليه الجزاء. وإن قتله ذاكراً لإِحرامه متعمّداً لقتله فله عذاب أليم، لكن ليس عليه الجزاء. قال الحسن: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد التحريم [وصاد] في الإِحرام فله عذاب أليم. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً}. كان الحسن يقول: حكم الحكمين ماض أبداً. وقد يحكم الحكمان بما حكم به رسول الله، ولكن لا بد أن يحكما. ذكروا عن الحسن وعطاء أنهما قالا: إذا أصاب الرجل صيداً حكم عليه مثل من النعم، فإن لم يجد قوّم وَرِقاً، ثم قوّم طعاماً ثم صام لكل مد يوماً في قول عطاء وقال الحسن: لكل مدين يوماً. وقال بعضهم: يحكمان في النعم، فإذا كان صيداً لم يبلغ النعم حَكَمَا طعاماً وصوماً. قال سعيد بن جبير: يحكمان في النعم، وإنما الطعام والصوم فيما لم يبلغ ثمن النعم. والصوم فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. ذكروا أن عمر بن الخطاب جعل في الظبي شاة، وفي الضبع كبشاً، وفي الأرنب عناقاً وفي اليربوع جفرة. ذكر أبو يزيد المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل في الضبع كبشاً. وقال عطاء: في الضبع كبش نجدي. ذكر أبو المليح أن عمر بن الخطاب جعل في الظبي شاة عفراء. ذكر أبو المليح الهذلي أن عبد الله بن مسعود قال: في النعامة بدنة. ذكروا أن رجلاً قال لعبد الله بن عمر: أصبت ولد أرنب وأنا محرم، قال: يا عمر، قل فيها. قلت: أنت أحق أن تقول. قال: أجل، ولكن الله يقول: يحكم به ذوا عدل منكم، فقلت: ولد شاة، فقال: ولد شاة. ذكر بعضهم قال: في البقرة الوحشية بقرة. ذكروا عن عطاء أنه قال في رجل أصاب بقرة نتوجاً، فقال: فيها بقرة نتوج حامل. وذكروا عن عطاء في رجل أصاب ظبية والداً، فقال: فيها شاة والد. ذكر بعضهم قال: يحكم عليه في الخطأ والعمد، وهو قول العامة. تفسيرهم على أنه ذاكر لإِحرامه، وإن كان قتله خطأ؛ ويوجبون أيضاً على من قتل ناسياً لإِحرامه الجزاء. قال بعضهم: يحكم عليه حيث أصابه. ذكروا عن عطاء عن ابن عباس أنه قال: يؤكل من الهدي إلا من جزاء الصيد، أو فداء أو نذر. قوله: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي عقوبة فعله. {عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ}. ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا جزاء دون نقمة الله. ذكروا عن عطاء بن السايب عن شريح قال: يحكم عليه كلما عاد. ذكروا عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه كلما عاد. قال بعضهم: إن كان أصابه خطأ يحكم عليه كلما عاد، وإن كان أصابه عمداً ترك والنقمة. وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً عاد فبعث الله عليه ناراً فأكلته. قوله: {وَاللهُ عَزِيزٌ} قال عزيز في نقمته {ذُو انتِقَامٍ}.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُونَّكُمُ اللهُ بِشَىءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُم وَرِمَاحُكُمْ لِعْلَمَ اللهُ مَن يَخَافُهُ بِالغَيبِ}: وقرأ ابراهيم يناله بالتحتية، والله ليعاملنكم الله معاملة من يختبركم، هل تحذرون ما حذركم عنه، وهو تعالى عالم بكم بتحريم شىء مما يصاد من البر، ليس فى اجتنابه صعوبة تنال أيديكم ما ضعف منه، ورماحكم ما قوى منه، ليعلم الله من يخاف الله وهو باطن عن حواسه فيجتنبه أن يصيده علماً مطابقاً حين اجتنبه، لعلمه فى الأزل أنه سيجتنبه. ونزلت الآية عام الحديبية وهم محرمون بالعمرة، وكانت الوحش تغشاهم فى رحالهم، وكثرت وتمكنوا من أن يصيدوها بالأيدى والرماح، فما ضعف أو قرب جداً أو كان فرخاً أو بيضاً أو وليداً لا يفوت برجليه أو جناحيه يمكن صيده بالأيدى، وما قوى كالبقرة الوحشية يمكن صيده بالرماح، ويقدر مضاف فى قوله بشىء أى بتحريم شىء، ويجوز أن لا قدر لأن نفس الذى يصاد مبتلى به اذا رأى، لأنه يراه الرائى فربما أسرع اليه ونكر شيئاً ووصفه بمن التبعيضية تحقيراً له، وتقليلا وتسهيلا له كيف لا يجتنبونه، وليس اجتنابه مما يصعب فضلا عن أن تزل أقدامهم بارتكاب صيده، فمن لا يجتنبه فكيف يجتنب ما هو أعظم منه مما حرم عليه كبذل المال أو النفس لله تبارك وتعالى. ومن الصيد نعت لشىء كما مر، ويجوز أن تكون من فيه للبيان لحقيقة الصيد، ووجه التبعيض أنه ما خص لهم فى الحديبية اذ هو المراد فقط، وأما العموم فمذكور بعد، والصيد بمعنى الوحش الذى يصاد من دابة أو طائر، وليس مصدراً لأن الصيد بالمعنى المصدرى ليس جسما تحبسه اليد أو الرمح، ومعنى يعلم الله يتعلق العلم الأزلى بمن يخافه فى حين خوفه كما علم خوفه أنه سيخاف، وقيل: ليظهر المعلوم وهو خوف الخائف، وقيل ليعلم أولياء الله من يخافه، وجملة تناله أيديكم نعت لشىء أو حال منه أو من الضمير فيه من الصيد، ومعنى يخافه يخاف عقابه أو يخافه اجلالا، وبالغيب متعلق بيخاف، والباء بمعنى الفاء، أو بمحذوف حال من المستتر فى يخاف، أو من الهاء فان الله باطن لا يشاهد بالحواس، ولو كان لا يقال له غائب الا على معنى أنه حاضر لا يحس، ويجوز أن المعنى يخاف فى خلوته عن الناس، فلا يصيد كما لا يصيد بحضرتهم. {فَمَنِ اعتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ}: المذكور من الابتلاء والتحريم، فاصطاد حال احرامه فى موضع آخر غير الحديبية أو فيها، أو احرام آخر أو عالم آخر. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: فى الآخرة، فالصيد فى الاحرام ذنب كبير، وقيل هو أن يوجع ظهره وبطنه عار بين، ومن تخليط قومنا فى هذا أنه تؤخذ ثيابه كما تؤخذ ثياب المشرك، قال بعض قومنا: يسلب القاتل لصيد حرم المدينة، والقاطع شجرها، فظاهر اطلاق الأئمة أن السلب لا يتوقف على اتلافه، بل بمجرد الاصطياد وسلبه كسلب قتيل الكفار عند الأكثر، وقيل: ثيابه فقط، وقيل: يترك له ساتر العورة فقط، وهو الصحيح عندهم، ثم هو للسالب، وقيل: لفقراء المدينة، كجزاء الصيد، وقيل لبيت المال.

الالوسي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ } جواب قسم محذوف أي والله ليعاملنكم معاملة من يختبركم ليتعرف حالكم {بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ } أي مصيد البر كما قال الكلبي مأكولاً كان أو غير ماكول ما عدا المستثنيات كما سيأتي إن شاء الله تعالى فاللام للعهد. والآية كما أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل نزلت في عمرة الحديبية حيث ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون فكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم وكانوا متمكنين من صيدها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وذلك قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ } فهموا بأخذها فنزلت. وعن ابن عباس ومجاهد وهو المروي عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن الذي تناله الأيدي فراخ الطير وصغار الوحش والبيض والذي تناله الرماح الكبار من الصيد. واختار الجبائي أن المراد بما تناله الأيدي والرماح صيد الحرم مطلقاً لأنه كيفما كان يأنس بالناس ولا ينفر منهم كما ينفر في الحل، وقيل: ما تناله الأيدي ما يتأتى ذبحه وما تناله الرماح ما لا يتأتى ذبحه، وقيل: المراد بذلك ما قرب وما بعد، وذكر ابن عطية أن «الظاهر أنه سبحانه خص الأيدي بالذكر لأنها أعظم تصرفاً في الاصطياد وفيها يدخل الجوارح والحبالات وما عمل بالأيدي من فخاخ وأشباك. وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم ما يجرح به الصيد ويدخل فيها السهم ونحوه» وتنكير «شيء» كما قال غير واحد للتحقير المؤذن بأن ذلك [ليس] من الفتن الهائلة التي تزل فيها أقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلاف الأموال وإنما هو من قبيل ما ابتلي به أهل أيلة من صيد البحر. وفائدته التنبيه على أن من لم يثبت في مثل هذا كيف يثبت عند شدائد المحن. فمن بيانية أي بشيء حقير هو الصيد. واعترضه ابن المنير «بأنه قد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة كما في قوله تعالى: { أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرٰتِ وَبَشّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [البقرة: 155] فالظاهر والله تعالى أعلم أن «من» للتبعيض، والمراد بما يشعر به اللفظ من التقليل والتبعيض التنبيه على أن جميع ما يقع الابتلاء به من هذه البلايا بعض من كل بالنسبة إلى مقدور الله تعالى وأنه تعالى قادر على أن يجعل ما يبتليهم به من ذلك أعظم مما يقع وأهول وأنه مهما اندفع عنهم ما هو أعظم في المقدور فإنما يدفعه عنهم إلى ما هو أخف وأسهل لطفاً بهم ورحمة ليكون هذا التنبيه باعثاً لهم على الصبر وحاملاً على الاحتمال. والذي يرشد إلى هذا سبق الإخبار بذلك قبل حلوله لتوطين النفوس عليه فإن المفاجأة بالشدائد شديدة الألم والإنذار بها قبل وقوعها مما يسهل موقعها. وإذا فكر العاقل فيما يبتلى به من أنواع البلايا وجد المندفع منها عنه أكثر مما وقع فيه بأضعاف لا تقف عنده غاية فسبحانه اللطيف بعباده» انتهى. وتعقبه مولانا شهاب الدين بأن ما ذكر بعينه أشار إليه الشيخ في «دلائل الاعجاز» لأن شيئاً إنما يذكر لقصد التعميم نحو قوله سبحانه: { أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] أو الإبهام وعدم التعيين أو التحقير لادعاء أنه لحقارته لا يعرف. وهنا لو قيل: ليبلونكم بصيد تم المعنى فإقحامها لا بد له من نكتة وهي ما ذكر، وأما ما / أورده من الآية الأخرى فشاهد له لا عليه لأن المقصود فيه أيضاً التحقير بالنسبة إلى ما دفعه الله تعالى عنهم كما صرح به المعترض نفسه مع أنه لا يتم الاعتراض به إلا إذا كان {وَنَقْصٍ } معطوفاً على مجرور (من) لو عطف على ـ شيء ـ لكان مثل هذه الآية بلا فرق انتهى. وقال عصام الملة: يمكن أن يقال: التعبير بالشيء للإبهام المكنى به عن العظمة والتنوين للتعظيم أي بشيء عظيم في مقام المؤاخذة بهتكه إذا آخذ الله تعالى المبتلى به في الأمم السابقة بالمسخ والجعل قردة وخنازير ثم استظهر أن التعبير بذلك لافادة البعضية، ومما قدمنا يعلم ما فيه. وقرأ إبراهيم «يناله أيديكم» بالياء. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } أي ليتعلق علمه سبحانه بمن يخافه بالفعل فلا يتعرض للصيد فإن علمه تعالى بأنه سيخافه وإن كان متعلقاً به لكن تعلقه بأنه خائف بالفعل وهو الذي يدور عليه أمر الجزاء إنما يكون عند تحقق الخوف بالفعل، وإلى هذا يشير كلام البلخي. والغيب مصدر في موضع اسم الفاعل أي يخافه في الموضع الغائب عن الخلق فالجار متعلق بما قبله. وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع الحال من (مَن) أو من ضمير الفاعل في {يَخَافُهُ } أي يخافه غائباً عن الخلق. وقال غير واحد: العلم مجاز عن وقوع المعلوم وظهوره. ومحصل المعنى ليتميز الخائف من عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه فلا يتعرض للصيد من لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه، وقيل: إن هناك مضافاً محذوفاً، والتقدير ليعلم أولياء الله تعالى و«من»على كل تقدير موصولة، واحتمال كونها إستفهامية أي ليعلم جواب من يخافه أي هذا الاستفهام بعيد. وقرىء (ليعلم) من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليعلم الله عباده الخ، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ } أي تجاوز حد الله تعالى وتعرض للصيد {بَعْدَ ذَلِكَ } الإعلام وبيان أن ما وقع ابتلاء من جهته سبحانه لما ذكر من الحكمة. وقيل: بعد التحريم والنهي، ورد بأن النهي والتحريم ليس أمراً حادثاً ترتب عليه الشرطية بالفاء، وقيل: بعد الابتلاء ورد بأن الابتلاء نفسه لا يصلح مداراً التشديد والعذاب بل ربما يتوهم كونه عذراً مسوغاً لتخفيفه. وفسر بعضهم الابتلاء بقدرة المحرم على المصيد فيما يستقبل، وقال: ليس المراد به غشيان الصيود إياهم فإنه قد مضى، وأنت تعلم أن إرادة ذلك المعنى ليست في حيز القبول والمعول عليه ما أشرنا إليه أي فمن تعرض للصيد بعد ما بينا أن ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤد إلى تعلق العلم بالخائف بالفعل أو تميز المطيع من العاصي. {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } لأن التعرض والاعتداء حينئذ مكابرة محضة وعدم مبالاة بتدبير الله تعالى وخروج عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية، ومن لا يملك زمام نفسه ولا يراعي حكم الله تعالى في أمثال هذه البلايا الهينة لا يكاد يراعيه في عظائم المداحض. والمتبادر على ما قيل: أن هذا العذاب الأليم في الآخرة، وقيل: هو في الدنيا. فقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق قيس بن سعد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: هو أن يوسع ظهره وبطنه جلداً ويسلب ثيابه وكان الأمر كذلك في الجاهلية أيضاً، وقيل: المراد بذلك عذاب الدارين وإليه ذهب شيخ الإسلام. ومناسبة الآية لما قبلها على ما ذكره الأجهوري أنه سبحانه لما أمرهم أن لا يحرموا الطيبات وأخرج من ذلك الخمر والميسر وجعلهما حرامين، وإنما أخرج بعد من الطيبات ما يحرم في حال / دون حال وهو الصيد. ثم إنه عز اسمه شرع في بيان ما يتدارك به الاعتداء من الأحكام إثر بيان ما يلحقه من العذاب فقال عز من قائل: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}.

ابن عاشور

تفسير : لا أحسب هذه الآية إلاّ تبييناً لقوله في صدر السورة {أية : غير محلّى الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 1]، وتخلُّصاً لحكم قتل الصيد في حالة الإحرام، وتمهيداً لقوله: {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95] جرَّتْ إلى هذا التخلّص مناسبة ذكر المحرّمات من الخمر والميسر وما عطف عليهما؛ فخاطب الله المؤمنين بتنبيههم إلى حالة قد يسبق فيها حرصُهم، حذَرَهم وشهوتُهم تقواهم. وهي حالة ابتلاء وتمحيص، يَظهر بها في الوجود اختلاف تمسّكهم بوصايا الله تعالى، وهي حالة لم تقع وقت نزول هذه الآية، لأنّ قوله {ليبلونّكم} ظاهر في الاستقبال، لأنّ نون التوكيد لا تدخل على المضارع في جواب القسم إلاّ وهو بمعنى المستقبل. والظاهر أنّ حكم إصابة الصيد في حالة الإحرام أو في أرض الحرم لم يكن مقرّراً بمثل هذا. وقد روي عن مقاتل: أنّ المسلمين في عمرة الحديبية غشيَهم صيد كثير في طريقهم، فصار يترامى على رحالهم وخيامهم، فمنهم المُحِلّ ومنهم المُحرِم، وكانوا يقدرون على أخذه بالأيدي، وصيد بعضه بالرماح. ولم يكونوا رأوا الصيد كذلك قط، فاختلفت أحوالهم في الإقدَام على إمساكه. فمنهم من أخذ بيده وطعن برمحه. فنزلت هذه الآية اهـــ. فلعلّ هذه الآية ألحقت بسورة المائدة إلحاقاً، لتكون تذكرة لهم في عام حجّة الوداع ليحذروا مثلَ ما حلّ بهم يوم الحديبية. وكانوا في حجّة الوداع أحْوج إلى التحذير والبيان، لكثرة عدد المسلمين عام حجّة الوداع وكثرة من فيهم من الأعراب، فذلك يبيّن معنى قوله {تناله أيديكم ورماحكم} لإشعار قوله {تناله} بأنّ ذلك في مكنتهم وبسهولة الأخذ. والخطاب للمؤمنين، وهو مجمل بيّنه قوله عقبه {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95]. قال أبو بكر بن العربي: اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على قولين: أحدهما: أنّهم المحلّون، قاله مالك، الثاني: أنّهم المحرمون، قاله ابن عباس وغيره اهـــ. وقال في «القبس»: تَوهّم بعض الناس أنّ المراد بالآية تحريم الصيد في حال الإحرام، وهذه عُضْلة، إنّما المراد به الابتلاء في حالتي الحلّ والحرمة اهـــ. ومرجع هذا الاختلاف النظر في شمول الآية لحكم ما يصطاده الحلال من صيد الحرم وعدم شمولها بحيث لا يحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر أو يحتاج. قال ابن العربي في «الأحكام»: «إنّ قوله {ليبلونّكم} الذي يقتضي أنّ التكليف يتحقّق في المُحِلّ بما شرط له من أمور الصيد وما شرط له من كيفية الاصطياد. والتكليف كلّه ابتلاء وإن تفاضل في القلّة والكثرة وتبايَن في الضعف والشدّة». يريد أنّ قوله: {ليبلونّكم الله بشيء من الصيد} لا يراد به الإصابة ببلوى، أي مصيبة قتل الصيد المحرّم بل يراد ليكلفنّكم الله ببعض أحوال الصيد. وهذا ينظر إلى أنّ قوله تعالى: {أية : وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95] شامل لحالة الإحرامِ والحلولِ في الحرم. وقوله: {ليبلونّكم الله بشيء من الصيد} هو ابتلاء تكليف ونهي، كما دلّ عليه تعلّقه بأمر ممّا يفعل، فهو ليس كالابتلاء في قوله: {أية : ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع}تفسير : [البقرة: 155] وإنّما أخبرهم بهذا على وجه التحذير. فالخبر مستعمل في معناه ولازم معناه، وهو التحذير. ويتعيّن أن يكون هذا الخطاب وُجّه إليهم في حين تردّدهم بين إمساك الصيد وأكله، وبين مراعاة حرمة الإحرام، إذ كانوا مُحرمين بعمرة في الحديبية وقد تردّدوا فيما يفعلون، أي أنّ ما كان عليه الناس من حِرمة إصابة الصيد للمُحْرِم معتدّ به في الإسلام أو غير معتدّ به. فالابتلاء مستقبل لأنّه لا يتحقّق معنى الابتلاء إلاّ من بعد النهي والتحذير. ووجود نون التوكيد يعيّن المضارع للاستقبال، فالمستقبل هو الابتلاء. وأمّا الصيد ونوال الأيدي والرماح فهو حَاضر. والصيد: المصيد، لأنّ قوله من الصيد وقع بياناً لقوله {بشيء}. ويغني عن الكلام فيه وفي لفظ (شيء) ما تقدّم من الكلام على نظيره في قوله تعالى: {أية : ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع}تفسير : في سورة البقرة (155). وتنكير شيء هنا للتنويع لا للتحقير، خلافاً للزمخشري ومن تابَعه. وأشار بقوله: {تناله أيديكم ورماحكم} إلى أنواع الصيد صغيره وكبيره. فقد كانوا يمسكون الفراخ بأيديهم وما هو وسيلة إلى الإمساك بالأيدي من شباك وحِبالات وجوارح، لأنّ جميع ذلك يؤول إلى الإمساك باليد. وكانوا يعْدُون وراء الكبار بالخيل والرماح كما يفعلون بالحُمر الوحشية وبقر الوحش، كما في حديث أبي قتادة أنّه: رأى عام الحديبية حماراً وحشياً، وهو غير محرم، فاستوى على فرسه وأخذ رمحه وشدّ وراء الحمار فأدركه فعقره برمحه وأتى به.. إلخ. وربما كانوا يصيدون برمي النبال عن قسيّهم، كما في حديث «الموطأ» «عن زيد البَهْزي أنّه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكّة فإذا ظبي حاقف فيه سَهم» الحديث. فقد كان بعض الصائدين يختبىء في قُتْرة ويمسك قوسه فإذا مرّ به الصيد رماه بسهم. قال ابن عطية: وخصّ الرماح بالذكر لأنّها أعظم ما يجرح به الصيد. وقد يقال: حذف ما هو بغير الأيدي وبغير الرماح للاستغناء بالطرفين عن الأوساط. وجملة {تناله أيديكم} صفة للصيد أو حال منه. والمقصود منها استقصاء أنواع الصيد لئلاّ يتوهّم أنّ التحذير من الصيد الذي هو بجرح أو قتل دون القبض باليد أو التقاط البيض أو نحوه. وقوله: {لِيَعْلَمَ اللّهُ من يخافه بالغيب} علّة لقوله {ليبلونّكم} [المائدة: 94] لأنّ الابتلاء اختبار، فِعلّته أن يعلم الله مِنه من يخافه. وجَعْل علم الله علّة للابتلاء إنّما هو على معنى ليظهر للناس من يخاف الله من كلّ من علم الله أنّه يخافه، فأطلق علم الله على لازِمه، وهو ظهور ذلك وتميّزه، لأنّ علم الله يلازمه التحقّق في الخارج إذ لا يكون علم الله إلاّ موافقاً لما في نفس الأمر، كما بينّاه غير مرّة؛ أو أريد بقوله: {ليعلم الله} التعلّق التنجيزي لعلم الله بفعل بعض المكلّفين، بناء على إثبات تعلّق تنجيزي لصفة العلم، وهو التحقيق الذي انفصل عليه عبد الحكيم في «الرسالة الخاقانية». وقيل: أطلق العلم على تعلّقه بالمعلوم في الخارج، ويلزم أن يكون مراد هذا القائل أنّ هذا الإطلاق قصد منه التقريب لعموم أفهام المخاطبين. وقال ابن العربي في القبس: «ليعلم الله مشاهدةً مَا علمه غيباً من امْتثال من امتثل واعتداء من اعتدى فإنّه، عالم الغيب والشهادة يعلم الغيبَ أوّلاً، ثم يَخلق المعدوم فيَعْلَمُه مشاهدة، يتغيّر المعلوم ولا يتغيّر العلم». والباء إمّا للملابسة أو للظرفية، وهي في موضع الحال من الضمير المرفوع في {يخافه}. والغيب ضدّ الحضور وضدّ المشاهدة، وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : [البقرة: 3] على أحد وجهين هنالك، فتعلّق المجرور هنا بقوله {يخافه} الأظهر أنّه تعلّق لمجرّد الكشف دون إرادة تقييد أو احتراز، كقوله تعالى: {أية : ويقتلون النبيئين بغير حقّ}تفسير : [البقرة: 61]. أي من يخاف الله وهو غائب عن الله، أي غير مشاهد له. وجميع مخافة الناس من الله في الدنيا هي مخافة بالغيب. قال تعالى: {أية : إنّ الذين يخشون ربّهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير}تفسير : [الملك: 12]. وفائدة ذكره أنه ثناء على الذين يخافون الله أثنى عليهم بصدق الإيمان وتنوّر البصيرة، فإنّهم خافوه ولم يروا عظمته وجلاله ونعيمه وثوابه ولكنّهم أيقنوا بذلك عن صدق استدلال. وقد أشار إلى هذا ما في الحديث القدسي: «حديث : إنّهم آمنوا بي ولم يروني فكيف لو رأوني»تفسير : . ومن المفسرين من فسّر الغيب بالدنيا. وقال ابن عطية: الظاهر أنّ المعنى بالغيب عن الناس، أي في الخلوة. فمن خاف الله انتهى عن الصيد في ذات نفسه، يعني أنّ المجرور للتقييد، أي من يخاف الله وهو غائب عن أعين الناس الذين يتّقى إنكارهم عليه أو صدّهم إيّاه وأخذَهم على يده أو التسميع به، وهذا ينظر إلى ما بنوا عليه أنّ الآية نزلت في صيد غشيهم في سفرهم عام الحديبية يغشاهم في رحالهم وخيامهم، أي كانوا متمكّنين من أخذه بدون رقيب، أو يكون الصيد المحذّر من صيده مماثلاً لذلك الصيد. وقوله: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} تصريح بالتحذير الذي أومأ إليه بقوله {ليبلونّكم}، إذ قد أشعر قوله: {ليبلونّكم} أنّ في هذا الخبر تحذيراً من عمل قد تسبق النفس إليه. والإشارة بذلك إلى التحذير المستفاد من {ليبلونّكم}، أي بعدما قدّمناه إليكم وأعذرنا لكم فيه، فلذلك جاءت بعده فاء التفريع. والمراد بالاعتداء الاعتداء بالصيد، وسمّاه اعتداء لأنّه إقدام على محرّم وانتهاك لحرمة الإحرام أو الحرم. وقوله: {فله عذاب أليم}، أي عقاب شديد في الآخرة بما اجترأ على الحرم أو على الإحرام أو كليهما، وبما خالف إنذار الله تعالى، وهذه إذا اعتدى ولم يتدارك اعتداءه بالتوبة أو الكفارة، فالتوبة معلومة من أصول الإسلام، والكفارة هي جزاء الصيد، لأنّ الظاهر أنّ الجزاء تكفير عن هذا الاعتداء كما سيأتي. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: «العذاب الأليم أنّه يوسَع بطنُه وظهرُه جلْداً ويُسلَبُ ثيابَه وكان الأمر كذلك به في الجاهلية». فالعذاب هو الأذى الدنيوي، وهو يقتضي أنّ هذه الآية قرّرت ما كان يفعله أهل الجاهلية، فتكون الآية الموالية لها نسخاً لها. ولم يقل بهذا العقاب أحد من فقهاء الإسلام فدلّ ذلك على أنّه أبطل بما في الآية الموالية، وهذا هو الذي يلتئم به معنى الآية مع معنى التي تليها. ويجوز أن يكون الجزاء من قبيل ضمان المتلفات ويبقى إثم الاعتداء فهو موجب العذاب الأليم. فعلى التفسير المشهور لا يسقطه إلاّ التوبة، وعلى ما نقل عن ابن عباس يبقى الضرب تأديباً، ولكن هذا لم يقل به أحد من فقهاء الإسلام، والظاهر أنّ سَلَبَه كان يأخذه فقراء مكة مثل جِلال البُدن ونِعالها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ليبلونكم: ليختبرنكم. الصيد: ما يصاد. تناله أيديكم: كبيض الطير وفراخه. ورماحكم: جمع رمح، وما ينال به هو الحيوان على اختلافه. ليعلم الله من يخافه بالغيب: ليظهر الله تعالى بذلك الاختبار من يخافه بالغيب فلا يصيد. فمن اعتدى (بعد التحريم): بأن صاد بعد ما بلغه التحريم. وأنتم حرم: جمع حرام والحرام: المُحرم لحج أو عمرة ويقال رجل حرام وامرأة حرام. من النعم: النعم: الإِبل والبقر والغنم. ذوا عدل منكم: أي صاحبا عدالة من أهل العلم. وبال أمره: ثقل جزاء ذنبه حيث صاد والصيد حرام. وللسيارة: المسافرين يتزوّدون به في سفرهم. وطعام البحر ما يقذف به إلى الساحل. معنى الآيات: ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين ليعلمهم مؤكدا خبره بأنه يبلوهم اختباراً لهم ليظهر المطيع من العاصي فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} فحرم عليهم تعالى الصيد وهم حرم ثم ابتلاهم بوجوده بين أيديهم بحيث تناله أيديهم ورماحهم بكل يسر وسهولة على نحو ما ابتلى به بني إسرائيل في تحريم الصيد يوم السبت فكان السمك يأتيهم يوم سبتهم شُرّعاً ويوم لا يسبتون لا يأتيهم كذلك بلاهم ربهم بما كانوا يفسقون بيد أن المسلمين استجابوا لربهم وامتثلوا أمره، على خلاف بني إسرائيل فإنهم عصوا وصادوا فمسخهم قردة خاسئين. وقـــوله تعــالى {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي فمن صاد بعد هذا التحريم فله عذاب أليم هذا ما دلت عليه الآية الأولى [94]. أما الآية الثانية [95] وهي قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فأكد لهم تحريم الصيد وبيّن لهم ما يترتب على ذلك من جزاء فقال {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فالحكم الواجب على من قتله جزاءً {مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} وهي الإِبل والبقر والغنم {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} فالعدلان ينظران إلى الصيد وما يشبهه من النعم فالنعامة تشبه الجمل وبقرة الوحش تشبه البقرة، والغزال يشبه التيس وهكذا فإن شاء من وجب عليه بعير أو بقرة أو تيس أو يسوقه إلى مكة الفقراء الحرم فليفعل وإن شاء اشترى بثمه طعاماً وتصدق به، وإن شاء صام بدل كل نصف صاع يوماً لقوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} وقوله تعالى: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي ثقل جزاء مخالفته وقوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} أي ترك مؤاخذتكم على ما مضى، وأما مستقبلاً فإنه تعالى يقول {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} ومعناه أنه يعاقبه على معصيته ولا يحول دون مراده تعالى حائل ألا فاتقوه واحذروا الصيد وأنتم حرم، هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة [96] فقد أخبر تعالى بعد أن حرم على المؤمنين الصيد وهم حرم وواجب الجزاء على من صاد. أخبر أنه امتناناً منه عليهم أحل لهم صيد البحر أي ما يصيدونه من البحر وهم حرم كما أحل لهم طعامه وهو ما يقذفه البحر من حيوانات ميتة على ساحله {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} وهم المسافرون يتزودون به في سفرهم ويحرم عليهم صيد البر ما داموا حرماً، وأمرهم بتقواه أي بالخوف من عقوبته فيلزموا طاعته بفعل ما أوجب وترك ما حرم، وذكرهم بحشرهم جميعاً إليه يوم القيامة للحساب والجزاب فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- ابتلاء الله تعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية بكثرة الصيد بين أيديهم. وحرم عليهم صيده فامتثلوا أمر الله تعالى ولم يصيدوا فكانوا خيراً من بني إسرائيل وأفضل منهم على عهد أنبيائهم. 2- تحريم الصيد على المحرم إلا صيد البحر فإنه مباح له. 3- بيان جزاء من صاد وهو محرم وإنه جزاء مثل ما قتل من النعم. 4- وجوب التحكيم فيما صاده المحرم، ولا يصح أن يكفر الصائد بنفسه. 5- صيد الحرم حرام على الحرام من الناس والحلال.

القطان

تفسير : الابتلاء: الاختبار. الصيد: كل صيد من حيوان البر والبحر. تناله ايديكم: تصيدونه. حُرُم: مفرده حرام، للذكر والانثى، وهو المحرِم بحج او عمرة. النعم: الحيوان من البقر والضأن والإبل. العدل: بفتح العين، المُساوي للشيء. الوبال: الشدة، وسوء العاقبة. السيّارة: جماعة المسافرين. تُحشرون: تجمعون وتساقون اليه. كان الصيد احد معايش الناس في ذلك الزمان، وكان كثير من الصحابة لا مورد لهم إلا ما يصيدون، وقد نزلت هذه الآية عام الحديبية، وفيها تحريم الصيد للمحرم بالحج او بالعمرة. يا أيها الذين آمنوا، إن الله يختبركم في الحج بتحريم صيد الحيوان البريّ بأيديكم أو برماحكم، ليُظهر الذين يراقبونه منكم في غيبة من اعين الخلق ويعلم إطاعتكم لأوامره. وما ذلك إلا تربية لكم وتزكية لنفوسكم، فمن اعتدى بأن أخذ شيئاً من ذلك الصيد بعد هذا التحريم فله عذاب شديد في الآخرة. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذا البلدَ حرام، لا يُعضَد شجره، ولا يُختلى خلاه، ولا يُنفَّر صيده، ولا تُلتقط لُقطتُه إلا لمعرّف ". تفسير : يُعضد شجرة: يقطع. الخلا: الرطب من النبات، ويختلى يُحَشّ. ولا يجوز قتل او صيد أي حيوان أو طير ما عدا "الغراب والحَدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور والحيّة" كما ورد في الاحاديث الصحيحة. وفي الصحيحين، ان رسول الله عليه السلام قال: "حديث : ان ابراهيم حرَّم مكةَ ودعا لها، وإنّي حرّمتُ المدينة كما حرّم إبراهيمُ مكة"، كما قال: المدينةُ حَرَمٌ ما بين عِيرَ الى ثَور ". تفسير : عير: جبل كبير في القسم الجنوبي من المدينة. ثور: جبل صغير خلف جبل أحُد. يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد وقد نويتم الحج والعمرة. ومن فعله منكم قاصداً فعليه ان يؤدي نظير الصيد الذي قتله، يُخرجه من الإبل والبقر والغنم، بمعرفة رجلَين عادلين منكم يحكمان به، ويقدّم ذلك هدية للفقراء عند الكعبة.. او يدفع بدله إليهم.. أو يُخرج بقيمة المِثْل طعاماً للفقراء، لكل فقير ما يكفيه يومه. هذه كفّارة مسقطة لذنب تعدّيه على الصيد في الوقت الممنوع. فإذا عجز عن الثلاثة السابقات، فإن عليه ان يصوم أياماً بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقّون الطعام لو أخرجه. وقد شُرع ذلك ليحس المعتدي بنتائج جرمه. لقد عفا الله عما سبق قبل التحريم، اما من عاد الى قتل الصيد وهو محرم بعد النهي فان الله سيعاقبه، والله غالب على أمره، ذو انتقام شديد ممن يصر على الذنب. والآية صريحة في ان الجزاء الدنيوي يمنع عقاب الآخرة اذا لم يتكرر الذنب، فان تكرر استُحق. أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: اذا قتل المحرِم شيئاً من الصيد فعليه الجزاء، فإن قتل ظبياً او نحوه فعليه ذبحُ شاة في مكة، فان لم يجد فإطعام ستة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام. أما إن قتل أيّلاً "من بقر الوحش" فعليه بقرة، فإن لم يجد صام عشرين يوما. وإن قتل نعامة او حمار وحش أو نحو ذلك فعليه بُدنة من الإبل، فان لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما، والطعام مدٌّ يشبعهم. وقد أُحل الله لكم صيد حيوان البحر، تأكلون منه وينتفع به المقيمون منكم والمسافرون، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم محرمين بالحج او العمرة، سواء صاده غيركم، أو انتم قبل إحرامكم. واتقوا الله بطاعته فيما امركم به وما نهاكم عنه، فإن إليه مرجعكم، فيجازيكم على ما تعملون. يشيع على ألسنة بعض الناس خطأ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} ولا يوجد في القرآن آية بهذا النصّ، وإنما {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً...}. قراءات: قرأ الكوفيون ويعقوب "فجزاءٌ مثلُ" برفع جزاء ومثل، وقرأ الباقون "فجزاءُ مثلٍ" برفع جزاء والاضافة. وقرأ نافع وابن عامر "كفَارةَ طعامٍ" بالاضافة والباقون "كفارةً" بالتنوين.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَـۤأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (94) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: بِأنَّهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ (يَبْلُوهُمْ) فِي حَالَةِ إحْرَامِهِمْ، بِأنْ يَجْعَلَ صِغَارَ حَيَوَانَاتِ الصَّيْدِ وَضِعَافِها فِي مُتَنَاوَلِ أيْدِيهِمْ، لَوْ شَاؤُوا لَتَنَاوَلُوهَا بِأيْدِيهِمْ، كَمَا أنَّهُ سَيَخْتَبِرُهُمْ بِجَعْلِ كِبَارِ الحَيَواناتِ فِي مُتَنَاوَلِ رِمَاحِهِمْ، تَعْرِضُ لَهُمْ، أوْ تَغْشَاهُمْ فِي رَحِالِهِمْ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطيعُ اللهَ مِنْهُمْ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، وَيَمْتَنِعُ عَنِ الصَّيْدِ مَا دَامَ مُحْرِماً. فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ هذا التَّحذِيرِ مِنَ اللهِ، وَقَتَل الصَّيْدَ أوْ أكَلَ لَحْمَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَهُ عَذَابٌ أليمٌ فِي الآخِرَةِ لِمُخَالَفَتِهِ شَرْعَ اللهِ. يَبْلُوكُمْ - يَخْتَبِرُكُمْ. تَنَالُهُ أيْدِيكُمْ - يَكُونُ فِي مُتَنَاوَلِ أيْدِيكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذا انتقال لحكم جديد، فبعد أن تكلم الحق فيما أحله لنا وقال سبحانه: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [المائدة: 1]. وبعد أن تكلم الحق سبحانه فيما حرم علينا من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكى وذبح وحرَّم ما ذبح للأصنام وما استقسم بالأزلام وكذلك الخمر والميسر، أراد أن يعطينا محرمات من نوع خاص، وحتى نعرف هذه المحرمات لا بد لنا أن نعرف أن هناك أشياء محرمة في كل زمان وكل مكان، كالخمر والميسر والزنا وغير ذلك من النواهي الثابتة، سواء أكانت عبادة أصنام أم أزلام أم غير ذلك من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وهناك محرمات في أزمنة خاصة، أو في أمكنة خاصة. والفعل، أي فعل، لا بد له من زمن ولا بد له من مكان. نحن مأمورون بالصلاة في زمانها في أي مكان طاهر وصالح للصلاة فيه، وكذلك الصوم يتحكم فيه الزمان، أما الحج فالذي يتحكم فيه هو الزمان والمكان. وأما العمرة فالذي يتحكم فيها هو المكان؛ لأن الإنسان يستطيع أن يعتمر في أي زمان - غالباً - ويتكلم سبحانه هنا عن نهي في مكان خاص وفي زمان خاص، فالصيد ليس محرماً إلا في حالة أن يكون الإنسان حُرماً. ونعلم أن كلمة و "حُرُم" هي جمع "حَرَام"، والحرام إما أن يكون الإنسان في المكان الذي يبدأ فيه بالتحريم. ومثال ذلك منطقة رابغ التي يبدأ عندها الإحرام بالنسبة لسكان مصر، فإن وصلت إلى هذا المكان وبدأت في عمل من أعمال الحج أو العمرة فأول عمل هو الإحرام. ومن لحظة الإحرام حتى ولو أحرمت من بلدك أو بيتك لا يحل لك الصيد. و "الحرم" أيضاً هو وصف للمكان حتى وإن لم يكن الإنسان حاجاً، فالصيد محرم في الحرم، والحرم له حدود بينها الشرع، فالصيد فيه حرام على المُحْرِم وغير المحْرِم. ونعلم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد جعل الحق لها الأرض كلها مسجداً وطهوراً. وعلى ذلك فأي مكان يصلح للصلاة، ويصلح أن نقرأ فيه العلم، ويصلح أن نقيم عليه مصنعاً ويصلح أن نزرعه. إذن فأي أرض تصلح أن تكون مسجداً لأنها مكان للسجود. ولكن المسجد بالمعنى الاصطلاحي هو المكان المخصص للصلاة. أما المسجد الحرام فمركزه الكعبة وحولها الطواف وحول ذلك جدران الحرم. ويقع المسجد الحرام في دائرة الحرم، والتي تبدأ من التنعيم والجعرانة والحديبية والجحفة وغيرها، هذه حدود الحرم. فالإنسان إذا ما جاء إلى ميقات الحج عند رابغ مثلا فهو لا يصطاد؛ لأنه أصبح في دائرة الحرم، فالصيد محرم عليه حتى ولو لم يكن حاجاً أو معتمرا. والحج - كما نعلم - هو رحلة فرضها الله مرة واحدة في العمر يخرج إليها المسلم الذي يحيا في كل مكان مع نعمة المنعم. وعندما يخرج المسلم إلى الحج فهو يتحلل من كل النعم التي تصنع له التمييز ليستوي مع كل خلق الله. وأول سمة مميزة للإنسان هي الملابس، لذلك يخلع المسلمون ملابسهم ويرتدون لباساً موحداً يتساوون فيه. وحين يترك المسلم النعمة كلها فذلك لأنه ذاهب إلى المُنْعِم. ومن بعد ذلك يريد الحق أن يؤدبنا تأديباً إيمانياً مع الوجود كله. ويصفي الله في الحج هذه المسألة كلها، فالكل سواء في ملابس تكاد تكون واحدة، وكلهم شُعْثٌ غُبْر، وكلهم يقولون: "لبيك اللهم لبيك". هكذا تتم تصفية التفاوت في الإنسان بالإحرام. ومن بعد ذلك ينظر إلى الجنس الأدنى وهو الحيوان، ويعلمنا الحق الأدب مع هذا الجنس فيأتي بتحريم صيده. ويعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر الحرم. وهكذا تصفي كل هذه المسألة، وتصبح العبودية مستطرقة في الجميع. وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج، وحول الكعبة يرى الخفيرُ الوزيرَ وهو يبكي، ويشعر الجميع أن الكل سواء، والحق يقول: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]. فالحيوان يأمن وكذلك النبات، هذا ما أمر به الحق في دائرة الحرم؛ لأن ذلك تدريب للإنسان على أن يخرج من النعمة إلى المنعم. ومن بعد ذلك يدخل إلى المسجد ويطوف حول الكعبة. ونجد الإنسان - سيد الوجود - يقف من كل ما يخدمه في الوجود موقفاً مختلفاً، فالحيوان يأخذ كرامته وكذلك النبات، وكذلك الجماد يأخذ أيضاً كرامته، فمن عند الحجر الأسود يبدأ الطواف سبعة أشواط. في الحج ينفض الإنسان أي طغيان عن نفسه ويتساوى مع كل الناس، ينفض طغيانه أمام الجنس الأدنى وهو الحيوان فحرّم عليه صيده - ونعلم أن الحيوان يغذي الإنسان - وينفض أيضا طغيانه مع النبات - والنبات يغذي الإنسان - فحرّم قطعه. وينفض الحق كبرياء الإنسان أمام الجماد - وهو أحط الأجناس - فأمر الحق الإنسان أن يستلم الحجر الأسود أو أن يقبله، وإن لم يستطع من الزحام فعليه الإشارة للحجر، ومن لم يستطع استلام الحجر أو تقبيله فقد يخيل إليه أن حجه لم يقبل وذلك زيادة منه في التعلق بالمناسك والاحتياط في أدائها. كل ذلك حتى يحقق الله سبحانه وتعالى استطراق العبودية، ودائماً نجد من يتساءل: وكيف نقبل الحجر على الرغم من أن الله قد نهانا عن الوثنية وعبادة الأصنام؟ ونقول؟ إن الحجرية ليست لها قيمة في هذا المجال، ولكن رب الإنسان والحيوان والنبات والحجر هو الذي أمرنا بذلك، بدليل أننا نرجم حجراً آخر هو رمز إبليس، والعبد في أثناء أداء المشاعر - إنما ينتقل من مراد نفسه إلى مراد ربه، فيقبل ويعظم حجراً ويرجم حجراً آخر، وهكذا صفيت العبودية بالنسبة للناس فاستطرقوا، وصُفيت العبودية بالنسبة للحيوان والنبات والجماد. ويلفتنا سيدنا عمر رضي الله عنه فيقول للحجر الأسود: "أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك". كأن سيدنا عمر رضي الله عنه يعلمنا حتى لا يقول أحد: إنها وثنية، فالوثنية أن تعبد حجراً بمرادك، أما الحجر الأسود فنحن نعظمه بمراد الله. {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 94]. ما الفرق بين ما تناله الأيدي وما تناله الرماح؟. ما تناله الأيدي هو صغار الأفراخ والأشياء السهلة اليسيرة، أما ما تناله الرماح فهو ما تصطاده بجهد وبالرمح وحسن تصويبه. وقال الحق: "ولنبلوكم" لأن هناك فارقاً بين أن يلح الإنسان على المعصية فيفعلها، وبين أن يصل إلى منزلة لا يلح فيها على معصية، بل قد تقع عليه المعصية، وإن وقعت عليه المعصية فهو لا يرتكبها. كأن الحق يبتلينا ما دمنا لا نلح على المعصية، ويريد أن يرى ماذا يكون التصرف منا إن جاءت المعصية إلينا فهل نفعلها أو لا؟. فإن كان الإيمان قوياً فلا أحد يقرب المعصية. ولذلك يبتليكم الله يشيء من الصيد المحرّم عليكم بان يجعله في متناول أيديكم. حدث ذلك في الحديبية لقد كاد الصيد يضع نفسه بين أيدي المؤمنين ولم يقربوه وكان هذا اختباراً. ونعلم أن الابتلاء غير مذموم في ذاته، إنما المذموم فيه الغاية منه؛ لأن الابتلاء اختبار، وقد ينجح إنسان، وقد يفشل إنسان آخر. وكأن الحق قد ابتلى المؤمنين بان جعل الصيد يتكاثر أمامهم حتى يقوي عود الإيمان في قلب المؤمن فلا يتهافت على المعصية وتتكون لديه المناعة وذلك. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ} وسبحانه وتعالى العالم بكل شيء قبل أن يحدث. لكن هناك فرق بين علم وعلم، وإن علم الله أزلي لا يتخلف، ولكن هذا العلم ليس حجة على الناس؛ لأن الحجة على الناس هو ما يقع منهم فعلاً، ولذلك كان الابتلاء. وأسوق هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن الوالد قد ينظر إلى أحد أبنائه ويقول: أنه يلعب طول السنة ومن الأفضل ألا ندخله الامتحان؛ لأنه سوف يرسب. ولا يدخل الابن الامتحان، ولكن الوقاحة قد تصل به إلى الحد الذي يقول فيه: لو كنت دخلت الامتحان لكنت من الناجحين. ولو كان والده أدخله الامتحان ورسب، لكان هذا الرسوب حجة عليه. إذن فعلم الحق لا يلزمنا الحجة، إنما العلم الواقعي هو الذي يلزمنا بها. وقد حدثت هذه الابتلاءات في النبوّات كثيراً. ومثال ذلك ابتلاء الحق لليهود بتحريم الصيد يوم السبت، فكان الحيتان تأتي في هذا اليوم مشرعة وكأنها تلح عليهم أن يصطادوها. وفي الأيام الأخرى لا تأتي الحيتان، فيحتالون لعصيان الأمر باختراع نوع من الشباك السلكية تدخل فيها الحيتان، وتطل محبوسة فيها إلى يوم الأحد فيأخذونها. وتكون حيلتهم هي دليل الغباء منهم؛ لأن الصيد قد تم بالنية والعمل والاستعداد المسبق. وكان الابتلاء في الإسلام بشيء من الصيد. {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وقد علمنا من قبل قوله الحق: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا} تفسير : [البقرة: 229]. فإن كانت المسائل مأمورات فعلينا أن ننفذها. وإن كانت نواهي فيجب ألا نقربها حتى لا نقع فيها فتكون حجة علينا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه ). تفسير : ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ} معناهُ لَيختَبِرنَّكُم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا من منن الله على عباده، أن أخبرهم بما سيفعل قضاء وقدرا، ليطيعوه ويقدموا على بصيرة، ويهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } لا بد أن يختبر الله إيمانكم. { لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ } أي: بشيء غير كثير، فتكون محنة يسيرة، تخفيفا منه تعالى ولطفا، وذلك الصيد الذي يبتليكم الله به { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } أي: تتمكنون من صيده، ليتم بذلك الابتلاء، لا غير مقدور عليه بيد ولا رمح، فلا يبقى للابتلاء فائدة. ثم ذكر الحكمة في ذلك الابتلاء، فقال: { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } علما ظاهرا للخلق يترتب عليه الثواب والعقاب { مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ } فيكف عما نهى الله عنه مع قدرته عليه وتمكنه، فيثيبه الثواب الجزيل، ممن لا يخافه بالغيب، فلا يرتدع عن معصية تعرض له فيصطاد ما تمكن منه { فَمَنِ اعْتَدَى } منكم { بَعْدِ ذَلِكَ } البيان، الذي قطع الحجج، وأوضح السبيل. { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: مؤلم موجع، لا يقدر على وصفه إلا الله، لأنه لا عذر لذلك المعتدي، والاعتبار بمن يخافه بالغيب، وعدم حضور الناس عنده. وأما إظهار مخافة الله عند الناس، فقد يكون ذلك لأجل مخافة الناس، فلا يثاب على ذلك. ثم صرح بالنهي عن قتل الصيد في حال الإحرام، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } أي: محرمون في الحج والعمرة، والنهي عن قتله يشمل النهي عن مقدمات القتل، وعن المشاركة في القتل، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، حتى إن من تمام ذلك أنه ينهى المحرم عن أكل ما قُتل أو صيد لأجله، وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما كان حلالا له قبل الإحرام. وقوله: { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } أي: قتل صيدا عمدا { فـ } عليه { جزاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } أي: الإبل، أو البقر، أو الغنم، فينظر ما يشبه شيئا من ذلك، فيجب عليه مثله، يذبحه ويتصدق به. والاعتبار بالمماثلة أن { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي: عدلان يعرفان الحكم، ووجه الشبه، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم، حيث قضوا بالحمامة شاة، وفي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش -على اختلاف أنواعه- بقرة، وهكذا كل ما يشبه شيئا من النعم، ففيه مثله، فإن لم يشبه شيئا ففيه قيمته، كما هو القاعدة في المتلفات، وذلك الهدي لا بد أن يكون { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } أي: يذبح في الحرم. { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ } أي: كفارة ذلك الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعام يطعم المساكين. قال كثير من العلماء: يقوم الجزاء، فيشترى بقيمته طعام، فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاع من غيره. { أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ } الطعام { صِيَامًا } أي: يصوم عن إطعام كل مسكين يوما. { لِيَذُوقَ } بإيجاب الجزاء المذكور عليه { وَبَالَ أَمْرِهِ } { وَمَنْ عَادَ } بعد ذلك { فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } وإنما نص الله على المتعمد لقتل الصيد، مع أن الجزاء يلزم المتعمد والمخطئ، كما هو القاعدة الشرعية -أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة، فإنه يضمنها على أي حال كان، إذا كان إتلافه بغير حق، لأن الله رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام، وهذا للمتعمد. وأما المخطئ فليس عليه عقوبة، إنما عليه الجزاء، [هذا جواب الجمهور من هذا القيد الذي ذكره الله. وطائفة من أهل العلم يرون تخصيص الجزاء بالمتعمد وهو ظاهر الآية. والفرق بين هذا وبين التضمين في الخطأ في النفوس والأموال في هذا الموضع الحق فيه لله، فكما لا إثم لا جزاء لإتلافه نفوس الآدميين وأموالهم]. ولما كان الصيد يشمل الصيد البري والبحري، استثنى تعالى الصيد البحري فقال: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } أي: أحل لكم -في حال إحرامكم- صيد البحر، وهو الحي من حيواناته، وطعامه، وهو الميت منها، فدل ذلك على حل ميتة البحر. { مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } أي: الفائدة في إباحته لكم أنه لأجل انتفاعكم وانتفاع رفقتكم الذين يسيرون معكم. { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } ويؤخذ من لفظ "الصيد" أنه لا بد أن يكون وحشيا، لأن الإنسي ليس بصيد. ومأكولا فإن غير المأكول لا يصاد ولا يطلق عليه اسم الصيد. { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي: اتقوه بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، واستعينوا على تقواه بعلمكم أنكم إليه تحشرون. فيجازيكم، هل قمتم بتقواه فيثيبكم الثواب الجزيل، أم لم تقوموا بها فيعاقبكم؟.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 257 : 26 : 4 - سفين عن حميد الأعرج عن مجاهد {لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} قال، هو ما لا يستطيع أن يفر من الصيد. [الآية 94].

همام الصنعاني

تفسير : 729- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن ِ أبي نَجَيْح، عن مُجاهِد، في قوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ}: [الآية: 94]، قال: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ}، أخذكم إياهنّ، من فروخهنَّ وأولادهنَّ، قال: {وَرِمَاحُكُمْ}: ما رَمَيْتَ أو طَعَنْتَ.