٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
95
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالصيد قولان. الأول: أنه الذي توحش سواء كان مأكولاً أو لم يكن، فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن ولا يجب به قيمة شاة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال زفر: يجب بالغاً ما بلغ. والقول الثاني: أن الصيد هو ما يؤكل لحمه، فعلى هذا لا يجب الضمان البتة في قتل السبع، وهو قول الشافعي رحمه الله وسلم أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس وفي قتل الذئب حجة الشافعي رحمه الله القرآن والخبر، أما القرآن فهو أن الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } تفسير : [المائدة: 96] فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج وقت الاحرام، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيداً، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون مضموناً، لأن الأصل عدم الضمان، تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية، فبقي فيما ليس بصيد على وفق الأصل، وأما الخبر فهو الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام: «حديث : خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل والحرم الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور» تفسير : وفي رواية أخرى: والسبع الضاري، والاستدلال به من وجوه: أحدها: أن قوله: والسبع الضاري نص في المسألة، وثانيها: أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكى بحل قتلها، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلالاً بذلك الوصف، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية، وصفة الايذاء في السباع أقوى فوجب جواز قتلها، وثالثها: أن الشارع خصها بإباحة القتل، وإنما خصها بهذا الحكم لاختصاصها بمزيد الايذاء، وصفة الايذاء في السباع أتم، فوجب القول بجواز قتلها. وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول. حجة أبي حنيفة رحمه الله: أن السبع صيد فيدخل تحت قوله {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر:شعر : ليث تربى ربية فاصطيدا تفسير : ولقول علي عليه السلام:شعر : صيد الملوك أرانب وثعالب وإذا ركبت فصيدي الأبطال تفسير : والجواب: قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد، وذلك لا يعارضه شعر مجهول، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد، لأن عندنا الثعلب حلال. المسألة الثانية: حرم جمع حرام، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: قيل حرم أي محرمون بالحج، وقيل: وقد دخلتم الحرم، وقيل: هما مرادان بالآية، وهل يدخل فيه المحرم بالعمرة فيه خلاف. المسألة الثالثة: قوله {لاَ تَقْتُلُواْ } يفيد المنع من القتل ابتداء، والمنع منه تسبباً، فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرماً لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم، وأما الحلال فله أن يتصيد في الحل وليس له أن يتصيد في الحرم، وإذا قلنا {وَأَنتُمْ حُرُمٌ } يتناول الأمرين أعني من كان محرماً ومن كان داخلاً في الحرم كانت الآية دالة على كل هذه الأحكام. ثم قال تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء بالتنوين؛ ومثل بالرفع والمعنى فعليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله {فَجَزَاء } قال ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل. ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل، في الحقيقة إنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول الذي لم يقتله وقوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّعَمِ } يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي جزاء؛ والمعنى فجزاء من النعم مثل ما قتل، وأما سائر القراء فهم قرؤا {فَجَزَاء مّثْلُ } على إضافة الجزاء إلى المثل وقالوا: إنه وإن كان الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم يقولون: أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك ونظيره قوله {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] والتقدير: ليس هو كشيء، وقال: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [الأنعام: 122] والتقدير: كمن هو في الظلمات وفيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى فجزاء مثل ما قتل من النعم كقولك خاتم فضة أي خاتم من فضة. المسألة الثانية: قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء وهو قول داود وقال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ حجة داود أن قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } مذكور في معرض الشرط، وعند عدم الشرط يلزم عدم المشروط فوجب أن لا يجب الجزاء عند فقدان العمدية قال: والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال في آخر الآية {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } والانتقام إنما يكون في العمد دون الخطأ وقوله {وَمَنْ عَادَ } المراد منه ومن عاد إلى ما تقدم ذكره، وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل الموجب للجزاء هو العمد لا الخطأ وحجة الجمهور قوله تعالى: {أية : وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } تفسير : [المائدة: 96] ولما كان ذلك حراماً بالاحرام صار فعله محظوراً بالاحرام فلا يسقط حكمه بالخطأ والجهل كما في حلق الرأس وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك بكونه خطأ أو عمداً فكذا هٰهنا وأيضاً يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش إذا قتله المحرم، وقول الصحابة في الظبي شاة، وليس فيه ذكر العمد. أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد وقول الصحابي والقياس. المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول، إلا أنهم اختلفوا في المثل، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل، ومنه ما لا مثل له، فما له مثل يضمن بمثله من النعم، وما لا مثل له يضمن بالقيمة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة. وحجة الشافعي: القرآن، والخبر، والإجماع، والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } والاستدلال به من وجوه أربعة: الأول: أن جماعة من القراء قرؤا {فَجَزَاء } بالتنوين، ومعناه: فجزاء من النعم مماثل لما قتل، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص، وثانيها: أن قوماً آخرين قرؤا {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ } بالإضافة، والتقدير: فجزاء ما قتل من النعم، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم، فمن لم يوجبه فقد خالف النص، ثالثها: قراءة ابن مسعود {فَجَزَاؤُهُ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } وذلك صريح فيما قلناه: ورابعها: أن قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم، يجب أن يكون هدياً بالغ الكعبة. فإن قيل: إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى. قلنا: النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هدياً وأنتم تقولون: الواجب هو القيمة، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هدياً يهدي إلى الكعبة، وإن شاء لم يفعل، فكان ذلك على خلاف النص، وأما الخبر: فما روى جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع، أصيد هو؟ فقالحديث : : نعم، وفيه كبش إذا أخذه المحرمتفسير : ، وهذا نص صريح. وأما الاجماع: فهو أن الشافعي رحمه الله قال: تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى: أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بجفرة، وفي رواية بعناق، وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول. وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الايجب أولى. حجة ابي حنيفة رحمه الله تعالى: لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في قوله {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } هو القيمة في هذه الصورة، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد. والجواب: أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها بأقصى الامكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة. المسألة الرابعة: جماعة محرمون قتلوا صيداً. قال الشافعي رحمه الله: لا يجب عليهم إلا جزاء واحداً، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري رحمهم الله: يجب على كل واحد منهم جزاء واحد. حجة الشافعي رحمه الله: أن الآية دلت على وجوب المثل، ومثل الواحد واحد وأكد هذا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمثل قولنا: حجة أبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهم قاتل فوجب أن يجب على كل وحد منهم جزاء كامل، بيان الأول أن جماعة لو حلف كل واحد منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كل واحد منهم كفارة، وكذلك القصاص المتعلق بالقتل يجب على جماعة يقتلون واحداً، وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل وجب أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل لقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } فقوله {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } صيغة عموم فيتناول كل القاتلين. أجاب الشافعي رحمه الله: بأن القتل شيء واحد فيمتنع حصوله بتمامه بأكثر من فاعل واحد فإذا اجتمعوا حصل بمجموع أفعالهم قتل واحد وإذا كان كذلك امتنع كون كل واحد منهم قاتلاً في الحقيقة وإذا ثبت أن كل واحد منهم ليس بقاتل لم يدخل تحت هذه الآية وأما قتل الجماعة بالواحد فذاك ثبت على سبيل التعبد وكذا القول في إيجاب الكفارات المتعددة. المسألة الخامسة: قال الشافعي رحمه الله: المحرم إذا دل غيره على صيد، فقتله المدلول عليه لم يضمن الدال الجزاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يضمن حجة الشافعي أن وجوب الجزاء معلق بالقتل في هذه الآية والدلالة ليست بقتل فوجب أن لا يجب الضمان ولأنه بدل المتلف فلا يجب بالدلالة ككفارة القتل والدية، وكالدلالة على مال المسلم. حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه سئل عمر عن هذه المسألة فشاور عبد الرحمن بن عوف فأجمعا على أن عليه الجزاء وعن ابن عباس أنه أوجب الجزاء على الدال، أجاب الشافعي رحمه الله: بأن نص القرآن خير من أثر بعض الصحابة. المسألة السادسة: قال الشافعي رحمه الله: إن جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة، وقال داود لا يضمن ألبتة سوى القتل، وقال المزني عليه شاة. حجة داود أن الآية دالة على أن شرط وجوب الجزاء هو القتل، فإذا لم يوجد القتل: وجب أن لا يجب الجزاء ألبتة، وجوابه أن المعلق على القتل، وجوب مثل المقتول، وعندنا أن هذا لا يجب عند عدم القتل فسقط قوله. المسألة السابعة: إذا رمى من الحل والصيد في الحل، فمر في السهم طائفة من الحرم، قال الشافعي رحمه الله: يحرم وعليه والجزاء، وقال أبو حنيفة: لا يحرم. حجة الشافعي: أن سبب الذبح مركب من أجزاء، بعضها مباح وبعضها محرم، وهو المرور في الحرم، وما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال، لا سيما في الذبح الذي الأصل فيه الحرمة. وحجة أبي حنيفة رضي الله عنه: أن قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } نهى له عن الاصطياد حال كونه في الحرم، فلما لم يوجد واحد من هذين الأمرين وجب أن لا تحصل الحرمة. المسألة الثامنة: الحلال إذا اصطاد صيداً وأدخله الحرم لزمه الارسال وإن ذبحه حرم ولزمه الجزاء وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال الشافعي رحمه الله يحل، وليس عليه ضمان. حجة الشافعي: قوله تعالى: {أية : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة: 1] وحجة أبي حنيفة قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } نهى عن قتل الصيد حال كونه محرماً، وهذا يتناول الصيد الذي اصطاده في الحل، والذي اصطاده في الحرم. المسألة التاسعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه، ثم قتل صيداً آخر لزمة جزاء آخر، وقال داود: لا يجب حجة الجمهور: أن قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } ظاهره يقتضي أن علة وجوب الجزاء هو القتل، فوجب أن يتكرر الحكم عند تكرر العلة. فإن قيل: إذا قال الرجل لنسائه، من دخل منكن الدار فهي طالق، فدخلت واحدة مرتين لم يقع إلا طلاق واحد. قلنا: الفرق أن القتل علة لوجوب الجزاء، فيلزم تكرر الحكم عند تكرر العلة. أما ههنا: دخول الدار شرط لوقوع الطلاق، فلم يلزم تكرر الحكم عند تكرر الشرط. حجة داود: قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة. المسألة العاشرة: قال الشافعي رحمه الله: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله، والصحيح أحب إليّ، وعلى هذا الكبير أولى من الصغير، ويفدى الذكر بالذكر، والأنثى بالأنثى، والأولى أن لايغير، لأن نص القرآن إيجاب المثل، والأنثى وإن كانت أفضل من الذكر من حيث إنها تلد، فالذكر أفضل من الأنثى لأن لحمه أطيب وصورته أحسن. ثم قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: يريد يحكم في جزاء الصيد رجلان صالحان ذوا عدل منكم أي من أهل ملتكم ودينكم فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشباه به من النعم فيحكمان به، واحتج به من نصر قول أبي حنيفة رحمه الله في إيجاب القيمة، فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة، فظاهرة مشاهدة لا يحتاج فيها إلى الاجتهاد. وجوابه: أن وجوه المشابهة بين النعم وبين الصيد مختلفة وكثيرة، فلا بد من الاجتهاد في تمييز الأقوى من الأضعف، والذي يدل على صحة ما ذكرنا أنه قال ميمون بن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر رضي الله عنه أبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك أسألك، وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: وما أنكرت من ذلك، قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به، وعن قبيصة بن جابر: أنه حين كان محرماً ضرب ظبياً فمات، فسأل عمر بن الخطاب رضي لله عنه، وكان بجنبه عبد الرحمن بن عوف، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة. قال: وأنا أرى ذلك، فقال: إذهب فاهد شاة. قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت له إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره. قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم، قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: الذي له مثل ضربان فما حكمت فيه الصحابة بحكم لا يعدل عنه إلى غيره، لأنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، وما لم يحكم فيه الصحابة يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام فكل ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة، وفيما لم تحكم به حجة الشافعي رحمه الله الآية دلت على أنه يجب أن يحكم به ذوا عدل، فإذا حكم به إثنان من الصحابة، فقد دخل تحت الآية، ثم ذاك أولى لما ذكرنا أنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين إذا كان أخطأ فيه، فإن تعمد لا يجوز، لأنه يفسق به، وقال مالك: لا يجوز كما في تقويم المتلفات. حجة الشافعي رحمه الله: أنه تعالى أوجب أن يحكم به ذوا عدل، وإذا صدر عنه القتل خطأ كان عدلاً، فإذا حكم به هو وغيره فقد حكم به ذوا عدل، وأيضاً روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً، فسأل عمر عنه، فقال عمر: احكم فقال: أنت عدل يا أمير المؤمنين فاحكم، فقال عمر رضي الله عنه: إنما أمرتك أن تحكم وما أمرتك أن تزكيني، فقال: أرى فيه جدياً جمع الماء والشجر، فقال: افعل ما ترى، وعلى هذا التقدير قال أصحابنا: يجوز أن يكونا قاتلين. المسألة الرابعة: لو حكم عدلان بمثل، وحكم عدلان آخران بمثل آخر، فيه وجهان: أحدهما: يتخير، والثاني: يأخذ بالأغلظ. المسألة الخامسة: قال بعض مثبتي القياس: دلت الآية على أن العمل بالقياس والاجتهاد جائز لأنه تعالى فوّض تعيين المثل إلى اجتهاد الناس وظنونهم وهذا ضعيف لأنه لا شك أن الشارع تعبدنا بالعمل بالظن في صور كثيرة. منها: الاجتهاد في القبلة، ومنها: العمل بشهادة الشاهدين ومنها: العمل بتقويم المقومين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، ومنها: العمل بتحكيم الحكام في تعيين مثل المصيد المقتول، كما في هذه الآية، ومنها: عمل العامي بالفتوى. ومنها: العمل بالظن في مصالح الدنيا. إلا أنا نقول: إن ادعيتم أن تشبيه صورة شرعية بصورة شرعية في الحكم الشرعي هو عين هذه المسائل التي عددناها فذلك باطل في بديهة العقل، وإن سلمتم المغايرة لم يلزم، من كون الظن حجة في تلك الصور، كونه حجة في مسألة القياس، إلا إذا قسنا هذه المسألة على تلك المسائل وذلك يقتضي إثبات القياس بالقياس، وهو باطل. وأيضاً فالفرق ظاهر بين البابين، لأن في جميع الصور المذكورة الحكم إنما ثبت في حق شخص واحد في زمان واحد في واقعة واحدة. وأما الحكم الثابت بالقياس فإنه شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والتنصيص على أحكام الأشخاص الجزئية متعذر. وأما التنصيص على الأحكام الكلية والشرائع العامة الباقية إلى آخر الدهر غير متعذر. فظهر الفرق والله أعلم. ثم قال تعالى: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجهان: الأول: أن المعنى يحكمان به هدياً يساق إلى الكعبة فينحر هناك، وهذا يؤكد قول من أوجب المثل من طريق الخلقة لأنه تعالى لم يقل يحكمان به شيئاً يشتري به هدي وإنما قال يحكمان به هدياً وهذا صريح في أنهما يحكمان بالهدي لا غير. الثاني: أن يكون المعنى يحكمان به شيئاً يشتري به ما يكون هدياً، وهذا بعيد عن ظاهر اللفظ، والحق هو الأول. وقوله {هَدْياً } نصب على الحال من الكناية في قوله {بِهِ } والتقدير يحكم بذلك المثل شاة أو بقرة أو بدنة فالضمير في قوله {بِهِ } عائد إلى المثل والهدي حال منه، وعند التفطن لهذين الاعتبارين فمن الذي يرتاب في أن الواجب هو المثل من طريق الخلقة والله أعلم. المسألة الثانية: قوله {بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } صفة لقوله {هَدْياً } لأن إضافته غير حقيقية، تقديره بالغا الكعبة لكن التنوين قد حذف استخفافاً ومثله {أية : عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } تفسير : [الأحقاف: 24]. المسألة الثالثة: سميت الكعبة كعبة لارتفاعها وتربعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة والكعبة إنما أريد بها كل الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في الكعبة ولا عندها ملازقاً لها ونظير هذه الآية قوله {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } تفسير : [الحج: 33]. المسألة الرابعة: معنى بلوغه الكعبة، أن يذبح بالحرم فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز بل يجب عليه ذبحه في الحرم، وإذا ذبحه في الحرم. قال الشافعي رحمه الله: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً. وقال أبو حنيفة رحمه الله: له أن يتصدق به حيث شاء، وسلم الشافعي أن له أن يصوم حيث شاء، لأنه لا منفعة فيه لمساكين الحرم. حجة الشافعي: أن نفس الذبح إيلام، فلا يجوز أن يكون قربة، بل القربة هي إيصال اللحم إلى الفقراء، فقوله: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } يوجب إيصال تلك الهدية إلى أهل الحرم والكعبة. وحجة أبي حنيفة رحمه الله: أنها لما وصلت إلى الكعبة فقد صارت هدياً بالغ الكعبة، فوجب أن يخرج عن العهدة. ثم قال تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ } على إضافة الكفارة إلى الطعام، والباقون {أَوْ كَفَّارَةٌ } بالرفع والتنوين طعام بالرفع من غير التنوين، أما وجه القراءة الأولى: فهي أنه تعالى لما خير المكلف بين ثلاثة أشياء: الهدي، والصيام، والطعام، حسنت الإضافة، فكأنه قيل كفارة طعام لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام، فاستقامت الإضافة لكون الكفارة من هذه الأشياء، وأما وجه قراءة من قرأ {أَوْ كَفَّارَةٌ } بالتنوين، فهو أنه عطف على قوله {فَجَزَاء } و {طَعَامُ مَسَـٰكِينَ } عطف بيان، لأن الطعام هو الكفارة ولم تضف الكفارة إلى الطعام، لأن الكفارة ليست للطعام، وإنما الكفارة لقتل الصيد. المسألة الثانية: قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة رحمهم الله: كلمة {أَوْ } في هذه الآية للتخيير، وقال أحمد وزفر: إنها للترتيب. حجة الأولين أن كلمة (أو) في أصل اللغة للتخيير، والقول بأنها للترتيب ترك للظاهر. حجة الباقين: أن كلمة (أو) قد تجيء لا لمعنى للتخيير، كما في قوله تعالى: {أية : أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَـٰفٍ } تفسير : [المائدة: 33] فإن المراد منه تخصيص كل واحد من هذه الأحكام بحالة معينة، فثبت أن هذا اللفظ يحتمل الترتيب، فنقول: والدليل دل على أن المراد هو الترتيب، لأن الواجب ههنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } والتخيير ينافي التغليظ. والجواب: أن إخراج المثل ليس أقوى عقوبة من إخراج الطعام، فالتخيير لا يقدح في القدر الحاصل من العقوبة في إيجاب المثل. المسألة الثالثة: إذا قتل صيداً له مثل قال الشافعي رحمه الله: هو مخير بين ثلاثة أشياء: إن شاء أخرج المثل، وإن شاء قوم المثل بدراهم، ويشتري بها طعاماً ويتصدق به، وإن شاء صام، وأما الصيد الذي لا مثل له، فهو مخير فيه بين شيئين، بين أن يقوم الصيد بالدراهم ويشتري بتلك الدراهم طعاماً ويتصدق به، وبين أن يصوم، فعلى ما ذكرنا الصيد الذي له مثل إنما يشتري الطعام بقيمة مثله. وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: إنما يشتري الطعام بقيمته: حجة الشافعي أن المثل من النعم هو الجزاء والطعام بناء عليه فيعدل به كما يعدل عن الصوم بالطعام، وأيضاً تقويم مثل الصيد أدخل في الضبط من تقويم نفس الصيد، وحجة أبي حنيفة رحمه الله: أن مثل المتلف إذا وجب اعتبر بالمتلف لا بغيره ما أمكن، والطعام إنما وجب مثلاً للمتلف فوجب أن يقدر به. المسألة الرابعة: اختلفوا في موضع التقويم: فقال أكثر الفقهاء: إنما يقوم في المكان الذي قتل الصيد فيه. وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يكفر بها. المسألة الخامسة: قال الفراء: العدل ما عادل الشيء من غير جنسه، والعدل المثل، تقول عندي عدل غلامك أو شاتك إذا كان عندك غلام يعدل غلاماً أو شاة تعدل شاة، أما إذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين فقلت عدل. وقال أبو الهيثم: العدل المثل، والعدل القيمة، والعدل اسم حمل معدول بحمل آخر مسوى به، والعدل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه. وقال الزجاج وابن الأعرابي: العدل والعدل سواء وقوله {صِيَاماً } نصب على التمييز، كما تقول عندي رطلان عسلا، وملء بيت قتا، والأصل فيه إدخال حرف من فيه، فإن لم يذكر نصبته. تقول: رطلان من العسل وعدل ذلك من الصيام. المسألة السادسة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنه يصوم لكل مد يوماً وهو قول عطاء ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً، والأصل في هذه المسألة أنهما توافقا على أن الصوم مقدر بطعام يوم، إلا أن طعام اليوم عند الشافعي مقدر بالمد، وعند أبي حنيفة رحمه الله مقدر بنصف صاع على ما ذكرناه في كفارة اليمين. المسألة السابعة: زعم جمهور الفقهاء أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد. وقال محمد بن الحسن رحمه الله إلى الحكمين: حجة الجمهور أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الثلاثة على التخيير، فوجب أن يكون قاتل الصيد مخيراً بين أيها شاء، وحجة محمد رحمه الله أنه تعالى جعل الخيار إلى الحكمين فقال {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً } أي كذا وكذا. وجوابنا: أن تأويل الآية {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ... أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } وأما الذي يحكم به ذوا عدل فهو تعيين المثل، إما في القيمة أو في الخلقة. ثم قال تعالى: {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الوبال في اللغة: عبارة عما فيه من الثقل والمكروه. يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وماء وبيل إذا لم يستمر، أو الطعام الوبيل الذي يثقل على المعدة فلا ينهضم، قال تعالى: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً } تفسير : [المزمل: 16] أي ثقيلا. المسألة الثانية: إنما سمى الله تعالى ذلك وبالا لأنه خيره بين ثلاثة أشياء: اثنان منها توجب تنقيص المال، وهو ثقيل على الطبع، وهما الجزاء بالمثل والاطعام، والثالث: يوجب إيلام البدن وهو الصوم، وذلك أيضاً ثقيل على الطبع، والمعنى: أنه تعالى أوجب على قاتل الصيد أحد هذه الأشياء التي كل واحد منها ثقيل على الطبع حتى يحترز عن قتل الصيد في الحرم وفي حال الإحرام. ثم قال تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية وجهان: الأول: عفا الله عما مضى في الجاهلية وعما سلف قبل التحريم في الإسلام. القول الثاني: وهو قول من لا يوجب الجزاء إلا في المرة الأولى، أما في المرة الثانية فإنه لا يوجب الجزاء عليه ويقول إنه أعظم من أن يكفره التصدق بالجزاء، فعلى هذا المراد: عفا الله عما سلف في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء، ومن عاد إليه مرة ثانية فلا كفارة لجرمه بل ينتقم الله منه. وحجة هذا القول: أن الفاء في وقوله {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } فاء الجزاء، والجزاء هو الكافي، فهذا يقتضي أن هذا الانتقام كاف في هذا الذنب، وكونه كافياً يمنع من وجوب شيء آخر، وذلك يقتضي أن لا يجب الجزاء عليه. المسألة الثانية: قال سيبويه في قوله {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } وفي قوله {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } تفسير : [البقرة: 126] وفي قوله {أية : فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } تفسير : [الجن: 13] إن في هذه الآيات إضماراً مقدراً والتقدير: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، ومن كفر فأنا أمتعه، ومن يؤمن بربه فهو لا يخاف، وبالجملة فلا بدّ من إضمار مبتدأ يصير ذلك الفعل خبراً عنه، والدليل عليه: أن الفعل يصير بنفسه جزاء، فلا حاجة إلى إدخال حرف الجزاء عليه فيصير إدخال حرف الفاء على الفعل لغواً أما إذا أضمرنا المبتدأ احتجنا إلى إدخال حرف الفاء عليه ليرتبط بالشرط فلا تصير الفاء لغواً والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاثون مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا خطاب عام لكل مسلم ذكر وأنثى، وهذا النهي هو الابتلاء المذكور في قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ} الآية. وروى أن أبا اليَسر ـ واسمه عمرو بن مالك الأنصاري ـ كان مُحْرِما عام الحديبية بعُمْرة فقتل حمار وحش فنزلت فيه {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. الثانية ـ قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ} القتل هو كل فعل يفيت الروح، وهو أنواع: منها النحر والذبح والخنق والرضخ وشبهه؛ فحرم الله تعالى على المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتاً للروح. الثالثة ـ من قتل صيداً أو ذبحه فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله دون أكله؛ وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه جزاء ما أكل؛ يعني قيمته، وخالفه صاحباه فقالا: لا شيء عليه سوى الاستغفار؛ لأنه تناول الميتة كما لو تناول ميتةً أخرى؛ ولهذا لو أكلها محرِم آخر لا يلزمه إلا الاستغفار. وحجة أبي حنيفة أنه تناول محظور إحرامه؛ لأن قتله كان من محظورات الإحرام، ومعلوم أن المقصود من القتل هو التناول، فإذا كان ما يتوصل به إلى المقصود ـ محظور إحرامه ـ موجباً عليه الجـزاء فما هو المقصود كان أولى. الرابعة ـ لا يجوز عندنا ذبح المحرم للصيد، لنهي الله سبحانه المحرم عن قتله؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: ذبح المحرم للصيد ذكاة؛ وتعلق بأنه ذبح صدر من أهله وهو المسلم، مضاف إلى محله وهو الأنعام؛ فأفاد مقصوده من حِل الأكل؛ أصله ذبح الحلال. قلنا: قولكم ذبح صدر من أهله فالمحرم ليس بأهل لذبح الصيد؛ إذ الأهلية لا تستفاد عقلاً، وإنما يفيدها الشرع؛ وذلك بإذنه في الذبح، أو بنفيها وذلك بنهيه عن الذبح، والمحرم منهي عن ذبح الصيد؛ لقوله: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ} فقد ٱنتفت الأهلية بالنهي. وقولكم أفاد مقصوده فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا يحِل له أكله، وإنما يأكل منه غيره عندكم؛ فإذا كان الذبح لا يفيد الحِلّ للذابح فأولى وأَحْرى ألا يفيده لغيره، لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه؛ فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله. الخامسة ـ قوله تعالى: {ٱلصَّيْدَ} مصدر عومل معاملة الأسماء، فأوقع على الحيوان المَصِيد؛ ولفظ الصيد هنا عام في كل صيد بريٍّ وبحرِي حتى جاء قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} فأباح صيد البحر إباحة مطلقة؛ على ما يأتي بيانه في الآية بعد هذا إن شاء الله تعالى. السادسة ـ ٱختلف العلماء في خروج السباع من صيد البر وتخصيصها منه؛ فقال مالك: كل شيء لا يعدو من السباع مثل الهِرّ والثعلب والضّبع وما أشبهها فلا يقتله المحرم، وإن قتله فَدَاه. قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرِم، فإن قتلها فَدَاها؛ وهي مثل فراخ الغربان. ولا بأس بقتل كل ما عدا على الناس في الأغلب؛ مثل الأسد والذئب والنمر والفَهْد؛ وكذلك لا بأس عليه بقتل الحيات والعقارب والفأرة والغراب والحِدأة. قال إسماعيل: إنما ذلك لقوله عليه السلام: « حديث : خَمسٌ فَواسقُ يُقتلْن في الحِلّ والحرَم » تفسير : الحديث؛ فسماهنّ فسّاقاً؛ ووصفهن بأفعالهن؛ لأن الفاسق فاعل للفسق، والصغار لا فعل لهن، ووصف الكلب بالعقور وأولاده لا تعقِر؛ فلا تدخل في هذا النعت. قال القاضي إسماعيل: الكلب العَقُور مما يعظم ضرره على الناس. قال: ومن ذلك الحية والعقرب؛ لأنه يخاف منهما، وكذلك الحِدَأة والغراب؛ لأنهما يخطفان اللحم من أيدي الناس. قال ابن بُكَير: إنما أُذن في قتل العقرب لأنها ذات حُمَة؛ وفي الفأرة لقرضها السّقاء والحذاء اللذين بهما قوام المسافر. وفي الغراب لوقوعه على الظهر ونَقْبه عن لحومها؛ وقد روي عن مالك أنه قال: لا يقتل الغراب ولا الحِدَأة إلاَّ أن يضرا. قال القاضي إسماعيل: وٱختلف في الزُّنْبُور؛ فشبهه بعضهم بالحية والعقرب، قال: ولولا أن الزُّنْبُور لا يبتدىء لكان أغلظ على الناس من الحية والعقرب، ولكنه ليس في طبعه من العَدَاء ما في الحيّة والعقرب، وإنما يَحمي الزُّنْبُور إذا أُوذِي. قال: فإذا عرض الزُّنْبُور لأحد فدفعه عن نفسه لم يكن عليه شيء في قتله؛ وثبت عن عمر ابن الخطاب إباحة قتل الزُّنْبُور. وقال مالك: يُطعِم قاتله شيئاً؛ وكذلك قال مالك فيمن قتل البُرْغُوت والذّباب والنّمل ونحوه. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على قاتل هذه كلها. وقال أبو حنيفة: لا يَقتل المحرمُ من السباع إلا الكلب العَقُور والذئب خاصة، سواء ٱبتدأه أو ٱبتدأهما؛ وإن قَتل غيره من السباع فدَاه. قال: فإن ابتدأه غيرهما من السباع فقتله فلا شيء عليه؛ قال: ولا شيء عليه في قتل الحية والعقرب والغراب والحِدَأة، هذه جملة قول أبي حنيفة وأصحابه إلا زُفَر؛ وبه قال الأوزاعي والثّوري والحسن؛ وٱحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خص دوابّ بأعيانها وأرخص للمحرِم في قتلها من أجل ضررها؛ فلا وجه أن يزاد عليها إلا أن يجمعوا على شيء فيدخل في معناها. قلت: العجب من أبي حنيفة رحمه الله يحمل التراب على البُرّ بِعلة الكيل، ولا يحمل السباع العادِية على الكلب بعلة الفِسْق والعَقْر، كما فعل مالك والشافعي رحمهما الله ٰ وقال زُفَر بن الهُذَيل: لا يقتل إلا الذئب وحده، ومن قتل غيره وهو مُحرِم فعليه الفِدية، سواء ٱبتدأه أو لم يبتدئه؛ لأنه عجماء فكان فِعله هَدَراً؛ وهذا ردّ للحديث ومخالفة له. وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه فللمحرم أن يقتله؛ وصغار ذلك وكِباره سواء، إلاَّ السِّمْع وهو المتولد بين الذئب والضّبع، قال: وليس في الرَّخَمَة والخنافس والقِرْدَان والحَلَم وما لا يؤكل لحمه شيء؛ لأن هذا ليس من الصيد، لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} فدل أن الصيد الذي حُرّم عليهم ما كان لهم قبل الإحرام حلالاً؛ حكى عنه هذه الجملة المُزني والرّبيع؛ فإن قيل: فلم تُفدَى القملة وهي تؤذي ولا تؤكل؟ قيل له: ليس تُفدى إلا على ما يُفدَى به الشَّعر والظُّفر ولُبس ما ليس له لُبْسه؛ لأن في طرح القملة إماطة الأذى عن نفسه إذا كانت في رأسه ولحيته. فكأنه أماط بعض شعره؛ فأما إذا ظهرت فقتلت فإنها لا تؤذي. وقول أبي ثور في هذا الباب كقول الشافعي؛ قاله أبو عمر. السابعة ـ روى الأئمة عن ٱبن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : خَمسٌ من الدواب ليس على المحرِم في قتلهنّ جناح الغراب والحِدَأة والعقرب والفأرة والكلب العَقُور » تفسير : . اللفظ للبخاري؛ وبه قال أحمد وإسحاق. وفي كتاب مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : خمسٌ فَواسِقُ يُقتلْن في الحِلّ والحرَمَ الحية والغراب ٱلأَبقع والفأرة والكلب العَقُور وٱلحُدَيَّا » تفسير : وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا: لا يقتل من الغربان إلا الأبقع خاصة؛ لأنه تقييد مطلق. وفي كتاب أبي داود عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ويرمي الغراب ولا يقتله » تفسير : . وبه قال مجاهد. وجمهور العلماء على القول بحديث ٱبن عمر، والله أعلم. وعند أبي داود والترمذي: والسّبع العادي؛ وهذا تنبيه على العلة. الثامنة ـ قوله تعالى ـ: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} عامّ في النوعين من الرجال والنساء، الأحرار والعبيد يقال: رجل حرام وٱمرأة حرام، وجمع ذلك حُرُم كقولهم: قَذَال وقُذُل. وأَحرم الرجلُ دخل في الحرم؛ كما يقال: أَسْهَلَ دخل في السهل. وهذا اللفظ يتناول الزمان والمكان وحالة الإحرام بالإشتراك لا بالعموم. يقال: رجل حرام إذا دخل في الأشهر الحُرم أو في الحَرَم، أو تلبّس بالإحرام؛ إلا أن تحريم الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبراً، وبقي تحريم المكان وحالة الإحرام على أصل التكليف؛ قاله ابن العربي. التاسعة ـ حَرَم المكان حَرَمان، حَرمُ المدينة وحَرَمُ مكة ـ وزاد الشافعي الطائف، فلا يجوز عنده قطع شجرهِ، ولا صيد صيده، ومن فعل ذلك فلا جزاء عليه ـ فأما حَرَم المدينة فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع الشجر كحرم مكة، فإن فعل أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعي وأصحابهما. وقال ٱبن أبي ذئب: عليه الجزاء. وقال سعد: جزاؤه أخذ سَلَبه، وروى عن الشافعي. وقال أبو حنيفة: صيد المدينة غير محرّم، وكذلك قطع شجرها. وٱحتج له بعض من ذهب مذهبه بحديث سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : من وجدتموه يصيد في حدود المدينة أو يقطع شجرها فخذوا سَلَبه » تفسير : . وأخذ سعد سَلَب من فعل ذلك. قال: وقد ٱتفق الفقهاء على أنه لا يؤخذ سَلَب من صاد في المدينة، فدل ذلك على أنه منسوخ. وٱحتج لهم الطحاوي أيضاً بحديث أنس: ما فعل النُّفَير؛ فلم ينكر صيده وإمساكه ـ وهذا كله لا حجة فيه، أما الحديث الأوّل فليس بالقويّ ولو صح لم يكن في نسخ أخذ السَّلَب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة، فكم من محرّم ليس عليه عقوبة في الدنيا. وأما الحديث الثاني فيجوز أن يكون صيد في غير الحرم. وكذلك حديث عائشة: أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحَشْ فإذا خرج لَعِب واشتد وأَقبل وأَدبر، فإذا أَحس برسول الله صلى الله عليه وسلم ربض، فلم يَتَرَمْرَم كراهية أن يؤذيه. ودليلنا عليهم ما رواه مالك عن ٱبن شهاب عن سعيد بن المسيّب حديث : أن أبا هُريرة قال: لو رأيت الظّباء تَرتع بالمدينة ما ذَعَرتُها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين لابتيها حرام» تفسير : فقول أبي هريرة ما ذَعَرتُها دليل على أنه لا يجوز ترويع الصيد في حرم المدينة، كما لا يجوز ترويعه في حرم مكة. وكذلك نزع زيد بن ثابت النُّهسَ ـ وهو طائر ـ من يد شُرَحْبيل بن سعد كان صاده بالمدينة؛ دليل على أن الصحابة فهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم صيد المدينة، فلم يجيزوا فيها الاصطياد ولا تملّك ما يصطاد. ومتعلق ٱبن أبي ذئب قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: « حديث : اللَّهُمَّ إنَّ إبراهيم حرّم مكة وإني أُحرم المدينة مثل ما حَرَم به مكة ومثله معه لا يُخْتلى خَلاَها ولا يُعضَد شجرُها ولا يُنفَّر صيدُها » تفسير : ولأنه حرم مُنِع الاصطياد فيه فتعلق الجزاء به كحرم مكة. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا قول أقيس عندي على أُصولنا، لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام. ومن حجة مالك والشافعي في ألاَّ يُحكم عليه بجزاء ولا أخذ سَلَب ـ في المشهور من قول الشافعي ـ عموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: « حديث : المدينة حَرَمٌ ما بين عَيْر إلى ثَوْر فمن أحدث فيها حَدَثاً أو آوىٰ مُحدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صَرْفا ولا عَدْلاً » تفسير : فأرسل صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد ولم يذكر كفّارة. وأما ما ذُكر عن سعد فذلك مذهب له مخصوص به؛ لما روي عنه في الصحيح: أنه ركب إلى قصره بالعَقِيق، فوجد عبداً يقطع شجراً ـ أو يخبطه ـ فسَلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يردّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم؛ فقال: معاذ الله أن أردّ شيئاً نَفَّلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يردّ عليهم؛ فقوله: «نَفَّلنيه» ظاهِرُهُ الخصوص. والله أعلم. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} ذكر الله سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطىء والناسي؛ والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام. والمخطىء هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه. وٱختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: الأول ـ ما أسنده الدَّارَقُطْني عن ابن عباس قال: إنما التكفير في العمد، وإنما غلّظوا في الخطأ لئلا يعودوا. الثاني ـ أن قوله: «مُتَعَمِّداً» خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة. الثالث ـ أنه لا شيء على المخطىء والناسي؛ وبه قال الطَّبَري وأحمد بن حنبل في إحدى روايتيه، وروي عن ابن عباس وسعيد بن جُبَير، وبه قال طاوس وأبو ثور، وهو قول داود. وتعلق أحمد بأن قال: لما خص الله سبحانه المتعمد بالذكر، دل على أن غيره بخلافه. وزاد بأن قال: الأصل براءة الذمة فمن ٱدعى شغلها فعليه الدليل. الرابع ـ أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان؛ قاله ٱبن عباس، وروى عن عمر وطاوس والحسن وإبراهيم والزُّهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. قال الزُّهري: وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ والنسيان بالسُّنة؛ قال ابن العربي: إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس وعمر فنعماً هي، وما أحسنها أسوة. الخامس ـ أن يقتله متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه ـ وهو قول مجاهد ـ لقوله تعالى بعد ذلك: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}. قال: ولو كان ذاكراً لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأوّل مرة، قال: فدل على أنه أراد متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه؛ قال مجاهد: فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه، فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة، أو أحدث فيها؛ قال: ومن أخطأ فذلك الذي يجزئه. ودليلنا على مجاهد أن الله سبحانه أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، ولا فرق بين أن يكون ذاكراً للإحرام أو ناسياً له، ولا يصح ٱعتبار الحج بالصلاة فإنهما مختلفان؛ وقد رُوِي عنه أنه لا حكم عليه في قتله متعمداً، ويستغفر الله، وحَجُّهُ تام؛ وبه قال ابن زيد. ودليلنا على داود حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الضَّبع فقال: «هي صيد» تفسير : وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً، ولم يقل عمداً ولا خطأ. وقال ٱبن بكير من علمائنا: قوله سبحانه: «مُتَعَمِّداً» لم يرد به التجاوز عن الخطأ، وإنما أراد «متعمداً» ليبين أنه ليس كٱبن آدم الذي لم يجعل في قتله متعمداً كفارة، وأن الصيد فيه كفّارة، ولم يرد به إسقاط الجزاء في قتل الخطأ. والله أعلم. الحادية عشرة ـ فإن قتله في إحرامه مرة بعد مرة حُكم عليه كلما قتله في قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم؛ لقول الله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} فالنهي دائم مستمر عليه ما دام محرماً فمتى قتله فالجزاء لأجل ذلك لازم له. وروي عن ٱبن عباس قال: لا يحكم عليه مرتين في الإسلام، ولا يُحكم عليه إلا مرة واحدة، فإن عاد ثانية فلا يُحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}. وبه قال الحسن وإبراهيم ومجاهد وشُرَيْح. ودليلنا عليهم ما ذكرناه من تَمَادي التحريم في الإحرام، وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} فيه أربع قراءات؛ «فَجَزَاءٌ مِثْلُ» برفع جزاء وتنوينه، و «مِثْلُ» على الصفة. والخبر مضمر، التقدير فعليه جزاء مماثل واجب أو لازم من النَّعم. وهذه القراءة تقتضي أن يكون المِثل هو الجزاء بعينه. و «جَزَاءُ» بالرفع غير منون و «مِثْلِ» بالإضافة أي فعليه جزاءُ مثل ما قتل، و «مثل» مقحمة كقولك أنا أكرم مثلك، وأنت تقصد أنا أكرمك. ونظير هذا قوله تعالى: { أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ } تفسير : [الأنعام: 122] التقدير كمن هو في الظلمات، وقوله: { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } تفسير : [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء. وهذه القراءة تقتضي أن يكون الجزاء غير المثل؛ إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه. وقال أبو علي: إنما يجب عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثل المقتول، والإضافة توجب جزاء المثل لا جزاء المقتول. وهو قول الشافعي على ما يأتي. وقوله: «مِنَ النَّعَمِ» صفة لجزاء على القراءتين جميعاً. وقرأ الحسن «مِن النَّعْمِ» بإسكان العين وهي لغة. وقرأ عبد الرحمن «فَجَزَاءٌ» بالرفع والتنوين «مِثْلَ» بالنصب؛ قال أبو الفتح: «مِثْلَ» منصوبة بنفس الجزاء؛ والمعنى أن يجزى مثل ما قتل. وقرأ ابن مسعود والأعمش «فجزاؤه مِثل» بإظهار «هاء»؛ ويحتمل أن يعود على الصيد أو على الصائد القاتل. الثالثة عشرة ـ الجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه كما قال تعالى. وفي «المدونة»: من ٱصطاد طائراً فنتف ريشه ثم حبسه حتى نَسَل ريشه فطار، قال: لا جزاء عليه. قال وكذلك لو قطع يد صيد أو رجله أو شيئاً من أعضائه وسلِمت نفسه وصح ولحق بالصيد فلا شيء عليه. وقيل: عليه من الجزاء بقدر ما نقصه. ولو ذهب ولم يدر ما فعل فعليه جزاؤه. ولو زَمِن الصيد ولم يلحق بالصيد، أو تركه مَحُوفاً عليه فعليه جزاؤه كاملاً. الرابعة عشرة ـ ما يُجزى من الصيد شيئان: دوابٌ وطيرٌ فيُجزَى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصّورة، ففي النّعامة بَدنَة، وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة، وفي الظبي شاة؛ وبه قال الشافعي. وأقل ما يَجزى عند مالك ما استيسر من الهدي وكان أضحية؛ وذلك كالجَذَع من الضأن والثنيّ مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه إطعام أو صيام. وفي الحمام كله قيمته إلا حمام مكة؛ فإن في الحمامة منه شاة ٱتباعاً للسّلف في ذلك. والدُّبْسي والفَوَاخِت والقُمْريّ وذوات الأطواق كلّه حمام. وحكى ٱبن عبد الحَكَمْ عن مالك أن في حمام مكة وفراخها شاة؛ قال: وكذلك حمام الحرم؛ قال: وفي حمام الحِلّ حكومة. وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر المثل في القيمة دون الخِلْقة، فيقوم الصيد دراهم في المكان الذي قتله فيه، أو في أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله؛ فيشتري بتلك القيمة هديا إن شاء، أو يشتري بها طعاماً ويُطْعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر. وأما الشافعي فإنه يرى المثل من النعم ثم يقوِّم المثل كما في المتلفات يقوّم المثل، وتؤخذ قيمة المثل كقيمة الشيء فإن المثل هو الأصل في الوجوب؛ وهذا بيّن وعليه تخرج قراءة الإضافة «فَجَزَاءُ مِثْلِ». ٱحتج أبو حنيفة فقال: لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبراً. في النّعامة بَدَنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عَدلين يحكمان به؛ لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الإرتياء والنظر؛ وإنما يفتقر إلى العدول والنظر ما تشكل الحال فيه، ويضطرب وجه النظر عليه. ودليلنا عليه قول الله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} الآية. فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخِلْقي الصّوري دون المعنى؛ ثم قال: {مِنَ ٱلنَّعَمِ} فبين جنس المثل؛ ثم قال: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} وهذا ضمير راجع إلى مثل من النعم؛ لأنه لم يتقدم ذكر لسواه يرجع الضمير عليه، ثم قال: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} والذي يتصور فيه الهَدْي مثل المقتول من النَّعم، فأما القيمة فلا يتصوّر أن تكون هديا، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، فصح ما ذكرناه. والحمد لله. وقولهم: لو كان الشبه معتبراً لما أوقفه على عَدلين؛ فالجواب أن ٱعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من صغر وكبر، وما لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص. الخامسة عشرة ـ من أحرم من مكة فأغلق باب بيته على فراخ حمام فماتت فعليه في كل فرخ شاة. قال مالك: وفي صغار الصيد مثل ما في كباره؛ وهو قول عطاء. ولا يُفدَى عند مالك شيء بعنَاقٍ ولا جَفْرة؛ قال مالك. وذلك مثل الدية، الصغير والكبير فيها سواءٌ. وفي الضّب عنده واليَرْبُوع قيمتهما طعاماً. ومن أهل المدينة من يخالفه في صغار الصيد، وفي ٱعتبار الجَذَع والثَّني، ويقول بقول عمر: في الأرنب عَنَاق وفي اليَرْبوع جَفْرة؛ رواه مالك موقوفاً. وروى أبو الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : في الضبع إذا أصابه المحرم كبش وفي الظبي شاة وفي الأرنب عَنَاق وفي اليَرْبوع جَفْرة » تفسير : قال: والجَفرة التي قد ٱرْتَعتْ. وفي طريق آخر قلت لأبي الزبير: وما الجَفْرة؟ قال: التي قد فُطِمَت ورَعَت. خرجه الدَّارَقُطْنيّ. وقال الشافعي: في النعامة بَدَنة، وفي فرخها فَصِيل، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سَخْلهِ عجل؛ لأن الله تعالى حكم بالمِثلية في الخلقة، والصغر والكبر متفاوتان فيجب ٱعتبار الصغير فيه والكبير كسائر المتلفَات. قال ٱبن العربيّ: وهذا صحيح وهو ٱختيار علمائنا؛ قالوا: ولو كان الصيد أعور أو أعرج أو كسِيراً لكان المثل على صفته لتتحقق المِثلية، فلا يلزم المتلِف فوق ما أتلف. ودليلنا قوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} ولم يفصل بين صغير وكبير. وقوله: «هَدْياً» يقتضي ما يتناوله ٱسم الهدي لحقّ الإطلاق. وذلك يقتضي الهدي التام. والله أعلم. السادسة عشرة ـ في بيض النعامة عُشْر ثمن البَدَنة عند مالك. وفي بيض الحمامة المكية عنده عُشْر ثمن الشاة. قال ٱبن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر؛ فإن ٱستهل فعليه الجزاء كاملاً كجزاء الكبير من ذلك الطير. قال ٱبن المواز: بحكومة عَدلين. وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر القيمة. روى عِكرمة عن ٱبن عباس عن كعب بن عُجْرَة: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قضى في بيض نعام أصابه محرِم بقدر ثمنه؛ خرجه الدَّارَقُطْنيّ. وروى عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : في كل بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين. تفسير : السابعة عشرة ـ وأما ما لا مثل له كالعصافير والفِيلة فقيمة لحمه أو عَدله من الطعام، دون ما يراد له من الأغراض؛ لأن المراعَى فيما له مثلٌ وجوبُ مثله، فإن عُدم المثل فالقيمة قائمة مقامه كالغصب وغيره. ولأن الناس قائلان ـ أي على مذهبين ـ معتبر للقيمة في جميع الصيد؛ ومقتصر بها على ما لا مثل له من النَّعم؛ فقد تضمن ذلك الإجماع على ٱعتبار القيمة فيما لا مثل له. وأما الفيل فقيل: فيه بَدَنة من الهجان العظام التي لها سنامان؛ وهي بيض خراسانية، فإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاماً، فيكون عليه ذلك؛ والعمل فيه أن يجعل الفيل في مَرْكب، وينظر إلى منتهى ما ينزل المركَب في الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام حتى ينزل إلى الحد الذي نزل والفيل فيه، وهذا عَدْله من الطعام. وأما أن ينظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه فيكثر الطعام وذلك ضرر. الثامنة عشرة ـ قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} روى مالك عن عبد الملك ابن قُرَيْب عن محمد بن سيرين أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي فرسين نستبق إلى ثَغْرة ثَنِيّة، فأصبنا ظبياً ونحن محرمان فماذا ترى؟ فقال عمر لرجل إلى جنبه: تعال حتى أحكم أنا وأنت؛ فحكما عليه بعنز؛ فولى الرجل وهو يقول: هذا أمير المؤمنين لا يستطيع أن يحكم في ظبي حتى دعا رجلاً يحكم معه، فسمع عمر بن الخطاب قول الرجل فدعاه فسأله؛ هل تقرأ سورة «المائدة»؟ فقال: لا؛ قال: هل تعرف الرجل الذي حكم معي؟ فقال: لا؛ فقال عمر رضي الله عنه: لو أخبرتني أنك تقرأ سورة «المائدة» لأوجعتك ضرباً، ثم قال: إن الله سبحانه يقول في كتابه {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وهذا عبد الرحمن بن عوف. التاسعة عشرة ـ إذا ٱتفق الحَكَمان لزم الحكم؛ وبه قال الحسن والشافعي. وإن ٱختلفا نظر في غيرهما. وقال محمد بن المواز: لا يأخذ بأرفع من قوليْهما؛ لأنه عمل بغير تحكيم. وكذلك لا ينتقل عن المِثل الخِلْقي إذا حكما به إلى الطعام؛ لأنه أمر قد لزم؛ قاله ٱبن شعبان. وقال ٱبن القاسم: إن أمرَهما أن يحكما بالجزاء من المِثل ففعلا، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز. وقال ٱبن وهب رحمه الله في «العتبية»: من السنة أن يُخيِّر الحَكَمان من أصاب الصيد، كما خيّره الله في أن يخرج «هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً» فإن ٱختار الهدي حَكَما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عَدْل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي؛ وما لم يبلغ شاة حَكَما فيه بالطعام ثم خُيّر في أن يطعمه، أو يصوم مكان كل مُدّ يوماً؛ وكذلك قال مالك في «المدوّنة». الموفية عشرين ـ ويستأنف الحكم في كل ما مضت فيه حكومة أو لم تمض، ولو ٱجتزأ بحكومة الصحابة رضي الله عنهم فيما حكموا به من جزاء الصيد كان حسناً. وقد روي عن مالك أنه ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظّبي والنّعامة لا بدّ فيه من الحكومة، ويُجتزأ في هذه الأربعة بحكومة من مضى من السلف رضي الله عنهم. الحادية والعشرون ـ لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكَمين؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي في أحد قوليه: يكون الجاني أحد الحكمين؛ وهذا تسامح منه؛ فإن ظاهر الآية يقتضي جانياً وحَكَمين فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر، وإفساد للمعنى؛ لأن حكم المرء لنفسه لا يجوز، ولو كان ذلك جائزاً لاستغنى بنفسه عن غيره؛ لأنه حكم بينه وبين الله تعالى فزيادة ثان إليه دليل على ٱستئناف الحكم برجلين. الثانية والعشرون ـ إذا ٱشترك جماعة محرِمون في قتل صيد فقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد جزاء كامل. وقال الشافعي: عليهم كلهم كفارة واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن. وروى الدَّارَقُطْنيّ: أن موالي لابن الزبير أحرموا إذ مرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ٱبن عمر فذكروا له فقال: عليكم كلكم كبش؛ قالوا: أو على كل واحد منا كبش؛ قال: إنكم لَمُعَزّزٌ بكم، عليكم كلكم كبش. قال اللغويون: لَمُعَزَّزٌ بكم أي لمشدّد عليكم. ورُوي عن ٱبن عباس في قوم أصابوا ضبعاً قال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم. ودليلنا قول الله سبحانه: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} وهذا خطاب لكل قاتل. وكل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفساً على التمام والكمال، بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص، وقد قلنا بوجوبه إجماعاً منا ومنهم؛ فثبت ما قلناه. الثالثة والعشرون ـ قال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة صيدا في الحرم وكلهم مُحِلَون، عليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحلّ والحرم؛ فإن ذلك لا يختلف. وقال مالك: على كل واحد منهم جزاء كامل، بناء على أن الرجل يكون محرماً بدخوله الحرم، كما يكون محرماً بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي، فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدَّبُوسيّ قال: السِّرّ فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة، وقد ٱرتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحِلّون صيدا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محرّمة بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة؛ فإن كل واحد منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة. قال ٱبن العربي: وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} المعنى أنهما إذا حكما بالهدي فإنه يُفعل به ما يُفعل بالهدي من الإشعار والتقليد، ويُرسل من الحِلّ إلى مكة، ويُنحرْ ويُتصدّق به فيها؛ لقوله: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدْي لا يبلغها، إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم ولا خلاف في هذا. وقال الشافعي: لا يحتاج الهدي إلى الحِلّ بناء على أن الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد، فإنه يُبتاع في الحرم ويهدى فيه. الخامسة والعشرون ـ قوله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} الكفارة إنما هي عن الصيد لا عن الهدي. قال ٱبن وهب قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه فيه، أنه يقوّم الصيد الذي أصاب، فينظر كم ثمنه من الطعام، فيطعم لكل مسكين مُدّا، أو يصوم مكان كل مدّ يوماً. وقال ٱبن القاسم عنه: إن قوّم الصيد دراهم ثم قوّمها طعاماً أجزأه؛ والصواب الأوّل. وقال عبد الله بن عبد الحكم مثله؛ قال عنه: وهو في هذه الثلاثة بالخيار؛ أيّ ذلك فعل أجزأه موسراً كان أو معسراً. وبه قال عطاء وجمهور الفقهاء؛ لأن «أو» للتخيير. قال مالك: كل شيء في كتاب الله في الكفّارات كذا أو كذا فصاحبه مخيَّر في ذلك، أيّ ذلك أحب أن يفعل فعل. ورُوِي عن ٱبن عباس أنه قال: إذا قتل المحرم ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة؛ فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام؛ وإن قتل إيَّلا أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً؛ وإن قتل نعامة أو حماراً فعليه بَدَنة، فإن لم يجد فإطعام ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوماً. والطعام مدّ مدّ لشبعهم. وقاله إبراهيم النَّخَعيّ وحماد بن سلمة، قالوا: والمعنى {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ} إن لم يجد الهدْي. وحكى الطبريّ عن ٱبن عباس أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه بجزائه، فإن وجد جزاءه ذبحه وتصدّق به، وإن لم يكن عنده جزاؤه قُوّم جزاؤه بدراهم، ثم قوّمت الدراهم حِنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً؛ وقال: إنما أُريد بالطعام تبيين أمر الصيام، فمن لم يجد طعاماً، فإنه يجد جزاءه. وأسنده أيضاً عن السديّ. ويُعترض هذا القول بظاهر الآية فإنه ينافره. السادسة والعشرون ـ ٱختلف العلماء في الوقت الذي يعتبر فيه المتلَف؛ فقال قوم: يوم الإتلاف. وقال آخرون: يوم القضاء. وقال آخرون: يلزم المتلف أكثر القيمتين، من يوم الإتلاف إلى يوم الحكم. قال ٱبن العربي: وٱختلف علماؤنا كاختلافهم، والصحيح أنه تلزمه القيمة يوم الإتلاف؛ والدليل على ذلك أن الوجود كان حقاً للمتلَف عليه، فإذا أعدمه المتلِفُ لزمه إيجاده بمثله، وذلك في وقت العدم. السابعة والعشرون ـ أما الهدْيُ فلا خلاف أنه لا بدّ له من مكة؛ لقوله تعالى: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}. وأما الإطعام فٱختلف فيه قولُ مالك هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة؛ وإلى كونه بمكة ذهب الشافعي. وقال عطاء: ما كان من دم أو طعام فبمكة ويصوم حيث يشاء؛ وهو قول مالك في الصوم، ولا خلاف فيه. قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد بغير الحرم إلا الصيام. وقال حمّاد وأبو حنيفة: يُكفِّر بموضع الإصابة مطلقاً. وقال الطَّبَريّ: يُكفِّر حيث شاء مطلقاً، فأما قول أبي حنيفة فلا وجه له في النظر، ولا أثر فيه. وأما من قال يصوم حيث شاء؛ فلأن الصوم عبادة تختص بالصائم فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات وغيرها. وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة؛ فلأنه بدل عن الهدي أو نظير له، والهدي حق لمساكين مكة، فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره. وأما من قال إنه يكون بكل موضع؛ فٱعتبار بكل طعام وفدية، فإنها تجوز بكل موضع. والله أعلم. الثامنة والعشرون ـ قوله تعالى: {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} العدل والعِدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المِثل؛ قاله الكسائيّ. وقال الفرّاء: عِدْل الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه، ويؤثر هذا القول عن الكِسائيّ، تقول: عندي عِدْل دراهمك من الدارهم، وعندي عَدْل دراهمك من الثياب؛ والصحيح عن الكسائيّ أنهما لغتان، وهو قول البصريين. ولا يصح أن يماثل الصيام الطعام في وجه أقرب من العدد. قال مالك: يصوم عن كل مُدّ يوماً، وإن زاد على شهرين أو ثلاثة؛ وبه قال الشافعيّ. وقال يحيى بن عمر من أصحابنا: إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد؛ فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده. وهذا قول حسن ٱحتاط فيه؛ لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الإطعام. ومن أهل العلم من لا يرى أن يتجاوز في صيام الجزاء شهرين؛ قالوا: لأنها أعلى الكفّارات. وٱختاره ٱبن العربيّ. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يصوم عن كل مدّين يوماً ٱعتباراً بفدية الأذى. التاسعة والعشرون ـ قوله تعالى: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} الذوق هنا مستعار كقوله تعالى: { أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49]. وقال: { أية : فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ } تفسير : [النحل: 112]. وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة اللسان، وهي في هذا كله مستعارة. ومنه الحديث: « حديث : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً » تفسير : . الحديث والوبال سوء العاقبة. والمرعى الوبيل هو الذي يُتأذّى به بعد أكله. وطعام وبِيل إذا كان ثقيلاً؛ ومنه قوله: شعر : عقِيلةُ شيخ كالوَبِيلِ يَلَنْدَدِ تفسير : وعبر بأمره عن جميع حاله. الموفية ثلاثين ـ قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} يعني في جاهليتكم من قتلكم الصيد؛ قاله عطاء بن أبي رَبَاح وجماعة معه. وقيل: قبل نزول الكفّارة. {وَمَنْ عَادَ} يعني للمنهى {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} أي بالكفّارة. وقيل: المعنى «فينتقِم الله مِنه» يعني في الآخرة إن كان مستحلاً؛ ويكفر في ظاهر الحكم. وقال شُرَيْح وسعيد بن جُبَير: يحكم عليه في أوّل مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه، وقيل له: ٱذهب ينتقم الله منك؛ أي ذنبك أعظم من أن يُكفَّر، كما أن اليمين الفاجرة لا كفّارة لها عند أكثر أهل العلم لعظم إثمها. والمتورّعون يتقون النقمة بالتكفير. وقد رُوِي عن ٱبن عباس: يملأ ظهره سوطاً حتى يموت. وروي عن زيد بن أبي المُعَلَّى: أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأنزل الله عز وجل ناراً من السماء فأحرقته؛ وهذه عبرة للأُمّة وكفٌّ للمعتدين عن المعصية. قوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} «عَزِيزٌ» أي منيع في ملكه، ولا يمتنع عليه ما يريده. «ذُو انْتِقَام» ممن عصاه إن شاء.
البيضاوي
تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أي محرمون جمع حرام كرداح وردح، ولعله ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم، وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفاً ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : خمس يقتلن في الحل والحرم، الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور»تفسير : وفي رواية أخرى «الحية» بدل «العقرب»، مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ، واختلف في أن هذا النهي هل يلغي حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب. {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } ذاكراً لإحرامه عالماً بأنه حرام عليه قبل ما يقتله، والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء فإن إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان، بل لقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } ولأن الأية نزلت فيمن تعمد إذ روي: أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله. فنزلت. {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} برفع الجزاء، والمثل قراءة الكوفيين ويعقوب بمعنى فعليه أي فواجبه جزاء يماثل ما قتل من النعم، وعليه لا يتعلق الجار بجزاء للفصل بينهما بالصفة فإن متعلق المصدر كالصلة له فلا يوصف ما لم يتم بها، وإنما يكون صفته وقرأ الباقون على إضافة المصدر إلى المفعول وإقحام مثلي كما في قولهم مثلي لا يقول كذا، والمعنى فعليه أن يجزى مثل ما قتل. وقرىء فجزاء مثلي ما قتل بنصبهما على فليجز جزاء، أو فعليه أن يجزي جزاء يماثل ما قتل وفجزاؤه مثل ما قتل، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما، والقيمة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وقال: يقوم الصيد حيث صيد فإن بلغت القيمة ثمن هدى تخير بين أن يهدي ما قيمته قيمته وبين أن يشتري بها طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً وإن لم تبلغ تخير بين الإطعام والصوم واللفظ للأول أوفق. {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} صفة جزاء ويحتمل أن يكون حالاً من ضميره في خبره أو منه إذا أضفته، أو وصفته ورفعته بخبر قدر لمن وكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد يحتاج إلى المماثلة في الخلقة والهيئة إليها، فإن الأنواع تتشابه كثيراً. وقرىء «ذو عدل» على إرادة الجنس أو الإمام. {هَدْياً} حال من الهاء في به أو من جزاء وإن نون لتخصصه بالصفة، أو بدل من مثل باعتبار محله أو لفظه فيمن نصبه. {بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وصف به هدياً لأن إضافته لفظية ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم والتصدق به، وقال أبو حنيفة يذبح بالحرم ويتصدق به حيث شاء. {أَوْ كَفَّارَةٌ} عطف على جزاء إن رفعته وإن نصبته فخبر محذوف. {طَعَامُ مَسَـٰكِينَ} عطف بيان أو بدل منه، أو خبر محذوف أي هي طعام. وقرأ نافع وابن عامر كفارة {طَعَامٌ} بالإِضافة للتبيين كقولك: خاتم فضة، والمعنى عند الشافعي أو أن يكفر بإطعام مساكين ما يساوي قيمة الهدي من غالب قوت البلد فيعطي كل مسكين مداً. {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} أو ما ساواه من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يوماً، وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول. وقرىء بكسر العين وهو ما عدل بالشيء في المقدر كعدل الحمل وذلك إشارة إلى الطعام، وصياماً تمييز للعدل. {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} متعلق بمحذوف أي فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإِحرام، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى وأصل الوبل الثقل ومنه الطعام الوبيل. {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} من قتل الصيد محرماً في الجاهلية أو قبل التحريم، أو في هذه المرة. {وَمَنْ عَادَ } إلى مثل هذا. {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} فهو ينتقم الله منه وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد كما حكي عن ابن عباس وشريح. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ} مما أصر على عصيانه.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } محرمون بحج أو عمرة {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً فَجَزَاءٌ } بالتنوين ورفع ما بعده أي فعليه جزاء هو {مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ } أي شبهه في الخلقة وفي قراءة بإضافة (جزاء) [فجزاءُ مثل] {يَحْكُمُ بِهِ } أي بالمثل رجلان {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به، وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة ببدنة، وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العَبِّ {هَدْياً } حال من جزاء {بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } أي يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدّق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان ونصبه نعتاً لما قبله وإن أُضيف لأنّ إضافته لفظية لا تفيده تعريفاً فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراد فعليه قيمته {أَوْ } عليه {كَفَّارَةُ } غير الجزاء وإن وجده هي {طَعَامُ مَسَٰكِينَ } من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مدّ، وفي قراءة بإضافة (كفارة) لما بعده[أو كفارة طعام] وهي للبيان {أَوْ } عليه {عَدْل } مثل {ذٰلِكَ } الطعام {صِيَاماً } يصومه عن كل مدَ يوماً وإن وجده وجب ذلك عليه {لّيَذُوقَ وَبَالَ } ثقل جزاء {أَمْرِهِ } الذي فعله {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } من قتل الصيد قبل تحريمه {وَمَنْ عَادَ } إليه {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } غالب على أمره {ذُو ٱنتِقَامٍ } ممن عصاه، وألحق بقتله متعمداً فيما ذكر الخطأ.
ابن عطية
تفسير : الخطاب لجميع المؤمنين، وهذا النهي هو الابتلاء الذي أعلم به قوله قبل {أية : ليبلونكم} تفسير : [المائدة:94] و {الصيد} مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام ومعناه الخصوص فيما عدا الحيوان الذي أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الحرم، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور" تفسير : ووقف مع ظاهر هذا الحديث سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ما ذكر، وقاس مالك رحمه الله على الكلب العقور كل ما كلب على الناس وعقرهم ورآه داخلاً في اللفظ فقال للمحرم أن يقتل الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية مبتدئاً بها، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم وإن قتلها فدى، وقال أصحاب الرأي إن بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأه المحرم فعليه قيمته، وقال مجاهد والنخعي لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا عليه، وقال ابن عمر ما حل بك من السباع فحلَّ به، وأما فراخ السبع الصغار قبل أن تفرس فقال مالك في المدونة لا ينبغي للمحرم قتلها، قال أشهب في كتاب محمد: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب وابن القاسم لا جزاء عليه، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرمين بقتل الحيات, وأجمع الناس على إباحة قتلها, وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور لأنه في حكم العقرب، وقال مالك: يطعم قاتله شيئاً، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه، وقال أصحاب الرأى لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك لا يقتلها المحرم وإن فعل فدى، وقال ابن القاسم في كتاب محمد: وأحب إليَّ أن لا يقتل الغراب والحدأة حتى يؤذياه، ولكن إن فعل فلا شيء عليه. قال القاضي أبو محمد: وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء وما عدا ما ذكرناه فهو مما نهى الله عن قتله في الحرمة بالبلد أو الحال، وفرض الجزاء على من قتله و {حرم} جمع حرام وهو الذي يدخل في الحرام أو في الإحرام، وحرام، يقال للذكر والأنثى والاثنين والجميع، واختلف العلماء في معنى قوله {متعمداً} فقال مجاهد وابن جريج والحسن وابن زيد: معناه متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه، فهذا هو الذي يكفر وكذلك الخطأ المحض يكفر وأما إن قتله متعمداً ذاكراً لإحرامه فهذا أجلّ وأعظم من أن يكفر. قال مجاهد: قد حل ولا رخصة له، وقاله ابن جريج، وحكى المهدوي وغيره أنه بطل حجه، وقال ابن زيد: هذا يؤكل إلى نقمة الله، وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك وعطاء وسعيد ابن جبير والزهري وطاوس وغيرهم، المتعمد هو القاصد للقتل الذاكر لإحرامه، وهو يكفر وكذلك الناسي والقاتل خطأً يكفران. قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في قتله خطأً أنهما يكفران، وقال بعض الناس لا يلزم القاتل خطأً كفارة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "فجزاءُ مثلِ ما" بإضافة الجزاء إلى مثل وخفض مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "فجزاء" بالرفع "مثلُ" بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها فعليه جزاء مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "فجزاء" بالرفع "مثلُ" بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها بقولك أنا أكرمك، ونظير هذا قوله تعالى: {أية : أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات} تفسير : [الأنعام:122] التقدير كمن هو في الظلمات. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: {فجزاء مثل} أن يكون المعنى فعليه أن يجزي مثل ما، ثم وقعت الإضافة إلى المثل الذي يجزي به اتساعاً، وأما القراءة الثانية فمعناها فالواجب عليه أو فاللازم له جزاء مثل ما و "مثل" على هذه القراءة صفة لجزاء، أي فجزاء مماثل، وقوله تعالى: {من النعم} صفة لجزاء على القراءتين كلتيهما، وقرأ عبد الله ابن مسعود "فجزاؤه مثل ما" بإظهار هاء يحتمل أن تعود على الصيد أو على الصائد القاتل، وقرأ أبو عبد الرحمن "فجزاءُ" بالرفع والتنوين "مثلَ ما" بالنصب، وقال أبو الفتح "مثل" منصوبة بنفس الجزاء أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، واختلف العلماء في هذه المماثلة كيف تكون؟! فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتول في الخلقة وعظم المرأى فيجعلون ذلك من النعم جزاءه، قال الضحاك بن مزاحم والسدي وجماعة من الفقهاء: في النعامة وحمار الوحش ونحوه بدنة، وفي الوعل والإبل ونحوه بقرة، وفي الظبي ونحوه كبش، وفي الأرنب ونحوه ثنية من الغنم، وفي اليربوع حمل صغير، وما كان من جرادة ونحوها ففيها قبضة طعام، وما كان من طير فيقوم ثمنها طعاماً فإن شاء تصدق به وإن شاء صام لكل صاع يوماً، وإن أصاب بيض نعام فإنه يحمل الفحل على عدد أصاب من بكارة الإبل فما نتج منها أهداه إلى البيت وما فسد فيها منها فلا شيء عليه فيه. قال القاضي أبو محمد: حكم عمر على قبيصة بن جابر في الظبي بشاة، وحكم هو وعبد الرحمن بن عوف، قال قبيصة: قلت يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك، قال: فضربني بالدرة حتى سابقته عَدْوا. ثم قال: أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى؟ وهذه القصة في الموطأ بغير هذه الألفاظ. وكذلك روي أنها نزلت بصاحب لقبيصة، وقبيصة هو راويها والله أعلم. وأما الأرنب واليربوع ونحوها فالحكم فيه عند مالك أن يقوم طعاماً، فإن شاء تصدق به وإن شاء صام بدل كلّ مدّ يوماً، وكذلك عنده الصيام في كفارة الجزاء إنما هو كله يوم بدل مد، وعند قوم صاع، وعند قوم بدل مدين، وفي حمام الحرم عند مالك شاة في الحمامة، وفي الحمام غيره حكومة وليس كحمام الحرم، وأما بيض النعام وسائر الطير ففي البيضة عند مالك عشر ثمن أمه، قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ صارخاً بعد الكسر فإن استهل ففيه الجزاء كاملاً كجزاء كبير ذلك الطير. قال ابن المواز: بحكومة عدلين، وقال ابن وهب: إن كان في بيضة النعامة فما دونها فرخ فعشر ثمن أمه، وإن لم يكن فصيام يوم أو مد لكل مسكين، وذهبت فرقة من أهل العلم منهم النخعي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة، يقوّم الصيد المقتول ثم يشتري بقيمته من النعم ثم يهدى، ورد الطبري وغيره على هذا القول، و {النعم} لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمع هذه الأصناف، فإذا انفرد كل صنف لم يقل "نعم" إلا للإبل وحدها، وقرأ الحسن "من النعْم" بسكون العين وهي لغة،والجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه بحكم لفظ الآية، وذلك في المدونة ظاهر من مسألة الذي اصطاد طائراً فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال لا جزاء عليه، وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير فيها، وحكم عمر وعبد الرحمن بن عوف وأمر أبا جرير البجلي أن يأتي رجلين من العدول ليحكما عليه في عنز من الظباء أصابها قال: فأتيت عبد الرحمن وسعداً فحكما عليّ تيساً أعفر، ودعا ابن عمر ابن صفوان ليحكم معه في جزاء، وعلى هذا جمهور الناس وفقهاء الأمصار، وقال ابن وهب رحمه الله في العتبية: من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره الله في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً. فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي. فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوماً. وكذلك قال مالك في المدونة: إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم وإن كان لما أصاب نظير من النعم فإنه يقوم صيده طعاماً لا دراهم، قال: وإن قوموه دراهم واشتري بها طعام لرجوت أن يكون واسعاً، والأول أصوب، فإن شاء أطعمه وإلا صام مكانه لكل مد يوماً, وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن أحتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الطعام، ومن أهل العلم من يرى أن لا يتجاوز في صيام الجزاء شهران، قالوا: لأنها أعلى الكفارات بالصيام، وقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} يقتضي هذا اللفظ أن يشخص بهذا الهدي حتى يبلغ، وذكرت {الكعبة} لأنها أم الحرم ورأس الحرمة، والحرم كله منحر لهذا الهدي فما وقف به بعرفة من هذا الجزاء فينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع الحرم، بشرط أن يدخل من الحل لا بد أن يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغاً الكعبة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج "هدِيّاً بالغ الكعبة" بكسر الدال وتشديد الياء، و {هدياً} نصب على الحال من الضمير في {به} ، وقيل على المصدر، و {بالغ} نكرة في الحقيقة لم تزل الإضافة عنه الشياع، فتقديره بالغاً الكعبة حذف تنويه تخفيفاً، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي "أو كفارةً" منوناً "طعامُ مساكين" برفع طعام وإضافته إلى جمع المساكين، وقرأ نافع وابن عامر برفع الكفارة دون تنوين وخفض الطعام على الإضافة ومساكين بالجمع، قال أبو علي: إعراب طعام في قراءة من رفعه أنه عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة لأنها ليست للطعام إنما هي لقتل الصيد. قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام كله مبني على أن الكفارة هي الطعام وفي هذا نظر، لأن الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام لكنها به، فيتجه في رفع الطعام البدل المحض، ويتجه قراءة من أضاف الكفارة إلى الطعام على أنها إضافة تخصيص، إذ كفارة هذا القتل قد تكون كفارة هدي أو كفارة طعام أو كفارة صيام، وقرأ الأعرج وعيسى بن عمرو "أو كفارةٌ" بالرفع والتنوين "طعامُ" بالرفع دون تنوين "مسكين" على الإفراد وهو اسم الجنس، وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: القاتل مخير في الرتب الثلاثة وإن كان غنياً، وهذا عندهم مقتضى {أو} ، وقال ابن عباس وجماعة لا ينتقل المكفر من الهدي إلى الطعام إلا إذا لم يجد هدياً، وكذلك لا يصوم إلا إذا لم يجد ما يطعم، وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، قالوا: والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي. ومالك رحمه الله وجماعة معه يرى أن المقوم إنما هو الصيد المقتول بالطعام كما تقدم، وقال العراقيون إنما يقوم الجزاء طعاماً، فمن قتل ظبياً قوم الظبي عند مالك وقوم عدله من الكباش أو غير ذلك عند أبي حنيفة وغيره، وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً قال: وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعاماً فإنما يجد جزاء، وأسنده أيضاً عن السدي. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا القول بظاهر لفظ الآية فإنه ينافره، والهدي لا يكون إلا في الحرم كما ذكرنا قبل. واختلف الناس في الطعام فقال جماعة من العلماء: الإطعام والصيام حيث شاء المكفر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره "الهدي و الإطعام بمكة والصوم حيث شئت" وقوله تعالى: {أو عدل ذلك صياماً} قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه: نظير الشيء بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري: "أو عِدل" بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس "العَدل" بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعِدله بالكسر قدره من جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي: أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن "العِدل" بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله قدره من شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه هنا كسر العين فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله {عدل ذلك} يحتمل أن تكون إلى الطعام، وعلى هذا انبنى قول من قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته في ذلك. ويحتم أن تكون الإشارة بـ {بذلك} إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انبنى قول من قال من العلماء: الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه إن قتل المحرم ظبياً فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلاً فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً. قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم لابن عباس رضي الله عنه قول غير هذا آنفاً حكاهما عنه الطبري مسندين، ولا ينكر أن يكون له في هيئة التكفير قولان، وقال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: {أو عدل ذلك صياماً} قال يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة. وقوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} الذوق هنا مستعار كما قال تعالى: {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم} تفسير : [الدخان:49] وكما قال {أية : فأذاقها الله لباس الجوع} تفسير : [النحل:112] وكما قال أبو سفيان: ذق عقق وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة السان، وهي في هذا كله مستعارة فيما بوشر بالنفس، والوبال سوء العاقبة، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله، وعبر بأمره عن جميع حاله من قتل وتكفير وحكم عليه ومضي ماله أو تعبه بالصيام، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: {عفا الله عما سلف} فقال عطاء بن أبي رباح وجماعة معه: معناه عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرمة ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان مستحيلاً فينتقم الله منه في الآخرة ويكفر في ظاهر الحكم، وإن كان عاصياً فالنقمة هي في إلزام الكفارة فقط، قالوا وكلما عاد المحرم فهو مكفر. قال القاضي أبو محمد: ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالك ونظائره وأصحابه رحمهم الله، وقال ابن عباس رضي الله عنه: المحرم إذا قتل مراراً ناسياً لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة، فأما المتعمد العالم بإحرامه فإنه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله، وقال بهذا القول شريح القاضي وإبراهيم النخعي ومجاهد، وقال سعيد بن جبير: رخص في قتل الصيد مرة فمن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه. قال القاضي أبو محمد: وهذ القول منه رضي الله عنه وعظ بالآية، وهو مع ذلك يرى أن يحكم عليه في العودة ويكفر لكنه خشي مع ذلك بقاء النقمة، وقال ابن زيد: معنى الآية {عفا الله عما سلف} لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم، قال وأما من عاد فقتل الصيد وهو عالم بالحرمة متعمد للقتل فهذا لا يحكم عليه، وهو موكول إلى نقمة الله، ومعنى قوله {متعمداً} في صدر الآية أي متعمداً للقتل ناسياً للحرمة. قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم ذكر هذا الفصل، قال الطبري: وقال قوم: هذه الآية مخصوصة في شخص بعينه وأسند إلى زيد بن المعلى أن رجلاً أصاب وهو محرم فتجوز له عنه ثم عاد فأرسل الله عليه ناراً فأحرقته، فذلك قوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه} وقوله تعالى: {والله عزيز ذو انتقام} تنبيه على صفتين تقتضي خوف من له بصيرة،حديث : ومن خاف ازدجر، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل .
ابن عبد السلام
تفسير : ـ قوله عزّ وجلّ: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} فيه ثلاثة أقاويل أحدها: يعني الإحرام بحج أو عمرة قاله الأكثرون، والثاني: بالمحرم الداخل إلى الحرم، يقال أحرم إذا دخل الحرم، (وأتهم إذا دخل تهامة، وأنجد إذا دخل نجدا، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم قاله بعض أهل البصرة، والثالث: أنّ اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل الحرم) وحكم قتل الصيد فيهما على [حد] سواء بظاهر الآية قاله أبو علي بن أبي هريرة. {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فيه قولان: أحدهما: متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه قاله مجاهد وإبراهيم وابن جريج، والثاني: متعمداً لقتله ذاكراً لإحرامه قاله ابن عباس وعطاء الزهري واختلفوا في الخاطىء في قتله الناسي لإحرامه على قولين: أحدهما: لا جزاء عليه قاله داود، والثاني: عليه الجزاء قاله [مالك و] أبو حنيفة والشافعي. {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} يعني أنّ جزاء القتل في الحرم أو الإحرام مثل ما قتل من النعم، وفي مثله قولان: أحدهما: أنّ قيمة الصيد مصروفة في مثله من النعم قاله أبو حنيفة والثاني: أنّ عليه مثل الصيد من النعم في الصورة والشبه قاله الشافعي. {يَحْكُمُ بِهِ ذّوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} يعني بالمثل من النعم لا يستقر المثل فيه إلا بحكم عدلين فقيهين، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما {هَدْيَاً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} يريد أي مثل الصيد من النعم يلزمه إيصاله إلى الكعبة وعني بالكعبة جميع الحرم لأنها في الحرم، واختلفوا هل يجوز أن يهدي في الجزاء ما لا يجوز في الأضحية من صغار الغنم على قولين: أحدهما: لا يجوز قاله أبو حنيفة، والثاني: يجوز قاله الشافعي. {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنه يُقَوَّمُ المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعاماً قاله عطاء والشافعي، والثاني: يُقَوَّم الصيد ويشتري بقيمة الصيد طعاماً قاله قتادة وأبو حنيفة. {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} يعني عدل الطعام صياماً، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يصوم عن كل مد يوماً قاله عطاء والشافعي، والثاني: يصوم عن كل مد ثلاثة أيام [إلى عشرة أيام] قاله سعيد بن جبير والثالث: يصوم عن كل صاع يومين قاله ابن عباس. واختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة هل هو على الترتيب أو التخيير على قولين: أحدهما: أنه على الترتيب إن لم يجد المثل فالإطعام فإن لم يجد الطعام فالصيام قاله ابن عباس ومجاهد وعامر وإبراهيم والسدي، والثاني: أنه على التخيير في التكفير بأي الثلاثة شاء قاله عطاء وأحد قولي ابن عباس وهو مذهب شافعي. {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} يعني في التزام الكفارة ووجوب التوبة {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} يعني قبل نزول التحريم. {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} فيه قولان: أحدهما: يعني ومن عاد بعد التحريم فينتقم الله منه بالجزاء عاجلاً وعقوبة [المعصية] آجلاً، والثاني: ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله. {فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} "فيه على هذا التأويل قولان، أحدهما: فينتقم الله منه" بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء قاله ابن عباس وداود، والثاني: بالجزاء مع العقوبة قاله الشافعي والجمهور.
الخازن
تفسير : وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} جمع حرام. أي: لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بالحج والعمرة وقيل المراد منه دخول الحرم. يقال: أحرم إذا عقد الإحرام، وأحرم: إذا دخل الحرم. وقيل: هما مرادان بالآية فلا يجوز قتل الصيد للمحرم ولا في الحرم نزلت هذه الآية في أبي اليسر شد على حمار وحش فقتله وهو محرم ثم صار هذا الحكم عاماً فلا يجوز قتل الصيد ولا التعرض له ما دام محرماً ولا في الحرم. والمراد بالصيد، كل حيوان متوحش مأكول اللحم وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: هو كل حيوان متوحش سواء كان مأكولاً أو لم يكن فيجب عنده الضمان على من قتل سبعاً أو نمراً أو نحو ذلك واستثنى الشارع خمس فواسق فأجاز قتلهن (ق). عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور"تفسير : وفي رواية: "حديث : خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام"تفسير : (ق). عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور"تفسير : ولمسلم "حديث : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم"تفسير : وذكر نحوه. وفي رواية النسائي قال: "حديث : خمس يقتلن المحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والغراب الأبقع، والكلب العقور"تفسير : قال ابن عيينة: الكلب العقور كل سبع ضار يعقر. وقاس الشافعي عليها جميع ما لا يؤكل لحمه، قال: لأن الحديث يشتمل على أشياء بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا في معنى الهوام وإنما هو حيوان مستخبث اللحم. وتحريم الأكل، يجمع الكل فاعتبره ورتب عليه الحكم. وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في كل ما لا يؤكل لحمه إلا الأعيان المذكورة في الحديث وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه كفارة. قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمداً} قال مجاهد والحسن وابن زيد: هو الذي يتعمد قتل الصيد مع نسيان الإحرام فعليه الجزاء. أما إذا تعمد قتل الصيد ذكراً لإحرامه، فلا جزاء عليه لأنه أعظم من أن يكون له كفارة. وقال ابن عباس والجمهور: يحكم عليه بالجزاء وإن تعمد القتل مع ذكر الإحرام وهذا مذهب عامة الفقهاء، أما إذا قتل الصيد خطأ بأن قصد غيره بالرمي فأصابه، فهو كالعمد في وجوب الجزاء وهذا مذهب جمهور المفسرين والفقهاء قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ يعني ألحقت المخطئ بالمتعمد في وجوب الجزاء وقال سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئاً وهذا قول شاذ لا يؤخذ به {فجزاء مثل ما قتل من النعم} يعني فعليه جزاء من النعم مثل ما قتل والمثل والشبه واحد واختلفوا في هذه المماثلة أهي بالخلقة أم بالقيمة والذي عليه جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أن المماثلة في الخلقة معتبرة لأن ظاهر الآية يدل على ذلك وما لا مثل له فالقيمة، وقال أبو حنيفة: المثل الواجب في قتل الصيد هو القيمة لأن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة وهذا لا نزاع فيه فكان المراد بالمثل هو القيمة في هذه الصورة فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على معنى واحد وأجيب عنه بأن حقيقة المماثلة أمر معلوم فيجب رعايتها بأقصى الإمكان وإن لم تكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة وحجة الشافعي ومن وافقه في اعتبار المماثلة بالخلقة أن الصحابة حكموا في بلدان شتى وأزمان مختلفة بالمثل من النعم فحكموا في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وحكموا في حمار الوحش ببقرة وهو لا يساوي بقرة وكذا في الضبع بكبش فدل ذلك على أنهم إنما نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبهاً من حيث الخلقة فحكموا به ولم يعتبروا القيمة فيجب في الظبي شاة وفي الأرنب سخل وفي الضب سخلة وفي اليربوع جفرة ويجب في الحمامة وكل ما عبَّ وهدر كالفواخت والقمري وذوات الأطواق شاة وما سواه من الطير ففيه القيمة في المكان الذي أصيب فيه. وروي عن عثمان وابن عباس أنهما حكما في حمام الحرم. وروي عن عمر أنه قضى في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة. وقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} يعني يحكم بالجزاء في قتل الصيد رجلان صالحان عدلان من أهل ملتكم ودينكم وينبغي أن يكونا فقيهين فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به. قال ميمون ابن مهران: جاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق، فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: إني أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: يحكم به ذوا عدل منكم فشاورت صاحبي فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به وقوله تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} يعني أن الكفارة هدي يساق إلى الكعبة وسميت الكعبة كعبة لارتفاعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة. وإنما أريد الكعبة، كل الحرم لأن الذبح لا يقع في الكعبة وعندها ملاقياً لها إنما يقع في الحرم وهو المراد بالبلوغ فيذبح الهدي بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم هذا مذهب الشافعي وقال أبو حنيفة له أن يتصدق به حيث شاء إذا وصل الهدي إلى الكعبة {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً} ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن كلمة - أو- في هذه الآية للتخيير وقال أحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة إنها للترتيب وهما روايتان. عن ابن عباس قال الشافعي إذا قتل صيداً له مثل فهو مخير بين ثلاثة أشياء: إن شاء ذبح المثل من النعم وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء قوم المثل دراهم والدراهم طعاماً ثم يتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يوماً. وعن أحمد روايتان كالقولين وأصل هذه المسألة أنّ الصوم مقدر بطعام اليوم فعند الشافعي مقدر بالمد وعند أبي حنيفة مقدر بنصف صاع وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة الأشياء إلى قاتل الصيد الذي وجب عليه الكفارة لأن الله أوجب عليه أحد هذه الثلاثة على التخيير فوجب أن يكون هو المخير بين أيها شاء وقال محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة التخيير إلى الحكمين لأن الله تعالى قال: {يحكم به ذوا عدل منكم} ومن قال: إن كلمة أو للترتيب، قال: إن لم يجد الهدي اشترى طعاماً وتصدق به فإن كان معسراً صام وقال مالك: إن لم يخرج المثل من النعم يقوّم الصيد ثم يجعل القيمة طعاماً فيتصدق به أو يصوم. وقال أبو حنيفة: لا يجب المثل من النعم، بل يقوم الصيد فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوماً واختلفوا في موضع التقويم فقال جمهور الفقهاء يقوم في المكان الذي قتل فيه الصيد. وقال الشعبي: يقوم بمكة بثمن مكة لأنه يصرف بها. وقوله تعالى: {ليذوق وبال أمره} يعني جزاء ذنبه. والوبال في اللغة، الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره. يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة وإنما سمى ذلك الله وبالاً لأن إخراج الجزاء ثقيل على النفس لأن فيه تنقيصاً للمال وهو ثقيل على النفس وكذا الصوم أيضاً ثقيل على النفس لأن فيه إنهاك البدن {عفا الله عما سلف} يعني قبل التحريم {ومن عاد} يعني إلى قتل الصيد مرة ثانية {فينتقم الله منه} يعني في الآخرة والانتقام المبالغة في العقوبة وهذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في المرة الثانية والثالثة فإذا تكرر من المحرم قتل الصيد تكرر عليه الجزاء وهذا قول جمهور العلماء وقد روي عن ابن عباس والنخعي وداود الظاهري أنه إذا قتل الصيد مرة ثانية فلا جزاء عليه لأنه وعد بالانتقام منه. قال ابن عباس: إذا قتل المحرم صيداً متعمداً سئل هل قتل شيئاً من الصيد، فإن قال نعم، لم يحكم عليه. ويقال له: اذهب فينتقم الله منك وإن قال لم أقتل قبله شيئاً، حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضرباً وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيدوج وهو واد بالطائف: {والله عزيز ذو انتقام} يعني ممن عصاه. وإذا أتلف المحرم شيئاً من الصيد الذي لا مثل له من النعم مثل البيض وطائر صغير دون الحمام ففيه القيمة فيقوّم ثم يشتري بقيمته طعاماً ويتصدق به على محاويج الحرم أو يصوم عن كل مد يوماً.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ...} الآية: الصَّيْد: مصدرٌ عومِلَ معاملةَ الأسماء، فأوقع على الحَيَوانِ المَصِيدِ، ولفظُ الصيد هنا عامٌّ، ومعناه الخصوصُ فيما عدا ما استثني، وفي الصحيح عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ»تفسير : ، وأجمع النَّاس على إباحة قتل الحَيَّة، وبَسْطُ هذا في كُتُب الفقْه، و {حُرُم}: جمع حرامٍ، وهو الذي يدخُلُ في الحَرَم، أو في الإحرام، واختلف في قوله: {مُّتَعَمِّداً}، فقال مجاهد وغيره: معناه: متعمِّداً لقتله، ناسياً لإحرامه، فهذا يُكَفِّرُ،وأما إنْ كان ذاكراً لإِحرامه، فهو أعظمُ مِنْ أن يكفِّر، وقد حَلَّ ولا رخْصَة له. وقال جماعة من أهْل العلْمِ، منهم ابن عباس ومالكٌ والزُّهْرِيُّ وغيرهم: المتعمِّد: القاصد للقتلِ، الذَّاكرُ لإِحرامه، فهو يكفِّر، وكذلك الناسِي والقاتلُ خطأً يكفِّران، وقرأ نافع وغيره: «فَجَزَاءُ مِثْلِ»، ـــ بإضافة الجزاء إلَىٰ «مثل» ـــ، وقرأ حمزة وغيره: «فَجَزَاءُ» ـــ بالرفع ـــ، «مِثْلُ» ـــ بالرفع أيضاً ـــ، واختلفَ في هذه المماثلة، كيف تكُون، فذهب الجمهور إلى أنَّ الحَكَمين ينظران إلَىٰ مِثْلِ الحيوان المَقْتُول في الخِلْقَة، وعظم المرأَىٰ، فيجعلانِ ذلك من النَّعَم جزاءه، وذهب الشَّعْبيُّ وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة يُقَوَّم الصيدُ المقتول، ثم يشتري بقيمته نِدٌّ من النَّعَم، ورد الطبريُّ وغيره هذا القولَ، والنَّعَم: لفظ يقع علَى الإبل والبَقَر والغَنَم، إذا ٱجتمعَتْ هذه الأصنافُ، فإن ٱنفرَدَ كلُّ صِنْفٍ لم يُقَلْ «نَعَم» إلا للإبل وحْدها، وقَصَرَ القرآنُ هذه النازَلَة علَىٰ حَكَمين عدْلَيْن عالِمَيْن بحُكْم النازلة، وبالتقدير فيها، وعلَىٰ هذا جمهورُ الناس. قال ابنُ وهْب في «العتبية»: من السنة أن يُخَيِّرَ الحَكَمان مَنْ أصاب الصيد؛ كما خَيَّره اللَّه تعالَىٰ في أنْ يخرج هَدْياً بالغَ الكَعْبة، أو كفارةً طعامَ مساكينَ، أو عَدْلَ ذلك صياماً، فإن ٱختار الهَدْيَ، حَكَما عليه بما يريانِهِ نَظيراً لما أصاب ما بينهما وبَيْن أن يكون عَدْلَ ذلك شاةً؛ لأنها أدنَى الهَدْيِ، فما لم يبلُغْ شاةً، حَكَمَا فيه بالطعامِ، ثم خُيِّر في أنْ يطعمه أو يصوم مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً، وكذلك قال مالكٌ في «المدوَّنة»: إذا أراد المصيبُ أنْ يطعم أو يصوم، فَإنْ كان لِمَا أصاب نظيرٌ من النَّعَم، فإنه يقوَّمُ صيدُهُ طعاماً، لاَ دَرَاهِمَ، قال: وإن قوَّماه دراهمَ، وٱشْتُرِيَ بها طعامٌ، لَرَجَوْتُ أنْ يكون واسعاً، والأول أصْوَبُ، فإنْ شاء، أطعمه، وإلا صام مَكَانَ كلِّ مُدٍّ يوماً، وإن زاد ذلك علَىٰ شهرين، أو ثلاثة، وقال يحيـى بن عمر من أصحابنا: إنما يقالُ: كَمْ مِنْ رجلٍ يَشْبَعُ من هذا الصيدِ، فيعرف العددَ، ثم يقال: كَمْ من الطعامِ يُشْبِعُ هذا العَدَدَ؟ فإن شاء، أخرج ذلك الطعام، وإن شاء، صام عدد أمداده، وهذا قولٌ حسنٌ ٱحتاطَ فيه؛ لأنه قد تكونُ قيمةُ الصيدِ مِنَ الطعامِ قليلةً، فبهذا النَّظَر يكثر الإطعام. وقوله تعالى: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ} ذكرت «الكعبة»؛ لأنها أم الحَرَم، والحَرَمُ كلُّه مَنْحَرٌ لهذا الهَدْيِ؛ ولا بد أن يجمع في هذا الهَدْي بَيْن الحِلِّ والحَرَمِ حتَّىٰ يكون بالِغَ الكعبة، فالهَدْيُ لا ينحر إلا في الحَرَمِ. واختلفَ في الطَّعَام، فقال جماعةٌ: الإطعام والصَّوْمِ حيث شاء المكفِّر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: الهَدْيُ والإطعام بمكَّة، والصوم حيث شِئْتَ. وقوله سبحانه: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}: الذوق هنا مستعارٌ، والوبالُ: سوءُ العاقبةِ، والمرعَى الوَبِيلُ هو الذي يتأذَّىٰ به بَعْد أكله، وعبَّر بـ {أَمَرَه} عن جميع حاله؛ مِنْ قتلٍ وتكْفيرٍ، وحكمٍ علَيْه، ومُضِيِّ مالِهِ، أو تعبِهِ بالصَّوْمِ، واختلف في معنى قوله سبحانه: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف...} الآية: فقال عطاءُ بن أبي رباح، وجماعة: معناه: عفا اللَّه عما سَلَفَ في جاهليَّتكم مِنْ قتلكم الصيد في الحرمة، ومَنْ عاد الآنَ فِي الإسلام، فإن كان مستحلاًّ، فينتقم اللَّه منه في الآخرة، ويكفَّرُ في ظاهر الحُكْم، وإن كان عاصياً، فالنقْمَةُ هي في إلزامُ الكَفَّارة فقَطْ، قالوا: وكلَّما عاد المُحْرِمُ، فهو يكفِّر. قال * ع *: ويخاف المتورِّعون أنْ تبقى النِّقْمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالكٍ ونظرائه، وأصحابِهِ (رحمهم اللَّه)، وقال ابن عباس وغيره: أما المتعمِّد، فإنه يكفِّر أول مرَّةٍ، وعفا اللَّه عن ذَنْبه، فإن اجترأ، وعاد ثانياً، فلا يُحْكَم عليه، ويقال له: ينتقم اللَّه منْكَ؛ كما قال اللَّه تعالَىٰ. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ}: تنبيهٌ علَىٰ صفتين تقتضيان خَوْفَ من له بصيرةٌ، ومن خاف، ٱزدَجَر، ومن هذا المعنَىٰ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ خَاَف أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ»تفسير : ، قلت: والصيد لِلَّهْوِ مكروه، ورَوَىٰ أبو داود في سُنَنه، عن ابنِ عبَّاس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : مَنْ سَكَنَ البَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ ٱتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أتَى السُّلْطَانَ، ٱفْتُتِنَ»تفسير : . انتهى. وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ...} الآية: البَحْر: الماء الكثيرُ، مِلْحاً كان أو عَذْباً، وكلُّ نهر كبير: بحرٌ، وطعامه: هو كل ما قَذَفَ به، وما طَفَا عليه؛ قاله جماعة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم؛ وهو مذهبُ مالكٍ. و {مَّتَـٰعاً}: نصبٌ على المَصْدر، والمعنَىٰ: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تنتفعُونَ به، وتأْتَدِمُونَ، و {لَكُمْ }: يريدُ حاضري البَحْر ومُدُنِهِ، و {لِلسَّيَّارَةِ}: المسافرينَ، واختلف في مقتضَىٰ قوله سبحانه: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}، فتلقاه بعضهم على العُمُوم من جميع جهاته؛ فقالوا: إنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أنْ يصيد، ولا أنْ يأمر من يَصِيد، ولا أن يأكل صيداً صِيدَ من أجله، ولا مِنْ غير أجله، وأنَّ لَحْم الصيد بأيِّ وجه كان حرامٌ على المُحْرِمِ، وكان عمر بنُ الخطَّاب (رضي اللَّه عنه) لاَ يَرَىٰ بأساً للمُحْرِمِ أنْ يأكل ما صَادَهُ حلالٌ لنفسه، أو لحلالِ مثله، وقال بمثل قولِ عمر ـــ عثمانُ بنُ عفَّان والزُّبَيْر بنُ العَوَّام؛ وهو الصحيحُ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ مِنَ الحِمَارِ الَّذِي صَادَهُ أبو قَتَادَةَ، وهو حَلاَلٌ، والنبيُّ ـــ عليه السلام ـــ مُحْرِم. ثم ذكَّر سبحانه بأمر الحَشْر والقيامةِ، مبالغةً في التحذير؛ ولما بان في هذه الآيات تعظيمُ الحَرَمِ والحُرْمة بالإحرام من أجْل الكعبة، وأنَّها بيْتُ اللَّه تعالَىٰ، وعنصر هذه الفَضَائلَ ذَكَرَ سبحانه في قوله: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ}؛ تنبيهاً سَنَّهُ في الناس، وهداهم إلَيْهِ، وحَمَلَ عليه الجاهليَّة الجهلاَءَ من ٱلتزامِهِمْ أنَّ الكعبة قِوَامٌ، والهَدْي قِوَامٌ، والقلائد قِوَام، أي: أمر يقوم للناس بالتَّأمين، ووَضْعِ الحربِ أوزارها، وأعلَمَ تعالى أنَّ التزامَ النَّاس لذلك هو ممَّا شرعه وٱرتضاه، و {جَعَلَ}، في هذه الآيةِ: بمعنى «صَيَّر»، والكَعْبَة بيْتُ مكة، وسمي كعبةً لتربيعه، قال أهْل اللُّغَة: كلُّ بَيْتٍ مربَّع، فهو مكعَّب، وكَعْبة، وذهب بعض المتأوِّلين إلى أنَّ معنى قوله تعالى: {قِيَاماً لِّلنَّاسِ}، أي: موضع وُجُوب قيامٍ بالمناسك والتعبُّدات، وضَبْطِ النفوسِ في الشهر الحرام، ومع الهَدْيِ والقلائدِ، قال مَكِّيٌّ: معنى {قِيَاماً لِّلنَّاسِ}، أي: جعلها بمنزلة الرئيس الَّذي يقُومُ به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عَنْ ظُلْم بعضهم بعضاً، وكذلك الهَدْيُ والقلائد جُعِلَ ذلك أيضاً قياماً للناس؛ فكان الرجُلُ إذا دَخَل الحَرَمِ أَمِنَ مِنْ عدوه، وإذا ساق الهَدْي كذلك، لم يعرض لَهُ، وكان الرجُلُ إذا أراد الحجَّ، تقلَّد بقلادة مِنْ شعر، وإذا رجع تقلَّد بقلادة من لِحَاءِ شَجَر الحَرَمِ، فلا يعرض له، ولا يُؤْذَىٰ حتى يَصِلَ إلَىٰ أَهله، قال ابنُ زيد: كان الناسُ كلُّهم فيهم ملوكٌ تدفع بعضُهُم عن بعض، ولم يكُنْ في العرب ملوكٌ تدفع عن بعضهم ظُلْمَ بعضٍ، فجعل اللَّه لهم البَيْتَ الحرامَ قياماً يدفَعُ بعضَهُمْ عن بعض. انتهى من «الهداية». والشهرُ هنا: اسمُ جنسٍ، والمراد الأشهر الثلاثةُ بإجماع من العرب، وشَهْرُ مُضَرَ، وهو رَجَبٌ، وأما الهَدْيُ، فكان أماناً لمن يسوقه؛ لأنه يعلم أنه في عبادةٍ لم يأت لحَرْبٍ، وأما القلائد، فكذلك كان الرجُلُ إذا خَرَج يريدُ الحَجِّ، تقلَّد مِنْ لحاء السَّمُرِ أو غيره شيئاً، فكان ذلك أماناً له، وكذلك إذا انصرفوا، تقلَّدوا من شجر الحَرَمِ، وقوله {ذٰلِكَ}: إشارةٌ إلى أنَّ جعل اللَّه هذه الأمور قياماً. وقوله سبحانه: {بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: عامٌّ عموماً تامًّا في الجزئيَّات ودَقائِقِ الموجودات، والقولُ بغير هذا إلحادٌ في الدِّين وكُفْر.
ابن عادل
تفسير : في المرادِ بالصَّيْدِ قولان: الأوَّلُ: الذي توحَّشَ، سواءً كان مَأكُولاً أو لم يَكُنْ، فعلى هذا المُحْرِم إذا قتل سَبُعاً لا يُؤكَلُ لَحْمُهُ ضَمِن، ولا يجاوزُ به قِيمَة شَاةٍ، وهو قولُ أبِي حنيفةَ - رضي الله عنه -. وقال زُفَر: [يجب] قيمَتُهُ بَالِغاً ما بَلَغَ. الثاني: أنَّ الصَّيْدَ هو ما يُؤكَل لَحْمُهُ، فعلى هذا لا يجبُ الضَّمانُ ألْبَتَّةُ في قَتْلِ السَّبُع، وهو قولُ الشَّافعيِّ [- رضي الله عنه -] وغيره، وحكم أبو حنيفةَ - رضي الله عنه - أنَّه لا يَجِبُ الجَزَاءُ في قَتْلِ الفواسِقِ الخَمْس، وفي قَتْلِ الذِّئْبِ، واسْتَدَلَّ الشافعيُّ بقوله تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} تفسير : [المائدة: 96]، فأحلَّ الصَّيْدَ خَارِجَ الإحْرَام، فَثَبَت أنَّ الصيد هو ما أحِلَّ أكْلُهُ. وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : خَمْسٌ فواسقٌ يُقْتَلن في الحلِّ والحَرَم: الغُرَابُ، والحدَأةُ، والحَيَّةُ، والعقرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ"تفسير : . وفي روايةٍ "حديث : والسَّبُع العَادِي"تفسير : ، فوصَفُوهَا بِكَوْنِهِا فواسق، فدلّ على أنّ كونهَا فواسِق عِلَّة لِحِلِّ قَتْلِها. ومعنى كونِها فواسِق كونُها مُؤذِيَة، والأذَى في السِّبَاع أقْوى مِنْهَا، فوجَبَ جَوَازُ قَتْلِهَا. قوله تعالى: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ}: في محلِّ نصب على الحال من فاعل "تَقْتُلُوا"، و"حُرُمٌ" جمع حرام، وحرامٌ يكون للمُحْرِمِ، وإنْ كان في الحلِّ، ولِمَنْ في الحرمِ، وإنْ كان حلالاً، وهما سيَّان في النهي عن قتل الصيد وهل يدخل فيه المحرمُ بالعُمْرة؟ فيه خلافٌ، وهذه الآيةُ نَزَلَتْ في رَجُلٍ يُقَالَ لَهُ: أبو اليَسَرِ شدَّ على حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وهو مُحْرِمٌ فَقَتلَهُ، وهذا يَدُلُّ على المنْعِ من القَتْلِ ابتداء، والمَنْعُ مِنْه تَسَبُّباً، فَلَيْسَ لهُ أنْ يتعَرَّضَ للصَّيْد ما دامَ مُحْرِماً، لا بالسِّلاح ولا بالجَوارِحِ من الكلابِ والطَّيْرِ، سواء كان الصَّيْدُ صَيْد الحِلِّ أو الحَرَمِ، وأمَّا الحلالُ فلَهُ أنْ يَتَصيَّدَ في الحلِّ وفي الحَرَم. قوله تعالى: "مِنْكُمْ" في محل نصبٍ على الحال من فاعل "قَتَلَهُ"، أي: كائناً منْكُمْ، وقيل: "مِنْ" للبيان، وليس بشيء؛ لأنَّ كُلَّ من قتل صَيْداً حكمُه كذلك، فإن قُلْتَ: هذا واردٌ أيضاً على جعله حالاً، فالجواب: لم يُقْصَدْ لذلك مفهومُ؛ حتَّى إنه لو قتله غيرُكُمْ، لم يكن عليه جزاءٌ؛ لأنَّه قصد بالخطابِ معنًى آخرَ، وهو المبالغةُ في النهي عن قَتْلِ الصيد. قوله: "مُتَعَمِّداً" حالٌ أيضاً من فاعل "قَتَلَهُ"، فعلى رأي مَنْ يُجَوِّز تعدُّدَ الحال، يُجيز ذلك هنا، ومن منع يقول: إنَّ "مِنْكُمْ" للبيانِ؛ حتَّى لا تتعدَّد الحالُ، و"مَنْ" يُجَوِّزُ أنْ تكونَ شرطيةً، وهو الظاهرُ، وموصولةً، والفاءُ لشبهها بالشرطيةِ، ولا حاجةَ إليه وإنْ كانوا فعلوه في مواضع. قوله تعالى: "فَجَزَاءٌ" الفاءُ جوابُ الشرطِ أو زائدةٌ؛ لشبه المبتدأ بالشرط؛ فعلى الأوَّل: الجملةُ بعدها في محلِّ جزمٍ؛ وعلى الثاني: في محلِّ رفعٍ، وما بعد "مَنْ" على الأولِ في محلِّ جزمٍ؛ لكونه شرطاً؛ وعلى الثاني: لا محلَّ له لكونه صلةً، وقرأ الكوفيُّون: "فَجَزاءٌ مثلُ" بتنوين "جَزَاءٌ" [ورفعه] ورفع "مِثْلُ"، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى "مِثْل"، ومحمَّد بن مُقاتِل بتنوين "جَزَاءً"، ونصبه، ونصب "مِثْلَ"، والسُّلَمِي برفع "جَزَاءٌ" منوناً، ونصب "مِثل"، وقرأ عبد الله "فَجَزَاؤهُ" برفع "جَزَاء" مضافاً لضمير "مِثْل" رفعاً. فأمَّا قراءةُ الكوفيِّين فواضحةٌ لأنَّ "مِثْل" صفةٌ لـ "جَزَاء"، أي: فعليْه "جَزَاءٌ" موصوفٌ بكونه "مِثْلَ ما قَتَلَهُ" أي مماثله. قالوا: ولا يَنْبَغِي إضافَةُ جزاءٍ إلى المثْلِ، ألا ترى أنَّهُ ليْسَ عليْه جَزَاءُ مثل ما قتلَ في الحقيقَةِ، إنَّمَا عليه جَزَاءُ المقْتُولِ لا جَزَاء مثل المقَتُول الذي لم يَقْتُلْه. وجَوَّز مكي وأبو البقاء وغيرُهما أنْ يرتفعَ "مِثْل" على البدلِ، وذكر الزجَّاج وجْهاً غريباً، وهو أن يرتفع "مِثْلُ" على أنه خبرٌ لـ "جَزَاءٌ"، ويكونُ "جزَاءٌ" مبتدأ، قال: "والتقديرُ: فجزاءُ ذلك الفعلِ مِثْلُ ما قتل"؛ قال شهاب الدين: ويؤيِّد هذا الوجه قراءةُ عبد الله: "فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ"، إلاَّ أن الأحسنَ أن يقدِّر ذلك المحذوف ضميراً يعودُ على المقتول، لا أنْ يُقَدِّره: "فَجَزَاءُ ذلك الفِعْلِ" و"مِثْلُ" بمعنى مماثل قال مكيٌّ: قاله الزمخشريُّ، وهو معنى اللَّفْظِ، فإنَّها في قُوَّةِ اسم فاعل، إلاَّ أنَّ مَكِّيًّا تَوَهَّم أن "مِثْلاً" قد يكون بمعنى غير مماثل؛ فإنه قال: "ومثل" في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مُمَاثِل، والتقديرُ: فَجَزَاءٌ مُمَاثِلٌ لما قَتَل، يعني في القيمةِ، أو في الخِلْقَةِ؛ على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفظه، لصار المعنى: فَعَلْيهِ جَزَاءٌ مِثْلُ المَقْتُولِ مِنَ الصَّيْدِ، وإنما يلزم جزاءُ المقْتُولِ بعيْنِهِ لا جَزَاءٌ مِثْلُه؛ لأنه إذا ودى جزاءً مثل المقْتُولِ، صار إنما ودى جزاء ما لم يُقْتَلْ؛ لأنَّ مثل المقتولِ لم يَقْتُلْهُ، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ مماثِلٌ للمقتولِ، ولذلك بَعُدَتِ القراءةُ بالإضَافَةِ عند جماعة، قال شهاب الدين: "مِثْل" بمعنى مُمَاثِل أبداً، فكيف يقول "ولَوْ قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفْظه؟" وأيضاً فقوله: "لصار المعنى إلى آخره" هذا الإشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءة أصْلاً، وإنما ذَكَرَهُ الناسُ في قراءةِ الإضَافَة؛ كما سيأتي، وكأنه نَقَلَ هذا الإشكالَ من قراءةِ الإضافةِ إلى قراءةِ التنوين. وأمَّا قراءة باقي السَّبْعة، فاستبَعدَهَا جماعةٌ، قال الواحِدِيُّ: "ولا ينبغي إضافةُ الجزاءِ إلى المثلِ؛ لأنَّ عليه جزاءَ المقتولِ لا جزاءَ مثلِه، فإنه لا جزاءَ عليه لَمَّا لم يقتلْه". وقال مكيٌّ بعد ما تقدَّم عنه: "ولذلك بَعُدَت القراءةُ بالإضافة عند جماعةٍ؛ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيْدِ المقْتُولِ" ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ؛ فإنَّ أكثر القراء عليها، وقد أجاب الناسُ عن ذلك بأجْوبةٍ سديدةٍ، لمَّا خفيتْ على أولئكَ طَعنُوا في المُتَوَاتِرِ، منْها: أنَّ "جَزَاء" مصدرٌ مضافٌ لمفعوله؛ تخفيفاً، والأصلُ: فعليه جزاءٌ مِثْلُ ما قَتلَ، أي: أن يَجْزِيَ مثل ما قتلَ، ثم أُضيفَ، كما تقول: "عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبٍ زَيْداً" ثم "مِنْ ضَرْبِ زَيْدٍ" ذكر ذلك الزمخشريُّ وغيره، وبَسْطُ ذلك؛ أنَّ الجزاءَ هنا بمعنى القضاء، والأصلُ: فعليه أن يُجْزَى المقتولُ من الصيْدِ مثله من النَّعَمِ، ثم حُذِف المفعولُ الأوَّلُ؛ لدلالة الكلامِ عليه، وأُضيفَ المَصْدَرُ إلى ثانيهما؛ كقولك: "زَيْدٌ فَقِيرٌ ويُعْجِبُنِي إعْطَاؤُكَ الدِّرْهم"، أي: إعطاؤكَ إيَّاه، ومنها: أنَّ "مِثْل" مُقْحَم؛ كقولهم: "مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ"، [أي: أنْتَ لا تفعَلُ ذلك] وأنَا أكْرِمُ مثلك أيْ: أنا أكْرِمُكَ، ونحو قوله تعالى: {أية : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ} تفسير : [البقرة: 137] أي: بِمَا آمَنْتُمْ به، وكقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]، والتقديرُ ليس كهو شيءٌ فـ "مِثْل" زائدةٌ. وقوله تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [الأنعام: 122]، ومِنْهَا أن يكونَ المعنى "فَجَزَاءٌ من مِثْلِ ما قَتَلَ من النَّعَم" كقولك: "خَاتِمُ فضَّة" أي: "خاتمٌ من فضةٍ"، وهذا خلاف الأصْلِ فالجوابُ ما تقدَّم و"مَا" يجوزُ أن تكون موصولةً اسميَّة، أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ على كلا التقديرين، أي: مثلُ ما قَتَلَهُ من النَّعَمِ. فَمَنْ رفع "جَزَاء" ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ، تقديرُه: فعليه جزاء. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، تقديرُه: فالواجبُ جزاء. والثالث: أنه فاعلٌ بفعل محذوف، أي: فيلزَمُه الجزاءُ، أو يَجِبُ عليه جزاءٌ. الرابع: أنه مبتدأ وخبره "مِثْل"، وقد تقدَّم أن ذلك مذهبُ أبي إسْحَاق الزجَّاج، وتقدم أيضاً رفع "مِثْل" في قراءة الكوفيين؛ على أحدِ ثلاثةِ أوجه: النعْتِ، والبدلِ، والخبرِ؛ حيث قلنا: "جَزَاء" مبتدأٌ عند الزجَّاج. وأمَّا قراءةُ "فَجَزَاؤهُ مِثْلُ"، فظاهرةٌ أيضاً، وأمَّا قراءة "فَجَزَاءٌ مِثْلَ" برفع "جَزَاءٌ" وتنوينه، ونصب "مِثْل"، فعلى إعمال المصدر المنوَّنِ في مفعوله، وقد تقدَّم أنَّ قراءة الإضافة منه، وهو نظيرُ قوله تعالى: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً} تفسير : [البلد: 14-15] وفاعلُه محذوف، أي: فجزاءُ أحدِكُمْ أو القاتلِ، أي: أنْ يُجْزَى القاتلُ للصَّيْدِ، وأما قراءة: "فَجَزَاءً مِثْلَ" بنصبهما فـ "جَزَاءً" منصوبٌ على المصدر، أو على المفعول به، و"مِثْلَ" صفتُه بالاعتبارين، والتقدير: فَلْيَجْزِ جَزَاءً مِثْلَ، أو: فَلْيُخْرِجْ جَزاءً، أو فليُغَرَّمْ جَزَاءً مِثْلَ. قوله: "مِنَ النَّعَمِ" فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه صفةٌ لـ "جَزَاء" مطلقاً، أي: سواءً رُفِعَ أم نُصِبَ، نُوِّن أم لم يُنَوَّنْ، أي: إنَّ ذلك الجزاءَ يكونُ من جنسِ النَّعَمِ، فهذا الوجهُ لا يمتنع بحالٍ. الثاني: أنه متعلق بنفسِ "جَزَاء"؛ لأنه مصدرٌ، إلا أنَّ ذلك لا يجوزُ إلا في قراءة من أضاف "جَزَاء" إلى "مثْل"، فإنه لا يلزمُ منه محذورٌ؛ بخلافِ ما إذا نَوَّنْتَهُ، وجعلتَ "مِثْلَ" صفته، أو بدلاً منه، أو خبراً له؛ فإنَّ ذلك يمتنع حينئذ، لأنَّك إنْ جَعلْتَه موصوفاً بـ "مِثْل" كان ذلك ممنوعاً من وجهين: أحدهما: أنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يعملُ، وهذا قد وُصِفَ. والثاني: أنه مصدر، فهو بمنزلةِ الموصولِ، والمعمولُ من تمامِ صلته، وقد تقرَّر أنه لا يُتْبَعُ الموصولُ إلا بعد تمام صلته؛ لئلا يلزمَ الفصلُ بأجنبيٍّ، وإنْ جعلْتَه بدلاً، لَزِم أن يُتْبَعَ الموصولُ قبل تمام صلته، وإنْ جَعَلْتَه خبراً، لزم الإخبارُ عن الموصولِ قبل تمامِ صلته، وذلك كلُّه لا يجوزُ. الثالث: ذكره أبو البقاء وهو أنْ يكون حالاً من عائدِ الموصولِ المحذوفِ؛ فإنَّ التقدير: فجزاءً مثل الذي قتله حالَ كونه من النَّعَم، وهذا وَهْمٌ؛ لأن الموصوف بكونه من النَّعم، إنما هو جزاءُ الصيد المقتولِ، وأمَّا الصيدُ نفسُه، فلا يكونُ من النعم، والجمهورُ على فَتْحِ عَيْن "النَّعَم"، وقرأ الحسن بسكُونها، فقال ابنُ عطيَّة: "هي لغةٌ"، وقال الزمخشريُّ: استثقَلَ الحركةَ على حرفِ الحلق، كما قالوا: "الشَّعْرُ" في "الشَّعَرِ". فصل اخْتَلَفُوا في هذا العَمْد: فقال قَوْمٌ: هو تَعَمُّدُ قتْل الصَّيْد مع نسْيَان الإحْرَام، أمَّا إذا قَتَلَهُ عَمْداً وهو ذَاكِرٌ لإحْرَامِهِ، فلا حُكْمَ عليه، وأمْرُهُ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه أعْظَمُ مِنْ أنْ يكون له كفَّارةٌ، وهو قوْلُ مُجَاهِد والحَسَن. وقال آخَرُون: هُنَاكَ فَرْقٌ بين أن يَعْمَدَ المُحْرِمُ قَتْلَ الصَّيْد ذاكراً لإحْرَامِهِ، فعليه الكَفَّارَةُ، واخْتَلَفُوا فيمَا لو قَتَلَهُ خَطَأً، فذهَبَ أكْثَرُ الفُقَهَاء إلى أنَّ العَمْدَ والخَطَأ وَاحِدٌ في لُزُومِ الكَفَّارَةِ. قال الزُّهرِي: على المُتَعَمِّدِ بالكِتَاب، وعلى المُخْطِىء بالسُّنَّةِ وقال سَعِيدُ بن جُبَيْر: لا تجبُ كفَّارةُ الصَّيْد بِقَتْلِ الخَطَأ، وهُوَ قول دَاوُد. فصل المُرَادُ بالمِثْلِ ما يَقْرُبُ من الصَّيدِ المقْتُولِ شَبَهاً من حيث الخِلْقَةِ، لا من حَيْثُ القِيمَة. وقال محمَّدٌ بنُ الحسنِ: الصَّيدُ ضرْبَانِ: مَا لَهُ مِثلٌ، وما لا مِثْلَ له. فما له مثلٌ يُضْمَنُ بِمِثْلِه من النَّعَمِ، وما لا مِثْلَ لَهُ يُضْمَنُ بالقِيمَة. وقال أبو حَنيفَةَ وأبو يُوسُف: المِثْلُ الواجبُ هو القِيمَةُ. فصل إذا قَتَل المُحْرِمُ الصَّيْدَ وأدَّى جَزاءَه، ثم قتل صَيْداً آخَر لَزِمَه جَزَاء آخَر، وقال دَاوُدُ: لا يَجِبُ، وحجَّةُ الجُمْهُورِ هذه الآيَةُ، فإنَّ ظَاهِرَهَا يقْتَضِي أن يكُون علَّةُ وُجُوب الجَزَاءِ هو القَتْلُ، فوجَبَ أنْ يتكرَّر الحُكْمُ بِتكْرَارِ العِلَّةِ، فإن قيل: إذا قَالَ الرَّجُل لِنِسَائِهِ من دَخَلَتْ مِنْكنَّ الدَّارَ فِهِي طَالِقٌ، فدخلت واحِدَةٌ مرَّتَيْنِ، لم يقع الطَّلاق مرَّتَيْن. فالجوابُ أنَّ القَتْلَ عِلَّة لوُجُوبِ الجَزَاء، فيلْزَمُ تكْرَار الوُجُوبِ لِتكْرارِ العِلَّةِ، وأمَّا دُخُولُ الدَّارِ فهو شَرْطٌ لوُقُوعِ الطَّلاق، فلَمْ يَلْزَم تكْرَارُ الحُكْم عند تكْرارِ الشَّرْط، واحْتَجَّ داوُدُ بقوْلِهِ تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} فجَزَاءُ العَائِدِ الانْتِقَامُ لا الكَفَّارةُ. قوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذوا عَدْلٍ} في موضع نصْبٍ على الحال منه، أو على النَّعْتِ لـ "جَزَاء" فيمَنْ نَصَبه، وخصَّصَ أبو البقاء كونه صفةً بقراءةِ تنوين "جَزَاء"، والحالَ بقراءةِ إضافته، ولا فرقَ، بل يجوزُ أنْ تكون الجملةُ نعتاً أو حالاً بالاعتبارين؛ لأنه أذا أُضيفَ إلى "مِثْل"، فهو باقٍ على تنكيرِه؛ لأنَّ "مِثْلاً" لا يتعرَّفُ بالإضافة، وكذا خَصَّصَ مكي الوصفَ بقراءةِ إضافةِ الجزاء إلى "مِثْل" فإنه قال: "ومِنَ النَّعَم في قراءةِ مَنْ أضافَ الجَزَاء إلى "مِثْل" صفةً لـ "جَزَاء"، ويَحْسُنُ أنْ تتعلَّق "مِنْ" بالمصدر، فلا تكونُ صفةً، وإنما المصدرُ مُعَدى إلى "مِنَ النَّعَمِ"، وإذا جعلته صفةً، فـ "مِنْ" متعلِّقةٌ بالخبرِ المحذوف، وهو فَعَلَيْهِ"، وفي هذا الكلامِ نظرٌ مِنْ وجهَيْن: أحدهما: قد تقدَّم، وهو التخصيصُ بقراءةِ الإضافة. والثاني: أنه حين جعل "مِنَ النَّعَم" صفةً عَلَّقها بالخبرِ المحذوفِ لِمَا تضمَّنه من الاستقرار؛ وليس كذلك؛ لأنَّ الجارَّ، إذا وقعَ صفةً تعلَّقَ بمحْذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الوصفُ في الحقيقةِ، وهذا الذي جعله متعلَّقاً لهذه الصفةِ ليس صفةً للموصوف في الحقيقةِ، بل هو خبرٌ عنه؛ ألا ترى أنك لو قلت: "عِنْدِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ" أنَّ "مِنْ بَنِي" متعلِّقٌ بوصفٍ محذوفٍ في الحقيقة، لا بقولِكَ "عِنْدِي"، ويمكن أن يُقال - وهو بعيدٌ جِدًّا - إنه أراد التعلُّقَ المعنويَّ؛ وذلك أنَّ العاملَ في الموصوفِ عاملٌ في صفته، و"عَلَيْهِ" عاملٌ في "جَزَاء"، فهو عاملٌ في صفته، فالتعلُّقُ من هذه الحَيْثِيَّةِ، ولكن إنما يتأتَّى ذلك حيث جعلنا الخبرَ عاملاً في المبتدأ، أو قلنا: إنَّ الجارَّ يرفع الفاعلَ، ولو لم يعتمدْ وإنما ذكر هنا التوجيهاتِ؛ لأنَّ القائلين بذلك مِمَّنْ لا يُلْغَى قولهم بالكلية. والألفُ في "ذَوَا" علامةُ الرفع؛ لأنه مثنى، وقد تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه اللفظةِ وتصاريفها [الآية 177 البقرة]، وقرأ الجمهورُ: "ذَوَا" بالألف، وقرأ محمد بن جعفر الصادق: "ذُو" بلفظِ الإفراد، قالوا: ولا يريدُ بذلك الوَحْدة، بل يريدُ: يحكُمُ به مَنْ هو مِنْ أهْلِ العدل، وقال الزمخشريُّ: "وقيل: أراد الإمام" فعلى هذا تكونُ الوحْدَةُ مقصودةً، و"مِنْكُمْ" في محلِّ رفع صفةً لـ "ذَوَا"، أي: إنهما يكونان من جنْسِكُمْ في الدِّين، ولا يجوزُ أن تكونَ صفةً لـ "عَدْل"؛ لأنه مصدرٌ قاله أبو البقاء، يعني: أن المصدرَ ليس مِنْ جنْسِهِمْ، فكيف يُوصَفُ بكونه منهم؟ فصل المعنى يَحْكُمُ للجِزْاءِ رَجُلان عَدْلان قال ابنُ عبَّاسٍ: يريد يَحُكم به في جَزَاءِ الصَّيْدِ رجُلانِ صالِحَان مِنْكُم، مِنْ أهلِ قِبْلَتِكُم ودينِكُمْ، فَقيهان عدْلان، فَيَنْظُرَان إلى أشْبَه الأشْيَاءِ من النَّعَم، فَيَحْكُمَان به، ومِمَّن ذَهَبَ إلى إيجَابِ المِثْلِ من النَّعَمِ: عُمَرُ، وعُثمَانُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْف، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وغَيْرِهِمْ من الصَّحَابَة حَكَمُوا في بُلْدَان مخْتَلِفَة، وأزْمان شَتَّى بالمِثْل من النَّعَمِ، فحكمَ حَاكِمُهُم في النَّعَامةِ بِبدَنَة، وهي لا تُسَاوي بَقَرَةً، وفي الضَّبعِ كَبْشٌ وهو لا يساوي كَبْشاً، فدلَّ على أنهم نَظَرُوا إلى ما يَقْرُب من الصَّيْد شَبَهاً من حَيْث الخِلْقَة. ورُوِي عن عُمرَ، وعُثْمَان، وابن عباس: أنَّهم قَضَوْا في حَمَامِ مَكَّةَ بِشَاةٍ. ورَوَى جَابِر بنُ عبد اللَّه: أنَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ قَضَى في الضَّبعِ بكَبْشٍ، وفي الغَزَالِ بِعَنْزٍ، وفي الأرْنَبِ بِعنَاقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. وقال مَيْمُونُ بن مَهْرَان: جاءَ أعْرَابيٌّ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه - فقال: إنِّي أصيْتُ من الصَّيْد كَذَا وكَذَا، فسَألَ أبُو بكرٍ أبَيَّ بن كَعْبٍ، فقال الأعْرَابِيُّ: أتَيْتُكَ أسْألُكَ، وأنْتَ تَسألُ غَيْرَك، فقال أبُو بَكْرٍ: وما أنكَرْت من ذلك؟ قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} فشاوَرْتُ صَاحِبي، فإذا اتَّفَقْنَا على شَيءٍ أمَرْناكَ بِهِ. وعن قُبَيْصَة بن جَابِرٍ؛ أنه كان مُحْرِماً، فضرب ظْبياً فماتَ، فسأل عُمَرَ بن الخَطَّابِ، وكان إلى جَنْبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ عَوْف، فقال عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَن: ما ترى، قال: عليه شاةٌ، قال: وأنا أرى ذَلِكَ، قال اذْهَبْ فأهْدِ شاةً، قال قُبَيْصَةُ: فَخَرَجْتُ إلى صَاحِبِي، وقُلْتُ: إنَّ أمير المُؤمنين لم يَدْرِ ما يقُولُ، حتى سألَ غَيْرَهُ. قال فَفَجَأنِي عُمَرُ، وعلانِي بالدرَّة، وقال: أتَقْتُلُ في الحَرَمِ وتُسَفِّهُ الحُكْمَ؟ قال تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} فأنا عُمَرُ، وهذا عَبْدُ الرحمن بنُ عوف. واحْتَجَّ أبُو حنيفَة في إيجَابِ القيمة بأنَّ التَّقْوِيمَ هو المُحْتَاجُ إلى النَّظَرِ والاجتِهَادِ، وأما الخِلْقَةُ والصُّورةُ فَظَاهِرةٌ لا يُحْتَاجُ فيها إلى الاجتهاد. وأجيبُ: بأنَّ المُشَابَهَة بَيْنَ الصَّيْد وبين النَّعَمِ مخْتَلِفَةُ وكَثِيرة، فلا بد من الاجْتِهَادِ في تَمْييزِ الأقْوَى عن الأضْعَفِ. فصل الذي له مِثْل ضربان: فما حكمت فيه الصَّحَابَةُ بِحُكْمٍ، لا يُعْدَلُ إلى غَيْرِه؛ لأنَّهم شَاهَدُوا التَّنْزِيل وحَضرُوا التَّأويل، وما لَمْ يَحْكُمْ فيه الصحابة، يُرْجَعُ إلى اجْتِهَادِ عَدْلَيْن. وقال مَالِكٌ: يجب التَّحكيمُ فيما حَكَمَتْ به الصحابة - رضي الله عنهم -، وفيما لم تَحْكُمْ فِيهِ. فصل يجُوزُ أنَّ القَاتِلَ أحَدُ العَدْلَيْن، إن كان أخْطَأ فيه، فإنْ تَعمَّدَ فلا يجُوزُ؛ لأنه يُفَسَّقُ به. وقال مالكٌ: لا يجُوزُ في تَقْويم المُتْلَفَاتِ، وأجيب: بأن اللَّه تعالى أوْجَبَ أن يَحْكُمَ به ذَوَا عدلٍ، وإذا صدرَ عَنْهُ القَتْلُ خَطَأ كان عدْلاً، فإذا حكمَ هُوَ وغَيْرُهُ، فَقَدْ حكمَ به ذوا عَدْل. وقد رُوِيَ أنَّ بعضَ الصَّحابة - رضي الله عنهم - أوْطَأ فرسهُ ظَبْياً، فسأل عُمَرَ عَنْهُ، فقال عُمَرُ: احْكُمْ، فقال: أنْتَ أعْدَلُ يا أمِيرَ المُؤمنين، فاحْكُمْ، فقال عُمَرُ - رضي الله عنه - إنَّما أمرتُكَ أنْ تَحْكُمَ، وما أمَرْتُكَ أن تُزَكِّيني، فقال:أرى فيه جَدْياً جمع الماء والشَّجَر، فقال: افْعَل ما تَرَى. فصل لو حكم عَدْلان بِمِثْلٍ، وحكم عدلان آخران بِمِثْلٍ آخر ففيه وجهان: أحدهما: يَتَخَيَّرُ. والثاني: يأخُذُ بالأغْلَظِ. فصل استدلَّ بهذه الآيَةِ بَعْضُ مُثْبِتِي القِيَاس، قالوا: لأنَّه تعالى فرضَ تَعْيِين المِثْل إلى اجْتِهَاد النَّاسِ وظنهم، وهذا ضَعِيفٌ؛ لأن الشَّارع تَعَبَّدنا بالعملِ بالظَّنِّ في صُورٍ كثيرة: منها الاجْتِهادُ في القِبْلَةِ، والعَمَلُ بِتَقْويمِ المُقَوِّمِين في قِيم المُتْلَفَاتِ، وأرُوشِ الجِنايَاتِ، والعملُ بِحُكْمِ الحَاكِمِين في مِثْلِ جَزَاءِ الصَّيْد، وعَمَلُ القَاضِي بالفَتْوى، والعملُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ في مصالحِ الدُّنْيَا، إلاَّ أنَّا نَقُولُ: إذا دُعِيتُم إلى تَشْبيهِ صورةٍ بصُورةٍ شرعيَّةٍ في الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وهو عينُ هذه المسائِلِ الَّتي عدَدْنَاهَا، فذلك باطلٌ في بَديهَةِ العَقْل، فإذا سَلَّمْتُمُ المُغَايَرة، ولمْ يلزم من كَوْنِ الظَّنِّ حُجَّةً في تلك الصُّوَر؛ كونهُ حُجَّةً في مَسْألةِ القياسِ، إلاَّ إذا قِسْنَا هذه المسألة على تِلْكَ المسائِل، وذلك يقتضي إثْبَات القياس بالقياس، وهو باطلٌ، وأيضاً فالفَرْقُ ظَاهِرٌ بين البَابَيْنِ؛ لأنَّ في جميع الصُّور المَذْكُورة الحُكْمُ إنَّما ثبت في حقِّ شَخْصٍ واحدٍ، في زمان واحدٍ، في واقِعَةٍ واحِدة. وأمَّا الحُكْمُ الثَّابِتُ بالقياسِ، فإنه شَرْعٌ عامٌّ في جَمِيع المُكَلَّفين، باقٍ على وجْهِ الدَّهْر، والتَّنْصِيصُ على أحْكَامِ الأشخاص الجُزْئيَّةِ مُتَعذرٌ. أمَّا التَّنْصِيصُ على الأحْكام الكُلِّيَّةِ العامَّةِ، البَاقِيَةِ إلى آخر الدَّهْر غير مُتعذّر، فظهر الفَرْقُ. قوله: "هَدْياً" فيه ستةُ أوجهٍ: أظهرُها: أنه حالٌ من الضمير في "به" قال الزجاج: "هو منصوبٌ على الحالِ، المعنى: يحكم به مقدَّراً أن يُهْدَى" يعني أنه حال مقدَّرةٌ، لا مقارنةٌ، وكذا قال الفارسيُّ كقولك: "مَعَهُ صَقْرٌ صَائِداً به غداً"، أي مُقَدِّراً الصَّيْدَ. الثاني: أنه حالٌ من "جَزَاء" سواءٌ قُرىءَ مرفوعاً أم منصوباً، منوناً أم مضافاً، وقال الزمخشريُّ: "هدْياً" حالٌ من "جزَاء" فيمَنْ وصفه بـ "مِثل"؛ لأنَّ الصفةَ خَصَّصَتْه، فقرُبَ من المعرفة، وكذا خصَّصه أبو حيان، وهذا غير واضحٍ، بل الحاليةُ جائزةٌ مطلقاً؛ كما تقدَّم. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدْرِ، أي: يُهْدِيهِ هَدْياً، ذكره مكي وأبو البقاء. الرابع: أنه منصوبٌ على التَّمْييزِ، قال أبو البقاء ومكيٌّ، إلا أنَّ مَكِّياً، قال: "على البيانِ"، وهو التمييزُ في المعنى، وكأنهما ظَنَّا أنه تمييزٌ لِما أبْهِمَ في المِثْلية؛ إذ ليس هنا شيءٌ يَصْلُحُ للتمييزِ غيرَها، وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ التمييزَ إنما يَرْفَع الإبهامَ عن الذَّواتِ، لا عن الصفاتِ، وهذا كما رأيْتَ إنما رفع إبهاماً عن صفة؛ لأنَّ الهدي صفةٌ في المعنى؛ إذ المرادُ به مُهْدى. الخامس: أنه منصوبٌ على محلِّ "مِثْل" فيمَنْ خَفَضه؛ لأنَّ محلَّه النصبُ بعملِ المصدرِ فيه تقديراً؛ كما تقدَّم تحريرُه. السادس: أنه بدلٌ من "جَزَاء" فيمن نصبه. و"بَالِغَ الكَعْبَةِ" صفةٌ لـ "هَدْياً"، ولم يتعرَّفْ بالإضافة؛ لأنه عاملٌ في الكعبة النصبَ تقديراً، ومثله: {أية : هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} تفسير : [الأحقاف:24] وقولُ الآخَرِ: [البسيط] شعر : 2025- يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كانَ يَطْلُبُكُمْ لاقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُمْ وحِرْمَانَا تفسير : في أنَّ الإضافة فيها غيرُ مَحْضَةٍ، وقرأ الأعْرج: "هَدِيًّا" بكسر الدال وتشديد الياء. فصل المعنى: يَحْكُمَانِ بِهِ هَدْياً يُسَاقُ إلى الكَعْبَة، فَيُنْحَرُ هُنَاك، وهذا يُؤيِّد قول من أوْجَبَ المِثْلَ من طريق الخِلْقَةِ؛ لأنه تعالى لَمْ يَقُلْ: يَحْكُمَان به شَيْئاً يُشْتَرى به هَدْيٌ، وإنَّما قال: يَحْكُمان به هَدْياً، وهذا صَرِيحٌ في أنَّهما يَحْكُمَان بالهدي لا غير، وأن يكُون المعنى يَحْكُمَان به شَيْئاً يُشْتَرى به هَدْياً وهذا بعيد عن الظَّاهِر. وسمِّيت الكَعْبَةُ كَعْبَةً لارتفاعها، والعَرَبُ تُسَمِّي كل بَيْتٍ مرتفعٍ كَعْبَةً، والكَعْبَةُ هنا إنَّما أُريدَ بها كلُّ الحَرَم؛ لأنَّ الذبْحَ والنَّحْر لا يُفْعَلان في الكَعْبَة، ولا عندها ملاصِقاً لها، ونَظِيرُهُ قوله تعالى: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33]، والمُرَادُ بِبُلُوغِهِ للكَعْبة: أنْ يَذْبَح بالحرم، ويتصدَّق باللَّحْمِ على مساكينِ الحَرَمِ. وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: له أنْ يتصدَّق به حيث شاءَ، كما أنَّ لَهُ أن يصُومَ حيْثُ شاء، وحجَّةُ القولِ الأوَّل:أنَّ الذَبْحَ إيلامٌ، فلا يجُوزُ أن يكُون قُرْبَةً، بل القُرْبَةُ إيصَالُ اللَّحْم إلى الفقَراءِ. قوله: "أو كَفَّارةٌ" عطفٌ على قوله: "فَجَزَاءٌ"، و"أوْ" هنا للتخيير، ونُقِل عن ابن عباس؛ أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةِ مَنْ رفع "فَجَزَاءٌ"، وأمَّا مَنْ نصبه، فقال الزمخشريُّ: جعلها خَبَرَ مبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفَّارةٌ، ويجوزُ أن تُقَدِّرَ: فعليه أن يجْزِي جزاءً، أو كفارةً، فتعطفَ "كَفَّارة" على "أنْ يَجْزِيَ"، يعني أنَّ "عليه" يكونُ خبراً مقدَّماً، و"أن يَجْزِيَ" مبتدأ مؤخَّراً، فعطفت "الكفَّارة" على هذا المبتدأ، وقرأ نافع وابنُ عامرٍ بإضافة "كَفَّارة" لما بعدها، والباقون بتنوينها، ورفع ما بعدها. فأمَّا قراءةُ الجماعةِ، فواضحةٌ، ورفعُ "طَعَامُ" على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من "كَفَّارةٌ"؛ إذ هي من جنسه. الثاني: أنه بيانٌ لها؛ كما تقدَّم، قاله الفارسيُّ. وردَّه أبو حيان؛ بأنَّ مذهبَ البصريِّين اختصاصُ عطفِ البيانِ بالمعارفِ دون النكرات، قال شهاب الدين: أبو عَلِيٍّ يُخالِفُ في ذلك، ويستدلُّ بأدلَّة، منها قوله تعالى: {أية : شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} تفسير : [النور: 35]، فـ "زَيْتُونَةٍ" عنده عطفُ بيان لـ "شَجَرَة"، وكذا قوله تعالى: {أية : مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 16]، فـ "صَدِيد" عنده بدلٌ من "مَاءٍ"، والبدلُ فيهما محتملٌ؛ فلا حُجَّةَ له، والبدل قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي طعام، أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامرٍ، فوجهها: أنَّ الكفارة، لمَّا تنوَّعَتْ إلى تكفير الطعام، وتكفير بالجزاء المماثل، وتكفير بالصيامِ، حسُنَ إضافتها لأحَدِ أنواعها تبييناً لذلك، والإضافةُ تكون بأدْنَى ملابسة؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2053- إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاحَ بِسُحْرةٍ سُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلَهَا فِي القَرَائِبِ تفسير : أضاف الكوكبَ إليها؛ لقيامها عند طلوعه؛ فهذا أولى، ووجَّهَها الزمخشريُّ فقال: "وهذه الإضافةُ مبيِّنةٌ، كأنه قيل: أو كفارةٌ من طعامِ مساكين؛ كقولك: "خَاتَمُ فِضَّةٍ" بمعنى مِنْ فِضَّةٍ"، قال أبو حيان: "أمَّا ما زعمه، فليْسَ من هذا الباب؛ لأنَّ "خَاتَم فِضَّةٍ" من باب إضافة الشيء إلى جنْسه، والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ، إلا بتجَّوزٍ بعيدٍ جدًّا". انتهى، قال شهاب الدين: كان مِنْ حَقِّه أن يقول: والكفَّارةُ ليستْ جنْساً للطَّعامِ؛ لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ "خَاتَم" في أنَّ كلاًّ منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن "خَاتَماً" هو المضافُ إلى جنسه ينبغي أن يُقالَ: الكفَّارةُ ليستْ جنْساً للطعام؛ لأجل المقابلةِ، لكنْ لا يمكنُ أن يُقال ذلك، فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعامِ، والجزاءِ، والصَّومِ، فالطريقُ في الردِّ على الزمخشريِّ أن يُقال: شرطُ الإضافةِ بمعنى "مِنْ": أن يُضاف جزءٌ إلى كلٍّ بشرطِ صدقِ اسم الكلِّ على الجزءِ؛ نحو: "خَاتَمُ فِضَّةٍ"، و"كَفَّارةُ طعَامٍ" ليس كذلك، بل هي إضافة "كُلّ" إلى جزء، وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءة؛ من حَيْثُ إنَّ الكفارةَ ليست للطعامِ، إنما هي لقتلِ الصيدِ، كذا قاله أبو عليٍّ الفارسيُّ وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يختلف السبعةُ في جمع "مَسَاكِينَ" هنا، وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ لا يُجْزىءُ فيه إطعامُ مِسْكِينٍ واحدٍ، على أنه قد قرأ عيسى بْنُ عُمَرَ والأعْرَجُ بتنوين "كَفَّارة"، ورفع "طَعَامُ مسْكِينٍ" بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجِنْسِ، لا التوحيدُ. قوله: "أوْعَدْلُ" نسقٌ على "فَجَزاءٌ"، والجمهورُ على فتحِ العين، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مُصَرِّف والجَحْدَرِي بكَسْرِهِا. قال الفرَّاءُ:"العِدْل" بالكسر: ما عادَل الشَّيْء من جِنْسِهِ، والعدل: المِثْلُ، تقول: عندي عِدلُ غُلامِكَ أو شَاتِكَ إذا كان غلامٌ بِعِدْل غُلامه، أو شاةٌ تَعْدِلُ شَاتَهُ، أمَّا إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ من غير جِنْسِه نَصَبْتَ العَيْن، فقُلْت:عَدْل. وقال أبو الهَيْثَم: العدل: المِثْل، والعِدْل: القِيمَةُ، والعَدْلُ: اسم مَعْدُولٌ بحمل آخر مُسَوى به، والعَدْل: تَقْوِيمُك الشَّيْء بالشيء من غير جِنْسِهِ. وقال الزَّجَّاج، وابنُ الأعْرَابِيّ: العَدل والعِدْل سواءٌ، وقد تقدَّم الكلام عَلَيْه في البَقَرة: عند قوله: {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [الآية: 48]. قوله: "صِيَاماً" نصْبٌ على التميز كقولك: "عندي رَطلان عَسَلاً" لأنَّ المعنى: أو قَدْرُ ذلك صِياماً، والأصْلُ فيه إدْخَالُ حَرْفَيْنِ تقُولُ: رطلانِ من العَسَلِ، وعَدْلُ ذلك من الصِّيَام. [وأصل"صِياماً": "صِوَاماً" فأعِلَّ كما تقدَّم مراراً]. فصل معنى الآية: أنَّه في جَزَاءِ الصَّيْد مُخَيَّرٌ بَيْن أن يَذْبَح المِثْلَ من النَّعَمِ، فيتَصدَّق باللَّحْم على مَساكِينِ الحَرَم، وبيْنَ أنْ يُقَوِّم المِثْلَ بِدَرَاهِم ويَشْتَرِي بالدَّرَاهِم طَعَاماً، فيتصدَّق بالطَّعَام على مساكينِ الحَرَمِ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ من طعام، أو يَصُوم عن كُلِّ مُدٍّ يَوْماً، وله أنْ يَصُومَ حَيْث شَاءَ؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه لِلْمَسَاكِين. وقال مَالِكٌ: إنْ لم يخْرِجِ المثلَ يُقَوَّمُ الصَّيدُ، ثمَّ تُجْعَلُ القِيمَةُ طَعَاماً، فيتصَدَّقُ به أوْ يَصُوم. وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ المِثْلُ مِنَ النَّعَم، بل يُقَوَّمُ الصَّيْدُ، فإن شاء صَرَفَ تلك القِيمَةَ إلى شَيء مِنَ النَّعَمِ، وإن شَاءَ إلى الطَّعَام فيتَصَدَّق بِهِ، وإنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كلِّ نِصْفِ صَاعٍ من بُرٍّ أو صَاعٍ من غَيْرِه يَوْماً. وقال الشَّعْبِي، والنَّخْعِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ على التَّرْتِيب، والجُمْهُور على التَّخْيِير، وأنَّ قاتلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ في تَعْيِين أحَدِ هذه الثلاثة، وقال مُحَمَّد بن الحسن: التَّخْيِير إلى الحَكَمَيْن، لقوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً} أي: كَذَا، أوْ كَذَا. وجوابُه: أن اللَّه أوْجَبَ على قَاتِلِ الصَّيْدِ أحَدَ هذه الثلاثة على التَّخْييرِ، فوجَبَ أنْ يكونَ قَاتِلُ الصَّيْدِ مُخيَّراً بَيْن أيِّها شاء، وأمَّا الذي يَحْكُمُ بِه ذوا العَدْل، فهو تَعْيينُ المِثْلِ الخِلْقَة أو القِيمَة. قوله: "لِيَذُوقَ" فيه ستةُ أوجهٍ: أحدها: أنه متعلقٌ بـ "جزاء" قاله الزمخشريُّ، وقال أبو حيان: إنما يتأتَّى ذلك حيثُ يضاف إلى "مِثْل"، أو يُنَوَّن "جَزَاء"، ويُنْصَبُ "مِثْل"، وعَلَّلَ ذلك بأنه إذا رَفَعَ مثلاً، كان صفةً للمصْدَرِ، وإذا وُصِفَ المصدرُ، لم يعمل إلا أن يتقدَّم المعمولُ على وصْفِه؛ نحو: "يُعْجِبُنِي الضَّرْبُ زَيْداً الشَّديدُ"، فيجوز: قال شهاب الدين: وكذا لو جعله بدلاً أيضاً أو خبراً؛ لما تقدَّم من أنه يلزمُ أن يُتْبَعَ الموصولُ أو يُخْبَر عنه قبل تمامِ صلته، وهو ممنوعٌ، وقد أفْهَمَ كلامُ الشيخِ بصريحِهِ؛ أنه على قراءةِ إضافة الجزاءِ إلى "مِثْل" يجوزُ ما قاله الزمخشري، وأنا أقول: لا يجوزُ ذلك أيضاً؛ لأنَّ "لِيَذُوقَ" مِنْ تمامِ صلةِ المصدرِ، وقد عُطِفَ عليه قولُه "أوْ كفَّارَةٌ أو عَدْلٌ"؛ فليزمُ أنْ يُعْطَفَ على الموصُولِ قبل تمام صلته؛ وذلك لا يجوزُ لو قلْتَ: "جَاءَ الذي ضربَ وعَمرٌو زَيْداً" لم يَجُزْ للفصْلِ بين الصِّلَة - أو أبعاضِهَا - والموصُولِ بأجنبيٍّ، فتأمَّلْه. الثاني: أنه متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ يَدُلُّ عليه قُوَّةُ الكلامِ؛ كأنه قيل: جُوزيَ بذلِكَ لِيَذُوقَ. الثالث: أنه متعلِّقٌ بالاستقرارِ المقدَّرِ قبل قوله: "فَجَزَاء"؛ إذ التقديرُ: فعليهِ جزاءٌ لِيَذُوقَ. الرابع: أنه متعلِّقٌ بـ "صِيَام"، أي: صَوْمُهُ لِيَذُوقَ. الخامس: أنه متعلِّقٌ بـ "طَعَام"، أي: طعام لِيَذُوقَ، ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو البقاء، وهي ضعيفةٌ جدًّا، وأجودُها الأولُ. السادس: أنها تتعلَّقُ بـ "عَدْلُ ذَلِكَ"، نقله أبو حيان عن بعضِ المُعْرِبين، قال: "غَلَطٌ". والوَبَالُ: سوءُ العاقبةِ وما يُخاف ضَرَرُهُ، قال الراغبُ: والوَابِلُ: المطرُ الثقيلُ القَطْرِ، ولمراعاة الثِّقَلِ، قيل للأمرِ الذي يُخاف ضَرَرُه: وَبَال، قال تعالى: فـ {أية : ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ} تفسير : [الحشر: 15]، ويقال: "طَعَامٌ وَبِيلٌ"، و"كَلأٌ وَبِيلٌ" يُخافُ وبالُه؛ قال تعالى: {أية : فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} تفسير : [المزمل: 16]، وقال غيره: "والوبَالُ في اللغةِ؛ ثِقَلُ الشيءِ في المْكُروهِ، يقال: "مَرْعى وبَيلٌ"، إذا كان يُسْتَوْخَمُ، و"مَاءٌ وَبِيلٌ" إذا كان لا يُسْتَمْرَأ، واسْتَوبَلْتُ الأرضَ: كرهتُها خَوْفاً من وبالِها". والذَّوْقُ هنا استعارةٌ بليغةٌ. وإنَّما سمَّى اللَّهُ تعالى ذلك وبالاً؛ لأنَّه خيَّره بين ثلاثةِ أشياء، اثْنَانِ منها تُوجبُ تَنْقيصَ المالِ، وهو ثَقِيلُ على الطَّبْعِ، وهما الجَزَاءُ بالمِثْلِ والإطْعَام، والثَّالِثُ يُوجِبُ إيلامَ البَدَنِ وهو الصَّوْم، وذَلِك أيْضاً يَثْقُلُ على الطَّبْع، وذلك حتَّى يَحْتَرِز عَنْ قَتْل الصَّيْد في الحَرَمِ، وفي حَالِ الإحْرَام. قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} يَعْنِي: قَبْلَ التَّحْرِيم، ونُزُولِ الآيَة وقال السدِّيُّ: عَمَا سَلَفَ في الجاهِلَيَّةِ. وقيل: هذا إبْدَال على قَوْلِ من لا يُوجِبُ الجزاءَ، إلاَّ في المرَّةِ الأولَى، أمَّا في المرَّةِ الثَّانِية: فإنه لا يُوجِبُ الجَزَاءَ عليْه، ويقول: إنَّه أعْظمُ من أنْ يُكَفِّره التَّصَدُّق بالجَزَاءِ، فعلى هذا المُراد عَفَا اللَّهُ عما سَلَفَ في المرَّة الأولى بِسبَبِ أداءِ الجَزَاءِ، ومن عادَ إليه مرَّةً ثَانِية، فلا كفَّارة لجُرْمِهِ، بل اللَّهُ يَنْتَقِمُ منه، وحُجَّةُ هذا القول: أنَّ "الفاءَ" في قوله: {فَيَنْتقِمُ ٱللَّهُ مِنْه} فاءُ الجزَاءِ، والجَزَاء هو الكَافِي، فهذا يَقْتَضِي أنَّ هذا الانْتِقَامَ كما في هذا الذَّنْبِ، وكونهُ كَافِياً يَمْنَع من وجوبِ شَيْءٍ آخَر، فلا يَجِبُ عليه الجَزَاءُ. قوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} "منْ" يجوز أن تكون شرطيةً، فالفاءُ جوابُها، و"يَنْتَقِمْ" خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: فهو يَنْتَقِمُ، ولا يجوز الجزمُ مع الفاءِ ألبتة، قال: سيبويه: "الفَاءُ" في قوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}، وفي قوله: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} تفسير : [البقرة: 126]، و{أية : فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً} تفسير : [الجن: 13] إنَّ في هذه الآيات إضْمَاراً مُقَدَّراً، والتَّقدير: ومَنْ عادَ فهو ينتَقِمُ اللَّه منه ومن كفر فأنا أمتِّعُهُ، ومن يُؤمِن بربه فهو لا يَخَافُ، وبالجُمْلَةِ فلا بد من إضْمَارِ مبتدأ يكونُ ذَلِكَ الفِعْلُ خَبَراً عنه؛ لانَّ الفِعْلَ يَصِيرُ بِنَفْسِهِ جزاءً، فلا حاجَةَ إلى إدْخَال حَرْفِ الجزاءِ عليه، فيَصِيرُ إدْخال حَرْفِ "الفَاءِ" على الفِعْلِ لَغْواً، أما إذَا أضْمَرْنا المُبْتَدَأ، احْتَجْنَا إلى إدخال "الفَاءِ" عليه؛ ليَرْتَبِطَ بالشَّرْط فلا تَصِير "الفَاء" لَغْواً. ويجُوزُ أن تكون "مَنْ" موصولةً، ودخلتِ الفاءُ في خبر المبتدأ، لَمَّا أشبه الشرطَ، فالفاءُ زائدةٌ، والجملةُ بعدها خبرٌ، ولا حاجَةَ إلى إضمارِ مبتدأ بعد الفاء؛ بخلافِ ما تقدَّمَ. قال أبو البقاء: "حَسَّنَ دُخُولَ الفاءِ كونُ فِعْلِ الشرطِ مَاضِياً لَفْظاً". فصل معنى الآية: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}: في الآخِرَة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}. واعلمْ: أنَّه إذا تَكرَّرَ من المُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ، فيتكرر عليْه الجزاء عند عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: إذا قتلَ المُحْرِمُ صَيْداً مُتَعَمِّداً، يُسألُ هل قَتَلْتَ قَبْلَها شَيْئاً من الصَّيْد؟ فإنْ قال: نَعْم، لم يُحْكَمْ عليه، ويقالُ: اذْهَبْ فينتقم اللَّهُ مِنْك. وإنْ قال: لم أقْتُل قَبْلَهُ شَيْئاً حُكِمَ عليه [فإن عاد بعد ذلك، لم يُحْكَمْ عليه]، ولكن يُمْلأ ظَهْرُهُ وصدْرُه ضَرْباً وجيعاً، وكذلك حكم رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في صيد "وَجٍّ" - وهو وادٍ بالطَّائف -، واخْتَلَفُوا في المُحْرِمِ، هل يُجُوزُ لَهُ أَكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ؟ فذهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّه لا يَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وهو قولُ طاوُس، وبه قال سُفْيَانُ الثَّوْرِي، لما روى عبدُ الله بن عبَّاس حديث : عن الصَّعْب بن جُثَامَة اللَّيْثِيِّ: أنَّهُ أهْدَى لرسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم حِمَاراً وحْشيّاً، وهُوَ في الأبْوَاءِ أو بودان، فردَّه رسُولُ صلى الله عليه وسلم، قال: فلَمَّا رَأى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، مَا في وَجْهِي، قال: "إنَّا لم نَرُدَّهُ عَلَيْك إلاَّ أنَّا حُرم ". تفسير : وذهب الأكْثَرُون إلى أنَّهُ يجُوزُ لِلْمُحْرِم أكْلُهُ، إذا لَمْ يَصْطَدْ بِنْفِسه، ولا صِيدَ لأجْلِه أو بإشَارَتِه، وهو قولُ عُمَرَ، وعُثَمَان، وأبِي هُرَيْرَةَ، وبه قالَ عَطَاء، ومُجَاهِد، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وهو مذهَبُ مالكٍ، والشَّافِعيِّ، وأحْمَد، وإسْحاق، وأصحاب الرَّأي، وإنَّما رَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الصَّعبِ بن جُثَامة؛ لأنَّه ظَنَّ أنَّه صِيد من أجْله. ويدلُّ على الجوازِ، ما روى نَافِعٌ - مولى أبِي قتادة بن ربْعِيٍّ الأنْصَارِي: "حديث : أنَّه كان مع رسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حتَّى إذا كان بِبَعْضِ طريقِ مَكَّةَ، تَخلَّف مع أصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِين - وهو غير مُحْرِم -، فرأى حِمَاراً وحْشياً، فاسْتَوى على فرسهِ، فسأل أصْحَابَهُ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطاً فَأبَوْا، فَسَألَهُمْ رُمْحَهُ فأبَوا، فأخَذه، ثُمَّ شَدَّ على الحِمَار فَقَتَلَهُ، فأكل مِنْهُ بَعْضُ أصحابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وأبَى بعضُهُمْ، فلمَّا أدْرَكوا رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسألُوه عن ذلك فقال: إنَّما هي طُعْمَةٌ أطْعَمَكُمُوها اللَّهُ" تفسير : وروى جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَحمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإحْرَامِ حلالٌ، مَا لم تَصِيدُوه أو يُصَاد لَكُمْ ". تفسير : فصل وإذَا أتْلَفَ المُحْرِمُ شَيْئاً من الصَّيْدِ لا مِثْلَ لهُ مِن النَّعَمِ، مثل بَيْضٍ أو طَائرٍ دُون الحمامِ، ففيه قيمَتُهُ يَصرفُهَا إلى الطَّعامِ، فيتصَدَّق به، أو يَصُوم عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْماً، واخْتَلَفُوا في الجَرَادِ: فَرَخَّصَ فيه بَعْضُهُمْ، وقال: هُو صَيْد البَحْرِ، والأكثرون على تَحْرِيمهِ، وإنْ أصابَهَا فَعَليْهِ صَدَقَةٌ، قال عُمَرُ: في الجَرَادَةِ تَمْرَةٌ. ورُوِيَ عنه، وعن ابْنِ عَبَّاس: قَبْضَة من طَعَامٍ.
البقاعي
تفسير : ولما أخبرهم بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم به، فقال منوِّهاً بالوصف الناهي عن الاعتداء: {يا أيها الذين آمنوا} وذكر القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال: {لا تقتلوا الصيد} أي لا تصطادوا ما يحل أكله من الوحش، وأما غير المأكول فيحل قتله، فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خمس في الدواب فواسق، لا جناح على من قتلها في حل ولا حرم" تفسير : وذكر منهن السبع العادي، فدل الحكم برفع الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة، ولا معنى لفسقها إلا أذاها {وأنتم حرم} أي محرومون أو في الحرم. ولما كان سبحانه عالماً بأنه لا بد أن يوافق موافق تبعاً لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده، شرع لمن خالف كفارة تخفيفاً منه على هذه الأمة ورفعاً لما كان على من كان من قبلها من الآصار، فقال عاطفاً على ما تقديره: فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم: {ومن قتله منكم متعمداً} أي قاصداً للصيد ذاكراً للإحرام إن كان محرماً، والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم. ولما كان هذا الفعل العمد موجباً للإثم والجزاء، ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجباً للجزاء فقط، وكان سبحانه قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سبباً لنزول الآية كما في آخرها، لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال: {فجزاء} أي فمكافأة {مثل ما قتل} أي أقرب الأشياء به شبهاً في الصورة لا النوع، ووصف الجزاء بقوله: {من النعم} لما قتله عليه، أي عليه أن يكافئ ما قتله بمثله، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، هذا على قراءة الجماعة بإضافة "جزاء" إلى "مثل"، وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين "جزاء" ورفع "مثل" فالأمر واضح. ولما كان كأنه قيل: بما تعرف المماثلة؟ قال: {يحكم به} أي بالجزاء؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة، احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال: {ذوا عدل منكم} أي المسلمين، وعن الشافعي أن الذي له مثل ضربان: ما حكمت فيه الصحابة، وما لم تحكم فيه، فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية، وهم أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل؛ وما لم يحكموا به يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين، فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام، فكل ما كان أقرب شبهاً به يوجبانه؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد الحكمين، وإن كان عمداً فلا، لأنه يفسق به. ولما كان هذا المثل يساق إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقاً بمساكينها، قال مبيناً لحاله من الضمير في "به": {هدياً} ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره، صرح به فقال: {بالغ الكعبة} أي الحرم المنسوب إليها، وإنما صرح بها زيادة في التعظيم وإعلاماً بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ذكره، تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم، والإضافة لفظية لأن الوصف بشبه "يبلغ" فلذا وصف بها النكرة. ولما كان سبحانه رحيماً بهذه الأمة، خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال: {أو} عليه {كفارة} هي {طعام مساكين} في الحرم بمقدار قيمة الهدي، لكل مسكين مد {أو عدل ذلك} أي قيمة المثل {صياماً} في أيّ موضع تيسر له، عن كل مد يوم، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل. ولما كان الأمر مفروضاً في المتعمد قال معلقاً بالجزاء، أي فعليه أن يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم {ليذوق وبال} أي ثقل {أمره} وسوء عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه؛ ولما كان هذا الجزاء محكوماً به في دار العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب، ولا يعرفون عاقبة أمر إلاّ تخرصاً، طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ، كل ذلك حمى لحرمة الدين وصوناً لحرمة الشرع وحفظاً لجانبه ورعاية لشأنه، ولما كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء، كانوا كأنهم قالوا: فكيف نصنع بما أسلفنا؟ قال جواباً: {عما سلف} أي تعمده، أي لكم من ذلك، فمن حفظ نفسه بعد هذا فاز {ومن عاد} إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل؛ ولما كان المبتدأ متضمناً معنى الشرط، قرن الخبر بالفاء إعلاماً بالسببية فقال: {فينتقم الله} أي الذي له الأمر كله {منه} أي بسبب عوده بما يستحقه من الانتقام. ولما كان فاعل ذلك منتهكاً لحرمة الإحرام والحرم، وكان التقدير: فالله قادر عليه، عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان بالاسم الأعظم ووصف العزة فقال: {والله} أي الملك الأعلى الذي لا تداني عظمتَه عظمةٌ {عزيز} لا يغلب {ذو انتقام *} ممن خالف أمره.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} فنهى المحرم عن قتله في هذه الآية، وأكله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} قال: حرم صيده ههنا، وأكله ههنا. وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {ومن قتله منكم متعمداً} قال: إن قتله متعمداً أو ناسياً أو خطأ حكم عليه، فإن عاد متعمداً عجلت له العقوبة إلا أن يعفو الله عنه. وفي قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: إذا قتل المحرم شيئاً من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبياً أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل إبلاً ونحوه فعليه بقرة، فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً، والطعام مدٌّ مدٌّ يشبعهم. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحكم. أن عمر كتب أن يحكم عليه في الخطأ والعمد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء قال: يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ومن قتله منكم متعمداً} قال: متعمد القتلة ناسياً لإحرامه، فذلك الذي يحكم عليه، فإن قتله ذاكراً لإحرامه متعمد القتلة لم يحكم عليه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمداً وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله قال: لا يحكم عليه ولا حج له. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: العمد هو الخطأ المكفر، أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه. وأخرج ابن جرير عن الحسن {ومن قتله منكم متعمداً} للصيد ناسياً لإحرامه، فمن اعتدى بعد ذلك متعمداً للصيد يذكر إحرامه لم يحكم عليه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {ومن قتله منكم متعمداً} قال: إذا كان ناسياً لإحرامه وقتل الصيد متعمداً. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن سيرين قال: من قتله متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه فعليه الجزاء، ومن قتله متعمداً لقتله غير ناس لإحرامه، فذاك إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وأخرج الشافعي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: من قتله متعمداً غير ناس لإحرامه ولا يريد غيره فقد حل وليست له رخصة، ومن قتله ناسياً لإحرامه أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر. وأخرج الشافعي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء {ومن قتله منكم متعمداً} فمن قتله خطأ يغرم، وإنما جعل الغرم على من قتله متعمداً قال: نعم، تعظم بذلك حرمات الله، ومضت بذلك السنن، ولئلا يدخل الناس في ذلك. وأخرج الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: إنما كانت الكفارة فيمن قتل الصيد متعمداً، ولكن غلظ عليهم في الخطأ كي يتقوا. وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ، يعني في المحرم يصيب الصيد. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: يحكم عليه في العمد وفي الخطأ منه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: إذا أصاب المحرم الصيد فليس عليه شيء. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير. في المحرم إذا أمات صيداً خطأ فلا شيء عليه، وإن أصاب متعمداً فعليه الجزاء. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيداً خطأ، إنما يحكم من أصابه عمداً، والله ما قال الله إلا {ومن قتله منكم متعمداً}. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: إذا أصاب المحرم الصيد يحكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاؤه، ذبحه وتصدَّق بلحمه، وإن لم يجد جزاؤه، قوّم الجزاء دراهم، ثم قوّمت الدراهم حنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً. قال {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً} وإنما أريد بالطعام الصيام، أنه إذا وجد الطعام وجد جزاءه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس، في الرجل يصيب الصيد وهو محرم قال: يحكم عليه جزاؤه، فإن لم يجد قال: يحكم عليه ثمنه فقوّم طعاماً فتصدق به، فإن لم يجد، حكم عليه الصيام. وأخرج ابن المنذر عن عطاء الخراساني في قوله {فجزاء مثل} قال: شبهه. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: نده. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: سأل مروان بن الحكم ابن عباس وهو بوادي الأزرق قال: أرأيت ما أصبنا من الصيد لم نجد له نداً؟ فقال ابن عباس: ثمنه يهدى إلى مكة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: عليه من النعم مثله. وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: إن قتل نعامة أو حماراً فعليه بدنة، وإن قتل بقرة أو أيلاً أو أروى فعليه بقرة، أو قتل غزالاً أو أرنباً فعليه شاة، وإن قتل ظبياً أو جرياً أو يربوعاً، فعليه سخلة قد أكلت العشب وشربت اللبن. وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل: أيغرم في صغير الصيد كما يغرم في كبيره؟ قال: أليس يقول الله {فجزاء مثل ما قتل} ؟ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله {فجزاء مثل ما قتل} قال: ما كان له مثل يشبهه فهو جزاؤه قضاؤه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان في قوله {فجزاء مثل ما قتل} قال: فما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار والنعامة، فجزاؤه من البدن، وما كان من صيد البر ذوات القرون، فجزاؤه من البقر، وما كان من الظباء، ففيه من الغنم، والأرنب فيه ثنية من الغنم، واليربوع فيه برق وهو الحمل، وما كان من حمامة أو نحوها من الطير ففيها شاة، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت إن قتلت صيداً فإذا هو أعور أو أعرج أو منقوص، أغرم مثله؟ قال: نعم، إن شئت. قال عطاء: وإن قتلت ولد بقرة وحشية، ففيه ولد بقرة إنسية مثله، فكل ذلك على ذلك. وأخرج ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم في قوله {فجزاء مثل ما قتل من النعم} قال: ما كان من صيد البر مما ليس له قرن الحمار أو النعامة فعليه مثله من الإبل، وما كان ذا قرن من صيد البر من وعل أو إبل فجزاؤه من البقر، وما كان من ظبي فمن الغنم مثله، وما كان من أرنب ففيها ثنية، وما كان من يربوع وشبهه ففيه حمل صغير، وما كان من جرادة أو نحوها ففيها قبضة من طعام، وما كان من طير البر ففيه أن يقوم ويتصدق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوماً، وإن أصاب فرخ طير برية أو بيضها، فالقيمة فيها طعام أو صوم على الذي يكون في الطير. وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مسن وتؤكل ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء. أن عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية قالوا: في النعامة بدنة. وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر. أن عمر قضى في الأرنب جفرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: في الحمار بقرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: إذا أصاب المحرم بقرة الوحش ففيها جزور. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء. أن رجلاً أغلق بابه على حمامة وفرخيها، ثم انطلق إلى عرفات ومنى، فرجع وقد ماتت، فأتى ابن عمر فذكر ذلك له، فجعل عليه ثلاثة من الغنم، وحكم معه رجل. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في طير الحرم شاة شاة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: أول من فدى طير الحرم بشاة عثمان. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: في الجراد قبضة من طعام. وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: تمرة خير من جرادة. وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: سئل ابن عباس عن المحرم يصيد الجرادة؟ فقال: تمرة خير من جرادة. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: ما أصاب المحرم من شيء حكم فيه قيمته. وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : في بيضة النعام صيام يوم، أو إطعام مسكين . تفسير : وأخرج الشافعي عن أبي موسى الأشعري وابن مسعود موقوفاً. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وأحمد عن رجل من الأنصار. حديث : أن رجلاً أوطأ بعيره ادحي نعامة فكسر بيضها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليك بكل بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن ذكوان. حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل محرم أصاب بيض نعام قال: عليه في كل بيضة صيام يوم أو إطعام مسكين . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الزناد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم. نحوه. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : في بيض النعام ثمنه . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: في بيض النعام قيمته. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: في بيض النعام قيمته. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في كل بيضتين درهم، وفي كل بيضة نصف درهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر فرأينا ظبياً، فقال أحدنا لصاحبه: أتراني أبلغه؟ فرمى بحجر فما أخطأ خششاه فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب فسألناه عن ذلك وإذا إلى جنبه رجل، يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت إليه فكلمه ثم أقبل على صاحبنا فقال: أعمدا قتلته أم خطأ؟ قال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله. قال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق بلحمها وأسق إهابها، يعني ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء، فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل، أعظم شعائر الله، الله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها فلعل ذلك. قال قبيصة: وما أذكر الآية في سورة المائدة {يحكم به ذوا عدل منكم} قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا إلا ومعه الدرة، فعلا صاحبي ضرباً بها، وهو يقول: أقتلت الصيد في الحرم وسفهت الفتيا، ثم أقبل عليَّ يضربني فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك مني شيئاً مما حرم الله عليك. قال: يا قبيصة، إني أراك شاباً حديث السن، فصيح اللسان فسيح الصدر، وإنه قد يكون في الرجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيء، فيغلب خلقه السيء أخلاقه الصالحة، فإياك وعثرات الشباب. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران. أن أعرابياً أتى أبا بكر فقال: قتلت صيداً وأنا محرم، فما ترى عليَّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر لأبي بن كعب وهوجالس عنده: ما ترى فيها؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك فإذا أنت تسأل غيرك! قال أبو بكر: فما تنكر؟ يقول الله {يحكم به ذوا عدل منكم} فشاورت صاحبي حتى إذا اتفقنا على أمر أمرناك به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن بكر بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرمان، فأجاش أحدهما ظبياً فقتله الآخر، فأتيا عمر وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر: ما ترى؟ قال: شاة. قال: وأنا أرى ذلك، اذهبا فاهديا شاة، فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه! فسمعها عمر فردهما، وأقبل على القائل ضرباً بالدرة وقال: تقتل الصيد وأنت محرم وتغمص الفتيا؟، إن الله يقول {يحكم به ذوا عدل منكم} ثم قال: إن الله لم يرض بعمر وحده فاستعنت بصاحبي هذا. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب قال: أوطأ أربد ظبياً فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي. فحكما فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر {يحكم به ذوا عدل منكم}. وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز: أن رجلاً سأل ابن عمر عن رجل أصاب صيداً وهومحرم وعنده عبدالله بن صفوان فقال ابن عمر له: إما أن تقول فأصدقك أو أقول فتصدقني. فقال ابن صفوان: بل أنت فقل. فقال ابن عمر ووافقه على ذلك عبدالله بن صفوان. وأخرج ابن سعد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي حريز البجلي قال: أصبت ظبياً وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعداً، فحكما عليَّ تيساً أعفر. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبشي قال: سمعت رجلاً سأل عبدالله بن عمر عن رجل أصاب ولد أرنب فقال: فيه ولد ماعز فيما أرى أنا، ثم قال لي: أكذاك؟ فقلت: أنت أعلم مني. فقال: قال الله {يحكم به ذوا عدل منكم} . وأخرج أبو الشيخ عن أبي مليكة قال: سئل القاسم بن محمد عن محرم قتل سخلة في الحرم، فقال لي: احكم. فقلت: أحكم وأنت ههنا؟ فقال: إن الله يقول {يحكم به ذوا عدل منكم}. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد قال: لا يصلح إلا بحكمين لا يختلفان. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر بن محمد بن علي، أن رجلاً سأل علياً عن الهدي، ممَّ هو؟ قال: من الثمانية الأزواج، فكأن الرجل شك! فقال علي: تقرأ القرآن؟ فكأن الرجل قال نعم. قال: أفسمعت الله يقول {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام} تفسير : [المائدة: 1] قال: نعم. قال: وسمعته يقول {أية : ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} تفسير : [الحج: 34] {أية : ومن الأنعام حمولة وفرشاً} تفسير : [الأنعام: 142] فكلوا من بهيمة الأنعام، قال: نعم. قال: أفسمعته يقول {أية : من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين}تفسير : [الأنعام: 143-144] قال: نعم. قال: أفسمعته يقول {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] إلى قوله {هدياً بالغ الكعبة} قال الرجل: نعم. فقال: إن قتلت ظبياً فما علي؟ قال: شاة. قال علي: هدياً بالغ الكعبة. قال الرجل: نعم. فقال علي: قد سماه الله بالغ الكعبة كما تسمع. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال: إنما الهدي ذوات الجوف. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان {هدياً بالغ الكعبة} قال: محله مكة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: الهدي والنسك والطعام بمكة، والصوم حيث شئت. وأخرج أبو الشيخ عن الحكم قال: قيمة الصيد حيث أصابه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {أو كفارة طعام مساكين} قال: الكفارة في قتل ما دون الأرنب إطعام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: من قتل الصيد ناسياً أو أراد غيره فأخطأ به فذلك العمد المكفر، فعليه مثله {هدياً بالغ الكعبة} فإن لم يجد فابتاع بثمنه طعاماً، فإن لم يجد صام عن كل مد يوماً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: قال لي الحسن بن مسلم: من أصاب من الصيد ما يبلغ أن يكون فيه شاة فصاعداً فذلك الذي قال الله {فجزاء مثل ما قلتم من النعم} وأما {كفارة طعام مساكين} فذلك الذي لا يبلغ أن يكون فيه هدي، العصفور يقتل فلا يكون هدي قال {أو عدل ذلك صياماً} عدل النعامة أو عدل العصفور، أو عدل ذلك كله. قال ابن جريج: فذكرت ذلك لعطاء، فقال: كل شيء في القرآن أو، فلصاحبه أن يختار ما شاء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي. أنه كان يقول: إذا أصاب المحرم شيئاً من الصيد عليه جزاؤه من النعم، فإن لم يجد، قوم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم طعاماً بسعر ذلك اليوم فتصدق به، فإن لم يكن عنده طعام صام مكان كل نصف صاع يوماً. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء ومجاهد في قوله {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً} قالا: هو ما يصيب المحرم من الصيد لا يبلغ أن يكون فيه الهدي، ففيه طعام قيمته. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء في الآية قال: إن أصاب إنسان محرم نعامة فإن له إن كان ذا يسار أن يهدي ما شاء، جزوراً أو عدلها طعاماً، أو عدلها صياماً له، ايتهن شاء من أجل قوله عز وجل، فجزاؤه كذا. قال: فكل شيء في القرآن، أو، فليختر منه صاحبه ما شاء. قلت له: أرأيت إذا قدر على الطعام ألا يقدر على عدل الصيد الذي أصاب؟ قال: ترخيص الله عسى أن يكون عنده طعام وليس عنده ثمن الجزور، وهي الرخصة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني. أن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، ومعاوية، قضوا فيما كان من هدي مما يقتل المحرم من صيد فيه جزاء، نظر إلى قيمة ذلك فأطعم به المساكين. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: ما كان في القرآن أو فهو فيه بالخيار، وما كان فمن لم يجد فالأول، ثم الذي يليه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك. مثله. وأخرج ابن جرير عن الشعبي في محرم أصاب صيداً بخراسان قال: يكفر بمكة أو بمنى، ويقوِّم الطعام بسعر الأرض التي يكفر بها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم قال: ما كان من دم فبمكة، وما كان من صدقة أو صوم حيث شاء. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس وعطاء. مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أين يتصدق بالطعام؟ قال: بمكة من أجل أنه بمنزلة الهدي. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء قال: كفارة الحج بمكة. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: إذا قدمت مكة بجزاء صيد فانحره، فإن الله يقول {هدياً بالغ الكعبة} إلا أن تقدم في العشر فيؤخر إلى يوم النحر. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل لصيامه وقت؟ قال: لا إذا شاء وحيث شاء، وتعجيله أحب إليَّ. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما عدل الطعام من الصيام؟ قال: لكل مد يوم يأخذ، زعم بصيام رمضان وبالظهار، وزعم أن ذلك رأي يراه ولم يسمعه من أحد. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {أو عدل ذلك صياماً} قال: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة أيام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: إنما جعل الطعام ليعلم به الصيام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {ليذوق وبال أمره} قال: عقوبة أمره. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {ليذوق وبال أمره} قال: عاقبة عمله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق نعيم بن قعنب عن أبي ذر {عفا الله عما سلف} عما كان في الجاهلية {ومن عاد فينتقم الله منه} قال: في الإسلام. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء {عفا الله عما سلف} قال: عما كان في الجاهلية {ومن عاد} قال: من عاد في الإسلام {فينتقم الله منه} وعليه مع ذلك الكفارة. قال ابن جريج: قلت لعطاء: فعليه من الآثام عقوبة؟ قال: لا. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس. في الذي يصيب الصيد وهو محرم يحكم عليه من واحدة، فإن عاد لم يحكم عليه وكان ذلك إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه، ثم تلا {ومن عاد فينتقم الله منه} ولفظ أبي الشيخ: ومن عاد قيل له اذهب، ينتقم الله منك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس قال: من قتل شيئاً من الصيد خطأ وهو محرم حكم عليه كلما قتله، ومن قتله متعمداً حكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله عز وجل. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي. أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم، فسأل شريحاً فقال: هل أصبت قبل هذا شيئاً؟ قال: لا. قال: أما إنك لو فعلت لم أحكم عليك، ولوكلتك إلى الله يكون هو ينتقم منك. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: رخص في قتل الصيد مرة، فإن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم. في الذي يقتل الصيد ثم يعود قال: كانوا يقولون: من عاد لا يحكم عليه، أمره إلى الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: يحكم عليه في العمد مرة واحدة، فإن عاد لم يحكم عليه وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، ويحكم عليه في الخطأ أبداً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال: يحكم عليه كلما عاد. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال: كلما أصاب الصيد المحرم حكم عليه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق زيد أبي المعلى عن الحسن. أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيداً آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله {ومن عاد فينتقم الله منه}. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً عاد، فبعث الله عليه ناراً فأكلته. وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليقتل المحرم الفأرة، والعقرب، والحدأ، والغراب، والكلب العقور"تفسير : ، زاد في رواية "حديث : ويقتل الحية ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : خمس فواسق فاقتلوهن في الحرم: الحداء، والغراب، والكلب، والفأرة، والعقرب ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود. أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر محرماً أن يقتل حية في الحرم بمنى. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يقتل المحرم الذئب .
ابو السعود
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} شروع في بـيان ما يتدارك به الاعتداءُ من الأحكام إثر بـيانِ ما يلحقه من العذاب، والتصريح بالنهي في قوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} مع كونه معلوماً لا سيما من قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبُه عليه، واللام في الصيد للعهد حسبما سلف، وحُرُم جمع حَرام، وهو المُحرم وإن كان في الحِل، وفي حكمه من في الحَرَم وإن كان حَلالاً، كرُدُح جمع رَادح، والجملة حال من فاعل لا تقتلوا، أي لا تقتلوه وأنتم محرمون {وَمَن قَتَلَهُ} أي الصيد المعهود، وذِكرُ القتل في الموضعين دون الذبح للإيذان بكونه في حكم الميتة {مّنكُمْ} متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل قتله أي كائناً منكم. {مُّتَعَمّداً} حال منه أيضاً أي ذاكراً لإحرامه عالماً بحُرمة قتل ما يقتله، والتقيـيدُ بالتعمّد مع أن محظوراتِ الإحرام يستوي فيها العمْدُ والخطأ لِما أن الآية نزلتْ في المتعمِّد كما مرَّ من قصة أبـي اليَسَر، ولأن الأصل فعلُ المتعمّد والخطأ لاحقٌ به للتغليظ، وعن الزُهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. وعن سعيد بن جُبـير رضي الله عنه: لا أرى في الخطأ شيئاً أخذاً باشتراط التعمّد في الآية، وهو قول داودَ عن مجاهد والحسن: أن المراد بالتعمد هو تعمدُ القتل مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمْداً وهو ذاكراً لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله عز وجل، لأنه أعظمُ من أن يكون له كفارة. {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ} برفعهما، أي فعليه جزاءٌ مماثلٌ لما قتله، وقرىء برفع الأول ونصب الثاني على إعمال المصدر، وقرىء بجرِّ الثاني على إضافته إلى مفعوله، وقرىء (فجزاؤه مثلُ) ما قتل على الابتداء والخبرية، وقرىء بنصبهما على تقدير فليجْزِ جزاءً أو فعليه أن يُجزىٰ جزاءً مثلَ ما قتل، والمرادُ به عند أبـي حنيفة وأبـي يوسف رضي الله عنهما المثلُ باعتبار القيمة، يُقوَّم الصيد حيث صِيدَ أو في أقرب الأماكن إليه، فإن بلغَت قيمتُه قيمةَ هدْيٍ يُخير الجاني بـين أن يشتريَ بها قيمةَ الصيد فيُهدِيَه إلى الحرم، وبـين أن يشتريَ بها طعاماً فيُعطيَ كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وبـين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً، فإن فضل ما لا يبلغُ طعامَ مسكين تصدّق به أو صام عنه يوماً كاملاً، إذ لم يُعهد في الشرع صومُ ما دونه فيكون قوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّعَمِ} بـياناً للهدْي المشترىٰ بالقيمة على أحد وجوه التخيـير، فإنَّ من فعل ذلك يصدُق عليه أنه جُزيَ بمثل ما قتل من النَّعم، وعن مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ومن يرى رأيهما: هو المِثْلُ باعتبار الخِلْقة والهيئة لأن الله تعالى أوجب مثلَ المقتول مقيداً بالنَّعم، فمن اعتبَر المِثْل بالقيمة فقد خالف النص، وعن الصحابة رضي الله عنهم: أنهم أوجبوا في النَّعامة بدنةً، وفي الظبْـيِ شاةً، وفي حمار الوَحش بقرَةً، وفي الأرنب عَناقاً، وعن النبـي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : الضبُع صيدٌ وفيه شاةٌ إذا قتله المُحرم»تفسير : ولنا أن النصَّ أوجبَ المثْل، والمِثْلُ المطلق في الكتاب والسنة وإجماعِ الأمة والمعقولِ يُراد به إما المثلُ صورةً ومعنى، وإما المثلُ معنى. وأما المثلُ صورةً بلا معنى فلا اعتبارَ له في الشرع أصلاً، وإذا لم يمكن إرادةُ الأول إجماعاً تعيّنت إرادةُ الثاني لكونه معهوداً في الشرع كما في حقوق العباد، ألا يرى أن المماثلة بـين أفراد نوعٍ واحد مع كونها في غاية القوة والظهور لم يعتبْرها الشرع، ولم يجعل الحيوانَ عند الإتلاف مضموناً بفردٍ آخَرَ من نوعه مماثلٍ له في عامة الأوصاف بل مضموناً بقيمتِه مع أن المنصوص عليه في أمثاله إنما هو المثل، قال تعالى: {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} فحيث لم تُعتبرْ تلك المماثلةُ القويةُ مع تيسُّر معرفتِها وسهولةِ مراعاتِها فَلأَنْ لا تُعتبرُ ما بـين أفراد أنواع مختلفةٍ من المماثلة الضعيفة الخفيةِ ـ مع صعوبة مأخذِها وتعسُّرِ المحافظة عليها ـ أولى وأحرى، ولأن القيمة قد أريدت فيما لا نظيرَ له إجماعاً فلم يبق غيرُه مراداً، إذْ لا عمومَ للمشترَك في مواقع الإثبات، والمراد بالمرويِّ إيجابُ النظير باعتبار القيمة لا باعتبار العين، ثم الموجبُ الأصليُّ للجناية والجزاءِ المماثلِ للمقتول إنما هو قيمتُه، لكن لا باعتبار أن يعمِدَ الجاني إليها فيصرِفَها إلى المصارف ابتداءً، بل باعتبار أن يجعلَها معياراً فيقدِّرَ بها إحدى الخصال الثلاث فيُقِيمَها مُقامها، فقوله تعالى: {مّثْلُ مَا قَتَلَ} وصفٌ لازم للجزاء، غيرُ مفارِقٍ عنه بحال، وأما قوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّعَمِ} فوصفٌ له معتبرٌ في ثاني الحال بناءً على وصفه الأول الذي هو المعيارُ له ولِما بعده من الطعام والصيام، فحقُّهما أن يُعطفا على الوصف المفارِق لا على الوصف اللازم فضلاً عن العطف على الموصوف كما سيأتي بإذن الله تعالى. ومما يرشدك إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ} أي بمثل ما قتل {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي حكَمان عادلان من المسلمين لكنْ لا لأن التقويمَ هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد من العُدول دون الأشياء المشاهدةَ التي يستوي في معرفتها كلُّ أحد من الناس، فإن ذلك ناشىء من الغفلةِ عما أرادوا بما به المماثلة، بل لأن ما جعلوه مدار المماثلة بـين الصيد وبـين النَّعم من ضربِ مشاكَلةٍ ومضاهاة في بعض الأوصاف والهيئات مع تحقق التبايُن بـينهما في بقية الأحوال مما لا يَهتدي إليه، من أساطينِ أئمة الاجتهاد، وصناديدِ أهل الهداية والإرشاد، إلا المؤيدون بالقوة القدسية، ألا يُرى أن الإمام الشافعي رضي الله عنه أوجب في قتل الحمامة شاةً بناء على ما أثبتَ بـينهما من المماثلة من حيث أن كلاًّ منهما يعُبّ ويهدِر، مع أن النسبة بـينهما من سائر الحيثيات كما بـين الضّبّ والنون، فكيف يُفوَّضُ معرفةُ أمثالِ هذه الدقائق العويصة إلى رأي عدْلين من آحاد الناس؟ على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص، فبعد ما عُيِّن، بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد، نوعٌ من أنواع النعم يتم الحُكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجةٌ إلى حكمٍ أصلاً. وقرىء (يحكم به ذو عدل) على إرادة جنس العادل دون الوَحْدة، وقيل: بل على إرادة الإمام، والجملة صفة لجزاءٌ أو حال منه لتخصصه بالصفة، وقوله تعالى: {هَدْياً} حال مقدرة من الضمير في (به)، أو في (جزاء) لما ذكر من تخصصه بالصفة، أو بدلٌ من (مثل) فيمن نصبه، أو مِنْ محله فيمن جرَّه، أو نصبٌ على المصدر أي يهديه هدياً، والجملة صفة أخرى لجزاء. {بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ} صفةٌ (لهدياً) لأن الإضافة غير حقيقية {أَوْ كَفَّارَةٌ} عطف على مل (من النعم) على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ صفة ثانية (لجزاء) كما أشير إليه، وقوله تعالى: {طَعَامُ مَسَـٰكِينَ} عطفُ بـيانٍ لكفارةٌ عند من لا يخصصه بالمعارف، أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي طعام مساكين، وقوله تعالى: {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} عطف على طعام الخ، كأنه قيل: فعليه جزاءٌ مماثلٌ للمقتول هو من النَّعم أو طعامُ مساكينَ أو صيامُ أيامٍ بعددهم، فحينئذ تكون الماثلةُ وصفاً لازماً للجزاء يقدَّر به الهدْي والطعام والصيام، أما الأولان فبلا واسطة، وأما الثالث فبواسطة الثاني، فيختار الجاني كلاًّ منها بدلاً من الآخرَيْن، هذا وقد قيل: إن قوله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ} عطف على (جزاء) فلا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدَّر به الطعام والصيام، والالتجاءُ إلى القياس على الهدْي تعسفٌ لا يخفى، هذا على قراءة (جزاء) بالرفع على سائر القراءات، فقوله تعالى: {أَوْ كَفَّارَةٌ} خبر مبتدأ محذوفٍ، والجملة معطوفة على جملة هو (من النعم). وقرىء أو(كفارةُ طعامِ مساكين) بالإضافة لتبـيـين نوع الكفارة وقرىء طعامُ مِسْكين على أن التبـيـين يحصل بالواحد الدال على الجنس وقرىء (أو عِدْل) بكسر العين والفرق بـينهما أن عَدلَ الشيء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعِدْلَه ما عُدِل به في المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك إشارة إلى الطعام و(صياماً) تميـيز للعَدْل، والخيار في ذلك للجاني عند أبـي حنيفة وأبـي يوسف رحمهما الله وللحَكَمين عند محمد رحمه الله. {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور، أي فعليه جزاءٌ ليذوق الخ، وقيل: بفعل يدل عليه الكلام، كأنه قيل: شرع ذلك عليه ليذوق وبال أمره أي سوءَ عاقبةِ هَتْكه لحُرمة الإحرامِ، والوبال في الأصل: المكروهُ والضررُ الذي ينال في العاقبة مَنْ عمل سوءاً لثِقَله، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذاً وَبِيلاً }تفسير : [المزمل، الآية16] ومنه الطعام الوبـيلُ وهو الذي لا تستمرِئُه المَعِدة {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} من قتل الصيد مُحرِماً قبل أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقيل: عما سلف منه في الجاهلية، لأنهم كانوا متعبَّدين بشرائع من قبلهم وكان الصيد فيها محرّماً {وَمَنْ عَادَ} إلى قتل الصيد بعد النهي عنه وهو محرم {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء كقوله تعالى: {أية : فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } تفسير : [الجن، الآية 13] أي فذلك لا يخاف الخ، وقوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ }تفسير : [البقرة: 126] أي فأنا أمتعه، والمراد بالانتقام التعذيبُ في الآخرة، وأما الكفارة فعن عطاءٍ وإبراهيمَ وسعيدِ بن جبـير والحسن أنها واجبة على العائد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما وشُريح أنه لا كفارة عليه تعلقاً بالظاهر {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يُغالَب {ذُو ٱنتِقَامٍ} شديد فينتقم ممن أصر على المعصية والاعتداء.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين ءآمنوا لا تقتلوا الصيد} وهو عند ابى حنيفة اسم لكل ممتنع متوحش من الحيوانات سواء كان مأكول اللحم او لم يكن والمراد ما عدا الفواسق وهى العقرب والحية والغراب والفارة والكلب العقور فانها تقتل فى الحل والحرم {وانتم حرم} جمع حرام وهو المحرم وان كان فى الحل وفى حكمه من فى الحرم وان كان حلالا اى لابس حله فالمحرم لا يتصيد اصلا سواء كان فى الحل او فى الحرم بالسلاح او بالجوارح من الكلاب والطير والحلال يتصيد فى الحل دون الحرام اى حرم مكة ومقداره من قبل المشرق ستة اميال ومن الجانب الثانى اثنا عشر ميلا ومن الجانب الثالث ثمانية عشر ميلا ومن الجانب الرابع اربعة وعشرون ميلا هكذا قال الفقيه ابو جعفر. وانما ذكر القتل دون الذبح للايذان بكونه فى حكم الميتة فكل ما يقتله المحرم من الصيد لا يكون مذكى وغير المذكى لا يجوز اكله والمعنى لا تقتلوه والحال انتم محرمون {ومن} شرطية {قتله} اى الصيد المعهود البرى مأكولا كان او غير مأكول حال كون القاتل كائنا {منكم} اى من المؤمنين ولعل المقصود من التقييد بالحال توبيخ المؤمن على عدم جريانه على مقتضى ايمانه {متعمدا} حال ايضا من فاعل قتله اى ذاكرا لاحرامه عالما بحرمة قتل ما يقتله والتقييد بالتعمد مع ان محظورات الاحرام يستوى فيها الخطأ والعمد لان الاصل فعل المتعمد والخطأ لاحق به للتغليظ {فجزاء} اى فعليه جزاء وفدية {مثل ما قتل} اى مماثل لما قتل فهو صفة الجزاء والمراد به عند ابى حنيفة وابى يوسف المثل باعتبار القيمة لا باعتبار الخلقة والهيئة فيتقوم الصيد حيث صيد اوفى اقرب الاماكن اليه ان قتل فى بر لا يباع ولا يشترى فيه فان بلغت قيمته قيمة هدى تخير الجانى بان يشترى بها ما قيمته قيمة الصيد فيهديه الى الحرم وبين ان يشترى بها طعاما فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر او صاعا من تمر وبين ان يصوم عن طعام كل مسكين يوما فان فضل ما لا يبلغ طعام مسكين تصدق به او صام عنه يوما كاملا لان الصوم مما لا يتبعض فيكون قوله تعالى {من النعم} بيانا للهدى المشترى بالقيمة على احد وجوه التخيير فان فعل ذلك يصدق عليه انه جزى بمثل ما قتل من النعم والنعم فى اللغة من الابل والبقر والغنم فاذا انفردت الابل قيل انها نعم واذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعما {يحكم به} اى بمثل ما قتل صفة لجزاء {ذوا عدل منم} اى رجلان عدلان من المسلمين {هديا} الهدى ما يهدى الى البيت تقربا الى الله تعالى من النعم ايسره شاة واوسطه بقرة واعلاه بدنة اى ناقة وهو حال مقدرة من الضمير فى به والمعنى مقدرا انه يهدى {بالغ الكعبة} صفة لهديا لان الاضافة لفظية والاصل بالغا الكعبة ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم حتى لو دفع الهدى المماثل للمقتول الى فقراء الحرم لم يجز بالاتفاق بل يجب عليه ذبحه فى الحرم وله ان يتصدق به بعد ذبحه فى الحرم حيث شاء عند ابى حنيفة {أو كفارة} عطف على محل من النعم على انه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة ثانية لجزاء {طعام مساكين} عطف بيان لكفارة عند من لا يخصصه بالمعارف {أو عدل ذلك صياما} عطف على طعام الخ كأنه قيل فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم او طعام مساكين او صيام ايام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفا لازما للجزاء يقدر به الهدى والطعام والصيام. اما الاولان فبلا واسطة. واما الثالث فبواسطة الثانى فيختار الجانى كلا منها بدلا من الآخرين. قال الفراء العدل بالكسر المثل من جنسه والعدل بالفتح المثل من غير جنسه فعدل الشىء ما عادله من جنسه كالصوم والاطعام وعدله ما عدل به فى المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول وذلك اشارة الى الطعام وصياما تمييز للعدل والخيار فى ذلك للجانى عند ابى حنيفة وابى يوسف وللحكمين عند محمد {ليذوق} متعلق بالاستقرار فى الجار والمجرور اى فعليه جزاء ليذوق قاتل الصيد {وبال أمره} اى سوء عاقبة هتكه لحرمة الاحرام والوبال فى الاصل المكروه والضرر الذى ينال فى العاقبة من عمل سولته نفسه {عفا الله عما سلف} من قتل الصيد محرما قبل التحريم {ومن عاد} الى قتل الصيد بعد النهى عنه وهو محرم ومن شرطية {فينتقم الله منه} اى فهو ممن ينتقم الله منه لان الفعل اذا وقع جزاء لا يحتاج الى الحرف بخلاف الجملة الاسمية فقدر المبتدأ لئلا تصير الفاء الجزائية لغوا والمراد بالانتقام التعذيب فى الآخرة واما الكفارة فعن بعضهم انها واجبة على العائد وعن بعضهم انه لا كفارة عليه تعلقا بالظاهر واصل الانتقام الانتصار والانتصاف واذا اضيف الى الله تعالى اريد به المعاقبة والمجازاة {والله عزيز} غالب لا يغالب {ذو انتقام} شديد ممن اصر على العصيان والاعتداء قال الله تعالى مخاطبا لخليله [يا ابراهيم خف منى كما تخاف من السبع الضارى] يعنى ان الله تعالى اذا اراد اجراء قضائه على احد لا يفرق بين نبى وولى وعدو كما لا يفرق السبع المفترس بين نفاع وضرار فهو تعالى شديد البطش فكيف يتخلص المجرمون من يد قهره وانتقامه فليحذر العاقل من المخالفة والعصيان بقدر الاستطاعة والامكان اينما كان فان الانسان لا يحصد الا ما يزرع: قال فى المثنوى شعر : جمله دانند اين اكر تونكروى هرجه مى كاريش روزى بدروى تفسير : والعجب ان الانسان الضعيف كيف يعصى الله القوى وليس الا من الانهماك فى الشهوات والغفلة عن الله تعالى والنكتة فى قوله تعالى {يا ايها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وانتم حرم} انه اباح الصيد لمن كان حلالا وهم اهل السلو من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالاعمال البدنية من قصور هممهم الدنية وحرم الصيد على من كان حراما وهم اهل المحبة المحرومون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة يعنى من قصدنا فعليه بحسم الاطماع جملة ولا ينبغى ان يكون له مطالبة بحال من الاحوال الا طلب الوصال ويقال العارف صيد الحق ولا يكون للصيد صيد {ومن قتله منكم} اى من الطلاب اذا التفت لشىء من الدنيا {متعمدا} وهو واقف على مضرته وعالم بما فيه فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس {فجزاء مثل ما قتل من النعم} يجازى نفسه برياضة ومجاهدة ويماثل ألمها تلك اللذة والشهوة {يحكم به ذوا عدل منكم} وهو القلب والروح يحكمان على مقدار الايمان وعلى انواع الرياضات بتقليل الطعام والشراب او ببذل المال او بترك الجام او بالعذلة والخلوة وضبط الحواس {هديا بالغ الكعبة} اى خالصا لله تعالى فيما يعمل بحيث يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق {او كفارة طعام مساكين} وهم العقل والقلب والسر والروح والخفى فانهم كانوا محرمين من اغذيتهم الروحانية من صدق التوجه الى الحق وخلوص الاعراض عن الخلق وتجرع الصبر على المكروهات والفطام عن المألوفات والشكر على الموهوبات والرضى بالمقدرات والتسليم للاحكام الازليات {او عدل ذلك صياما} والصيام هو الامساك عن ملاحظة الاغيار وطلب الاختيار والركون الى غير الملك الجبار {ليذوق} النفس الامارة {وبال أمره} اى تتألم بألم هذه المعاملات التى على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما نالت من لذائذ الشهوات وحلاوة الغفلات {عفا الله عما سلف} من الطالبين قبل اقدامهم على الطلب {ومن عاد} الى تعلق شىء من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق {فينتقم الله منه} بالخذلان فى الدنيا والخسران فى العقبى {والله عزيز} لا يوجد لمن تعلق بالكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير {ذو انتقام} ينتقم من احبائه باحتجاب التعزز بالكبرياء والعظمة على قدر ألتفاتهم الى غيره وملاحظتهم ما سواه وينتقم من اعدائه بما قاله {أية : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} تفسير : [الأنعام: 110] الآية. من التأويلات النجمية وفى المثنوى شعر : عاشق صنع توام درشكروصبر عاشق مصنوع كىباشم جوكبر عاشق صنع خدا بافر بود عاشق مصنوع او كافر بود تفسير : فعلى الطالب الصادق ان ينقطع عن الالتفات الى الغير ويتصل الى من بيده الخير والله الموفق والمعين.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة ويعقوب {فجزاء} منونا {مثل} رفع. الباقون بالاضافة. وقرأ ابن عامر وأهل المدينة {أو كفارة} بغير تنوين {طعام} بالخفض. الباقون بالتنوين وأجمعوا على جمع مساكين. وقرأ بعضهم {أو عدل ذلك} بالكسر قال الاخفش: وهو الوجه، لأن العدل هو المثل. والعدل مصدر عدلت هذا بهذا عدلا حسناً. والعدل أيضا المثل {أية : ولا يقبل منها عدل}تفسير : أي مثل. قال الفراء: العدل - بفتح العين - ما عدل الشيء من غير جنسه - وبكسر العين - المثل، تقول: عندي غلام عادل غلامك - بالكسر - لأنه من جنسه وان أردت قيمته دراهم، قلت: عندي عدل غلامك، لأنها من غير جنسه. قال أبو علي الفارسي: حجة من رفع المثل أنه صفة للجزاء والمعنى فعليه جزاء من النعم مماثل المقتول. والتقدير فعليه جزاء أي فاللازم له أو فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. وقوله {من النعم} على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي {جزاء} وفيه ذكر، ويكون مثل صفة للجزاء لان المعنى عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم. والمماثلة في القيمة أو الخلقة على اختلاف الفقهاء في ذلك. ولا ينبغي إِضافة {جزاء} الى المثل ألا ترى انه ليس عليه جزاء مثل ما قتل في الحقيقة، وانما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، ولا جزاء عليه لمثل المقتول الذي لم يقتله. واذا كان كذلك علمت ان الجزاء لا ينبغي أن يضاف الى {مثل} ولا يجوز أن يكون قوله {من النعم} على هذه القراءة متعلقا بالمصدر كما جاز أن يكون الجار متعلقا به في قوله {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها}تفسير : بـ {مثلها} لأنك قد وصفت الموصول، واذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئا كما انك اذا عطفت عليه أو أكدته لم يجز أن تعلق به شيئا بعد العطف عليه والتأكيد له. فأما في قراءة من أضاف الجزاء الى المثل، فان قوله {من النعم} يكون صفة للجزاء كما كان في قول من نوَّن، ولم يضف صفة له. ويجوز فيه وجه آخر لا يجوز في قول من نون ووصف: وهو أن يقدره متعلقا بالمصدر. ولا يجوز على هذا القول أن يكون فيه ذكر كما تضمن الذكر لما كان صفة. وانما جاز تعلقه بالمصدر على قول من أضاف، لأنك لم تصف الموصول كما وصفته في قول من نون، فيمتنع تعلقه به. وأما من أضاف الجزاء الى {مثل} فانه وإِن كان جزاء المقتول لا جزاء مثله فانهم قد يقولون: أنا أكرم مثلك. يريدون أنا أكرمك، وكذلك اذا قال {فجزاء مثل} فالمراد جزاء ما قتل، فاذا كان كذلك كانت الاضافة في المعنى كغير الاضافة لان المعنى فعليه جزاء ما قتل. ولو قدرت الجزاء تقدير المصدر واضفته الى المثل كما تضيف المصدر الى المفعول به لكان في قول من جر {مثلا} على الاتساع الذي وصفناه ألا ترى أن المعنى {فجزاء مثل} أي يجازى مثل ما قتل، والواجب عليه في الحقيقة جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول. خاطب الله بهذه الآية المؤمنين ونهاهم عن قتل الصيد وهم حرم وقوله {وأنتم حرم} قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها - وانتم محرمون لحج أو عمرة. الثاني - وانتم في الحرم. يقال: أحرمنا أي دخلنا في الحرم كما يقال أنجدنا واتهمنا. الثالث - وأنتم في الشهر الحرام. يقال أحرم اذا دخل في الشهر الحرام. قال أبو علي: الآية تدل على تحريم قتل الصيد في حال الاحرام بالحج، والعمرة وحين الكون في الحرم. وقال الرماني: يدل على الاحرام بالحج أو العمرة فقط. والذي قاله أبو علي أعم فائدة، وأما القسم الثالث فلا خلاف أنه غير مراد. وقاتل الصيد اذا كان محرما لزمه الجزاء عامداً كان في القتل أو أخطأ أو ناسيا لاحرامه أو ذاكراً. وبه قال مجاهد، والحسن - بخلاف عنه - وابن جريج، وابراهيم، وابن زيد، وأكثر الفقهاء، واختاره البلخي والجبائي. وقال ابن عباس وعطاء والزهري واختاره الرماني: انه يلزمه اذا كان متعمداً لقتله ذاكراً لاحرامه، وهو أشبه بالظاهر. والأول يشهد به روايات أصحابنا. واختلفوا في مثل المقتول فقال الحسن وابن عباس والسدي ومجاهد وعطاء والضحاك: هو أشبه الاشياء به من النعم: إِن قتل نعامة فعليه بدنة، حكم النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك في البدنة. وان قتل أروى فبقرة. وان قتل غزالا أو أرنبا، فشاة. وهذا هو الذي تدل عليه روايات أصحابنا. وقال قوم: يقوم الصيد بقيمة عادلة ثم يشترى بثمنه مثله من النعم ثم يهدى الى الكعبة، فان لم يبلغ ثمن هدي كفَّر أو صام، وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف واختلف من قال بذلك في المكان الذي يقوم فيه الصيد، فقال ابراهيم، والنخعي وحماد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: يقوم بالمكان الذي أصاب فيه إِن كان بخراسان أو غيره. وقال ابن عامر والشعبي: يقوم بمكة أو منى. وقوله: {يحكم به ذوا عدل منكم} يعني شاهدين عدلين فقيهين يحكمان بأنه جزاء مثل ما قتل من الصيد. وقوله: {هدياً بالغ الكعبة} فـ {هدياً} نصب على المصدر. ويحتمل ان يكون نصبا على الحال، و {بالغ الكعبة} صفة له وتقديره يهديه هديا يبلغ الكعبة وقوله {بالغ الكعبة} فهو وان كان مضافا الى المعرفة فالنية فيه الانفصال، كما نقول هذا ضارب زيد، فيمن حذف النون ولم يكن قد فعل، فانه يكون نكرة، والهدي يجب أن يكون صحيحا بالصفة التي تجزي في الاضحية، وهو قول أبي علي. وقال الشافعي يجوز في الهدي ما لا يجوز في الاضحية. وان قتل طائراً أو نحوه قال أبو علي عليه دم شاة. وعندنا فيه دم. وقال قوم يجوز ان يهدي سخلة أو جديا. والنعم هي الابل والبقر والغنم. وقوله {أو كفارة طعام مسكين} فمن رفع {طعام مساكين} جعله عطفا على الكفارة عطف بيان لان الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة الى الطعام، لانها ليست للطعام وانما هي لقتل الصيد، فلذلك لم يضف الكفارة الى الطعام. ومن اضافها الى الطعام، فلانه لما خير المكفر بين ثلاثة أشياء: الهدى، والطعام، والصيام اجاز الاضافة لذلك، فكأنه قال: كفارة طعام لا كفارة هدي، ولا كفارة صيام، فاستقامت الاضافة لكون الكفارة من هذه الاشياء وقيل في معناه قولان: أحدهما - يقوَّم عدله من النعم ثم يجعل قيمته طعاما في قول عطا. وهو مذهبنا. وقال قتادة: يقوم نفس الصيد المقتول حيا ثم يجعل طعاما. وقوله: {أو عدل ذلك صياما} نصب صياما على التمييز وفي معناه قولان: أحدهما - لكل مد يقوم من الطعام يوم في قول عطاء. وقال غيره: عن كل مدين يوم وهو مذهبنا. وقال سعيد بن جبير: يصوم ثلاثة أيام الى عشرة أيام. وقوله {ليذوق وبال أمره} يعني عقوبة ما فعله ونكاله. وقال المغربي: الوبال من الطعام الوبيل الذي لا يستمرى، أو لا يوافق، وهو قول الازهري قال كثير: شعر : فقد أصبح الراضون إِذ أنتم بها مشوم البلاد يشتكون وبالها تفسير : وقوله: {عفا الله عما سلف} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن: عفا الله عما سلف من امر الجاهلية. وقال آخرون: عما سلف من الدفعة الاولى في الاسلام. وقوله: {ومن عاد فينتقم الله منه} اختلفوا في لزوم الجزاء بالمعاودة على قولين: أحدهما - قال عطاء وابراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد: يلزمه الجزاء بالمعاودة وهو قول بعض أصحابنا. الثاني - قال ابن عباس، وشريح، والحسن، وابراهيم، بخلاف عنه: لا جزاء عليه وينتقم الله منه، وهو الظاهر من مذهب أصحابنا، واختار الرماني الاول. وبه قال أكثر الفقهاء، قال: لانه لا ينافي الانتقام منه. واختلفوا في (أو) في الآية هل هي على جهة التخيير أم لا؟ على قولين: أحدهما - قال ابن عباس، والشعبي، وابراهيم، والسدي وهو الظاهر في رواياتنا انه ليس على التخيير لكن على الترتيب. وانما دخلت (أو) لأنه لا يخرج حكمه على أحد الثلاثة، على انه إِن لم يجد الجزاء فالاطعام وان لم يجد الاطعام فالصيام. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، وعطاء والحسن وابراهيم - على خلاف عنه - واختاره الجبائي، وهو قول بعض أصحابنا انه على التخيير. وقوله {والله عزيز ذو انتقام} معناه قادر لا يغالب {ذو انتقام} معناه ينتقم ممن يتعدا أمره ويرتكب نهيه. وليس في الآية دليل على العمل بالقياس، لان الرجوع الى ذوي عدل في تقويم الجزاء مثل الرجوع الى المقولين في قيم المتلفات، ولا تعلق لذلك بالقياس.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ}: أى محرمون بحج أو عمرة أو بهما، فان المحرم لا يصيد ولو فى الحل، والمفرد حرام يقال: فلان حرام بحج أو عمرة، أى محرم وقيل: وأنتم داخلون فى الحرم ولو لم تحرموا بحج أو عمرة، وذلك أن صيد الحرم حرام على المحرم، وقيل المعنى وأنتم داخلون فى الحرم أو محرمون بحج أو عمرة، وهذا القول فيه جمع كلمتين بمعنيين مختلفين بلفظ واحد، كقولك: عيون: فى عين الشمس وعين الماء، وعين الوجه، وهو لا يجوز على الصحيح، والمشهور التفسير الأول. ووجه التفسير الثانى وهو تفسير الحرم بمن دخلوا الحرم، أن النهى عن تحريم الصيد على من أحرم بحج أو عمرة أو بهما مأخوذ من قوله: {أية : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً } تفسير : فيبقى هذا التحريم صيد الحرم، فلا تكرير، ويؤيد الأول ما روى أن الآية نزلت فى أبى اليسر، شد على حمار وحش فقتله وهو محرم فى عمرة الحديبية عمداً، وذكر القتل فى قوله: {لا تَقْتُلُوا} ولم يقل: لا تذبحوا مثلا ليعم أنواع ازهاق الروح، سواء بالذكاة الشرعية على أنواعها أو بغيرها، والصيد هنا ما يصاد من الوحش، وليس مصدراً والمراد ما يؤكل لحمه، ولكن يحمل عليه ما لا يؤكل، وستثنى ما ورد فى الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خمس يقتلن فى الحل والحرم: الحدأة والغراب، والعقرب والفأرة والكلب العقور " تفسير : ويروى: الحية بدل العقرب، وكذا الخنزير لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت بقتل الخنزير ". تفسير : وكذلك كل ما يؤذى لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقتلوا كل مؤذ فى الحل والحرام " تفسير : فاذا كانت العلة الايذاء وأبيح قتلهن ولو فى الحرم لم يمنع المحرم من قتلها ولو فى المحرم، وفى رواية: خمس فواسق يقتلن لا جناح على من يقتلهن فى الحل والحرم، الحديث السابق، وقيل فيما لا يؤكل لحمه مما يؤذى غير ما صرح به فى الحديث اذا قتله المحرم ولو فى الحل أن عليه الجزاء، وعن الشافعى أنه لا جزاء عليه، واذا اعتدى المحرم وذبح صيداً فهو ميتة لا تؤثر فيه الذكاة عندنا، وبه قالت الحنفية، والشافعى فى القديم، وقالت الشافعية: هو حلال الأكل لغير ذلك المحرم ممن كان حلالا أو حراماً وهو جديد الشافعى، ووجهه أن النهى لمعنى غير المذبوح، وهو كون الذابح لا يحل له الصيد، فلم يكن ميتة وهو ظاهر، وقيل لمعنى الصيد المذبوح، فكان ميتة اذا صار فى حق المحرم من جنسه ما لا يؤكل، فالتحق به غير المحرم، وتقتل الحية فى الحال والحرم فى احلال واحرام، لأنها مؤذية. وفى رواية: خمسة يقتلهن المحرم: الحية والعقرب، والفأرة والغراب الأبقع، والكلب العقور، ويدخل فى الكلب العقور كل سبع يضر الانسان، وقاس بعضهم الذئب قياساً على ما ذكر فى الحديث قال بعض: نبه صلى الله عليه وسلم يذكر هذه الخمس على جواز قتل كل مضر، فيجوز له أن يقتل الفهد والنمر، والذئب والصقر، والشاهين والباشق، والزنبور والبرغوث، والبق والبعوض، والوزغ والذباب، والنمل اذا أذاه قيل: وفى معنى هذه الخمس الحية والذئب والأسد والنمر، والنسر والعقاب، وهذه الأنواع يستحب قتلها للمحرم وغيره، وقيل: يجب قتلها. وقيل: عن الشافعى وسفيان الثورى وابن حنبل وابن راهويه أنهم وقفوا مع ظاهر الحديث، يبيحوا الا قتل تلك للمحرم، وقاس مالك على الكلب العقور الأسد والنمر والفهد والذئب، وكل السباع العادية، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم عنده، وان فعل فدى، وقال أصحاب الرأى: ان بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وان ابتدأه المحرم فعليه قيمته. وقال مجاهد والنخعى: لا يقتل المحرم من السباع الا ما عدى عليه منهما، وعن ابن عمر اباحة قتل الزنبور، لأنه فى حكم العقرب، وقال مالك: يطعم قاتله شيئاً، وكذا قال فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوها، وقال أصحاب الرأى: لا شىء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك: لا يقتلها المحرم، وان قتلها فدى، وقال ابن عطية: ذوات السموم كلهما فى حكم الحية، وان كسر المحرم بيض صيد أو قلاه حرم عليه، وفى تحريمه على غيره طريقان أشهرهما أنه على القولين، وأشهر القولين التحريم، ولو كسره مجوسى أو قلاه حل، وقيل: لا يحل ولو حلب محرم لبن صيد فهو ككسر بيضة، واذا عم الجراد الطريق ولم يجد بداً من وطئه فلا ضمان عليه. {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِدًا}: بأن قصد قتله ذاكراً لاحرامه، لا مخطئاً ولا ناسياً لاحرامه، ومن جهل التحريم فالفعل بالجهل عمد عندنا، وقال قومنا: انه غير عمد، وقال الحسن ومجاهد وابن زيد: العمد هنا أن يتعمد قتل الصيد مع نسيان الاحرام، فهذا هو الذى عليه الجزاء، وأما ان تعمد قتله ذاكراً لاحرامه فلا جزاء عليه، لأنه أعظم من أن تكون له كفارة، فقد حل من احرامه ولا رخصة له، والصحيح أن عليه الجزاء مع العمد، والذكر لاحرامه أيضاً وهو قول ابن عباس والجمهور، وألحق الجمهور بالعمد الخطأ بأن يضرب الى غيره مثلا فيخطأ اليه فيلزمه الجزاء بالسنة. وقال سعيد بن جبير: لا أرى فى الخطأ شيئاً وهو شاذ، وهو رواية عن الحسن، والآية نزلت فى العمد كما مر آنفا فى قصة أبى اليسر، ولذلك ذكر العمد فبينت السنة أن الخطأ مثله، وأيضا ذكر العمد ليقل فيه بقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} فليس قيداً، وان صاح محرم على صيد فمات بصياحه، أو صاح حلال على صيد فى الحرم فمات، لزمه الجزاء كمن صاح على صبى فمات لزمته ديته، وقيل لا يلزمه الجزاء، وان أصحاب صيداً فوقع على صيد آخر أو على فراخه أو بيضه فهلك ضامن جميع ذلك. ولو مات محرم فى يده صيد لم يملكه وارثه فى مذهبنا، لأنه لم يدخل ملكه الميت، وزعمت الشافعية أنه ملكه بقبضه وأن وارثه يتصرف فيه ويملكه الا بالقتل والاتلاف، وهو قول باطل، والعمرة التى ليس فيها قتل صيد أفضل من حجة فيها قتله فيما قيل، والأصح أن الحجة أفضل. {فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}: أى فعليه جزاء، أو فالواجب عليه جزاء أو كفارته جزاء قيل مثل زائد من زيادة المضاف اليه، بل هو مضاف الى ما بعده مضاف اليه ما قبله، فكأنه قيل فجزاء ما قتل باضافة النعم المصدر الى مفعوله، وليس ذلك زيادة بلا فائدة، بل للاشارة الى أنه كل ما أشبه ما قتله فعليه الجزاء، كقولك: مثلك لا يفعل كذا، تريد أنت لا تفعل كذا ما أردت الا هذا، ولكن جئت بعبارة تشير فيها الى علة عدم فعل من تخاطب، حتى أنها لو وجدت فى غيره لم يفعل، ويجوز أن لا يكون زائداً على أن الاضافة بمعنى من الابتدائية أو التبعيضية، على أن الجزاء فى هذا الأخير بمعنى المجزىء به، ويجوز أن تكون الاضافة بيانية على هذا المعنى، أى مجزىء به مع مثل. وقرأ عاصم والكسائى وحمزة بتنوين جزاء، ورفع مثل على أنه نعت جزاء بمعنى مجزىء به، أى جزاء يماثل ما قتل، وقرأ محمد بن مقاتل بنصب جزاء، ومثل بنصب جزاء على أنه مفعول مطلق، ومثل نعته، والعامل محذوف، أى فليجز جزاء يماثل ما قتل، أو فعليه أن يجزى جزاء يماثل كذا قيل، وفيه أن الجزاء بالمعنى المصدرى لا يماثل حيواناً، فالأولى أنه مفعول به لمحذوف، أى فليعط الفقراء جزاء يماثل ما قتل، أى ما يجزى به. وقرأ ابن مسعود فجزاءه مثل ما قتل برفعهما على الابتداء والاخبار، ورجع الهاء الى من قتله، ومن النعم نعت لقوله: جزاء، وقرأ الحسن باسكان عين النعم، والمماثلة فى الخلقة والهيئة عندنا وعند الشافعية، لا فى القيمة لأنها ليست هادياً بالغ الكعبة، والله يقول: {هَدْيَا بَالِغَ الكَعْبَةِ} ولأن مشاهير الصحابة حكموا بالمماثلة فى الصورة بالبعير فى النعامة، وبالبقرة فى حمار الوحش، وبالكبش فى الضبع، وفى الظبية الأنثى بالأنثى من المعز، وفى الظبى وبشاة وبالأنثى من المعز الصغيرة المنفصلة عرفها فى الأرنب، وقيل بالتى تقرب من تمام الحول من المعز، وكذا فى اليربوع، وبسخلة فى الضب وهى ولد المعز ذكراً كان أو أنثى، وبشاة فى الحمامة والقمرى، وكل ما هدر وذوات الطوق، فهذه الوحوش لا تساوى هذه الأنعام فى القيمة، ولا يخفى أن بينهن شبها. وقال الشعبى وأبو حنيفة: المماثلة فى القيمة، لأن من الوحش مالا مثل له من النعم، فيرجع الى القيمة فيحمل عليه ماله مثل، والجواب أن المراد المماثلة فى الصورة ما أمكنت واذا لم تمكن رجع الى القيمة وهى مماثلة أيضا فيقوم الصيد بقيمة المحل الذى صيد فيه، فيشترى به ما يهدى من الغنم أشبهه أم لم يشبهه، أو كان له مما يهدى ما بسواه فيهدى ذلك، وان فضل شىء اشترى به طعاماً فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، أو صام كل مسكين يوماً، وان لم تبلغ قيمة ما يهدى اشترى بها طعاماً وأعطاه كذلك، أو صام كذلك. وقيل: لكل مسكين مد، وان صام فلكل مد يوم وانما يتصدق على فقراء الحرم على الصحيح، وقيل: يجوز لغيرهم وأما الذبح ففى منى أو الحرم، فما اشترى به مثل ما قتل من النعم صح أنه هدى بالغ الكعبة، وما لم يبلغ أنفذ وخرج عن لفظ الهدى، أو يقال: المراد بالهدى ما يهدى من حيوان أو بقرة، والمماثلة بين المقتول وبين الهدى والطعام أكثر من المماثلة بينه وبين الصوم، وقد ذكر الله المماثلة فى قوله: {مِّثْلُ مَا قَتَلَ} وتفريع المسائل فى الفقه. {يَحْكُمُ بِهِ ذّوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}: يجتهد أن فى تحقيق المماثلة بالذات أو بالقيمة على ما مر فى تفسير المماثلة، وذلك أنه كما يحتاج التقويم الى اجتهاد تحتاج المماثلة فى الصورة لأنها قد تخفى، ولأن الصيد قد يشبه نوعين أو أنواعاً من النعم فيحققان الشبه الراجح ينظر العدلان الى أشبه الأشياء به، فحكم به فلم يصح لأبى حنيفة الاستدلال بهذا على أن المماثلة بالقيمة اذ كانت المماثلة فى الصورة تحتاج الى الاجتهاد، ومعنى منكم أن يكون العدلان مسلمين، وينبغى أن يكونا فقيهين. قال الخازن، قال ميمون بن مهران: جاء أعرابى الى أبى بكر رضى الله عنه وقال: انى أصبت من الصيد كذا وكذا فما جزاءه، فسأل أبو بكر أبى بن كعب رضى الله عنه، فقال الأعرابى: أنا آتيك أسألك، وأنت تسأل غيرك؟ فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك وقد قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذّوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} فشاورت صاحبى، فاذا اتفقنا على شىء أمرناك به. ومثل هذا ما روى أن قبيصة أصاب ظبياً وهو محرم، فسأل عمر رضى الله عنه فشاور عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه، ثم أمره بذبح شاة، فقال قصيبة لصاحبه: والله ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، فأقبل عليه ضرباً بالدرة أتقتل الصيد وأنت محرم وتغمض الفتيا أى تحقرها، قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذّوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} فأنا عمر وهذا عبد الرحمن، وجملة يحكم به ذوا عدل منكم نعت جزاء، لأن اضافته لمثل لا تقيده تعريفاً ان أضيف أو حال من جزاء فى قراءة نعته بمثله، أو حال من جزاء فى وجه الغاء مثله، فيكون جزاء بمنزلة ما أضيف لقوله: {مَا قَتَلَ} وأجيز أن يكون حالا من جزاء على الاضافة، على أن اضافة مثل تفيد التخصيص، واذا جعل مثل مبتدأ لم يجز أن تكون حالا منه، واذا جعل مبتدأ المحذوف جاز كونها حالا من ضمير جزاء فى خبره أى فعليه جزاء، ففى عليه ضمير مستتر أو فجزاء مثل ما قتل من النعم واجب، ففى واجب ضمير جزاء، وقرأ جعفر بن محمد يحكم به ذو عدل على ارادة الجنس الصادق باثنين، ولذلك أفرد، وقيل: المعنى فى قراءته المفرد لفظاً ومعنى وهو الامام العدل. {هَدْيَا بَالِغَ الكَعْبَةِ}: حال من الهاء فى به مقدرة، لأنه حين الحكم هدياً بل اذا عينه وساقه كان هدياً أو حال من جزاء ان وصف جزاء أو أضيف، أو بدل من جزاء ان نصب جزاء، أو من مثل ان نصب مثل أو خبر لأنه ولو جر محله النصب، لأنه مفعول الجزاء أضيف اليه جزاء، وبالغ نعت هدياً لأنه وصف للاستقبال فاضافته لمفعوله وهو الكعبة لفظية اذ أصله أن ينون وينصب الكعبة، فخفف بالاضافة المزيلة للتنوين. وسمى البيت كعبة لتكعبه أى ارتفاعه، أو لتربيعه، ومعنى بلوغ الكعبة بلوغ الحرم، فانه يذبح فى الحرم لا فى الكعبة أو المسجد، وتسمية الحرم كعبة مجاز مرسل لعلاقة الكلية والجزئية أو احداهما فهو يذبح فى الحرم فى منى، أو فى دار من دور مكة، أو فى غير ذلك من الحرم، وبتصدق به فى الحرم. وقال أبو حنيفة: يذبح فى الحرم، ويتصدق به حيث شاء، وظاهر قوله: {هَدْيَا بَالِغَ الكَعْبَةِ} أنه لا بد أن يؤتى بالهدى من الحل حتى يصل الحرم. {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ}: باضافة كفارة لطعام عند نافع وابن عامر اضافة بيان الى، أو كفارة هى طعام مساكين، وقرأ الباقون بتنوين كفارة، ورفع طعام على أنه خبر لمحذوف، أى هى طعام مساكين، أو عطف بيان لكفارة، أو بدل منه وكفارة معطوف على جزاء فى قراءة رفعه، وان نصب جزاء فكفارة خبر لمحذوف، أى أو جزاءه كفارة، أو الواجب كفارة أو مبتدأ محذوف الخبر، أى فعليه كفارة أو معطوف على أن يجزى اذا قدرت فعليه أن يجزى جزاء الأقل ما قتل، وقرأ الأعرج أو كفارة طعام مسكين، وانما لارادة الجنس. ومعنى أو كفارة طعام مساكين أن يشترى بقيمة ما لزمه من الهدى طعاماً فيعطى كل مسكين مداً، وقيل: مدان على ما مر، وذلك غالب قوت الموضع الذى صاد فيه، ويقوم باعتبار الموضع أيضاً عند الجمهور، وقال الشعبى: يقوم باعتبار مكة، لأنه يعطى فيها أو فى غيرها من الحرم، وقيل: يجوز فى غير فى ذلك من الحل. {أَوْ عَدْلُ ذّلِكَ صِيَامًا}: بأن يصوم لكل مد يوماً، وقيل: لكل مدين يوماً، وصياماً تمييز، وعدل ذلك بمعنى ما عادله، والاشارة الى الطعام المذكور، وذلك أن تعتبر قيمة الهدى أو قيمة الصيد، فينظر ما تسوى من الطعام فيصام مكان كل مد منه أو مدين يوم، وأصل عدل مصدر ثم أطلق على ما يعادل به الشىء من غير جنسه، وقرىء بكسر العين وهو ما عادل الشىء فى المقدار والصيام حيث شاء، لأنه لا نفع فيه للفقراء، وأو للتخيير فى الموضعين، فالحكمان مخيران يحكمان بما شاء من هدى أو اطعام أو صيام، لأن الله تعالى قال: {يَحْكُمُ بِهِ ذّوَا عَدْلٍ} هذا ما ظهر لى، ثم رأيته والحمد لله، مذكوراً عن محمد بن الحسن من أصحاب أبى حنيفة. وقال الجمهور: يذكر الحكمان ان صاد هذه الأنواع ويبين له فيختار هو، وقال أحمد بن حنبل، وزفر من أصحاب أبى حنيفة: أنه لا يجزيه الاطعام الا ان لم يجد الهدى حيواناً، ولا يجوز الصوم الا أن يجد الاطعام، فذلك عنهما على ترتيب لفظ الآية، وهو رواية عن ابن عباس، والصحيح عنه التخيير وهو المشهور، والأولى أن يقال: يخير فى الهدى والطعام، ولا يصوم الا ان لم يجدهما، وقيل: يخر الحكمان من صاد فى أن يهدى أو يطعم أو يصوم، فما اختار حكما عليه بما لزمه منه، وان اختار الهدى فما لم يتم به الهدى وأدناه شاة أو فضل ما لا تتم به، فما لم يتم يخير انه فيه بين الاطعام والصوم. وقيل: يقوم الصيد طعاماً لا دراهم، وان قوم دراهم فاشترى بها طعام رجوت أن يكون واسعاً، وقيل: يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد، فان شاء أخرج ذلك الطعام، وان شاء صام عدد أمداده وهو أحوط، لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة، وبهذا النظر يكثر الطعام. {لِيَذٌوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}: متعلق بيحكم أو بجزاء أو بخبره المحذوف أو مبتدئه المحذوف، أو ناصبه المحذوف، أو بمحذوف أى ألزمناه ذلك ليذوق، والوبال الضر أى ليذوق سوء العاقبة الذى أوجبه أمره، وأمره هو قتله الصيد وهو محرم متعمد، وذلك الوبال هو ما لزمه من الجزاء، فهو فى الدنيا، ولكن ان لم يتب عوقب فى الأخرى، وسماه وبالا لثقله، يقال: طعام وبيل أى ثقيل على المعدة. {عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ}: من قتل الصيد عمداً حال الاحرام فى الجاهلية، قاله عطاء وغيره، وقيل: عما سلف، وقيل: التحريم وان قيل: عفا الله عما سلف من ذلك قبل التحريم شمل ما سلف منه فى الجاهلية منه، وما سلف فى الاسلام قبل أن ينزل التحريم، أو عفا الله عما سلف منه فى هذه المرة، وقيل عما سلف من الصيد عمداً حال الاحرام قبل أن تسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنْهُ}: ومن عاد الى الصيد حال الاحرام عمداً بعد ذلك التحذير، فهو ينتقم الله منه، ومعنى من عاد من وقع فى الصيد، سواء قد صاد قبل أو لم يصد فعاد مجاز مرسل للاطلاق والتقييد، أو أحدهما وانما قدرت المبتدأ فيكون ينتقم خبره، وجملة المبتدأ والخبر لأن ينتقم لو كان وحده هو الجزاء لجزم ولم يقرن بالفاء، لأنه يصلح شرطاً، والتحقيق عندى أنه لا يرفع المضارع الجوابى ولو كان الشرط ماضياً لا كما شهره ابن مالك. ومعنى انتقام الله منه أنه يشتد عليه التحريم من الله، ويعظم عقابه فى الآخرة مع لزوم الجزاء، فذنب العالم أعظم من ذنب غيره، والذنب مع تكرير الانذار أعظم هذا ما ظهر لى، ثم رأيته للجمهور وبه قال مالك وغيره من أصحابه، وعطاء، وابراهيم النخعى، وسعيد بن جبير، والحسن، وشريح، وعن ابن عباس، وداود الظاهرى: أنه ان عاد لم يحكم عليه بالجزاء، وانما يقول له الحكمان: اذهب ينتقم الله منك وهو رواية عن ابراهيم النخعى وشريح أخذه بالظاهر اذا لم يذكر فيه الكفارة، والصحيح الأول. وروى أن رجلا عاد فنزلت عليه نار فأحرقته وأكلته، روى عن ابن عباس: عفا الله عن المتعمد أول مرة، وعليه الجزاء، وان اجترأ وعاد ثانياً فلا يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك، وروى عنه لا جزاء عليه لأنه وعده بالانتقام منه، وعنه اذا قتل صيداً سئل هل قتل قبله آخر، فان قال: نعم لم يحكم عليه، ويقال له اذهب فينتقم الله منك، وان قال لم أقتله قبله شيئاً حكم عليه، فان عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ صدره وظهره ضرباً، وهذه الآثار عنه تصرح أن اعتبار المرة الأولى بالعفو والجزاء، والثانية بالانتقام، وعدم الحكم بالجزاء مستمر الى يوم القيامة. وقيل: الذى عندى أن الناس بعد نزول هذه الآية داخلون فى حكم الانتقام، وأن عليهم الجزاء، وأن الجهل بالتحريم وقد مر لك تفسيرى عاد بمعنى وقع فى الصيد، ولو لم يتقدم له اصطياد، وأما آثار ابن عباس فيخرج أن العود هو على حقيقته من الصيد مرة ثانية بعد المرة الأولى، وزعم أن الانتقام لزوم الكفارة. {وَاللهُ عَزِيزٌ}: لا يغلبه أحد عما أراد. {ذُو انتِقَامٍ}: ممن عصاه بالصيد عمداً حال الاحرام ومن سائر من عصى الا من تاب.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} مأْكولا أَو غير مأْكول، وخص الشافعى ذلك بالمأْكول لأَنه الغالب فيه عرفاً لأَنه روى مرفوعاً: حديث : خمسة يقتلن في الحل والحرم: الحدأَة والغراب والعقرب والفارة والكلب العقورتفسير : ، ويروى الحية بدل العقرب {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} جمع حرام إِما بمعنى ممتنع بالإِحرام بالحج أَو العمرة أو بهما، أَو بكونهم فى الحرم فإِنهم نهوا عن قتل الصيد فى الحرم ولو كانوا حلالا، وعن قتل الصيد فى الحل إِن أَحرموا بذلك، وسواء القتل بذكاة شرعية أَو بغيرها، وإِذا ذكى المحرم صيد انحل بذبح أَو نحر أَو برمى أَو جارحة فهو ميتة لا يحل، وقيل حلال لغير المحرم، وعلى كل حال عليه الجزاء وعليه الشافعى: كذكاة الغاصب وذكاة السارق تحل عنده لغيرهما، والصحيح الأَول لقيام المانع بالمذكى كقيامه بالوثنى والأَقلف البالغ بلا عذر، وهو الإِحرام، وأَما ما يؤذى فجاءَ الحديث بقتله في الحل والحرم وللمحل المحرم فلا جزاءَ ولا إِثم {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً} أَو خاطئاً أَو نائماً أَو مغمى عليه أَو سكران أَو مجنوناً، أَو فى طفولية فيخاطب قائم الطفل من مال الطفل إِن لم يأمره، والجاهل داخل في التعمد، والجهل عمداً إِذا كان الجهل جهل تحريم بعده صلى الله عليه وسلم، أَو كان الجهل في زمانه أَو بعده جهل أَنه صيد ومن الخطأَ أَن يطأَه ليلا مثلا أَو يرمى إِلى غيره فتصادفه، ومنه أَن ينسى أَنه محرم، قال الزهرى: نزل الكتاب بالعمد، ووردت السنة بالخطأ، ففى كل منها جزاء عندنا وعند الجمهور، وليس العمد في الآية قيداً، بل إِما ليبنى عليه قوله: {ليذوق وبال أَمره}، وقوله: {ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام}؛ فإِن الخاطئ لا وبال عليه ولا نقمة، وعليه الجزاء المبنى على الإِحرام أَو الحرم لعظم شأنهما فلم يسقط بالخطأ كما لا يسقط ضمان المال والنفس بالخطأ، وإِما لأَن الآية نزلت في العامد إذ عن لهم فى عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أَبو اليسر برمح عمد فقتله وهو محرم، وقال أَبو داود وسائر الظاهرية أَنه لا جزاءَ على الخطأ وهو قول سعيد بن جبير، ورواية عن الحسن وعنه رواية كالجمهور، وإِما لجميع ذلك من العقاب ووقوع حادثة أَبى اليسر {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم} أَى فعليه جزاء، أَو فالواجب جزاء، والإِضافة للبيان، أَى فجزاء هو مثل ما قتل، وذلك المقتول وحش والمثل بعض النعم وهو الإِبل والبقر والغنم، أَو مثل مقحم كقولك مثلى لا يقول كذا، والجزاء فى ذلك كله العوض، وهو نفس ما أَعطى من النعم مماثل لما قتله من الوحش، والمماثلة باعتبار الهيئة والخلقة عند مالك الشافعى، وباعتبار القيمة عند أَبى حنيفة، في المذهب، ويدل للأول أَن القيمة لا تكون هدياً بالغ الكعبة ودعوى أنه يشتري بها هدي بالغ الكعبة تكلف بلا دليل وخروج عن الظاهر بلا داع، ويدل له أَيضا حكم الصحابة بنفس المماثل من النعم ببدنة في النعامة وببقرة في حمار الوحش وبكبش في الضبع وبعنز في غزال أَنثى وبشاة في ظبى ذكر وبجفرة أَو عناق في الأَرنب واليربوع وبسخلة في الضب. وعن الشافعى وغيره في الحمامة شاة لتماثلها في الصب والهديل مع بعد كل من الأُخرى، وفي الحديث الضبع صيد وفيه شاة وأَول من فدى طير الحرم بشاة عثمان، والمماثلة بين المقتول وبين الهدى والطعام أَكثر من المماثلة بينه وبين الصوم، وعند أَبى حنيفة يقوم الصيد في المكان الذى صيد فيه أَو فى أَقرب الأَماكن إِليه إِن لم تتحقق له قيمة في مكانه، ويعتبر الزمان أَيضاً لاختلاف القيمة بالزمان والمكان، واحتج أَبو حنيفة بأَن من الصيد مالا مثل له فى الخلقة والهيئة فلا بد فيه من القيمة فيرجع إِلى القيمة ما له مثل فى الخلقة والهيئة، والجواب أَن يرد كل وحش إِلى مثله من النعم بوجه ما عند الشافعى ما أَمكن، وعلى تقدير وجود مالا مثل له يرد وحده إِلى القيمة على قاعدة رجوع مالا مثل له فى الضمانات إِلى القيمة كالجراد والعصفور يصوم أَو يعطى طعاماً، فعند أَبى حنيفة يشترى بالقيمة ما تبلغه من النعم فيذبح في مكة أَو الحرم، أَو يشترى بها طعاماً ويتصدق بها لكل مسكين نصف صاع من بر أَو صاع من غيره، أَو صام عن كل نصف صاع من البر يوماً، وعن صاع من غيره يوماً، وعنده يتم من عنده ما لم يبلغ منه صاعاً، وفيه أَن فى هذه تفاوتاً في العدد مجاناً، وإن لم يبلغ قيمة الهدى خير بين الإِطعام والصوم، وعند الشافعى: يذبح المثل في مكة أَو الحرم، أَو يقوم المثل بالدراهم ويشترى بها طعاماً يتصدق به على مساكين الحرم لكل مسكين مد أَو صاع عن كل يوم مداً، ويعتبر في القيمة المكان الذى قتل فيه الصيد {يَحْكُمُ بِهِ} أَى بالجزاء أَو بالمثل أَنه مماثل لكذا من النعم وأَن قيمته كذا {ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ} من أَهل دينكم، الجملة نعت جزاء وأَجاز بعض الحنفية العدل الواحد لقراءَة محمد بن جعفر ذو عدل، وجعل الاثنين حوطة وحملها ابن جنى على الإِمام {هَدْياً} حال من الهاء أَو من جزاء، أَو بدل من مثل على المحل على أَنه مفعول جزاء أضيف إِليه، وكل من البدل والحال مقدر لأَنه قبل ذلك ليس هدياً بل ينوى أَنه هدى أَو يقدر يهدى هدياً أَو تمييز {بَالِغَ الكَعْبَةِ} أَى بالغاً الكعبة، فأُضيف تخفيفاً، وبلوغه الكعبة بلوغه الحرم وذبحه فيه والتصدق به فيه لا حيث شاءَ كما قيل، وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي فى النعامة ببدنه، وابن عباس وأَبو عبيدة فى بقر الوحش وحماره ببقرة، وابن عمر وابن عوف في الظبى بشاة، وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأَنها تشبهه في شرب الماءَ بلا مص، جاءَ أَعرابى إِلى الصديق رضى الله عنه فقال: إِنى أَصبت من الصيد كذا وكذا فما جزاؤه، فسأل أَبو بكر أبى بن كعب فقال الأَعرابى: أَنا آتيك أسأَلك وأَنت تسأَل غيرك؟ فقال أَبو بكر: وما أَنكرت من ذلك، وقد قال الله عز وجل: {يحكم به ذوا عدل منكم} فشاورت صاحبى فإِذا اتفقنا على شئ أَمرناك به {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} عطف على جزاء، والإِضافة للبيان، أَى كفارة هى طعام مساكين من الحبوب الستة عندنا، أَو من غالب قوت البلد، يشترى من ذلك بقيمة المماثل يطعمه مساكين الحرم مد لكل مسكين أَو مدان أَو أَربعة من غير البر على ما مر، والاختيار للجانى عندنا، وقال الشافعى: إِلى الحكمين، وقال أَبو حنيفة وأَبو يوسف: إِذا ظهر قيمة الصيد بحكم الحكمين وهى تبلغ هدياً فله الخيار فى الهدى والصوم والإِطعام لا التخيير، رفق به كما فى كفارة اليمين، ولا يطعم أَهل الذمة خلافاً للحنفية، ويجوز الإِطعام في غير الحرم، ومنعه الشافعى لأَنه بدل من الهدى وللتوسعة على سكان الحرم {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} تمييز، وعدل الشئ ما يساويه، وأَصله مصدر والإشارة إِلى الطعام، فيعدل صوم اليوم مداً أَو مدين أَو أَربعا على ما مر؛ كأَنه قيل قدر الطعام صياماً. {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وجب ذلك عليه، أَو شرعنا ذلك، أَو جوزى بذلك ليذوق، أَو يتعلق بما تعلق به خبر قوله فجزاء وهو عليه، أَو متعلق عليه أَى فعليه جزاء مثل إلخ ليذوق، أَو فجزاء مثل الخ واجب عليه ليذوق وبال أَمره، أَى ثقل أَمره، وأَمره هو صيده محرماً أَو فى الحرم، وثقله هو عقابه، ومن ذلك طعام وبيل أَى ضار للمعدة، ومرعى وبيل أَى وخيم، والوبال ثقل كما يكره، والهاء للصائد، ويجوز أَن تعود إِلى الله عز وجل، أَى وبال مخالفة أَمر الله، وهو عذابه الشديد، ولا يخفى ثقل الصوم على النفس وثقل التصدق بالمال {عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ} من قتل الصيد في الإِحرام أَو في الحرم إسلاماً أَو جاهلية، أَو قبل التحريم، أَو فى هذه المرة والصيد قبل نزول قوله تعالى {يا أَيُّهَا الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأَنتم حرم} مسكوت عنه فهو حلال، وكانوا يفعلونه، وما حرم إلا بعد نزوله، وليس قبل ذلك معصية، فالعفو ليس بمعنى غفران الذنب بل هو مجرد عدم المؤاخذة، وأَولى من هذا أَن صيد المحرم أَو في الحرم محرم فى الجاهلية لأَنهم كانوا يتعبدون بشرع إِبراهيم وهو يحرم صيد المحرم والصيد في الحرم فانتهكوا ذلك، فالعفو على ظاهره. {وَمَنْ عَادَ} بعد نزول التحريم إِلى قتل الصيد {فَيَنْتَقِمُ} أَى فهو ينتقم أَو فقد ينتقم، أَو فليس بناج لأَنه ينتقم {اللهُ مِنْهُ} فليس الفعل هو جواب الشرط، إِذ لو كان هو لسقطت الفاء وجزم، وقال أَبو البقاء: حسن الفاءَ كون الشرط ماضياً، وهو قول ضعيف، وأَقرب منه أَن الفاءَ في خبر الموصول العام، والمراد ينتقم الله منه فى الآخرة، مع لزوم ما تقدم من الجزاء بأَحد أَنواعه عند الجمهور وهو الصحيح، لا كما حكى عن ابن عباس وشريح رضى الله عنهم من أن عليه الانتقام دون الجزاء حتى أَنهم كانوا يسأَلون المستفتى: هل أَصاب ذلك قبل؟ فإِن قال: نعم، قالوا: اذهب ينتقم الله منك، وإِن قال: لا، قالوا له: لزمك كذا من الجزاء {واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} ممن أَصر على عصيانه، ومن صاد بعد نزول التحريم وتاب فعليه الجزاء بأَحد أَنواعه دون عذاب الآخرة، وأَردت بأَنواعه ما فى الآية كله، ومن اضطر فالصيد قيل الميتة ويذبحه ولا سيما إن وجده مذبوحاً لأَنه لو خرج من الحرم لحل لغير المحرم بلا ضرورة، وقيل الميتة قبله لتعدد جهة المنع لكونه محرماً وكونه صيد الحرم فلا تعدد في صيد الحل، والصحيح الأَول وعليه الجزاء، والصيد أَولى من لحم الخنزير لأَنه حرم للإِحرام والحرم، والخنزير حرم مطلقاً إِلا للمضطر، والصيد أَولى من لحم الآدمى، والمذهب أَن يموت ولا يأكل لحم الآدمى.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} والتصريح بالنهي مع كونه معلوماً لا سيما من قوله تعالى: { أية : غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة: 1] لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبه عليه. واللام في {ٱلصَّيْدِ } للعهد حسبما سلف، وإطلاقه على غير المأكول شائع، وإلى التعميم ذهبت الإمامية، وأنشدوا لعلي كرم الله تعالى وجهه: شعر : صيد الملوك ثعالب وأرانب وإذا ركبت فصيدي الأبطال تفسير : وخصه الشافعية بالمأكول قالوا: لأنه الغالب فيه عرفا، وأيد ذلك بما رواه الشيخان « حديث : خمس يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور»تفسير : . وفي رواية لمسلم « حديث : والحية » تفسير : بدل العقرب، وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمة البحث. والحرم جمع حرام كردح جمع رداح والحرام والمحرم بمعنى والمراد به من أحرم بحج أو عمرة وإن كان في الحل وفي حكمه من كان في الحرم وإن كان حلالاً، وقيل: المراد به من كان في الحرم وإن لم يكن محرماً بنسك وفي حكمه المحرم وإن كان في الحل. وقال أبو علي الجبائي: الآية تدل على تحريم قتل الصيد على المحرم بنسك أينما كان وعلى من في الحرم كيفما كان معا، وقال علي بن عيسى: لا تدل إلا على تحريم ذلك على الأول خاصة، ولعل الحق مع علي لا مع أبيه. وذكر القتل دون الذبح ونحوه للإيذان بأن الصيد وإن ذبح في حكم الميتة، وإلى ذلك ذهب الإمام الأعظم وأحمد ومالك رضي الله تعالى عنهم، وهو القول الجديد للشافعي رضي الله تعالى عنه، وفي القديم لا يكون في حكم الميتة ويحل أكله للغير ويحرم على المحرم. {وَمَن قَتَلَهُ} كائناً {منْكُمْ} حال كونه {مُّتَعَمّداً} أي ذاكراً لإحرامه عالماً بحرمة قتل ما يقتله ومثله من قتله خطأ للسنة. فقد أخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ. وأخرج الشافعي وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ. وقال بعضهم: التقييد به بالعمد لأنه الأصل والخطأ ملحق به قياساً. واعترض بأن القياس في الكفارات مختلف فيه، والحنفية لا تراه، وقيل: التقييد به لأنه المورد، فقد روي أنه عن لهم حمار وحشي فحمل عليه أبو اليَسَر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: قتلته وأنت محرم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فأنزل الله تعالى الآية. واعترض بأن الخبر على تقدير ثبوته إنما يدل على أن القتل من أبي اليسر كان عن قصد وهو غير العمد بالمعنى السابق إذ قد أخذ فيه العلم بالتحريم، وفعل أبي اليسر خال عن ذلك بشهادة الخبر إذ يدل أيضاً على أن حرمة قتل المحرم الصيد علمت بعد نزول الآية. وأجيب بأنا لا نسلم أن أبا اليسر لم يكن عالماً بالحرمة إذ ذاك، فقد روي عن جابر بن عبد الله وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الصيد كان حراماً في الجاهلية حيث كانوا يضربون من قتل صيداً ضرباً شديداً، والمعلوم من الآية كون ذلك من شرعنا، وقيل: إن العلم بالحرمة جاء من قوله تعالى: { أية : غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ } تفسير : [المائدة: 1] ولعله أولى. وعن داود أنه لا شيء في الخطأ أخذاً بظاهر الآية. وروى ابن المنذر ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير وطاوس. وأخرج أبو الشيخ عن ابن سيرين قال: من قتله ناسياً لإحرامه فعليه الجزاء ومن قتله متعمداً لقتله غير ناس لإحرامه فذاك إلى الله تعالى إن شاء / عذبه وإن شاء غفر له. وأخرج ابن جرير عن الحسن ومجاهد نحو ذلك. و {مِنْ } يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر؛ ويجوز أن تكون موصولة. والفاء في قوله تعالى: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ} جزائية على الأول وزائدة لشبه المبتدأ بالشرط على الثاني. و «جزاء» بالرفع والتنوين مبتدأ و {مِّثْلُ} مرفوع على أنه صفته والخبر محذوف أي فعليه، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي فواجبه أو فالواجب عليه جزاء مماثل لما قتله. وجوز أبو البقاء أن يكون {مِّثْلُ} بدلا؛ والزجاج أن يكون «جزاء» مبتدأ و {مِّثْلُ} خبره إذ التقدير جزاء ذلك الفعل أو المقتول مماثل لما قتله، وبهذا قرأ الكوفيون ويعقوب؛ وقرأ باقي السبعة برفع «جزاء» مضافاً إلى {مِّثْلُ}. واستشكل ذلك الواحدي بل قال: ينبغي أن لا يجوز لأن الجزاء الواجب للمقتول لا لمثله. ولا يخفى أن هذا طعن في المنقول المتواتر عن النبـي صلى الله عليه وسلم وذلك غاية في الشناعة، وما ذكر مجاب عنه، أما أولاً فبأن «جزاء» كما قيل مصدر مضاف لمفعوله الثاني أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل ومفعوله الأول محذوف والتقدير فعليه أن يجزي المقتول من الصيد مثله ثم حذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه وأضيف المصدر إلى الثاني، وقد يقال لا حاجة إلى ارتكاب هذه المؤنة بأن يجعل مصدراً مضافاً إلى مفعوله من غير تقدير مفعول آخر على أن معنى أن يجزي مثل أن يعطي المثل جزاء، وأما ثانياً فبأن تجعل الإضافة بيانية أي جزاء هو مثل ما قتل، وأما ثالثاً فبأن يكون {مِّثْلُ} مقحما كما في قولهم: مثلك لا يفعل كذا. واعترض هذا بأنه يفوت عليه اشتراط المماثلة بين الجزاء والمقتول وكون جزائه المحكوم به ما يقاومه ويعادله وهو يقتضي المماثلة مما لا يكاد يسلم انفهامه من هذه الجملة كما لا يخفى. وقرأ محمد بن مقاتل بتنوين «جزاء» ونصبه ونصب {مِّثْلُ} أي فليجز جزاء أو فعليه أن يجزي جزاء مثل ما قتل، وقرأ السلمي برفع «جزاء» منوناً ونصب {مِّثْلُ} أما رفع «جزاء» فظاهر وأما نصب {مِّثْلُ} فبجزاء أو بفعل محذوف دل جزاء عليه أي يخرج أو يؤدي مثل. وقرأ عبد الله {فجزاؤه} برفع جزاء مضافاً إلى الضمير ورفع {مِّثْلُ} على الابتداء والخبرية. والمراد عند الإمام الأعظم وأبي يوسف المثل باعتبار القيمة يقوم الصيد من حيث إنه صيد لا من حيث ما زاد عليه بالصنع في المكان الذي أصابه المحرم فيه أو في أقرب الأماكن إليه مما يباع فيه ويشرى وكذا يعتبر الزمان الذي أصابه فيه لاختلاف القيم باختلاف الأمكنة والأزمنة فإن بلغت قيمته قيمة هدي يخير الجاني بين أن يشتري بها ما قيمته قيمة الصيد فيهديه إلى الحرم وبين أن يشتري بها طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره، ولا يجوز أن يطعم مسكيناً أقل من نصف صاع ولا يمنع أن يعطيه أكثر ولو كان كل الطعام غير أنه إن فعل أجزأ عن إطعام مسكين نصف صاع وعليه أن يكمل بحسابه ويقع الباقي تطوعاً وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين تصدق به أو صام عنه يوماً كاملاً لأن الصوم أقل من يوم لم يعهد في الشرع وإن لم تبلغ قيمته قيمة هدي فإن بلغت ما يشتري به طعام مسكين يخير بين الإطعام والصوم وإن لم تبلغ إلا ما يشتري به مدا من الحنطة مثلاً يخير بين أن يطعم ذلك المقدار وبين أن يصوم يوماً كاملاً لما قلنا فيكون قوله تعالى: {مِنَ ٱلنَّعَمِ} تفسيراً للهدي المشتري بالقيمة على أحد وجوه التخيير فإن من فعل ذلك يصدق عليه أنه جزى بمثل ما قتل من النعم. ونظر فيه صاحب «التقريب» لأن قراءة رفع «جزاء» و {مِّثْلُ} تقتضي أن يكون الجزاء مماثلاً من النعم للصيد فإن كان الجزاء القيمة فليس مماثلاً له منها بل الجزاء قيمة يشتري بها مماثل. وأجاب في / «الكشف» بأن ما يشتري بالجزاء جزاء أيضاً فإن طعام المساكين جزاء بالإجماع وهو مشترى بالقيمة. والحاصل أنه يصدق عليه أنه جزاء وأنه اشترى بالجزاء ولا تنافي بينهما، وادعى صاحب «الهداية» «أن {مِنَ ٱلنَّعَمِ} بيان لما قتل وأن معنى الآية فجزاء هو قيمة ما قتل من النعم بجعل المثل بمعنى القيمة وحمل النعم على النعم الوحشي لأن الجزاء إنما يجب بقتله لا بقتل الحيوان الأهلي، وقد ثبت كما قال أبو عبيدة والأصمعي أن النعم كما تطلق على الأهلي في اللغة تطلق على الوحشي»، وكأن كلام أبي البقاء حيث قال: يجوز أن يكون {مِنَ ٱلنَّعَمِ} حالا من الضمير في {قَتْلَ} لأن المقتول يكون من النعم مبنياً على هذا، وهو مع بعد إرادته من النظم الكريم خلاف المتبادر في نفسه، فإن المشهور أن النعم في اللغة الإبل والبقر والغنم دون ما ذكر، وقد نص على ذلك الزجاج وذكر أنه إذا أفردت الإبل قيل لها نعم أيضاً وإن أفردت البقر والغنم لا تسمى نعماً. «وقال محمد ونسب إلى الشافعي ومالك والإمامية أيضاً: المراد بالمثل والنظير في المنظر فيما له نظير في ذلك لا في القيمة ففي الظبـي شاة وفي الضبع شاة وفي الأرنب عناق وفي اليربوع جفرة وفي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة لأن الله تعالى أوجب مثل المقتول مقيداً بالنعم فمن اعتبر القيمة فقد خالف النص لأنها ليست بنعم ولأن الصحابة كعلي كرم الله تعالى وجهه وعمر وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين أوجبوا في النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة إلى غير ذلك، وجاء عن النبـي صلى الله عليه وسلم كما رواه أبو داود « حديث : الضبع صيد وفيه شاة » تفسير : وما ليس له نظير من حيث الخلقة مثل العصفور والحمام تجب فيه القيمة عند محمد كما هو عند الإمام الأعظم وصاحبه، وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يعتبر المماثلة من حيث الصفات فأوجب في الحمام شاة لمشابهة بينهما من حيث إن كل واحد منهما يعب ويهدر وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر ومقاتل رضي الله تعالى عنهم، وأخرج ابن أبـي شيبة عن عطاء قال: أول من فدى طير الحرم بشاة عثمان رضي الله تعالى عنه، ولأبي حنيفة وأبي يوسف رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى أطلق المثل والمثل المطلق هو المثل صورة ومعنى وهو المشارك في النوع وهو غير مراد هنا بالإجماع فبقي أن يراد المثل معنى» وهو القيمة وهذا لأن المعهود في الشرع في إطلاق لفظ المثل أن يراد المشارك في النوع أو القيمة فقد قال تعالى في ضمان العدوان: { أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 194] والمراد الأعم منها أعني المماثل في النوع إذا كان المتلف مثلياً والقيمة إذا كان قيمياً بناء على أنه مشترك معنوي، والحيوانات من القيميات شرعاً إهداراً للماثلة الكائنة في تمام الصورة فيها تغليباً للاختلاف الباطني في أبناء نوع واحد فما ظنك إذا انتفى المشاركة في النوع أيضاً فلم يبق إلا مشاكلة في بعض الصورة كطول العنق والرجلين في النعامة مع البدنة ونحو ذلك في غيره فإذا حكم الشرع بانتفاء اعتبار المماثلة مع المشاكلة في تمام الصورة ولم يضمن المتلف بما شاركه في تمام نوعه بل بالمثل المعنوي فعند عدمها وكون المشاكلة في بعض الهيئة انتفاء الاعتبار أظهر إلا أن لا يمكن وذلك بأن يكون للفظ محمل يمكن سواه فالواجب إذا عهد المراد بلفظ في الشرع وتردد فيه في موضع يصح حمله على ذلك المعهود وغيره أن يحمل على المعهود وما نحن فيه كذلك فوجب المصير إليه وأن يحمل ما جاء عن النبـي صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم من الحكم بالنظير على أنه كان باعتبار التقدير بالقيمة إلا أن الناس إذ ذاك لما كانوا أرباب مواش كان الأداء عليهم منها أيسر لا على معنى أنه لا يجزىء غير ذلك، وحديث التقييد / بالنعم قد علمت الجواب عنه، وذكر مولانا شيخ الإسلام «أن الموجب الأصلي للجناية والجزاء المماثل للمقتول إنما هو قيمته لكن لا باعتبار أن الجاني يعمد إليها فيصرفها إلى المصارف ابتداء بل باعتبار أن يجعلها معياراً فيقدر بها إحدى الخصال الثلاث فيقيمها مقامها فقوله تعالى: {مّثْلُ مَا قَتَلَ} وصف لازم للجزاء غير مفارق عنه بحال. وأما قوله سبحانه {مِنَ ٱلنَّعَمِ} فوصف له معتبر في ثاني الحال بناء على وصفه الأول الذي هو المعيار له ولما بعده من الطعام والصيام فحقهما أن يعطفا على الوصف المفارق لا على الوصف اللازم فضلاً عن العطف على الموصوف كما سيأتي إن شاء الله تعالى». ومما يرشد إلى أن المراد بالمثل هو القيمة قوله عز وجل: {يَحْكُمُ بِهِ} أي بمثل ما قتل {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي حكمان عدلان من المسلمين لأن التقويم هو الذي يحتاج إلى النظر والاجتهاد دون المماثلة في الصورة التي يستوي في معرفتها كل أحد من الناس. وهذا ظاهر الورود على ظاهر قول محمد. وقد يقال: إن هذه الجملة مرشدة إلى ما قلنا أيضاً على رأي من يجعل مدار المماثلة بين الصيد والنعم المشاكلة والمضاهاة في بعض الأوصاف والهيآت مع تحقق التباين بينهما في بقية الأحوال فإن ذلك مما لا يهتدي إليه من أساطين أئمة الاجتهاد وصناديد أهل الهداية والرشاد إلا المؤيدون بالقوة القدسية. ألا يرى أن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه ومن أسلفنا ذكره أوجبوا في قتل الحمامة شاة بناء على ما أثبت بينهما من المماثلة في العب والهدير مع أن النسبة بينهما من سائر الحيثيات كما بين الضب والنون بل السمك والسماك فكيف يفوض معرفة هذه الدقائق العويصة إلى رأي عدلين من آحاد الناس على أن الحكم بهذا المعنى إنما يتعلق بالأنواع لا بالأشخاص فبعد ما عين بمقابلة كل نوع من أنواع الصيد نوع من أنواع النعم يتم الحكم ولا يبقى عند وقوع خصوصيات الحوادث حاجة إلى حكم أصلاً. وقرأ محمد بن جعفر {ذُو عَدْلٍ} وخرجها ابن جني على إرادة الإمام، وقيل: إن (ذو) تستعمل استعمال من للتقليل والتكثير، وليس المراد بها هنا الوحدة بل التعدد ويراد منه إثنان لأنه أقل مراتبه، وفي «الهداية» «قالوا: والعدل الواحد يكفي والمثنى أولى لأنه أحوط وأبعد من الغلط»، وعلى هذا لا حاجة إلى حمل (ذو) على المتعدد ولا على الإمام بل المراد منها الواحد إماماً كان أو غيره، ومن اشترط الإثنين حمل العدد في الآية على القراءة المتواترة على الأولوية، والجملة صفة لجزاء أو حال من الضمير المستتر في خبره المقدر، وقيل: حال منه لتخصيصه بالصفة، وجوز ابن الهمام على قراءة رفع «جزاء» وإضافته أن تكون صفة لمثل كما أن تكون صفة لجزاء لأن مثلاً لا تتعرف بالإضافة فجاز وصفها ووصف ما أضيف إليها بالجملة. وقوله تعالى: {هَدْياً } حال مقدرة من الضمير في {بِهِ} كما قال الفارسي أو من «جزاء» بناء على أنه خبر أو منه على تقدير كونه مبتدأ في رأي أو بدل من {مثل} فيمن نصبه أو من محله فيمن جره أو نصب على المصدر أي يهديه هدياً والجملة صفة أخرى لجزاء {بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } صفة لهدياً لأن إضافته لفظية {أَوْ كَفَّارَةٌ } عطف على محل {مِنَ ٱلنَّعَمِ} على أنه خبر مبتدأ محذوف والجملة صفة لجزاء على ما اختاره شيخ الإسلام. وقوله تعالى: {طَعَامُ مَسَـٰكِينَ} عطف بيان لكفارة عند من يراه كالفارسي في النكرات أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف أي هي طعام مساكين/. وقوله سحبانه: {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } عطف على {طَعَامٌ } وذلك إشارة إليه و {صِيَاماً } تمييز. وخلاصة الآية كأنه قيل: فعليه جزاء أو فالواجب جزاء مماثل للمقتول هو من النعم أو طعام مساكين أو صيام بعددهم فحينئذ تكون المماثلة وصفاً لازماً للجزاء يقدر به الهدي والطعام والصيام. أما الأولان فبلا واسطة، وأما الثالث: فبواسطة الثاني فيختار الجاني كلاً منها بدلاً عن الآخرين، «وكون الاختيار للجاني هو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف رضي الله تعالى عنهما فعندهما إذا ظهر قيمة الصيد بحكم الحكمين وهي تبلغ هدياً فله الخيار في أن يجعله هدياً أو طعاماً أو صوماً لأن التخيير شرع رفقاً بمن عليه فيكون الخيار إليه ليرتفق بما يختار كما في كفارة اليمين. وقال محمد ـ وحكاه أصحابنا عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً ـ إن الخيار إلى الحكمين في تعيين أحد الأشياء فإن حكما بالهدي يجب النظير على ما مر وإن حكما بالطعام أو الصيام فعلى ما قاله الإمام وصاحبه من اعتبار القيمة من حيث المعنى. واستدل كما قيل على ذلك بالآية، ووجهه أنه ذكر الهدي منصوباً على أنه تفسير للضمير المبهم العائد على {مثل} في قوله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ } سواء كان حالاً منه كما قدمنا أو تمييزاً على ما قيل فيثبت أن المثل إنما يصير هدياً باختيارهما وحكمهما أو هو مفعول لحكم الحاكم على أن يكون بدلاً عن الضمير محمولاً على محله كما في قوله تعالى: { أية : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا } تفسير : [الأنعام: 161] وفي ذلك تنصيص على أن التعيين إلى الحكمين ثم لما ثبت ذلك في الهدي ثبت في الطعام والصيام لعدم القائل بالفصل لأنه سبحانه عطفهما عليه بكلمة «أو» وهي عند غير الشعبـي والسدي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم في رواية للتخيير فيكون الخيار إليهما. وأجاب عن ذلك غير واحد من أصحابنا بأن الاستدلال إنما يصح لو كان كفارة معطوفة على {هَدْياً } وليس كذلك لاختلاف إعرابهما وإنما هي معطوفة على قوله تعالى: {فَجَزَاء } بدليل أنه مرفوع وكذا قوله: {أَو عَدْلُ } الخ فلم يكن في الآية دلالة على اختيار للحكمين في الطعام والصيام وإذا لم يثبت الخيار فيهما للحكمين لم يثبت في الهدي لعدم القائل بالفصل وإنما يرجع إليهما في «تقديم» المتلف لا غير، ثم الاختيار بعد ذلك إلى من عليه» رفقاً به على أن في توجيه الاستدلال على ما قاله أكمل الدين في «العناية» إشكالاً لأن ذكر الطعام والصيام بكلمة «أو» لا يفيد المطلوب إلا إذا كان {كَفَّارَةُ } منصوباً على ما هو قراءة عيسى بن عمر النحوي وهي شاذة، والشافعي لا يرى الاستدلال بالقراءة الشاذة لا من حيث إنها كتاب ولا من حيث إنها خبر كما عرف في الأصول. واعترض مولانا شيخ الإسلام على عطف {كَفَّارَةُ } على «جزاء» وقد ذهب إليه أجلة المفسرين والفقهاء بأنه لا يبقى حينئذ في النظم الكريم ما يقدر به الطعام والصيام، والالتجاء إلى القياس على الهدي تعسف لا يخفى وقد علمت ما اختاره. والآية عليه أيضاً لا تصلح دليلاً على مدعى الخصم كما هو ظاهر على أن الظاهر منها كما قاله ابن الهمام أن الاختيار لمن عليه فإن مرجع ضمير المحذوف من الخبر أو متعلق المبتدأ إليه بناء على أن التقدير فعليه أو فالواجب عليه، «ثم إذا وقع الاختيار على الهدي يهدي ما يجزيه في الأضحية وهو الجذع الكبير من الضأن أو الثني من غيره عند أبـي حنيفة لأن مطلق اسم الهدي ينصرف إليه» كما في هدي المتعة والقران. واعترض عليه بأن اسم الهدي قد ينصرف إلى غيره كما إذا قال: إذا فعلت كذا فثوبـي هذا هدي فليكن في محل النزاع كذلك. وأجيب بأن الكلام في مطلق الهدي وما ذكر ليس كذلك لأن الإشارة / إلى الثوب قيدته، «وعند محمد يجزىء صغار النعم لأن الصحابة كما تقدم أوجبوا عناقاً وجفرة» فدل على جواز ذلك في باب الهدي، وعن أبـي يوسف روايتان رواية كقول الإمام، وأخرى كقول محمد وهي التي في «المبسوط» و «الأسرار» وغيرهما، «وعند أبـي حنيفة يجوز الصغار على وجه الإطعام» فيجوز أن يكون حكم الصحابة رضي الله تعالى عنهم كان على هذا الاعتبار فمجرد فعلهم حينئذ لا ينافي ما ذهب إليه الإمام فلا ينتهض حجة عليهم. وإذا اختار الهدي وبلغ ما يضحي به فلا يذبح إلا بالحرم وهو المراد بقوله تعالى: {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } إلا أن ذكر الكعبة للتعظيم. ولو ذبحه في الحل لا يجزيه عن الهدي بل عن الإطعام فيشترط أن يعطي كل مسكين قيمة نصف صاع حنطة أو صاع من غيرها، ويجوز أن يتصدق بالشاة الواقعة هدياً على مسكين واحد كما في هدي المتعة ولا يتصدق بشيء من الجزاء على من لا تقبل شهادته له، ويجوز على أهل الذمة والمسلم أحب. ولو أكل من الجزاء غرم قيمة ما أكل، ولا يشترط في الإطعام أن يكون في الحرم. «ونقلوا عن الشافعي أنه يشترط ذلك اعتباراً له بالهدي والجامع التوسعة على سكان الحرم، ونحن نقول: الهدي قربة غير معقولة فيختص بمكان أو زمان أما الصدقة فقربة معقولة في كل زمان ومكان كالصوم فإنه يجوز في غير الحرم بالإجماع فإن ذبح في الكوفة مثلاً أجزأه عن الطعام إذا تصدق باللحم، وفيه وفاء بقيمة الطعام لأن الإراقة لا تنوب عنه»، ولو سرق هذا المذبوح أو ضاع قبل التصدق به بقي الواجب عليه كما كان وهذا بخلاف ما لو كان الذبح في الحرم حيث يخرج عن العهدة. وإن سرق المذبوح أو ضاع قبل التصدق به وإذا وقع الاختيار على الطعام يقوم المتلف بالقيمة ثم يشتري بالقيمة طعام ويتصدق به على ما أشرنا إليه أولاً. وفي «الهداية» «يقوم المتلف بالطعام عندنا لأنه المضمون فتعتبر قيمته». ونقل حميد الدين الضرير عن محمد أنه يقوم النظير لأنه الواجب عيناً إذا كان للمقتول نظير، وأنت تعلم أنه لو سلم أن النظير هو الواجب عيناً عند اختيار الهدي لم يلزم منه وجوب تقويمه عند اختيار خصلة أخرى فكيف وهو ممنوع، وإن اختار الصيام فعلى ما في «الهداية» يقوم المقتول طعاماً ثم يصوم عن طعام كل مسكين يوماً على ما مر لأن تقدير الصيام بالمقتول غير ممكن إذ لا قيمة للصيام فقدرناه بالطعام، والتقدير على هذا الوجه معهود في الشرع كما في الفدية وتمام البحث في الفروع. والكفارة والطعام في الآية على ما يشعر به كلام بعض المفسرين بالمعنى المصدري ولو أبقيا على الظاهر لصح، هذا وما ذكرنا من عطف {كَفَّارَةُ } إنما هو على قراءة (جزاء) بالرفع وعلى سائر القراءات يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على جملة {مِنَ ٱلنَّعَمِ }. وذكر الشهاب أنه يجوز في {كَفَّارَةُ } على قراءة (جزاء) بالنصب أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي الواجب عليه كفارة وأن يقدر هناك فعل أي أن يجزى جزاء فيكون {أَوْ كَفَّارَةٌ } عطفاً على أن يجزى وهو مبتدأ مقدم عليه خبره. وقرىء {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ } على الإضافة لتبيين نوع الكفارة بناء على أنها بمعنى المكفر به وهي عامة تشمل الطعام وغيره، وكذا الطعام يكون كفارة وغيرها فبين المتضايفين عموم وخصوص من وجه كخاتم حديد. وقال أبو حيان: إن الطعام ليس جنساً للكفارة إلا بتجوز بعيد جداً فالإضافة إنما هي إضافة الملابسة وليس بشيء. وقرأ الأعرج {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ } على أن التبيين يحصل بالواحد الدال على الجنس. وقرىء {أو عدل} بكسر العين، والفرق بينهما أن عدل الشيء كما قال الفراء ما عادله من غير جنسه كالصوم والإطعام وعدله ما عدل به في المقدار كأن المفتوح تسمية بالمصدر والمكسور بمعنى المفعول، وقال البصريون: العدل والعدل كلاهما بمعنى المثل سواء كان من الجنس أو من غيره. وقال الراغب: العدل والعدل متقاربان لكنه بالفتح فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام وبالكسر فيما يدرك بالحواس كالعديل فالعدل بالفتح هو التقسيط على سواء. وعلى هذا روي «بالعدل قامت السمٰوات» تنبيهاً على أنه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على خلاف مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً. {لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } متعلق بالاستقرار الذي تعلق به المقدر، وقيل: بجزاء، وقيل: بصيام أو بطعام، وقيل: بفعل مقدر وهو جوزي أو شرعنا ذلك ونحوه، والوبال في الأصل الثقل ومنه الوابل للمطر الكثير والوبيل للطعام الثقيل الذي لا يسرع هضمه والمرعى الوخيم ولخشبة القصار وضمير {أمره} إما لله تعالى أو لمن قتل الصيد أي ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتك حرمة ما هو فيه أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى القوي، وعلى هذا لا بد من تقدير مضاف كما أشرنا إليه لأن أمر الله تعالى لا وبال فيه وإنما الوبال في مخالفته. {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف } لكم من الصيد وأنتم محرمون فلم يجعل فيه إثماً ولم يوجب فيه جزاء أو لم يؤاخذكم على ما كان منكم في الجاهلية من ذلك مع أنه ذنب عظيم أيضاً حيث كنتم على شريعة إسماعيل عليه السلام والصيد محرم فيها، وقد مر رواية التحريم جاهلية والمؤاخذة على قتل الصيد بالضرب الوجيع. {وَمَنْ عَادَ } إلى مثل ذلك فقتل الصيد متعمداً وهو محرم {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ } أي فهو ينتقم الله تعالى منه لأن الجزاء إذا وقع مضارعاً مثبتاً لم تدخله الفاء ما لم يقدر المبتدأ على المشهور، وكذا المنفي بلا، وجوز السمين أن تكون (من) موصولة ودخلت الفاء لشبه المبتدأ بالشرط وهي زائدة والجملة بعدها خبر ولا حاجة حينئذ إلى إضمار المبتدأ. والمراد بالانتقام التعذيب في الآخرة؛ وأما الكفارة فعن عطاء وإبراهيم وابن جبير والحسن والجمهور أنها واجبة على العائد فيتكرر الجزاء عندهم بتكرر القتل. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وشريح أنه إن عاد لم يحكم عليه بكفارة حتى أنهم كانوا يسألون المستفتي هل أصبت شيئاً قبله؟ فإن قال: نعم لم يحكم عليه وإن قال لا حكم عليه تعلقاً بظاهر الآية. وأنت تعلم أن وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه وإنما لم يصرح به لعلمه فيما مضى، وقيل: معنى الآية ومن عاد بعد التحريم إلى ما كان قبله وليس بالبعيد، وأما حمل الانتقام على الانتقام في الدنيا بالكفارة وإن كان محتملاً لكنه خلاف الظاهر. وكذا كون المراد ينتقم منه إذا لم يكفر. «وقد اختلفوا فيما إذا اضطر محرم إلى أكل الميتة أو الصيد فقال زفر يأكل الميتة لا الصيد لتعدد جهات حرمته عليه، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يتناول الصيد ويؤدي الجزاء لأن حرمة الميتة أغلظ ألا ترى أن حرمة الصيد ترتفع بالخروج من الإحرام فهي مؤقتة بخلاف حرمة الميتة فعليه أن يقصد أخف الحرمتين دون أغلظهما والصيد وإن كان محظور الإحرام لكن عند الضرورة يرتفع الحظر فيقتله ويأكل منه ويؤدي الجزاء كما في «المبسوط»». وفي «الخانية» المحرم إذا اضطر إلى ميتة وصيد فالميتة أولى في قول أبـي حنيفة. ومحمد. وقال أبو يوسف والحسن: يذبح الصيد ولو كان الصيد مذبوحاً فالصيد أولى عند الكل. ولو وجد لحم / صيد ولحم آدمي كان لحم الصيد أولى ولو وجد صيداً وكلباً فالكلب أولى لأن في الصيد ارتكاب محظورين. وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير انتهى. وفي هذا خلاف ما ذكر في «المبسوط» {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } غالب لا يغالب {ذُو ٱنتِقَامٍ } شديد فينتقم ممن يتعدى حدوده ويخالف أوامره ويصر على معاصيه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف لبيان آية: {أية : ليبلونّكم الله بشيء من الصيد}تفسير : [المائدة: 94] أو لنسخ حكمها أن كانت تضمّنت حكماً لم يبق به عمل. وتقدّم القول في معنى {أية : وأنتم حرم} تفسير : في طالع هذه السورة [المائدة: 1]. واعلم أنّ الله حرّم الصيد في حالين: حال كون الصائد محرِماً، وحال كون الصيد من صيد الحرم، ولو كان الصائد حلالاً؛ والحكمة في ذلك أنّ الله تعالى عظّم شأن الكعبة من عهد إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ وأمره بأن يتّخذ لها حرَماً كما كان الملوك يتّخذون الحِمى، فكانت بيت الله وحماه، وهو حرم البيت محترماً بأقصى ما يعدّ حرمة وتعظيماً فلذلك شرع الله حرماً للبيت واسعاً وجعل الله البيت أمناً للناس ووسّع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه بحيث لا يرى الناس للبيت إلاّ أمنا للعائذ به وبحرمه. قال النابغة:شعر : والمؤمنِ العائذاتِ الطيرَ يمسحُها رُكبانُ مكَّةَ بين الغِيل فالسَّنَد تفسير : فالتحريم لصيد حيوان البرّ، ولم يحرّم صيد البحر إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر. ثم حُرّم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة، لأنّ الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمنة. وقد كان الإحرام يمنع المحرمين القتال ومنعوا التقاتل في الأشهر الحرم لأنها زمن الحج والعمرة فألحق مثل الحيوان في الحرمة بقتل الإنسان، أو لأنّ الغالب أنّ المحرم لا ينوي الإحرام إلاّ عند الوصول إلى الحرم، فالغالب أنَّه لا يصيد إلاّ حيوان الحرم. والصيد عامّ في كلّ ما شأنه أن يصاد ويقتل من الدوابّ والطير لأكله أو الانتفاع ببعضه. ويلحق بالصيد الوحوش كلّها. قال ابن الفرس: والوحوش تسمّى صيداً وإن لم تُصد بعدُ، كما يقال: بئس الرميَّة الأرنب، وإن لم ترم بعد. وخصّ من عمومه ما هو مضرّ، وهي السباع المؤذية وذوات السموم والفأر وسباع الطير. ودليل التخصيص السنّة. وقصد القتل تبع لتذكّر الصائد أنّه في حال إحرام، وهذا مورد الآية، فلو نسي أنّه محرم فهو غير متعمّد، ولو لم يقصد قتله فأصابه فهو غير متعمّد. ولا وجه ولا دليل لمن تأوّل التعمّد في الآية بأنّه تعمّد القتل مع نسيان أنّه محرم. وقوله: {وأنْتم حُرُم} حُرُم جمع حرام، بمعنى مْحرم، مثل جمع قذال على قذل، والمحرم أصله المتلبِّس بالإحرام بحجّ أو عمرة. ويطلق المحرم على الكائن في الحرم. قال الراعي:شعر : قتلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرماً تفسير : أي كائناً في حرم المدينة. فأمّا الإحرام بالحجّ والعمرة فهو معلوم، وأمّا الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة. وزاد الشافعي الطائف في حرمة صيده لا في وجوب الجزاء على صائده. فأمّا حرم مكة فيحرم صيده بالاتّفاق. وفي صيده الجزاء. وأمّا حرم المدينة فيحرم صيده ولا جزاء فيه، ومثله الطائف عند الشافعي. وحرم مكة معلوم بحدود من قبل الإسلام، وهو الحرم الذي حرّمه إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ ووضعت بحدوده علامات في زمن عمر بن الخطاب. وأمّا حرم المدينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : المدينة حرم من ما بين عيَر أو عائر (جبل) إلى ثور»تفسير : . قيل: هو جبل ولا يعرف ثور إلاّ في مكة. قال النووي: أكثر الرواة في كتاب «البخاري» ذكروا عيَراً، وأمّا ثور فمنهم من كنّى عنه فقال: من عير إلى كذا، ومنهم من ترك مكانه بياضاً لأنّهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ. وقيل: إنّ الصواب إلى أحُد كما عند أحمد والطبراني. وقيل: ثور جبل صغير وراء جبل أحُد. وقوله: {ومن قتله منكم} الخ، (مَن) اسم شرط مبتدأ، و{قتله} فعل الشرط، و{منكم} صفة لاسم الشرط، أي من الذين آمنوا. وفائدة إيراد قوله {منكم} أعرض عن بيانها المفسّرون. والظاهر أنّ وجه إيراد هذا الوصف التنبيه على إبطال فعل أهل الجاهلية، فمن أصاب صيدا في الحرم منهم كانوا يضربونه ويسلبونه ثيابه، كما تقدّم آنفاً. وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدلّ على أنّ الجزاء لا يجب إلاّ إذا قتل الصيد، فأمّا لو جرحه أو قطع منه عضوا ولم يقتله فليس فيه جزاء، ويدلّ على أنّ الحكم سواء أكل القاتل الصيد أو لم يأكله لأنّ مناط الحكم هو القتل. وقوله {متعمّداً} قيد أخرج المخطىء، أي في صيده. ولم تبيّن له الآية حكماً لكنّها تدلّ على أنّ حكمه لا يكون أشدّ من المتعمّد فيحتمل أن يكون فيه جزاء آخر أخفّ ويحتمل أن يكون لا جزاء عليه وقد بيّنته السنّة. قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنّة في الناسي والمخطىء أنّهما يكفّران. ولعلّه أراد بالسنّة العمل من عهد النبوءة والخلفاء ومضى عليه عمل الصحابة. وليس في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجمهور فقهاء الأمصار: إنّ العمد والخطأ في ذلك سواء، وقد غلَّب مالك فيه معنى الغُرم، أي قاسه على الغُرم. والعمد والخطأ في الغرم سواء فلذلك سوّى بينهما. ومضى بذلك عمل الصحابة. وقال أحمد بن حنبل، وابن عبد الحكم من المالكية، وداوود الظاهري، وابن جبير وطاووس، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعطاء، ومجاهد: لا شيء على الناسي. وروي مثله عن ابن عباس. وقال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وابن جريج: إن كان متعمّداً للقتل ناسياً إحرامه فهو مورد الآية، فعليه الجزاء. وأمّا المتعمّد للقتل وهو ذاكر لإحرامه فهذا أعظم من أن يكفّر وقد بطل حجّه، وصيده جيفة لا يؤكل. والجزاء العوض عن عمل، فسمّى الله ذلك جزاء، لأنّه تأديب وعقوبة إلاّ أنّه شرع على صفة الكفّارات مثل كفارة القتل وكفارة الظهار. وليس القصد منه الغرم إذ ليس الصيد بمنتفع به أحد من الناس حتى يغرَم قَاتله ليجبر ما أفاته عليه. وإنّما الصيد ملك الله تعالى أباحه في الحلّ ولم يبحه للناس في حال الإحرام، فمن تعدّى عليه في تلك الحالة فقد فرض الله على المتعدّي جزاء. وجعله جزاء ينتفع به ضعاف عبيده. وقد دلّنا على أنّ مقصد التشريع في ذلك هو العقوبة قولُه عقبه {ليذوق وبال أمره}. وإنّما سمّي جزاء ولم يسمّ بكفّارة لأنّه روعي فيه المماثلة، فهو مقدّر بمثل العمل فسمّي جزاء، والجزاء مأخوذ فيه المماثلة والموافقة قال تعالى: {أية : جزاءاً وفاقاً}تفسير : [النبأ: 26]. وقد أخبر أنّ الجزاء مثل ما قتل الصائد، وذلك المثل من النعم، وذلك أنّ الصيد إمّا من الدوابّ وإمّا من الطير، وأكثر صيد العرب من الدوابّ، وهي الحمر الوحشية وبقر الوحش والأروى والظباء ومن ذوات الجناح النعام والإوز، وأمّا الطير الذي يطير في الجوّ فنادر صيده، لأنّه لا يصاد إلاّ بالمعراض، وقلّما أصابه المعراض سوى الحمام الذي بمكة وما يقرب منها، فمماثلة الدوابّ للأنعام هيّنة. وأمّا مماثلة الطير للأنعام فهي مقاربة وليست مماثلة؛ فالنعامة تقارب البقرة أو البدنة، والإوز يقارب السخلة، وهكذا. وما لا نظير له كالعصفور فيه القيمة. وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل القيمة في جميع ما يصاب من الصيد. والقيمة عند مالك طعام. وقال أبو حنيفة: دارهم. فإذا كان المصير إلى القيمة؛ فالقيمة عند مالك طعام يتصدّق به، أو يصوم عن كلّ مدّ من الطعام يوماً، ولكسر المدّ يوماً كاملاً. وقال أبو حنيفة: يشتري بالقيمة هدياً إن شاء، وإن شاء اشترى طعاماً، وإن شاء صام عن كلّ نصف صاع يوماً. وقد اختلف العلماء في أنّ الجزاء هل يكون أقلّ ممّا يجزىء في الضحايا والهدايا. فقال مالك: لا يجزىء أقل من ثني الغنم أو المعز لأنّ الله تعالى قال: {هدياً بالغ الكعبة}. فما لا يجزىء أن يكون هدياً من الأنعام لا يكون جزاء، فمن أصاب من الصيد ما هو صغير كان مخيّراً بين أن يعطي أقلّ ما يجزي من الهدي من الأنعام وبين أن يعطي قيمة ما صاده طعاماً ولا يعطي من صغار الأنعام. وقال مالك في «الموطأ»: وكلّ شيء فدي ففي صغاره مثل ما يكون في كباره. وإنّما مثل ذلك مثل دية الحرّ الصغير والكبير بمنزلة واحدة. وقال الشافعي وبعض علماء المدينة: إذا كان الصيد صغيراً كان جزاؤه ما يقاربه من صغار الأنعام لما رواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزبير المكّي أنّ عمر بن الخطاب قضى في الأرنب بعَناق وفي اليربوع بجفرة. قال الحفيد ابن رشد في كتاب «بداية المجتهد»: وذلك ما روي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود اهـــ. وأقول: لم يصحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء، فأمّا ما حكم به عمر فلعلّ مالكاً رآه اجتهاداً من عمر لم يوافقه عليه لظهور الاستدلال بقوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة}. فإنّ ذلك من دلالة الإشارة، ورأى في الرجوع إلى الإطعام سعة، على أنّه لو كان الصيد لا مماثل له من صغار الأنعام كالجرادة والخنفساء لوجب الرجوع إلى الإطعام، فليرجع إليه عند كون الصيد أصغر ممّا يماثله ممّا يجزىء في الهدايا. فمن العجب قول ابن العربي: إنّ قول الشافعي هو الصحيح، وهو اختيار علمائنا. ولم أدر من يعنيه من علمائنا فإنّي لا أعرف للمالكية مخالفاً لمالك في هذا. والقول في الطير كالقول في الصغير وفي الدوابّ، وكذلك القول في العظيم من الحيوان كالفيل والزرافة فيرجع إلى الإطعام. ولمّا سمّى الله هذا جزاء وجعله مماثلاً للمصيد دلّنا على أنّ من تكرّر منه قتل الصيد وهو محرم وجب عليه جزاء لكلّ دابّة قتلها، خلافاً لداوود الظاهري، فإنّ الشيئين من نوع واحد لا يماثلهما شيء واحد من ذلك النوع، ولأنه قد تقتل أشياء مختلفة النوع فكيف يكون شيء من نوع مماثلاً لجميع ما قتله. وقرأ جمهور القرّاء {فجزاء مثل ما قتل} بإضافة {جزاء} إلى {مثل}؛ فيكون {جزاء} مصدراً بدلاً عن الفعل، ويكون {مثلُ ما قتل} فاعل المصدر أضيف إليه مصدره. و{من النعم} بيان المثل لا لـــ {مَا قتَلَ}. والتقدير: فمثل ما قتل من النعم يجزىء جزاء ما قتله، أي يكافىء ويعوّض ما قتله. وإسناد الجزاء إلى المثل إسناد على طريقة المجاز العقلي. ولك أن تجعل الإضافة بيانية، أي فجزاء هو مثل ما قتل، والإضافة تكون لأدنى ملابسة. ونظيره قوله تعالى: {أية : فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا}تفسير : [سبأ: 37]. وهذا نظم بديع على حدّ قوله تعالى: {أية : ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة}تفسير : [النساء: 92]، أي فليحرّر رقبة. وجعله صاحب «الكشاف» من إضافة المصدر إلى المفعول، أي فليجز مثلَ ما قتلَ. وهو يقتضي أن يكون النعم هو المعوّض لا العوض لأنّ العوض يتعدّى إليه فعل (جزى) بالباء ويتعدّى إلى المعوّض بنفسه. تقول: جزيْت ما أتلفتُه بكذا درهماً، ولا تقول: جزيْت كذا درهماً بما أتلفته، فلذلك اضطرّ الذين قدّروا هذا القول إلى جعل لفظ (مثل) مقحماً. ونظّروه بقولهم: «مثلك لا يبخل»، كما قال ابن عطية وهو معاصر للزمخشري. وسكت صاحب «الكشاف» عن الخوض في ذلك وقرّر القطب كلام «الكشاف» على لزوم جعل لفظ {مثل} مقحماً وأنّ الكلام على وجه الكناية، يعني نظير {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] وكذلك ألزمه إياه التفتزاني، واعتذر عن عدم التصريح به في كلامه بأنّ الزمخشري بصدد بيان الجزاء لا بصدد بيان أنّ عليه جزاء ما قتل. وهو اعتذار ضعيف. فالوجه أن لا حاجة إلى هذا التقدير من أصله. وقد اجترأ الطبري فقال: أن لا وجه لقراءة الإضافة وذلك وهم منه وغفلة من وجوه تصاريف الكلام العربي. وقرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب، والكسائي، وخلف {فجزاءٌ مثلُ} بتنوين (جزاء). ورفع (مثل) على تقدير: فالجزاء هو مثلُ، على أنّ الجزاء مصدر أطلق على اسم المفعول، أي فالمَجزي به المقتول مثلُ ما قتله الصائد. وقوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} جملة في موضع الصفة لــ{جزاء} أو استئناف بياني، أي يحكم بالجزاء، أي بتعيينه. والمقصد من ذلك أنّه لا يبلغ كلّ أحد معرفة صفة المماثلة بين الصيد والنعم فوكل الله أمر ذلك إلى الحكمين. وعلى الصائد أن يبحث عمّن تحقّقت فيه صفة العدالة والمعرفة فيرفع الأمر إليهما. ويتعيّن عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما وهما يُعيّنان المثل ويخيّرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام، ويقدّران له ما هو قَدر الطعام إن اختاره. وقد حكم من الصحابة في جزاء الصيد عمر مع عبد الرحمان بن عوف، وحكم مع كعب بن مالك، وحكم سعد بن أبي وقاص مع عبد الرحمان بن عوف، وحكم عبد الله بن عمر مع ابن صفوان. ووُصف {ذوا عدل} بقوله: {منكم} أي من المسلمين، للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم فلعلَّهم يدّعون معرفة خاصّة بالجزاء. وقوله: {هدياً بالغ الكعبة} حال من {مثل ما قتل}، أو من الضمير في (به). والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة. والمنحر: منى والمروة. ولما سمّاه الله تعالى {هدياً} فله سائر أحكام الهدي المعروفة. ومعنى {بالغ الكعبة} أنّه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة، وليس المراد أنّه ينحر أو يذبح حول الكعبة. وقوله: {أو كفّارة طعام مساكين} عطف على {فجزاء} وسمّى الإطعام كفّارة لأنّه ليس بجزاء، إذ الجزاء هو العوض، وهو مأخوذ فيه المماثلة. وأمّا الإطعام فلا يماثل الصيد وإنّما هو كفارة تكفّر به الجريمة. وقد أجمل الكفارة فلم يبيّن مقدار الطعام ولا عدد المساكين. فأمّا مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين، وقد شاع عن العرب أنّ المدّ من الطعام هو طعام رجل واحد، فلذلك قدّره مالك بمدّ لكلّ مسكين. وهو قول الأكثر من العلماء. وعن ابن عباس: تقدير الإطعام أن يقوّم الجزاء من النعم بقيمته دراهم ثم تقوّم الدراهم طعاماً. وأمّا عدد المساكين فهو ملازم لعدد الأمداد. قال مالك: أحسن ما سمحت إليَّ فيه أنه يقوّم الصيد الذي أصاب وينظر كم ثمن ذلك من الطعام، فيطعم مدّاً لكلّ مسكين. ومن العلماء من قدّر لكلّ حيوان معادلاً من الطعام. فعن ابن عباس: تعديل الظبي بإطعام ستة مساكين، والأيل بإطعام عشرين مسكيناً، وحمار الوحش بثلاثين، والأحسن أنّ ذلك موكول إلى الحكمين. و{أو} في قوله {أو كفارة طعام مساكين} وقوله: {أو عدل ذلك} تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة. وكذلك كل أمر وقع بــ «ـأو» في القرآن فهو من الواجب المخيّر. والقول بالتخيير هو قول الجمهور، ثم قيل: الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين. وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير، وقيل: الخيار للحكمين. وقال به الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن. ومن العلماء من قال: إنّه لا ينتقل من الجزاء إلى كفّارة الطعام إلاّ عند العجز عن الجزاء، ولا ينتقل عن الكفّارة إلى الصوم إلاّ عند العجز عن الإطعام، فهي عندهم على الترتيب. ونسب لابن عباس. وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر {كفّارةُ} ـــ بالرفع بدون تنوين مضافاً إلى طعام ـــ كما قرأ {جزاءُ مثلِ ما قتلَ}. والوجه فيه إمَّا أن نجعله كوجه الرفع والإضافة في قوله تعالى: {فجزاء مثلِ ما قتل} فنجعل {كفارة} اسم مصدر عوضاً عن الفعل وأضيف إلى فاعله، أي يكفّره طعامُ مساكين؛ وإمّا أن نجعله من الإضافة البيانية، أي كفّارة من طعام، كما يقال: ثوبُ خزّ، فتكون الكفّارة بمعنى المكفَّر به لتصحّ إضافة البيان، فالكفّارة بيّنها الطعام، أي لا كفّارة غيره فإنّ الكفّارةُ تقع بأنواع. وجزم بهذا الوجه في «الكشاف»، وفيه تكلَّف. وقرأه الباقون ـــ بتنوين {كفارةٌ} ورفع {طعامُ} على أنّه بدل من {كفارة}. وقوله {أو عدْل ذلك صياماً} عطف على {كفّارة} والإشارة إلى الطعام. والعَدل ـــ بفتح العين ـــ ما عادل الشيء من غير جنسه. وأصل معنى العدل المساواة. وقال الراغب: إنّما يكون فيما يدرك بالبصيرة كما هنا. وأما العدل ـــ بكسر العين ـــ ففي المحسوسات كالموزونات والمكيلات، وقيل: هما مترادفان. والإشارة بقوله: {ذلك} إلى {طعام مساكين}. وانتصب {صياماً} على التمييز لأنّ في لفظ العدْل معنى التقدير. وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام، وهو موكول إلى حكم الحكمين. وقال مالك والشافعي: يصوم عن كلّ مدّ من الطعام يوماً. وقال أبو حنيفة: عن كلّ مُدَّين يوماً، واختلفوا في أقصى ما يصام؛ فقال مالك والجمهور: لا ينقص عن أعداد الأمداد أياماً ولو تجاوز شهرين، وقال بعض أهل العلم: لا يزيد على شهرين لأنّ ذلك أعلى الكفارات. وعن ابن عباس: يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة. وقوله {ليذوق} متعلّق بقوله {فجزاء}، واللاّم للتعليل، أي جُعل ذلك جزاء عن قتله الصيد ليذوق وبال أمره. والذوق مستعار للإحساس بالكدر. شبّه ذلك الإحساس بذوق الطعم الكريه كأنهم رَاعَوا فيه سُرعة اتّصال ألمه بالإدراك، ولذلك لم نجعله مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق إذ لا داعي لاعتبار تلك العلاقة، فإنّ الكدر أظهر من مطلق الإدراك. وهذا الإطلاق معتنى به في كلامهم، لذلك اشتهر إطلاق الذوق على إدراك الآلام واللذّات. ففي القرآن {أية : ذق إنّك أنت العزيز الكريم}تفسير : [الدخان: 49]، {أية : لا يذوقون فيها الموت}تفسير : [الدخان: 56]. وقال أبو سفيان يوم أحد مخاطباً جثّة حمزة «ذق عُقق». وشهرة هذه الاستعارة قاربت الحقيقة، فحسن أن تبنى عليها استعارة أخرى في قوله تعالى: {أية : فأذاقها الله لباس الجوع والخوف}تفسير : [النحل: 112]. والوبال السوء وما يُكره إذا اشتدّ، والوبيل القوي في السوء {أية : فأخذناه أخذاً وبيلا}تفسير : [المزمل: 16]. وطعام وبيل: سيّء الهضم، وكلأ وبيل ومستوبل، تستولبه الإبل، أي تستوخمه. قال زهير:شعر : إلى كَلأٍ مُسْتَوْبِل مُتَوَخَّمِ تفسير : والأمر: الشأن والفعل، أي أمر من قتل الصيد متعمّداً. والمعنى ليجد سوء عاقبة فعله بما كلّفه من خسارة أو من تعب. وأعقب اللّهُ التهديد بما عوّد به المسلمين من الرأفة فقال: {عفا الله عمّا سلف}، أي عفا عمّا قتلتم من الصيد قبل هذا البيان ومن عاد إلى قتل الصيد وهو محرم فالله ينتقم منه. والانتقام هو الذي عُبّر عنه بالوبال من قبلُ، وهو الخسارة أو التعب، ففهم منه أنه كلّما عاد وجب عليه الجزاء أو الكفارة أو الصوم، وهذا قول الجمهور. وعن ابن عباس، وشريح، والنخعي، ومجاهد، وجابر بن زيد: أنّ المتعمّد لا يجب عليه الجزاء إلاّ مرة واحدة فإن عاد حقّ عليه انتقام العذاب في الآخرة ولم يقبل منه جزاء. وهذا شذوذ. ودخلت الفاء في قوله: {فينتقم الله منه} مع أنّ شأن جواب الشرط إذا كان فعلاً أن لا تدخل عليه الفاء الرابطة لاستغنائه عن الربط بمجرّد الاتّصال الفعلي، فدخول الفاء يقع في كلامهم على خلاف الغالب، والأظهر أنّهم يرمون به إلى كون جملة الجواب اسمية تقديراً فيرمزون بالفاء إلى مبتدأ محذوف جُعل الفعل خبراً عنه لقصد الدلالة على الاختصاص أو التقوّي، فالتقدير: فهو ينتقم الله منه، لقصد الاختصاص للمبالغة في شدّة ما يناله حتى كأنّه لا ينال غيره، أو لقصد التقوّي، أي تأكيد حصول هذا الانتقام. ونظيره {أية : فمن يؤمن بربّه فلا يخافُ بخساً ولا رهقاً}تفسير : [الجن: 13] فقد أغنت الفاء عن إظهار المبتدإ فحصل التقوّي مع إيجاز. هذا قول المحقّقين مع توجيهه، ومن النحاة من قال: إنّ دخول الفاء وعدمه في مثل هذا سواء، وإنّه جاء على خلاف الغالب. وقوله: {والله عزيز ذو انتقام} تذييل. والعزيز الذي لا يحتاج إلى ناصر، ولذلك وُصف بأنّه ذو انتقام، أي لأنّ من صفاته الحكمة، وهي تقتضي الانتقام من المفسد لتكون نتائج الأعمال على وفقها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ}. هذه الآية الكريمة يفهم من دليل خطابها مخالفتها أنهم إن حلوا من إحرامهم، جاز لهم قتل الصيد، وهذا المفهوم مصرح به في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} تفسير : [المائدة: 2]، يعني إن شئتم كما تقدم إيضاحه في أول هذه السورة الكريمة. قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} الآية. ذَهب جمهور العلماء إلى أن معنى هذه الآية الكريمة: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} لِقَتْلِه ذاكراً لإِحْرامه، وخالف مجاهد - رَحمه الله - الجمهور قائلاً: إن معنى الآية: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} لِقَتْله في حال كونه ناسياً لإحْرامه، واستدل لِذلك بقوله تعالى: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن مِن أنواع البيان التي تضمنها أنْ يقول بعض العلماء في الآية قولاً، ويكون فيها قرينة دالة على عدم صحّة ذلك القول. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن في الآية قرينة واضحة دالة على عدم صحّة قول مجاهد رحمه الله، وهي قوله تعالى: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}، فإنه يدل على أنه مُتعمِّداً أمراً لا يجوز، أما الناسي فهو غَير آثِم إجماعاً، فلا يناسِب أن يقال فيه: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}، كما ترى، والعِلْم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَـۤأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {بَالِغَ} {كَفَّارَةٌ} {مَسَاكِينَ} (95) حَرَّمَ اللهُ صَيْدِ البَرِّ فِي حَالِ الإِحْرامِ، وَنَهَى المُؤْمِنينُ عَنْ تَنَاولِهِ فِيهِ، وَمَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّداً، وَهُوَ مُحْرِمٌ، يَجِبُ عَليهِ جَزَاءٌ مِنْ مِثْلِ الحَيَوانِ الذِي قَتَلَهُ (إنْ كَانَ لِلْحَيَوانِ مِثْلٌ فِي الحَيَوانَاتِ الألِيفَةِ)، يَحْكُمُ بِهِ رَجُلانِ عَادِلاَنِ مِنْ المُسْلِمِينَ (وَقَدْ حَكَمَ بَعْضُهُمْ بِنَحْرِ تَيْسٍ فِي جَزَاءٍ عَنْ قَتْلِ ظَبْيٍ)، وَعَلَى مَنْ وَقَعَ عَليهِ الجَزَاءُ انْ يَأتِيَ بِالمِثْلِ الذِي سَيَذْبَحُهُ إلى الكَعْبَةِ، لِيَكُونَ هَدْياً لَهَا، فَيُذْبَحُ هُنَاكَ، وَيُوَزَّعُ لَحْمُهُ عَلَى فُقَرَاءِ أهْلِ الحَرَمِ. فَإِذا لَمْ يَجِدِ المُحْرِمُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، أوْ لَمْ يَكنِ الصَّيْدُ المَقْتُولُ مِنْ ذَوَاتِ الأمْثَالِ فَيُخَيَّرُ المُحْرِمُ بَيْنَ أمُورٍ: أ - أنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ المَقْتُولُ، وَيُقَوَّمَ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ، لَوْ كَانَ مَوْجُوداً، فِي المَكَانِ الذِي تَمَّ فِيهِ الصَّيْدُ، أَوْ فِي أقْربِ مَكَانٍ إليهِ، ثُمَّ يَشْتَرِي المُحْرِمُ المُخَالِفُ بِثَمَنِهِ طَعَاماً فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الحَرَمِ. ب- أَوْ يُطْعِمَ مَسَاكِينَ. وَيَخْتَلِفُ عَدَدُهُمْ بِحَسَبِ أهْمِّيَّةِ الصَّيْدِ المَقْتُولِ: فَقِيلَ إنَّ مَنْ قَتَلَ ظَبْياً فَعَلَيهِ ذَبْحُ شَاةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ. وَإذَا قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حِمَارَ وَحْشٍ، فَعَلَيْهِ ذَبْحُ بَدَنَةٍ (نَاقَةٍ أَوْ بَعيرٍ)، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ ثَلاَثِينَ مِسْكِيناً. ج- وَإذا لَمْ يَجِدْ مَا يَطْعِمُ بِهِ المَسَاكينَ صَامَ أيَّاماً عَنْ ذَلِكَ. وَتَتَرَاوَحُ مُدَّةُ الصَّوْمِ مِنْ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ، فِي قَتْلِ ظَبْيٍ، إلى ثَلاثِينَ يَوْماً، فِي قَتْلِ نَعَامَةٍ أوْ حِمَارِ وَحْشٍ. (يَصُومُ يَوْماً عَنْ إِطْعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ). وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أنَّهُ أَوْجَبَ الكَفَّارَةَ لِيَذُوقَ المُتَجَاوِزُ العُقُوبَةَ عَنِ الفِعْلِ الذِي ارْتَكَبَ فِيهِ المَخَالَفَةَ (وَبَالَ أمْرِهِ). وَقَدْ ألْحِقَتِ السُّنَّةُ قَتْلَ الصَّيْدِ خَطَأً بِقَتْلِهِ عَمْداً، فِي وُجُوبِ الكَفَّارَةِ. وَلَكِنْ دُونَ أنْ يَكُونَ عَلَى المُخْطِىءِ إِثْمٌ. وَقَدْ عَفَا اللهُ تَعَالَى عَمَّا سَلَفَ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ، الذِي تَمَّ قَبْلَ هذا التَّحْرِيمِ، وَقَبْلَ بُلُوغِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِلنَّاسِ. وَمَنْ عَادَ فِي الإِسْلاَمِ إلى فِعْلِ ذَلِكَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ، واللهُ عَزيزٌ مَنيعُ الجَانِبِ، قَادِرٌ عَلَى أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ عَصَاهُ. وَأنْتُمْ حُرُمٌ - وَأنْتُمْ مُحْرِمُونَ لِلَْحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. النَّعَمِ - الحَيَوانَاتِ الألِيفَةِ (الإِبْلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ). ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ - رَجُلانِ عَدْلاَنِ مَشْهُودٌ لَهُمَا بِالإِنْصَافِ، عَلَى أنْ يَكُونَا مِنَ المُسْلِمِينَ. عَدْلُ ذَلِكَ - عَدْلُ الطَّعَامِ وَمُقَابِلُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي لا تقتلوا الصيد إن كنتم قد أحرمتم بالحج أو بالعمرة أو بهما معا، وإن لم تحرموا فالصيد محرّم أيضاً في حدود منطقة الحرم. وسبحانه قد جعل الحرم زماناً والحرم مكاناً. وهو فَيْءٌ يلجأ إليه الناس من غرور عزة قوم على حساب ذلة قوم آخرين. وقديماً كان يحارب بعضهم بعضا، ولذلك جعل الحق أربعة أشهر حرماً في الزمان، أي لا قتال فيها، وذلك حتى يستريح المتعب من الحرب، ويستريح من يخاف على عزته، أو يذوق فيها الجميع لذة السلام والأمن، وقد يستمرون في ذلك الاستمتاع بالسلام والأمان. وكذلك جعل الحق الحرم أيضاً مكاناً آمناً، لا يتعرض فيه أحد لأحد. وكان الإنسان يقابل في الحرم قاتل أبيه فلا يتعرض له، كل ذلك ليحمي عزة المسلمين أن تنكسر أمام غيرهم. ومثال ذلك طرفان كلاهما على خلاف مع الآخر، وكل منهما يرغب في الصلح مع الطرف الآخر. وهنا يتدخل أي إنسان من الخارج فينجح؛ لأن الطرفين ميالان للصلح. وكل منهما يريد إنهاء الحرب ولكن تأخذه العزة بالإثم وتستولي عليه الحمية ويأنف أن يبدأ خصمه بطلب الصلح. وقد أراد الحق أن تكون هناك في الأشهر الحرم فرصة للائتلاف والصلح وذلك بأن يلجأ الناس إلى البيت الحرام حتى تنفض البشرية عن نفسها البغضاء وحتى يرتاح البشر من القتال، فتصدر الأحكام في رويّة واتزان وهدوء أعصاب. ويقول الحق جل وعلا: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ} [المائدة: 95]. ولا يعتبر الشيء صيداً إلا إذا كان مما يؤكل. أما إذا كان الشيء المصاد لا يؤكل كالسبع وغيره فقد قال بعض العلماء: لا يمنع ولا يحرم ولكنا نقول: إن الصيد هو كل ما يصاد سواء ليؤكل أو حتى غير مأكول، وذلك لنعلم أنفسنا وجوارحنا وأعضاءنا الأدب ونحن حرم. ومعنى "حُرُم" هو أن نكون محرمين أو في الحرم، والحرم له حدود معروفة. وداخل الحرم ممنوع على الإنسان أن يصطاد أي شيء من لحظة بلوغه ميقات الحج والعمرة. إذن فحيز الصيد محدود بالنسبة لكل من دخل الحرم المكّي الشريف سواء أكان محرماً أم لا. وحيز الصيد بالنسبة لمن أراد الحج أو العمرة هو أكثر رقعة واتساعا، ذلك أن التحريم يبدأ من حين الاحرام بالحج أو العمرة أو بهما. ولكن ماذا يكون الحكم إن اعتدى إنسان على الحكم واصطاد؟ {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق قتل الخطأ بالعمد، وذلك حتى ينتبه كل مسلم إلى كل فعل وهو محرم، أو وهو في البيت الحرام. هب أنك أردت أن تحك جلد رأسك بأظافرك وأنت محرم، هنا قد يتساقط بعض شعرك؛ فإن ثبت ذلك فعليك هدي للكعبة أو صوم أو إطعام مساكين؛ لأن الحق يريد لك حين تحرم أن تنتبه بكل جوارحك إلى أن كل حركة من حركاتك محفوظة ومحسوبة عليك، ولتكن في منتهى اليقظة الإيمانية، وأي خطأ مهما يكن يسيراً يوجب الفدية. لذلك من قتل وجب عليه الجزاء لتعديه على شيء حرمه الله. والجزاء محدد بنص القول الحق: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} وعند المثلية وقف العلماء أيضاً: أتكون المثلية بالقيمة، أو المثلية في الشكل؟ والمثلية في القيمة تعني أن تقوِّم الشيء المقتول بثمنه، وتشتري بالثمن شيئاً من الأنعام وتذبحها. والمثلية في الشكل تعني أن نشبه الشيء المقتول بمثيل له مما يذبح ويكون أقرب إلى شكله. ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قتل مسلم ضبعاً أمر المسلم أن يفدي بكبش. والصحابة رضوان الله عليهم: علي، عمر، وعثمان و عبدالله بن عمر أمروا رجلاً قتل نعامة أن يفديها ببدنة ناقة أو بعير لأنها تشابه النعامة في العلو. وحينما قتل إنسان ظبياً فداه بشاة. والظبي أو الغزال هو الذكر، والغزالة هي الأنثى، وعندما قتل غزالاً صدر الحكم بالفداء بعنزة. ومن قتل "يربوعاً" - وهو من الزواحف وأكبر من الفأر قليلاً - صدر الحكم أن تكون الفدية "الجفرة" وهي ولد الماعز بعد أن يستغني عن لبن أمه ويستطيع الأكل. إذن، فالمثلية هنا مثلية الشكل. وقال أبو حنيفة بإباحة أن تكون المثلية بالقيمة إن لم يوجد الشبيه. وعلى ذلك فالذي يصطاد من أجل أن يطعم نفسه يدفع ثمن الخطأ لغيره من المحتاجين. وإن كانت المثلية بالقيمة فالذي يحدد هذه القيمة أناس لهم بصيرة وهما اثنان من ذوي العدل. {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وهم الذين لا يميلون عن الحق، ويقيمون الميزان. ويأمرنا الحق أن نحكم بالإنصاف لنكون من ذوي العدل، أي أن الإنسان حين يواجه خصمين فهو يعطي نصفه لخصم ونصفه الآخر للخصم الثاني، فلا يميل بالهوى ناحية أحدهما. ولا يدير الإنسان وجهه إلى الخصم أكثر مما يديره للآخر. وإن سأل أحد: كيف نأتي بذوي العدل؟ ونقول: انظر إلى عدالتهما في نفسيهما ولنر تصرفات الإنسان هل هي مستقيمة أو لا؟ وهل هو مسرف أو معتدل سواء في الطعام أو الغضب أو في أي لون من ألوان السلوك؟ ومن كان مأموناً على نفسه فهو مأمون على غيره، ويجب كذلك أن يكون من ذوي الخبرة في هذا الأمر، ولذلك يجب أن ينتبه الناس إلى هذه المسائل لأننا نرى أن موجة من النفاق للشباب تسود بعض المجتمعات، فنسمع أصواتاً تقول: إن الشباب يجب أن يتولى القيادة. ونقول لأصحاب هذه الأصوات: تمهلوا ودققوا النظر في مثل هذا القول؛ لأن الشباب عليه أن يزاول عمله الخاص في فترة الشباب، وعلينا ملاحظته وهو يؤدي عمله فإن نجح ورأينا فيه أمانة على حركة نفسه، وعدلاً مع نفسه وعدم إسراف على نفسه فإننا نرشحه من بعد ذلك ليخدم أمته بعد أن يثبت أنه مأمون في عدالة نفسه. ولا يصح أن نجرب في الأمة مَن لا يَستند إلى رصيد من الخبرة السابقة. إنه لا يصح أن نولي الأمر في أي قطاع لمن أطلقوا عليهم: الأطفال المعجزة. ومن يريد أن يجرب فليجرب في نفسه، وفيما يملك، لا في الأمم والشعوب. وعلى الشاب أن يبدأ حياته بنشاط جدي لذاته، ليستخلص النفعية القريبة منه وألا يغش نفسه، فإن نجح في ذلك، نأخذ منه بعض الوقت أو كل الوقت لخدمة أمته بعد أن يثبت لنا أنه قد وصل إلى النضج العقلي الكافي، وقد زادت تجاربه وفقد شهية الطموح الشخصي والمتع الصغيرة، ووصل إلى القدرة على التجرد ليحكم بين الناس. فإذا كان الحق قد أمرنا أن نختار ذوي العدل للحكم في رقبة شاة، فما بالنا برقاب الناس ومصالح الناس؟ نحن - إذن - مطالبون بأن نميز ذوي العدل بين الناس من خلال مراقبة حركة الإنسان مع نفسه وعلى نفسه وعلى أهله، وعندما نكتشف أنه صار مأموناً على نفسه، هنا نستطيع أن نوليه أمور غيره بالخدمة العامة، وذلك حتى لا تخيب الأمة، فالأمم إنما تخيب باختيار غير مدروس لقيادات المواقع المختلفة فيها. ولنا أن نلحظ في عملنا دقة المعاني التي جاءت في القرآن الكريم، فنحن هنا في أمر شاة أو حيوان نستصدر الحكم من ذوي العدل. {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} وما يحكم به ذوا العدل إنما يذهب كله للكعبة؛ ليأكله الموجودون في البيت الحرام لعبادة الرحمن. وقد أراد الله أن يضمن قوت الذين يسكنون وادياً غير ذي زرع حتى من أغلاط الذين يعتدون على ما حرَّمَ الله صيده من الحيوان. ولكن ما الحل إذا ما كان المخطئ لا يملك القدرة على أن يقدم هدياً بالغ الكعبة؟ والحق سبحانه لا يترك مثل هذه الأمور دون بيان أو تفصيل، فهاهوذا يضع الكفارة بإطعام مساكين، يحدد عددهم الاثنان من ذوي العدل. ومن لا يستطيع إطعام مساكين فليصم أياماً بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرجه. {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} والوبال هو الثقل والعاقبة. ولماذا الوبال؟ لأن الإنسان حين يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل سيعز عليه ماله، وأيضاً إن أطعم مساكين فهو سيشتري الطعام بمال يعز عليه، وكذلك يسبب له الصيام الإرهاق. إن هذا اللون من الكفارة يذيق الإنسان وبال ما فعل. وأراد الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر شكلي، أو أن تظل الإساءة أمراً شكلياً. وشاء سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر للإساءة، حتى تستقيم الأمور في الكون. ولنا في قصة ذي القرنين المثل الواضح على ذلك: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 83-84]. لقد مكن الحق لذي القرنين في الأرض، وأعطاه من كل شيء سببا. ومع ذلك لم يركن ذو القرنين إلى ما أعطى فلم يتقاعس ولم يكسل، بل يخبرنا الحق: {أية : فَأَتْبَعَ سَبَباً} تفسير : [الكهف: 85]. لقد أخذ ذو القرنين من تمكين الله له في الأرض، وأخذ من عطاء الله له بشيء من كل سبب، إنه أخذ طاقة وإحساساً بالمسئولية ليواصل مهمته: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً} تفسير : [الكهف: 86]. لقد بلغ مغرب الشمس في نظر عينيه، لأن الإنسان عندما يقف وقت الغروب في خلاء فالشمس تغرب أمامه وكأنها تسقط في آخر الأفق. والحقيقة أن ذلك هو نهاية قدرة البصر. وجاء التفويض لذي القرنين: إما أن يعذب هؤلاء القوم، وإما أن يعاملهم بالحسنى. وليقس عمل كل إنسان منهم، وليجاز كل إنسان منهم حسب عمله. وهو لا يفعل ذلك عن هوى، لأنه ممكن في الأرض من الحق سبحانه وتعالى؛ لذلك قال الحق: {أية : قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً} تفسير : [الكهف: 87]. وكل إنسان - حتى النفعي - حين يرى أن ارتكاب العمل السيء يأتي له بالمتاعب والخسارة، يرجع عنه ولو لم يكن مؤمناً باليوم الآخر. أما من يؤمن باليوم الآخر ويعمل عملاً صالحاً فماذا تكون نوعية معاملته؟ ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً} تفسير : [الكهف: 88]. إنه ينال التكريم والتشجيع، فالتكريم والتشجيع يجب أن ينالهما صاحب الحق فيهما لا المنافق أو المتمسح بالأبواب. هكذا يكون دستور كل متمكن في الأرض. وهكذا تكون رعاية أوامر الله ونواهيه. وحين أمرنا الحق بتحريم الصيد في البيت الحرام أو على المحرم ووضع عقوبة لمن أخطأ، فهو سبحانه وتعالى عادل معنا، فلا عقوبة إلا بنص ولا تجريم إلا بعد النص، ولذلك قال سبحانه: {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ}. فسبحانه يعفو عما سلف، أما من عاد ليرتكب نواهي الله في هذا المجال فيعاقبه الحق. فلا يقبل منه هدى ولا إطعام مساكين ولا صوم؛ لأن في تكرار المخالفة إصراراً عليها، لذلك ينتقم منه الله، وهو العزيز الذي لا يُغْلَب. وبعد أن تكلم الحق عن صيد البر وحكمه، أراد أن يوضح لنا أن ذلك الحكم لا ينسحب على كل صيد. فسبحانه حرم صيد البر إن كنا حرماً، أو في دائرة الحرم. ويجيء قول الحق: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ} معناهُ مِثلُ ذَلِكَ. تفسير : وقوله تعالى: {لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} معناهُ نَكَالُ أَمْرِهِ. تفسير : وقوله تعالى: {ذُو ٱنْتِقَامٍ} معناهُ ذُو اجْتِراءٍ.
الجيلاني
تفسير : ثم أردفه سبحانه بما يدل على جبره بعد انسكاره؛ رفعاً للحرج عن عباده، مصرحاً بتحريمه ونهيه أولاً، فقال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم أن {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَ} الحال أنه {أَنْتُمْ حُرُمٌ} محرمين للحج {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم} في أوقات إحرامه {مُّتَعَمِّداً} قاصداً {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} أي: لزمه؛ جبراً لما انكسر، ذبح مثلما قتل من النعم في النفع والفائدة؛ لسد جوعه الفقراء والمساكين {يَحْكُمُ بِهِ} يمماثلته {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} حال كون ذلك المجازي ناوياً {هَدْياً} يذبح لله ولرضاه {بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} أي: عندهما ويتصدق بها للفقراء والمساكين. {أَوْ} لزم عليه {كَفَّارَةٌ} وهي {طَعَامُ مَسَاكِينَ} أي: يشتري بثمن ذلك المثل الذي يحكم به ذوا عدل طعاماً ويتصدق به للفقراء، يعطي كل واحد منهم مداً من الطعام {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} أو لزمه صيام مدة مساوية لعدد الفقراء إذا أطعم بثمنها عليهم سر كل تلك التكاليف الشاقة { لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي: ثقله وشدته وفظاعته، ووخامة عاقبته؛ إذ هو إبطال لصنع الحق حين حماهُ الحقُّ، ونهى عن التعرض. وعليكم أن تحافظوا على النهي بعد الورود، ولا تخافوا عمَّا قبله؛ إذ {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} أي: محا عن الديوان، وأسقط عن الحساب ما اكتسبتم من الجرائم حين كونكم تائيهن في بيداء الغفلة {وَمَنْ عَادَ} عليها بعدما نبه وتنبه {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} ويؤاخذه عليه ويحاسبه عنه، ويجازيه على مقتضى حسابه {وَ} لا تغتروا بحلمه وإمهاله ومجاملته؛ إذ {ٱللَّهُ} المستغني في ذاته عن جميع الشؤون والنشأة {عَزِيزٌ} غالب غيور، متكبر، قهور {ذُو ٱنْتِقَامٍ} [المائدة: 95] عظيم، وبطش شديد على من تخلَّف عن حكمه، وأصرَّ عليه. نعوذ بفضلك من عذابك يا ذا القوة المتين. {أُحِلَّ لَكُمْ} أيها المحرمون {صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} مائي المولد مظلقاً إلا ما تستكرهه طباعكم {وَطَعَامُهُ} أكله {مَتَاعاً لَّكُمْ} يمتعون بها مجاناً {وَ} كذا {لِلسَّيَّارَةِ} للتجارة والزيارة وغيرها تتزودون منها {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي: من أول مدة إحرامكم إلى أول الحل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 96] وتساقون أيها المؤمنون. وعليكم الحذر والاتقاء عن التعرض بمصنوعاته بقهر وغلبة في جميع حالاتكم سيما عد لبس الإحرام الذي هو كفن الفناء المعنوي، والموت الحقيقي عند أولي الألباب الناظرين إلى لب الأحكام وزبدته. وكما أنَّ في الموت الصوري لا يبقى للقوى والأوصاف الظاهرة آثار وأفعال، بل تعطلت، وانمحت، وتلاشت بحيث لا يتوقع منها ذلك أصلاً، كذلك في الموت الإرادي الذي هو عبارة عن حج العارف لا بد من إحرامه، وتعطيله أعضاءه وجوارحه عن مقتضيات الأوصاف البشرية والقوى الحيوانية، وعن جميع التعينات الجمسانية والرحانية، والغيبية والشهادية، والظاهرية والباطنية، وبالجلمة: عن جميع الإضافات والكثرات الحاجبة لصرافة الوحدة الذاتية، المستهلكة عنها جميع ما يتوهم من الأضلال والعكوس. لذلك صار الموت الإرادي أشدُّ في الانمحاء، وأغرقُ في الفناء من الموت الصوري؛ إذ ينتهي الأمر في الموت الإرادي إلى العدم والصرف والفناء المطلق الذي ما شمَّ رائحة الوجود أصلاً، فكيف تخلل الموت والحياة، والوجود والعدم، وتاهت في بيداء ألوهيته أنظار العقل وآرائه؟.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 95]، بتحقيق الطلب والوصول في متابعة الرسول {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، النكتة في أنه أباح الصيد لمن كان حلالاً وهم أهل السلوة من العوام الذين رضوا من الكمالات الدينية بالأعمال البدنية من تصور هممهم الدنية، وحرَّم الصيد على من كان حراماً وهم أهل المحبة المحرومون من الدنيا لزيارة كعبة الوصلة؛ يعني: من قصدنا فعليه بحسم الأطماع جملة، ولا ينبغي أن يكون له مطالبته بحال من الأحوال إلا طالب الوصال، ويقال العارف عبد الحق، ولا يكون للصيد صيد {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم} [المائدة: 95]؛ أي: من الطلاب إذا التفت بشيء من الدنيا {مُّتَعَمِّداً} [المائدة: 95]، وهو الذي واقف على مضرته وعالم بآفته فيغلب عليه الهوى ويقع فيه بحرص النفس {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} [المائدة: 95]، يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل المهالك اللذة والشهوة {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95]؛ أي: بتكلف المجازاة {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} [المائدة: 95] ، وهي القلب والروح يحكمان على مقدار الإيمان وعلى أنواع الرياضيات بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة والخلوة وضبط الحواس {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} [المائدة: 95]؛ أي: خالصاً لله فيما يعمل بحيث يصلح لقبول الحق من غير ملاحظة الخلق {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95]، وهم العقل والقلب والسر والروح والخفي، فإنهم كانوا محرومين من أغذيتهم الروحانية من صدق التوجه إلى الحق، وخلو من الأعراض عن الخلق ويخترع الصبر عن المكروهات والفطام عن المألوفات والشكر على الموهوبات والرضا بالمقدورات والتسليم الأحكام الأزليات {أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} [المائدة: 95]، والصيام هو الإمساك عن ملاحظة الأغيار وطلب الاختيار والركون إلى غير الملك الجبار {لِّيَذُوقَ} [المائدة: 95]، النفس الأمارة بالسوء {وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95]؛ أي: تتألم بألم هذه المعاملات التي على خلاف طبعها جزاء وكفارة لما نالت من لذات الشهوات وخلوات الغفلات {عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف} [المائدة: 95]، من الطالبين قبل إقدام على الطلب {وَمَنْ عَادَ} [المائدة: 95]، إلى تعلق شي من الدنيا بعد الخروج عنها بقدم الصدق {فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} [المائدة: 95]، بالخذلان في الدنيا والخسران في العقبى {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} [المائدة: 95]، لا يوجد من تعلقات الكونين حتى يتجرد الطالب عن القليل والكثير والصغير والكبير {ذُو ٱنْتِقَامٍ} [المائدة: 95]، ينتقم من أحبابه باحتجاب التعزز بالكبرياء والعظمة على قدر التفاتهم إلى غيره، وملاحظة ما سواه وينتقم من أعدائه بما قاله {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الأنعام: 110].
همام الصنعاني
تفسير : 731- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} [الآية: 95]، قال: يحكم عليه بهدي إن وجده، وإلاّ قدم الهدي طعاماً، ثم قدم الطعام صياماً، فكان كل إطعام مسكين صيام يوم. 732- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال الزّهري: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}: [الآية: 95]، قالَ: هذا في العَمْد، وهو في الخطأ سنة. 733- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: متعمداً لقتله، ناسياً لأحرامه. 734- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر وقال قتادة: لا يحكم على صاحب العمد إلاَّ مرَّةً واحِدَةً {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ}: [الآية: 95]. 735- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن طاوس، قال: يحكم عليه في العَمْدِ، ولَيْسَ عَلَيْهِ في الخطأ شيء. والله! ما قال الله: إلاَّ: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}: [الآية: 95].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):