٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
96
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالصيد المصيد، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس، الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، واختلفوا فيما سوى هذين. فقال أبو حنيفة رحمه الله إنه حرام. وقال ابن أبي ليلى والأكثرون إنه حلال، وتمسكوا فيه بعموم هذه الآية، والمراد بالبحر جميع المياه والأنهار. المسألة الثانية: أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده والعطف يقتضي المغايرة وذكروا فيه وجوهاً: الأول: وهو الأحسن ما ذكره أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع. والوجه الثاني: أن صيد البحر هو الطري، وأما طعام البحر فهو الذي جعل مملحاً، لأنه لما صار عتيقاً سقط اسم الصيد عنه، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومقاتل والنخعي وهو ضعيف لأن الذي صار مالحاً فقد كان طرياً وصيداً في أول الأمر فيلزم التكرار. والثالث: أن الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ، واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها فقد حصل التغاير بين الاصطياد من البحر وبين الأكل من طعام البحر والله أعلم. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: السمكة الطافية في البحر محللة. وقال أبو حنيفة رحمه الله محرّمة: حجة الشافعي القرآن والخبر، أما القرآن فهو أنه يمكن أكله فيكون طعاماً فوجب أن يحل لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ } وأما الخبر فقوله عليه السلام في البحر:«حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته».تفسير : المسألة الرابعة: قوله {للسيارة} يعني أحلّ لكم صيد البحر للمقيم والمسافر، فالطري للمقيم، والمالح للمسافر. المسألة الخامسة: في انتصاب قوله {مَتَـٰعاً لَّكُمْ } وجهان: الأول: قال الزجاج انتصب لكونه مصدراً مؤكداً إلا أنه لما قيل: {أُحِلَّ لَكُمُ } كان دليلاً على أنه منعم به، كما أنه لما قيل {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] كان دليلاً على أنه كتب عليهم ذلك فقال {أية : كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النساء: 24] الثاني: قال صاحب «الكشاف» انتصب لكونه مفعولاً له، أي أحل لكم تمتيعاً لكم. ثم قال تعالى: {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة من قوله {أية : غَيْرَ مُحِلّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة: 1] إلى قوله {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ } تفسير : [المائدة: 2] ومن قوله {أية : لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } تفسير : [المائدة: 95] إلى قوله {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً }. المسألة الثانية: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، فعلى هذا السلحفاة، والسرطان، والضفدع، وطير الماء، كل ذلك من صيد البر، ويجب على قاتله الجزاء. المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد، واختلفوا في الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم فيه أربعة أقوال: الأول: وهو قول علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس، وذكره الثوري وإسحاق أنه يحرم عليه بكل حال، وعولوا فيه على قوله {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } وذلك لأن صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال، وكل ذلك صيد البر، وروى أبو داود في «سننه» عن حميد الطويل عن إسحاق بن عبدالله بن الحرث عن أبيه قال: كان الحرث خليفة عثمان على الطائف فصنع لعثمان طعاماً وصنع فيه الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فجاءه الرسول فجاء فقالوا له كل فقال علي: أطعمونا قوتاً حلالاً فإنا حرم، ثم قال علي عليه السلام أنشد الله من كان ههنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله فقالوا نعم. والقول الثاني: أن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له، وهو قول الشافعي رحمه الله، والحجة فيه ما روى أبو داود في «سننه» عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم».تفسير : والقول الثالث: أنه إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه فقال: «حديث : هل أشرتم هل أعنتم فقالوا لا. فقال: هل بقي من لحمه شيء أوجب الإباحة عند عدم الإشارة والاعانة من غير تفصيل».تفسير : واعلم أن هذين القولين مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، والثاني في غاية الضعف. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } والمقصود منه التهديد ليكون المرء مواظباً على الطاعة محترزاً عن المعصية.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} هذا حكم بتحليل صيد البحر، وهو كل ما صيد من حيتانه. والصيد هنا يراد به المَصِيد، وأُضيف إلى البحر لما كان منه بسبب. وقد مضى القول في البحر في «البقرة» والحمد لله. و «مَتَاعاً» نصب على المصدر أي متعتم به متاعاً. الثانية ـ قوله تعالى: {وَطَعَامُهُ} الطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يُطعَم ويُطلق على مطعوم خاص كالماء وحده، والبُرّ وحده، والتمر وحده، واللَّبن وحده، وقد يطلق على النوم كما تقدّم؛ وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطَفَا عليه؛ أسند الدَّارَقُطْنيّ عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} ـ الآية ـ صيده ما صِيد وطعامه ما لفظ البحر. وروي عن أبي هريرة مثله؛ وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين. وروي عن ابن عباس طعامه ميتته؛ وهو في ذلك المعنى. وروى عنه أنه قال: طعامه ما مُلِّح منه وبقي؛ وقاله معه جماعة. وقال قوم: طعامه مِلحه الذي ينعقد من مائِهِ وسائر ما فيه من نبات وغيره. الثالثة ـ قال أبو حنيفة: لا يؤكل السمك الطافي، ويؤكل ما سواه من السمك، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك؛ وهو قول الثوريّ في رواية أبي إسحاق الفَزَاريّ عنه. وكره الحسن أكل الطافي من السمك. وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كرهه، وروي عنه أيضاً أنه كره أكل الجِرِّيّ، وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح؛ ذكره عبد الرزاق عن الثوريّ عن جعفر بن محمد عن علي قال: الجراد والحِيتان ذَكِيٌّ؛ فعليّ مختلف عنه في أكل الطافي من السمك، ولم يختلف عن جابر أنه كرهه، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد، وٱحتجوا بعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ}. وبما رواه أبو داود والدَّارَقُطْنِيّ عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : كُلُوا ما حَسَر عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتاً أو طافياً فوق الماء فلا تأكلوه » تفسير : . قال الدَّارَقُطْنيّ: تفرد به عبد العزيز بن عُبيد الله، عن وهب بن كَيْسان عن جابر، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. وروى سفيان الثوريّ عن أبي الزُّبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه؛ قال الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسنده عن الثوريّ غير أبي أحمد الزُّبيريّ وخالفه وكيع والعدنيان وعبد الرزاق ومُؤَمَّل وأبو عاصم وغيرهم؛ رووه عن الثوريّ موقوفاً وهو الصواب. وكذلك رواه أيوب السَّخْتِياني، وعُبيد الله بن عمر وابن جُرَيْج، وزُهير وحمّاد بن سَلَمة وغيرهم عن أبي الزّبير موقوفاً؛ قال أبو داود: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزّبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الدَّارَقُطْنيّ: وروي عن إسماعيل بن أُمية وابن أبي ذئب عن أبي الزّبير مرفوعاً، ولا يصح رفعه، رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أُمية ووقفه غيره. وقال مالك والشافعي وٱبن أبي ليلى والأُوزاعيّ والثوريّ في رواية الأشجعيّ: يؤكل كل ما في البحر من السمك والدّواب، وسائر ما في البحر من الحيوان، وسواء ٱصطيد أو وجد ميتاً؛ وٱحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: « حديث : هو الطَّهور ماؤُه الحِلُّ ميتته » تفسير : . وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحُوت الذي يقال له: «العَنْبَر» وهو من أثبت الأحاديث خرّجه الصحيحان. وفيه: حديث : فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» تفسير : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله؛ لفظ مسلم. وأسند الدَّارَقُطْنيّ عن ٱبن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها. وأسند عنه أيضاً أنه قال: أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء. وأَسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه، فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال: أطيبة هي لم تتغير؟ قالوا: نعم؛ قال: فكلُوها وٱرفعوا نصيبي منها؛ وكان صائماً. وأسند عن جَبَلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال: ٱهدوها إليّ. وقال عمر بن الخطاب: الحُوت ذكِيٌّ والجراد ذكِيٌّ كله؛ رواه عنه الدَّارَقُطْنِيّ. فهذه الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية، وهو حجة للجمهور؛ إلا أن مالكاً كان يكره خنزير الماء من جهة ٱسمه ولم يحرّمه وقال: أنتم تقولون خنزيراً! وقال الشافعي: لا بأس بخنزير الماء. وقال الليث: ليس بميتة البحر بأس، قال: وكذلك كلب الماء وفرس الماء. قال: ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء. الرابعة ـ ٱختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم أم لا؟ فقال مالك وأبو مِجلَز وعطاء وسعيد بن جُبَير وغيرهم: كلّ ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو صيد البر، إن قتله المحرم وَدَاه؛ وزاد أبو مِجْلَز في ذلك الضّفادع والسّلاحف والسّرَطان. الضفادع وأجناسها حرام عند أبي حنيفة، ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضّفدع، وٱختلف قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك. والصحيح أكل ذلك كله؛ لأنه نص على الخنزير في جواز أكله، وهو له شبه في البر مما لا يؤكل. ولا يؤكل عنده التمساح ولا القِرْش والدّلفين، وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب. قال ٱبن عطية: ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في «المدوّنة» فإنه قال: الضفادع من صيد البحر. وروي عن عطاء بن أبي رَبَاح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه يراعي أكثر عيش الحيوان؛ سئل عن ابن الماء أصيد بَر هو أم صيد بحر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه؛ وهو قول أبي حنيفة. والصواب في ابن الماء أنه صيد بَرٍّ يرعى ويأكل الحب. قال ٱبن العربي: الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه؛ لأنه تعارض فيه دليلان، دليل تحليل ودليل تحريم، فيغلب دليل التحريم احتياطاً. والله أعلم. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَلِلسَّيَّارَةِ} فيه قولان: أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عُبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم، فبيّن الله تعالى أنه حلال لمن أقام، كما أحله لمن سافر. الثاني ـ أن السيَّارة هم الذين يَركبونه، كما جاء في حديث مالك والنَّسائيّ: حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «هو الطّهُورُ ماؤُه الحِلُّ ميْتتهُ» تفسير : قال ابن العربيّ قال علماؤنا: فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : نعم » تفسير : لما جاز الوضوء به إلاَّ عند خوف العطش؛ لأن الجواب مرتبط بالسؤال، فكان يكون محالاً عليه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة، وبيان الشرع فقال: « حديث : هو الطهور ماؤُه الحل ميتته ». تفسير : قلت: وكان يكون الجواب مقصوراً عليهم لا يتعدى لغيرهم، لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع، إلاَّ ما نص بالتخصيص عليه، كقوله لأبي بُرْدة في العناق: « حديث : ضَحِّ بها ولن تُجزىء عن أحد غَيرك ». تفسير : السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} التحريم ليس صفة للأعيان، وإنما يتعلق بالأفعال؛ فمعنى قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ} أي فعل الصيد، وهو المنع من الاصطياد، أو يكون الصيد بمعنى المصيد، على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدّم، وهو الأظهر؛ لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وُهِب له، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك؛ لعموم قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}؛ ولحديث الصَّعْب بن جَثَّامة على ما يأتي. السابعة ـ اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصَّيد، فقال مالك والشافعيّ وأصحابهما وأحمد، وروي عن اسحاق، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان: إنه لا بأس بأكل المحرم الصّيد إذا لم يُصَد له، ولا من أجله؛ لما رواه الترمذيّ والنَّسائيّ والدَّارَقُطْنِيّ عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : صيد البرّ لكم حلال ما لم تَصيدوه أو يُصَد لكم » تفسير : قال أبو عيسىٰ: هذا أحسن حديث في الباب؛ وقال النّسائيّ: عَمرو بن أبي عَمرو ليس بالقويّ في الحديث، وإن كان قد رَوى عنه مالك. فإن أكل من صيدٍ صِيد من أجله فداه. وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعيّ، واختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه. والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صِيد لمحرم معيّن أو غير معيّن، ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أُتي بلحم صيد وهو مُحرِم: كُلُوا فلستم مثلي لأنه صِيد من أجلي؛ وبه قالت طائفة من أهل المدينة، وروي عن مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه: أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صِيد من أجله أو لم يُصَد لظاهر قوله تعالىٰ: {لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فحرّم صيده وقتله على المحرمين، دون ما صاده غيرهم. واحتجوا بحديث البَهْزِيّ ـ واسمه زيد بن كعب ـ: عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقِير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرّفاق؛ من حديث مالك وغيره. وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: « حديث : إنما هي طُعْمة أطعمكموها الله » تفسير : . وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه، وأبي هريرة والزُّبير بن العوّام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جُبير. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال، سواء صِيد من أجله أو لم يُصَد؛ لعموم قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}. قال ابن عباس: هي مبهمة، وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وروي ذلك عن الثّوريّ، وبه قال إسحاق. واحتجوا بـحديث : حديث الصَّعْب بن جَثَّامة الليثيّ: أنه أَهْدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأَبْوَاء أو بوَدَّان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلاَّ إنا حُرُم» تفسير : خرجه الأئمة واللفظ لمالك. قال أبو عمر: وروى ابن عباس من حديث سعيد بن جُبير ومقْسَم وعطاء وطاوس عنه: أن الصَّعْب بن جَثَّامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحشٍ؛ وقال سعيد بن جُبَير في حديثه: عَجُز حمار وحشٍ فردّه يقطر دماً كأنه صِيد في ذلك الوقت؛ وقال مِقْسَم في حديثه: رِجْل حمار وحشٍ. وقال عطاء في حديثه: حديث : أهدي له عَضُد صيد فلم يقبله وقال: «إنّا حُرُم» تفسير : . وقال طاوس في حديثه: عَضُداً من لحم صيد؛ حدّث به إسماعيل عن عليّ بن المَدِينيّ، عن يحيى بن سعيد، عن ٱبن جُرَيْج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ٱبن عباس، إلاَّ أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم. قال إسماعيل: سمعت سليمان بن حرب يتأوّل هذا الحديث على أنه صِيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك لكان أكله جائزاً؛ قال سليمان: ومما يدل على أنه صِيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث: فردّه يقطر دماً كأنه صِيد في ذلك الوقت. قال إسماعيل: إنما تأوّل سليمان هذا الحديث؛ لأنه يحتاج إلى تأويل؛ فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يُمسك صيداً حياً ولا يُذكِّيه؛ قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها إن شاء الله تعالىٰ. الثامنة ـ إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك: إن كان في يده فعليه إرساله، وإن كان في أهله فليس عليه إرساله. وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل. وقال الشافعي في أحد قوليه: سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله. وبه قال أبو ثور، وروي عن مجاهد وعبد الله بن الحرث مثله، وروي عن مالك. وقال ٱبن أبي ليلى والثوريّ والشافعيّ في القول الآخر: عليه أن يرسله، سواء كان في بيته أو في يده؛ فإن لم يرسله ضَمِن. وجه القول بإرساله قوله تعالىٰ: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} وهذا عام في المِلك والتصرف كله. ووجه القول بإمساكه: أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملِكه؛ أصله النكاح. التاسعة ـ فإن صاده الحلال في الحِلّ فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه، وأكل لحمه. وقال أبو حنيفة: لا يجوز. ودليلنا أنه معنًى يُفعلَ في الصيد فجاز في الحرم للحلال، كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها. العاشرة ـ إذا دل المحرم حِلاَّ على صيد فقتله الحلال اختلف فيه؛ فقال مالك والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه؛ وهو قول ابن الماجِشُون. وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين: عليه الجزاء؛ لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرّض؛ فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقاً على سرقة. الحادية عشرة ـ واختلفوا في المحرم إذا دل محرماً آخر؛ فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كل واحد منهما جزاء. وقال مالك والشافعي وأبو ثور: الجزاء على المحرم القاتل؛ لقوله تعالىٰ: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فعلق وجوب الجزاء بالقتل، فدل على انتفائه بغيره؛ ولأنه دالّ فلم يلزمه بدلالته غُرْم، كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم. وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السَّلام في حديث أبي قَتَادة: « حديث : هل أَشرتم أو أَعنتم » تفسير : ؟ وهذا يدل على وجوب الجزاء. والأوّل أصح. والله أعلم. الثانية عشرة ـ إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء؛ لأنه أخذ في الحرم. وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أُخذ عليه على قولين: الجزاء نظراً إلى الأصل، ونفيه نظراً إلى الفرع. الثالثة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} ما صيد منه مما لا يعيش إلا في الماء، وهو حلال كله لقوله عليه الصلاة والسلام في البحر «حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته»تفسير : وقال أبو حنيفة لا يحل منه إلا السمك. وقيل يحل السمك وما يؤكل نظيره في البر. {وَطَعَامُهُ } ما قذفه أو نضب عنه. وقيل الضمير للصيد وطعامه أكله. {مَتَـٰعاً لَّكُمْ } تمتيعاً لكم نصب على الغرض. {وَلِلسَّيَّارَةِ } أي ولسيارتكم يتزودونه قديداً. {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ } أي ما صيد فيه، أو الصيد فيه فعلى الأول يحرم على المحرم أيضاً ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخل، والجمهور على حله لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : لحم الصيد حلال لكم، ما لم تصطادوه أو يصد لكم»تفسير : {مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي محرمين وقرىء بكسر الدال من دام يدام. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وغيرهم، في قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} يعني: ما يصطاد منه طرياً {وَطَعَامُهُ} ما يتزود منه مليحاً يابساً، وقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حياً {وَطَعَامُهُ} ما لفظه ميتاً، وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري، رضي الله عنهم، وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري، قال سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال: {وَطَعَامُهُ}: كل ما فيه، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة، عن سماك قال: حدثت عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس، فقال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ} وطعامه: ما قذف. قال: وحدثنا ابن علية عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال: {وَطَعَامُهُ}: ما قذف. وقال عكرمة عن ابن عباس، قال: طعامه: ما لفظ من ميتة، ورواه ابن جرير أيضاً. وقال سعيد بن المسيب: طعامه: ما لفظه حياً، أو حسر عنه فمات، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثناأيوب عن نافع: أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر، فقال: إن البحر قد قذف حيتاناً كثيرة ميتة، أفنأكلها؟ فقال: لا تأكلوها، فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف، فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية: {وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} فقال: اذهب فقل له: فليأكله؛ فإنه طعامه، وهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه: ما مات فيه. وقد روي في ذلك خبر، وإن بعضهم يرويه موقوفاً، حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو، حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعاً لَّكُمْ} قال: «حديث : طعامه: ما لفظه ميتاً» تفسير : ثم قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة. حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قال: طعامه ما لفظه ميتاً. وقوله: {مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} أي: منفعة وقوتاً لكم أيها المخاطبون {وَلِلسَّيَّارَةِ} وهم جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر وللسيارة السفر. وقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه، أو اصطيد منه، وملح وقدد، زاداً للمسافرين والنائين عن البحر. وقد روي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. وقد استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإمام مالك بن أنس عن وهب ابن كيسان، عن جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثاً قبل الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة، وأنا فيهم، قال: فخرجنا، حتى إذا كنا ببعض الطريق، فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلاً قليلاً حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة، فقال: فقد وجدنا فقدها حين فنيت، قال: ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثم أمر براحلة، فرحلت، ومرت تحتهما، فلم تصبهما، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله طرق عن جابر. وفي صحيح مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم، فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً، ونحن ثلثمائة، حتى سمنا، ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، ويقتطع منه الفِدْر كالثور، قال: ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً، فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعاً من أضلاعه، فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحته، وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا ذلك له، فقال: «حديث : هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» تفسير : قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فأكله. وفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولاً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة، فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم. وقال مالك: عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة بن أبي بردة، وهو من بني عبد الدار، أخبره: أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «حديث : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»تفسير : ، وقد روى هذا الحديث الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربع، وصححه البخاري والترمذي وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو المهزم، هو يزيد بن سفيان، سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة، فاستقبلنا جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا، فنقتلهن، فسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : لا بأس بصيد البحر» تفسير : أبو المهزم ضعيف، والله أعلم. وقال ابن ماجة: حدثنا هارون بن عبد الله الجمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله عن علام، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا دعا على الجراد قال: «حديث : اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء»تفسير : ، فقال خالد: يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: «حديث : إن الجراد نثرة الحوت في البحر» تفسير : قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره، تفرد به ابن ماجه. وقد روى الشافعي عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه أنكر على من يصيد الجراد في الحرم، وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه تؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئاً، قد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه: كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع، وأباح ما سواها؛ لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قتل الضفدع، وقال: «حديث : نقيقها تسبيح» تفسير : وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك، ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما، فقيل: يؤكل سائر ذلك. وقيل: لا يؤكل. وقيل: ما أكل شبهه من البر، أكل مثله في البحر. وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل مامات في البحر، كما لا يؤكل مامات في البر، لعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ} وقد ورد حديث بنحو ذلك، فقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، هو ابن قانع، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، وعبد الله بن موسى بن أبي عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما صدتموه وهو حي، فمات، فكلوه، وما ألقى البحر ميتاً طافياً، فلا تأكلوه»تفسير : ، ثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية، ويحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر، به، وهو منكر، وقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث: «حديث : هو الطهور ماؤه، الحل ميتته»تفسير : ، وقد تقدم أيضاً. وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال» تفسير : ورواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وله شواهد، وروي موقوفاً، والله أعلم. وقوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمداً، أثم وغرم، أو مخطئاً، غرم وحرم عليه أكله، لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين، عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو سيف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله، أو شيئاً منه، فهل يلزمه جزاء ثان؟ فيه قولان للعلماء: (أحدهما): نعم، قال عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان، وإليه ذهب طائفة. (والثاني): لا جزاء عليه في أكله، نص عليه مالك بن أنس. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، ثم وجهه أبو عمر بما لو وطىء، ثم وطىء، ثم وطىء قبل أن يحد، فإنما عليه حد واحد، وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد، فعليه جزاؤه، وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله؛ للخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» تفسير : وهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب. وأما لغيره، ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم، وقال آخرون بإباحته لغير القاتل، سواء المحرمون والمحلون؛ لهذا الحديث، والله أعلم. وأما إذا صاد حلال صيداً، فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقاً، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده من أجله أم لا، حكى هذا القول أبو عمر بن عبد البر، عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية، وسعيد بن جبير، وبه قال الكوفيون. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن الفضل، حدثنا سعيد عن قتادة: أن سعيد بن المسيب حدثه عن أبي هريرة: أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب، فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا، لأوجعت لك رأسك. وقال آخرون: لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية، ومنعوا من ذلك مطلقاً؛ لعموم هذه الآية الكريمة. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم بن أبي آمية عن طاوس، عن ابن عباس: أنه كره أكل الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة، يعني: قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} قال: وأخبرني معمر عن الزهري، عن ابن عمر: أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال. قال معمر: وأخبرني أيوب عن نافع، عن ابن عمر، مثله، قال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد، وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهويه في رواية، وقد روي نحوه عن علي بن أبي طالب، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن علياً كره أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه في رواية، والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد، لم يجز للمحرم أكله؛ لحديث الصعب ابن جثامة: أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وهو بالأبواء، أو بِودَّان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال: «حديث : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» تفسير : وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم، ظن أن هذا إنما صاده من أجله، فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه؛ لحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش، وكان حلالاً لم يحرم، وكان أصحابه محرمين، فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : هل كان منكم أحد أشار إليها، أو أعان في قتلها؟» تفسير : قالوا: لا، قال: «حديث : فكلوا» تفسير : وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة ثابتة أيضاً في الصحيحين بألفاظ كثيرة. وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : صيد البر لكم حلال - قال سعيد: وأنتم حرم - ما لم تصيدوه، أو يصد لكم»تفسير : ، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي، جميعاً عن قتيبة. وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعاً من جابر، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس. وقال مالك رضي الله عنه: عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج، وهو محرم في يوم صائف، قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا، فقالوا: أولا تأكل أنت؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمُ } أيها الناس حلالاً كنتم أو مُحْرمين {صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } أن تأكلوه وهو ما لا يعيش إلا فيه كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البرّ كالسرطان {وَطَعَامُهُ } ما يقذفه ميتاً {مَّتَٰعًا } تمتيعاً {لَكُمْ } تأكلونه {وَلِلسَّيَّارَةِ } المسافرين منكم يتزوّدونه {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ } وهو ما يعيش فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه {مَا دُمْتُمْ حُرُماً } فلو صاده حلال فللمحرم أكله كما بينته السنة {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحرِ} يعني صيد الماء سواء كان من بحر أو نهر أو عين أو بئر فصيده حلال للمحرم والحلال في الحرم والحل. {وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} في طعامه قولان: أحدهما: طافِيهِ وما لَفَظَه البحر، قاله أبو بكر، وعمر، وقتادة. والثاني: مملوحة، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب. وقوله تعالى: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} يعني منفعة للمسافر والمقيم. وحكى الكلبي أن هذه الآية نزلت في بني مدلج، وكانوا ينزلون بأسياف البحر، سألوا عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت هذه الآية فيهم. قوله تعالى: {جَعلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} في تسميتها كعبة قولان: أحدهما: سميت بذلك لتربيعها، قاله مجاهد. والثاني: سميت بذلك لعلوها ونتوئها من قولهم: قد كعب ثدي المرأة إذا علا ونتأ، وهو قول الجمهور. وسميت الكعبة حراماً لتحريم الله تعالى لها أن يصاد صيدها، أو يختلى خلاها، أو يعضد شجرها. وفي قوله تعالى: {قِيَاماً لِّلنَّاسِ} ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني صلاحاً لهم، قاله سعيد بن جبير. والثاني: تقوم به أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم. والثالث: قياماً في مناسكهم ومتعبداتهم.
ابن عطية
تفسير : هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضاً يراد به الصيد، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب، و {البحر} الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وكل نهر كبير بحر، واختلف الناس في معنى قوله {وطعامه} قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو ما قذف به وما طفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد، وسأل رجل ابن عمر عن حيتان طرحها البحر فنهاه عنها ثم قرأ المصحف فقال لنافع الحقه فمره بأكلها فإنها طعام البحر، وهذا التأويل ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : هو الطهور ماؤه الحل ميتته " تفسير : وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة: "طعامه" كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنائع تدخله فترده طعاماً، وإنما الصيد الغريض، وقال قوم {طعامه} ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات ونحوه. وكره قوم خنزير الماء، وقال مالك رحمه الله: أنتم تقولون خنزير، ومذهبه إباحته، وقول أبي بكر وعمر هو أرجح الأقوال، وهو مذهب مالك، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الحارث و "طُعْمه" بضم الطاء وسكون العين دون ألف و {متاعاً} نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعاً تنتفعون به وتأتدمون، و {لكم} يريد حاضري البحر ومدنه، {وللسيارة} المسافرين، وقال مجاهد أهل القرى هم المخاطبون، والسيارة أهل الأمصار. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار. واختلف العلماء في مقتضي قوله {وحرم عليكم الصيد البر ما دمتم حرماً} فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته، فقالو إن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا أن يأمر بصيد ولا أن يأكل صيداً صيد من أجله ولا من غير أجله، ولحم الصيد بأي وجه كان حرام على المحرم، وروي أن عثمان حج وحج معه علي بن أبي طالب فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكل علي، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} ، وروي أن عثمان استعمل على العروض أبا سفيان بن الحارث فصاد يعاقيب فجعلها في حظيرة فمر به عثمان بن عفان فطبخهن وقدمهن إليه، جاء علي بن أبي طالب فنهاهم عن الأكل، وذكر نحو ما تقدم قال: ثم لما كانوا بمكة أتي عثمان فقيل له هل لك في علي؟ أهدي له تصفيف حمار فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان فسأله عن أكله التصفيف وقال له: أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا فقال له علي: إنه صيد عام أول، وأنا حلال، فليس علي بأكله بأس، وصيد ذلك، يعني اليعاقيب وأنا محرم وذبحن وأنا حرام، وروي مثل قول علي عن ابن عباس وابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأساً للمحرم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلال مثله ولنفسه، وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب فقال له لو أفتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدرة، وسأل أبو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة فقال له، كان عمر يأكله، قال: قلت فأنت؟ قال كان عمر خيراً مني، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثل قول علي بن أبي طالب، وروى عطاء عن كعب قال أقبلت في ناس محرمين فوجدنا لحم حمار وحشي فسألوني عن أكله فأفتيتهم بأكله، فقدمنا على عمر فأخبروه بذلك، فقال، قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، وقال بمثل قول عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما والزبير بن العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلال والنبي محرم، قال الطبري وقال آخرون: إنما حرم على المحرم أن يصيد، فأما أن يشتري الصيد من مالك له فيذبحه فيأكله فذلك غير محرم ثم ذكر أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، اشترى قطاً وهو بالعرج فأكله فعاب ذلك عليه الناس، ومالك رحمه الله يجيز للمحرم أن يأكل ما صاده الحلال وذبحه إذا كان لم يصده من أجل المحرم، فإن صيد من أجله فلا يأكله، وكذلك قال الشافعي، ثم اختلفا إن أكل، فقال مالك: عليه الجزاء وقال الشافعي لا جزاء عليه، وقرأ ابن عباس و "حَرَّم" بفتح الحاء والراء مشددة "صيدَ" بنصب الدال "ما دمتم حَرماً" بفتح الحاء، المعنى وحرم الله عليكم، و {حرماً} يقع للجميع والواحد كرضى وما أشبهه، والمعنى ما دمتم محرمين، فهي بالمعنى كقراءة الجماعة بضم الحاء والراء، ولا يختلف في أن ما لا زوال له من الماء أنه صيد بحر، وفيما لا زوال له من البر أنه صيد بر، واختلف فيما يكون في أحدهما وقد يعيش ويحيا في الآخر فقال مالك رحمه الله وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر إن قتله المحرم وداه: وذكر أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان. قال القاضي أبو محمد: ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة، فإنه قال الضفادع من صيد البحر، وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه راعي أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر أم صيد بحر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه. قال القاضي أبو محمد: والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب, وقوله تعالى: {واتقوا الله} تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم. ثم ذكر تعالى بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير، ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت الله وعنصر هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله تعالى: {جعل الله} الآية ما سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام و "الهدي" قوام و "القلائد" قوام أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما يفعل الملوك الذين هم قوام العالم، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل الله هذه الأشياء كالملك لها، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه السلام لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحليس، فرآه النبي، قال: هذا رجل يعظم الحرمة فالقوه بالبدن مشعرة، فلما رآها الحليس عظم ذلك عليه، وقال: ما ينبغي أن يصد هؤلاء ورجع عن رسالتهم، وجعل في هذه الآية بمعنى صير، والكعبة بيت مكة، وسمي كعبة لتربيعه، قال أهل اللغة كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة، ومنه قول الأسود بن يعفر: شعر : أهل الخورنق والسدير وبارق والبيت ذي الكعبات من سنداد تفسير : قالوا: كانت فيه بيوت مربعة وفي كتاب سير ابن إسحاق أنه كان في خثعم بيت يسمونه كعبة اليمانية، وقال قوم: سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض، ومنه كعب ثدي الجارية، ومنه كعب القدم ومنه كعوب القناة، و {قياماً} معناه أمر يقوم للناس بالأمنة والمنافع كما الملك قوام الرعية وقيامهم، يقال ذلك بالياء كالصيام ونحوه وذلك لخفة الياء فتستعمل أشياء من ذوات الواو بها، وقد يستعمل القوام على الأصل، قال الراجز: شعر : قوام دنيا وقوام دين تفسير : وذهب بعض المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى {قياماً للناس} أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات وضبط النفوس في الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد، وقرأ ابن عامر وحده "قيماً" دون ألف، وهذا إما على أنه مصدر كالشبع ونحوه، وأعلّ فلم يجر مجرى عوض وحول من حيث أعلّ فعله، وقد تعل الجموع لاعتلال الآحاد، فأحرى أن تعلّ المصادر لاعتلال أفعالها، ويحتمل "قيماً" أن تحذف الألف وهي مرادة، وحكم هذا أن يجيء في شعر وغير سعة، وقرأ الجحدري " قيِّماً " بفتح القاف وشد الياء المكسورة {والشهر} هنا اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، وشهر مضر وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص: شعر : وشهر بني أمية والهدايا إذا سيقت مدرجها الدماء تفسير : وسماه النبي عليه السلام شهر الله, أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه، وأما {الهدي} فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب وأما {القلائد} فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئاً فكان ذلك أماناً له، وكان الأمر في نفوسهم عظيماً مكنه الله حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئاً خوفاً من الله، وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم، وقوله تعالى: {للناس} لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد العرب. قال القاضي أبو محمد: ولا وجه لهذا التخصيص، وقال سعيد بن جبير جعل الله هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً، ثم شدد ذلك بالإسلام، وقوله تعالى: {ذلك} إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياماً، والمعنى فعل ذلك لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم، وقوله تعالى: {بكل شيء عليم} عام عموماً تاماً في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال عز وجل {أية : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} تفسير : [الأنعام:59]، والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر، ثم خوف تعالى عباده، ورجاهم بقوله {اعلموا أن الله} الآية، وهكذا هو الأمر في نفسه حري أن يكون العبد خائفاً عاملاً بحسب الخوف متقياً متأنساً بحسب الرجاء.
ابن عبد السلام
تفسير : ـ قوله عزّ وجلّ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} يعني صيد الماء سواء كان من بحر أو نهر أو عين أو بئر فصيده حلال للمحرم والحلال في الحرم والحل. {وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} في طعامه قولان: أحدهما: طافيه وما لفظه البحر قاله أبو بكر وقتادة، والثاني: مملوحه قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وقوله {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} يعني منفعة المسافر والمقيم وحكى الكلبي: أنّ هذه الآية نزلت في بني مدلج وكانوا ينزلون بأسياف البحر سألوا عمّا نضب عنه الماء من السمك فنزلت هذه الآية فيهم.
النسفي
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل {وَطَعَامُهُ } وما يطعم من صيده. والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده {مَتَـٰعاً لَّكُمْ } مفعول له أي أحل لكم تمتيعاً لكم {وَلِلسَّيَّارَةِ } وللمسافرين. والمعنى: أحل لكم طعامه تمتيعاً لتُنّائكم يأكلونه طرياً ولسيارتكم يتزودونه قديداً كما تزود موسى عليه السلام الحوت في مسيره إلى الخضر. {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ } ما صيد فيه وهو ما يفرخ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كالبط فإنه بري لأنه يتولد في البر والبحر له مرعى كما للناس متجر {مَا دُمْتُمْ حُرُماً } محرمين {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام {ٱلَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تبعثون فيجزيكم على أعمالكم. {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ } أي صير {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } بدل أو عطف بيان {قِيَاماً } مفعول ثانٍ أو «جعل» بمعنى «خلق» و«قياماً» حال {لِلنَّاسِ } أي انتعاشاً لهم في أمر دينهم ونهوضاً إلى أغراضهم في معاشهم ومعادهم لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وأنواع منافعهم. قيل: لو تركوه عاماً لم ينظروا ولم يؤخروا {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } والشهر الذي يؤدي فيه الحج وهو ذو الحجة لأن في اختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه شأناً قد علمه الله، أو أريد به جنس الأشهر الحرم وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. {وَٱلْهَدْىَ } ما يهدى إلى مكة {وَٱلْقَلَـٰئِدَ } والمقلد منه خصوصاً وهو البدن فالثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر {ذٰلِكَ } إشارة إلى جعل الكعبة قياماً أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض وكيف لا يعلم وهو بكل شيء عليم {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن استخف بالحرم والإحرام {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لآثام من عظم المشاعر العظام {رَّحِيمٌ } بالجاني الملتجىء إلى البلد الحرام {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم. {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ } لما أخبر أنه يعلم ما يبدون وما يكتمون ذكر أنه لا يستوي خبيثهم وطيبهم بل يميز بينهما، فيعاقب الخبيث ـ أي الكافر ـ ويثيب الطيب ـ أي المسلم ـ {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر. وقيل: هو عام في حلال المال وحرامه وصالح العمل وطالحه وجيد الناس ورديئهم. {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ } أي العقول الخالصة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء امتحاناً فنزل: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْـئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ } قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين: أصله «شيئاء» بهمزتين بينهما ألف وهي فعلاء من لفظ شيء وهمزتها الثانية للتأنيث ولذا لم تنصرف كـ «حمراء» وهي مفردة لفظاً جمع معنى، ولما استثقلت الهمزتان المجتمعتان قدمت الأولى التي هي لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها «لفعاء»، والجملة الشرطية والمعطوفة عليها أي قوله {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ } صفة لـ «أشياء» أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي وهو ما دام الرسول بين أظهركم «تبد لكم» تلك التكاليف التي تسوؤكم أي تغمكم وتشق عليكم وتؤمرون بتحملها فتعرضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار. والضمير في {قَدْ سَأَلَهَا } لا يرجع إلى «أشياء» حتى يعدى بـ «عن» بل يرجع إلى المسألة التي دلت عليها «لا تسألوا» أي قد سأل هذه المسألة {قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ } من الأولين {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا } صاروا بسببها {كَـٰفِرِينَ } كما عرف في بني إسرائيل. {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } كان أهل الجاهلية إذا انتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا إذنها أي شقوها وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى واسمها البحيرة. وكان يقول الرجل: إذا قدمت من سفري أو برأت من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث. وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع ذكراً أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم، وكذا إن كان ذكراً وأنثى وقالوا: أوصلت أخاها فالوصيلة بمعنى الواصلة. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. ومعنى «ما جعل» ما شرع ذلك ولا أمر به {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بتحريمهم ما حرموا {يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } في نسبتهم هذا التحريم إليه {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } أي هلموا إلى حكم الله ورسوله بأن هذه الأشياء غير محرمة {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا } أي كافينا ذلك، «حسبنا» مبتدأ والخبر «ما وجدنا» «وما» بمعنى «الذي» والواو في {أَوَ لَّوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ } للحال قد دخلت عليها همزة الإنكار وتقديره: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } أي الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } انتصب «أنفسكم» بـ «عليكم» وهو من أسماء الأفعال أي الزموا إصلاح أنفسكم. والكاف والميم في «عليكم» في موضع جر لأن اسم الفعل هو الجار والمجرور لا على وحدها {لاَ يَضُرُّكُمْ } رفع على الاستئناف، أو جزم على جواب الأمر، وإنما ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد {مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة يتمنون دخولهم في الإسلام فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها لا يضركم الضّلاّل عن دينكم إذا كنتم مهتدين، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن تركهما مع القدرة عليهما لا يجوز. {إِلَىٰ اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } رجوعكم {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ثم يجزيكم على أعمالكم. روي أنه خرج بديل ـ مولى عمرو بن العاص وكان من المهاجرين ـ مع عدي وتميم ـ وكانا نصرانيين ـ إلى الشام، فمرض بديل وكتب كتاباً فيه ما معه وطرحه في متاعه ولم يخبر به صاحبيه، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله. ومات ففتشا متاعه، فأخذا إناء من فضة فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل: {يِـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ } ارتفع «اثنان» لأنه خبر المبتدأ وهو «شهادة» بتقدير شهادة بينكم شهادة اثنين، أو لأنه فاعل «شهادة بينكم» أي فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان. واتسع في «بين» فأضيف إليه المصدر. «وإذا حضر» ظرف للشهادة و«حين الوصية» بدل منه، وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية لأن حضور الموت من الأمور الكائنة، «وحين الوصية» بدل منه فيدل على وجوب الوصية ولو وجدت بدون الاختيار لسقط الابتلاء فنقل إلى الوجوب، وحضور الموت مشارفته وظهور أمارات بلوغ الأجل {ذَوَا عَدْلٍ } صفة لـ «اثنان» {مِّنكُمْ } من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت {أو آخران } عطف على «اثنان» {مِنْ غَيْرِكُمْ } من الأجانب {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ } سافرتم فيها. «وأنتم» فاعل فعل يفسره الظاهر {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ } أو منكم من المسلمين ومن غيركم من أهل الذمة. وقيل: منسوخ إذ لا يجوز شهادة الذمي على المسلم، وإنما جازت في أول الإسلام لقلة المسلمين {تَحْبِسُونَهُمَا } تقفونهما للحلف هو استئناف كلام أو صفة لقوله «أو آخران من غيركم» أي أو آخران من غيركم محبوسان، «وإن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت» اعتراض بين الصفة والموصوف {مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ } من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس. وعن الحسن رحمه الله: بعد العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وفي حديث بديل أنها لما نزلت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعديِّ وتميم فاستحلفهما عند المنبر فحلفا ثم وجد الإناء بمكة فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ } فيحلفان به {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } شككتم في أمانتهما وهو اعتراض بين «يقسمان» وجوابه وهو {لاَ نَشْتَرِي} وجواب الشرط محذوف أغنى عنه معنى الكلام والتقدير: إن ارتبتم في شأنهما فحلفوهما {بِهِ } بالله أو بالقسم {ثَمَناً } عوضاً من الدنيا {وَلَوْ كَانَ } أي المقسم له {ذَا قُرْبَىٰ } أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال ولو كان من نقسم له قريباً منا {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ } أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها {إنّآ إذاً} إن كتمنا {لَّمِنَ ٱلآثِمِينَ }. وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد الوصيان فلم ينسخ تحليفهما.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} المراد بالصيد ما صيد من البحر والمراد جميع المياه العذبة والمالحة. فأما طعامه. فاختلفوا فيه فقيل: هو ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل يروى ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عمر وأبي أيوب وقتادة وقيل: صيد البحر طريه وطعامه مالحه. يروى ذلك عن سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والسدي. ويروى عن ابن عباس ومجاهد كالقولين وجملة حيوان الماء على قسمين: سمك وغير سمك فأما السمك فجميعه حلال على اختلاف أجناسه وأنواعهحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب فيحل أكله وقال أبو حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب وما عدا السمك فقسمان: قسم يعيش في البر والبحر كالضفدع والسرطان فلا يحل أكلهما وقال سفيان أرجو أن يكون بالسرطان بأس واختلفوا في الجراد فقيل هو من صيد البحر فيحل أكله للمحرم وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر وأنه لا يحل للمحرم أكله في حال الإحرام فإن أصاب جرادة فعليه صدقة. قال عمر: في الجرادة تمرة. وعنه وعن ابن عباس قبضة من طعام وكذلك طير الماء فهو من صيد البر أيضاً وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح قال لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. وقال ابن أبي ليلى ومالك يباح كل ما في البحر وذهب جماعة إلى أن ماله نظير من البر يؤكل فيؤكل نظيره من حيوان البحر مثل بقر الماء ونحوه ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل كلب الماء وخنزير الماء فلا يحل أكله. قوله تعالى: {متاعاً لكم وللسيارة} يعني ينتفع به المقيمون والمسافرون فيتزودون منه. قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} ذكر الله عز وجل تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة أحدها في أول السورة وهو قوله: غير محلِّي الصيد وأنتم حرم. والثاني قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95] والثالث: هذه الآية وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً. كل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم واختلف العلماء هل يجوز للمحرم أن يأكل من لحم صيد صاده غيره فذهب قوم إلى أنه لا يحل ذلك بحال يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول طاوس وإليه ذهب الثوري واحتجوا على ذلك بما روي عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أبو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما رأى ما في وجهه من الكراهة قال: إنا لم نرده عليك إلا أنّا حرم. أخرجاه في الصحيحين وذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده بنفسه ولا صِيدَ له ولا بإشارته ولا أعان عليه. وهذا قول عمر وعثمان وأبي هريرة وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ويدل عليه ما رويحديث : عن أبي قتادة الأنصاري، قال: كنت جالساً مع رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصف نعلاً فلم يؤذنوا بي وأحبوا لو أني أبصرته فالتفتُّ، فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوني السوط والرمح. قالوا: لا والله لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت فأخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلون. ثم إنهم شكّوا في أكلهم إياه وهم حرم فرحنا وخبأت العضد فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: "هل معكم منه شيء؟" فقلت نعم. فناولته العضد فأكل منها وهو محرم.تفسير : وزاد في رواية:حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إنما هي طعمة أطعمكموها اللهتفسير : . وفي رواية: حديث : هو حلال فكلوهتفسير : . وفي رواية قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها قالوا: لا؟ قال: كلوا ما بقي من لحمها"تفسير : . أخرجاه في الصحيحين وأجاب أصحاب هذا المذهب عن حديث الصعب بن جثامة بأنه إنما رده النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ظن أنه إنما صيد لأجله والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله {واتقوا الله} يعني فلا تستحلُّوا الصيد في حال الإحرام ولا في الحرم ثم حذرهم بقوله {الذي إليه تحشرون} يعني في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.
ابن عادل
تفسير : والمرادُ بالبَحْر: جَمِيعُ المِيَاهِ، قال عُمَرُ: صَيْدُه ما اصْطِيدَ، وجَميعُ ما يُصْطَادُ من البَحْرِ ثلاثةُ أجْنَاسٍ: الحِيتَانُ وجَمِيعُ أنْوَاعِها حلالٌ، والضَّفَادِعُ وجميع أنواعها حَرَامٌ، واختلَفُوا فيما سِوَى هَذَيْنِ. فقال أبو حنيفة: إنَّه حَرَامٌ، وقال الأكثرُون: إنَّه حلالٌ لِعُمُومِ هذه الآيَة. قوله: "وطعَامُهُ": نسقٌ على "صَيْدُ"، أي: أحِلَّ لكمُ الصيدُ وطعامُهُ، فالصَّيْدُ الاصْطِيَادُ، والطَّعامُ بمعنى الإطعامِ، أي: إنه اسمُ مصدرٍ، ويُقَدَّرُ المفعولُ حينئذٍ محذوفاً، أي: إطعامُكُمْ إياه أنفسكُمْ، ويجوز أن يكون الصَّيْدُ بمعنى المَصِيد، والهاءُ في "طَعَامُهُ" تعودُ على البَحْر على هذا أي: أُحِلَّ لكُمْ مَصِيدُ البَحْرِ وطعامُ البَحْر؛ فالطعامُ على هذا غَيْرُ الصَّيْدِ وعلى هذا ففيهِ وجوهٌ: أحسنها ما ذكرهُ أبو بَكْر الصِّدِّيق، وعُمَرُ - رضي الله عنهما -: أنَّ الصَّيدَ ما صِيدَ بالْحِيلَةِ حال حَيَاتِهِ - والطَّعَامُ ما رَمَى بِهِ البَحْرُ، أو نضبَ عَنْهُ المَاءُ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةٍ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْر، وسعيدُ بنُ المُسَيَّب، ومُقَاتِلُ، والنَّخْعِي، وعِكْرِمَةُ، وقتادَةُ: صَيْدُ البَحْرِ هو الطَّرِيُّ، وطعامَهُ هُو المُمَلَّحُ مِنْهُ، وهو ضَعِيفٌ؛ لأنَّ المملَّحُ كان طَرِيّاً وصَيْداً في أوَّلِ الأمْرِ فَيَلْزَمُ التكْرَارُ. وأيضاً: فإنَّ الاصْطِيَادَ قد يَكُون للأكْل، وقد يَكُون لِغَيْرِه كاصْطِيَادِ الصَّدف لأجْلِ اللُّؤلُؤِ، واصْطِيَاد بَعْضِ الحيواناتِ البَحرِيَّة لأجل عِظَامِها وأسْنَانِهَا، فَحَصَل التَّغَايُر بين الاصْطِيَاد من البَحْرِ، وبين الأكْل مِنْ طعامِ البَحْر. رُوِيَ عن ابن عبَّاس - وابن عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَة: طَعَامُهُ ما قَذَفَهُ المَاءُ إلى السَّاحِل مَيْتاً، ويجوزُ أن تعود الهاءُ على هذا الوجهِ أيضاً على الصيْدِ بمعنى المصيدِ، ويجوز أن يكون "طعام" بمعنى مَطْعُوم، ويَدُلُّ على ذلك قراءة ابن عبَّاس وعبد الله بن الحارث: "وطَعْمُهُ" بضم الميم وسكون العين. قوله تعالى: "متاعاً لَكُمْ" في نصبه وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدر، وإليه ذهب مكي وابن عطيَّة وأبو البقاء وغيرهم، والتقدير: مَتَّعَكُمْ به متاعاً تَنْتَفِعُونَ وتَأتَدِمُونَ به، وقال مكيٌّ: لأنَّ قوله: "أُحِلَّ لَكُمْ" بمعنى أمْتَعْتُكُمْ به إمْتَاعاً؛ كقوله: {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء: 24]. والثاني: أنه مفعول من أجله، قال الزمخشريُّ: "أي: أحلَّ لكُمْ تمتيعاً لكم، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} تفسير : [الأنبياء: 72] في باب الحال؛ لأنَّ قوله "مَتَاعاً لكُمْ" مفعولٌ له مختصٌّ بالطعام؛ كما أنَّ "نَافِلَةً" حالٌ مختصٌّ بيعقوب، يعني أُحِلَّ لكم طعامُه تمتيعاً لتَنَائِكُمْ تأكلونه طَرِيًّا ولسيَّارَتِكُمْ يتزوَّدونه قديداً". انتهى، فقد خصَّصَ الزمخشريّ كونه مفعولاً له بكون الفعْلِ، وهو "أُحِلَّ" مسنداً لقوله: "طَعَامهُ"، وليس علَّةً لحِلِّ الصيدِ، وإنما هو علَّةٌ لحِلِّ الطعام فقط، وإنما حملهُ على ذلك مذهبُهُ - وهو مذهبُ أبي حنيفةَ -؛ من أنَّ صيدَ البَحْرِ مُنْقَسِمٌ إلى ما يُؤكَلُ، وإلى ما لا يُؤكَلُ، وأن طعامه هو المأكُولُ منه، وأنه لا يقع التمثيلُ إلا بالمأكُول منه طريًّا وقَدِيداً، وقوله "نَافِلَةً"، يعني أنَّ هذه الحالَ مختصةٌ بيعقوبَ؛ لأنه ولدُ ولدٍ؛ بخلافِ إسحاقَ، فإنه ولدُه لصُلْبه، والنافلةُ إنما تُطْلَقُ على ولد الولدِ، دونَ الولد، فكذا "متاعاً"، إلاَّ أنَّ هذا يؤدِّي إلى أنَّ الفعل الواحدَ يُسْنَدُ لفاعلين متعاطفَيْن [يكونُ] في إسناده إلى أحدهما معلَّلاً وإلى الآخر ليْسَ كذلك، فإذا قلت: "قَامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو إجلالاَ لَكَ"، فيجوز أن يكون "قِيَامُ زيدٍ" هو المختصَّ بالإجلال، أو بالعكْسِ، وهذا فيه إلباسٌ، وأمَّا ما أورده من الحالِ في الآية الكريمة، فَثمَّ قرينةٌ أوْجَبَتْ صرْفَ الحالِ إلى أحدهما، دون ما نحْنُ فيه من الآية الكريمة، وأمَّا غيرُ مذهبه؛ فإنه يكونُ مفعولاً له غير مختص بأحدِ المتعاطفيْنِ وهو ظاهرٌ جَلِيٌّ، و"لَكُمْ" إنْ قلنا: "مَتَاعاً" مصدرٌ، فيجوز أن يكونَ صفةً له، ويكونُ مصدراً مبيِّناً لكونه وُصِفَ، وإن قلنا: إنه مفعولٌ له، فيتعلَّقُ بفعلٍ محذوفٍ، أي: أعني لكم؛ نحو: "قُمْتُ إجْلالاً لَكَ"، ويجوز أن تكونَ اللام مقويةً لتعدية المصدر؛ إذ التقديرُ: لأنْ أمَتِّعَكُمْ، ولأنْ أجلَّكَ، وهكذا ما جاء من نظائره. فصل معنى "مَتَاعاً لَكُمْ" أي: منْفَعَةً لكم، وللسَّيَّارة يعني: المَارَّة، وجُمْلَةُ حيواناتِ الماءِ على قسْمَيْن: سمك، وغيره، أمَّا السَّمَكُ فَمَيْتَتُهُ حلالٌ مع اخْتِلاَف أنْوَاعِهَا، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ والجَرَادُ"تفسير : ، ولا فرق بين أنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ أو بِغَيْرِ سَبَبٍ. وعِنْدَ أبي حنيفةَ: لا يحلُّ إلا أن يمُوت بِسبَبٍ من وُقوع على حَجَرٍ، أو انحِسَارِ المَاءِ عَنْهُ، ونحو ذلك. وأمَّا غير السَّمكِ فَقِسْمَان: قِسْمٌ يَعيشُ في البَرِّ، كالضفْدَعِ والسَّرطان، فلا يحل أكْلُهُ. وقال مالِكٌ، وأبو مجلز، وعطاء، وسعيدُ بن جُبَيْر، وغَيْرهم: كُلُّ ما يعيشُ في البَرِّ، وله فيه حَيَاةٌ، فهو صَيْدُ البَرِّ إنْ قتلهُ المُحْرِمُ ودَاهُ، وزادَ أبو مجْلَز في ذَلِكَ الضفْدعَ، والسَّلاحِفَ، والسَّرَطَان. وقسم يعيشُ في المَاءِ، ولا يَعِيشُ في البَرِّ إلاَّ عَيْشَ المَذْبُوح، فاخْتُلِفَ فيه، فقيل: لا يَحِلُّ شيءٌ منْهُ إلاَّ السَّمَك، وهو قولُ أبِي حَنِيفَة. وقيل: إنَّ مَيْتَ المَاءِ كُلّها حَلالٌ، لأنَّ كُلَّهَا سَمَكٌ، وإن اخْتَلَفَتْ صورَتُهَا كالجرِيثِ، يُقَال: إنَّه حَيَّةُ المَاء، وهو على شَكْلِ الحَيَّةِ، وأكْلُهُ مُبَاح بالاتِّفَاقِ، وهو قولُ أبي بَكْرٍ، وعُمَر، وابنِ عبَّاسٍ، وزَيْدِ بن ثَابِت، وأبِي هُرَيْرَة، وبه قال شُرَيْحٌ، والحسنُ وعطاء، وهو قولُ مالكٍ، وظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافعي. وذهبَ قومٌ إلى أنَّ ما لَهُ نظير في البرِّ يُؤكَل، فَمَيْتَتُهُ من حيوانَاتِ البَحْرِ حلالٌ، مثل بقر الماءِ ونحْوِه، وما لا يُؤكلُ نَظِيرُهُ في البرِّ لا تَحِلُّ ميْتَتُهُ من حيواناتِ البَحْر، مثل كَلْبِ المَاءِ والخِنْزِيرِ والحِمَارِ ونحْوهَا. وقال الأوزَاعِيُّ: كلُّ شَيْءٍ عَيْشُهُ في المَاءِ فَهُوَ حلالٌ قيل: والتِّمْسَاحُ؟ قال نَعَمْ. وقال الشِّعْبِي: لَوْ أنَّ أهْلِي أكَلُوا الضَّفَادِعَ لأطعمتهم. وقال سُفْيانُ الثَّوْرِي: أرجو ألاَّ يَكُونَ بالسَّرَطَان بَأسٌ، وظاهِرُ الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَنْ أبَاحَ جَمِيعَ حَيَوانَاتِ البَحْرِ، وكذلك الحَدِيثُ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : هُوَ الطَّهُورُ ماؤهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ ". تفسير : وقوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} ذكر تعالى تَحْرِيم الصَّيْدِ على المُحْرِم في ثلاثة مواضع من هذه السُّورة، وهي قوله: {أية : غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 1] إلى قوله: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ} تفسير : [المائدة: 2]، وقوله: {أية : لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 95]، وقوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}، واتَّفَقَ المُسْلِمُون على تَحْرِيم الصَّيْدِ على المُحْرِم، وهو الحيوان الوَحْشِيُّ الذي يَحِلُّ أكلُهُ، فأمَّا ما لا يَحِلُّ أكْلُهُ، فلا يَحْرُم بالإحْرَامِ، ويَحْرُمُ أخْذُه وقَتلُهُ، ولا جَزَاء على من قَتَلَهُ، لقوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : خَمْسٌ من الدَّوَابِّ لَيْسَ على المُحْرِمِ في قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الغُرَابُ، والحدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ ". تفسير : وقال - عليه السلام -: "حديث : يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العادِي ". تفسير : وقال سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَة: الكَلْبُ العَقُورُ: كلُّ سَبُع يعْقر ومِثْلُه عن مَالِكٍ، وذهبَ أصْحَابُ الرَّأي إلى وُجُوبِ الجَزَاءِ في قَتْلِ ما لا يُؤكَل لَحْمُهُ، كالفَهْدِ، والنمرِ، والخِنْزِيرِ، ونحوها إلاَّ الأعيان المَذكُورة في الخَبَرِ، وقَاسُوا عليْهَا: الذِّئْبَ، ولَمْ يوجِبُوا فيه الكَفَّارَة. فأمَّا المُتَولِّد من المأكُولِ وغيره، فَيَحْرُمُ أكْلُهُ، ويَجِبُّ فيه الجَزَاءُ؛ لأنَّ فيه جَزَاءً من الصَّيْدِ، واختَلَفُوا في الصَّيْدِ الذي يَصِيدُه الحلالُ هل يُحَرَّمُ على المُحْرِمِ؟ فقال عليٌّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مَسْعُود، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: إنَّه حرامٌ على المُحْرِم بكُلِّ حالٍ، وهو قولُ الثَّوْرِي وإسْحَاق، لظاهِرِ الآية. ورُويَ: أنَّ الحَارِثَ كان خَليفَة عُثْمَان على الطَّائِفِ، فَصَنَعَ لِعُثْمَان طَعاماً وصنع فيه الحَجَلَ: واليَعَاقِيبَ، ولُحُومَ الوُحُوشِ، فبعَثَ إلى عليٍّ بن أبي طالبٍ، فجاءه الرَّسُولُ فقال عَلِيٌّ: أطعمُونا قُوتاً حلالاً [فإنا حُرُم]، ثم قال علي: أنْشِدُ اللَّهَ من كان هَا هُنَا مِنْ أشْجَع، أتعلَمُون أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أهْدَى إليه رجلٌ حِمَاراً وَحْشياً، وهو مُحْرِمٌ فأبَى أن يأكُلَهُ، فَقَالُوا: نعم. وقال الشَّافِعِيُّ: لَحْمُ الصَّيدِ حَلاَلٌ لِلْمُحْرِم بِشَرْط ألاَّ يَصْطَادَهُ المُحْرِم، ولا يُصْطَادُ لَهُ، كقوله - عليه السلام -: "حديث : صَيْدُ البَرِّ لَكُم حلالٌ مَا لَمْ تصيدُوهُ أوْ يُصَاد لَكُم ". تفسير : وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إذا صِيْدَ للمُحْرِمِ بغير إعانتهِ وإشارته حَلَّ له؛ لأنَّ أ "حديث : با قتادةَ اصْطَاد حِمَاراً وحشيّاً، وهو حَلاَلٌ في أصحابٍ مُحْرِمينَ، فَسَألُوا رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: فيكم أحَدٌ أَمَر أن يحْمِل عَلَيْهَا أو أشَارَ إلَيْهَا، قالوا: لا. قال: فَكُلُوا ما بَقِي مِنْ لَحْمِهَا ". تفسير : وفي رِوَايَةٍ: "حديث : "هَلْ بَقِي مَعَكُم منه شَيءٌ؟" قالوا: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فأكَلَهَا"تفسير : ، وهذا يَدُلُّ على تَخْصِيصِ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ. قوله: {ما دُمتم حُرُماً} "ما" مصدريةٌ، و"دمتم" صلتها وهي مصدريةٌ ظرفيةٌ أي: حُرِّم عليكم صيدُ البر مدةَ دوامِكم مُحْرمين. والجمهور على ضمِّ دال "دمتم" من لغة من قال: دام يدوم. وقرأ يحيى: "دِمتم" بكسرها من لغة من يقول: دام يدام كخاف يخاف، وهما كاللغتين في مات يموتُ ويمات، وقد تقدَّم [الآية 57 آل عمران]. والجمهورُ على "وحُرِّم" مبنياً للمفعول، "صيدُ" رفعاً على قيامه مقام الفاعل، وقرىء: "وحَرَّم" مبنياً للفاعل، "صيدَ" نصباً على المفعول به. والجمهورُ أيضاً على "حُرُماً" بضم الحاء والراء جمعُ "حَرام" بمعنى مُحْرِم كـ "قَذَال" و"قُذُل". وقرأ ابن عباس "حَرَماً" بفتحهما، أي: ذوي حَرَم أي إحرام، وقيل: جعلهم بمنزلة المكان الممنوع منه، والأحسنُ أن يكون من باب "رجل عدل" جعلهم نفسَ المصدرِ فإنَّ "حَرَما" بمعنى إحرام، وتقدم أن المصدر يقع للواحدِ فما فوقُ بلفظٍ واحد. والبَرُّ معروفٌ، قال الليث: "ويستعمل نكرة يقال: جلست بَرَّا، وخرجْتُ برًّا". قال الأزهري: "وهو من كلام المولدين" وفيه نظر لقول سلمان الفارسي: "إنَّ لكلِّ امرىء جَوَّانِيًّا وبَرَّانياً" أي باطنٌ وظاهرٌ، وهو من تغيير النسب، وقد تقدم استيفاء هذه المادة في البقرة [الآية 44] ثمَّ قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} والمقصُودُ مِنْهُ التَّهْديدُ، ليكون المَرْءُ موَاظِباً على الطَّاعَة مُحْتَرِزاً عن المَعْصِيَة وقدَّم "إليه" على "تُحْشرون" للاختصاص أي: تُحشرون إليه لا إلى غيره، أو لتناسُبِ رؤوس الآي.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا عاماً في كل صيد، بين أنه خاص بصيد البر فقال: {أحل لكم صيد البحر} أي اصطياده، أي الذي مبناه غالباً على الحاجة، والمراد به جميع المياه من الأنهار والبرك وغيرها {وطعامه} أي مصيده طرياً وقديداً ولو كان طافياً قذفه البحر، وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر، وما أكل مثله في البر. ولما أحل ذلك ذكر علته فقال: {متاعاً لكم} أي إذا كنتم مسافرين أو مقيمين {وللسيارة} أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من البر أو البحر، وفي تحليل صيد البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ما يبين فضلها على من كان قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء - ولله الحمد، والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل، لأن ثَمَّ أمرين: الاصطياد والأكل، والمراد بيان حكمهما، فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر، وأحل طعام البحر مطلقاً ما اصطادوه وما لم يصطادوه، سواء كانوا مسافرين أو مقيمين، وذلك لأنه لما قدَّم تحريم اصطياد ما في البر بقوله {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} تفسير : [المائدة: 95] أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك، ثم أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله: {وحرم عليكم صيد البر} أي اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلاّ فيه، وما يعيش فيه وفي البحر، فإن صيدَ للحلال حل للمحرم أكله، فإنه غير منسوب إليه اصطياده بالفعل ولا بالقوة {ما دمتم حرماً} لأن مبنى أمره غالباً في الاصطياد والأكل مما صيد على الترف والرفاهية، وقد تقدم أيضاً حرمة اصطياد مصيد البر وحرمة الأكل مما صيد منه، وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية {أية : غير محلي الصيد} تفسير : [المائدة: 1] وآية {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} تفسير : [المائدة: 95] فلا يعارضه مفهوم {ما دمتم حرماً} [المائدة: 96] وعبر بذلك ليكون نصاً في الحرمة في كل جزء من أجزاء وقت الإحرام إلى تمام التحلل - والله أعلم، ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل كسائر محظورات الإحرام. ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن الخلاص منه، وكانت حالة الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط والإعراض عن الدنيا وتمتعاتها، ختم الآية بقوله عطفاً على ما تقديره: فلا تأكلوا شيئاً منه في حال إحرامكم: {واتقوا الله} أي الذي له الأمر كله في ذلك وفي غيره من الاصطياد وغيره {الذي إليه تحشرون *} ليكون العرض عليه نصبَ أعينكم فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته. ولما كان الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة، بين تعالى حكمة ذلك وأنه كما جعل الحرم والإحرام سبباً لأمن الوحش والطير جعله سبباً لأمن الناس وسبباً لحصول السعادة دنيا وأخرى، فقال مستأنفاً بياناً لحكمة المنع في أول السورة من استحلال من يقصدها للزيارة: {جعل الله} أي بما له من العظمة وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة {الكعبة} وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة من الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه، وبيّنها مادحاً بقوله: {البيت الحرام} أي الممنوع من كل جبار دائماً الذي تقدم في أول السورة أني منعتكم من استحلال من يؤمّه {قياماً للناس} أي في أمر معاشهم ومعادهم لأنها لهم كالعماد الذي يقوم به البيت، فيأمن به الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده التجار والحجاج والعمّار فهو عماد الدين والدنيا. ولما ذكر ما به القوام من المكان، أتبعه ذلك من الزمان فقال: {والشهر الحرام} أي الذي يفعل فيه الحج وغيره يأمن فيه الخائف. ولما ذكر ما به القوام من المكان والزمان، أتبعه ما به قوام الفقراء من شعائره فقال: {والهدي} ثم أتبعه أعزَّه وأخصه فقال: {والقلائد} أي والهدي العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء، وفي الآية التفات إلى ما في أول السورة من قوله {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام} تفسير : [المائدة: 2] - فقوانينُها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له أحد ولو كان قتل ابنه، ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم يكن معه هدي وقلد نفسه من لَحاء شجر الحرم لم يعرِض له أحد حتى أن بعضهم يلقي الهدي وهو مضطر فلا يعرض له ولو مات جوعاً، وسواء في ذلك صاحبه وغيره لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها، لأنه تعالى جبل العرب على الشجاعة ليفتح بهم البلاد شرقاً وغرباً ليظهرعموم رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات، وعلم أن ذلك إن دام بهم شَغلَهم عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم، فأدى إلى فنائهم، فجعل بيته المكرم وما كان من أسبابه أماناً يكون به قوام معاشهم ومعايشهم، فكان ذلك برهاناً ظاهراً على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له الحكمة البالغة. ولما أخبر بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس، ذكر علة ذلك الجعل فقال: {ذلك} أي الجعل العظيم الذي تم أمره على ما أراد جاعله سبحانه {لتعلموا} أي بهذا التدبير المحكم {أن الله} أي الذي له الكمال كله الذي جعل ذلك {يعلم ما في السماوات} فلذلك رتبها ترتيباً فصلت به الأيام والليالي، فكانت من ذلك الشهور والأعوام، وفصّل من ذلك ما فصل للقيام المذكور {وما في الأرض} فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح الناس وكف فيه أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش، فيؤدي ذلك من له عقل رصين وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ الكلمة بحيث يستحق الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في إحلال ما أحل من الطعام وتحريم ما حرم من الشراب وغير ذلك. ولما ذكر هذا العلم العظيم، ذكر ما هو أعم منه فقال: {وأن} أي ولتعلموا أن {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً الذي فعل ذلك فتم له {بكل شيء عليم *} وإلاّ لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان، ولقد اتخذ العرب - كما في السيرة الهشامية وغيرها - طواغيت، وهي بيوت جعل لها سدنة وحجاباً وهدايا أكثروا منها، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم} قال: ما لفظه ميتاً فهو طعامه . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفاً. مثله. وأخرج أبو الشيخ من طريق قتادة عن أنس عن أبي بكر الصديق في الآية قال: صيده ما حويت عليه، وطعامه ما لفظ إليك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة. أن أبا بكر الصديق قال في قوله {أحل لكم صيد البحر وطعامه} قال: صيد البحر ما تصطاده أيدينا، وطعامه ما لاثه البحر. وفي لفظ: طعامه كل ما فيه، وفي لفظ: طعامه ميتته. وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الطفيل عن أبي بكر الصديق قال في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: صيد البحر حلال وماؤه طهور. وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي الزبير عن عبد الرحمن مولى بني مخزوم قال: ما في البحر شيء إلا قد ذكَّاه الله لكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم} قال: وطعامه ما قذف به. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قدمت البحرين، فسألني أهل البحرين عما يقذف البحر من السمك؟ فقلت لهم: كلوا، فلما رجعت سألت عمر بن الخطاب عن ذلك، فقال: بم أفتيتهم؟! قال: أفتيتهم أن يأكلوا. قال: لو أفتيتهم بغير ذلك لعلوتك بالدرة، ثم قال {أحل لكم صيد البحر وطعامه} فصيده ما صيد منه، وطعامه ما قذف. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال: صيده ما صيد، وطعامه ما لفظ به البحر، وفي رواية ما قذف به، يعني ميتاً. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق أخرى عن ابن عباس في الآية قال: صيده الطري، وطعامه المالح، للمسافر والمقيم. وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت قال: صيده ما اصطدت. وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبدالله قال: ما حسر عنه فكل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: صيده ما اضطرب، وطعامه ما قذف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس {أحل لكم صيد البحر} يعني طعامه مالحه، وما حسر عنه الماء، وما قذفه، فهذا حلال لجميع الناس محرم وغيره. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر عن حيتان ألقاها البحر، فقال ابن عمر: أميتة هي؟ قال: نعم. فنهاه، فلما رجع عبدالله إلى أهله أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى على هذه الآية {وطعامه متاعاً لكم} فقال: طعامه هو الذي ألقاه فألحقه، فمره يأكله. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي أيوب قال: ما لفظ البحر فهو طعامه وإن كان ميتاً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب قال: صيده ما اصطدت طرياً، وطعامه ما تزوّدت مملوحاً في سفرك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان قال: ما نعلمه حرم من صيد البحر شيئاً غير الكلاب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون الكردي. أن ابن عباس كان راكباً فمر عليه جراد فضربه، فقيل له: قتلت صيداً وأنت محرم؟ فقال: إنما هو من صيد البحر. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء بن يسار قال: قال كعب الأحبار لعمر: والذي نفسي بيده إن هو إلا نثرة حوت ينثره في كل عام مرتين. يعني الجراد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مجلز في الآية قال: ما كان من صيد البحر يعيش في البر والبحر فلا يصيده، وما كان حياته في الماء فذلك له. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة {متاعاً لكم} لمن كان يحضره البحر {وللسيارة} قال: السفر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد {وطعامه} قال: حيتانه {متاعاً لكم} لأهل القرى {وللسيارة} أهل الأسفار وأجناس الناس كلهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن {وللسيارة} قال: هم المحرمون. وأخرج الفريابي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس {وللسيارة} قال: المسافر يتزوّد منه ويأكل. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق طاوس عن ابن عباس في قوله {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} قال: هي مبهمة، لا يحل لك أكل لحم الصيد وأنت محرم، ولفظ ابن أبي حاتم قال: هي مبهمة صيده، وأكله حرام على المحرم. وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي المخارق قال: قلت لمجاهد: فإنه صيد اصطيد بهمذان قبل أن يحرم الرجل بأربعة أشهر. فقال: لا، كان ابن عباس يقول: هي مبهمة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحارث بن نوفل قال: حج عثمان بن عفان، فأتى بلحم صيد صاده حلال، فأكل منه عثمان ولم يأكل علي، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً}. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن. أن عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأساً بلحم الصيد للمحرم إذا صيد لغيره، وكرهه علي بن أبي طالب. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب. أن علياً كره لحم الصيد للمحرم على كل حال. وأخرج عن ابن عباس. مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر. أنه كان لا يأكل الصيد وهو محرم، وإن صاده الحلال. وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل قال: سألت الشعبي عنه فقال: قد اختلف فيه، فلا تأكل منه أحب إليَّ. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي هريرة. أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ قال: نعم. ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره، فقال: لو أفتيت بغير هذا لعلوتك بالدرة، إنما نهيت أن تصطاده. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} فجعل الصيد حراماً على المحرم صيده وأكله حراماً، وإن كان الصيد صيد قبل أن يحرم الرجل فهو حلال، وإن صاده حرام للحلال فلا يحل أكله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عبد الرحمن بن عثمان قال "كنا مع طلحة بن عبيدالله ونحن حرم، فأهدي لنا طائر، فمنا من أكل ومنا من تورع فلم يأكل، فلما استيقظ طلحة وافق من أكل وقال: أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأخرج أبو عبيد وابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: اقرأها كما تقرؤها، فإن الله ختم الآية بحرام قال أبو عبيد: يعني {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} يقول: فهذا يأتي معناه على قتله وعلى أكل لحمه. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم حديث : عن أبي قتادة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجاً فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة، فقال: خذوا ساحل البحر حتى نلتقي، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتاناً، فنزلوا فأكلوا من لحمها، فقالوا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون، فحملنا ما بقي من لحمها، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، إنا كنا أحرمنا، وقد كان أبو قتادة لم يحرم، فرأينا حمر وحش، فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا، فنزلنا فأكلنا من لحمها، ثم قلنا أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟ فحملنا ما بقي من لحمها. قال: أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: فكلوا ما بقي من لحمها ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصد لكم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال "يا زيد بن أرقم، أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردهن؟ قال: نعم.". وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بسند ضعيف حديث : عن أبي هريرة: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حج أو عمرة، فاستقبلنا رحل جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا فنقتلهن، فأسقط في أيدينا فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس بصيد البحر". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: كل شيء عاش في البر والبحر فأصابه المحرم فعليه الكفارة.
ابو السعود
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمُ} الخطاب للمُحْرمين {صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} أي ما يصاد في المياه كلها بحراً كان أو نهراً أو غديراً، وهو ما لا يعيش إلا في الماء مأكولاً أو غير مأكول {وَطَعَامُهُ} أي وما يُطْعَم من صيده، وهو تخصيص بعد تعميم والمعنى أحل لكم التعرّضُ لجميع ما يصاد في المياه والانتفاعُ به، وأكلُ ما يؤكل منه وهو السمك عندنا، وعند ابن أبـي ليلى جميعُ ما يصاد فيه، على أن تفسير الآية عنده أحل لكم صيدُ حيوانِ البحر وأن تَطْعَموه، وقرىء (وطُعْمه)، وقيل: صيدُ البحر ما صيد فيه، وطعامُه ما قذفه أو نَضَب عنه {مَتَـٰعاً لَّكُمْ} نُصِب على أنه مفعول له مختص بالطعام كما أن (نافلة) في قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } تفسير : [الأنبياء، الآية 72] حالٌ مختصة بـيعقوبَ عليه السلام، أي أحل لكم طعامه تمتيعاً للمقيمين منكم يأكلونه طرياً {وَلِلسَّيَّارَةِ} منكم يتزودونه قَديداً، وقيل: نُصب على أنه مصدر مؤكِّد لفعل مقدر، أي متّعكم به متاعاً، وقيل: مؤكد لمعنى (أُحل لكم) فإنه في قوة متّعكم به تمتيعاً كقوله تعالى: {أية : كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النساء، الآية 24] {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ} وقرىء على بناء الفعلِ للفاعل ونصْبِ (صيدَ البر)، وهو ما يُفْرِخُ فيه وإن كان يعيش في الماء في بعض الأوقات كطير الماء {مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي محرمين، وقرىء بكسر الدال من دامَ يدامُ، وظاهرُه يوجب حرمة ما صاده الحَلالُ على المُحرم وإن لم يكن له مَدْخلٌ فيه، وهو قول [ابن] عمرَ وابن عباس رضي الله عنهم. وعن أبـي هريرة وعطاءٍ ومجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبـير رضي الله عنهم أنه يحلُّ له أكلُ ما صاده الحلالُ وإن صاده لأجله إذا لم يُشِرْ إليه ولم يُدلَّ عليه، وكذا ما ذبحه قبل إحرامِه وهو مذهبُ أبـي حنيفة، لأن الخِطاب للمحرمين، فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صِدتُّم في البر فيَخرُج منه مَصيدُ غيرهم، وعند مالك والشافعي وأحمد لا يباح ما صِيدَ له {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما نهاكم عنه أو في جميع المعاصي التي من جملتها ذلك {ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} لا إلى غيره حتى يُتَوهَّمَ الخلاصُ من أخذه تعالى بالالتجاء إليه.
القشيري
تفسير : حُكْمُ البحرِ خِلافُ حُكْم البر. وإذا غرق العبدُ في بحار الحقائق سَقَطَ حكمه، فصيد البحر مباح له لأنه إذا غرق صار محواً، فما إليه ليس به ولا منه إذ هو محوٌ، واللهُ غالِبٌ على أمره.
اسماعيل حقي
تفسير : {احل لكم} الخطاب للمحرمين {صيد البحر} اى ما يصاد فى المياه كلها بحراً كان او نهراً او غديرا وهو ما لا يعيش الا فى الماء مأكولا كان او غير مأكول فما يعيش فى البر والبحر كالبط والضفدع والسرطان والسلحفاة وجميع طيور الماء لا يسمى صيد البحر بل كل ذلك صيد البر ويجب الجزاء على قاتله. قال الامام جميع ما يصطاد فى البحر ثلاثة اجناس. السمك وجميع انواعه حلال. والضفادع وجميع انواعها حرام واختلفوا فيما سوى هذين الجنسين. فقال ابو حنيفة انه حرام. وقال الاكثرون انه حلال لعموم هذه الآية. وقال محيى السنة جملة حيوانات الماء على قسمين سمك وغيره. اما السمك فميتته حلال مع اختلاف انواعها قال النبى عليه الصلاة والسلام "حديث : احلت لنا ميتتان السمك والجراد " .تفسير : ولا فرق بين ان يموت بسبب او بغير سبب وعند ابى حنيفة يحل الا ان يموت بسبب من وقوع على حجر او انحسار الماء عنه ونحو ذلك. واما غير السمك فقسمان قسم يعيش فى البر كالضفدع والسرطان ولا يحل اكله وقسم يعيش فى الماء ولا يعيش فى البر الا عيش المذبوح فاختلف فيه فذهب قوم الى ان لا يحل شىء منها الا السمك وهو قول ابى حنيفة وذهب قوم الى ان ميتة الكل حلال لان كلها سمك وان اختلف صورها كالجريث يقال له حية الماء لكونه على شكل الحية واكله مباح بالاتفاق {وطعامه} اى طعام البحر وهو ما قذفه البحر ولفظه او نضب عنه الماء اى غار وبقى هو فى ارض يابسة فيؤخذ من غير معالجة فى اخذه. وقال المولى ابو السعود {وطعامه} اى ما يطعم من صيده وهو تخصيص بعد التعميم والمعنى احل لكم التعرض لجميع ما يصاد فى المياه والانتفاع به انتهى {متاعا لكم} نصب على انه مفعول له. قال المولى ابو السعود مختص بالطعام كما ان نافلة فى قوله تعالى {أية : ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة} تفسير : [الأنبياء: 72]. حال مختصة بيعقوب اى احل لكم طعامه تمتعا للمقيمين يأكلونه طريا {وللسيارة} منكم يتزودونه قديدا {وحرم عليكم صيد البر} وهو ما يفرخ فيه وان كان يعيش فى الماء فى بعض الاوقات كطير الماء {ما دمتم حرما} ما مصدرية ظرفية اى مدة دوامكم محرمين لا خلاف فى الاصطياد انه حرام على المحرم فى البر فاما عين الصيد فظاهر الآية يوجب حرمة ما صاد الحلال على المحرم وان لم يكن له مدخل فيه لكن مذهب ابى حنيفة انه يحل له ما صاده الحلال وان صاده لاجله اذا لم يشر اليه ولم يدل عليه وكذا ما ذبحه قبل احرامه لان الخطاب للمحرمين وكأنه قيل حرم عليكم ما صدتم فى البر فيخرج منه مصيد غيرهم {واتقوا الله} فيما نهاكم عنه من جميع المعاصى التى من جملتها اخذ الصيد فى الاحرام {الذى اليه تحشرون} لا الى غيره حتى يتوهم الخلاص من اخذه تعالى بالالتجاء اليه كما قال تعالى {أية : إلى ربك يومئذ المساق} تفسير : [القيامة: 30]. اى المنتهى والمرجع بسوق الملائكة الى حيث امرهم الله اما الى الجنة واما الى السعير وفى الحديث "حديث : من اشتاق الى الجنة سارع الى الخيرات ومن اشفق من عذاب جهنم كف نفسه عن المحرمات ومن زهد فى الدنيا هانت عليه المصيبات" تفسير : ومن اراد سهولة الموت فليبادر الى الخيرات فمن لم يترك شهوة لم يرض عنه ربه بطاعته ومن لم يتق الله فى سره لم ينتفع بما ابداه من علامة التقوى: وفى المثنوى شعر : كافرم من كرزيان كردست كس درره ايمان وطاعت يكنفس كار تقوى دارد ودين وصلاح كه بدان باشد بدوعالم فلاح تفسير : والاشارة فى الآية {أحل لكم} ايها المستغرقون فى بحر الحقائق {صيد البحر} ما تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدات والكشوف {وطعامه متاعا لكم وللسيارة} يعنى تشبعون بما يرد عليكم من وارد الحق وتجلى الصفات كما قال عليه السلام "حديث : ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى " .تفسير : وتطعمون منه السائرين الى الله من اهل الارادة كقوله تعالى {أية : فكلوا منها واطعموا البائس الفقير} تفسير : [الحج: 28]. وهذا حال المشايخ واهل التربية من العلماء الراسخين {وحرم عليكم} ايها الطلاب {صيد البر} وهو ما سنح فى اثناء السير الى الله من مطالب الدنيا والآخرة كما قال عليه السلام "حديث : الدنيا حرام على اهل الآخرة والآخرة حرام على اهل الدنيا وكلتاهما حرامان على اهل الله" تفسير : {ما دمتم حرما} اى ما دمتم محرمين الى كعبة الوصول متوجهين الى حضرة الوصال فان حكم المتوجه ينافى حكم الواصل الكامل لان من وصل صار محوا والمتوجه صاح وبون بين الصاحى والماحى فان افعال الصاحى به ومنه واحوال الماحى ليست به ولا منه والله غالب على امره فبى يسمع وبى ينطق وبى يبطش ولهذا قال تعالى {أية : وإذا حللتم فاصطادوا} تفسير : [المائدة: 2]. اى اذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الاصول سقط عنكم كلف المحرمين ومؤونات المسافرين وثبت لكم لزوم العاكفين واحكام الطائفين كما قال {أية : واتقوا الله الذى إليه تحشرون} تفسير : [المائدة: 96]. يعنى اتقوا بالله الذى اليه تجمعون وتصلون عما سواه لكيلا تحوروا بعدما تكوروا نعوذ بالله من الحور بعد الكور. كذا فى التأويلات النجمية المسماة ببحر الحقائق اللهم افض علينا من بركات اوليائك وادر علينا من كاسات احبائك واودائك.
الطوسي
تفسير : قال ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والسدي، ومجاهد: الذي أحل من هذه الآية من صيد البحر الطري منه وأما العتيق فلا خلاف في كونه حلالا، واذا حل صيد البحر حل صيد الانهار، لأن العرب تسمى النهر بحراً. ومنه قوله {أية : ظهر الفساد في البر والبحر}تفسير : والاغلب على البحر هو الذي يكون ماؤه ملحا لكن اذا اطلق دخل فيه الانهار بلا خلاف. وقوله {وطعامه} يعني طعام البحر وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال أبو بكر وعمر، وابن عباس وابن عمر، وقتادة هو ما قذف به ميتا. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد وابراهيم بخلاف عنه انه المملوح، واختار الرماني الاول. وقال لأنه بمنزلة ما صيد منه وما لم يصد منه فعلى هذا تصح الفائدة في الكلام والذي يقتضيه ويليق بمذهبنا القول الثاني، فيكون قوله {صيد البحر} المراد به ما أخذ طرياً. وقوله {وطعامه} ما كان منه مملوحا، لأن ما يقذف به البحر ميتاً لا يجوز عندنا أكله لغير المحرم ولا للمحرم. وقال قوم معنى {وطعامه} ما نبت بمائة من الزرع والثمار حكاه الزجاج. وقوله {متاعا لكم وللسيارة} نصب متاعا على المصدر لان قوله {أحل لكم} يدل على انه قد متعهم متاعا وقال ابن عباس والحسن وقتادة معناه منفعة للمقيم والمسافر. وقوله {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} يقتضي ظاهره تحريم الصيد في حال الاحرام وأكل ما صاده غيره، وبه قال علي (ع) وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير، وقال عمر وعثمان والحسن، لحم الصيد لا يحرم على المحرم اذا صاده غيره، ومنهم من فرق بين ما صيد وهو محرم وبين ما صيد قبل احرامه. وعندنا لا فرق بينهما والكل محرم، والصيد يعبر به عن الاصطياد فيكون مصدراً ويعبر به عن المصيد، فيكون اسماً. ويجب أن تحمل الآية على تحريم الجميع. وقوله {واتقوا الله الذي إليه تحشرون} أمر منه تعالى بان يتقي جميع معاصيه ويجتنب جميع محارمه من الصيد في الاحرام وغيره، لأن اليه الرجوع في الوقت الذي لا يملك أحد فيه الضرر والنفع سواه، وهو يوم القيامة فيجازي كلاً بعمله: المحسن على إِحسانه والمسيء على اساءته.
الجنابذي
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} مطلقاً حال الاحرام وغيره والضّمير فى طعامه للصّيد او للبحر {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فى مخالفة أمره ونهيه لانّ حشركم يكون اليه.
الهواري
تفسير : قوله: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ}. ذكر عمرو عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً أن يصيد المحرم الحيتان. وسئل الزهري عن ذلك فقال: لا بأس به. قوله: {وَطَعَامُهُ} يعني بطعامه ما قذف وكان ابن عمر يقول ذلك. قوله: {مَتَاعاً لَّكُمْ} أي بلاغاً لكم {وَلِلسَّيَّارَةِ} أي للمسافرين. قال بعضهم: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} هو السمك المملوح الذي يتزوّده الناس لأسفارهم. قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. ذكروا عن أبي هريرة أنه قال: استفتاني قوم بالبحرين على لحم صيد صاده حلال، أيأكله المحرم؟ فأفتيتهم بأكله. فبلغ ذلك عمر بن الخطاب. فلما قدمت قال لي، ما أفتيت به القوم، فأخبرته، فقال: لو أفتيت بغير هذا لأوجعتك ضرباً؛ وقال: إنما يحرم عليك صيده، أي: أن تصيده. ذكروا أن عثمان بن عفان لما نزل بقديد أوتي بالحجل في الجفان، فقال: كلوا، ولم يأكل وقال: لولا أظن أنه صِيدَ من أجلي أو أميت من أجلي لأكلته. ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : صيد البر لكم حلال إلا ما صدتم أو صيد لكمتفسير : . يعني في الإِحرام. ذكروا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه أعرابي بيضات نعام و [رجل] حمار وحشي فقال:أطعمهم أهلك فإنا قوم حُرُم . تفسير : ذكر عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكرهه ويقول: هي مبهمة، أي قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً}.
اطفيش
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ}: يا أيها المجرمون بحجة أو عمرة أو بهما. {صَيْدُ البَحْرِ}: الصيد هنا ليس بالمعنى المصدرى، بل بمعنى الحيوان الذى يصاد من البحر كما أضافه للبحر، أى أحل لكم أكل صيد البحر، والبحر ما يغرق ويلتحق به كل ماء ولو قل، فان ما يعيش فى الماء ولا يعيش فى غيره حلال سواء قل الماء الذى خلق فيه أو كثر، وكل حيوان البحر والماء حلال ولو بصورة الانسان أو صورة الخنزير أو الكلب ونحو ذلك مما يحرم، أو يكره لحديث: "حديث : هو الطهور ماؤه والحل ميتته"تفسير : وزعم أبو حنيفة أنه لا يحل منه الا السمك، وقيل: يحل السمك وما يؤكل نظيره فى البر، ويكره ما يكره نظيره فى البر، ويحرم ما يحرم نظيره فى البر، وقال أحمد: يؤكل كل ما فى البحر الا الضفدع والتمساح لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. {وَطَعَامُهُ}: أى طعام البحر: وهو ما يقذفه البحر للبر ميتا مما يعيش فيه وحده، وما طفا منه على الماء ميتاً، وما جزر عنه البحر، وما انشقت الأرض عنه الماء، وما تحت الماء ميتاً، والضابط ما مات منه بلا اصيطاد، وما روى عن أبى بكر وعمر وابن عمر وأبى أيوب وقتادة: أن طعامه ما رقى به الى الساحل تمثيل لا قيد، وخصوه بالذكر، لأنه المذكور فى حديث: وجد الصحابة فى غزوة سمكاً كالضرب بساحل البحر اقبلوا منه، ولما وردوا المدينة أخبروه صلى الله عليه وسلم فأباحه وأعطوه منه وأكل وهو حديث مشهور فى صحيح الربيع بن حبيب وغيره. وقال أبو حنيفة: لا يحل ما مات منه بلا سبب فما كان بسبب كالوقوع على حجر، وزوال الماء عنه حل، وقيل: لا يحل الا ما صيد وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والسدى ورواية عن ابن عباس، والصحيح عنه ما سبق. وعلى المنع فصيد البحر طرى السمك، وطعامه مالحه، وقيل: صيد البحر مصدر، وطعامه بمعنى أكله وهاءه عائدة على المضاف المحذوف، أى أحل لكم صيد حيوان البحر وأكله، أو على الصيد بمعنى المصيد على طريق الاستخدام، ويجوز ابقاؤه على غير المصدرية كما مر، أى أحل لكم حيوان البحر وأكله، فيكون ذكره تمهيداً لذكر أكله بعد، والمراد أحل أكله أو قدمه تعميماً أى أحل لكم حيوان البحر على كل جهة لا تمنعون منه فيعم صيده وبيعه، والتلبس به مع بقاء الطهارة لا ينجس دمه، وهكذا وذكر بعضهم أحاديث محرم الطافى، واختلفوا فى الجراد فقيل: من البحر فيحل أكله للمحرم، وقيل: هو نثر الحوت وهو من الحديث، والجمهور على المنع وهو الصحيح وفى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذبح الله لكم جميع ما فى البحر فما فى البحر حلال وجد حياً أو ميتاً " تفسير : وقرىء وطعمه. {مَتَاعًا لَكُمْ}: اسم مصدر منصوب على التعليل، وناصبه أحل أى أحل الله لكم صيد البحر وأنتم حرم تمتيعاً لكم، واللام للتقوية أو متعلقة بمحذوف نعت لمتاعاً، ويجوز أن يكون متاعاً بمعنى تمتعا اسم مصدر مفعولا مطلقاً أى تتمتعون به تمتعاً ولكم نعت. {وَلِلسَّيَّارَةِ}: الذين يسيرون منكم فى الأرض مسافرين يتزودونه قديدا، والقديد اللحم الذى يقطع للادخار قطعاً صغاراً أو كباراً، فاللحم الذى نقطعه فى مزاب على عرفنا ونخصه باسم اللحمات هو من جملة ما يسمى قديداً، من القد بمعنى القطع، وقد تزود موسى عليه السلام الحوت فى مسيره الى الخضر. {وَحُرِّمَ عَلَيْكُم صَيْدُ البَرِّ}: حيوان البر المتوحش، أو اصطياد حيوان البر أعنى أن الصيد بمعنى ما يصاد أو بمعنى المصدر، فعلى الأول يقدر مضاف أولا أى حرم عليه اصطياد صيد البر، وعلى الثانى يقدر فعل أى وحرم عليكم صيد حيوان البر، ويجوز أن تجعل الاضافة ظرفية بمعنى فى أى الصيد فى البر وكذا صيد البحر. {مَا دُمتُمْ حُرُمًا}: محرمين بحج أو عمرة أو بهما، ولا يصح أن يجعل حرماً جمع محرم بمعنى داخل الحرم، اذ لا يحل صيد الحرم لمن خرج منه، مثل أن يصاد صيد فى الحرم فلا يأكله من فى الحرم ولا من فى الحل، ثم ان قلنا: الصيد بمعنى ما يصاد فلا يحل للمحرم أن يأكل ما صاد محرم آخر، ولا ما صاد محل لنفسه أو له أو لغيرهما بأمره أو بغير أمره، ولا ما صادت جارحته بأمره أو بدون أمره مات أو حيى، وهو مذهبنا. وان قلنا: الصيد مصدر حل للمحرم ما صاد محل بلا أمره ولا قصد فى صيده له أو صاده محل لغيره، روى جابر بن عبد الله عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادوه أو يصد لكم "تفسير : وأما ما صادوه محرم فلا يحل له، ولا لمحرم آخر ولا لمحل ولو لم يصده، لما روى أن عمر رضى الله عنه لا يرى بأساً للمحرم أن يأكل ما صاده حلال لنفسه، أو لحلال مثله، وروى هذا أيضاً عن عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وصححوه وهو قول مالك والشافعى وأحمد، وقيل: ان النبى صلى الله عليه وسلم أكل من حمار الوحش الذى صاده أبو قتادة وهو غير محرم، والنبى صلى الله عليه وسلم محرم. قال أبو هريرة: استفتانى قوم بالبحرين على لحم صيد صاده حلال أيأكله محرم؟ فأفتيتهم بأكله، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلما قدمت قال لى: ما أفتيت به القوم؟ فأخبرته، فقال: لو أفتيت بغير ذلك لأوجعتك ضرباً، وقال انما يحرم عليك صيده أى أن يصيده، يعنى وان صيد لك فكأنك صدته أيضا، ولما نزل عثمان بن عفان بقديد أتى بالحجل فى الجفان فقال: كلوا ولم يأكلوا، وقال: لولا أنى أظن أنه صيد من أجلى أو أميت من أجلى لأكلته، واهدى أعرابى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيضات نعام وحمير وحش، فقال: "حديث : أطعمهم أهلك وانا قوم حرم ". تفسير : وروى عن عمر، وابن عباس: أنهما حرما على المحرم ما صيد مطلقاً من البر، ولو صاده غيره ولم يصده له، ولو صاده محل وبه قال طاووس والثورى، وروى عن أبى هريرة، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير: أنهم أجازوا للمحرم أكل ما صاده الحلال، ولو صاده لأجله اذا لم يدل عليه، ولم يشر ولم يأمر، وكذا ما ذبحه قبل احرامه بأن أراد الاحرام وأخره حتى يصيد ويذبح، أو حتى يذبح ما وجد من صيد، ويدل لقول من قال: للمحرم ما لم يصد هو، ولو صيد له قوله تعالى: {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم }. تفسير : وقصة أبى قتادةحديث : أنه رأى حماراً وحشياً ومعه أصحاب له محرمون وهو غير محرم، فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه رمحه فأبوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: "كل مما بقى منه "تفسير : وفهموا أن اصطاده لهم، ومع ذلك أكلوا وأجازه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ لم يأمروه ولم يعينوه، ولو أعانوه ولو بمناولة رمح له لم يحل لهم، وفيه جواز أكل المحرم مما صاده قبل احرامه، وذبحه قبل احرامه، فان هذا هو المتبادر من قوله: "حديث : كل مما بقى منه "تفسير : ويحتمل أنه سأله قبل احرامه. ولفظ البخارى عن أبى قتادة الأنصارى:حديث : كنت جالساً مع رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى منزل فى طريق مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حماراً وحشياً وانا مشغول أخصف نعلا، فلم يأذنوا لى، وأحبوا لو أنى أبصرته فالتفت فأبصرته، فقمت الى الفرس فأسرجته، ثم ركبته ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولونى السوط والرمح، قالوا: لا والله لا نعينك عليه، فغضبت فنزلت فأخذتهما فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به قد مات فوقعوا فيه يأكلون، ثم انهم شكوا فى أكلهم اياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد، فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: "أمعكم منه شىء" فقلت نعم، فناولته العضد فأكل منها وهو محرم . تفسير : وفى رواية: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: "انما هى طعمة أطعمكموها الله"تفسير : وفى رواية: "حديث : هى حلال فكلوه " تفسير : وفى رواية:حديث : قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل منكم من أحد أمره أن يحمل عليه؟" وأشار اليها قالوا: لا، قال: "كلوا ما بقى من لحمها"تفسير : وأنا لما أطلقت على قول عثمان أنى امتنعت من أكل ما قدم الى من لحم الحجل مخافة أن يكون قد صيد من أجلى، وقع فى قلبى من كلام عثمان أن النبى صلى الله عليه وسلم لعله رد الحمار الذى أهدى اليه بالأبواء، لأنه ظن أنه صيد له، ثم رأيت والحمد لله النص على أنه رده لأنه يظن أنه صيده من أجله، ويقوى ذلك أنه أهدى اليه، بخلاف قصة أبى قتادة فلا ظن له فى ذلك، لأنه صاد وأكلوا، وبعد ذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعطاه الا عضداً قد خبأه، ولم يظن النبى صلى الله عليه وسلم أنه صيد له، ولا يلزم من تخبية العضد أنه قد خبأه له صلى الله عليه وسلم، ولو خبأه له صلى الله عليه وسلم على تقدير أن يجيب سؤالهم بالحل لم يلزم أن يكون قصد بصيده حين صاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقصة صيد الأبواء: حديث : أن الصعب بن جثامة الليثى، أهدى للنبى صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً بالأبواء، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما رأى ما فى وجهه أى من الكراهة قال: انا لم نرده عليك الا أنا حرمتفسير : ، والحديث فى صحيح الربيع، الا أنه لم يذكر اسم الصائد وفى رواية بالأبواء أو بودان شك الراوى. ويدل لكون ما صيد لغير المحرم يحل للمحرم أكله ما رواه الربيع ابن حبيب، عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس رحمهم الله:حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد مكة وهو محرم حتى اذا بلغ الروحاء اذا حمار وحشى عقير، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "دعوه يوشك أن يأتيه صاحبه" فأتى النهدى وهو صاحبه فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاقتفسير : ، وقرىء بكسر دمتم على أنه من دام يدام كخاف يخاف. {وَاتَقُوا اللهَ}: فى الصيد حال الاحرام وفى الحرم، فانه عقابه على ذلك شديد، واتقوه فى المعاصى كلها، أكد الله جل وعلا الصيد على المحرم بذكره أول السورة: {أية : غير محلى الصيد وأنتم حرم } تفسير : وقوله جل وعلا: {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم }تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} مع كثرة الوعيد كقوله: {أية : ومن عاد فينتقم الله منه } تفسير : وقوله: {وَاتَقُوا اللهَ}. {الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: تبعثون فيعاقبكم على الصيد وغيره من المعاصى.
اطفيش
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ} كل ما فيه من حيوان ولو أَشبه بالخنزير أَو الإِنسان، وهو مالا يحيا إِلا بالماء ولو فى الحرم، مثل أَن يخلق الله الحوت في بركة أَو ماء مجتمع فيه، وذلك كله داخل في الآية كأَنه قيل أحل لكم هذا النوع الذى يكون في البحر سواء كان فيه أَو فى غيره مما لا يعيش إِلا فى الماء، وأَما ما يعيش فيه وفى غيره مثل الضفدع والبط والأَوز والسلحفاة فلا يحل صيده ففيه الجزاء، وقال أَبو حنيفة: لا يحل للمحرم من البحر إِلا ما يسمى سمكاً أَو حوتاً بأَنواعه، أَو أَشبه حيوان البر التى يحل أَكلها وليس كذلك، لأَن الآية عامة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو الطهور ماؤه والحل ميتته"تفسير : ، وقوله: "حديث : كل ما فى البحر مذكى"تفسير : عامان، والصيد بمعنى الحيوان البحرى أَو بمعنى الاصطياد، وعليه فاضافة صيد إلى البحر مجاز عقلى لأَن البحر لا يصاد بل يصاد فيه ومنه، أَو يقدر مضاف أَى صيد حى البحر، وسائر المياه كالبحر، وقيل: ما كان من البحر أَو الماء شبه الطير أَو الآدمي أَو غير ذلك مما ليس على صورة الحوت لا يجوز وهو ضعيف {وَطَعَامُهُ} أَى طعام البحر، وهو ما مات من حيوانه فيه وطفا أَو لم يطف، فالهاء للبحر، أَو جزر عنه البحر أَو أَلقاه الموج في البر، ويجوز أَن يكون طعام مصدر طعم يطعم بمعنى أَكل على غير قياس الثلاثى المتعدى فالهاء للصيد بمعنى المصيد، أَى أُحل لكم مصيده وأَكله، أَو أَن تصطادوا ما فيه وأَن تأْكلوه، وقيل: صيد البحر الطرى وطعامه المملوح، وهو ضعيف لأَن ما حل لا يحرم بقدمه إلا لعلة حادثة مثل الإِسكار والإِضرار، فالمملوح داخل في حل السمك، وكذا ما مات بلا صيد لا يحرم بالقدم {مَتَاعاً} تعليل لقوله أحل أَى تمتيعاً أَو مفعول مطلق أَى متعكم به تمتيعاً {لَكُمْ} فمتاعاً اسم مصدر بخلاف طعام فإِنه لا حاجة إِلى جعله اسم مصدر مع الاستغناء عنه بجعله مصدراً على خلاف القياس مع ما فى دعوى كونه اسم مصدر من التكلف لا حتياجه إِلى أَن يقدر إِطعامكم إِياه أَنفسكم {وَلِلسَّيَّارةِ} يتزودونه قديداً كما تزوده موسى إلى الخضر {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ} أَى وحشه فالصيد بمعنى ما يصاد، فالوحش حرام على المحرم صاده هو أَو محرم آخر، وصاده من ليس محرماً سواء صيد للمحرم أَو لغيره، أَو بمعنى الاصطياد فيحرم على المحرم الاصطياد ويحل له ما صاده غيره، ولو صاده له ما لم يعنه على اصطياده بسلاح أَو غيره، والصحيح أَنه إِذا صيد للمحرم حرم عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صيد البحر حلال لكم مالم تصيدوه أَو يُصدكم"تفسير : . ويروى أَن أَبا قتادة رأَى حماراً وحشياً ومعه أصحاب له محرومون وهو غير محرم فاستوى على فرسه فسأَل أَصحابه أَن يناولوه رمحاً فأَبوا فأَخذه ثم شد على الحمار فقتله فأَكل منه بعض أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : كل ما بقى منهتفسير : ، وهو قول يدل على إِباحة من صاده الحلال للمحرم إِن لم يعنه المحرم بشيءٍ ولم يشره له ولم يخبره به، فقلت، لا يدل على ذلك لأَنه فى الحديث أَنه صاده لهم، وذلك مذهب الجمهور، وقال غيرهم، لا يحل للمحرم ولو صيد لغيره، وفى البخارى ومسلم عن أَبى قتادة الأنصارى: كنت جالساً مع أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزل فى طريق مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أَمامنا والقوم محرمون وأَنا غير محرم، وذلك عام الحديبية، فأَبصروا حماراً وحشياً وأَنا مشغول أَخصف النعل ولم يؤذنوني وأَحبوا لو أَبصرته فالتفت فأَبصرته، فقمت إِلى الفرس فأَسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوهما لى، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت فأَخذتهما ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات فوقعوا فيه يأكلون، ثم إِنهم شكوا في أَكلهم إِياه وهم حرم فرحنا وخبأَت العضد، فأَدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأَلته عن ذلك فقال: حديث : هل معكم منه شئ؟ تفسير : فقلت: نعم، فناولته العضد فأَكل منها وهو محرم، وقال لهم: حديث : إِنما هى طعمة أَطعمكموها اللهتفسير : ، وفى رواية حديث : هو حلال فكلوهتفسير : ، وفى رواية: حديث : هل منكم أَحد أَمره أَن يحمل عليه؟ تفسير : وأَشار إِليه، قالوا: لا، قال: حديث : كلوا ما بقى من لحمهتفسير : . وروى أَن الصعب بن جثامة أَهدى إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش، وفى رواية من لحم حمار وحشى، وفى رواية حمار وحشى يقطر دما بالأَبواء أَو بودان فرده فرأَى كراهة في وجهه فقال: لم نرده عليك إِلا أَنا محرمون. وعن أَبى هريرة وعائشة وطلحة وعمر: يحل للمحرم أَكل ما صاده المحل، ولو صاده له ما لم يعنه ولم يدله عليه، ولم يعنه بشئ ولم يأمره، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : لحم الصيد حلال للمحرم ما لم يصده أَو يُصد له تفسير : {مَا دُمْتُمْ حُرُماً} محرمين، أَو كائنين في الحرم ولو كنتم حلالا، ولا يحل للمحرم صيد الأَسد ونحوه مما يحرم أَكله أَو يكره على الخلاف في حله أَوحرمته أَوكراهته، فإن صاده أَو عقره فعليه الجزاءُ، وقيل لم يشمله الصيد ولا جزاءَ عليه، ويحرم على المحرم الوحش المستأْنس، وقيل: لا يحل له ما حيى في البحر من الوحش، وقيل: لا، ويحل له ما حيى في البر من الحوت {وَاتَّقُوا اللهَ} في تحريم صيد البحر على المحرم، أَو فى الحرم، وفى استباحة صيد الحرم واستباحة صيد الحل لمحرم، وفى جميع الجائزات والمحرمات إِفراطاً أَو تفريطاً {الَّذِي إِلَيْه} لا إِلى غيره {تُحْشَرُونَ} فلا ملجأَ لكل منه.
الالوسي
تفسير : {أُحِلَّ لَكُمُ} أيها المحرمون {صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } أي ما يصاد في الماء بحراً كان أو نهراً أو غديراً وهو ما يكون توالده ومثواه في الماء مأكولاً كان أو غيره كما في «البدائع». وفي «مناسك الكرماني» الذي رخص من صيد البحر للمحرم هو السمك خاصة وأما نحو طيره فلا رخصة فيه له والأول هو الأصح {وَطَعَامُهُ } أي ما يطعم من صيده وهو عطف على {صَيْدُ } من عطف الخاص على العام. والمعنى أحل لكم التعرض لجميع ما يصاد في المياه والانتفاع به وأكل ما يؤكل منه وهو السمك عندنا وعند ابن أبـي ليلى الصيد والطعام على معناهما المصدري وقدر مضافاً في صيد البحر وجعل ضمير {طَعَامِهِ } راجعاً إليه لا إلى البحر أي أحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه وتأكلوه فيحل عنده أكل جميع حيوانات البحر من حيث إنها حيواناته، وقيل: المراد بصيد البحر ما صيد ثم مات وبطعامه ما قذفه البحر ميتاً، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر وقتادة قيل: المراد بالأول: الطري وبالثاني: المملوح. وسمي طعاماً لأنه يدخر ليطعم فصار كالمقتات به من الأغذية وروي ذلك عن ابن المسيب وابن جرير ومجاهد وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وفيه بعد. وأبعد منه كون المراد بطعامه ما ينبت بمائه من الزروع والثمار. وقرىء {وطعمه}. {مَتَـٰعاً لَّكُمْ } نصب على أنه مفعول له لأحل أي تمتيعاً. وجعله في «الكشاف» مختصاً بالطعام كما أن {نَافِلَةً } في باب الحال من قوله تعالى: { أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } تفسير : [الأنبياء: 72] مختص بيعقوب عليه السلام. والذي حمله على ذلك كما قال الشهاب مذهبه وهو مذهب إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه من أن صيد البحر ينقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وأن طعامه هو المأكول منه إلا أنه أورد عليه أنه يؤدي إلى أن الفعل الواحد المسند إلى فاعلين متعاطفين يكون المفعول له المذكور بعدهما لأحدهما دون الآخر كقام زيد وعمرو إجلالاً لك على أن الإجلال مختص بقيام أحدهما وفيه إلباس. وأما الحال في الآية المذكورة فليست نظيرة لهذا لأن فيه قرينة عقلية ظاهرة لأن النافلة ولد الولد فلا تعلق لها بإسحٰق لأنه ولد صلب لإبراهيم عليهما السلام. وعلى غير مذهب الإمام لا اختصاص للمفعول له بأحدهما وهو ظاهر جلي. وقيل: نصب على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر أي متعكم به متاعاً، وقيل: مؤكد لمعنى {أَحَلَّ } فإنه في قوة متعكم به تمتيعاً كقوله: { أية : كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النساء: 24] وقيل وليس بشيء: إنه حال مقدرة من طعام أي مستمتعاً به للمقيمين منكم يأكلونه طرياً {وَلِلسَّيَّارَةِ } منكم يتزودونه قديداً وهو مؤنث سيار باعتبار الجماعة كما قال الراغب. {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ } وهو ما توالده ومثواه في البر مما هو ممتنع لتوحشه الكائن في أصل الخلقة فيدخل الظبـي المستأنس ويخرج البعير والشاة المتوحشان لعروض الوصف لهما، وكون زكاة الظبـي المستأنس بالذبح والأهلي المتوحش بالعقر لا ينافيه لأن الذكاة بالذبح والعقر دائران مع الإمكان وعدمه لا مع الصيدية وعدمها. واستثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً ففي «الصحيحين» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول / الله صلى الله عليه وسلم « حديث : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحدأة » تفسير : وقد تقدم ما في رواية لمسلم وجاء تسميتهن فواسق، وفي «فتح القدير» ويستثنى من صيد البر بعضه كالذئب والغراب والحدأة وأما باقي الفواسق فليست بصيود. وأما باقي السباع فالمنصوص عليه في ظاهر الرواية عدم الاستثناء وأنه يجب بقتلها الجزاء ولا يجاوز شاة إن ابتدأها المحرم وإن ابتدأته فلا شيء عليه وذلك كالأسد والفهد والنمر والصقر والبازي، وأما صاحب «البدائع» فيقسم البري إلى مأكول وغيره، والثاني: إلى ما يبتدىء بالأذى غالباً كالأسد والذئب والنمر وإلى ما ليس كذلك كالضبع والفهد والثعلب فلا يحل قتل الأول والأخير إلا أن يصول ويحل قتل الثاني ولا شيء فيه وإن لم يصل، وجعل ورود النص في الفواسق وروداً فيها دلالة ولم يحك خلافاً، لكن في «الخانية»: وعن أبـي يوسف الأسد بمنزلة الذئب. وفي ظاهر الرواية السباع كلها صيد إلا الكلب والذئب؛ ولعل استثناء الذئب لذكره في المستثنيات على ما أخرجه أبو شيبة والدارقطني والطحاوي وقيل: لأنه المراد بالكلب العقور في الخبر السابق، وقيل: لأنه بمعناه فيلحق به دلالة. وأما الكلب فقد جاء استثناؤه في الحديث إلا أنه وصف فيه بالعقورية، ولعل الإمام إنما يعتبر الجنس. ونظر فيه بأنه يفضي إلى إبطال الوصف المنصوص عليه. وأجيب بأنه ليس للقيد بل لإظهار نوع إذائه فإن ذلك طبع فيه، وقال سعدي جلبـي: لو صح هذا النظر يلزم اعتبار مفهوم الصفة بل سائر المفاهيم وهو خلاف ما في أصولنا، وأما كون السباع كلها صيداً إلا ما استثني ففيه خلاف للشافعي رضي الله تعالى عنه أيضاً فعنده هي داخلة في الفواسق المستثنيات قياساً أو ملحقة بها دلالة أو لأن الكلب العقور يتناولها لغة. وأجاب بعض الأصحاب بأن القياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد وكذلك الإلحاق بها دلالة لأن الفواسق مما تعدو علينا للقرب منا والسبع ليس كذلك لبعده عنا فلا يكون في معنى الفواسق ليلحق بها، واسم الكلب وإن تناوله لغة لم يتناوله عرفاً والعرف أقوى وأرجح في هذا الموضع كما في الأيمان لبنائه على الاحتياط، وفيه بحث طويل الذيل فتأمل. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «حرم عليكم صيد» ببناء حرم للفاعل ونصب صيد أي وحرم الله عليكم صيد البر. {مَا دُمْتُمْ حُرُماً} أي محرمين. وقرىء {دمتم} بكسر الدال كخفتم من دام يدام وذلك لغة فيها. وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما {حَرَماً } بفتحتين أي ذوي حرم بمعنى إحرام أو على المبالغة، وظاهر الآية يوجب حرمة ما صاده الحلال على المحرم وإن لم يكن له مدخل فيه وهو قول ابن عباس وابن عمر ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه وجماعة من السلف، واحتج له أيضاً بما أخرجه مسلم عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً، وفي رواية حمار وحش، وفي رواية من لحم حمار وحش، وفي رواية من رجل حمار وحش، وفي رواية عجز حمار وحش يقطر دماً، وفي رواية شق حمار وحش، وفي أخرى عضواً من لحم صيد وهو عليه الصلاة والسلام بالأبواء أو بودان فرده عليه صلى الله عليه وسلم قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال: « حديث : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم»تفسير : . وعن أبـي هريرة وعطاء ومجاهد وابن جبير ورواه الطحاوي عن عمر وطلحة وعائشة رضي الله / تعالى عنهم أنه يحل له أكل ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل عليه ولم يشر إليه ولا أمره بصيده وكذا ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه على ما اختاره الطحاوي لأن الخطاب للمحرمين فكأنه قيل: وحرم عليكم ما صدتم في البر فيخرج منه مصيد غيرهم، أو يقال: إن المراد صيدهم حقيقة أو حكماً وصورة الدلالة أو الأمر من الشق الثاني. وعن مالك والشافعي وأحمد وداود رحمهم الله تعالى لا يباح ما صيد له لما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لحم الصيد حلال لكم وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يصاد لكم » تفسير : وأجيب: بأنه قد روى محمد عن أبـي حنيفة عن ابن المنكدر عن طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه « حديث : تذاكرنا لحم الصيد يأكله المحرم والنبـي صلى الله عليه وسلم نائم فارتفعت أصواتنا فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فيم تتنازعون؟ فقلنا: في لحم الصيد يأكله المحرم فأمرنا بأكلهتفسير : ، وروى الحافظ أبو عبد الله الحسين عن أبـي حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده الزبير بن العوام قال: «كنا نحمل لحم الصيد صفيفا وكنا نتزوده وكنا نأكله ونحن محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». وأخرج مسلم « حديث : عن عبد الله بن أبـي قتادة عن أبيه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجاً وخرجنا معه فصرف نفراً من أصحابه فيهم أبو قتادة فقال: خذوا ساحل البحر حتى تلقوني قال: فأخذوا ساحل البحر فلما انصرفوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرموا كلهم إلا أبا قتادة فإنه لم يحرم فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً فنزلوا فأكلوا من لحمها قال فقالوا: أكلنا لحماً ونحن محرمون قال: فحملوا ما بقي من لحم الأتان فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إنا كنا أحرمنا وكان أبو قتادة لم يحرم فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتاناً فنزلنا فأكلنا من لحمها فقلنا: نأكل لحم صيد ونحن محرمون فحملنا ما بقي من لحمها فقال عليه الصلاة والسلام: هل معكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا قال: فكلوا ما بقي من لحمها»تفسير : . وفي رواية لمسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : هل عندكم منه شيء؟ قالوا: معنا رجله فأخذها عليه الصلاة والسلام فأكلها»تفسير : . وحديث جابر مؤول بوجهين الأول: كون اللام للملك، والمعنى أن يصاد ويجعل له فيكون مفاده تمليك عين الصيد من المحرم وهو ممتنع أن يتملكه فيأكل من لحمه، والثاني: الحمل على أن المراد أن يصاد بأمره وهذا لأن الغالب في عمل الإنسان لغيره أن يكون بطلب منه، والتزام التأويل دفعاً للتعارض كما قال غير واحد. وقال ابن الهمام وقد يقال: القواعد تقتضي أن لا يحكم بالتعارض بين حديث جابر وبين الخبرين الأولين من هذه الأخبار الثلاثة لأن قول طلحة: فأمرنا بأكله مقيد عندنا بما إذا لم يدله المحرم على الصحيح خلافاً لأبـي عبد الله الجرجاني ولا أمره بقتله على ما يدل عليه حديث أبـي قتادة فيجب تخصيصه بما إذا لم يصد للمحرم بالحديث الآخر. وحديث الزبير حاصله نقل وقائع أخبار وهي لا عموم لها فيجوز كون ما كانوا يحملونه من لحوم الصيد للتزود ما لم يصد لأجل المحرمين بل هو الظاهر لأنهم يتزودونه من الحضر ظاهراً والإحرام بعد الخروج إلى الميقات، فالأولى الاستدلال على أصل المطلوب بحديث أبـي قتادة المذكور على وجه المعارضة فإنه أفاد أنه / عليه الصلاة والسلام لم يجب بحله لهم حتى سألهم عن موانع الحل أكانت موجودة أم لا؟ فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه صلى الله عليه وسلم في سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحل عند خلوه عنها. وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد مانعاً فيعارض حديث جابر ويقدم عليه لقوة ثبوته إذ هو في «الصحيحين» وغيرهما من «الكتب الستة» بخلاف ذلك بل قيل في حديث جابر انقطاع لأن المطلب في سنده لم يسمع من جابر عند غير واحد، وكذا في رجاله من فيه لين، وبعد ثبوت ما ذهبنا إليه بما ذكرنا يقوم دليل على ما ذكر من التأويل انتهى. وأنت تعلم أن في حديث جابر أيضاً شيئاً من جهة العربية ولعل الأمر فيه سهل. بقي أن حديث الصعب بظاهره يعارض ما استدل به أهل المذهبين الأخيرين، واختار بعض الحنفية في الجواب بأن فيه اضطراباً ليس مثله في حديث قتادة حتى روى عمرو بن أمية الضمري عن أبيه أن الصعب أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحش بالجحفة فأكل منه عليه الصلاة والسلام وأكل القوم فكان حديث قتادة أولى وقد وقع ما وقع فيه في الحج كما تحكيه الرواية التي ذكرناها، ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجواب: يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم علم أنه صيد له فرده عليه فلا يعارض حديث جابر، وتعليله عليه الصلاة والسلام الرد بأنه محرم لا يمنع من كونه صيد له لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرط أن يكون محرماً، فبين صلى الله عليه وسلم الشرط الذي يحرم به، وقيل: إن جابراً إنما أهدى حماراً فرده صلى الله عليه وسلم لامتناع تملك المحرم الصيد، ولا يخفى أن الروايات الدالة على البعضية أكثر ولا تعارض بينها فتحمل رواية أنه أهدى حماراً على أنه من إطلاق اسم الكل على البعض ويمتنع هنا العكس إذ إطلاق الرجل مثلاً على كل الحيوان غير معهود، وقد صرحوا أنه لا يجوز أن يطلق على زيد أصبع ونحوه لأن شرط إطلاق اسم البعض على الكل التلازم كالرقبة والرأس على الإنسان فإنه لا إنسان دونهما بخلاف نحو الرجل والظفر، وأما إطلاق العين على الرؤية فليس من حيث هو إنسان بل من حيث هو رقيب وهو من هذه الحيثية لا يتحقق بلا عين أو هو أحد معاني المشترك اللفظي كما عده كثير منها فليتيقظ. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما نهاكم عنه من الصيد أو في جميع المعاصي التي من جملتها ذلك {ٱلَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالالتجاء إلى ذلك الغير. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} إيماناً علمياً {لاَ تُحَرّمُواْ} بتقصيركم في السلوك {طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } من مكاشفات الأحوال وتجليات الصفات { أية : وَلاَ تَعْتَدُواْ } تفسير : [المائدة: 87] بظهور النفس بصفاتها {وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ } أي اجعلوا ما من الله تعالى به عليكم من علوم التجليات ومواهب الأحوال والمقامات غذاء قلوبكم { أية : حَلَـٰلاً طَيّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [المائدة: 88] في حصول ذلك لكم بأن تردوها منه وله، وجعل غير واحد هذا خطاباً للواصلين من أرباب السلوك حيث أرادوا الرجوع إلى حال أهل البدايات من المجاهدات فنهوا عن ذلك وأمروا بأكل الحلال الطيب، وفسروا الحلال بما وصل إلى المعارف من خزائن الغيب بلا كلفة، والطيب ما يقوي القلب في شوق الله تعالى وذكر جلاله، وقيل: الحلال الطيب ما يأكل على شهود وإلا فعلى ذكر، فإن الأكل على الغفلة حرام في شرع السلوك، وقال آخرون: الحلال الطيب هو الذي يراه العارف في خزانة القدر فيأخذه / منها بوصف الرضا والتسليم، والحرام ما قدر لغيره وهو يجتهد في طلبه لنفسه {لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِى أَيْمَـٰنِكُمْ } وهو الحلف لملالة النفس وكلالة القوى وغلبة سلطان الهوى، وعدوا من اللغو في اليمين الإقسام على الله تعالى بجماله وجلاله سبحانه عند غلبة الشوق ووجدان الذوق أن يرزقه شيئاً من إقباله عز وجل ووصاله فإن ذلك لغو في شريعة الرضا ومذهب التسليم. والذي يقتضيه ذلك ما أشير إليه بقوله: شعر : أريد وصاله ويريد هجري فاترك ما أريد لما يريد تفسير : لكن لا يؤاخذ الله تعالى عليه الحالف لعلمه بضعف حاله. وعدوا من ذلك أيضاً ما يجري على لسان السالكين في غلبة الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: شعر : وحقك لا نظرت إلى سواكا بعين مودة حتى أراكا تفسير : فإن ذلك ينافي التوحيد وهل في الدار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار {وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ } وذلك إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان عن صميم الفؤاد {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ } وهي على ما قال البعض الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وهم القلب والسر والروح والخفي، وطعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف والأوسط الذكر والفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء، وإطعام الحواس ذلك أن يشغلها به {أَوْ كِسْوَتُهُمْ } لباس التقوى {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } وهي رقبة النفس فيحررها من عبودية الحرص والهوى {فَمَن لَّمْ يَجِدْ } ولم يستطع { أية : فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ } تفسير : [المائدة: 89] فيمسك في اليوم الأول عما عزم عليه وفي اليوم الثاني عما لا يعنيه وفي اليوم الثالث عن العود إليه، وقيل كنى سبحانه بصيام ثلاثة أيام عن التوبة والاستقامة عليها ما دامت الدنيا، فقد قيل: الدنيا ثلاثة أيام: يوم مضى ويوم أنت فيه ويوم لا تدري ما الله سبحانه قاض فيه {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ } بالفناء فيه {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } بالبقاء بعد الفناء {وَٱحْذَرُواْ } ظهور ذلك بالنظر إلى نفوسكم { أية : فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ } تفسير : [المائدة: 92] ولم يقصر فيه فالقصور منكم {لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالتقليد {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } الأعمال البدنية الشرعية {جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } من المباحات {إِذَا مَا ٱتَّقَواْ } الشبهة والإسراف {وَءامَنُواْ } بالتحقيق {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه سبحانه ومن تحليته بالأحوال المضادة لهواه من الصدق والإخلاص والتوكل والتسليم ونحو ذلك {ثُمَّ اتَّقَواْ } شرك الأنانية {وَءامَنُواْ } بالهوية {ثُمَّ اتَّقَواْ } هذا الشرك وهو الفناء {وَأَحْسِنُواْ } بالبقاء به جل شأنه قاله النيسابوري. وقال غيره: ليس على الذين آمنوا الإيمان العيني بتوحيد الأفعال وعملوا بمقتضى إيمانهم أعمالاً تخرجهم عن حجب الأفعال وتصلحهم لرؤية أفعال الحق جناح وضيق فيما تمتعوا به من أنواع الحظوظ إذا ما اجتنبوا بقايا أفعالهم واتخذوا الله تعالى وقاية في صدور الأفعال منهم وآمنوا بتوحيد الصفات وعملوا ما يخرجهم عن حجبها ويصلحهم لمشاهدة الصفات الإلهية بالمحو فيها ثم اتقوا بقايا صفاتهم واتخذوا الله تعالى وقاية في ظهور صفاته عليهم وآمنوا بتوحيد الذات ثم اتقوا بقية ذواتهم واتخذوا الله تعالى وقاية في وجودهم بالفناء المحض والاستهلاك في عين الذات وأحسنوا بشهود التفصيل في عين الجمع والاستقامة في البقاء بعد الفناء { أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [المائدة: 93] الباقين بعد فنائهم أو المشاهدين للوحدة في عين الكثرة المراعين لحقوق التفاصيل في عين الجمع بالوجود الحقاني {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالغيب {لَيَبْلُوَنَّكُمُ } في أثناء السير والإحرام / لزيارة كعبة الوصول {بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ } أي الحظوظ والمقاصد النفسانية {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ } أي يتيسر لكم ويتهيأ ما يتوصل به إليه. وقيل: ما تناله الأيدي اللذات البدنية وما تناله الرماح اللذات الخيالية {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } العلم الذي ترتب عليه الجزاء {مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } أي في حال الغيبة ولا يكون ذلك إلا للمؤمنين بالغيب لتعلقه بالعقاب الذي هو من باب الأفعال، وأما في الحضور فالخشية والهيبة دون الخوف، والأولى بتجلي صفات الربوبية والعظمة، والثانية بتجلي الذات، فالخوف كما قيل من صفات النفس والخشية من صفات القلب، والهيبة من صفات الروح {فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ } بتناول شيء من الحظوظ { أية : فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تفسير : [المائدة: 94] وهو عذاب الاحتجاب {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } أي في حال الإحرام الحقيقي {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } بأن ارتكب شيئاً من الحظوظ النفسانية قصداً {فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ } بأن يقهر تلك القوة التي ارتكب بها من قوى النفس البهيمية بأمر يماثل ذلك الحظ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } وهما القوتان النظرية والعملية {هَدْياً بَـٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ } الحقيقية وذلك بإفنائها في الله عز وجل { أية : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَـٰكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً } تفسير : [المائدة: 95] أي أو يستر تلك القوة بصدقة أو صيام {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ } وهو ما في العالم الروحاني من المعارف {وَطَعَامُهُ } وهو العلم النافع من علم المعاملات والأخلاق {مَّتَـٰعًا } أي تمتيعاً لكم أيها السالكون بطريق الحق {وَلِلسَّيَّارَةِ } المسافرين سفر الآخرة، {وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرّ } وهو في العالم الجسماني من المحسوسات والحظوظ النفسانية {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في سيركم {أية : ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}تفسير : [المائدة: 96] بالفناء فاجتهدوا في السلوك ولا تقفوا مع الموانع وهو الله تعالى الميسر للرشاد وإليه المرجع والمعاد.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني نشأ عن قوله: {أية : يا أيّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95] فإنّه اقتضى تحريم قتل الصيد على المحرم وجعل جزاء فعله هدي مثل ما قتَل من النعم، فكان السامع بحيث يسأل عن صيد البحر لأنّ أخذه لا يسمّى في العرف قتلاً، وليس لما يصاد منه مثل من النعم ولكنّه قد يشكّ لعلّ الله أراد القتل بمعنى التسبّب في الموت، وأراد بالمثل من النعم المقاربَ في الحجم والمقدار، فبيّن الله للناس حكم صيد البحر وأبقاه على الإباحة، لأنّ صيد البحر ليس من حيوان الحرم، إذ ليس في شيء من أرض الحرم بحر. وقد بينّا عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95] أنّ أصل الحكمة في حرمة الصيد على المحرم هي حفظ حرمة الكعبة وحرمها. ومعنى {أحلّ لكم صيد البحر} إبقاء حلّيّته لأنّه حلال من قبللِ الإحرام. والخطاب في {لكم} للذين آمنوا. والصيد هنا بمعنى المصيد ليجري اللفظ على سنن واحد في مواقعه في هذه الآيات، أي أحلّ لكم قتله، أي إمساكه من البحر. والبحر يشمل الأنهار والأودية لأنّ جميعها يسمّى بحراً في لسان العرب. وقد قال الله تعالى: {وما يستوي البحران هذا عذب فرات} الآية. وليس العذب إلاّ الأنهار كدجلة والفرات. وصيد البحر: كلّ دوابّ الماء التي تصاد فيه، فيكون إخراجها منه سبب موتها قريباً أو بعيداً. فأمّا ما يعيش في البرّ وفي الماء فليس من صيد البحر كالضفدع والسلحفاة، ولا خلاف في هذا. أمّا الخلاف فيما يؤكل من صيد البحر وما لا يؤكل منه، عند من يرى أنّ منه ما لا يؤكل، فليس هذا موضع ذكره، لأنّ الآية ليست بمثبتة لتحليل أكل صيد البحر ولكنّها منّبهة على عدم تحريمه في حال الإحرام. وقوله: {وطعامه} عطف على {صيد البحر}. والضمير عائد إلى {البحر}، أي وطعام البحر، وعطفه اقتضى مغايرته للصيد. والمعنى: والتقاط طعامه أو وإمساكُ طعامه. وقد اختلف في المراد من «طعامه». والذي روي عن جلّة الصحابة ـــ رضي الله عنهم ـــ: أنّ طعام البحر هو ما طفا عليه من ميتة إذا لم يكن سبب موته إمساك الصائد له. ومن العلماء من نقل عنه في تفسير طعام البحر غير هذا ممّا لا يلائم سياق الآية. وهؤلاء هم الذين حرّموا أكل ما يخرجه البحر ميّتاً، ويردّ قولهم ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال في البحر: «حديث : هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته»تفسير : . وحديث جابر في الحوت المسمّى العنبر، حين وجدوه ميّتاً، وهم في غزوة، وأكلوا منه، وأخبروا رسول الله، وأكل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانتصب {متاعاً} على الحال. والمتاع: ما يتمتّع به. والتمتّع: انتفاع بما يلذّ ويسرّ. والخطاب في قوله: {متاعاً لكم} للمخاطبين بقوله: {أحل لكم صيد البحر} باعتبار كونهم متناولين الصيد، أي متاعاً للصائدين وللسيّارة. والسيّارة: الجماعة السائرة في الأرض للسفر والتجارة، مؤنث سيّار، والتأنيث باعتبار الجماعة. قال تعالى: {أية : وجاءت سيّارة}تفسير : [يوسف: 19]. والمعنى أحلّ لكم صيد البحر تتمتّعون بأكله ويتمتّع به المسافرون، أي تبيعونه لمن يتّجرون ويجلبونه إلى الأمصار. وقوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً} زيادة تأكيد لتحريم الصيد، تصريحاً بمفهوم قوله {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95]، ولبيان أنّ مدّة التحريم مدّة كونهم حُرُماً، أي محرمين أو مارّين بحرم مكة. وهذا إيماء لتقليل مدّة التحريم استئناساً بتخفيف، وإيماء إلى نعمة اقتصار تحريمه على تلك المدّة، ولو شاء الله لحرّمه أبداً. وفي «الموطأ»: أنّ عائشة قالت لعروة بن الزبير: يا بن أختي إنّما هي عشر ليال (أي مدّة الإحرام) فإن تخلَّجَ في نفسك شيء فدعه. تعني أكل لحم الصيد. وذيّل ذلك بقوله: {واتّقوا الله الذي إليه تحشرون}. وفي إجراء الوصف بالموصول وتلك الصلة تذكير بأنّ المرجع إلى الله ليعدّ الناس ما استطاعوا من الطاعة لذلك اللقاء. والحشر: جمع الناس في مكان. والصيد مراد به المصيد، كما تقدّم. والتحريم متعلّق بقتله لقوله قبله {أية : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم}تفسير : [المائدة: 95] فلا يقتضي قوله: {وحرّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً} تحريم أكل صيد البرّ على المحرم إذا اشتراه من بائع أو ناوله رجل حلال إيّاه، لأنّه قد علم أنّ التحريم متعلّق بمباشرة المحرم قتله في حال الإصابة. وقد أكل رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ من الحمار الذي صاده أبو قتادة، كما في حديث «الموطأ» عن زيد بن أسلم. وأمر رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ بقسمة الحمار الذي صاده زيد البهزي بين الرفاق وهم محرمون. وعلى ذلك مضى عمل الصحابة، وهو قول. وأمّا ما صيد لأجل المحرم فقد ثبت أنّ النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ردّ على الصعب بن جَثّامة حماراً وحشياً أهداه إليه وقال له: «حديث : إنّا لم نردّه عليك إلاّ أنّا حُرُم»تفسير : . وقد اختلف الفقهاء في محل هذا الامتناع. فقيل: يحرم أن يأكله مَن صِيدَ لأجله لا غير. وهذا قول عثمان بن عفّان، وجماعة من فقهاء المدينة، ورواية عن مالك، وهو الأظهر، لأنّ الظاهر أنّ الضمير في قول النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ: «حديث : إنّما لم نردّه عليك إلاّ أنّا حرم»تفسير : أنّه عائد إلى النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وحده، لقوله «لم نردّه»، وإنّما ردّه هو وحده. وقيل: يحرم على المحرم أكل ما صيد لمحرم غيره، وهو قول بعض أهل المدينة، وهو المشهور عن مالك. وكأنّ مستندهم في ذلك أنّه الاحتياط وقيل: لا يأكل المحرم صيداً صِيد في مدّة إحرامه ويأكل ما صِيد قبل ذلك، ونسب إلى علي بن أبي طالب وابن عباس، وقيل: يجوز للمحرم أكل الصيد مطلقاً، وإنّما حرّم الله قتل الصيد، وهو قول أبي حنيفة. والحاصل أنّ التنزّه عن أكل الصيد الذي صيد لأجل المحرم ثابت في السنّة بحديث الصعب بن جَثَّامة، وهو محتمل كما علمت. والأصل في الامتناع الحِرمة لأنّه، لو أراد التنزّه لقال: أمّا أنا فلا آكله، كما قال في حديث خالد بن الوليد في الضبّ.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} الآية. ظاهر عموم هذه الآية الكريمة يشمل إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة، وهو كذلك، كما بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96]، فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم، كما هو ظاهر. مسائل تتعلق بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم المسألة الأولى: اجمع العلماء على منع صيد البر للمحرم بحج أو عمرة. وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، لما ثبت في الصّحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، "حديث : أنه كان مع قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حَلالٌ وهم مُحْرِمُونَ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم محرم أمَامهُمْ، فَأَبْصَروا حمَاراً وَحشِياً وأبو قتادة مشغول يخْصِف نعله فلم يؤذنوه، وأحبوا لو أنه أبصره فأبصره فأسرج فرسه. ثم ركب ونسي سوطه ورمحه فقال لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضب فنزل فأخذهما فركِبَ فَشدَّ على الحمار فَعقَرَهُ ثم جاء به، وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إيَّاه وهم حُرم، فأدركوا النَّبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه فَقَرَّرهُم على اكله، وناوله أبو قتادة عضُدَ الحمار الوحشي، فأكل منها صلى الله عليه وسلم"،تفسير : ولمسلم "حديث : هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء، قالوا: لا، قال: فكلوه ". تفسير : وللبخاري "حديث : هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقى من لحمها"،تفسير : وقد أجمع جميع العلماء على أن ما صاده محرم لا يجوز أكله للمحرم الذي صاده، ولا لمحرم غيره، ولا لحلال غير محرم لأنه ميتة. واختلف العلماء في أكل المحرم مما صاده حلال على ثلاثة أقوال، قيل: لا يجوز له الأكل مطلقاً، وقيل: يجوز مطلقاً، وقيل: بالتفصيل بين ما صاده لأجله، وما صاده لا لأجله فيمنع الأول دون الثاني. واحتج أهل القول الأول بحديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه "حديث : أنه أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" تفسير : متفق عليه، ولأحمد ومسلم "حديث : لحم حمار وحشي ". تفسير : واحتجوا أيضاً بحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أهدي له عضو من لحم صيد فرده، وقال: إنا لا نأكله إنا حرم" تفسير : أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي. واحتجوا أيضاً بعموم قوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} [المائدة: 96]، ويروى هذا القول عن علي وابن عباس وابن عمر، والليث والثوري وإسحاق وعائشة وغيرهم. واحتج من قال: بجواز أكل المحرم ما صاده الحلال مطلقاً بعموم الأحاديث الواردة بجواز أكل المحرم من صيد الحلال، كحديث طلحة بن عبيد الله عند مسلم، والإمام أحمد "أنه كان في قوم محرمين فأهدي لهم طير، وطلحة راقد، فمنهم من أكل ومنهم من تورع فلم يأكل فلما استيقظ طلحة رضي الله عنه وفق من أكله وقال: "أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم". وكحديث البهزي واسمه زيد بن كعب، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم في حمار وحشي عقير في بعض وادي الروحاء وهو صاحبه "شأنكم بهذا الحمار، فأمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه في الرفاق وهم محرمون"، أخرجه الإمامان مالك في موطئه وأحمد في مسنده، والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره، كما قاله ابن حجر، وممن قال بإباحته مطلقاً أبو حنيفة وأصحابه. قال مقيده، عفا الله عنه: أظهر الأقوال وأقواها دليلاً، هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم، فلا يحل له، وبين ما صاده الحلال، لا لأجل المحرم، فإنه يحل له. والدليل على هذا أمران: الأول: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا طريق للجمع إلا هذه الطريق. ومن عدل عنها لا بد أن يلغي نصوصاً صحيحة. الثاني: أن جابراً رضي الله عنه، روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم ما لم تصيدوه، أو يصد لكم"تفسير : ، رواه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني. وقال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس، فإن قيل في إسناد هذا الحديث، عمرو بن أبي عمرو، مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مولاه المطلب، عن جابر، وعمرو مختلف فيه، قال فيه النسائي: ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك. وقال الترمذي في مولاه المطلب أيضاً: لا يعرف له سماع من جابر، وقال فيه الترمذي أيضاً في موضع آخر قال محمد: لا أعرف له سماعاً من أحد من الصحابة، إلا قوله حدثني من شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالجواب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضي رد هذا الحديث، لأن عمراً المذكور ثقة، وهو من رجال البخاري ومسلم، وممن روى عنه مالك بن أنس، وكل ذلك يدل على أنه ثقة، وقال فيه ابن حجر في (التقريب): ثقة ربما وهم، وقال فيه النووي في (شرح المهذب): أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت، لأن البخاري، ومسلماً رويا له في صحيحيهما، واحتجا به، وهما القدوة في هذا الباب. وقد احتج به مالك، وروى عنه وهو القدوة، وقد عرف من عادته أنه لا يروي في كتابه إلا عن ثقة، وقال أحمد بن حنبل فيه: ليس به بأس، وقال ابو زرعة: هو ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن عدي: لا بأس به، لأن مالكاً روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة، قلت: وقد عُرِف أن الجرح لا يثبت إلا مفسراً، ولم يفسره ابن معين، والنسائي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور، وقول الترمذي: إن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب، لا يعرف له سماع من جابر، وقول البخاري للترمذي: لا أعرف له سماعاً من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس في شيء من ذلك ما يقتضي رد روايته، لما قدمنا في سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء بالمعاصرة. ولا يلزم ثبوت اللقي، وأحرى ثبوت السماع، كما أوضحه الإمام مسلم بن الحجاج - رحمه الله تعالى - في مقدمة صحيحه، بما لا مزيد عليه مع أن البخاري ذكر في كلامه هذا الذي نقله عنه الترمذي، أن المطلب مولى عمرو بن أبي عمرو المذكور، صرح بالتحديث ممن سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو تصريح بالسماع من بعض الصحابة بلا شك. وقال النووي في (شرح المهذب): وأما إدراك المطلب لجابر. فقال ابن أبي حاتم، وروى عن جابر قال: ويشبه أن يكون أدركه، هذا هو كلام ابن أبي حاتم، فحصل شك في إدراكه، ومذهب مسلم بن الحجاج الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء، بل يكتفي بإمكانه، والإمكان حاصل قطعاً، ومذهب علي بن المديني، والبخاري، والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلاً لبعض كبار التابعين، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة. أو قول أكثر العلماء، أو غير ذلك مما سبق. وقد اعتضد هذا الحديث، فقال به من الصحابة رضي الله عنهم، من سنذكره في فرع مذاهب العلماء اهـ، كلام النووي، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات، على مذاهب الأئمة الأربعة. لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج بالمرسل، وقد عرفت احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله. قال مقيده عفا الله عنه: نعم يشترط في قبول رواية (المدلس) التصريح بالسماع والمطلب المذكور مدلس، لكن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة وأحمد - رحمهم الله تعالى - صحة الاحتجاج بالمرسل، ولا سيما إذا اعتضد بغيره كما هنا، وقد علمت من كلام النووي موافقة الشافعين. واحتج من قال بأن المرسل حجة بأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بنسبة الحديث لمن فوقها، إلا وهو جازم بالعدالة والثقة فيمن حذفه، حتى قال بعض المالكية: إن المرسل مقدم على المسند. لأنه ما حذف الواسطة في المرسل إلا وهو متكفل بالعدالة والثقة فيما حذف بخلاف المسند، فإنه يحيل الناظر عليه، ولا يتكفل له بالعدالة والثقة، وإلى هذا أشار في (مراقي السعود) بقوله في مبحث المرسل: شعر : وهو حجة ولكن رجحا عليه مسند وعكس صححا تفسير : ومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي، عن مالك عن نافع عن ابن عمر، كما نقله ابن حجر في التلخيص وغيره وهو يقويه. وإن كان عثمان المذكور ضعيفاً لأن الضعيف يقوِّي المرسل، كما عُرف في علوم الحديث، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح، وأنه نص في محل النزاع، وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذي ذكرنا أولاً، فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله، ولو صاده لأجل محرم معين حرم على جميع المحرمين خلافاً لمن قال: لا يحرم إلا على ذلك المحرم المعين الذي ضيد من أجله. ويَروى هذا عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : أو يصَدْ لكم" تفسير : ويدل للأول ظاهر قوله في حديث أبي قتادة، "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار لها؟ قالوا: لا، قال: فكلوه" فمفهومه أن إشارة واحد منهم تحرمه عليهم كلهم، ويدل له أيضاً ما روه أبو داود عن علي "أنه دُعِيَ وهو محرم إلى طعام عليه صيد فقال "أطعموه حلالاً فإنا حرم"، وهذا مشهور مذهب مالك عند أصحابه مع اختلاف قوله في ذلك. المسألة الثانية: لا تجوز زكاة المحرم للصيد بأن يذبحه مثلاً، فإن ذبحه فهو ميتة لا يحل أكله لأحد كائناً من كان إذ لا فرق بين قتله بالعقر وقتله بالذبح، لعموم قوله تعالى: {أية : لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} تفسير : [المائدة: 95]، وبهذا قال مالك وأصحابه كما نقله عنهم القرطبي وغيره، وبه قال الحسن، والقاسم وسالم، والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه، وقال الحكم والثوري وأبو ثور: لا بأس بأكله، قال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق. وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني يأكله الحلال، وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره. واحتج أهل هذا القول بأن من اباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال، والظاهر هو ما تقدم من أن ذبح المحرم لا يحل الصيد، ولا يعتبر ذكاة له، لأن قتل الصيد حرام عليه، ولأن ذكاته لا تحل له هو أكله إجماعاً، وإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح، فأولى وأحرى ألا يفيد لغيره، لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه، فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله، قاله القرطبي، وهو ظاهر. المسالة الثالثة: الحيوان البري ثلاثة أقسام: قسم هو صيد إجماعاً، وهو ما كالغزال من كل وحشي حلال الأكل، فيمنع قتله للمحرم، وإن قتله فعليه الجزاء. وقسم ليس بصيد إجماعاً، ولا بأس بقتله، وقسم اختلف فيه. أما القسم الذي لا بأس بقتله، وليس بصيد إجماعاً فهو الغراب، والحدأة والعقرب، والفأرة، والكلب العقور. وأما القسم المختلف فيه: فكالأسد، والنمر، والفهد والذئب، وقد روى الشيخان في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل، والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور ". تفسير : وفي الصحيحين أيضاً عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح"تفسير : ثم عد الخمس المذكورة آنفاً، ولا شك أن الحية أولى بالقتل من العقرب. وقد أخرج مسلم عن ابن مسعود "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر مُحْرِماً بقتل حية بمنى"، وعن ابن عمرو "سئل: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال: "حدثتني إحدى نسوة النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية" رواه مسلم أيضاً. والأحاديث في الباب كثيرة، والجاري على الأصول تقييد الغراب بالأبقع، وهو الذي فيه بياض، لما روى مسلم من حديث عائشة في عد الفواسق الخمس المذكورة، والغراب الأبقع. و المقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، وما أجاب به بعض العلماء من أن روايات الغراب بالإطلاق متفق عليها، فهي أصح من رواية القيد بالأبقع لا ينهض، إذ لا تعارض بين مقيد ومطلق، لأن القيد بيان للمراد من المطلق. ولا عبرة بقول عطاء، ومجاهد، بمنع قتل الغراب للمحرم، لأنه خلاف النص الصريح الصحيح، وقول عامة أهل العلم، ولا عبرة أيضاً بقول إبراهيم النخعي: أن في قتل الفأرة جزاء لمخالفته أيضاً للنص، وقول عامة العلماء، كما لا عبرة أيضاً بقول الحكم، وحماد، "لا يقتل المحرم العقرب، ولا الحية", ولا شك أن السباع العادية كالأسد، والنمر، والفهد، أولى بالقتل من الكلب، لنها أقوى منه عقراً، وأشد منه فتكاً. واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالكلب العقور، فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة بإسناد حسن، أنه الأسد، قاله ابن حجر، وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأيُّ كلب أعقر من الحية. وقال زفر: المراد به هنا الذئب خاصة، وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، فهو عقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا هو الكلب المتعارف خاصة. ولا يحلق به في هذا الحكم سوى الذئب، واحتج الجمهور بقوله تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} تفسير : [المائدة: 4] فاشتقها من اسم الكلب، وبقوله صلى الله عليه وسلم، في ولد أبي لهب "حديث : اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فقتله الأسد" تفسير : رواه الحاكم وغيره بإسناد حسن. قال مقيده عفا الله عنه: التحقيق أن السباع العادية ليست من الصيد، فيجوز قتلها للمحرم، وغيره في الحرم وغيره. ملا تقرر في الأصول من أن العلة تعمم معلولها، لأن قوله "العقور" علة لقتل الكلب فيعلم منه أن كل حيوان طبعه العقر كذلك. ولذا لم يختلف العلماء في أن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة المتفق عليه "حديث : لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" تفسير : أن هذه العلة التي هي في ظاهر الحديث الغضب تعمم معلولها فيمتنع الحكم للقاضي بكل مشوش للفكر، مانع من استيفاء النظر في المسائل كائناً ما كان غضباً أو غيره كجوع وعطش مفرطين، وحزن وسرور مفرطين، وحقن وحقب مفرطين، ونحو ذلك، وإلى هذا أشار في (مراقي السعود) بقوله في مبحث العلة: شعر : وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لا تخرم تفسير : ويدل لهذا ما اخرجه أبو داود، والترمذي، و ابن ماجه، والإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يقتل المحرم فقال: الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، واكللب العقور والحدأة والسبع العادي" تفسير : وهذا الحديث حسنه الترمذي. وضعف ابن كثير رواية يزيد بن أبي زياد، وقال فيه ابن حجر في التلخيص فيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف. وفيه لفظة منكرة وهي قوله: "ويرمي الغراب ولا يقتله"، وقال النووي في شرح المهذب: إن صح هذا الخبر حمل قوله هذا على أنه لا يتأكد ندب قتل الغراب كتأكيد قتل الحية وغيرها. قال مقيده: عفا الله عنه: تضعيف هذا الحديث، ومنع الاحتجاج به متعقب من وجهين: الأول: أنه على شرط مسلم، لأن يزيد بن أبي زياد من رجال صحيحه وأخرج له البخاري تعليقاً، ومنع الاحتجاج بحديث على شرط مسلم لا يخلو من نظر، وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه. أن من أخرج حديثهم في غير الشواهد والمتابعات أقل أحوالهم قبول الرواية فيزيد بن أبي زياد عند مسلم مقبول الرواية، وإليه الإشارة بقول العراقي في ألفيته: شعر : فاحتاج أن ينزل في الإسناد إلى يزيد بن أبي زياد تفسير : الوجه الثاني: أنا لو فرضنا ضعف هذا الحديث فإنه يقويه ما ثبت من الأحاديث المتفق عليها من جواز قتل الكلب العقور في الإحرام وفي الحرم والسبع العادي، إما أن يدخل في المراد به، أو يلحق به إلحاقاً صحيحاً لا مراء فيه، وما ذكره الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - من أن الكلب العقور يلحق به الذئب فقط، لأنه أشبه به من غيره لا يظهر، لأنه لا شك في أن فتك الأسد والنمر مثلاً أشد من عقر الكلب والذئب، وليس من الواضح أن يباح قتل ضعيف الضرر، ويمنع قتل قويه، لأن فيه علة الحكم وزيادة، وهذا النوع من الإلحاق من دلالة اللفظ عند أكثر أهل الأصول، لا من القياس، خلافاً للشافعي وقوم، كما قدمنا في سورة النساء. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: قلت: العجب من أبي حنيفة - رحمه الله - يحمل التراب على البر بعلة الكيل، ولا يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق، والعقر، كما فعل مالك، والشافعي، رحمهما الله. واعلم أن الصَّيد عند الشافعي هو مأكول اللحم فقط. فلا شيء عنده في قتل ما لم يؤكل لحمه والصغار منه، والكبار عنده سواء، إلا المتولد من بين مأكول اللحم، وغير مأكوله، فلا يجوز اصطياده عنده، وإن كان يحرم أكله، كالسمع وهو المتولد من بين الذئب، والضبع، وقال: ليس في الرخمة والخنافس، والقردان والحلم، وما لا يؤكل لحمه شيء. لأن هذا ليس من الصَّيد، لقوله تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً} [المائدة: 96]، فدل أن الصَّيد الذي حرم عليهم، هو ما كان حلالاً لهم قبل الإحرام، وهذا هو مذهب الإمام أحمد. أما مالك - رحمه الله - فذهب إلى أن كل ما لا يعدو من السباع، كالهر والثعلب، والضبع، وما أشبهها، لا يجوز قتله. فإن قتله فداه، قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم، فإن قتلها فداها، وهي مثل فراخ الغربان. قال مقيده عفا الله عنه: أما الضبع فليست مثل ما ذكر معها لورود النص فيها، دون غيرها. بأنها صيد يلزم فيه الجزاء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولم يجز مالك للمحرم قتل الزنبور، وكذلك النمل والذباب والبراغيث، وقال: إن قتلها محرم يطعم شيئاً، وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور، وبعض العلماء شبههه بالعقرب، وبعضهم يقول: إذا ابتدأ بالأذى جاز قتله، وإلا فلا، وأقيسها ما ثبت عن عمر بن الخطاب. لأنه مما طبيعته أن يؤذي. وقد قدمنا عن الشافعي، وأحمد، وغيرهم، أنه لا شيء في غير الصَّيد المأكول، وهو ظاهر القرآن العظيم. المسألة الرابعة: أجمع العلماء على أن المحرم إذا صاد الصَّيد المحرم عليه، فعليه جزاؤه، كما هو صريح قوله تعالى: {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} تفسير : [المائدة: 95]. اعلم أولاً أن المراد بقوله {أية : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} تفسير : [المائدة: 95] أنه متعمد قتله، ذاكر إحرامه، كما هو صريح الآية. وقول عامة العلماء. وما فسره به مجاهد، من أن المراد أنه متعمد لقتله ناسٍ لإحرامه، مستدلاً بقوله تعالى بعده: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95] قال: لو كان ذاكراً لإحرامه، لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. وقال: إن كان ذاكراً لإحرامه، فقد بطل حجه لارتكابه محظور الإحرام غير صحيح، ولا ظاهر لمخالفته ظاهر القرآن بلا دليل. ولأن قوله تعالى: {أية : لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} تفسير : [المائدة: 95]، يدل على أنه متعمد ارتكاب المحظور، والناسي للإحرام غير متعمد محظوراً. إذا علمت ذلك، فاعلم أن قاتل الصَّيد متعمداً، عالماً بإحرامه، عليه الجزاء المذكور، في الآية، بنص القرآن العظيم، وهو قول عامة العلماء. خلافاً لمجاهد، ولم يذكر الله تعالى، في هذه لآية الكريمة حكم الناسي، والمخطئ. والفرق بينهما: أن الناسي هو من يقصد قتل الصَّيد ناسياً إحرامه، والمخطئ هو من يرمي غير الصَّيد، كما لو رمى غرضاً فيقتل الصَّيد من غير قصد لقتله. ولا خلاف بين العلماء أنهما لا أثم عليهما، لقوله تعالى: {أية : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ}تفسير : [الأحزاب: 5] الآية. وَلِمَا قدَّمنا في صحيح مسلم "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا}تفسير : [البقرة: 286] أن الله قال: قد فعلت". أما وجوب الجزاء عليهما فاختلف فيه العلماء. فذهب جماعة من العلماء: منهم المالكية، والحنفية، والشافعية، إلى وجوب الجزاء، في الخطأ، والنسيان، لدلالة الأدلة. على أن غرم المتلفات لا فرق فيه بين العامد، وبين غيره، وقالوا: لا مفهوم مخالفة لقوله متعمداً لأنه جري على الغالب، إذ الغالب ألا يقتل المحرم الصَّيد إلا عامداً، وجرى النص على الغالب من موانع اعتبار دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته، وإليه الإشارة بقول صاحب (مراقي السعود) في موانع اعتبار مفهوم المخالفة: شعر : أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جرى على الذي غلب تفسير : ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى: {أية : ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} تفسير : [النساء: 23] لجريه على الغالب، وقال بعض من قال بهذا القول، كالزهري: وجب الجزاء في العمد بالقرآن العظيم، وفي الخطأ والنسيان بالسنة، قال ابن العربي: إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس، و عمر فَنِعمَّا هي، وما أحسنها إسوة. واحتج أهل هذا القول. بأنه صلى الله عليه وسلم "سئل عن الضبع فقال: "حديث : هي صيد"تفسير : ، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشاً، ولم يقل عمداً ولا خطأ، فدل على العموم، وقال ابن بكير من علماء المالكية: قوله سبحانه {مُتَعَمِّدًا} لم يرد به التجاوز عن الخطأ، وذكر التعمد لبيان أن الصَّيد ليس كابن آدم الذي ليس في قتله عمداً كفارة. وقال القرطبي في تفسيره: إن هذا القول بوجوب "الجزاء على المخطئ، والناسي والعامد"، قاله ابن عباس، وروي عن عمر، وطاوس، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وبه قال مالك، والشافعي، وابو حنيفة، وأصحابهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الناسي، والمخطئ لا جزاء عليهما، وبه قال القرطبي، وأحمد بن حنبل، في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير، وأبو ثور، وهو مذهب داود، وروي أيضاً عن ابن عباس، وطاوس، كما نقله عنهم القرطبي. واحتج أهل هذا القول بأمرين: الأول: مفهوم قوله تعالى: {أية : وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}تفسير : [المائدة: 95] الآية، فإنه يدل على أن غير المتعمد ليس كذلك. الثاني: أن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها، فعليه الدليل. قال مقيده: عفا الله عنه: هذا القول قوي جداً من جهة النظر، والدليل. المسالة الخامسة: إذا صاد المحرم الصَّيد، فاكل منه، فعليه جزاء واحد لقتله، وليس في أكله إلا التوبة والاستغفار، وهذا قول جمهور العلماء، وهو ظاهر الآية خلافاً لأبي حنيفة القائل بأن عليه أيضاً جزاء ما أكل يعني قيمته، قال القرطبي: وخالفه صاحباه في ذلك، ويروى مثل قول أبي حنيفة عن عطاء. المسألة السادسة: إذا قتل المحرم الصَّيد مرة بعد مرة، حكم عليه بالجزاء في كل مرة، في قول جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم، وهو ظاهر قوله تعالى: {أية : وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً}تفسير : [المائدة: 95] الآية، لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء، وقال بعض العلماء: لا يحكم عليه بالجزاء إلا مرة واحدة، "فإن عاد لقتله مرة ثانية لم يحكم عليه، وقيل له: ينتقم الله منك"، لقوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ} تفسير : [المائدة: 95] الآية. ويُروى هذا القول عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وإبراهيم، ومجاهد، وشريح، كما نقله عنهم القرطبي، وروي عن ابن عباس أيضاً أنه يضرب حتى يموت. المسالة السابعة: إذا دل المحرم حلالا على صيد فقتله، فهل يجب على المحرم جزاء لتسببه في قتل الحلال للصيد بدلالته له عليه أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة إلى أن المحرم الدال يلزمه جزاؤه كاملاً، ويروى نحو ذلك عن علي، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد وبكر المزني، وإسحاق، ويدل لهذا القول سؤال النَّبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه، "هل أشار أحد منهم إلى أبي قتادة على الحمار الوحشي"؟ فإن ظاهره أنهم لو دلوه عليه كان بمثابة ما لو صادوه في تحريم الأكل. ويفهم من ذلك لزوم الجزاء، والقاعدة لزوم الضمان للمتسبب إن لم يمكن تضمين المباشر، والمباشر هنا لا يمكن تضمينه الصَّيد. لأنه حلال، والدال متسبب، وهذا القول هو الأظهر، والذين قالوا به منهم من أطلق الدلالة، ومنهم من اشترط خفاء الصَّيد بحيث لا يراه دون الدلالة، كأبي حنيفة، وقال الإمام الشافعي وأصحابه، لا شيء على الدال. وروي عن مالك نحوه، قالوا: لأن الصَّيد يضمن بقتله، وهو لم يقتله وإذا علم المحرم أن الحلال صاده من أجله فأكل منه، فعليه الجزاء كاملاً عند مالك، كما صرح بذلك في موطئه، وأما إذا دل المحرم محرماً آخر على الصَّيد فقتله، فقال بعض العلماء: عليهما جزاء واحد بينهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال عطاء، وحماد بن أبي سليمان كما نقله عنهم ابن قدامة في (المغني)، وقال بعض العلماء: على كل واحد منهما جزاء كامل، وبه قال الشعبي، وسعيد بن جبير، والحارث العكلي، وأصحاب الراي، كما نقله عنهم أيضاً صاحب (المغني). وقال بعض العلماء: الجزاء كله على المحرم المباشر، وليس على المحرم الدال شيء، وهذا قول الشافعي، ومالك، وهو الجاري على قاعدة تقديم المباشر على المتسبب في الضمان، والمباشر هنا يمكن تضمينه لأنه محرم، وهذا هو الأظهر، وعليه: فعلى الدال الاستغفار والتوبة، وبهذا تعرف حكم ما لو دل محرم محرماً، ثم دل هذا الثاني محرماً ثالثاً، وهكذا، فقتله الأخير، إذ لا يخفى من الكلام المتقدم أنهم على القول الأول شركاء في جزاء واحد. وعلى الثاني على كل واحد منهم جزاء، وعلى الثالث لا شيء إلا على من باشر القتل. المسالة الثامنة: إذا اشترك محرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم، كما إذا حذفوه بالحجارة والعصي حتى مات، فقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو قتلت جماعة واحداً، فإنهم يقتلون به جميعاً، لأن كل واحد قاتل. وكذلك هنا كل واحد قاتل صيداً فعليه جزاء. وقال الشافعي ومن وافقه: عليهم كلهم جزاء واحد، لقضاء عمر وعبد الرحمن، قاله القرطبي، ثم قال أيضاً: وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا فمرت بهم ضبع فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر فذكروا له ذلك، فقال: عليكم كلكم كبش، قالوا: أو على كل واحد منا كبش، قال: "إنكم لمعزز بكم عليكم كلكم كبش". قال اللغويون: لمعزز بكم أي لمشدد عليكم. وروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعاً فقال: "عليهم كبش يتخارجونه بينهم" ودليلنا قول الله سبحانه: {أية : وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ} تفسير : [المائدة: 95]. وهذا خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين الصَّيد قاتل نفساً على التمام والكمال بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص. وقد قلنا بوجوبه إجماعاً منا ومنهم فثبت ما قلناه. وقال ابو حنيفة: إذا قتل جماعة صيداً في الحرم وهم محلون، فعليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل أو الحرم، فإن ذلك لا يختلف. وقال مالك: على كل واحد منهم جزاء كامل. بناء على أن الرجل يكون محرماً بدخوله الحرم، كما يكون محرماً بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي فهو هاتك لها في الحالتين. وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي، قال: السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة. وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه. وإذا قتل المحلون صيداً في الحرم فإنما أتلفوا دابة محترمة، بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة فإن كل واحد منهم قاتل دابة. ويشتركون في القيمة، قال ابن العربي: وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا وهو عسير الانفصال علينا، اهـ من القرطبي. المسألة التاسعة: اعلم أن الصَّيد ينقسم إلى قسمين: قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير. وجمهور العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة، وخالف الإمام أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - الجمهور، فقال: إن المماثلة معنوية، وهي القيمة، أي قيمة الصَّيد في المكان الذي قتله فيه، أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصَّيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هدياً إن شاء، أو يشتري بها طعاماً، ويطعم المساكين كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر. واحتج أبو حنيفة - رحمه الله - بأنه لو كان الشبه من طريق الخلقة والصورة معتبراً في النعامة بدنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة، لما أوقفه على عدلين يحكمان به، لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه، ويختلف فيه وجه النظر. ودليل الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى: {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}تفسير : [المائدة: 95] الآية، فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعنوي، ثم قال: {مِنَ النَّعَم} فصرح ببيان جنس المثل، ثم قال: {أية : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} تفسير : [المائدة: 95] وضمير {به} راجع إلى المثل من النعم، لأنه لم يتقدم ذكر لسواه حتى يرجع إليه الضمير. ثم قال {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95] والذي يتصور أن يكون هدياً مثل المقتول من النعم، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هدياً ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، فاتضح أن المراد مثل من النعم، وقوله لو كان الشبه الخلقي معتبراً لما أوقفه على عدلين؟ أجيب عنه بأن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصَّيد من كبر وصغر، وما لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص، قاله القرطبي. قال مقيده عفا الله عنه: المراد ب المثلية في الآية التقريب، وإذاً فنوع المماثلة قد يكون خفياً لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة، ككون الشاة مثلاً للحمامة لمشابهتها لها في عب الماء والهدير. وإذا عرفت التحقيق في الجزاء بالمثل من النعم، فاعلم أن قاتل الصَّيد مخير بينه، وبين الإطعام، والصيام، كما هو صريح الآية الكريمة، لأن "أو" حرف تخيير، وقد قال تعالى: {أية : أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} تفسير : [المائدة: 95]، وعليه جمهور العلماء. فإن اختار جزاء بالمثل من النعم، وجب ذبحه في الحرم خاصة، لأنه حق لمساكين الحرم، ولا يجزئ في غيره كما نص عليه تعالى بقوله: {هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] والمراد الحرم كله، كقوله: {أية : ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} تفسير : [الحج: 33] مع أن المنحر الأكبر مني، وإن اختار الطعام، فقال مالك: أحسن ما سمعت فيه، أنه يقوم الصَّيد بالطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم مكان كل مد يوماً. وقال ابن القاسم عنه: إن قَوَّمَ الصَّيد بالدراهم، ثم قَوَّم الدراهم بالطعام، أجزأه. والصواب الأول. فإن بقي أقل من مد تصدق به عند بعض العلماء، وتممه مداً كاملاً عند بعض آخر، أما إذا صام، فإنه يكمل اليوم المنكسر بلا خلاف. وقال الشافعي: إذا اختار الإطعام، أو الصيام، فلا يقوم الصَّيد الذي له مثل، وإنما يقوم مثله من النعم بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام، فيطعم كل مسكين مداً، أو يصوم عن كل مد يوماً، ويتمم المنكسر. والتحقيق أن الخيار لقاتل الصَّيد الذي هو دافع الجزاء. وقال بعض العلماء: الخيار للعدلين الحكمين، وقال بعضهم: ينبغي للمحكمين إذا حكما بالمثل أن يخيرا قاتل الصَّيد بين الثلاثة المذكورة. وقال بعض العلماء: إذا حكما بالمثل لزمه، والقرآن صريح في أنه لا يلزمه المثل من النعم، إلا إذا اختاره على الإطعام والصَّوم، للتخيير المنصوص عليه بحرف التخيير في الآية. وقال بعض العلماء: هي على الترتيب، فالواجب الهدي، فإن لم يجد فالإطعام، فإن لم يجد فالصَّوم، ويروى هذا عن ابن عباس، والنخعي وغيرهما، ولا يخفى أن في هذا مخالفة لظهر القرآن، بلا دليل. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل مدين يوماً واحداً اعتباراً بفدية الأذى، قاله القرطبي. واعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة، أنه يصوم عدل الطعام المذكور، ولو زاد الصيام عن شهرين، أو ثلاثة. وقال بعض العلماء: لا يتجاوز صيام الجزاء شهرين. لأنهما أعلى الكفارات، واختاره ابن العربي، وله وجه من النظر، ولكن ظاهر الآية يخالفه. وقال يحيى بن عمر من المالكية: إنما يقال: كم رجلاً يشبع من هذا الصَّيد، فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد؟ فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده، قال القرطبي: وهذا قول حسن احتاط فيه. لأنه قد تكون قيمة الصَّيد من الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الإطعام. واعلم أن الأنواع الثلاثة واحد منها يشترط له الحرم إجماعاً، وهو الهدي كما تقدم، وواحد لا يشترط له الحرم إجماعاً، وهو الصَّوم، وواحد اختلف فيه، وهو الإطعام. فذهب بعض العلماء: إلى أنه لا يطعم إلا في الحرم، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم في موضع إصابة الصَّيد، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم حيث شاء. وأظهرها أنه حق لمساكين الحرم. لأنه بدل عن الهدي، أو نظير له، وهو حق لهم إجماعاً، كما صرح به تعالى بقوله: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة: 95]، وأما الصَّوم فهو عبادة تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق، فله فعلها في أي موضع شاء. وأما إن كان الصَّيد لا مثل له من النعم كالعصافير. فإنه يقوم، ثم يعرف قدر قيمته من الطعام، فيخرجه لكل مسكين مد، أو يصوم عن كل مد يوماً. فنحصل أن ماله مثل من النعم يخير فيه بين ثلاثة أشياء: هي الهدي، بمثله، والإطعام، والصيام. وأن ما لا مثل له يخير فيه بين شيئين فقط: وهما الإطعام، والصيام على ما ذكرنا. واعلم أن المثل من النعم له ثلاث حالات: الأولى: أن يكون تقدم فيه حكم من النَّبي صلى الله عليه وسلم. الثانية: أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصَّحابة، أو التابعين مثلاً. الثالثة: ألا يكون تقدم فيه حكم منه صلى الله عليه وسلم، ولا منهم رضي الله عنهم. فالذي حكم صلى الله عليه وسلم فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير ذلك، وذلك كالضبع، فإنه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بكبش، قال ابن حجر في التلخيص ما نصه: حديث "أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى في الضبع بكبش" أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان وأحمد، والحاكم في (المستدرك) من طريق عبد الرحمن بن أبي عمار حديث : عن جابر بلفظ سألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال: "هو صيد، ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم"تفسير : ، ولفظ الحاكم "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيبه المحرم كبشاً"، وجعله من الصَّيد وهو عند ابن ماجه إلا أنه لم يقل نجدياً، قال الترمذي: سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق وقد أعل بالوقف. وقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه البيهقي من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن جابر عن عمر قال: "لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش". الحديث، ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير به موقوفاً، وصحح وقفه في هذا الباب الدارقطني، ورواه الدارقطني والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل"،تفسير : وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، والبيهقي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عنه، وقد أعل بالإرسال. ورواه الشافعي من طريق ابن جريج عن عكرمة مرسلاً وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار المتقدم، وقال البيهقي: وروي عن ابن عباس موقوفاً أيضاً. قال مقيده عفا الله عنه: قضاؤه صلى الله عليه وسلم في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البخاري وعبد الحق له، وكذلك البيهقي والشافعي وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحاً من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى. كما هو الصحيح عند المحدثين: لأن الوصل والرفع من الزيادات، وزيادة العدل مقبولة كما هو معروف، وإليه الإشارة بقول صاحب (مراقي السعود): شعر : والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند إمام الحفظ.. إلخ تفسير : وأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصَّحابة، أو ممن بعدهم. فقال بعض العلماء: يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما من جديد، لأن الله قال: {أية : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}تفسير : [المائدة: 95]، وقد حكما بأن هذا مثل لهذا. وقال بعض العلماء: لا بد من حكم عدلين من جديد، وممن قال به مالك، قال القرطبي: ولو اجتزأ بحكم الصَّحابة رضي الله عنهم لكان حسناً. وروي عن مالك أيضاً أنه يستأنف الحكم في كل صيد ما عدا حمام مكة، وحمار الوحش، والظبي، والنعامة، فيكتفي فيها بحكم من مضى من السلف، وقد روي عن عمر "أنه حكم هو وعبد الرحمن بن عوف في ظبي بعنز" أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما. وروي عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد رضي الله عنهما "أنهما حكما في الظبي بتيس أعفر"، وعن ابن عباس وعمر، وعثمان وعلي، وزيد بن ثابت ومعاوية، وابن مسعود وغيرهم، "أنهم قالوا: في النعامة بدنة"، أخرجه البيهقي وغيره. وعن ابن عباس وغيره "أن في حمار الوحش والبقرة بقرة، وأن في الأيل، بقرة". وعن جابر "أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة"، أخرجه مالك والبيهقي، وروى الأجلح بن عبد الله هذا الأثر عن جابر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، والصحيح موقوف على عمر كما ذكره البيهقي وغيره، وقال البيهقي: وكذلك رواه عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر عن عمر من قوله، وعن ابن عباس "أنه قضى في الأرنب بعناق، وقال هي تمشي على اربع، والعناق كذلك، وهي تأكل الشجر، والعناق كذلك وهي تجتر، والعناق كذلك" رواه البيهقي. وعن ابن مسعود "أنه قضى في اليربوع بحفر أو جفرة" رواه البيهقي أيضاً، وقال البيهقي: قال ابو عبيد: قال أبو زيد: الجفر من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه، وعن شريح أنه قال: لو كان معي حكم حكمت في الثعلب بجدي، وروي عن عطاء أنه قال في الثعلب شاة، وروي عن عمر وأربد رضي الله عنهما "أنهما حكما في ضب قتله أربد المذكور بجدي قد جمع الماء والشجر" رواه البيهقي وغيره. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه "أنه حكم في أم حبين بجلان من الغنم"، والجلان الجدي، رواه البيهقي وغيره. تنبيه أقل ما يكون جزاء من النعم عند مالك شاة تجزئ ضحية، فلا جزاء عنده بجفرة ولا عناق، مستدلاً بأن جزاء الصَّيد كالدية لا فرق فيها بين الصغير والكبير، وبأن الله قال: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ}تفسير : [المائدة: 95] فلا بد أن يكون الجزاء يصح هدياً، ففي الضب واليربوع عنده قيمتها طعاماً. قال مقيده عفا الله عنه: قول الجمهور في جزاء الصغير بالصغير، والكبير بالكبير، هو الظاهر، وهو ظاهر قوله تعالى {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ}تفسير : [المائدة: 95] قال ابن العربي: وهذا صحيح، وهو اختيار علمائنا يعني مذهب الجمهور الذي هو اعتبار الصغر والكبر والمرض ونحو ذلك كسائر المتلفات. المسألة العاشرة: إذا كان ما أتلفه المحرم بيضاً، فقال مالك: في بيض النعامة عشر ثمن البدنة، وفي بيض الحمامة المكية عشر ثمن شاة، قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر، فإن استهل فعليه الجزاء كاملاً كجزاء الكبير من ذلك الطير، قال ابن الموار بحكومة عدلين وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر قيمته. قال مقيده عفا الله عنه: وهو الأظهر، قال القرطبي: روى عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة "حديث : أن النَّبي صلى الله عليه سلم قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه"،تفسير : أخرجه الدارقطني، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : في بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين"تفسير : ، قاله القرطبي، وإن قتل المحرم فيلاً فقيل: فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان، وإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعاماً، فيكون عليه ذلك. قال القرطبي: والعمل فيه أن يجعل الفيل في مركب وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام إلى الحد الذي نزل فيه والفيل فيه، وهذا عدله من الطعام وأما إن نظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه، فيكثر الطعام وذلك ضرر اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القرطبي في اعتبار مثل الفيل طعاماً فيه أمران: الأول: أنه لا يقدر عليه غالباً، لأن نقل الفيل إلى الماء، وتحصيل المركب ورفع الفيل فيه، ونزعه منه، لا يقدر عليه آحاد الناس غالباً، ولا ينبغي التكليف العام إلا بما هو مقدور غالباً لكل أحد. والثاني: أن كثرة القيمة لا تعد ضرراً، لأنه لم يجعل عليه إلا قيمة ما أتلف في الإحرام، ومن أتلف في الإحرام حيواناً عظيماً لزمه جزاء عظيم، ولا ضرر عليه، لأن عظم الجزاء تابع لعظم الجناية كما هو ظاهر. المسالة الحادية عشرة: أجمع العلماء على أن صيد الحرم المكي ممنوع، وأن قطع شجره، ونباته حرام، إلا الإذخر لقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "حديث : إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكة، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته، إلا لمعرف"تفسير : . فقال العباس إلا الإذخر، فإنه لا بد لهم منه، فإنه للقيون والبيوت، فقال: "حديث : إلا الإذخر"تفسير : ، متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وعن أبي هريرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قال: "حديث : لا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد"تفسير : ، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إلا الإذخر" تفسير : متفق عليه أيضاً. وفي لفظ "لا يعضد شجرها"، بدل قوله "لا يختلى شوكها"، والأحاديث في الباب كثيرة. واعلم أن شجر الحرم ونباته طرفان، وواسطة طرف لا يجوز قطعه إجماعاً، وهو ما أنبته الله في الحرم من غير تسبب الآدميين، وطرف يجوز قطعه إجماعاً، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول، والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه. وقال قوم منهم الشافعي بالمنع، وهو أحوط في الخروج من العهدة، وقال بعض العلماء: إن نبت أولا في الحل، ثم نزع فغرس في الحرم جاز قطعه، وإن نبت أولاً في الحرم، فلا يجوز قطعه، ويحرم قطع الشوك والعوسج، قال ابن قدامة في (المغني)، وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي، لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان. قال مقيده عفا الله عنه: قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين: الأول: أن السباع تتعرض لأذى الناس، وتقصده بخلاف الشوك. الثاني: أنه مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يعضد شوكه"تفسير : ، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار. قال في (مراقي السعود): شعر : والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى تفسير : وفساد الاعتبار قادح مبطل للدليل، كما تقرر في الأصول، واختلف في قطع اليابس من الشجر، والحشيش، فأجازه بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد. لأنه كالصيد الميت لا شيء على من قده نصفين، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولا يختلى خلاه"تفسير : . لأن الخلا هو الرطب من النبات، فيفهم منه أنه لا بأس بقطع اليابس. وقال بعض العلماء: لا يجوز قطع اليابس منه، واستدلوا له بأن استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس، وبأن في بعض طرق حديث أبي هريرة: ولا يحتش حشيشها، والحشيش في اللغة: اليابس من الشعب، ولا شك أن تركه أحوط. واختلف أيضاً في جواز ترك البهائم ترعى فيه، فمنعه أبو حنيفة، وروي نحوه عن مالك، وفيه عن أحمد روايتان، ومذهب الشافعي جوازه، واحتج من منعه بأن ما حرم اتلافه، لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، واحتج من أجازه بأمرين: الأول: حديث ابن عباس قال: "أقبلت راكباً على أتان، فوجدت النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع" متفق عليه، ومنى من الحرم. الثاني: أن الهدْيَ كان يدخل الحرم بكثرة في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وزمن أصحابه، ولم ينقل عن أحد الأمر بسد أفواه الهدي عن الأكل من نبات الحرم. وهذا القول أظهر، والله تعالى أعلم. وممن قال به عطاء، واختلف في أخذ الورق، والمساويك من شجر الحرم إذا كان أخذ الورق بغير ضرب يضر بالشجرة، فمنعه بعض العلماء لعموم الأدلة، وأجازه الشافعي، لأنه لا ضرر فيه على الشجرة، وروي عن عطاء، وعمرو بن دينار، أنهما رخصا في ورق السنا للاستمشاء بدون نزع أصله، والأحوط ترك ذلك كله، والظاهر أن من أجازه استدل لذلك بقياسه على الإذخر بجامع الحاجة. وقال ابن قدامة في (المغني): ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا ما سقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافاً، لأن الخبر إنما ورد في القطع، وهذا لم يقطع فأما إن قطعه آدمي، فقال أحمد: لم أسمع إذا قطع أنه ينتفع به، وقال في الدوحة تقطع من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وذلك لأنه ممنوع من اتلافه لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به، كالصيد يذبحه المحرم. ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به، لأنه انقطع بغير فعله، فأبيح له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ذبحه، لأن الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا تحصل بفعل بهيمة بخلاف هذا اهـ. وقال في المغني أيضاً: ويباح أخذ الكمأة من الحرم، وكذلك الفقع، لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة، وروى حنبل قال: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق، وما سقط من الشجر، وما أنبت الناس. واختلف في عشب الحرم المكي، هل يجوز أخذه لعلف البهائم؟ والأصح المنع لعموم الأدلة. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الحلال إذا قتل صيداً في الحرم المكي. فجمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار على أن عليه الجزاء، وهو كجزاء المحرم المتقدم، إلا أن أبا حنيفة قال: ليس فيه الصوم، لأنه إتلاف محض من غير محرم. وخالف في ذلك داود بن علي الظاهري، محتجاً بأن الأصل براءة الذمة ولم يرد في جزاء صيد الحرم نص، فيبق على الأصل الذي هو براءة الذمة وقوله هذا قوي جداً. واحتج الجمهور "بأن الصحابة رضي الله عنهم قضوا في حمام الحرم المكي بشاة شاة"، روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون إجماعاً سكوتياً، واستدلوا أيضاً بقياسه على صيد المحرم، بجامع أن الكل صيد ممنوع لحق الله تعالى، وهذا الذي ذكرنا عن جمهور العلماء من أن كل ما يضمنه المحرم يضمنه من في الحرم يستثنى منه شيئان: الأول: منهما القمل، فإنه مختلف في قتله في الإحرام، وهو مباح في الحرم بلا خلاف. والثاني: الصيد المائي مباح في الإحرام بلا خلاف، واختلف في اصطياده من آبار الحرم وعيونه، وكرهه جابر بن عبد الله، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لا ينفر صيدها" تفسير : فثبتت حرمة الصيد لحرمة المكان، وظاهر النص شمول كل صيد، ولأنه صيد غير مؤذ فأشبه الظباء، وأجازه بعض العلماء محتجاً بأن الإحرام لم يحرمه، فكذلك الحرم، وعن الإمام أحمد روايتان في ذلك بالمنع والجواز. وكذلك اختلف العلماء أيضاً في شجر الحرم المكي وخلاه، هل يجب على من قطعهما ضمان؟ فقالت جماعة من أهل العلم، منهم مالك، وأبو ثور، وداود: لا ضمان في شجره ونباته، وقال ابن المنذر: لا أجد دليلا أوجب به في شجر الحرم فرضاً من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: نستغفر الله تعالى. والذين قالوا بضمانه، منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، إلا أن أبا حنيفة قال: يضمن كله بالقيمة، وقال الشافعي، وأحمد: يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والخلا بقيمته والغصن بما نقص، فإن نبت ما قطع منه، فقال بعضهم: يسقط الضمان، وقال بعضهم بعدم سقوطه. واستدل من قال في الدوحة بقرة، وفي الشجرة الجزلة شاة بآثار رويت في ذلك عن بعض الصحابة كعمر وابن عباس، والدوحة: هي الشجرة الكبيرة، والجزلة: الصغيرة. المسألة الثانية عشرة: حرم المدينة اعلم أن جماهير العلماء على أن المدينة حرم أيضاً لا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها، وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: إن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له أحكام الحرم من تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترد هذا القول، وتقضي بأن ما بين لابتي المدينة حرم لا ينفر صيده، ولا يختلي خلاه إلا لعلف، فمن ذلك حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة"تفسير : ، الحديث متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "حديث : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة حمى"تفسير : متفق عليه أيضاً، وكان أبو هريرة يقول: "لو رأيت الظباء ترتع في المدينة ما ذعرتها": وعن أبي هريرة أيضاً في المدينة قال: "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم شجرها أن يخبط أو يعضد"تفسير : رواه الإمام أحمد، وعن أنس أن النَّبي صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة، فقال: "حديث : اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم" تفسير : متفق عليه. وللبخاري عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : المدينة حرام من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين"تفسير : ، ولمسلم عن عاصم الأحول، قال: سألت أنساً أَحْرَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ فقال: نعم هي حرام لا يُختلى خلاها"، الحديث. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إني حرمت المدنية، حرام ما بين مأزميها ألا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف"تفسير : ، رواه مسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها"تفسير : ، رواه مسلم أيضاً. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المدينة حرام ما بين عير إلى ثور"تفسير : ، الحديث متفق عليه. وعن علي رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في المدينة "حديث : لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره"تفسير : ، رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها ". تفسير : وقال: "حديث : المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يخرج عنها أحد رغبة إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شهيداً، أو شفيعاً يوم القيامة"تفسير : ، رواه مسلم. وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها" تفسير : رواه مسلم أيضاً. وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: حديث : أهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى المدينة، فقال: "إنها حرم آمن"،تفسير : رواه مسلم في صحيحه أيضاً. وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد رضي الله عنهما "أنه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إني حرمت ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة ". تفسير : قال: وكان أبو سعيد الخدري يجد في يد أحدنا الطير، فيأخذه فيفكه من يده، ثم يرسله، رواه مسلم في صحيحه أيضاً، وعن عبد الله بن عبادة الزرقي، "أنه كان يصيد العصافير في بئر إهاب، وكانت لهم، قال: فرآني عبادة، وقد أخذت عصفوراً فانتزعه مني فأرسله، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُرِّم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم عليه السلام مكة"تفسير : وكان عبادة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه البيهقي. وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: اصطدت طيراً بالقنبلة، فخرجت به في يدي فلقيني أبي عبدالرحمن بن عوف، فقال: ما هذا في يدك؟ فقلت اصطدته بالقنبلة، فعرك أذني عركاً شديداً، وانتزعه من يدي، فأرسله، فقال: "حديث : حَرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم صيد ما بين لابتيها"،تفسير : رواه البيهقي أيضاً، والقنبلة: آلة يصاد بها النهس وهو طائر. وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه "أنه وجد غلماناً قد ألجؤوا ثعلباً إلى زاوية فطردهم عنه"، قال مالك: ولا أعلم إلا أنه قال: "أفي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هذا"، رواه البيهقي أيضاً. وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه "أنه وجد رجلاً بالأسواف - وهو موضع بالمدينة - وقد اصطاد نهساً فأخذه زيد من يده فأرسل، ثم قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم صيد ما بين لابتيها"، رواه البيهقي، والرجل الذي اصطاد النهس هو شرحبيل بن سعد والنهي بضم النون وفتح الهاء بعدهما سين مهملة - طير صغير فوق العصفور شبيه بالقنبرة. والأحاديث في الباب كثيرة جداً، ولا شك في أن النصوص الصحيحة الصريحة التي أوردناها في حرم المدينة لا شك معها، ولا لبس في أنها حرام، لا ينفر صيدها، لا يقطع شجرها، ولا يختلى خلاها إلا لعلف، وما احتج به بعض أهل العلم على أنها غير حرام من قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما فعل النَّعَيْر يَا أَبَا عُمَيْرٍ"تفسير : ، لا دليل فيه، لأنه محتمل لأن يكون ذلك قبل تحريم المدينة، ومحتمل لأن يكون صيد في الحل، ثم أدخل المدينة. وقد استدل به بعض العلماء على جواز إمساك الصيد الذي صيد في الحل وإدخاله المدينة، وما كان محتملاً لهذه الاحتمالات لا تعارض به النصوص الصريحة الصحيحة الكثيرة التي لا لبس فيها ولا احتمال، فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء القائلين بحرمة المدينة، وهم جمهور علماء الأمة اختلفوا في صيد حرم المدينة هل يضمنه قاتله أو لا؟ وكذلك شجرها، فذهب كثير من العلماء منهم مالك والشافعي في الجديد، وأصحابهما وهو إحدى الروايتين عن أحمد، و عليه أكثر أهل العلم إلى أنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلم يجب فيه جزاء كصيد وج. واستدلوا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المدينة حرم ما بين عير وثور، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى فيها محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلاً"تفسير : ، فذكره صلى الله عليه وسلم لهذا الوعيد الشديد في الآخرة، ولم يذكر كفارة في الدنيا دليل على أنه لا كفارة تجب فيه في الدنيا، وهو ظاهر. وقال ابن أبي ذئب، وابن المنذر: يجب في صيد الحرم المدني الجزاء الواجب في صيد الحرم المكي، وهو قول الشافعي في القديم. واستدل أهل هذا القول بأنه صلى الله عليه وسلم صرح في الأحاديث الصحيحة المتقدمة بأنه حرم المدينة مثل تحريم إبراهيم لمكة، ومماثلة تحريمها تقتضي استواءهما في جزاء من انتهك الحرمة فيهما. قال القرطبي، قال القاضي عبد الوهاب: وهذا القول أقيس عندي على أصولنا لا سيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: ومذهب الجمهور في تفضيل مكة، وكثرة مضاعفة الصلاة فيها زيادة على المدينة بمائة ضعف أظهر لقيام الدليل عليه، والله تعالى أعلم. وذهب بعض من قال بوجوب الجزاء في الحرم المدني إلى أن الجزاء فيه هو أخذ سلب قاتل الصيد، أو قاطع الشجر فيه. قال مقيده عفا الله عنه: وهذا القول هو أقوى الأقوال دليلاً. لما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه "أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبداً يقطع شجراً، أو يخبطه فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه، أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئاً نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى أن يرده عليهم"، رواه مسلم في صحيحه، وأحمد وما ذكره القرطبي في تفسيره رحمه الله من أن هذا الحكم خاص بسعد رضي الله عنه، مستدلاً بأن قوله "نفلنيه" أي أعطانيه ظاهر في الخصوص به دون غيره فيه عندي أمران: الأول: أن هذا لا يكفي في الدلالة على الخصوص، لأن الأصل استواء الناس في الأحكام الشرعية إلا بدليل، وقوله "نفلنيه" ليس بدليل، لاحتماله أنه نفل كل من وجد قاطع شجر، أو قاتل صيد بالمدينة ثيابه، كما تنفل سعداً، وهذا هو الظاهر. الثاني: أن سعداً نفسه روي عنه تعميم الحكم، وشموله لغيره، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن سليمان بن أبي عبد الله قال: "رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلاً يصيد في حرم المدينة الذي حَرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلبه ثيابه فجاء مواليه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم، وقال: "حديث : من رأيتموه يصيد فيه شيئاً فلكم سلبه"تفسير : . فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إن شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم" وفي لفظ "من أخذ أحداً يصيد فيه فليسلبه ثيابه" وروى هذا الحديث أيضاً الحاكم وصححه، وهو صريح في العموم وعدم الخصوص بسعد كما ترى، وفيه تفسير المراد بقوله "نفلنيه" وأنه عام لكل من وجد أحداً يفعل فيها ذلك. وتضعيف بعضهم لهذا الحديث بأن في إسناده سليمان بن أبي عبد الله غير مقبول، لأن سليمان بن أبي عبد الله مقبول، قال فيه الذهبي: تابعي وثق، وقال فيه ابن حجر في (التقريب): مقبول. والمقبول عنده كما بينه في مقدمة تقريبه: هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله فهو مقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث، وقال فيه ابن أبي حاتم: ليس بمشهور، ولكن يعتبر بحديثه اهـ. وقد تابع سليمان بن أبي عبد الله في هذا الحديث عامر بن سعد عند مسلم وأحمد، ومولى لسعد عند أبي داود كلهم عن سعد رضي الله عنه، فاتضح رد تضعيفه مع ما قدمنا من أن الحاكم صححه، وأن الذهبي قال فيه: تابعي موثق. والمراد بسلب قاطع الشجر أو قاتل الصيد في المدينة أخذ ثيابه. قال بعض العلماء: حتى سراويله. والظاهر ما ذكره بعض أهل العلم من وجوب ترك ما يستر العورة المغلظة، والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء: السلب هنا سلب القاتل، وفي مصرف هذا السلب ثلاثة أقوال: أصحها: أنه للسالب كالقتيل، ودليله حديث سعد المذكور. والثاني: أنه لفقراء المدينة. والثالث: أنه لبيت المال، والحق الأول. وجمهور العلماء على أن حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه، أن قدره اثنا عشر ميلاً من جهات المدينة لا يجوز قطع شجره، ولا خلاه، كما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يهش هشاً رقيقاً" تفسير : أخرجه أبو داود والبيهقي، ولم يضعفه أبو داود، والمعروف عن أبي داود رحمه الله إنه إن سكت عن الكلام في حديث فأقل درجاته عنده الحسن. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث جابر المذكور: رواه أبو داود بإسناد غير قوي لكنه لم يضعفه اهـ، ويعتضد هذا الحديث بما رواه البيهقي بإسناده عن محمد بن زياد قال: "كان جدي مولى لعثمان بن مظعون، وكان يلي أرضاً لعثمان فيها بقل وقثاء. قال: فربما أتاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف النهار، واضعاً ثوبه على راسه يتعاهد الحِمَى، ألا يعضد شجره، ولا يخبط. قال: فيجلس إليَّ فيحدثني، وأطعمه من القثاء والبقل، فقال له يوماً: أراك لا تخرج من ها هنا. قال: قلت: أجل. قال: إني أستعملك على ما ها هنا فمن رأيت يعضد شجراً أو يخبط فخذ فأسه، وحبله، قال: قلت آخذ رداءه، قال: لا" وعامة العلماء على أن صيد الحمى المذكور غير حرام، لأنه ليس بحرم، وإنما هو حمى حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم للخيل وإبل الصدقة والجزية، ونحو ذلك. واختلف في شجر الحمى هل يضمنه قاطعه؟ والأكثرون على أنه لا ضمان فيه، وأصح القولين عند الشافعية، وجوب الضمان فيه بالقيمة، ولا يسلب قاطعه، وتصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية. المسالة الثالثة عشرة: اعلم أن جماهير العلماء على إباحة صيد وج، وقطع شجره. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: أكره صيد وج، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم. واختلفوا فيه على القول بحرمته، هل فيه جزاء كحرم المدينة أو لا شيء فيه؟ ولكن يؤدب قاتله، وعليه أكثر الشافعية. وحجة من قال بحرمة صيد وج ما رواه أبو داود، وأحمد والبخاري في تاريخه، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صَيدَ وَج محرَّم" تفسير : الحديث. قال ابن حجر في (التلخيص): سكت عليه أبو داو وحسنه المنذري، وسكت عليه عبد الحق، فتعقبه ابن القطان بما نقل عن البخاري، أنه لم يصح، وكذا قال الأزدي. وذكر الذهبي، أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه، وقال ابن حبان في رواية المنفرد به، وهو محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي كان يخطئ، ومقتضاه تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف، وقال العقيلي: لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف، وقال النووي في شرح المهذب: إسناده ضعيف. وذكر البخاري في تاريخه في ترجمة عبد الله بن إنسان أنه لا يصح. وقال ابن حجر في (التقريب) في حمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي الطائفي المذكور: لين الحديث، وكذلك أبوه عبد الله الذي هو شيخه في هذا الحديث: قال فيه أيضاً: لين الحديث، وقال ابن قدامة في المغني في هذا الحديث في صيد وج: ضعفه أحمد ذكره الخلال في كتاب (العلل)، فإذا عرفت هذا ظهر لك حجة الجمهور في إباحة صيد وج وشجره كون الحديث لم يثبت، والأصل براءة الذمة، ووج - بفتح الواو، وتشديد الجيم - أرض بالطائف. وقال بعض العلماء: هو واد بصحراء الطائف، وليس المراد به نفس بلدة الطائف. وقيل: هو كل أرض الطائف، وقيل هو اسم لحصون الطائف وقيل، لواحد منها وربما التبس وجّ المذكور بوح - بالحاء المهملة - وهي ناحية نعمان: فإذا عرفت حكم صيد المحرم، وحكم صيد مكة، والمدينة، ووجّ، مما ذكرنا فاعلم أن الصيد المحرم إذا كان بعض قوائمه في الحل، وبعضها في الحرم، أو كان على غصن ممتد في الحل، وأصل شجرته في الحرم، فاصطياده حرام على التحقيق تغليباً لجانب حرمة الحرم فيهما. أما إذا كان أصل الشجرة في الحل، وأغصانها ممتدة في الحرم، فاصطاد طيراً واقعاً على الأغصان الممتدة في الحرم، فلا إشكال في أنه مصطاد في الحرم، لكون الطير في هواء الحرم. واعلم أن ما ادعاه بعض الحنفية، من أن أحاديث تحديد حرم المدينة مضطربة لأنه وقع في بعض الروايات باللابتين، وفي بعضها بالحرتين، وفي بعضها بالجبلين، وفي بعضها بالمأزمين، وفي بعضها بعير وثور، غير صحيح لظهور الجمع بكل وضوح. لأن اللابتين هما الحرتان المعروفتان، وهما حجارة سود على جوانب المدينة والجبلان هما المأزمان، وهما عير وثور والمدينة بين الحرتين، كما أنها أيضاً بين ثور وعير، كما يشاهده من نظرها. وثور جبيل صغير يميل إلى الحمرة بتدوير خلف أحد من جهة الشمال. فمن ادعى من العلماء أنه ليس في المدينة جبل يسمى ثوراً، فغلط منه. لأنه معروف عند الناس إلى اليوم، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح. واعلم أنه على قراءة الكوفيين {أية : فَجَزَآءٌ مِّثْلُ}تفسير : [المائدة: 95] الآية. بتنوين جزاء، ورفع مثل فالأمر واضح، وعلى قراءة الجمهور {فَجَزَآءٌ مِّثْلُ} بالإضافة، فأظهر الأقوال أن الإضافة بيانية، أي جزاء هو مثل ما قتل من النعم، فيرجع معناه إلى الأول، والعلم عند الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 96- أحل الله لكم أن تصيدوا حيوان البحار، وأن تأكلوا منه، وينتفع به المقيمون منكم والمسافرون، وحرَّم عليكم أن تصيدوا حيوان البر غير المستأنس، مما جرت العادة بعدم تربيته فى المنازل والبيوت، مدة قيامكم بأعمال الحج أو العمرة بالحرم، وراقبوا الله وخافوا عقابه، فلا تخالفوه، فإنكم إليه ترجعون يوم القيامة، فيجازيكم على ما تعملون. 97- جعل الله الكعبة، وهى البيت الذى عظَّمه وحرَّم الاعتداء فيه على الإنسان والحيوان غير المستأنس وفيما حوله، جعله قائماً معظماً يأمن الناس فيه، ويتجهون إليه فى صلاتهم، ويحجون إليه ليكونوا فى ضيافة الله، وليعملوا على جمع شملهم، وكذلك جعل شهر الحج وما يهدى إلى الكعبة من الأنعام، وخاصة ما يوضع فى عنقه القلائد لإشعار الناظرين بأنه مهدى إلى البيت. ونتيجة القيام بذلك أن تستيقنوا أن علمه محيط بما فى السموات التى ينزل منها الوحى بالتشريع، ومحيط بما فى الأرض، فيشرع لمن فيها بما يقوم بمصالحهم. وإن علمه بكل شئ محيط. 98- اعلموا - أيها الناس - أن عذاب الله شديد ينزل بمن يستبيح حرماته، وأنه كثير المغفرة لذنوب من يتوب ويحافظ على طاعاته، واسع الرحمة بهم فلا يؤاخذهم حينئذ بما وقع منهم. 99- ليس على الرسول إلا أن يبلغ للناس ما يوحى إليه لتقوم عليهم الحُجة، وينقطع عنهم العذر. فلتعملوا بما بلَّغه إليكم، فإن الله يعلم ما تظهرون وما تخفون. 100- قل - يا أيها النبى - للناس: لا يتساوى ما أباحه الله لكم من الطيبات، وما حرَّمه عليكم من الخبائث، فإن الفرق بينهما كبير عند الله، ولو كثر الخبيث وأعجب كثيراً من الناس. فاجعلوا - يا أصحاب العقول - طاعة الله وقاية لكم من عذابه باختيار الطيبات واجتناب الخبائث، لتكونوا من الفائزين فى الدنيا والآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَتَاعاً} (96) - أحَلَّ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ صَيْدَ البَحْرِ (وَهُوَ مَا يُصَادُ طَرِيّاً)؛ كَمَا أحَلَّ لَكُمْ طَعَامَهُ (وَهُوَ مَا يُتَزَوَّدُ مِنْهُ مُمَلَّحاً أوْ يَابِساً - وَرُوِيَ أنَّ كَلِمَةَ طَعَامِهِ تَعْنِي مَا قَذَفَهُ البَحْرُ عَلَى شُطْآنِهِ فَمَاتَ، أَوْ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ البَحْرُ مَيِّتاً مِنَ حَيَوَانَاتِهِ). وَقَدْ جَعَلَ اللهُ صَيْدَ البَحْرِ وَطَعَامَه مَتَاعاً يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَسْتَمْتِعُ مَنْ كَانَ مُقيماً بِحَاضِرَةِ البَحْرِ، أوْ مُجَتَازاً بِهِ فِي سَفَرٍ (لِلسَّيَارَةِ). وَكَرَّرَ تَعَالَى التَّأكِيدَ عَلَى حُرْمَةِ صَيْدِ البَرِّ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ. وَكَرَّرَ اللهُ تَعَالَى الأمْرَ لِلْمُؤْمِنينَ بِتَقْوَى رَبِّهِم الذِي سَيُحْشَرُونَ إلَيهِ فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى كُلِّ أفْعَالِهِمْ. (وَيُحرِّمُ اللهُ أكلْ لَحْمِ صَيدِ البَرِّ عَلَى المُحْرِمِ، إذَا كَانَ الصَّيْدُ قَدْ وَقَعَ لأجْلِهِ، أمَّا إذا لَمْ يُقْصَدْ هُوَ بِالصَّيْدِ، وَلَمْ يُشِرِ هُوَ بِهِ، وَلَمْ يُعِنْ عَلَيهِ، جَازَ لَهُ أكْلُهُ). لِلسَّيَارَةِ - لِلْمُسَافِرِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا قول دقيق يبين تحليل صيد البحر وطعامه، وتحريم صيد البر على المحرم كما حرّم الصيد في دائرة الحرم على المحرم وغير المحرم؛ لأن المسألة ليست رتابة حِلٍ، ولا رتابة حُرمة، إنما هي خروج عن مراد النفس إلى مراد الله. وصيد البحر هو ما نأخذه بالحيل ونأكله طرياً، وطعام البحر هو ما يعد ليكون طعاماً بأن نملحه ولذلك قال: {مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}. ولهذا جاء الحق بطعام البحر معطوفاً على صيد البحر. والشيء لا يعطف على نفسه، فإذا ما جاء العطف فهو عطف شيء على شيء آخر، فالعطف يقتضي المغايرة. إذن فالمقيم يأكل السمك الطري والذي في سيارة ورحلة فليأخذ السمك ويجففه ويملحه طعاماً له، مثلما فعل سيدنا موسى مع الحوت. ولكنْ هناك ألوان من الصيد ليست للأكل، كاللؤلؤ والمرجان والحيوانات التي نستخرجها من البحر لعظامها وأسنانها وخلاف ذلك، فماذا يكون الموقف؟ لقد أباح لنا سبحانه الاستمتاع بكل صيد البحر. وجاء هذا التحليل هنا بأسلوب اللف والنشر، مثلما قال الحق: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [القصص: 73]. وكلنا يعرف أن الليل للراحة والنهار للتعب. والليل يسلم للنهار، والنهار يسلم لليل. إذن فالمسكن يعود إلى الليل، وابتغاء الفضل بالكد يعود إلى النهار. إذن فقد جاء الحكم على طريق اللف والنشر المرتب، وأوضحت من قبل كيف أن الشاعر العربي قد فعل ذلك فقال: شعر : قلبي وجفني واللسان وخالقي راضٍ وباكٍ شاكرٌ وغفورُ. تفسير : فالقلب راض، والجفن باكٍ، واللسان شاكر، والخالق غفور، ولكن الشاعر جاء بالأحكام منشورة بعد أن لف الكلمات الأربع الأولى. أي أنه طوى المحكوم عليه مع بعضه ثم نشر الأحكام من بعد ذلك. وفي حياتنا - في أثناء السفر - نشتري الهدايا للأبناء ونرتبها حسب ورود الأبناء إلى حياتنا، أي أننا نلف الهدايا ثم ننشرها من بعد ذلك. وبعد أن حلل الحق صيد البحر جاء بتحريم صيد البر إن كنا حُرُماً، وذلك تأكيد جديد على تحريم صيد البر في أثناء الإحرام أو الوجود في الحرم. ويذيل الحق الآية بقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُون} أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية؛ لأنكم لستم بقادرين على تحمل عذاب النار، فالحق - كما قلنا من قبل - له صفات جمال، وهي التي تأتي بما ييسر وينفع كالبسط، والمغفرة والرحمة، وله سبحانه وتعالى صفات القهر مثل: الجبار وشديد العقاب وغيرها. وكل صفة من صفات الحق لها مطلوب. فعندما يذنب الإنسان فالتجلي في صفات الله يكون لصفات الجلال، ومن جنود صفات الجلال النار. إذن فإياكم أن تظنوا أنكم انفلتم من الله، فمساحة الحرية الممنوحة لكل إنسان تقع في المسافة بين قوسين: قوس الميلاد، وقوس الموت، فلا أحد يتحكم في ميلاده أو وفاته. إياك - إذن - أيها الإنسان أن تقع أسير الغرور؛ لأنك مختار فيهم بين القوسين. ومحكوم بقهرين، قهر أنه قد خلقك بدءاً، وقهر أنك ستعود إليه - سبحانه وتعالى - نهاية. ويقول الحق من بعد ذلك: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير قال: "صيده" ما صيد منها و {وَطَعَامُهُ}: ما لفظ [الآية: 96]. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال {وَطَعَامُهُ} [الآية: 96]: حيتانه. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا هشيم عن المغيرة، عن إِبراهيم قال: {وَطَعَامُهُ}: المملوح [الآية: 96]. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مَتَاعاً لَّكُمْ} أَهل القرى {وَلِلسَّيَّارَةِ} [الآية: 96]. لأَهل الأَمصار وأَجناس الناس كلهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} [المائدة: 96]، ما تصيدون من بحر المعرفة بالمشاهدة والكشوف {وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96]، يعني: تنفقون بما يرد عليكم ومردات الحق وتجلي الصفات كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : وتطعمون منه السائرين إلى الله من أهل الإرادة كقوله تعالى:- {أية : فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ}تفسير : [الحج: 28]، وهذا حال المشايخ وأهل التربية من العلماء الراسخين {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [المائدة: 96]، أيها الطلاب {صَيْدُ ٱلْبَرِّ} [المائدة: 96]، وهو ما سنح في أثناء السير إلى الله من مطالب الدنيا والآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا حرام على أهل الآخرة... الحديث"تفسير : {مَا دُمْتُمْ حُرُماً} [المائدة: 96]؛ أي: محرمين إلى الكعبة الوصال متوجهين إلى حضرة الجلال، فإن حكم المتوجه بنا في حكم الواصل الكامل؛ لأن من وصل صار محواً فالمتوجه صاح فرق بعيد بين الصاحي والماحي، فإن أفعال الصاحي به، ومنه وأحوال الماحي ليست به ولا منه، والله غالب على أمره "حديث : فبي يسمع وبي يبصر وبي وينطق وبي يبطش"تفسير : ولهذا قال تعالى: {أية : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ}تفسير : [المائدة: 2]، إلي إذا فرغتم من مناسك الوصول وسلكتم مسالك الوصول سقط عنكم كلف المجرمين ومؤنات المسافرين، وثبت لكن لزوم العاكفين وأحكام الطائفين كما قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيۤ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة: 96]؛ أي: اتقوا بالله الذي تجمعون وتصلون إليه عما سواه لكيلا تجوروا بعدما تكوروا نعوذ بالله من الجور بعد الكور. ثم أخبر عن القيام أنه بالبيت الحرام بقوله تعالى: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ} [المائدة: 97]، إشارة أن الله تعالى كما جعل الكعبة في الظاهر قياماً للناس العوام والخواص يلوذون ويستحجبون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والآخروية، كذلك جعل كعبة القلب في الباطن قياماً للخواص وخواص الخواص ليلوذوا بطريق دوام الذكر، ونفي الخواطر بالكلية وإثبات الحق بالربوبية والوحدانية بأن لا موجود إلا هو ولا وجود إلا له، ولا مطلوب ولا محبوب إلا هو وسماه البيت الحرام ليعلم أنه بيت الله على الحقيقة وحرام أن يسكن فيه غيره، فيرى فيه ذكر ما سوى الحق وحبه، وطلبه الإذن يفتح الله له أبواب فضله ورحمته {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} [المائدة: 97]، وهو أيام الطلب والسير إلى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق {وَٱلْهَدْيَ} [المائدة: 97]، وهو النفس البهيمية فساق إلى كعبة القلب مع {وَٱلْقَلاَئِدَ} [المائدة: 97]، وهي أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ} [المائدة: 97]، بالحقيقة {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المائدة: 97].
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 258 : 27 : 22 - سفين عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} الطري {وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ} قال، السمك المالح. [الآية 96].
همام الصنعاني
تفسير : 736- حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، في قوله تعالى: {صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ}: [الآية: 96]، قال: صيدجه ما اصطدت منهُ، وطعامه ما اصطدت منه مملوحاً في سَفَرِك. 737- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عمر: {وَطَعَامُهُ} ما قذف، وصيده ما اصطدت. 738- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن أبا بكرٍ قال: الحيتان كلها ذِكيّ، حَيَّةً ومَيْتةً. 739- قال قتادة: وما طفا على الماء فليس به بأس. 740- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن البحر؟ قال: "حديث : هو الذي حلال ميتته طهور ماؤُهُ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):