٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ }. اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أن الله تعالى حرّم في الآية المتقدمة الاصطياد على المحرم، فبين أن الحرم كما أنه سبب لأمن الوحش والطير، فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر {قَيِّماً } بغير ألف، ومعناه المبالغة في كونه قائماً بإصلاح مهمات الناس كقوله تعالى: {أية : دِينًا قِيَمًا } تفسير : [الأنعام: 161] والباقون بالألف، وقد استقصينا ذلك في سورة النساء. المسألة الثانية: {جَعَلَ } فيه قولان: الأول: أنه بين وحكم، الثاني: أنه صير، فالأول بالأمر والتعريف، والثاني بخلق الدواعي في قلوب الناس لتعظيمه والتقرب إليه. المسألة الثالثة: سميت الكعبة كعبة لارتفاعها، يقال للجارية إذا نتأ ثديها وخرج كاعب وكعاب، وكعب الإنسان يسمى كعباً لنتوه من الساق، فالكعبة لما ارتفع ذكرها في الدنيا واشتهر أمرها في العالم سميت بهذا الاسم، ولذلك فإنهم يقولون لمن عظم أمره فلان علا كعبه. المسألة الرابعة: قوله {قِيَاماً لّلنَّاسِ } أصله قوام لأنه من قام يقوم، وهو ما يستقيم به الأمر ويصلح، ثم ذكروا ههنا في كون الكعبة سبباً لقوام مصالح الناس وجوهاً: الأول: أن أهل مكة كانوا محتاجين إلى حضور أهل الآفاق عندهم ليشتروا منهم ما يحتاجون إليه طول السنة، فإن مكة بلدة ضيقة لا ضرع فيها ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاجون إلية، فالله تعالى جعل الكعبة معظمة في القلوب حتى صار أهل الدنيا راغبين في زيارتها، فيسافرون إليها من كل فج عميق لأجل التجارة ويأتون بجميع المطالب والمشتهيات، فصار ذلك سبباً لاسباغ النعم على أهل مكة. الثاني: أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 67] الثالث: أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم. الرابع: أنه تعالى جعل الكعبة قواماً للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة، وجعل تلك المناسك سبباً لحط الخطيآت، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات. واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني، وإما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع، فلما كانت الكعبة سبباً لحصول هذه الأقسام الأربعة، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس. المسألة الخامسة: المراد بقوله {قِيَاماً لّلنَّاسِ } أي لبعض الناس وهم العرب، وإنما حسن هذا المجاز لأن أهل كل بلد إذا قالوا الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فإنهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم. المسألة السادسة: اعلم أن الآية دالة على أنه تعالى جعل أربعة أشياء سبباً لقيام الناس وقوامهم. الأول: الكعبة وقد بينا معنى كونها سبباً لقيام الناس، وأما الثاني: فهو الشهر الحرام ومعنى كونه سبباً لقيام الناس هو أن العرب كان يقتل بعضهم بعضاً في سائر الأشهر، ويغير بعضهم على بعض، فإذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على الأسفار والتجارات وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم وكانوا يحصلون في الشهر الحرام من الأقوات ما كان يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة الشهر الحرام لهلكوا وتفانوا من الجوع والشدة فكان الشهر الحرام سبباً لقوام معيشتهم في الدنيا أيضاً. فهو سبب لاكتساب الثواب العظيم بسبب إقامة مناسك الحج. واعلم أنه تعالى أراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة إلا أنه عبّر عنها بلفظ الواحد لأنه ذهب به مذهب الجنس. وأما الثالث: فهو الهدي وهو إنما كان سبباً لقيام الناس، لأن الهدي ما يهدى إلى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء فيكون ذلك نسكاً للمهدي وقواماً لمعيشة الفقراء. وأما الرابع: فهو القلائد، والوجه في كونها قياماً للناس أن من قصد البيت في الشهر الحرام لم يتعرض له أحد، ومن قصده من غير الشهر الحرام ومعه هدي، وقد قلده وقلد نفسه من لحاء شجرة الحرم لم يتعرض له أحد، حتى أن الواحد من العرب يلقى الهدي مقلداً، ويموت من الجوع فلا يتعرض له البتة، ولم يتعرض لها صاحبها أيضاً، وكل ذلك إنما كان لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت الحرام، فكل من قصده أو تقرب إليه صار آمناً من جميع الآفات والمخافات، فلما ذكر الله تعالى أنه جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناسي ذكر بعده هذه الثلاثة، وهي الشهر الحرام والهدي والقلائد، لأن هذه الثلاثة إنما صارت سبباً لقوام المعيشة لانتسابها إلى البيت الحرام، فكان ذلك دليلاً على عظمة هذا البيت وغاية شرفه. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ }. والمعنى: أنه تعالى لما علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص الشديد على القتل والغارة وعلم أنه لو دامت بهم هذه الحالة لعجزوا عن تحصيل ما يحتاجون إليه من منافع المعيشة، ولأدى ذلك إلى فنائهم وانقطاعهم بالكلية، دبر في ذلك تدبيراً لطيفاً، وهو أنه ألقى في قلوبهم اعتقاداً قوياً في تعظيم البيت الحرام وتعظيم مناسكه، فصار ذلك سبباً لحصول الأمن في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، فلما حصل الأمن في هذا المكان وفي هذا الزمان، قدروا على تحصيل ما يحتاجون إليه في هذا الزمان، وفي هذا المكان، فاستقامت مصالح معاشهم، ومن المعلوم أن مثل هذا التدبير لا يمكن إلا إذا كان تعالى في الأزل عالماً بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات حتى يعلم أن الشر غالب على طباعهم، وأن ذلك يفضي بهم إلى الفناء وانقطاع النسل، وأنه لا يمكن دفع ذلك إلا بهذا الطريق اللطيف، وهو إلقاء تعظيم الكعبة في قلوبهم حتى يصير ذلك سبباً لحصول الأمان في بعض الأمكنة، وفي بعض الأزمنة، فحينئذ تستقيم مصالح معاشهم في ذلك المكان، وفي ذلك الزمان، وهذا هو بعينه الدليل الذي تمسك به المتكلمون على كونه تعالى عالماً، فإنهم يقولون إن أفعاله محكمة متقنة مطابقة للمصالح، وكل من كان كذلك كان عالماً، ومن المعلوم أن إلقاء تعظيم الكعبة في قلوب العرب لأجل أن يصير ذلك سبباً لحصول الأمن في بعض الأمكنة، وفي بعض الأزمنة، ليصير ذلك سبب اقتدارهم على تحصيل مصالح المعيشة، فعل في غاية الاتقان والاحكام، فيكون ذلك دليلاً قاهراً وبرهاناً باهراً، على أن صانع العالم سبحانه وتعالى عالم بجميع المعلومات، فلا جرم قال ذلك {لّتَعْلَمُواْ } أي ذلك التدبير اللطيف لأجل أن تتفكروا فيه، فتعلموا أنه تدبير لطيف وفعل محكم متقن، فتعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ثم إذا عرفتم ذلك، عرفتم أن علمه سبحانه وتعالى صفة قديمة أزلية واجبة الوجود، وما كان كذلك، امتنع أن يكون مخصوصاً بالبعض دون البعض، فوجب كونه متعلقاً بجميع المعلومات، وإذا كان كذلك، كان الله سبحانه عالماً بجميع المعلومات، فلذلك قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فما أحسن هذا الترتيب في هذا التقدير والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ} جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدّم. وقد سُمْيت الكَعْبة كعبة؛ لأنها مربّعة وأكثر بيوت العرب مُدوّرة. وقيل: إنما سُمّيت كعبة لنتوئها وبروزها، فكلّ ناتىء بارز كَعْب، مستديراً كان أو غير مستدير. ومنه كَعْب القَدَم وكُعُوب القناة. وكَعَبَ ثديُ المرأة إذا ظهر في صدرها. والبيت سُمّي بذلك لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية وإن لم يكن بها ساكن. وسماه سبحانه حراماً بتحريمه إياه؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن مكة حَرَّمها الله ولم يُحرِّمها الناس » تفسير : وقد تقدم أكثر هذا مستوفى والحمد لله. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {قِيَاماً لِّلنَّاسِ} أي صلاحاً ومعاشاً، لأمن الناس بها؛ وعلى هذا يكون «قِيَاماً» بمعنى يقومون بها. وقيل: «قِيَاماً» أي يقومون بشرائعها. وقرأ ٱبن عامر وعاصم «قيماً» وهما من ذوات الواو فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقد قيل: «قِوام». قال العلماء: والحكمة في جَعْلِ الله تعالىٰ هذه الأشياء قياماً للناس، أن الله سبحانه خلق الخلق على سليقة الآدمية من التحاسد والتنافس والتقاطع والتدابر، والسلب والغارة والقتل والثأر، فلم يكن بدّ في الحكمة الإلٰهية، والمشيئة الأوّلية من كافّ يدوم معه الحال، ووازِعٍ يُحمَد معه المآل. قال الله تعالىٰ: { أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعل أُمورهم إلى واحد يزَعُهم عن التّنازع، ويحملهم على التآلف من التقاطع، ويردّ الظالم عن المظلوم، ويقرر كلّ يد على ما تستولي عليه. روى ٱبن القاسم قال حدّثنا مالك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: ما يَزَع الإمامُ أكثر مما يَزَع القرآن؛ ذكره أبو عمر رحمه الله. وجَوْر السلطان عاماً واحداً أقل أذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة؛ فأنشأ الله سبحانه الخليفة لهذه الفائدة، لتجري على رأيه الأُمور، ويكفّ الله به عادية الجمهور؛ فعظّم الله سبحانه في قلوبهم البيت الحرام، وأوقع في نفوسهم هيبته، وعظّم بينهم حرمته، فكان من لجأ إليه معصوماً به، وكان من ٱضطُهِد محميّاً بالكون فيه. قال الله تعالىٰ: { أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 67]. قال العلماء: فلما كان موضعاً مخصوصاً لا يدركه كل مظلوم، ولا يناله كل خائف جعل الله الشهر الحرام ملجأ آخر وهي: الثالثة ـ وهو ٱسم جنس، والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، فقرر الله في قلوبهم حرمتها، فكانوا لا يُروّعون فيها سِرْباً ـ أي نفساً ـ ولا يطلبون فيها دماً، ولا يتوقعون فيها ثأراً، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وٱبنه وأخيه فلا يؤذيه. وٱقتطعوا فيها ثلث الزمان، ووصلوا منها ثلاثة متوالية، فسحة وراحة ومجالاً للسياحة في الأمن والاستراحة، وجعلوا منها واحداً منفرداً في نصف العام دَرَكاً للإحترام، وهو شهر رجب الأصَمّ ويسمى مُضَر، وإنما قيل له: رجب الأصَمّ؛ لأنه كان لا يُسمع فيه صوت الحديد، ويسمى مُنْصِل الأَسِنّة؛ لأنهم كانوا ينزعون فيه الأسِنّة من الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأَحْوَص: شعر : وشهر بني أُميّة والهَدَايا إذا سيقت مُضرِّجها الدّماءُ تفسير : وسماه النبي صلى الله عليه وسلم شهر الله؛ أي شهر آلِ الله، وكان يُقال لأهل الحرم: آلُ الله، ويحتمل أن يريد شهر الله؛ لأن الله مَتّنه وشدّده إذ كان كثير من العرب لا يراه. وسيأتي في «براءة» أسماء الشهور إن شاء الله. ثم يَسّر لهم الإلهام، وشَرَع على ألسنة الرسل الكرام الهدي والقلائد، وهي: الرابعة ـ فكانوا إذا أخذوا بعيراً أشعروه دماً، أو علّقوا عليه نعلاً، أو فعل ذلك الرجل بنفسه من التقليد ـ على ما تقدّم بيانه أوّل السورة ـ لم يرُوّعه أحد حيث لقيه، وكان الفَيْصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه؛ حتى جاء الله بالإسلام وبيّن الحق بمحمد عليه السَّلام، فانتظم الدين في سِلكه، وعاد الحق إلى نصابه، فأُسندت الأمامةُ إليه، وٱنبنى وجوبها على الخلق عليه وهو قوله سبحانه: { أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [النور: 55] الآية. وقد مضى في «البقرة» أحكام الإمامة فلا معنى لإعادتها. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ} «ذَلِكَ» إشارة إلى جعل الله هذه الأُمور قياماً؛ والمعنى فعل الله ذلك لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل أُمور السَّمٰوات والأرض، ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم.
البيضاوي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ} صيرها، وإنما سمي البيت كعبة لتكعبه. {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} عطف بيان على جهة المدح، أو المفعول الثاني {قِيَاماً لّلنَّاسِ} انتعاشاً لهم أي سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار، أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم. وقرأ ابن عامر «قيماً» على أنه مصدر على فعل كالشبع أعل عينه كما أعل في فعله ونصبه على المصدر أو الحال. {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ} سبق تفسيرها والمراد بالشهر الذي يؤدي فيه الحج، وهو ذو الحجة لأنه المناسب لقرنائه وقيل الجنس. {ذٰلِكَ } إشارة إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإِحرام وغيره. {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها، دليل حكمة الشارع وكمال علمه. {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } المحرّم {قِيَاماً لّلنَّاسِ } يقوم به أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرّض له وجبي ثمرات كل شيء إليه، وفي قراءة «قيماً» بلا ألف مصدر (قام) غير معلّ {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } بمعنى الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ورجب قياماً لهم بأمنهم من القتال فيهم {وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰئِدَ } قياماً لهم بأمن صاحبهما من التعرّض له {ذٰلِكَ } الجعل المذكور {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } فإن جعله ذلك - لجلب المصالح لكم ودفع المضارّ عنكم قبل وقوعها - دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن.
ابن عبد السلام
تفسير : ـ قوله عزّ وجلّ {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} في تسميتها كعبة قولان: أحدهما: سميت بذلك لتربيعها قاله مجاهد، والثاني: سميت بذلك لعلوها ونتوئها من قولهم قد كعب ثدي المرأة إذ علا ونتأ وهو قول الجمهور، وسميت الكعبة حراماً لتحريم الله ـ تعالى ـ لها أن يصاد صيدها أو يختلى خلاها أو يعضد شجرها. وفي قوله {قِيَاماً لِّلنَّاسِ} ثلاثة تأويلات، أحدها: يعني صلاحاً لهم قاله سعيد بن جبير والثاني: تقوم به أبدانهم لأمنهم به في التصرف لمعايشهم، والثالث: قياماً في مناسكهم ومتعبداتهم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {جعل الله الكعبة البيت الحرام} جعل بمعنى صبر. وقيل: معناه بيَّن وحكم. وقال مجاهد: سمي البيت كعبة لتربيعه. وقيل: لارتفاعه عن الأرض. وسمي البيت الحرام لأن الله حرمه وعظمه وشرفه وعظم حرمته وحرم أن يصطاد عنده وأن يختلى خلاه وأن يعضد شجره وأراد بالبيت الحرام، جميع الحرم لما صح من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال "حديث : إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه " تفسير : وقوله تعالى: {قياماً للناس} أصله قواماً لأنه سبب لقوام مصالح الناس في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم. أما في أمر الدين فإنه به يقوم الحج وتتم المناسك، وأما في أمر الدنيا فإنه تجبى إليه ثمرات كل شيء ويأمنون فيه من النهب والغارة فلو لقي الرجل قاتِل أبيه أو ابنه في الحرم لم يهجه، وأما في أمر الآخرة فإن البيت جعل لقيام المناسك عنده وجعلت تلك المناسك التي تقام عنده أسباباً لعلو الدرجات وتكفير الخطيئات وزيادة الكرامات والمثوبات فلما كانت الكعبة الشريفة سبباً لحصول هذه الأشياء كانت سبباً لقيام الناس {والشهر الحرام} يعني وجعل الشهر الحرام قياماً للناس وأراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم الأربعة وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد يعني وكذلك جعل الأشهر الحرم يأمنون فيها من القتال وذلك أن العرب كان يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض وكانوا إذا دخلت الأشهر الحرم أمسكوا عن القتال والغارة فيها فكانوا يأمنون في الأشهر الحرم فكانت سبباً لقيام مصالح الناس. {والهدي والقلائد} يعني وكذلك جعل الهدي والقلائد سبباً لقيام مصالح الناس وذلك أنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوا أنفسهم من لحاء شجر الحرم فلا يتعرض لهم أحد {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض} يعني: أنه تعالى علم في الأزل بمصالح العباد وما يحتاجون إليه فجعل الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد يأمنون بها لأنه يعلم مصالح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض لأنه تعالى علم جميع المعلومات الكليات والجزئيات وهو قوله تعالى: {وأن الله بكل شيء عليم} يعني أنه تعالى لا تخفى عليه خافية {واعلموا أن الله شديد العقاب} يعني لمن انتهك محارمه واستحلها {وأن الله غفور رحيم} يعني لمن تاب وآمن ولما ذكر الله أنواع رحمته بعباده ذكر بعدها أنه شديد العقاب لأن الإيمان لا يتم إلا بحصول الرجاء والخوف ثم ذكر بعده ما يدل على سعة رحمته وأنه غفور رحيم.
ابن عادل
تفسير : لمَّا حرَّم الله تعالى الاصْطِيَاد على المُحْرِمين، وبيَّن أنَّ الإحْرَام سَبَب لأمْنِ الوَحْشِ والطَّيْر، بيَّن هاهُنَا أنَّ ذلِكَ التَّحْرِيم الذي حَرَّمَهُ الإحرام؛ إنَّما سببُه حُرْمَة هذا البيت الحرامِ، فكما أنَّه سَبَبٌ لأمْنِ الوَحْشِ والطَّيْر، فكذلك هُوَ سَبَبٌ لأمْن النَّاسِ عن الآفات والمخافات. قوله: "جَعَلَ اللَّهُ": فيها وجهان: أحدهما: أنها بمعنى "صَيَّرَ" فتتعدَّى لاثنين، أولهما "الكَعْبَة" والثاني "قِيَاماً". والثاني: أن تكون بمعنى "خَلَقَ"، فتتعدَّى لواحد، وهو "الكَعْبَة"، و"قِياماً" نصبٌ على الحال، وقال بعضُهُمْ: إنَّ "جَعَلَ" هنا بمعنى "بَيَّنَ" و"حَكَمَ"، وهذا ينبغي أن يُحْمَلَ على تَفْسير المعنى لا تفسير اللغة؛ إذ لم ينقل أهلُ العربية؛ أنها تكونُ بمعنى "بَيَّنَ" ولا "حَكَمَ"، ولكن يلزمُ من الجَعْلِ البيانُ، وأمَّا "البَيْتَ"، فانتصابُه على أحد وجهين: إما البدلِ، وإما عطفِ البيان، وفائدةُ ذلك: أن بعض الجاهليَّة - وهم خَثْعَم - سَمَّوْا بيتاً الكعبة اليمانية، فجيء بهذا البدلِ، أو البيانِ، تبييناً له من غيره، وقال الزمخشريُّ: "البَيْتَ الحَرَامَ" عطف بيانٍ على جهة المدحِ، لا على جهة التوضيحِ؛ كما تجيء الصفةُ كذلك، واعترض عليه أبو حيان بأن شرط البيانِ الجمودُ، والجمودُ لا يُشْعِرُ بمَدْحٍ، وإنما يُشْعِرُ به المشتقُّ، ثم قال: "إلاَّ أنْ يُريد أنه لَمَّا وُصِفَ البيْتُ بالحرامِ اقْتَضَى المجموعُ ذلك فيمكنُ". والكَعْبَةُ لغةً: كلُّ بيْتٍ مربَّعٍ، وسُمِّيَت الكعبةُ كَعْبَةً لذلك، وأصل اشتقاق ذلك من الكعبِ الذي هو أحَدُ أعضاءِ الآدميِّ، قال الراغب: "كَعْبُ الرَّجُلِ" العَظْم الذي عند مُلْتَقى الساق والقَدَم، والكَعْبةُ كُلُّ بَيْتٍ على هَيْئَتِهَا في التَّرْبِيع، والعربُ تُسَمِّي كلَّ بَيْت مُرَبَّع كَعْبةً؛ لانفرادها من البِنَاءِ. وقيل: سُمِّيَت كَعْبَةً لارتفَاعِهَا من الأرْض، وأصْلُها من الخُرُوج والارتِفَاع، وسُمِّيَ الكعبُ كَعْباً لِنُتُوئِهِ، وخُرُوجه من جَانِبي القَدم، ومنه قِيلَ لِلْجَارية إذا قاربتِ البُلُوغَ وخَرَجَ ثَدْياهَا تكعَّبَتْ والكعبة لمَّا ارتفع ذِكْرُها سُمِّيَتْ بهذا الاسْم، ويقولون لِمَنْ عَظُمَ أمْرُه "فلانٌ عَلاَ كَعْبُهُ" وذُو الكعبات: بيتٌ كان في الجاهلية لبني ربيعة، وتقدَّم الكلام في هذه المادةِ أول السورة [آية 6]. فصل قَالُوا: بُنِيَتِ الكَعْبةُ الكَريمَةُ خَمْسَ مَرَّاتٍ: الأولى: بناءُ الملائِكَة قبلَ آدَمَ - عليه السلام -. والثانية: بِنَاءُ إبراهيم - عليه السلام -. والثالثة: بناءُ قُرَيْشٍ في الجاهليَّة، وحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البِنَاء. والرابعة: بناءُ ابنُ الزُّبَيْرِ - رضي الله عنه -. والخامسة: بناءُ الحَجَّاج وهو البِنَاءُ الموجُودُ اليَوْمَ، وهكذا كانَتْ في زمَنِ الرَّسُولِ - عليه السلام - قال المارودي في "الأحْكَام السُّلطَانِيَّة": كانت الكَعْبَةُ بَعْدَ إبراهيم - عليه السلام - مع "جُرْهُم" والعمَالِقَة إلى أن انْقَرَضُوا، وخلفتهم فيها قريشُ بعد استيلائِهِم على الحَرَمِ لِكَثْرتِهِم بعد القِلَّةِ، وعِزهِم بَعْدَ الذِّلَّةِ، فكان أوَّلُ من جَدَّدَ بِنَاءَ الكَعْبَةِ بعد إبْراهيمَ - عليه السلام - قُصَيّ بن كِلاَب، وسَقَّفَها بخَشَبِ الدومِ وجريد النَّخْل، ثُمَّ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ بَعْدَهُ، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابنُ خمْسٍ وعشرين سَنَةً، وشَهِدَ بِنَاءَهَا، وكان بابُها بالأرْض، فقال أبُو حُذَيْفَة بنُ المُغِيرة: يا قَوْمُ، ارفعُوا باب الكَعْبَةِ حتَّى لا يَدْخُلَ [أحدٌ] إلاَّ بسُلَّمِ، فإنَّه لا يدخلها حينئذٍ الآنَ إلاَّ ما أَرَدْتُمْ، فإن جاء أحَدٌ ممن تَكْرَهُون، رَمَيْتُم به فَسَقَطَ، وصار نكالاً لمن يَرَاهُ، ففعلت قُرَيْشُ ذلك، وكان سببُ بِنَائِها أنَّ الكَعْبَة استُهْدِمَتْ وكانَتْ فَوْق القَامَةِ، فأرَادُوا تَعْلِيَتَهَا. قوله: "قِياماً" [قراءة الجمهورُ بألفٍ بعد الياء، وابنُ عامرٍ: "قِيَماً" دون ألف بزنة "عِنَبٍ"، والقيامُ هنا يحتملُ أن يكون مصدراً لـ "قَامَ - يَقُومُ"، والمعنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الكعبةَ سَبَباً لقيام النَّاسِ إليها، أي: لزيارتها والحجِّ إليها، أو لأنَّها يَصْلُح عندها أمرُ دينهِمْ ودُنْيَاهُمْ، فيها يَقُومُونَ، ويجوزُ أنْ يكونَ القيامُ بمعنى القوامِ، فقُلِبَتِ الواوُ ياءً؛ لانكسارِ ما قبلها، كذا قال الواحديُّ، وفيه نظرٌ؛ إذ لا موجبَ لإعلاله؛ إذ هو:ـ "السِّوَاكِ"، فينبغي أن يقال: إنَّ القيامَ والقوامَ بمعنًى واحدٍ؛ قال: [الرجز] شعر : 2054- قِوَامُ دُنْيَا وقِوَامُ دِينِ تفسير : فأمَّا إذا دخلها تاءُ التأنيث، لَزِمَتِ الياءُ؛ نحو: "القِيَامَة"، وأمَّا قراءةُ ابن عامر، فاستشكلها بعضُهم بأنه لا يَخْلُو: إمَّا أنْ يكون مصدراً على فعلٍ، وإما أن يكون على فعالٍ، فإن كان الأوَّل، فينبغي أن تصِحُّ الواوُ كـ "حِوَلٍ" و"عوَرٍ"، وإن كان الثاني، فالقصر لا يأتي إلا في شِعْرٍ، وقرأ الجَحْدَرِيُّ: "قَيِّماً" بتشديد الياء، وهو اسمٌ دالٌّ على ثبوت الصفة، وقد تقدَّم تحقيقُه أوَّلَ النساء [الآية 5]]. فصل في معنى الآية معنى كونه قِيَاماً للنَّاسِ أي: سَبَبٌ لقوَامِ مصالِح النَّاسِ في أمر دينهم ودُنيَاهم أمَّا الدِّين؛ فلأنَّ به يقوم الحَجُّ والمَنَاسِكُ، وأمَّا الدُّنْيَا: فبما يُجْبَى إليه من الثَّمَرَات، وكانوا يَأمَنُونُ فيه من النَّهْبِ والغَارَةِ، فلا يتعرَّضُ لهم أحَدٌ من الحرمِ، فكأنَّ أهلَ الحرمِ آمِنين على أنْفُسِهِم وأمْوَالِهِم، حتَّى لو لَقِيَ الرَّجُلُ قَاتِل أبيه وابنِهِ لم يتعرَّضْ لَهُ، ولو جَنَى الرَّجُلُ أعظم الجِنَايَاتِ ثُمَّ التَجَأ إلى الحَرَمِ، لُمْ يُتعَرَّضْ له، قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]. والمرادُ بقوله: "قِيَاماً للنَّاس" أي: لِبَعْضِ النَّاسِ وهم العرب، وإنَّما حَسُنَ هذا المجازُ؛ لأنَّ أهْلَ كلِّ بَلَدٍ إذا قالُوا: النَّاسُ فَعَلُوا [وصنعُوا] كذا، فهُم لا يُرِيدُون إلاَّ أهْلَ بلدِهمْ، فلهَذَا السَّبَب خُوطِبُوا بهذا الخطاب على وفقِ عادَتِهِم. قوله: {والشهر الحرام والهدي والقلائِدَ} عطف على "الكَعْبَة"، والمفعول الثاني أو الحال محذوفٌ، لفهم المعنى، أي: جعل الله أيضاً الشَّهْرَ والهَدْيَ والقلائِدَ قِيَاماً. واعلم: أنَّه تعالى جعل هذه الأرْبَعَةَ أشْيَاء أسْبَاباً لِقِيامِ النَّاسِ وقوامِهِم، فأحَدُهَا: الكَعْبَةُ كما تقدَّم بيَانُهُ. وثانيها: الشَّهْرُ الحرامُ، ومعنى كونه سَبَباً لِقيامِ النَّاسِ: هو أنَّ العرب كان يَقْتُلُ بعضهم بعضاً، ويُغِير بعضُهُمْ على بعضٍ في سائرِ الأشْهُرِ، فإذا دخلَ الشَّهْرُ الحرامُ زال الخَوْفُ، وسافَرُوا للتِّجاراتِ، وأمِنُوا على أنْفُسِهِمْ وأمْوَالِهِم، وحَصَّلوا في الشَّهْرِ الحرامِ قُوتَهُمْ طُول السَّنةِ، فلولا الشَّهْرُ الحرام لفَنَوْا وهَلَكُوا من الجُوعِ والشِّدَّةِ، فكان الشَّهْرُ الحَرَامُ سَبَباً لِقوَامِ مَعيشَتِهِمْ. والمُرادُ بالشَّهْرِ الحرامِ: الأشْهُرُ الحُرُمُ وهي: ذُو القعْدَةِ وذُو الحِجَّة ورَجَب. وثالثها: الهَدْيُ، ومعنى كونه سَبَباً لقيام النَّاسِ: لأنَّ الهدْيَ ما يُهْدَى إلى البيتِ، ويُذْبَحُ هُناكَ ويُفَرَّقُ لَحْمُهُ على الفُقَراءِ فيكُونُ ذلِكَ نُسُكاً للمهدي، وقواماً لمعيشَة الفُقراء. ورابعها: القلائِدُ، ومعنى كونها قواماً للناس: أنَّ من قصدَ البَيْتَ في الشَّهْرِ الحرامِ أوْ فِي غيرِ الشَّهْرِ الحرامِ، ومعه هديٌ قد قلَّدَه، وقلَّدَ نَفْسَهُ من لِحَاءِ شَجَرِ الحرمِ، لم يتعرَّضْ لَهُ أحَدٌ، حتَّى إنَّ أحَداً من العرب يلقَى الهديَ مُقلَّداً، وهو يموتُ من الجُوعِ فلا يتعرَّضُ له ألْبتَّةَ، ولم يتعرَّضْ لها صاحِبُها أيضاً، وكلُّ ذلِكَ إنَّما كان؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أوْقَعَ في قُلُوبِهم تَعْظيمَ البيْتِ الحَرَامِ. فصل قال القُرْطُبِي: ذكر العُلمَاءُ في جعل اللَّه تعالى هذه الأشياء قِيَاماً للناس، أنَّ اللَّه تعالى خلق الخَلْقَ على سَليقَةِ الآدَميِّين، من التَّحَاسُدِ، والتَّنَافُرِ، والتَّقَاطُعِ، والتدابر، والسَّلْبِ، والغَارَةِ، والقَتْل، والثَّأرِ، فلم يكن بُدٌّ في الحِكْمَة الإلهيَّة أنْ يكُونَ مع الحالِ وازعٌ يُحْمَد معهُ المآلُ، فقال تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30] فأمرهُم الله تعالى بالخلافَةِ، وجعل أمُورهُمْ إلى واحدٍ يَمْنَعُهُم من التَّنَاوشِ، ويَحْملُهُم على التَّآلُف من التَّقَاطُعِ، وردِّ المظالِمِ عن المَظْلُومِ، ويقَرِّر كلَّ يدٍ على ما تَسْتَوْلي عليه. واعلم: أنَّ جوْرَ السُّلطان عام واحِدٌ أقَلُّ أذاه كونُ النَّاسِ فَوْضَى لحظَةً واحدة، فأنْشَأ اللَّهُ تعالى الخَليقَةَ لهذه الفَائِدَة، لتجرِيَ على رأيه الأمُور، ويَكُف اللَّهُ تعالى به عاديَة الأمُورِ فعظَّم اللَّهُ تعالى في قُلُوبِهِم البَيْتَ الحرامَ، [وأوقع في قُلُوبهم هَيْبَتَه] وعظَّم بينهم حُرْمَتَهُ، فكان من لجأ إليه مَعْصُوماً قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 67]. قوله "ذَلِكَ" فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: الحُكْمُ الذي حكمْنَاهُ ذلك لا غيرُه. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي ذلك الحكمُ هو الحقُّ لا غيره. الثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ يدُلُّ عليه السِّياقُ، أي: شَرَعَ اللَّهُ ذلك، وهذا أقواها؛ لتعلُّقِ لام العلَّة به، و"تَعْلَموا" منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد لام كَيْ، لا بها، و"أنَّ اللَّه" وما في حَيِّزها سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولينِ أو أحدهما على حسبِ الخلافِ المتقدِّم، و{أنَّ الله بِكلِّ شيءٍ عليمٌ} نسقٌ على "أنَّ" قبلها. فإن قيل: أيُّ اتِّصَالٍ لهذا الكلامِ بمَا قَبْلَهُ. قيل: لمَّا عَلِمَ في الأزَل أنَّ مُقْتَضَى طِبَاعِ العَرَب الحرص الشَّديد على القَتْلِ والغارَةِ، وعلمَ أنَّ هذه الحالة لو دَامَتْ بهم، لَعَجَزُوا عن تَحْصيلِ ما يَحْتَاجُونَ إليه، وأدَّى ذلك إلى فَنَائِهِم وانْقِطَاعِهِم بالكُلِّيَّة، دَبَّرَ في ذلك تَدْبِيراً لَطِيفاً، وهو أنَّه تعالى ألْقى في قُلُوبِهمْ تَعْظيمَ البَيْتِ الحَرَامِ وتَعْظِيمَ مَنَاسِكهِ، فصار ذلك سبباً لحصُول الأمْن في البلدِ الحرامِ وفي الشَّهْر الحرام، فلمَّا حصل الأمْنُ في هذا المكانِ، وفي هذا الزَّمَانِ، قَدَروا على تَحْصِيلِ ما يَحْتَاجُون إليه في هذا المكانِ، فاسْتَقَامَتْ مصالح مَعَايِشهم، وهذا التَّدْبِيرُ لا يُمكن إلاَّ إذا كان في الأزَلِ عالماً بِجَمِيع المعلُومَاتِ من الكُلِّيَّاتِ والجُزْئِيَّاتِ، وأنَّهُ بِكُلِّ شَيء عليم. وقيل في الجوابِ: أنَّ الله جعل الكَعْبَة قياماً للنَّاسِ، لأنَّه يَعْلَمُ صلاح العِبَاد، كما يَعْلَمُ ما في السَّماءِ وما في الأرْضِ. وقال الزَّجَّاج: وقد سبق في هذ السُّورةِ الإخْبَارُ عن الغُيُوبِ، والكَشْف عن الأسْرَارِ، مثل قوله تعالى: {أية : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} تفسير : [المائدة: 41]، ومثلُ إخبارِهِ بِتَحْرِيفِهم الكُتُبَ فقوله ذلك ليَعْلَمُوا أنَّ اللَّه يعلمُ ما في السَّموات وما في الأرْض راجِعٌ إليه. وقوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لمَّا ذكر تعالى أنواع رَحْمَتِه لعبادِه، ذكر بَعْدَهُ شِدَّة العقابِ؛ لأنَّ الإيمان لا يَتِمُّ إلا بالرَّجَاء والخَوْفِ. قال - عليه السلام -: "حديث : لو وُزِنَ المُؤمِنِ ورَجَاؤهُ لاعتدَلاَ"تفسير : ، ثُمَّ ذكر بعدهُ ما يَدُلُّ على الرَّحْمَةِ، وهو كونُهُ غَفُوراً رَحِيماً، وهذا يَدُلُّ على أنَّ جانبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ؛ لأنَّهُ تعالى ذكر فيما قَبْلُ أنْواع رَحْمَتِهِ وكرمِهِ، ثُمَّ ذكرَ أنَّه شَدِيدُ العِقَابِ، ثُمَّ ذكر عَقِيبَهُ وصْفَيْنِ من أوْصَافِ الرحمةِ، وهُوَ كَوْنُهُ غَفُوراً رحيماً، وهذا يَدُلُّ على تَغْلِيبِ جانبِ الرَّحمَةِ على جَانِب العذابِ. قوله تعالى: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} لما قدَّم التَّرْغيبَ والتَّرْهيبَ بقوله: {أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، أتبعه بذِكْرِ التَّكْليفِ، فقال تعالى: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} يَعْنِي: أنَّهُ مُكَلَّفٌ بالتَّبليغِ، فلما بلَّغ خرجَ عن العُهْدَةِ، وبَقِيَ الأمْرُ من جانِبِنَا، وإذا عَلِمَ بما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ فإن خَالَفْتُمْ، فاعلموا أنَّ اللَّهَ شديدُ العقاب، وإنْ أطَعْتُمْ فاعلمُوا أنَّ اللَّه غفورٌ رحيمٌ. قوله: "إلاَّ البلاغُ": في رفعه وجهان: أحدهما: أنه فاعلٌ بالجارِّ قبله؛ لاعتماده على النفي، أي: ما استقرَّ على الرَّسُول إلا البلاغُ. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره الجارُّ قبله، وعلى التقديرين، فالاستثناء مفرَّغٌ. والبلاغُ يُحْتَمَلُ أن يكون مصدراً [لـ "بَلَّغَ" مشدَّداً، أي: ما عليه إلا التبليغُ، فجاء على حذفِ الزوائدِ، كـ "نَبَات" بعد "أنْبَتَ"، ويحتمل أن يكون مصدراً] لـ "بَلَغَ" مُخَفَّفاً بمعنى البُلُوغ، ويكون المعنى: ما عليه إلا البُلُوغُ بتبليغه، فالبلوغُ مُسْتلزمٌ للتبليغِ، فعبَّر باللاَّزمِ عن الملزوم. قوله تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} لمَّا رغَّب - سبحانه وتعالى - في الطَّاعةِ، والتَّنَزُّهِ عن المَعْصِيَةِ بقوله: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، ثمَّ أتْبَعَهُ بالتَّكليفِ بقوله تعالى: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}، أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَر من التَّرْغيبِ في الطَّاعَةِ وتَرْكِ المعْصِيَةِ، فقال: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}. قال المُفَسِّرُون: أي: الحَلالُ والحرَامُ. وقال السدِّيُّ: المُؤمِنُ والكَافِرُ، وقيل: المُطِيع والعَاصِي، وقيل: الرَّدِيءُ والجيِّد. قال القرطبي: وهذا على ضَرْبِ المثال، والصَّحِيحُ أنَّهُ عَامٌّ، فيتَصَوَّر في المكاسبِ، والأعمالِ، والنَّاس، والمعارف من العُلُوم وغيْرِها، فالخَبِيثُ [من هذا كُله لا يُفلح ولا يُنجِبُ، ولا تَحْسن له عَاقِبةٌ] وإنْ كثُرَ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ نافعٌ. [قوله تعالى]: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ}. نزلت في شُرَيْج بن ضُبَيْعَة البَكْري، وحجَّاجِ بن بكرِ بن وائل، "فاتَّقُوا اللَّه" ولا تتعرَّضُوا للحجَّاج وإنْ كانُوا مُشرِكِين، وقد مَضَتِ القِصَّةُ أوَّلَ السُّورَة {يَٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وجواب {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ}: محذوفٌ، أي: ولو أعْجبكَ كَثْرةُ الخبيثِ، لَما استوى مع الطَّيِّبِ، أو: لما أجْدَى شيئاً في المساواة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: إنما سميت الكعبة لأنها مربعة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: إنما سميت الكعبة لتربيعها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} قال: قياماً لدينهم ومعالم لحجهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: قيامها أن يأمن من توجه إليها. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {قياماً للناس} قال: قواماً للناس. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير {قياماً للناس} قال: صلاحاً لدينهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير {قياماً للناس} قال: شدة لدينهم. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير {قياماً للناس} قال: عصمة في أمر دينهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع بعضهم عن بعض، فجعل الله لهم البيت الحرام قياماً يدفع بعضهم عن بعض به {والشهر الحرام} كذلك يدفع الله بعضهم عن بعض بالأشهر الحرم والقلائد، ويلقي الرجل قاتل أبيه أو ابن عمه فلا يعرض له، وهذا كله قد نسخ. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: جعل الله البيت الحرام والشهر الحرام قياماً للناس يأمنون به في الجاهلية الأولى، لا يخاف بعضهم بعضاً حين يلقونهم عند البيت، أو في الحرم أو في الشهر الحرام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} قال: حواجز أبقاها الله في الجاهلية بين الناس، فكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ الحرم لم يتناول ولم يقرب، وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل لو لقي الهدي مقلداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يعرض له ولم يقربه، وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من السمر فمنعته من الناس حتى يأتي أهله حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن. أنه تلا هذه الآية {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} قال: لا يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستقبلوا القبلة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: جعل الله هذه الأربعة قياماً للناس هي قوام أمرهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده في قوله {قياماً للناس} قال: تعظيمهم إياها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان {قياماً للناس} يقول: قواماً علماً لقبلتهم، وأمناً هم فيه آمنون. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم {قياماً للناس} قال: أمنا. وأخرج أبو الشيخ عن عبد الله بن مسلم بن هرمز قال: حدثني من أصدق قال: تنصب الكعبة يوم القيامة للناس تخبرهم بأعمالهم فيها. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مجلز.أن أهل الجاهلية كان الرجل منهم إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد، فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من إذخر فقال الله: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام...} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن عطاء الخراساني في الآية قال: كانوا إذا دخل الشهر الحرام وضعوا السلاح، ومشى بعضهم إلى بعض. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم في الآية قال: كانت العرب في جاهليتها جعل الله هذا لهم شيئاً بينهم يعيشون به، فمن انتهك شيئاً من هذا أو هذا لم يناظره الله حتى بعد ذلك {لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} . والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ} قال مجاهد: سميت كعبةً لكونها مُكَعبّةً مُربَّعة، وقيل: لانفرادها من البناء، وقيل: لارتفاعها من الأرض ونتوئها، وقوله تعالى: {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} عطفُ بـيانٍ على جهة المدح دون التوضيح كما تجيء الصفةُ كذلك، وقيل: مفعولٌ ثانٍ لجعل، وقوله تعالى: {قِيَاماً لّلنَّاسِ} نُصبَ على الحال، ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما سيجيء، بل هذا هو المفعول الثاني، وقيل: الجعلُ بمعنى الإنشاءِ والخلق وهو حال كما مر. ومعنى كونه قياماً لهم أنه مدارٌ لقيام دينهم ودنياهم إذ هو سببٌ لانتعاشهم في أمور معاشِهم ومَعادِهم، يلوذ به الخائفُ، ويأمَن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج والعُمّار، وقرىء (قِيَماً) على أنه مصدر على وزن شِبَع أُعلَّ عينه بما أُعلَّ في فعله {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي الذي يؤدىٰ فيه الحجُ وهو ذو الحجة وقيل: جنس الشهر الحرام، وهو وما بعده عطف على الكعبة، فالمفعول الثاني محذوف ثقةً بما مر، أي وجعل الشهر الحرام {وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ} أيضاً قياماً لهم، والمرادُ بالقلائد ذواتُ القلائد وهي البُدْنُ، خُصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاءَ الحجَّ بها أظهر {ذٰلِكَ} إشارة إلى الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره، ومحلُّه النصبُ بفعل مقدر يدل عليه السياق وهو العامل في اللام بعده أي شرَعَ ذلك. {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فإن تشريع هذه الشرائعِ المستَتْبِعةِ لدفع المضارِّ الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلبِ المنافع الأولوية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع، وعدمِ خروجِ شيء عن علمه المحيط، وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} تعميمٌ إثْرَ تخصيصٍ للتأكيد، ويجوز أن يراد بما في السموات والأرض الأعيانُ الموجودة فيهما، و(بكل شيء) الأمورُ المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من قبـيل المعاني.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} [الآية: 97]. سمعت محمد بن عبد الله الطبرى يقول سمعت الشبلى يقول: الكعبة أمام أعين الخلق، والحق إمام قبلة أوليائه. وقيل: البيت الحرام أى حرام فى مجاهرته لارتكاب المخالفات بحالٍ. وقيل: حرام على من يراه أن يرى وضعه بعد واضعه. وقيل قيامًا للناس: أى من ذل عن قيامه فاعوجَّ بالتدنس بمعصية فأتاه فتعلق به إقامة بركاته وأثار الأنبياء عليهم السلام. والصلاة فيه ورده إلى حال الاستقامة.
القشيري
تفسير : حَكَمَ الله سبحانه - بأن يكون بيتُه - اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمِّل، ويستقيم ببركات زيارته كلُّ مائلٍ عن نهج الاستقامة، ويستنجح بابتهاله هنالك كلُّ ذي أَرَبٍ. والبيتُ حَجَرٌ والعبد مَدَرٌ، والحق سبحانه ربط المدر بالحجر ليُعْلَمَ أنه الذي لم يَزَلْ لا سبيل إليه للحدثان والغير.
البقلي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} البس الله الكعبة سنة قدس أياته ونورها بصبح مشارق مشارق صفاته من مطالع ذاته وصيرها أمره حسنة وحماله النظر نظر معارفه وابصار عشاق كواشف داء عظمته وكبريائه لقيامهم على مشاهدة قربه ومواقف قدسه ليطلبوما منها رؤية براهين هلال صفته ومشارق صنع جلال قدمه وحرم تلك المنازل على الاغيار دون الاختيار ومنع الاغيار عن الدخول فيها مع بقاء نفوسيتهم ليعلموا انها مممنوعة من تناول الكل لهم ليعرفوا عين القدم انه منزه عن خطرة كل حادث جعل الكعبة بيته وجعل بيته قلب العالم ويظهر بجلاله منه لعيون العارفين كما ظهر لموسى عليه السلام من طور سينا وظهر عليه السلام من طور المصيصة وظهر لمحمد صلى الله عليه وأله وسلم وامته من الكعبة كقوله عليه الصلاة والسلام جاء الله من سينا واستعلن بساعير واشرق من جبال فاران هكذا جعل قلبا العارف كعتبة مشاهدته فى حرم صورته وسد بابه من كل طائف غير نظرة فيظهر أثار جلاله من صورهم قال الشبلى الكعبة أمام عين الناس والحق أمام قلوب أوليئاه وقيل البيت الحرام حرام فى مجاورته ارتكاب المخالفات بمحال وقيل حرام على من يراه ان يرى صفه دون واصفه وقيل قياما للناس الا من زل عن قيامه فاعوج بالتدنس بمعصية فاتاه فتعلق به اقامة ببركته اثار الانبياء عليهم السلام والسادة فيه ورده الى حال الاستقامة.
اسماعيل حقي
تفسير : {جعل الله الكعبة} اى صيرها وانما سمى البيت كعبة لتكعبه اى لتربعه والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة تشبيها له بكعب الرجل الذى عند ملتقى الساق والقدم فى كونه على هيئته فى التربيع. وقيل سميت كعبة لارتفاعها عن الارض واصلها من الخروج والارتفاع وسمى الكعب كعبا لنتوه وخروجه من جانبى القدم ومنه قيل للجارية اذا قاربت البلوغ وخرج ثدياها كاعب والكعبة لما ارتفع ذكرها فى الدنيا واشتهر امرها فى العالم سميت بهذا الاسم ولذلك انهم يقولون لمن عظم قدره وارتفع شأنه فلان علا كعبه. قال صاحب اسئلة الحكم جعل الله لبيته العتيق اربعة اركان وهى فى الحقيقة ثلاثة اركان لانه شكل مكعب ولذلك سميت بالكعبة تشبيها بالكعب فسرّ كونه على اربعة اركان بالوضع الحادث اشارة الى قلوب المؤمنين لان قلب المؤمن لا يخلو من اربعة خواطر آلهى وملكى ونفسانى وشيطانى فركن الحجر بمنزلة الخاطر الالهى واليمانى بمنزلة الملكى والشامى بمنزلة النفسانى والركن العراقى بمنزلة الشيطانى لان الشرع شرع ان يقال عنده اعوذ بالله من الشقاق والنفاق وبالذكر المشروع تعرف مراتب الاركان. واما سر كونه مثلث الشكل المكعب فاشارة الى قلوب الانبياء عليهم السلام ليميز الله رسله وانبياءه بالعصمة التى اعطاهم والبسهم اياها فليس لنبى الا ثلاثة خواطر الهى وملكى ونفسى ولغيرهم هذه وزيادة الخاطر الشيطانى فمنهم من ظهر حكمه عليه فى الظاهر وهم عامة الخلق ومنهم من يخطر له ولا يؤثر فى ظاهره وهم المحفوظون من اوليائه بالعصمة الوجوبية للانبياء والحفظ الجوازى للاولياء {البيت الحرام} عطف بيان على جهة المدح دون التوضيح كما تجىء الصفة كذلك وسمى البيت الحرام لان الله تعالى حرمه وعظم حرمته فالحرام بمعنى المحرم وفى الحديث "حديث : ان الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والارض " .تفسير : قال بان ملك اعلم ان مكة شرفها الله حرمها ابراهيم عليه السلام لما صح عن النبى عليه الصلاة والسلام انه قال "حديث : ان ابراهيم حرم مكة وانى حرمت المدينة " .تفسير : وما روى انه عليه السلام قال "حديث : ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات" تفسير : فالمراد به كتابته فى اللوح المحفوظ ان ابراهيم سيحرمه انتهى كلامه. يقول الفقير ان حرمته العرضية وان كانت حادثة لكن حرمته الذاتية قديمة وتلك الكتابة من الحرمة الذاتية عند الحقيقة. وقد جاء فى بعض التفاسير فى قوله تعالى {أية : ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11]. انه لم يجبه بهذه المقالة من الارض الا ارض الحرم فلذلك حرمها فصارت حرمتها كحرمة المؤمن انما حرم دمه وعرضه وماله بطاعته لربه فارض الحرم لما قالت اتينا طائعين حرم صيدها وشجرها وخلاها فلا حرمة الا لذى طاعة وفى الخبر "حديث : لم يأكل الحيتان الكبار صغارها فى ارض الحرم فى الطوفان لحرمتها " .تفسير : {قياما للناس} مفعول ثان للجعل ومعنى كونه قياما لهم انه مدار لقيام امر دينهم ودنياهم. اما الاول فلانه يتوجه اليه الحجاج والعمار فيكون ما فى البيت من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة سببا لحط الخطيآت وارتفاع الدرجات ونيل الكرامات. واما الثانى فلانه يجبى الى الحرم ثمرات كل شىء يربح فيه التجار وكانوا يأمنون فيه من النهب والغارة ولا يتعرض لهم احد بسوء فى الحرم حتى ان الرجل اذا اصاب ذنبا فى الجاهلية والاسلام او قتل قتيلا لجأ الى الحرم ويأمن فيه: قال المحيى فى فتوح الحرمين مدحا لحضرة الكعبة شعر : هيج نبى هيج ولى هم نبود كه اونه برين دررخ اميد سود هادىء ره نيست بجزلطف دوست آمدنت را طلب از نزد اوست تا نز ند سر ز جمن نو كلى نغمه سرا يى نكند بلبلى تفسير : {والشهر الحرام} اى وجعل الشهر الحرام الذى يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة قياما لهم ايضا فالمفعول الثانى محذوف ثقة بما مر ووجه كون الشهر الحرام سببا لقيام الناس ان العرب كان يتعرض بعضهم لبعض بالقتل والغارة فى سائر الاشهر فاذا دخل الشهر الحرام زال الخوف وقدروا على سفر الحج والتجارات آمنين على انفسهم واموالهم فكان سببا لاكتساب منافع الدين والدنيا ومصالح المعاش والمعاد. وقد فضل الله الاشهر والايام والاوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والامم بعضها على بعض لتبادر النفوس وتسارع القلوب الى ادراكها واحترامها وتتشوق الارواح الى احيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق فى فضائلها. قال الامام النيسابورى عشر ذى الحجة افضل الايام واحبها عند الله تعالى بعد شهر رمضان لانها هى التى ناجى فيها كليم الله موسى ربه وفيها احرم جميع الخلق بالحج ووجد آدم التوبة فى ايام العشر واسماعيل الفداء وهود النجاة ونوح الانجاء ومحمد الرسالة واصحابه الرضوان فى البيعة وبشارة خيبر وفتح الحديبية ونزول المغفرة بقوله تعالى {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2]. وغير ذلك من الآيات والكرامات وصيام يوم من العشر كصيام الف يوم وقيام ليلة منها كعبادة من حج واعتمر طول سنته فصوم هذا العشر مستحب استحبابا شديدا لا سيما التاسع وهو يوم عرفة لكن يستحب الفطر يوم عرفة للحجاج لئلا يلحقهم فتور عن اداء الطاعات المشروعة فى ذلك اليوم ويؤدوها على الحضور والكمال وفى الحديث "حديث : خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت انا والنبيون لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير " .تفسير : {والهدى} اى وجعل الله الهدى ايضا قياما لهم وهو ما يهدى الى البيت ويذبح هناك ويفرق لحمه بين الفقراء فانه نسك المهدى وقوام لمعيشة الفقراء فكان سببا لقيام امر الدين والدنيا. يقول الفقير ومنه يعرف ان المقصود من القربان دفع حاجة الفقراء ولذا يستحب للمضحى ان يتصدق باكثر اضحيته بل بكلها شعر : هر كسى از همت والاى خويش سود برد اودرخور كالاى خويش تفسير : وللحجاج يوم عيد القربان مناسك الذهاب من منى الى المسجد الحرام فلغيرهم الذهاب الى المصلى موافقة لهم والطواف فلغيرهم صلاة العيد لقوله عليه السلام "حديث : الطواف بالبيت صلاة" تفسير : واقامة السنن من الحلق وقص الاظفار ونحوها فلغيرهم ازالة البدعة واقامة السنة والقربان فلغيرهم ايضا ذلك ولكن ليس كل مال يصلح لخزانة الرب ولا كل قلب يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب: وفى المثنوى شعر : آن تو كل كو خليلان ترا تا نبرد تيغت اسماعيل را آن كرامت جون كليمت ازكجا تا كنى شهراه قعرنيل را تفسير : {والقلائد} اى وجعل لله القلائد ايضا قياما للناس وهى جمع قلادة وهى ما يقلد به الهدى من نعل او لحاء شجر ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له بركوب او حمل والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهى البدن وهى الناقة والبقرة مما يجوز فى الهدى والاضاحى وخصت بالذكر لان الثواب فيها اكثر وبهاء الحج بها اظهر ولذا ضحى عمر رضى الله عنه بنجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار لقوله تعالى {أية : ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} تفسير : [الحج: 32]. ووجه كون القلائد سببا لقيام الناس ان من قلد هديا لم يتعرض له احد وربما كانوا يقلدون رواحلهم اذا رجعوا من مكة من لحاء شجر الحرم فيأمنون بذلك وكان اهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من الجوع وهو يرى الهدى والقلائد فلا يتعرض له تعظيما له {ذلك} اشارة الى الجعل منصوب بفعل مقدر اى شرع الله ذلك وبين {لتعلموا ان الله يعلم ما فى السموات وما فى الارض} فان تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل وقوعها وجلب المنافع الاولوية والاخروية من اوضح الدلائل على حكمة الشارع وعلى عدم خروج شىء من علمه المحيط {وان الله بكل شى عليم} تعميم بعد تخصيص للتأكيد {اعلموا ان الله شديد العقاب} وعيد لمن انتهك محارمه وأصر على ذلك {وان الله غفور رحيم} وعد لمن حافظ على مراعاة حرمانه تعالى او انقطع عن الانتهاك بعد تعاطيه {ما على الرسول الا البلاغ} اى تبليغ الرسالة فى امر الثواب والعقاب وهو تشديد فى ايجاب القيام بما امر به اى الرسول قد اتى بما وجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم من بعد فى التفريط {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} اى ما تظهرون من القول والعمل وما تخفون فيؤاخذكم بذلك نقيراً وقطميرا: قال السعدى قدس سره شعر : بروعلم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست تفسير : والاشارة فى الآية ان الله تعالى كما جعل الكعبة فى الظاهر قياما للعوام والخواص يلوذون به ويستنجحون بالتضرع والابتهال هناك حاجاتهم الدنيوية والاخروية كذلك جعل كعبة القلب فى الباطن قياما للخواص وخواص الخواص ليلوذوا به بطريق دوام الذكر ونفى الخواطر بالكلية واثبات الحق بالربوبية والواحدية بان لا موجود الا هو ولا وجود الا له ولا مطلوب ولا محبوب الا هو وسماه البيت الحرام ليعلم انه بيت الله على الحقيقة وحرام ان يسكن فيه غيره فيراقبه عن ذكر ما سوى الحق وحبه وطلبه الى ان يفتح الله ابواب فضله ورحمته والشهر الحرام هو ايام الطلب والسير الى الله حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق والهدى هو النفس البهيمية تساق الى كعبة القلب مع القلائد وهى اركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها ولذاتها الحيوانية وفى قوله تعالى {ذلك لتعلموا} الآية اشارة الى ان العبد اذا وصل الى كعبة القلب فيرى بيت الله ويشاهد انوار الجمال والجلال فبتلك الانوار يشاهد ما فى السموات وما فى الارض لانه ينظر بنور الله فيعلم على التحقيق {أن الله يعلم ما فى السموات وما فى الارض وأن الله بكل شىء عليم} {إعلموا ان الله شديد العقاب} يسدل الحجاب لغير الاحباب ممن ركنوا الى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها {وان الله غفور رحيم} لطالبيه وقاصدى حضرته بفتح الابواب ورفع الحجاب {ما على الرسول الا البلاغ} بالقال والحال {والله يعلم ما تبدون} من الايمان باقدار اللسان وعمل الاركان {وما تكتمون} من تصديق الجنان او التكذيب وصدق التوجه وخلوص النية فى طلب الحق كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {البيت الحرام}: عطف بيان على جهة المدح، و {قيامًا}: مفعول ثان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {جعل الله الكعبة} التي هي {البيت الحرام قيامًا للناس} أي: سبب انتعاشهم، يقوم بها أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربَحُ فيه التجار، ويتوجه إليه الحجاج والعُمار، أو يقوم به أمر دينهم بالحج إليه، وأمر دنياهم بِأمنِ داخله، وتُجبى ثمرات كل شيء إليه. قال القشيري: حكَم الله ـ سبحانه ـ بأن يكون بيته اليومَ ملجأ يلوذ به كل مُؤمّل، ويستقيم ببركة زيارته كلُّ حائدٍ عن نهج الاستقامة، ويظفر بالانتقال هناك كل ذي أرَبٍ. هـ. {والشهر الحرام} جعله الله أيضًا قيامًا للناس؛ والمراد به ذو الحجة، فهو قيام لمناسك الحج، وجَمعِ الوجود إليه بالأموال من كل جانب، أو الجنس، وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، لأنهم كانوا يكفون عن القتال، ويأمن الناس فيها في كل مكان، {والهدي}؛ لأنه أمان لمن يسوقه؛ لأنه لم يأت لحرب، {والقلائد}، كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد شيئًا من السمُر، وإذا رجع تقلد شيئًا من شجر الحرم؛ ليعلم أنه كان في عبادة، فلا يتعرض له أحد بشر، فالقلائد هنا: ما تقلده المحرم من الشجر، وقيل: قلائد الهدى. {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} أي: جعل ذلك الأمور، قيامًا للناس؛ لتعلموا أن الله يعلم تفاصيل الأمور، فشرع ذلك دفعًا للمضار وجلبًا للمنافع، {وأن الله بكل شيء عليم} لا يخفى عليه محل مصالح عباده ومضارهم، وهو تعميم بعد تخصيص، ومبالغة بعد إطلاق. ثم قال تعالى: {اعلموا أن الله شديد العقاب} لمن عصاه، {وأن الله غفور رحيم} لمن أطاعه وأقبل عليه، وهو وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها، أو لمن أصرّ ورجع، {ما على الرسول إلا البلاغ} وقد بلّغ، فلم يبق عذر لأحد، وهو تشديد في إيجاب القيام بما أمر، {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة. الإشارة: كما جعل الله الكعبة قيامًا للناس، يقوم به أمر دينهم ودنياهم، جعل القلوب، التي هي كعبة الأنوار والأسرار، قيامًا للسائرين، يقوم بها أمر توحيدهم ويقينهم، أو أمر سيرهم ووصلوهم. وفي الحديث: "حديث : إنَّ في الجسدِ مُضغةً إذا صلَحَت صلُحَ الجسدُ كلُّهُ وإذا فَسددَت فَسدَ الجَسدُ كلُّه؛ ألاَ وَهي القَلبِ"تفسير : . وكما جعل الشهر الحرام والهدى والقلائد حرمة لأهلها، جعل النسبة والتزيي بها حفظًا لصاحبها، من تزيا بزي قوم فهو منهم، يجب احترامه وتعظيمه لأجل النسبة، فإن كان كاذبًا فعليه كذبه، وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم، وقد أخذ اللصوص بعض الفقراء، وانتهكوا حرمته، وأخذوا ثيابه، فاشتكى لشيخه فقال له: هل كانت عليك مرقعتك؟ قال: لا، فقال له: أنت فرطت؛ والمفرط أولى بالخسارة. هـ. والله تعالى أعلم. ولمّا كان مدار الأمر كله على صلاح القلوب وفسادها ذكره بإثره، فقال: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحده {قيماً للناس} بلا الف. الباقون قياما بالألف. قال أبو علي الفارسي: قوله {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} تقديره جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعايش الناس أو مكاسب الناس، لأنه مصدر (قام) كأن المعنى قام بنصبه ذلك لهم، فاستتبت بذلك معايشهم، واستقامت أحوالهم به فالقيام كالعياذ والعيال. وعلى هذا لحقته تاء التأنيث في هذه المصادر فجاءت (فعالة) كالزيادة والسياسة والحياكة، فكما جاءت هذه المصادر على (فعال) أو (فعالة) كذلك حكم القيام أن يكون على (فعال). ووجه قراءة ابن عامر أحد أمرين: إِما أن يكون جعله مصدراً كالشبع أو حذف الالف وهو يريدها كما يقصر الممدود، وهذا الوجه انما يجوز في الشعر دون الكلام. وانما أعلوا الواو فقلبوها ياءاً لاعتلال الفعل، ولم يصححوها كما صحت في الحول والعوض، ألا ترى أنهم قالوا ديمة وديم، وحيلة وحيل فأعلوها في المجموع لاعتلال آحادها، فاعلال المصدر لاعتلال الفعل أولى. والقوام هو العماد تقول: هو قوام الامر وملاكه، وهو ما يستقيم به أمره وقلبت الواو ياءاً لانكسار ما قبلها في مصدر (فعل، يفعل) وهو قام بالأمر قياما كقولك صام صياما. فأما صحة الواو فمن قاومه قواما مثل حاوره حواراً قال الراجز: شعر : قوام دنياً وقوام دين تفسير : وتقدير الآية جعل الله حج الكعبة أو نصب الكعبة قياما لمعاش الناس ومصالحهم. وقوله {والشهر الحرام} معطوف على المفعول الأول لـ {جعل} كما تقول ظننت زيداً منطلقاً وعمراً أي فعل ذلك ليعلموا أن الله يعلم مصالح ما في السماوات والارض، وما يجري عليه شأنهم في معاشهم وغير ذلك مما يصلحهم {وأن الله بكل شيء عليم} بما يقيمهم، ويصلحهم عليه. وقيل في قوله {قياماً للناس} ان معناه أمناً لهم. وقيل انه مما ينبغي أن يقيموا به. والاول أقوى. وقال قوم لما كان في المناسك زجراً عن القبيح ودعا الى الحق كان بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه. وقال سعيد بن جبير {قياماً للناس} صلاحاً لهم. وقيل: يقوم به أبدانهم. وقيل {قياماً} يقومون به في متعبداتهم قال مجاهد وعكرمة: سميت الكعبة كعبة لتربيعها. وقال أهل اللغة وانما قيل كعبة البيت واضيف لأن كعبة تربع اعلاه والكعوبة: النتوءَّ، فقيل للتربيع كعبة لنتوء زوايا المربع. ومنه كعب ثدي الجارية اذا نتأ ومنه كعب الانسان لنتوئه. وسميت الكعبة حراما لتحريم الله إياها ان يصاد صيدها أن يخلى خلاءها أو يعضد شجرها. وقوله {والشهر الحرام} قال الحسن: هي الاشهر الحرام الاربعة، فهذا على مخرج الواحد مذهب الجنس. وهي واحد فرد، وثلاثة سرد، فالفرد رجب، والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. و {القلائد} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - ان الرجل من العرب كان ينتهي به الحال من الضرر والجوع الى ان يأكل العصب فيلقى الهدي مقلداً فلا يعرض له. الثاني - أن من أراد الاحرام تقلد قلادة من شعر أو لحي الشجرة، فتمنعه من الناس حتى يأتي أهله. الثالث - قال الحسن: القلائد ان يقلد الابل والبقر النعالا أو الخفاف، تقور تقويراً، على ذلك مضت السنة، فهذا على صلاح التعبد بها، وهذا هو المعتمد عليه عندنا. فان قيل: ما معنى قوله {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} بعد قوله {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس} وأي تعلق لها بذلك؟ وما في ذلك مما يدل على أنه بكل شيء عليم؟ قيل عن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها - أنه تعالى لما اخبر بما في هذه السورة من قصة موسى وعيسى وقومهما وبالتوراة والانجيل، وما فيهما من الاحكام واخبار الامم وفصله، وذلك كله مما لم يشاهده محمد (صلى الله عليه وسلم) ولا قومه ولا أحد في عصره ولا وقفوا على شيء من ذلك، قال ذلك لتعلموا أن الله تعالى لولا أنه بكل شيء عليم لما جاز أن يخبركم عنهم، فاخباره بذلك يدل على أنه بكل شيء عليم. وأيضا فان ما جعله الله من البلد الحرام والشهر الحرام من الآيات والاعاجيب دالاً على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، لأنه جعل البيت الحرام والحرم أمنا، يأمن فيه كل شيء ويسكن قلبه فالظبي يأنس بالسبع والذئب مادام في الحرم، فاذا خرج عن الحرم خاف وطلبه السبع وهرب منه الظبي حتى يرجع الى الحرم، فاذا رجع اليه كف عنه السبع، وهذا من عظيم آيات الله وعجيب دلائله، وكذلك الطير والحمامة تأنس بالانسان، فاذا خرج من الحرم خافه ولم يدن من أحد حتى يعود الى الحرم، والطير يستشفي بالبيت الحرام اذا مرض يسقط على سطح البيت استشفاء به، فاذا زال عنه المرض لم ير على سطح البيت ولا محاذيه في الهواء إِجلالاً له وتعظيماً، مع أمور كثيرة يطول ذكرها، فيكون ما دبره الله من ذلك دالاً على أنه عالم بمصالح الخلق وبكل شيء. وأيضا فانه أخبرهم بأنه قد علم قبل أن يخلقهم ماهم صائرون اليه من القتال والغارة والسبي والسلب فجعل من سنن ابراهيم واسماعيل ان من دخل الحرم لم يقتل. وكذلك من عاذ بالبيت. وأن أشهر الحرم لا يجوز فيها قتال وأن من أهدى أو قلد أمن على نفسه، وكل ذلك يدل على أن من دبره عالم بالعواقب ولا يخفى عليه شيء من الاشياء على وجه من الوجوه.
الجنابذي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ} جملة مستأنفة فى مقام التّعليل لتحريم صيد البرّ حين الاحرام لزيارة البيت او حين دخول الحرم الّذى هو حريم البيت، وجعل بمعنى صيّر او بمعنى خلق {ٱلْكَعْبَةَ} سمّى الكعبة كعبة لتكعّبه والعرب تسمّى كلّ مربّع وناتٍ كعباً وكعبة {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} مفعول ثانٍ او بدل من الكعبة والتّوصيف بالحرام لحرمة هتكه بأخذ الصّيد من حواليه واقتصاص الملتجى الى حريمه الّذى هو الحرم {قِيَاماً لِّلنَّاسِ} مفعول ثانٍ او حال من قام اذا اعتدل اى جعلها سبب اعتدال للنّاس او جعلها معتدلة لانتفاع النّاس، او من قام المرأة اذا قام بشأنها وكفى امرها والمعنى جعلها كافية للنّاس او بمعنى القوام الّذى هو ما يعاش به او بمعنى ملاك الامر وعماده يعنى جعلها عماد جملة الامور للنّاس فى معادهم ومعاشهم {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} اى جنس الشّهر الحرام وافراده اربعةٌ ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب او الشّهر الحرام المعهود اى شهر الحجّ وهو عطف على الكعبة سواء قدّر توصيفه بكونه قياماً للنّاس او لم يقدر {وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ} اى ذوات القلائد او القلائد انفسها وقد مضى ذكرها فى اوّل السّورة، اعلم، انّ جعل كعبة القلب بيت الله الحرام وسبب اعتدال للنّاس فى العالم الصّغير وكافية لامورهم وما به تعيشهم وملاك أمرهم وعمادهم واضح وكذلك كون الشّهر الحرام الّذى هو الصّدر وهدى القوى وقلائدها او ذوات القلائد منها، وكون صاحب القلب وصاحب الصّدر والطّالبين للوصول اليهما قياماً للنّاس لا خفاء فيه، وقد مضى فى اوّل السّورة اشارة الى التّأويل فيها وعند قوله: من دخله كان آمناً فى سورة آل عمران وكون كعبة الاحجار قياماً للنّاس يظهر ممّا سبق منّا من انّها ظهور القلب ويجرى فيها كلّ ما يجرى فى القلب على انّها يربح فيها تاجروها ويرزق ساكنوها ويؤمن ملتجئوها ويخلّف نفقات زائريها ويستجاب دعاء الدّاعين فيها لمعاشهم ومعادهم، وبقاء اهل الارض تماماً ببقائها فيهم وزيارة بعضهم لها كما أشير اليه فى الخبر، وكون الشّهر الحرام قياماً لما سبق من انّه مظهر الصّدر ومظهر صاحب الصّدر وكلّما يجرى فيه يجرى فيه على أنّه شهر فراغه عن القتال وشهر اشتغال بمرمّة المعاش والمعاد، وكون الهدى والقلائد قياماً للنّاس لانّهما مظاهر لطالبى العلم وهم بركات لاهل الارض على انّه ينتفع بايعوها بثمنها واكلوها بلحومها واهبها { ذٰلِكَ} يعنى جعل الكعبة الّتى هى فى بلد خال من الزّراعات واسباب التّجارات من سائر منافع البرّ والبحر وخال نواحيه القريبة والبعيده من الزّراعات والتّجارات سبب تعّيش النّاس وارباحهم الدّنيويّة والمنافع الغير المترقّبة وهو مبتدء خبره قوله تعالى {لِتَعْلَمُوۤاْ} بذلك {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} من الاسباب الغيبيّة الرّوحانيّة والاسباب السّماويّة العلويّة البعيدة {وَ} يعلم {مَا فِي ٱلأَرْضِ} من الاسباب الطّبيعيّة الحسّيّة القريبة لانّكم بعدما رأيتم ارتزاق اهل هذا البلد الخالى من كلّ ما ينتفع به مع انتفاعهم وارباحهم الكثيرة، علمتم انّه ليس الاّ بتسبيبات آلهيّة من دون استقلال الاسباب الطّبيعيّة، بخلاف ما اذا كان الكعبة فى البلاد المعمورة الكثيرة الزّراعات والتّجارات فانّه لا يعلم حينئذٍ انّ ارزاق اهلها باسباب آلهيّةٍ او اسباب طبيعيّة، بل يعتقد انّها باسباب طبيعيّة كما عليه اصحاب الحسّ والطّبيعيّون والدّهريّون، واذا علمتم انّ ارزاق الخلق وارباحهم ليست الاّ باسباب آلهيّة علمتم انّه تعالى يعلم جميع الاسباب القريبة والبعيدة والرّوحانيّة والجسمانيّة والعلويّة والسّفليّة وانّه تعالى يقدر على توجيه الاسباب نحو هذا المسبّب، ولم يقل لتعلموا انّ الله يقدر لانّ القدرة سبب قريب من المسبّب بخلاف العلم فكأنها تستفاد من حصول المسببّ {وَ} لتعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لانّ من علم الاسباب الخفيّة الرّوحانيّة والجليّة الجسمانيّة وتوجيه تلك الاسباب نحو مسبّب بعيد الحصول كان عالماً بكلّ شيءٍ من الجليل والحقير وهو تأكيدٌ وتعميم بعد اطلاق وتخصيص.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس} يعني إصلاحاً وقواماً في مناسكهم وتجارتهم وأنواع منافعهم، وروي أنه لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا {والشهر الحرام} يعني الشهر الذي يؤدون فيه الحج وهو ذو الحجة لاختصاصه من بين الأشهر بإقامة موسم الحج فيه {والهدي والقلائد} والمقلد منه خصوصه وهو البدن لأن الثواب فيه أكثر {ذلك} اشارة إلى جعل الكعبة قياماً للناس أو إلى ما ذكره من حفظ الاحرام بترك الصيد {لتعلموا أن الله بكل شيء عليم} أي عالم بما يصلحكم {اعلموا أن الله شديد العقاب} لمن انتهك محارمه {وان الله غفور رحيم} لمن حافظ عليها {ما على الرسول إلا البلاغ} تشديد في وجوب الامتثال لما أمر به (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} حديث : روي أن سراقة بن مالك، وقيل: عكاشة، قال: يا رسول الله الحج علينا كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعاد عليه مسألته ثلاث مرات، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ويحك وما يؤمنك أن أقول: نعم والله لو قلت: نعم لوجبت ولو وجبته ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالكم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" تفسير : قوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن} يعني وأن تسألوا عن هذه التكاليف الشديدة في زمان الوحي وهو ما دام النبي بين أظهركم يوحى اليه {تبد لكم} تلك التكاليف الشديدة التي تسوءكم وتؤمرون بتحملها فتعرضون أنفسكم لغضب الله {عفى الله عنها} أي عفى الله عنكم عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها {والله غفور حليم} لا يعاجلكم فيما يفرط منكم، قوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم} يعني قد سأل هذه المسألة قوم من الأولين {ثم أصبحوا بها كافرين} وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.
الهواري
تفسير : قوله: {جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ}. ذكروا عن الحسن قال: ما يزال الناس على دين ما حجوا البيت واستلموه. ذكروا عن ابن عباس أنه قال لو تركوا هذا البيت عاماً واحداً ما مطروا. قوله: {وَالشَّهْرَ الحَرَامَ} الأشهر الحرم الأربعة دائم تحريمها إلى يوم القيامة. قوله: {وَالهَدْيَ وَالقلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. قال بعضهم: كانت هذه في الجاهلية حواجز. قال: كان الرجل لو جرّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يُتناول. وكان الرجل لو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يمسَّه. وكان الرجل لو لقي الهدي مقلّداً وهو يأكل العصب من الجوع لم يَمِسَّه. وكان الرجل إذا أراد البيت الحَرامَ تَقلَّدَ قِلادةً من شعَر حتى يبلغ مكة. وإذا أراد أن يصدر من مكة تقلّد قلادة من لِحَاء السَّمُر أو من الإِذخر فتمنعه حتى يأتي أهله. ذكروا عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلَّدَ هديه نعلين"تفسير : . وقد فسّرنا أمر القلائد قبل هذا الموضع. ذكروا عن عائشة بنت سعد أن أباها كان يقلد هديه نعلاً. قوله: {إِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} أي لمن أراد أن ينتقم منه {وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ} كقوله: (أية : وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاَغُ) تفسير : [آل عمران:20] ثم قال: {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}. قوله: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} يعني الحلال والحرام {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ} أي كثرة الحرام {فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} يا ذوي العقول {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. أي لكي تفلحوا. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْهَا وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. قال الحسن: "حديث : سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكثروا حتى غضب غضباً شديداً. وسألوه عن أمور الجاهلية التي قد عفا الله عنها، قال: سلوني، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به إلى يوم القيامة، حتى أتى رجل فقال يا رسول الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ذكروا عن أنس بن مالك أن ابن حذافة بن قيس هو الذي سأله: من أبي، فقال: أبوك حذافة. قال الحسن: فأتاه رجل فقال: أين أنا يا رسول الله فقال: أنت في النار. فلما رأى عمر بن الخطاب الجواب قام فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله رباً وبالإِسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، ونعوذ بالله من شر عاقبة الأمور ".تفسير : فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ}... إلى آخر الآية. ذكروا عن سلمان الفارسي أنه قال: ما أحل الله فهو حلال، وما حرّم الله فهو حرام، وما سكت عنه فقد عفا عنه. قال الحسن: ثم قال الله:
اطفيش
تفسير : {جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ}: البيت بدل الكعبة أو بيان، والحرام نعت البيت للمدح. {قِيَامًا}: مفعول ثان. {لِّلنَّاسِ}: نعت لقيام، والمعنى صير الله الكعبة بسبب قيام الناس بدينهم بالحج والعبادة، وبدنياهم اذ يلوذ به الخائف الضعيف يلقى فيه الرجل قاتل أبيه ولا قتله، ولا نهب فيه ولا غارة، ويربح فيه التاجر وتجىء اليه ثمرات كل شىء، قال عطاء وابن عباس: لو تركه الناس عاماً واحداً لنزل عليهم العذاب فيموتون ولا يمهلون، فقياماً صدر على حذف مضاف كما رأيت، ويجوز أن يكون من القيام الذى هو اسم لما يقوم به الشىء كملاك، فان به صلاح دينهم ودنياهم، ويجوز أن يكون البيت مفعولا ثانياً، وقياماً مفعول ثان متعدد، أو اسم مصدر بمعنى اقامة مفعول لأجله، أى ليقيم للناس دينهم ودنياهم، أو مفعول مطلق، أى يقومون به قياماً، ففى هذا الوجه يكون للناس متعلقاً بجعل أو خبر لمحذوف أى ذلك للناس، ويجوز أيضاً تعليقه لجعل فى الأوجه السابقة ولكن الراجح ما سبق. وقرأ ابن عامر: قيما بكسر القاف وفتح الياء وعدم الألف بعدها مصدر قام، أعل يقلب الواو فيه ياء تبعاً لاعلال فعله بقلب الواو فيه ألفاً لا للاتباع تضمين قوماً بالصحيح كما صح يمور وحوك، لأنه ليس فعل ولا على وزنه، وذلك كما أعل ديار بقلب الواو ياء تبعاً بقلبها ألفا فى مفرده دار مع أنه غير فعل، ولا شبيه به، وهو فى هذه القراءة مفعول مطلق، أى يقومون قياماً، حذف عامله أو حال على حذف مضاف أى ذا قيام للناس، أو بمعنى قائماً للناس، وصاحب الحال لفظ الجلالة أو البيت على أن البيت مفعول لأل أو قيما مفعول ثان متعدد على حذف المضاف أو التأويل بقائم أو البيت تابع، وقيما مفعول ثان. {وَالشَّهْرَ الحَرَامَ}: ذا الحجة لأن الحج فيه فهو الأولى بالارادة فى هذا المقام، كذا ظهر لى ثم رأيته لغيرى، وقيل: المراد جنس الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، كان العرب تمسك عن الغارة والقتال فيهن، وكان للعجم ملوك حتى البرابر لهم جواليت تدفع عنهم، لم يكن للعرب ملوك يدفعون الظلم، فجعل الله له البيت الحرام، والأشهر الحرم تدفع بعض العرب عن بعض. {وَالهُدْىَ}: ما يهدى الى البيت فيذبح، ويفرق على فقراء الحرم، فهو نسك وقوام لمعيشة الفقراء. {وَالقَلائِدَ}: ذوات القلائد، فان القلائد ما يعلق على البعير من نعل، أو لحى الشجر علامة على أنه هدى، فذوات القلائد هن البدل، وهذا بعد ذكر الهدى تخصص بعد تعميم، لأن من الهدى ما قلد، ومنه ما لم يقلد، وخص بعد تعميم لمزيد فضل فانه أدلى على الحج، وأشعر بالثواب، فانه اذا لقى أحد من العرب الهدى مقلداً لم يتعرض له ولم يموت جوعاً، فهو أدل على تعظيم البيت وعظمته، ولا يؤذون صاحب الهدى المقلد. وفوق ذلك أن القلادة فى العرب تكون من شجر الحرم، فيزاد الحرم تعظيماً اذ كان لحى شجرة مانعاً، والثلاثة معطوفات على الكعبة، لأن قياماً يصلح للقليل والكثير، والمذكر والمؤنث، فهن فى نية التقديم على قياماً، وهذا أولى من أن يقدر لهن قياماً من باب العطف على معمولى عامل لسلامته من الحذف، وهذا الحذف أولى من أن يقدر لكل واحد قياماً، لأن تقليل المحذوف أولى. {ذَلِكَ}: المذكور من جعل الكعبة البيت الحرام، والشهر الحرام، والهدى والقلائد قياماً للناس أو ذلك المذكور من الأمر بحفظ حرمة الاحرام بترك الصيد، ومن الزام الكفارة على الصيد وهو مفعول لمحذوف يتعلق به قوله: {لِتَعْلَمُوا} أى شرع الله ذلك لتعلموا، وذلك مبتدأ خبره لتعلموا عند مجيز الاخبار بالتعليل. {أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ}: فان ذلك الجعل، وما ذكر دليل لنا نعلم به أن الله عز وجل عالم فى الأزل بأن الحرم سيعمر، وأن العرب من شأنهم القتل والاغارة، فجعل لهم ما يسكنون به عن القتل والغارة، وهو تعظيم الكعبة والحرم، والأشهر الحرم والهدى والقلائد فيأمنون فيه، وبالأشهر الحرم والهدى القلائد فعمروا الحرم من لدن اسماعيل، فانه انما يهيىء المنفعة ودفع المضرة قبل وقوعها من يعلم بوقوعها، ونعلم أن علمه ذلك تحقيق لا ظن بأنه هو خالق ما فى السماوات وما فى الارض. {وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}: مما هو أيضا فى غير السماوات والأرض وما فيهما، وهذا عموم بعد تخصيص ومبالغة بعد اطلاق.
اطفيش
تفسير : {جَعَلَ اللهُ} صير الله {الْكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً} مفعول ثان، أَو خلق الله الكعبة، فقياما حال، أَى قائمة أَو تقوم قياماً {لِلنَّاسِ} معناه ارتفاعاً لهم عن الضعف يلوذ به الخائف من عدوه، ولو قتل أَباه أَو ابنه أَو لقيه، ويأْمن فيه الضعيف من أَن يظلم، وتجبى إِليه ثمرات كل شئ، يربح فيه التاجر لاجتماع الناس فيه من الآفاق، أَو معناه نظاماً لدينهم يتوجه إِليه الحجاج والعمار لدينهم فإِذا هدم وترك حجة هلك الناس، أَو معناه ذلك كله: أَى شيئاً يقوم به أَمر دنياهم ودينهم، يقال: كان فى الناس ملوك يدفعون عنهم ولا ملك للعرب، وجعل الله عز وجل لهم الكعبة شرفاً وأَمنا. وذكره الطبرى وابن أَبى حاتم، والياء عن واو لانكسار ما قبلها، والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة لارتفاعه عن الأَرض وأَصله الخروج عن الاختفاء، ولا يشرط الطول، ومنه تكعب الثدى وكعب القدم، أَو سمى لتربعه ولو كان فيه بعض طول باعتبار حال الحجر العظيم قبل إِخراجه، أَو سميت لارتفاع شأْنها عند الله وعند الناس، يقال للعظيم علا كعبه، والبيت عطف بيان أَو بدل أَو مفعول ثان، وقياماً حال أَو مفعول مطلق، ولا يسلم أَن شرط عطف البيان المدح أَو الذم، ولو سلمنا لقلنا بوجود المدح بنعت البيت بالحرام وبكونه البيت المعتد به عند الله، وكونه بيت الله، وذلك رد على خثعم إِذ بنو بيتاً سموه الكعبة اليمانية، وعلى ربيعة إِذ بنوا بيتاً وسموه ذا الكعبتاب، والمراد بالكعبة البيت الحرام الحرم كله {وَالشَّهْرَ الحَرَامَ} أَراد الجنس وهو ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، وهن سرد، ورجب وهو فرد، لا قتال فى الجاهلية وفى الإِسلام عند دخولهن حتى نسخ تحريم القتال فيهن، وقيل المراد ذو الحجة، وهو أَنسب بالمقام، وهو وما بعده معطوفان على الكعبة، فقياما عائد إِلى الكل، وهن فى نية التقديم عليه، وهذا أَولى من أَن يقدر لكل واحد من الثلاثة لفظ قياماً أَو لهن معاً لفظ قياماً، ومعنى كون الشهر الحرام قياماً أَنه لا يتعرض في الأَشهر الحرم لقتل أَو غارة، ويزال الخوف ويحجون ويتجرون آمنين، وذلك منافع للدنيا والآخرة {وَالْهَدْىَ} معنى كونه قياماً أَنه منفعة لفقراء الحرم ياكلونه {وَالقَلاَئِدَ} أَى ذوات القلائد وهى أَخص من الهدى خصت بالذكر لمزيد شرفها ثواباً، ومزيد ظهور شعار الحج بها، وكانوا لا يتعرضون لسائق الهدى، ولا سيما صاحب الهدى المقلد، ولو فى غير الأَشهر الحرم، ولا الهدى، ويموت أَحدهم جوعاً ولا يتعرض للهدى، وكذا صاحب الهدى لا يتعرض للهدى ولو يموت جوعاً، وذلك تعظيم لبيت الله الحرام بإِذن الله، وذلك من دين أَبيهم إِسماعيل وأَبيه إِبراهيم، أَو يقدر وذوى القلائد إِذا كان أَحدهم إِذا قلد نفسه لحاءَ الشجر أَو الشعر ذهاباً إِلى الحج أَو العمرة أَو زائراً أَو راجعاً من ذلك لا يتعرضون له احتراماً للبيت، فالأُولى أَن لا تقدير فيعم المقلد من البهائم ومن الناس فنفس تلك القلائد قيام للناس مانعة لهم إذا تقلدوها ولأنعامهم إِذا قلدوها {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا} شرع الله ذلك لتعلموا، ومن أَجاز الإِخبار بالجار التعليلى ومجروره أَجاز أَن يكون ذلك مبتدأ خبره محذوف، أَى مشروع لتعلموا، أَو خبره لتعلموا، أَو الإِشارة عائدة إِلى الجعل، أَو إِلى حفظ حرمة الإِحرام. {أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَئٍ عَلِيمٌ} تعميم بكل شئ بعد تخصيص بما فى السماوات وما فى الأَرض تعلم صفات الله بأَفعاله لاتقائها فنعلم بشرعه الأَحكام لدفع المضار قبل وقوعها، وجلب المنافع المترتبة عليها؛ لأَنه حكيم كامل العلم والقدرة؛ وقيل: المراد بكل شئ الأُمور المتعلقة بما فى السماوات والأَرض.
الالوسي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ} أي صيرها، وسميت كعبة على ما روي عن عكرمة ومجاهد لأنها مربعة والتكعيب التربيع، وتطلق لغة على كل بيت مربع، وقد يقال: التكعب للارتفاع، قيل: ومنه سميت الكعبة كعبة لكونها مرتفعة، ومن ذلك كعب الإنسان لارتفاعه ونتوه، وكعبت المرأة إذا نتأ ثديها، وقيل: سميت كعبة لانفرادها من البناء ورده الكرماني إلى ما قبله لأن المنفرد من البناء نات من الأرض. وقوله تعالى: {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ } عطف بيان على جهة المدح لأنه عرف بالتعظيم عندهم فصار في معنى المعظم أو لأنه وصف بالحرام المشعر بحرمته وعظمته، وذكر البيت كالتوطئة له فالاعتراض بالجمود من الجمود دون التوضيح، وقيل: جىء به للتبيين لأنه كان لخثعم بيت يسمونه بالكعبة اليمانية. وجوز أن يكون بدلاً وأن يكون مفعولاً ثانياً لجعل. وقوله سبحانه: {قِيَاماً لّلنَّاسِ } نصب على الحال ويرده عطف ما بعده على المفعول الأول كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى بل هذا هو المفعول الثاني. وقيل: {جَعَلَ} بمعنى خلق فتعدى لواحد وهذا حال، ومعنى كونه قياماً لهم أنه سبب إصلاح أمورهم وجبرها ديناً ودنيا حيث كان مأمناً لهم وملجأ ومجمعاً لتجارتهم يأتون إليه من كل فج عميق ولهذا قال سعيد بن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئاً للدنيا والآخرة أصابه، ومن ذلك أخذ بعضهم أن التجارة في الحج ليست مكروهة. وروي هذا عن أبـي عبد الله رضي الله تعالى عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن ابن زيد قال: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض / ولم يكن في العرب ملوك كذلك فجعل الله تعالى لهم البيت الحرام قياماً يدفع به بعضهم عن بعض فلو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه عنده ما قتله، فالمراد من الناس على هذا العرب خاصة، وقيل: معنى كونه قياماً للناس كونه أمناً لهم من الهلاك فما دام البيت يحج إليه الناس لم يهلكوا فإن هدم وترك الحج هلكوا وروي ذلك عن عطاء. وقرأ ابن عامر {قَيِّماً } على أنه مصدر كشبع وكان القياس أن لا تقلب واوه ياء لكنها لما قلبت في فعله الفاً تبعه المصدر في إعلال عينه. {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ } أي الذي يؤدى فيه الحج وهو ذو الحجة فالتعريف للعهد بقرينة قرنائه؛ واختار غير واحد إرادة الجنس على ما هو الأصل والقرينة المعهودة لا تعين العهد. والمراد الأشهر الحرم وهي أربعة واحد فرد وثلاثة سرد فالفرد رجب والسرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وهو وما بعده عطف على {ٱلْكَعْبَةَ } فالمفعول الثاني محذوف ثقة بما مر أي وجعل الشهر الحرام {وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰئِدَ } أيضاً قياماً لهم. والمراد بالقلائد ذوات القلائد وهي البدن خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر و [بهاء] الحج بها أظهر؛ وقيل: الكلام على ظاهره، فقد أخرج أبو الشيخ عن أبـي مجلز أن أهل الجاهلية كان الرجل منهم إذا أحرم تقلد قلادة من شعر فلا يتعرض له أحد فإذا حج وقضى حجه تقلد قلادة من إذخر، وقيل: كان الرجل يقلد بعيره أو نفسه قلادة من لحاء شجر الحرم فلا يخاف من أحد ولا يتعرض له أحد بسوء، وكانوا لا يغيرون في الأشهر الحرم وينصلون فيها الأسنة ويهرع الناس فيها إلى معايشهم ولا يخشون أحداً، وقد توارثوا ـ على ما قيل ـ ذلك من دين إسماعيل عليه السلام. {ذٰلِكَ } أي الجعل المذكور خاصة أو مع ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره. ومحل اسم الإشارة النصب بفعل مقدر يدل عليه السياق وبه تتعلق اللام فيما بعد. وقيل: محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الحكم الذي قررناه ذلك أو مبتدأ خبره محذوف أي ذلك الحكم هو الحق والحكم الأول هو الأقرب، والتقدير شرع ذلك {لِتَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} فإن تشريع هذه الشرائع المستتبعة لدفع المضار الدينية والدنيوية قبل الوقوع وجلب المنافع الأولية والأخروية من أوضح الدلائل على حكمة الشارع وإحاطة علمه سبحانه {وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْءٍ} واجباً كان أو ممتنعاً أو ممكناً {عَلِيمٌ } كامل العلم، وهذا تعميم إثر تخصيص، وقدم الخاص لأنه كالدليل على ما بعد. وجوز أن يراد بما في السماوات والأرض الأعيان الموجودة فيهما وبكل شيء الأمور المتعلقة بتلك الموجودات من العوارض والأحوال التي هي من قبيل المعاني. والإظهار في مقام الإضمار لما مر غير مرة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لأنّه يحصل به جواب عمّا يخطر في نفس السامع من البحث عن حكمة تحريم الصيد في الحرم وفي حال الإحرام، بأنّ ذلك من تعظيم شأن الكعبة التي حُرّمت أرضُ الحرم لأجل تعظيمها، وتذكيرٌ بنعمة الله على سكّانه بما جعل لهم من الأمن في علائقها وشعائرها. والجعل يطلق بمعنى الإيجاد، فيتعدّى إلى مفعول واحد، كما في قوله تعالى: {أية : وجعل الظلمات والنور}،تفسير : في سورة الأنعام (1)، ويطلق بمعنى التصيير فتعدّى إلى مفعولين، وكلا المعنيين صالح هنا. والأظهر الأول فإنّ الله أوجد الكعبة، أي أمر خليله بإيجادها لتكون قياماً للناس. فقوله: {قياماً} منصوب على الحال، وهي حال مقدّرة، أي أوجدها مقدّراً أن تكون قياماً. وإذا حمل {جعل} على معنى التصيير كان المعنى أنّها موجودة بيتَ عبادة فصيّرها الله قياماً للناس لطفاً بأهلها ونسلهم، فيكون {قياماً} مفعولاً ثانياً لــ {جعل}. وأمّا قوله: {البيت الحرام} يصحّ جعله مفعولاً. والكعبة علم على البيت الذي بناه إبراهيم ـــ عليه السلام ـــ بمكة بأمر الله تعالى ليكون آية للتوحيد. وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى: {أية : إنّ أوّل بيتٍ وضع للناس للذي ببكة } تفسير : في سورة آل عمران (96). قالوا: إنّه علم مشتقّ من الكَعَب، وهو النتوء والبروز، وذلك محتمل. ويحتمل أنّهم سمّوا كلّ بارز كعبة، تشبيهاً بالبيت الحرام، إذ كان أول بيت عندهم، وكانوا من قبله أهل خيام، فصار البيت مثلاً يمثّل به كلّ بارز. وأمّا إطلاق الكعبة على (القليس) الذي بناه الحبشة في صنعاء، وسمّاه بعض العرب الكعبة اليمانية، وعلى قبة نجران التي أقامها نصارى نجران لعبادتهم التي عناها الأعشى في قوله: شعر : فَكعْبَةُ نَجرَان حَتْم عليكِ حتى تُناخي بأبوابها تفسير : فذلك على وجه المحاكاة والتشبيه، كما سمّى بنو حنيفة مسَليمة رحمان. وقوله: {البيت الحرام} بيان للكعبة. قصد من هذا البيان التنويه والتعظيم، إذ شأن البيان أن يكون موضّحاً للمبيّن بأن يكون أشهر من المبيّن. ولمّا كان اسم الكعبة مساوياً للبيت الحرام في الدلالة على هذا البيت فقد عبّر به عن الكعبة في قوله تعالى: {أية : ولا آمِّين البيت الحرام}تفسير : [المائدة: 2] فتعيّن أنّ ذكر البيان للتعظيم، فإنّ البيان يجيء لما يجيء له النعت من توضيح ومدح ونحو ذلك. ووجه دلالة هذا العلم على التعظيم هو ما فيه من لمح معنى الوصف بالحرام قبل التغليب. وذكر البيت هنا لأنّ هذا الموصوف مع هذا الوصف صارا علماً بالغلبة على الكعبة. والحرام في الأصل مصدر حَرُم إذا مُنِع، ومصدره الحرام، كالصلاح من صلُح، فوصف شيء بحرام مبَالغة في كونه ممنوعاً. ومعنى وصف البيت بالحرام أنّه ممنوع من أيدي الجبابرة فهو محترم عظيم المهابة. وذلك يستتبع تحجير وقوع المظالم والفواحش فيه، وقد تقدّم أنّه يقال رجل حرام عند قوله تعالى: {غير محلّي الصيد وأنتم حُرُم في هذه السورة (1)، وأنّه يقال: شهر حرام، عند قوله تعالى: {أية : ولا الشهر الحرام}تفسير : [المائدة: 2] فيها أيضاً، فيحمل هذا الوصف على ما يناسبه بحسب الموصوف الذي يجري عليه، وهو في كلّ موصوف يدلّ على أنّه ممّا يتجنّب جانبه، فيكون تجنّبه للتعظيم أو مهابته أو نحو ذلك، فيكون وصفَ مدح، ويكون تجنّبه للتنزّه عنه فيكون وصف ذمّ، كما تقول: الخمر حرام. وقرأ الجمهور {قياماً} ـــ بألف بعد الياء ـــ. وقرأه ابن عامر {قيماً} ـــ بدون ألف بعد الياء ـــ. والقيام في الأصل مصدر قام إذا استقلّ على رجليه، ويستعار للنشاط، ويستعار من ذلك للتدبير والإصلاح، لأنّ شأن من يعمل عملاً مهمّاً أن ينهض له، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {أية : ويقيمون الصلاة} تفسير : في سورة البقرة (3). ومن هذا الاستعمال قيل للناظر في أمور شيء وتدبيره: هو قيّم عليه أو قائم عليه، فالقيام هنا بمعنى الصلاح والنفع. وأمّا قراءة ابن عامر قيما} فهو مصدر (قام) على وزن فِعَل ـــ بكسر ففتح ـــ مثل شِبَع. وقد تقدّم أنّه أحد تأويلين في قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما} في سورة النساء. وإنّما أعلّت واوه فصارت ياء لشدّة مناسبة الياء للكسرة. وهذا القلب نادر في المصادر التي على وزن فِعَل من الواوي العين. وإثباته للكعبة من الإخبار بالمصدر للمبالغة، وهو إسناد مجازي، لأنّ الكعبة لمّا جعلها الله سبباً في أحكام شرعية سابقة كان بها صلاح أهل مكة وغيرهم من العرب وقامت بها مصالحهم، جُعلت الكعبة هي القائمة لهم لأنّها سبب القيام لهم. والناس هنا ناس معهودون، فالتعريف للعهد. والمراد بهم العرب، لأنّهم الذين انتفعوا بالكعبة وشعائرها دون غيرهم من الأمم كالفرس والروم. وأمّا ما يحصل لهؤلاء من منافع التجارة ونحوها من المعاملة فذلك تبع لوجود السّكان لا لكون البيت حراماً، إلاّ إذا أريد التسبّب البعيد، وهو أنّه لولا حرمة الكعبة وحرمة الأشهر في الحجّ لساد الخوف في تلك الربوع فلم تستطع الأمم التجارة هنالك. وإنّما كانت الكعبة قياماً للناس لأنّ الله لمّا أمر إبراهيم بأن يُنزل في مكة زوجه وابنه إسماعيل، وأراد أن تكون نشأة العرب المستعربة (وهم ذرية إسماعيل) في ذلك المكان لينشأوا أمّة أصيلة الآراء عزيزة النفوس ثابتة القلوب، لأنّه قدّر أن تكون تلك الأمّة هي أول من يتلقّى الدين الذي أراد أن يكون أفضل الأديان وأرسخها، وأن يكون منه انبثاث الإيمان الحقّ والأخلاق الفاضلة. فأقام لهم بلداً بعيداً عن التعلّق بزخارف الحياة؛ فنشأوا على إباء الضيم، وتلقّوا سيرة صالحة نشأوا بها على توحيد الله تعالى والدعوة إليه؛ وأقام لهم فيه الكعبة معلماً لتوحيد الله تعالى، ووضع في نفوسهم ونفوس جيرتهم تعظيمه حرمته. ودعا مجاوريهم إلى حجّه ما استطاعوا، وسخّر الناس لإجابة تلك الدعوة، فصار وجود الكعبة عائداً على سكان بلدها بفوائد التأنّس بالوافدين، والانتفاع بما يجلبونه من الأرزاق، وبما يجلب التجّار في أوقات وفود الناس إليه؛ فأصبح ساكنوه لا يلحقهم جوع ولا عراء. وجعل في نفوس أهله القناعة فكان رزقهم كفاناً. وذلك ما دعا به إبراهيم في قوله: {أية : ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون}تفسير : [إبراهيم: 37]. فكانت الكعبة قياماً لهم يقوم به أوَد معاشهم. وهذا قيام خاصّ بأهله. ثم انتشرت ذرّية إسماعيل ولحقت بهم قبائل كثيرة من العرب القحطانيين وأهِلت بلاد العرب. وكان جميع أهلها يدين بدين إبراهيم؛ فكان من انتشارهم ما شأنه أن يَحدُث بين الأمّة الكثيرة من الاختلاف والتغالب والتقاتل الذي يفضي إلى التفاني، فإذا هم قد وجدوا حرمة أشهر الحج الثلاثة وحرمة شهر العمرة، وهو رجب الذي سنَّتْهُ مُضَرُ (وهم معظم ذرية إسماعيل) وتبعهم معظم العرب. وجدوا تلك الأشهر الأربعة ملجئة إيّاهم إلى المسالمة فيها فأصبح السلم سائداً بينهم مدة ثلث العام، يصلحون فيها شؤونهم، ويستبقون نفوسهم، وتسعى فيها سادتهم وكبراؤهم وذوو الرأي منهم بالصلح بينهم، فيما نجم من تِراتٍ وإحَنٍ. فهذا من قيام الكعبة لهم، لأنّ الأشهر الحرم من آثار الكعبة إذ هي زمن الحج والعمرة للكعبة. وقد جعل إبراهيم للكعبة مكاناً متّسعاً شاسعاً يحيط بها من جوانبها أميالاً كثيرة، وهو الحرم، فكان الداخل فيه آمناً. قال تعالى: {أية : أوَ لم يروا أنّا جعلنا حرماً آمناً ويتخطَّف الناس مِنْ حولهم}تفسير : [العنكبوت: 67]. فكان ذلك أمناً مستمراً لسكّان مكة وحرمها، وأمناً يلوذ إليه من عراه خوف من غير سكانها بالدخول إليه عائذاً، ولتحقيق أمنه أمَّن الله وحوشه ودوابّه تقوية لحرمته في النفوس، فكانت الكعبة قياماً لكلّ عربي إذا طرقه ضيم. وكان أهل مكة وحرمها يسيرون في بلاد العرب آمنين لا يتعرّض لهم أحد بسوء، فكانوا يتّجرون ويدخلون بلاد قبائل العرب، فيأتونهم بما يحتاجونه ويأخذون منهم ما لا يحتاجونه ليبلّغوه إلى من يحتاجونه، ولولاهم لما أمكن لتاجر من قبيلة أن يسير في البلاد، فلتعطّلت التجارة والمنافع. ولذلك كان قريش يوصفون بين العرب بالتجّار، ولأجل ذلك جعلوا رحلتي الشتاء والصيف اللَّتين قال الله تعالى فيهما: {أية : لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف}تفسير : [قريش: 1، 2]. وبذلك كلّه بقيت أمّه العرب محفوظة الجبلّة التي أراد الله أن يكونوا مجبولين عليها، فتهيّأت بعد ذلك لتلقّي دعوة محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ وحملِها إلى الأمم، كما أراد الله تعالى وتمّ بذلك مراده. وإذا شئت أن تعدو هذا فقل: إنّ الكعبة كانت قياماً للناس وهم العرب، إذ كانت سبب اهتدائهم إلى التوحيد واتّباع الحنيفية، واستبقت لهم بقية من تلك الحنيفية في مدة جاهليتهم كلّها لم يعدموا عوائد نفعها. فلمّا جاء الإسلام كان الحج إليها من أفضل الأعمال، وبه تكفّر الذنوب، فكانت الكعبة من هذا قياماً للناس في أمور أخراهم بمقدار ما يتمسّكون به ممّا جعلت الكعبة له قياماً. وعَطْفُ {الشهرَ الحرامَ} على {الكعبةَ} شبْه عطف الخاصّ على العامّ باعتبار كون الكعبة أريد بها ما يشمل علائقها وتوابعها، فإنّ الأشهر الحرم ما اكتسبت الحرمة إلاّ من حيث هي أشهر الحج والعمرة للكعبة كما علمت. فالتعريف في {الشهر} للجنس كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ولا الشهر الحرام}تفسير : [المائدة: 2]. ولا وجه لتخصيصه هنا ببعض تلك الأشهر. وكذلك عطف {الهدي} و{القلائد}. وكون الهدي قياماً للناس ظاهر، لأنّه ينتفع ببيعه للحاج أصحابُ المواشي من العرب، وينتفع بلحومه من الحاج فقراءُ العرب، فهو قيام لهم. وكذلك القلائد فإنّهم ينتفعون بها؛ فيتّخذون من ظفائرها مادّة عظيمة للغزل والنسج، فتلك قيام لفقرائهم، ووجه تخصيصها بالذكر هنا، وإن كانت هي من أقلّ آثار الحج، التنبيهُ على أنّ جميع علائق الكعبة فيها قيام للناس، حتى أدنى العلائق، وهو القلائد، فكيف بما عداها من جِلال البدْن ونعالها وكسوة الكعبة، ولأنّ القلائد أيضاً لا يخلو عنها هدي من الهدايا بخلاف الجِلال والنعال. ونظير هذا قول أبي بكر «والله لو منعوني عِقالاً» إلخ... وقوله: {ذلك لتعلموا أنّ الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} الآية، مرتبط بالكلام الذي قبله بواسطة لام التعليل في قوله {لتعلموا}. وتوسّط اسم الإشارة بين الكلامين لزيادة الربط مع التنبيه على تعظيم المشار إليه، وهو الجعل المأخوذ من قوله: {جعل الله الكعبة}، فتوسّط اسم الإشارة هنا شبيه بتوسّط ضمير الفصل، فلذلك كان الكلام شبيهاً بالمستأنف وما هو بمستأنف، لأنّ ماصْدَقَ اسم الإشارة هو الكلام السابق، ومفاد لام التعليل الربط بالكلام السابق، فلم يكن في هذا الكلام شيء جديد غير التعليل، والتعليل اتّصال وليس باستئناف، لأنّ الاستئناف انفصال. وليس في الكلام السابق ما يصلح لأن تتعلّق به لام التعليل إلاّ قوله {جعل}. وليست الإشارة إلاّ للجعل المأخوذ من قوله {جعل}. والمعنى: جعل الله الكعبة قياماً للناس لتعلموا أن الله يعلم الخ..، أي أنّ من الحكمة التي جعل الكعبة قياماً للناس لأجلها أن تعلموا أنه يعلم. فَجَعْل الكعبة قياماً مقصود منه صلاح الناس بادىء ذي بدء لأنّه المجعولة عليه، ثم مقصود منه عِلم الناس بأنّه تعالى عليم. وقد تكون فيه حكم أخرى لأنّ لام العلّة لا تدلّ على انحصار تعليل الحكم الخبري في مدخولها لإمكان تعدّد العلل للفعل الواحد، لأنّ هذه علل جعلية لا إيجادية، وإنّما اقتصر على هذه العلة دون غيرها لشدّة الاهتمام بها، لأنّها طريق إلى معرفة صفة من صفات الله تحصل من معرفتها فوائد جمّة للعارفين بها في الامتثال والخشية والاعتراف بعجز من سواه وغير ذلك. فحصول هذا العلم غاية من الغايات التي جعل الله الكعبة قياماً لأجلها. والمقصود أنّه يعلم ما في السموات وما في الأرض قبل وقوعه لأنّه جعل التعليل متعلّقاً بجعل الكعبة وما تبعها قياماً للناس. وقد كان قيامها للناس حاصلاً بعد وقت جعلها بمدّة، وقد حصل بعضُه يتلُو بعضاً في أزمنة متراخية كما هو واضح. وأمّا كونه يعلم ذلك بعد وقوعه فلا يحتاج للاستدلال لأنّه أولى، ولأنّ كثيراً من الخلائق قد علم تلك الأحوال بعد وقوعها. ووجه دلالة جَعْل الكعبة قياماً للناس وما عطف عليها، على كونه تعالى يعلم ما في السماوات وما في الأرض، أنّه تعالى أمر ببناء الكعبة في زمن إبراهيم، فلم يدر أحد يومئذٍ إلاّ أنّ إبراهيم اتّخذها مسجداً، ومكة يومئذٍ قليلة السكّان، ثم إنّ الله أمر بحج الكعبة وبحرمة حرمها وحرمة القاصدين إليها، ووقّت للناس أشهراً القصد فيها، وهدايا يسوقونها إليها فإذا في جميع ذلك صلاح عظيم وحوائل دون مضارّ كثيرة بالعرب لولا إيجاد الكعبة، كما بيّنّاه آنفاً. فكانت الكعبة سبب بقائهم حتى جاء الله بالإسلام. فلا شك أنّ الذي أمر ببنائها قد علم أن ستكون هنالك أمّة كبيرة، وأن ستحمد تلك الأمّة عاقبة بناء الكعبة وما معه من آثارها. وكان ذلك تمهيداً لما علمه مِن بعثة محمد ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فيهم، وجعلِهم حملة شريعته إلى الأمم، وما عقب ذلك من عِظم سلطان المسلمين وبناء حضارة الإسلام. ثم هو يعلم ما في الأرض وليس هو في الأرض بدليل المشاهدة، أو بالترفّع عن النقص فلا جرم أن يكون عالماً بما في السماواة، لأنّ السموات إمّا أن تكون مساوية للأرض في أنّه تعالى ليس بمستقرّ فيها، ولا هي أقرب إليه من الأرض، كما هو الاعتقاد الخاصّ، فثبت له العلم بما في السماوات بقياس المساواة؛ وإمّا أن يكون تعالى في أرفع المكان وأشرف العوالم، فيكون علمه بما في السماوات أحرى من علمه بما في الأرض، لأنّها أقرب إليه وهو بها أعني، فيتمّ الاستدلال للفريقين. وأمّا دلالة ذلك على أنّه بكلّ شيء عليم فلأنّ فيما ثبت من هذا العلم الذي تقرّر من علمه بما في السماوات وما في الأرض أنواعاً من المعلومات جليلة ودقيقة؛ فالعلم بها قبل وقوعها لا محالة، فلو لم يكن يعلم جميع الأشياء لم يخل من جهل بعضها، فيكون ذلك الجهل معطّلاً لعلمه بكثير ممّا يتوقّف تدبيره على العلم بذلك المجهول فهو ما دبر جعل الكعبة قياماً وما نشأ عن ذلك إلاّ عن عموم علمه بالأشياء ولولا عمومه ما تمّ تدبير ذلك المقدّر.
الواحدي
تفسير : {جعل الله الكعبة البيت الحرام} يعني: البيت الذي حرَّم أن يصاد عنده، ويختلى للحجِّ وقضاء النُّسك {والشهر الحرام} يعني: الأشهر الحرم، فذكر بلفظ الجنس {والهدي والقلائد} ذكرناه في أولَّ السورة، وهذه الجملة ذُكرت بعد ذكر البيت؛ لأنَّها من أسباب الحج فذكرت معه {ذلك} أَيْ: ذلك الذي أنبأتكم به في هذه السُّورة من أخبار الأنبياء، وأحوال المنافقين واليهود، وغير ذلك {لتعلموا أنَّ الله يعلم ما في السموات...} الآية. أَيْ: يدلُّكم ذلك على أن لا يخفى عليه شيء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الكعبة: الكعبة كل بناء مربع والمراد بها هنا بيت الله الحرام. قياماً للناس: يقوم به أمر دينهم بالحج إليه والاعتمار ودنياهم بأمن داخله وجبي ثمرات كل شيء إليه. الشهر الحرام: أي المحرم والمراد به الأشهر الحرم الأربعة رجب والقعدة والحجة ومحرم. الهدي: ما يهدى إلى البيت من أنواع الهدايا. والقلائد: جمع قلادة ما يقلده البعير أو البقرة المهدى إلى الحرم. البلاغ: بلاغ ما أمره بإبلاغه. ما تبدون وما تكتمون: أي ما تظهرون وما تخفون. الخبيث: مقابل الطيب وهو الحرام وهو عام في المحسوسات والمعقولات. أولي الألباب: أصحاب العقول. معنى الآيات: قوله تعالى: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ} المراد من الناس العرب في جاهليتهم قبل الإِسلام ومعنى قياماً: أن مصالحهم قائمة على وجود البيت يحج ويعتمر يأمن الآتي إليه والداخل في حرمه، وكذا الشهر الحرام وهي أربعة أشهر القعدة والحجة ومحرم ورجب، وكذا الهدي وهو ما يهدى إلى الحرم من الأنعام، وكذا القلائد جمع قلادة وهي ما يقلده الهدي إشعاراً بأنه مهدى إلى الحرم، وكذا ما يقلده الذاهب إلى الحرم نفسه من لِحَاءَ شجر الحرم إعلاماً بأنه آت من الحرم أو ذاهب إليه فهذه الأربعة البيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد كانت تقوم مقام السلطان بين العرب فتحقق الأمن والرخاء في ديارهم وخاصة سكان الحرم من قبائل قريش فهذا من تدبير الله تعالى لعباده وهو دال على علمه وقدرته وحكمته ورحمته ولذا قال تعالى: {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي حقق ذلك الأمن والرخاء في وقت لا دولة لكم فيه ولا نظام ليعلمكم أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض من سائر الكائنات وشتى المخلوقات لا يخفى عليه من أمرها شيء، وأنه بكل شيء عليم فهو الإِله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه فاعبدوه، وتوكلوا عليه واتركوا عبادة غيره والنظر إلى سواه، وإن لم تفعلوا فسوف يعاقبكم بذلك أشد العقوبة وأقساها فإنه عز وجل شديد العقاب فاعلموا ذلك واتقوه. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [97] والثانية [98] أما الآية الثالثة [99] فقد أكدت مضمون قوله تعالى في الآية الثانية {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وهو وعيد شديد فقال تعالى {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} وفد بلَّغ، فأنذر وأعذر، وبقي الأمر إليكم إن أنبتم إلى ربكم وأطعتموه فإنه يغفر لكم ويرحمكم لأنه غفور رحيم، وإن أعرضتم وعصيتم فإنه يعلم ذلك منكم ويؤاخذكم به ويعاقبكم عليه وهو شديد العقاب وقوله {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} وعد ووعيد لأن علمه تعالى بالظواهر والبواطن يترتب عليه الجزاء فإن كان العمل خيراً كان الجزاء خيراً وإن كان العمل شراً كان الجزاء كذلك. هذا مضمون الآية الثالثة أما الرابعة [100] فإنه تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للناس أيها الناس أنه {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ} من المعتقدات والأقوال والأعمال والرجال والأموال، {وَٱلطَّيِّبُ} منها، ولو أعجبتكم أي سرتكم كثرة الخبيث فإن العبرة ليست بالكثرة والقلة وإنما هي بالطيّب النافع غير الضار ولو كان قليلاً، وعليه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} أي خافوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه رجاء حصول الفلاح لكم بالنجاة من المرهوب والحصول على المرغوب المحبوب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان عظيم تدبير الله تعالى لخلقه، إذ أمّن مصالح قريش والعرب فاوجد لهم أمناً واستقراراً وتبع ذلك هناءة عيش وطيب حياة بما ألقى عباده من احترام وتعظيم للبيت الحرام والشهر الحرام، والهدي والقلائد، الأمر الذي لا يقدر عليه إلا الله. 2- بيان مسئولية الرسول أزاء الناس وأنها البلاغ لا غير وقد بلغ صلى الله عليه وسلم. 3- تقرير الحكمة القائلة العبرة بالكيف لا بالكم فمؤمن واحد أنفع من عشرة كفرة ودرهم حلال خير من عشرة حرام وركعتان متقبلتان خير من عشرة لا تقبل. 4- الأمر بالتقوى رجاء فلاح المتقين.
القطان
تفسير : الكعبة: هي البيت الحرام بمكة. قياما: ما يقوم به أمر الناس. الشهر الحرام: ذو الحجة. الهَدي: ما يُهدى الى الحرم من الأنعام. القلائد: الأنعام التي كانوا يزينونها بقلائد اذا ساقوها هَديا، وخصها بالذكر لعظم شأنها. جاءت هذه الآية استكمالاً للسياق السابق، فلقد حرّم الله في الآية المتقدمة الصيد على المحرِم، باعتبار الحرم موطن أمنٍ للوحش والطير، فالأَولى إذن ان يكون موطن أمن للناس من الآفات والمخاوف، وسبباً لحصول الخير والسعادة للناس في الدنيا الآخرة. ان الله جعل الكعبة التي هي البيت الحرام مانعاً وحاجزاً تؤمّن الناس، أرواحَهم ومصالحهم ومنافعهم في معاشهم، بها يلوذ الخائف، ويأمن فيها الضعيف، ويربح التاجر، ويتوجه اليها الحجاج والمعتمرون. فمعنى "قياما" المانع الذي به يكون صلاح الناس، كالحكومة التي بها قوام الرعية، ترعاهم وتحجز ظالمهم، وتدفع عنهم المكروه. كذلك هي الكعبة والشهر الحرام والهَدي والقلائد قوام العرب الذي كان به صلاحهم في الجاهلية. فقد كان الرجل لو فعل اكبر جريمة ثم لجأ الى الحرم لم يُتناول، ولو لقي قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يَعرِض له أو يقربه، ولو لقي الهديَ مقلَّدا، وهو يأكل العصَب من الجوع لم يقربْه. كان الرجل اذا اراد البيت تقلّد قلادة من شَعر فَحَمَتْه من الناس، وإذا عاد من الحج تقلد قلادة من الأّذْخر أو السَمُر فمنعته من الناس حتى يأتيَ أهله. الاذخِر: نبات طيب الريح: السَّمُر: مفردها سَمُرة، شجر الطَّلح. وهي في الاسلام معالم حجَ الناس، ومناسكهم، فهم في ضيافة الله اذ ذاك، فليعملوا على جمع شملهم، ويتجهوا اليه في صلاتهم. أما الهدي فقد جعله تعالى سبباً لقيام الناس، لأنه يُهدى الى البيت ويًُذبح ويفرَّق لحمه على الفقراء.. بذلك يكون نسكا للمُهدي، وقياماً لمعيشة الفقراء. {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ.... وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ان ذلك التدبير اللطيف من الله تعالى إنما جعله كي توقنوا أن علمه محيط بما في السماوات وما في الارض، فهو يشرّع لمن فيهما بما يحفظهم ويقوم بمصالحهم. فإذا احست قلوب الناس رحمةَ الله في شريعته، وتذوقت جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم، أدركوا يقيناً ان الله بكل شيء عليم. قراءات: قرأ ابن عامر "قِيَما" وقرأ الباقون "قياما" كما هو هنا في المصحف.
د. أسعد حومد
تفسير : {قِيَاماً} {وَٱلْقَلاَئِدَ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (97) - جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ بَيْتاً حَرَاماً لِلنَّاسِ، وَيَقُومُ بِهِ أمْرُ دِينِهِمْ بِالحَجِّ إليهِ، وَأمْرُ دُنْيَاهُمْ إذْ يَأمَنُ الدَّاخِلُ إليهِ مِنَ التَّعرُّضِ لَهُ، وَتُجْبَى إليهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شيءٍ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأشْهُرَ الحُرُمَ سَبَباً لِقِيَامِ أمْنِ النَّاسِ مِنَ القِتَالِ فِيهَا، فَكَانَ النَّاسُ إذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ، زَالَ خَوْفُهُمْ مِنَ القِتَالِ، وَأمِنُوا فِي تِجَارَتِهِمْ وَأسْفَارِهِمْ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ اللهُ الهَدْيَ المُقَلَّدَ (القَلائِدَ - هُوَ الهَدْيُ الذِي طَوَّقَهُ أصْحَابُه بِطَوْقٍ خَاصٍّ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ) آمناً وَلَوْ سَارَ فِي غَيْرِ الشَّهْرِ الحَرَامِ (لأنَّ النَّاسَ يَعْرِفُونَ مِنَ القَلائِدِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى الحَرَمِ، فَلاَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُ بِسُوءٍ، احْتراماًَ لِلْحَرَمِ)، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هذا التَّدبِيرَ اللَطِيفَ لأجْلِ أنْ تَتَفَكَّرُوا فِي أنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَقَدْ أوْقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ تَعْظِيمَ البَيْتِ الحَرَامِ، وَالشَّهْرِ الحَرَامِ، لِحِكْمَةٍ بَالِغَةِ صَادِرَةٍ عَنْ عِلْمِهِ بِخَفَايَا الأُمورِ، وَالشَّهْرَ الحَرَامِ، لِحِكْمَةٍ بَالِغَةِ صَادِرَةٍ عَنْ عِلْمِهِ بِخَفَايَا الأمُورِ، لِتَأمِينِ الرِّزْقِ وَالأمْنِ لِسُكَّانِ البَلَدِ الحَرَامِ. قِيَاماً لِلنَّاسِ - قَواماً لِمَصَالِحِهِمْ دُنْيا وَدِيناً. الكَعْبَةَ - هِيَ البَيْتُ الحَرَامُ الذِي أمَرَ اللهُ إبْرَاهِيمَ بِبِنَائِهِ عَلَى أرْضِ مَكَّةَ، وَسُمِّيَتْ كَعْبَةً لأنَّهَا مُكَّعَبةُ الشَّكْلِ. الهَدْيَ - مَا يُهْدَى إلى الحَرَمِ مِنَ الذَّبَائِحِ تَقَرُّباً إلى اللهِ. القَلائِدَ - الذَّبَائِحَ المُوَجَّهَةَ إلى البَيْتِ الحَرَامِ وَهِيَ مُقَلَّدَةٌ بِطَوقٍ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ.
الثعلبي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ}.الآية. قال ابن عباس: كانوا يتغادرون ويتقاتلون فأنزل اللّه {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ}. قال مجاهد: سميت كعبة مربع والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة. وقال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البنيان. قال أهل اللغة: أصلها من الخروج والإرتفاع وسمّي الكعب كعباً لخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرجت ثدياها: قد تكعبت، فسميت الكعبة كعبة لارتفاعها من الأرض، وثباتها على الموضع الرفيع، وسميت البيت الحرام لأن اللّه حرّمه وعظم حرمته. وفي الحديث: "حديث : مكتوب في أسفل المقام: إني أنا اللّه ذو بكة حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض. ويوم وضعت هذين الجبلين وحففتهما بسبعة أملاك حفاً من جاءني زائراً لهذا البيت عارفاً بحقه مذعناً لي بالربوبية حرّمت جسده على النار ". تفسير : {قِيَاماً لِّلنَّاسِ} أي قواماً لهم في أمر دينهم ودنياهم وصلاحاً لمعاشهم ومعادهم لما يحصل لهم من الحج والعمرة والزيارة والتجارة وما يجبى إليه من الثمرات ويظهر فيه من أنواع البركات. فقال إبن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئاً للدنيا والآخرة أصابه {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أراد به الأشهر الحرم يأمن فيها الناس {وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} الآية. إعتُرض على هذه الآية وقيل: كيف يليق أول الآية بآخرها؟ فالجواب أن مجاز الآية إن اللّه يعلم صلاح الناس كما يعلم {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} الآية {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} الآيتين {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} يعني الحلال والحرام. {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} نزلت في شرح بن صبيعة وحجاج بكر بن وائل {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين. وقد مضت القصة في أول السورة {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} الآية، إختلفوا في نزولها، فروى الزهري وقتادة عن أنس وأبو صالح عن أبي هريرة قالا: حديث : سأل الناس رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى ألحّوا بالمسألة فقام مغضباً خطيباً وقال: سلوني فواللّه لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا لآتيته لكم، فأشفق أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد مضى، قال أنس: فجعلت لا ألتفت يميناً ولا شمالاً إلاّ وجدت رجلاً لافاً رأسه في ثوبه يبكي، فقام إليه رجل من قريش من بني تميم يقال له عبد اللّه بن حذافة: وكان يطعن في نسبه وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي اللّه من أبي؟ قال: أبو حذافة بن قيس". قال الزهري: فقالت أم عبد اللّه بن حذافة: ما رأيت ولداً بأعق منك قط أكنت تأمن أن تكون أمك قد فارقت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤس الناس. فقال: واللّه لو ألحقني بعبد أسود للحقته، فقام إليه رجل آخر فقال: يا رسول اللّه أين أنا؟ قال: في النار. فقام عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وقبل رجل رسول اللّه وقال: رضينا باللّه ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، إنا يا رسول اللّه حديثو عهد بالجاهلية والشرك فاعف عنا عفى اللّه عنك فسكن غضبه وقال: "أما والذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة والنار أنفاً في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر ". تفسير : وقال ابن عباس: كانوا قوم يسألون رسول اللّه (عليه السلام) إمتحاناً بأمره، واستهزاءً به، فيقول له بعضهم من أبي؟ ويقول الآخر: أين أنا؟ ويقول الآخر إذا خلت ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال علي وأبو أمامة الباهلي: حديث : خطب بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال: "إن اللّه كتب عليكم الحج". فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة بن محسن فقال: أفي كل عام يا رسول اللّه؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال (عليه السلام): "ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، واللّه لو قلت نعم لوجبت، ولو أوجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني كما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ". تفسير : وقال مجاهد: نزلت هذه الآية حين قالوا لرسول اللّه عن البحيرة والسائبة ألا ترى يقول بعد ذلك ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة الآية {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} تسؤكم لأن القرآن إنما ينزل بإلزام فرض فيشق عليكم أو شيء كان حلالاً لكم {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} كما سألت ثمود صالحاً الناقة، وقوم عيسى المائدة {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} فأهلكوا. روى مكحول الشامي عن أبي ثعلبة الخشني قال: إن اللّه فرض فرائض فلا تسبقوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ} ما أنزل اللّه ولا من اللّه ولا أمر به نظيره قوله {أية : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} تفسير : [الزخرف: 3] أي أنزلناه، {مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}. وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التميمي عن أبي صالح السمّان عن أبي هريرة قال: حديث : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لأكتم بن الجون: يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا بك منه، وذلك إنه أول من غيّر دين إسماعيل ونصب الأوثان، ونحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، ولقد رأيت في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" فقال أكثم: تخشَ أن يضرني شبهه يا رسول اللّه، قال: "لا أنت مؤمن وهو كافر ". تفسير : قال: وذلك أن الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة إناثاً سيبت فلم يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلاّ ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلى سبيلها مع إنها في الإبل يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلاّ ضيف كما فعل بأُمها وهي البحيرة بنت السائبة. وقال ابن عباس: على إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس، فإن كان ذكراًنحروه، فأكله الرجال والنساء جميعاً وإن كانت أنثى شقوا أُذنها فتلك البحيرة ولا يجز لها وبر، ولا يذكر عليها إسم اللّه إن ذُكيّت ولا يحمل عليها وحرّمت على النساء لا يذقن من ألبانها ولا ينتفعن بها وكانت لبنها ومنافعها خاصة للرجال دون النساء حتى تموت، وإذا ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها. وقيل: هو إنهم كانوا إذا ولد السقب بحروا أذنها وقالوا: اللهم إن عاش ففتي وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه. وأما السائبة فكان الرجل يسيب من ماله فيجيء به إلى السدنة فيدفعه إليهم فيطعمون منه أبناء السبيل من ألبانها ولحمانها إلاّ النساء فإنهم كانوا لا يعطونهن منها شيئاً حتى يموت فإذا مات أكلها الرجال والنساة جميعاً. وقال علقمة: هي العبد [يسيب] على أن لا يكون له ولاء ولا عقل، وله ميراث. فقال (عليه السلام): "حديث : إنما الولاء لمن أعتق"تفسير : . وإنما أخرجها بلفظ الفاعلة وهي بمعنى المفعولة وهي المسيبة والمخلاة على مذهب قوله [ماء دافق وعيشة] راضية، وأما الوصيلة فهي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان البطن السابع ذكراً ذبحوه وأهدوه للآلهة، وإن كانت أنثى إستحيوها، فإن كانت ذكراً أو أنثى إستحيوا الذكر من أجل الأنثى. وقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه، وأما الحامي فهو الفحل إذا ركب ولد فيلده قبل حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا رعي إلا أن يموت فيأكله الرجال والنساء قال اللّه {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ} يختلقون {عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} في قولهم: واللّه أمرنا بها {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} قال اللّه تعالى {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} نظيرها في سورة البقرة ولقمان.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : "جعل" تعني بَيَّن ووضَّح، فقال: إن الكعبة محرمة ولها كرامة تستحق من المؤمن أن يأمن فيها. أو "جعل" تعني إيجاد صفات للأشياء بعد أن تكون ذات المادة موجودة، مثل قوله الحق سبحانه: {أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 7]. أي أنه سبحانه خصص جزءا من خلايا الإنسان ليكون عيناً، وجزءا آخر ليكون أذنا، وجزءا ثالثاً ليكون لساناً. والحق هنا يقول: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ}. ونعرف أن كل الأسماء للمعنويات مأخوذة من المُحسات. والكعب هو الشيء الناتيء الخارج عن حد المتساوي. ومثال ذلك الكعب في القدم يكون مرتفعاً. وكذلك الفتاة نطلق عليها: "طفلة" وهي دون البلوغ، وعند البلوغ وظهور الثديين نقول إنها "كَعَاب وكاعب"، أي أن ثدييها قد صارا مرتفعين، والكعبة نتوء، والنتوء ارتفاع، وهذا الارتفاع هو علامة البيت، فالبيت هو مساحة من الأرض، أما الارتفاع فهو يحدد الحجم. ومثال ذلك عندما نريد حساب مساحة الأرض؛ نقيس الطول والعرض؛ ونضرب الطول في العرض حتى نحسب المساحة. أما إذا كان هناك ارتفاع فهذا يعني الانتقال من المساحة إلى الحجم. والحق سبحانه يقول: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} تفسير : [البقرة: 127]. أي أن سيدنا إبراهيم بعمله إنما أراد أن يصنع للبيت ارتفاعاً وحجماً، وهذا البناء يدل على صناعة حجم لمساحة من الأرض. إذن فالكعبة هي البيت بعد أن صار له ارتفاع. وكلمة "بيت" تعني المكان الذي أعد للبيتوتة، فالإنسان يضرب في الأرض طيلة نهاره وعندما يحب أن يستريح يذهب إلى البيت. فالله جعل الكعبة بيتاً للناس حتى يستريحوا فيه من عناء حياتهم ومشقة كدحهم لأنه بيت ربهم باختيار ربهم، لا باختيارهم، فكل مسجد هو بيت الله ولكن باختيار خلق الله، أما الكعبة فهي بيت الله باختيار الله، وهي قبلة لبيوت الله التي قامت باختيار خلق الله. {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} وكلمة {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} تدل على أن له حرمات كثيرة. وجعل الله الكعبة بيتاً حراماً لكل المسلمين قياماً. والقيام هو الوقوف، والوقوف هو القيام على الأمر. والقائم على أمرٍ ما يحفظ له قوام حياته ووجوده. وهكذا نفهم أنه سبحانه أراد أن تكون الكعبة هي البيت الحرام ليحفظ على الناس قوام حياتهم، بالطعام والشراب واستبقاء النسل ودفع الأذى، وفوق ذلك له سيطرة وسيادة وجاه وتمكين، ولذلك يعطي الإيمان الحياة الراقية، فالحياة مسألة يشترك فيها المؤمن والكافر، وتبدأ بوجود الروح في المادة فتنتقل المادة إلى الحالة الحس والحركة، والمؤمن هو من يرتقي بحياته فيعطي لها بالإيمان منافع، ويسلب عنها المضار، فيأخذ السيادة، وبذلك تتصل حياته الدنيا بحياته في الآخرة، فلا تنتهي منه الحياة أبداً. لقد جعل الحق سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام قياماً للناس . . أي قواماً لحياتهم سواءً الحياة الدنيا او حياة الآخرة، الحياة المادية التي تنتهي بالموت، والحياة التي تبدأ بالآخرة. والحق سبحانه يقول عن ذلك: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الأنفال: 24]. هكذا يكون الإيمان بالله وصلاً لحياتين: الحياة المادية في الدنيا، وحياة الآخرة. وأراد الحق بذلك دفع الأذى وجلب النفع والجاه والسيطرة للمؤمنين، ونعرف أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 96]. كذلك نعرف أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أقام القواعد من البيت، أما البيت نفسه فقد أقيم من قبل ذلك. وما دام الحق سبحانه قد قال: {أية : وُضِعَ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 96]. فمعنى ذلك أن الله لم يحرم الناس من قبل إبراهيم أن يكون لهم بيت. فالناس معناها البشر من آدم إلى أن تقوم الساعة، وأقام إبراهيم خليل الرحمن البُعْد الثالث وهو رفع القواعد للبيت الحرام. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [الحج: 26]. أي أن الحق سبحانه وتعالى أظهر مكان البيت لإبراهيم عليه السلام، ونعرف أن إبراهيم أشرك ابنه إسماعيل في إقامة القواعد من البيت، ونعلم أن إسماعيل قد جاء إلى هذا المكان رضيعاً مع أمه، وقال إبراهيم بعد أن رفع القواعد متوجها إلى ربه بالدعاء: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} تفسير : [إبراهيم: 37]. لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بوادٍ غير ذي زرع، لا ماء فيه ولا نبات. وجاء الحق بهذه الكنابة لنعرف أنه لا حياة بدون زرع، والماء لازم للزرع. وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد لبى نداء الله بأن يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة، ولا يوجد فيه إلا المنعم، ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليها السلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن مع ابنها في ذلك المكان تناديه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ فيقول لها: إلى الله تقول: رضيت بالله. هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشي كما أراد، فالله لن يضيعها لا هي ولا ابنها؛ لأنها قالت: رضيت بالله. وقص الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علينا قصتها، والسعي الذي قامت به بين الصفا والمروة، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ابنها، بل سيرزقهما، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيراً يدلها على موقع للماء، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير. إنها تأخذ بالأسباب مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم. وسعت سبعة أشواط. وهي الأنثى وفي تلك السن، وذلك من لهفتها على توفير شربة ماء لطفلها. السعي - كما نعرفه - عملية شاقة. ولو أن الله أعطاها الماء على الصفا أو على المروة لما أثبت كلمتها: "إن الله لا يضيعنا". ولكن الحق يعطيها الماء عند قدمي طفلها الرضيع. وبذلك لها يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا إلى قضيتين: أمّا الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده، وأما الثانية فهي أن السعي لا يعطي بمفرده الثمرة، ولكن الثمرة يعطيها الله. وجعل الله من السعي بين الصفا والمروة تعليماً لنا بدرس عملي تطبيقي أن نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب؛ لأن فتنة الناس تأتي من الغرور بالأسباب. {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. إنه لا يصح أبداً أن تعزلك الأسباب عن المسبب، ولا تقل سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب؛ لا، كُنْ دائماً مع الأسباب، وتذكر دائماً المسبب. ولذلك نقول: إن الجوارح تعمل، ولكن القلوب تتوكل. وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها، وبذلك تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها الله: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تفسير : [إبراهيم: 37]. لقد دعا إبراهيم عليه السلام بالرزق من الثمرات، لأن الوادي غير ذي زرع. ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوي إلى الكعبة وإلى البيت الحرام. يقول - سبحانه -: {أية : أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا} تفسير : [القصص: 57]. وكلمة "يُجبى" تدلنا على أن الناس لا تأتي بهذه الثمرات اختياراً إلى البيت الحرام الذي جعله الله قياماً لحياة من يوجد فيه، بل يأتون بالثمرات قهراً. وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة الثمار في الطائف وفي غيرها من البلاد، وعندما يريد إنسان الشراء من نِتاج مزارعهم يقولون له: إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة. لقد استجاب الحق لدعاء إبراهيم: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ}. و"تهوي" - بكسر الواو - تدل على السقوط من حالق.. أي من مكان مرتفع شاهق. وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان مقذوفاً إليها. ولذلك نجد الكَلِف بالحج - المحب له والمتعلق به - تشتاق روحه إلى الحج. وعلينا أن نفرق بين "يَهْوَى".. أي يحب الذهاب، و"يَهوى" بكسر الواو أي يذهب بالاندفاع، فالإنسان إن سقط من مكان عالٍ لا يستطيع أن يقول: سأتوقف عند نقطةٍ ما في منتصف مسافة السقوط؛ لأن الذي يقع من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه. ولذلك قال الحق: {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} تفسير : [إبراهيم: 37]. وهذا دليل على أن الهْوُي ليس من صنعة الجسم، ولكنه من صنعة الأفئدة. والأفئدة بيد الله - سبحانه - هو الذي جعلها تهوِي، والكعبة هي البيت الحرام وهي قوام لحياة الناس، وسبحانه القائل: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]. فالداخل إلى الكعبة آمن حتى ولو كان قاتلاً. وكان الرجل يلتقي بقاتل أبيه في الكعبة فلا يتعرض له، إذن فقد أعطى الحق لهم من مقومات الحياة الشيء النافع وحجب عن الموجود منهم الضر. وأما السيادة والجاه فقد عرفنا ان قريشاً سادت العرب وكان رجالها سدنة وخدماً لبيت الله، والكل يأتي إليهم فلا أحد يتعرض لقوافلهم الذاهبة إلى الشام أو اليمن. وإلا فمن يتعرض لقوافل قريش فإن قريشاً تستطيع الانتقام منه عندما يأتي إليها. وكان ذلك قمة السيادة. إذن فمقوم الحياة إما أن يأتي بنافع كالرزق، وأما أن يمنع الضار؛ وذلك بالأمن الذي يصيب كل داخل إليها، وكذلك بالسيادة التي أخذتها قريش على العرب جميعاً. وأعطى الله المثل لقريش على حمايته للكعبة، عندما جاء أبرهة ليهدم الكعبة: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1]. ورد سبحانه كيد أصحاب الفيل؛ لأنهم لو هدموا الكعبة لضاعت السيادة من قريش، ولذلك قال الحق وصفاً لذلك: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5]. {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2]. جعل الحق أصحاب الفيل كعصف مأكول أي كتبن أو نحوه أكلته الدواب وألقتهُ رَوْثا، فعل - سبحانه - ذلك حتى تألف قريش وتطمئن إلى أن الكعبة لن يمسها سوء، وإلى أن رحلات الشتاء والصيف مصونة بحكم حاجة كل القبائل إلى الحج. وقال سبحانه: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4]. أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف، وأبقى لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها الله للناس جميعاً قياما وامناً؛ لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يُكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجون من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضاً. إذن جعل الله البيت الحرام قياماً لكل ألوان الحياة، والبيت الحرام مكان كما نعلم. وجعل الحق الشهر الحرام أيضاً قياماً للحياة، والشهر الحرام هو زمان كما نعلم. والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرم الأربعة: شهر منها فرد أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب - ولذلك يسمى رجب الفرد - وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضاً وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم. ونعلم أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى فاعل. والفاعل يحتاج إلى زمن ليفعل فيه الفعل، وإلى مكان يفعل فيه، وإلى سبب يدعو إلى الفعل، وإلى قدرة تبرز هذا الفعل. ولذلك نذكر جميعاً قول الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الكهف: 23-24]. فإياك أن تقول: إني فاعل ذلك غداً إلا بعد أن تتبعها بقولك: "إن شاء الله". ولا يمنعنا هذا أن نخطط لمستقبلنا. فمادمنا قد استعنا بالمشيئة، فلنا أن نخطط لحياتنا. ونقول: "إن شاء الله" لأن عناصر الفعل: فاعل، ومفعول يقع عليه الفعل، وزمان، ومكان، وسبب، وقدرة تبرز الفعل. ولا أحد منا يملك واحداً من هذه العناصر، فأنت أيها الإنسان لا تملك وجود ذاتك غداً، ولا تملك وجود المفعول غداً، ولا تملك الزمان، ولا تملك المكان، ولا تملك السبب؛ لأنه من الجائز أن يتغير، ولا تملك القدرة على العمل، فقد تسلب منك القدرة قبل أن تفعل الفعل. إذن، فأنت لا تملك من عناصر الفعل شيئاً. فلا تجازف وتقول: أنا أفعل ذلك غداً. بل أسندها إلى من يملك كل العناصر، وقل: "إن شاء الله"، وبذلك لا تكون كاذباً. وهنا في هذه الآية يوجد عنصران: المكان، والزمان، المكان هو البيت الحرام، والزمان هو الشهر الحرام، والذي يحدث الفعل فيه نسميه: المفعول فيه، وهو إما ظرف مكان وإما ظرف زمان. وأراد الحق سبحانه بذلك أن يؤكد ما فيه قيام الناس زمانا ومكانا، فلو أنه سبحانه لم يفعل ذلك بالنسبة للزمان وهو الأشهر الحرم، والمكان وهو الحرم، لاستمرت الحرب بين قبائل العرب إلى ما لا نهاية. ولذلك أراد بالأشهر الحرم أن يعطي للعقل فرصة للتأمل في أسباب الحرب، ويعطي كل إنسان من العرب الراحة من القتال. وكان كل عربي في ذلك الزمن يهتم بالاستعداد للقتال اهتمامه بالطعام والشراب، فكل منهم تربى على الفروسية والقتال والضرب بالرمح والمبارزة بالسيف. وحينما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لينساح بالدعوة في أرض الله صحب معه الكثير من الرجال الذين لم يكونوا في حاجة إلى التدريب على أعمال الحرب، فقد كان كل الناس تقريباً جاهزين للقتال. وكأن الله سبحانه أراد للإسلام أن ينهي الثأر بين القبائل، وأن يستفيد الإسلام من استعداد كل عربي للقتال. واستفاد الإسلام أيضاً من أن أمة العرب كانت - غالباً - متبدية؛ بيت كل إنسان منهم على ظهر البعير، يشد رحاله، وينصب خيمته وينام؛ لأن الناس إنما ارتبطوا بالأوطان عندما بنوا المنازل، فمن بنى لنفسه بيتاً في مكان ما فهو يشتاق إلى ما بناه. وكأن الحق قد أعدهم للانسياح بكلمة الله في الأرض فلا يحزن لترك مكان إلى مكان آخر، بل إن الشخص منهم كان يذهب إلى البلاد ويتوطن فيها ليؤصل الوجود الإسلامي. فكان كل واحد منهم نواة الخير للأمم التي انساحوا إليها؛ فمن ذهب منهم إلى الشام توطن فيها ولم يصعب عليه فراق الجزيرة. وكذلك من ذهب إلى مصر وغيرها من البلدان. إذن فقد أراد الحق بحرمة الأشهر الحرم والبيت الحرام أن يرتاح العرب من القتال بدلاً من أن تهلك الحربُ الحرثَ والنسلَ، وأراد الحق ذلك قياماً للناس، واستبقاء للنوع. وكذلك حرم الله: {وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ} والهدي هو الذي يُهْدَى للحرم فيأكله الناس هناك، ذلك لأن الحرم موجود بوادٍ غير ذي زرع. والهدي هو البهيمة التي يتطوع بها أي إنسان ويضع حول عنقها قلادة من لحِاء وقشر الشجر أو غير ذلك، وعندما يرى الناس القلادة يعرفون أن تلك البهيمة مهداة للحرم فلا يقربها أحد حتى صاحبها وإن قرصه وعضه الجوع، وفي ذلك قيام للناس. وتتابع الآية: {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي أنه مدبر لهم ما يحفظ حياتهم في كل حالٍ من أغيار الحياة؛ فقد رتب سبحانه لهم حفظ الأرواح، وحفظهم من الجوع، وآمنهم، وحفظ لهم السيادة، كل ذلك بتدبيره وهو الحكيم. لقد دبر كل شيء أزلاً، وأتت الأمور على وَفْق ما دبر من خير ومصلحة، فإذا كان كل ذلك قد فعله سبحانه وتعالى فلأنه الأعلم والأحكم. وقد حدث كل ذلك بعلمه وحكمته، ونؤمن أن ما لا نعرفه قد فعله وصنعه - أيضاً - بهذه الحكمة المطلقة وذلك العلم المطلق. {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لقد رتب حياة الناس في الجزيرة وحول البيت الحرام على الرغم من انهم قبل الرسالة كانوا يعبدون الأصنام، ولكنه هداهم بالرسالة المحمدية. ولذلك قال: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فسبحانه جعل البيت أمنا وأماناً، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كوني. والفرق بين الإخبار الكوني والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به، أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه، فإن أطاع الناس الخبر القادم من الله جعلوا البيت آمنا، وإن أساءوا جعلوه غير آمن. وفي زماننا القريب عندما اعتدى شاب يدعى جهيمان على الحرم، تساءل الناس: كيف يعتدي إنسان على الحرم وقد أراده الله حرماً آمناً؟ وقلنا: إن أمر الله بجعل البيت حراماً آمنا هو أمر شرعي ينفذه المؤمنون إن أطاعوا، وإن لم ينفذوه فهم غير مؤمنين. والمثال على الأمر الشرعي والكوني قوله الحق: {أية : وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} تفسير : [النور: 26]. إنَّنَا نجد في الحياة خبيثاً يتزوج امرأة طيبة، ونجد طيباً يتزوج خبيثة. وهذا يثبت لنا أن قوله الحق: {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} هو أمر شرعي بأن نزوج الطيب طيبة مثله، وهو واجب التنفيذ إن كنا مؤمنين بالمنهج، أما إن خالفنا المنهج فإننا نزوج الطيب خبيثة والطيبة خبثاً، وبذلك يختل التكافؤ في الأسرة، وتصير حياة المجتمع جحيماً، ومن أجل أن نحفظ للمجتمع توازنه علينا أن نزوج الطيب للطيبة وأن نترك الخبيثة للخبيث، حتى لا تكون حياتنا في فتنة. وينبهنا سبحانه إلى ضرورة مراعاة أوامره الشرعية فيقول لنا سبحانه: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآية المتقدمة أن الصيد على المحرم حرام، ونهى عن قتل الطير والوحش في حالة الإِحرام، ذكر تعالى في هذه الآية أنه جعل الكعبة قياماً للناس إذ ركّز في قلوبهم تعظيمها بحيث لا يقع فيها أذى لأحد، فكما أن الحرم سببٌ لأمن الوحش والطير فكذلك هو سبب لأمن الناس عن الآفات والمخافات، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة. اللغَة: {ٱلبَحِيرَةٍ} من البحر وهو الشق قال أبو عبيدة: وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن في آخرها ذكرٌ شقوا أذنها وخلّوا سبيلها فلا تُركب ولا تُحلب {ٱلسَآئِبَةٍ} البعير يسيّب بنذرٍ ونحوه {وَصِيلَةٍ} الوصيلة من الغنم كانوا إذا وَلدت الشاة سبعة أبطن وكان السابع ذكراً وأُنثى قالوا قد وصلت أخاها فلم تُذبح {حَامٍ}: الفَحْل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن يقال قد حمى ظهره فلا يُركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء {عُثِرَ} ظهر يقال: عثرت منه على خيانة أي اطلعت وظهرت لي {ٱلأَوْلَيَانِ} تثنية أولى بمعنى أحق. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: كان قومٌ يسألون النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقتِه: أين ناقتي فأنزل الله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ..} الآية. ب - وعن ابن عباس قال: كان تميم الداريُّ وعَدِيُّ بن بدّاء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من "بني سهم" فتوفي بأرضٍ ليس بها مسلم، فأوصى إِليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاماً من فضة مخوّصاً بالذهب، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما!! ثم وُجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عديّ وتميم فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ..} الآية. التفسِير: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} أي جعل الله الكعبة المشرّفة وهي البيت المحرّم صلاحاً ومعاشاً للناس لقيام أمر دينهم ودنياهم إذ هو سببٌ لانتعاشهم في أمور معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف، ويأمن فيه الضعيف، ويربح فيه التجار، ويتوجه إليه الحُجَّاج والعمار {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} أي الأشهر الحُرُم "ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب" قياماً لهم لأمنهم القتال فيها {وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ} أي الهدي الذي يُهدى للحرم من الأنعام، والبُدن ذوات القلائد التي تُقلّد من شجر الحرم لتأمن هي وأصحابها جعلها الله أيضاً قياماً للناس {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي جعل هذه الحرمة للبيت الحرام والشهر الحرام والهدي والقلائد لتعلموا أيها الناس أن الله يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم لذلك جعل الحرم آمناً يسكن فيه كل شيء، فانظروا لطفه بالعباد مع كفرهم وضلالهم {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي اعلموا أيها الناس أن الله شديد العِقاب لمن عصاه وأنه غفور رحيم لمن تاب وأطاع وأناب، فلا تُيئسنّكم نقمتُه ولا تُطْمعنَّكم رحمتُه {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي ليس على الرسول إلا أداء الرسالة وتبليغ الشريعة وقد بلّغ ما وجب عليه فلا عذر لأحدٍ في التفريط {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} أي لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم وسيجازيكم عليها قال أبو حيان: الجملة فيها تهديد إذ أخبر تعالى أنه مطّلع على حال العبد ظاهراً وباطناً فهو مجازيه على ذلك ثواباً أو عقاباً {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} أي قل يا محمد لا يتساوى الخبيث والطيّبُ ولو أعجبك أيها السامع كثرة الخبيث وهو مثلٌ ضربه الله للتمييز بين الحلال والحرام، والمطيع والعاصي، والرديء والجيد قال القرطبي: اللفظ عامٌ في جميع الأمور يتصور في المكاسب، والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها، فالخبيث من هذا كلِّه لا يُفلح ولا يُنْجِب ولا تَحسن له عاقبةُ وإن كثر، والطيّب - وإن قلَّ - نافعٌ حميدٌ جميل العاقبة وقال أبو حيان: الظاهر أن الخبيث والطيّب عامّان فيندرج تحتهما المال وحرامه، وصالح العمل وفاسده، وجيّد الناس ورديئهم، وصحيح العقائد وفاسدها ونظير هذه الآية قوله تعالى {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} تفسير : [الأعراف: 85] {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يا ذوي العقول لتفلحوا وتفوزوا برضوان الله والنعيم المقيم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} أي لا تسألوا الرسول عن أمور لا حاجة لكم بها إن طهرت لكم ساءتكم قال الزمخشري: أي لا تُكثروا مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها وكلّفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} أي وإِن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان نزول الوحي تظهر لكم تلك التكاليف التي تسؤكم فلا تسألوا عنها {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي عفا الله عن مسائلكم السالفة التي لا ضرورة لها وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية فلا تعودوا إلى مثلها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي واسع المغفرة عظيم الفضل والإِحسان ولذلك عفا عنكم ولم يعاجلكم بالعقوبة {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} أي سأل أمثال هذه المسائل قومٌ قبلكم فلما أعطوها وفُرضت عليهم كفروا بها ولهذا قال {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} أي صاروا بتركهم العمل بها كافرين وذلك أن بني إِسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أُمروا بها تركوها فهلكوا {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} كان أهل الجاهلية إذا أُنتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها وهي البحيرة، وكان الرجل يقول: إذا قدمتُ من سفري أو برئتُ من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها وهي الوصيلة، وإذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره وهو الحام، فلما جاء الإِسلام أبطل هذه العادات كلها فلا بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي ولكنَّ الذين كفروا بالله يختلقون الكذب على الله وينسبون التحريم إليه فيقولون الله أمرنا بهذا وأكثرهم لا يعقلون أن هذا افتراء لأنهم يقلّدون فيه الآباء ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} أي وإِذا قيل لهؤلاء الضالين هلموا إلى حكم الله ورسوله فيما حلّلتم وحرّمتم {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} أي يكفينا دين آبائنا {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} الهمزة للإِنكار والغرض التوبيخ أي أيتبعون آباءهم فيما هم عليه من الضلال ولو كانوا لا يعلمون شيئاً من الدين ولا يهتدون إلى الحق؟ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي احفظوها عن ملابسة المعاصي والإِصرار على الذنوب والزموا إصلاحها {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} أي لا يضركم ضلال من ضلَّ من الناس إذا كنتم مهتدين قال الزمخشري: كان المسلمون تذهب أنفسهم حسرة على الكفرة يتمنون دخولهم في الإِسلام فقيل لهم عليكم أنفسكم بإصلاحها والمشي بها في طرق الهدى لا يضركم الضلاَّل عن دينكم إذا كنتم مهتدين كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} تفسير : [فاطر: 8] وقال أبو السعود: ولا يتوهمنّ أحدٌ أنّ في الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن من جملة الاهتداء أن ينكر وقد روي أن الصدّيق قال يوماً على المنبر: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الناس إِذا رأوا المنكر فلم يغيّروه عمّهم الله بعقابه تفسير : {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} أي مصيركم ومصير جميع الخلائق إلى الله {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيجازيكم بأعمالكم قال البيضاوي: هذا وعدٌ ووعيد للفريقين، وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} أي يا أيها المؤمنون إذا شارف أحدكم على الموتِ وظهرت علائمه فينبغي أن يُشهد على وصيته {ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي يُشهد على الوصية شخصين عدلين من المسلمين أو أثنان من غير المسلمين إن لم تجدوا شاهدين منكم {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} أي إن أنتم سافرتم فقاربكم الأجل ونزل بكم الموت {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} أي توقفونهما من بعد صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف عديّاً وتميماً بعد العصر عند المنبر {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي يحلفان بالله إن شككتم وارتبتم في شهادتهما قال أبو السعود: أي إن ارتاب بهما الوارث منكم بخيانةٍ وأخذ شيء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي يحلفان بالله قائلَين: لا نحابي بشهادتنا أحداً ولا نستبدل بالقسم بالله عرضاً من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذبين من أجل المال ولو كان من نُقسم له قريباً لنا {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} أي ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها إنّا إن فعلنا ذلك كنا من الآثمين {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أي فإن اطُّلع بعد حلفهما على خيانتهما أو كذبهما في الشهادة {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} أي فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين وليكونا من أولى من يستحق الميراث {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} أي يحلفان بالله لشهادتنا أصدق وأولى بالسماع والاعتبار من شهادتهما لأنهما خانا {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي وما اعتدينا فيما قلنا فيهما من الخيانة إنّا إذا كذبنا عليهم نكون من الظالمين {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أي ذلك الحكم أقرب أن يأتوا بالشهادة على حقيقتها من غير تغيير ولا تبديل {أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ} أي خافوا ربكم وأطيعوا أمره {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} أي والله لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى جنته ورحمته. البَلاَغَة: 1- {ٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ} عطفُ القلائد على الهدي من عطف الخاص على العام، خُصّت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. 2- {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أطلق المصدر البلاغ وأراد به التبليغ للمبالغة. 3- {ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} بينهما طباقٌ، وبين {أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ} جناس الاشتقاق وكلاهما من المحسنات البديعية. 4- {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى يراد منها الأمر أي ليشهد بينكم. الفوَائِد: قال الإِمام الشاطبي: الإِكثار من الأسئلة مذموم وله مواضع نذكر منها عشرة: أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين كسؤال بعضهم: من أبي؟ ثانيها: أن يسأل ما يزيد عن الحاجة كسؤال الرجل عن الحج: أكلَّ عام؟ ثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت ويدل عليه: "ذروني ما تركتكم". رابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها كما جاء في النهي عن الأغلوطات. خامسها: أن يسأل عن علة الحكم في التعبدات كالسؤال عن قضاء الصوم للحائض دون الصلاة. سادسها: أن يبلغ بالسؤال حدّ التكلف والتعمق كسؤال بني إِسرائيل عن البقرة وما هي وما لونها؟ سابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ ثامنها: السؤال عن المتشابهات ومن ذلك سؤال مالك عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم.. الخ. تاسعها: السؤال عما حصل بين السلف وقد قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء كف الله عنها يدي فلا ألطّخ بها لساني. عاشرها: سؤال التعنت والإِفحام وطلب الغلبة في الخصام ففي الحديث: "حديث : أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ".
الأندلسي
تفسير : {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ} الآية مناسبتها لما قبلها ظاهرة، وذلك أنه تعالى ذكر تعظيم الإِحرام بالنهي عن قتل الوحش فيه بحيث شرع بقتله ما شرع. وذكر تعظيم الكعبة بقوله: {أية : هَدْياً بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ} تفسير : [المائدة: 95]، فذكر تعالى في هذه الآية أنه جعل الكعبة قياماً للناس أي ركز في قلوبهم تعظيمها؛ وجعل هنا بمعنى صيّر، وقيل: بمعنى بين وحكم. وينبغي أن يحمل هذا على تفسير المعنى إذ لم ينقل جعل مرادفة لهذا المعنى لكنه من حيث التصيير يلزم منه التبيين والحكم، ولما كان لفظ الكعبة قد أطلقه بعض العرب على غير البيت الحرام كالبيت الذي كان في خثعم يسمى كعبة اليمانية، بين تعالى أن المراد هنا بالكعبة البيت الحرام، وهو بدل من الكعبة أو عطف بيان. وقال الزمخشري: البيت الحرام عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح، كما تجيء الصفة كذلك. "انتهى". وليس كما ذكر لأنهم ذكروا في شرط عطف البيان الجمود وإذا كان شرطه أن يكون جامداً لم يكن فيه إشعار بمدح إذ ليس مشتقاً وإنما يشعر بالمدح المشتق. إلا أن يقال: إنه لما وصف عطف البيان بقوله: الحرام، اقتضى المجموع المدح فيمكن ذلك. والقيام مصدر، يقال: قيام الأمر، وقوام الأمر، وكونه قياماً للناس باتساع الرزق عليهم وبامتناع الإِغارة في الحرم وبسبب صيرورتهم أهل الله فكل أحد يتقرب إليهم وبما يقام فيها من المناسك وفضل العبادات وبأمْن من توجه إليها أذى من جرّ جريرة ولجأ إليها وببقاء الدين ما حجّت واستقبلت. {وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ}، الحرامُ ظاهره الافراد وهو ذو الحجة لإِقامة موسم الحج فيه. وقيل: المراد به الجنس فيشمل الأشهر الحرم الأربعة الثلاثة بإِجماع من العرب وشهر مضر وهو رجب كان كثير من العرب لا يراه ولذلك يسمى شهر الله، إذ كان تعالى قد ألحقه في الحرمة بالثلاثة فنسبه وشدده وكانوا لا يهجون أحداً في الشهر الحرام ولا من ساق الهدى لأن يعلم أنه لم يجيء لحرب ولا من خرج يريد البيت لحج أو عمرة فتقلد من لحاء السمر ولا من قضى نسكه فتقلد من شجر الحرم. {ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ} الظاهر أن الإِشارة هي للمصدر المفهوم، أي ذلك الجعل لهذه الأشياء قياماً للناس وأمناً لهم لتعلموا أنه تعالى يعلم تفاصيل الأمور الكائنة في السماوات والأرض ومصالحكم في دنياكم ودينكم. وقيل: الإِشارة إلى صرف قلوب الناس إلى مكة في الأشهر المعلومة فتعيش أهلها معهم ولولا ذلك لماتوا جوعاً لعلمه بما في ذلك من مصالحهم وليستدلوا على أنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض. {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} الآية هذا تهديد إذ أخبر أن عقابه شديد لمن انتهك حرمته. {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا ترجية بالغفران والرحمة لمن حافظ على طاعته تعالى أو تاب عن معاصيه. {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} روى جابر حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي فهل ينفعني ذلك المال إذا عملته في طاعة الله؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبل إلا الطيبتفسير : . فنزلت هذه الآية، ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما حذر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله: اعلموا أن الله شديد العقاب، الآية، وأتبعها بالتكليف بقوله: ما على الرسول إلا البلاغ، ثم بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله: والله يعلم ما تبدون وما تكتمون، أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال: قل لا يستوي، الآية. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ} الآية روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن أنس قال : حديث : قال رجل: يا رسول الله مَنْ أبي؟ قال: أبوك فلانتفسير : . ونزلت الآية، والسائل هو عبد الله بن حذافة. وأشياء اسم جمع كطرفاء، وعلى مذهب سيبويه أصلها شيئاً، من لفظ شيء ثم قلب فجعل لامه وهي الهمزة أولاً مكان فاء الكلمة فوزنها نفعاء وجعلت فاء الكلمة وهي الشين تلي اللام، وجعلت الياء مكان لام الكلمة وهي كانت عيناً لأن المادة هي الشين والياء والهمزة، وفي وزنها أقوال أخر ذكرت في البحر. والجملة من قوله: أن تبدلكم تسؤكم، وما عطف عليها من الشرط والجزاء في موضع الصفة لأشياء. {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي عن الأشياء التي نهيتكم عن السؤال عنها. {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} ظاهره أنه يعود على الأشياء ولا يمكن لأن الأشياء التي نهوا عن السؤال عنها ليست الأشياء التي سألها القوم الذين في هذه الآية فيكون ذلك على حذف مضاف تقديره قد سأل أمثالها وكان بنوا إسرائيل يسألون على حذف مضاف تقديره قد سأل أمثالها وكان بنوا إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء هي تعنّتات وسؤالات لا تجوز، كقولهم: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153]. {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا} أي بتلك السؤالات كافرين.
الجيلاني
تفسير : إنما {جَعَلَ} وصيَّر {ٱللَّهُ} المستغني بذاته عن الأمكنة والحلول فيها مطلقاً {ٱلْكَعْبَةَ} الكعبة المعيننة في أرض الحجاز {ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} أي: المكان الذي يحرم فيه أكثر ما يحل في غيرها من الأمكنة، بل جميعها عند العارف؛ ليكون {قِيَٰماً لِّلنَّاسِ} يقومون بها ويتيقظون بأركانها ومناسكها، وآدابها ومشاعرها عن منام الغفلة ورقود النسيان {وَ} كذا صيَّر {ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ} ميقاتاً لزيارتها وطوافها؛ ليقوموا فيها بتهيئة أسباب الفناء، وتخلية الضمير عن الميل إلى الغير والسّوى. {وَ} صيَّر سبحانه أيضاً {ٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ} جبراً لما انكسر من رعاية نسكه، وأراد به؛ لئلا يتقاعدوا عن إتمامها {ذٰلِكَ} أي: جعلها وتصييرها مرجعاً لقاطبة الأنام، وقبلة لهم بحيث يجب عليهم التوجه نحوه من كل مرمى سحيق، وفج عميق، إنما هو {لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} المحيط بذرائر الأكوان {يَعْلَمُ} بالعلم الحضوري جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات والأعيان الثابتة {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} السفليات التي هي الهويات الباطلة {وَ} ليعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المنزه، المتعالي عن أن يحاط بمجلاه وتجلياته {بِكُلِّ شَيْءٍ} مما استأثر باطلاعه، وما يعلم جنوده إلا هو {عَلِيمٌ} [المائدة: 97] لا يعزب عن علمه وحضوره شيء، كلَّت الألسن عن تفسير صفتك، وانحسرت العقول عن كنه معرفتك، فكيف يعرف كنه صفتك يا رب؟. وبالجملة: {ٱعْلَمُوۤاْ} أيها المتوجهون نحو الحق وزيارة بيته {أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لا تغتروا بإمهاله له بمقتضى لطفه وجماله، بل احذروا، وخافوا عن سطوة سلطنة قهره وجلاله {وَ} اعلموا أيضاً {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} ستار لذنوب عباده المخلصين {رَّحِيمٌ} [المائدة: 98] لهم، يرحمهم بمقتضى جماله ونواله، عين عليكم أن تكونوا مقتصدين، معتدلين بين طرفي الخوف والرجاء؛ لتكونوا من زمرة عباده الشاكرين. فإن جادلوا معك يا أكمل الرسل، أهل البدع الأهواء الفاسدة في هذه الإلهامات والاختبارات الإلهية المترشحة من بحر الحكمة، قل لهم نيابة عنا: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ} الهادي بإذن الحق {إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي: بلاغ ما أهدى به والقبول من الله، والتوفيق من عنده {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائركم {يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} تظهرون، وتعلنون من الإيمان والإطاعة {وَمَا} كنتم {تَكْتُمُونَ} [المائدة: 99] من الكفر والبدعة. {قُل} يا أكمل الرسل {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} عند الله {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} أيها المتعجب {كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} إذ لا عبرة للقلة والكثرة بالجودة والرداءة في الأعمال {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} حق تقاته {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} الناظرين بلب الأمور {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [االمائدة: 100] تفوزون من عنده فوزاً عظيماً، بعدما تجوّدون أعمالكم بالإخلاص والتقوى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه جعل { الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ } يقوم بالقيام بتعظيمه دينُهم ودنياهم، فبذلك يتم إسلامهم، وبه تحط أوزارهم، وتحصل لهم - بقصده - العطايا الجزيلة، والإحسان الكثير، وبسببه تنفق الأموال، وتتقحم - من أجله - الأهوال. ويجتمع فيه من كل فج عميق جميع أجناس المسلمين، فيتعارفون ويستعين بعضهم ببعض، ويتشاورون على المصالح العامة، وتنعقد بينهم الروابط في مصالحهم الدينية والدنيوية. قال تعالى: {أية : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } تفسير : ومن أجل كون البيت قياما للناس قال من قال من العلماء: إن حج بيت الله فرض كفاية في كل سنة. فلو ترك الناس حجه لأثم كل قادر، بل لو ترك الناس حجه لزال ما به قوامهم، وقامت القيامة. وقوله: { وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ } أي: وكذلك جعل الهدي والقلائد -التي هي أشرف أنواع الهدي- قياما للناس، ينتفعون بهما ويثابون عليهما. { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فمن علمه أن جعل لكم هذا البيت الحرام، لما يعلمه من مصالحكم الدينية والدنيوية. { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: ليكن هذان العلمان موجودين في قلوبكم على وجه الجزم واليقين، تعلمون أنه شديد العقاب العاجل والآجل على من عصاه، وأنه غفور رحيم لمن تاب إليه وأطاعه.فيثمر لكم هذا العلمُ الخوفَ من عقابه، والرجاءَ لمغفرته وثوابه، وتعملون على ما يقتضيه الخوف والرجاء. ثم قال تعالى: { مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ } وقد بلَّغ كما أُمِر، وقام بوظيفته، وما سوى ذلك فليس له من الأمر شيء. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } فيجازيكم بما يعلمه تعالى منكم.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ} [97] 172- أنا قتيبة بن سعيد/ ، نا سفيان، عن زياد بن سعد، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يُخَرِّب الكعبة ذو السُّويقتين من الحبشة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):