Verse. 767 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ شَدِيْدُ الْعِقَابِ وَاَنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۹۸ۭ
IAAlamoo anna Allaha shadeedu alAAiqabi waanna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«اعلموا أن الله شديد العقاب» لأعدائه «وأن الله غفور» لأوليائه «رحيم» بهم.

98

Tafseer

الرازي

تفسير : لما ذكر الله تعالى أنواع رحمته بعباده، ذكر بعده أنه شديد العقاب، لأن الإيمان لا يتم إلا بالرجاء والخوف كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا» تفسير : ثم ذكر عقيبه ما يدل على الرحمة وهو كونه غفوراً رحيماً وذلك يدل على أن جانب الرحمة أغلب، لأنه تعالى ذكر فيما قبل أنواع رحمته وكرمه، ثم ذكر أنه شديد العقاب ثم ذكر عقيبه وصفين من أوصاف الرحمة وهو كونه غفوراً رحيماً، وهذا تنبيه على دقيقة وهي أن ابتداء الخلق والإيجاد كان لأجل الرحمة، والظاهر أن الختم لا يكون إلا على الرحمة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تخويف {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ترجية. وقد تقدّم هذا المعنى.

البيضاوي

تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها، أو لمن أصر عليه ولمن أقلع عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لأعدائه {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لأوليائه {رَّحِيمٌ } بهم.

البقاعي

تفسير : ولما أنتج هذا كله أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم، وكانت هذه الآية - كما تقدم - ناظرةً إلى أول السورة من آية {أية : لا تحلوا شعائر الله} تفسير : [المائدة: 2] وما بعدها أتم نظر، ذكر سبحانه ما اكتنف آية {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : [المائدة: 3] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي به في هذه الآية على ترتيبه، سائقاً له مساق النتيجة والثمرة لما قبله، بياناً لأن من ارتكب شيئاً من هذه المنهيات كان حظه، فقال محذراً ومبشراً لأن الإيمان لا يتم إلاّ بهما: {اعلموا أن الله} أي الذي له المعظمة كلها الذي نهاه عنها {شديد العقاب} فليكن عباده على حذر منه، وأن من أوقعه في شيء منها القدر، ثم فتح له التوفيقُ بابَ الحذر، فكفر فيما فيه كفارة وتاب، كان مخاطباً بقوله: {وأن} أي واعلموا أن {الله} أي الذي له الجلال والإكرام مع كونه شديد العقاب {غفور رحيم *} يقبل عليه ويمحو زلـلـه ويكرمه، فكان اكتناف أسباب الرجاء سابقاً للإنذار ولاحقاً معلماً بأن رحمته سبقت غضبه وأن العقاب إنما هو لإتمام رحمته، قال ابن الزبير: ثم قال {أية : جعل الله الكعبة} تفسير : [المائدة: 97] - فنبه على سوء العاقبة في منع البحث على التعليل وطلب الوقوف على ما لعله مما استأثر الله بعلمه، ومن هذا الباب أتى على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك؛ وجعل هذا التنبيه إيماء، ثم أعقبه بما يفسره {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء} [المائدة: 101] - ووعظهم بحال غيرهم في هذا، وأنهم سألوا فأعطوا ثم امتحنوا، وقد كان التسليم أولى لهم، فقال تعالى {أية : قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} تفسير : [المائدة: 102] ثم عرّف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان غيرهم {أية : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} تفسير : [المائدة: 105] - انتهى. ولما رغب سبحانه ووهب، علم أنه المجازى وحده، فأنتج ذلك أنه ليس إلى غيره إلاّ ما كلفه به، فأنتج ذلك ولا بد قوله: {ما على الرسول} أي الذي من شأنه الإبلاغ {إلا البلاغ} أي بأنه يحل لكم الطعام وغيره ويحرم عليكم الخمر وغيرها، وليس عليه أن يعلم ما تضمرون وما تظهرون ليحاسبكم عليه {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يعلم ما تبدون} أي تجددون إبداءه على الاستقرار {وما تكتمون *} من إيمان وكفر وعصيان وطاعة وتعمد لقتل الصيد وغيره ومحبة للخمر وغيرها وتعمق في الدين بتحريم الحلال من الطعام والشراب وغيره إفراطاً وتفريطاً، لأنه الذي خلقكم وقدّر ذلك فيكم في أوقاته، فيجازيكم على ما في نفس الأمر، من عصي أخذه بشديد العقاب، ومن أطاعه منحه حسن الثواب، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يحكم إلاّ بما يعلمه مما تبدونه ما لم أكشف له الباطن وآمره فيه بأمري، وهذه أيضاً ناظرة إلى قوله تعالى {أية : بلّغ ما أنزل إليك من ربك} تفسير : [المائدة: 67]. ولما سلب سبحانه العلم عن كل أحد وأثبته لنفسه الشريفة، أنتج ذلك أنه لا أمر لغيره ولا نهي ولا إثبات ولا نفي، فأخذ سبحانه يبين حكمة ما مضى من الأوامر في إحلال الطعام وغيره من الاصطياد والأكل من الصيد وغيره والزواجر عن الخمر وغيرها بأن الأشياء منها طيب وخبيث، وأن الطيب وإن قل خير من الخبيث وإن كثر، ولا يميز هذا من ذاك إلاّ الخلاق العليم، فربما ارتكب الإنسان طريقة شرعها لنفسه ظانّاً أنها حسنة فجرته إلى السيئة وهو لا يشعر فيهلك، كالرهبانية التي كانوا عزموا عليها والخمر التي دعا شغفُهم بها إلى الإنزال فيها مرة بعد أخرى إلى أن أكد فيها هنا أشد تأكيد، وحذر فيها أبلغ تحذير، فقال تعالى صارفاً الخطاب إلى أشرف الورى صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لا ينهض بمعرفة هذا من الخلق غيرُه: {قل لا يستوي الخبيث} أي من المطعومات والطاعمين {والطيب} أي كذلك، فإن ما يتوهمونه في الكثرة من الفضل لا يوازي النقصان من جهة الخبيث. ولما كان الخبيث من الذوات والمعاني أكثر في الظاهر وأيسر قال: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} والخبيث والطيب منه جسماني ومنه روحاني، وأخبثهما الروحاني وأخبثه الشرك، وأطيب الطيب الروحاني وأطيبه معرفة الله وطاعته، وما يكون للجسم من طيب أو خبث ظاهر لكل أحد، فما خالطه نجاسة صار مستقذراً لأرباب الطباع السليمة، وما خالط الأرواح من الجهل صار مستقذراً عند الأرواح الكاملة المقدسة، وما خالطه من الأرواح معرفةُ الله فواظب على خدمته أشرق بأنوار المعارف الإلهية وابتهج بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة، وكما أن الخبيث والطيب لا يستويان في العالم الروحاني كذلك لا يستويان في العالم الجسماني، والتفاوت بينهما في العالم الروحاني أشد، لأن مضرة خبث الجسماني قليلة، ومنفعة طيبه يسيرة، وأما خبث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة، وطيب الروحاني منفعته جليلة دائمة، وهي القرب من الله والانخراط في زمرة السعداء، وأدلّ دليل على إرادة العصاة والمطيعين قوله: {فاتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين ما يسخط الملك الأعظم الذي له صفات المال من الحرام وقايةً من الحلال لتكونوا من قسم الطيب، فإنه لا مقرب إلى الله مثلُ الانتهاء عما حرم - كما تقدم الإشارة بقوله: {أية : ثم اتقوا وأحسنوا} تفسير : [المائدة: 93] ويزيد المعنى وضوحاً قوله {يا أولي الألباب} أي العقول الخالصة من شوائب النفس فتؤثروا الطيب وإن قل في الحبس لكثرته في المعنى على الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى {لعلكم تفلحون *} أي لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب، وحينئذ ظهر كالشمس مناسبة تعقيبها بقوله على طريق الاستئناف والاستنتاج: {يا أيها الذين آمنوا} أي أعطوا من أنفسهم العهد على الإيمان الذي معناه قبول جميع ما جاء به مَنْ وقع به الإيمان {لا تسئلوا عن أشياء} وذلك لأنهم إذا كانوا على خطر فيما يسرعون وفيما به ينتفعون من المآكل والمشارب وغيرها من الأقوال والأفعال فهم مثله فيما عنه يسألون سواء سألوا شرعه أو لا، لأنه ربما أجابهم من لا يضره شيء إلى ما فيه ضررهم مما سألوه، فإنهم لا يحسنون التفرقة بين الخبيث والطيب كما فعل بأهل السبت حيث أبوا الجمعة وسألوه، فاشتد اعتناقها حينئذ بقوله: {أية : إن الله يحكم ما يريد} تفسير : [المائدة: 1] وبقوله: {ما على الرسول إلا البلاغ} [المائدة: 99] فكان كأنه قيل: فما بلغكم إياه فخذوه بقبول وحسن انقياد، وما لا فلا تسألوا عنه، وسببُ نزولها - كما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه "حديث : أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم - وشرح يكرر ذلك، وإذ جاء رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول الله! من أبي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر رضي الله عنه فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، نعوذ بالله من سوء الفتن. وفي آخره: فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}" تفسير : وللبخاري في التفسير عن أنس أيضاً قال: "حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت {لا تسئلوا عن أشياء} تفسير : الآية. وللبخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء} حتى فرغ من الأية كلها" ولابن ماجه مختصراً وللحافظ أبي القاسم بن عساكر في الموافقات فيما أفاده المحب الطبري في مناقب العشرة وأبي يعلى في مسنده مطولاً عن أنس رضي الله عنه قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ونحن نرى أن معه جبرئيل عليه السلام حتى صعد المنبر - وفي رواية: فخطب الناس - فقال: سلوني! فوالله لا تسألوني عن شيء اليوم إلا أخبرتكم وفي رواية: أنبأتكم به - فما رأيت يوماً كان أكثر باكياً منه، فقال رجل: يا رسول الله - وفي رواية: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله - إنا كنا حديث عهد بجاهلية، من أبي؟ قال: أبوك حذافة - لأبيه الذي كان يدعى له - وفي رواية: أبوك حذافة الذي تدعى له - فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار؟ فقال: في النار، فقام إليه آخر فقال: يا رسول الله! أعلينا الحج كل عام؟ - وفي رواية: في كل عام - فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً - وفي رواية: رسولاً - لا تفضحنا بسرائرنا - وفي رواية: فقام إليه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله! إنا كنا حديث عهد بجاهلية فلا تبد علينا سرائرنا، أتفضحنا بسرائرنا - اعف عنا عفا الله عنك، فسرى عنه، ثم التفت إلى الحائط فذكر بمثل الجنة والنار" وللإمام أحمد ومسلم والنسائي والدارقطني والطبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطب - وفي رواية: خطبنا - رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : يا أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج حجواتفسير : ، فقال رجل - وفي رواية النسائي: حديث : فقال الأقرع بن حابس التميمي -: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال: من السائل؟ فقال: فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لو قلت: نعم، لوجبت، ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون، ولكن حجة واحدةتفسير : - وفي رواية الدارقطني والطبري:حديث : ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوهاتفسير : - وفي رواية الطبري: حديث : ولو تركتموه - لكفرتمتفسير : ، فأنزل الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ثم قال: حديث : ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه - وفي رواية: فاجتنبوه"تفسير : وهذا الحديث له ألفاظ كثيرة من طرق شتى استوفيتها في كتابي "الاطلاع على حجة الوداع" ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها إلى شيء واحد لما تقدم عند قوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} من أن الأمر الواحد قد تعدد أسبابه، بل وكل ما ذكر من أسباب تلك وما أشبهه كقوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال} تفسير : [النساء: 77] - الآية، يصلح أن يكون سبباً لهذه، وروى الدارقطني في آخر الرضاع من سننه عن أبي ثعلبة الخشني وفي آخر الصيد عن أبي الدرداء رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"تفسير : وقال أبو الدرداء: "فلا تكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها" وأخرج حديث أبي الدرداء أيضاً الطبراني. ولما كان الإنسان قاصراً عن علم ما غاب، فكان زجره عن الكشف عما يسوءه زجراً له عن كل ما يتوقع أن يسوءه، قال تعالى: {إن تبد} أي تظهر {لكم} بإظهار عالم الغيب لها {تسؤكم} ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفاً من عواقبه - قال: {وإن تسئلوا عنها} أي تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها {حين ينزل القرآن} أي والملك حاضر {تبد لكم} ولما كان ربما قال: فما له لا يبديها سئل عنها أم لا؟ قال: {عفا الله} بما له من الغنى المطلق والعظمة الباهرة وجميع صفات الكمال {عنها} أي سترها فلم يبدها لكم رحمة منه لكم وإراحة عما يسوءكم ويثقل عليكم في دين أو دنيا؛ ولما كانت صفاته سبحانه أزلية، لا تتوقف لواحدة منها على غيرها، وضع الظاهر موضع المضمر لئلا يختص بما قبله فقال نادباً من وقع منه ذنب إلى التوبة: {والله} أي الذي له مع صفة الكمال صفة الإكرام {غفور} أزلاً وأبداً يمحو الزلات عيناً وأثراً ويعقبها بالإكرام على عادة الحكماء {حليم *} أي لا يعجل على العاصي بالعقوبة.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الحسن، أن أبا بكر الصديق حين حضرته الوفاة قال‏:‏ ألم ترَ أن الله ذكر آية الرخاء عند آية الشدة، وآية الشدة عند آية الرخاء، ليكون المؤمن راغباً راهباً، لا يتمنى على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة‏.

ابو السعود

تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وعيد لمن انتهك محارِمَه أو أصر على ذلك، وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى أو أقلع عن الانتهاك بعد تعاطيه، ووجهُ تقديمِ الوعيد ظاهر {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ} تشديد في إيجاب القيام بما أَمَرَ به، أي الرسول قد أتى بما يوجب عليه من التبليغ بما لا مزيد عليه، وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم من بعد في التفريط {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} فيؤاخذكم بذلك نقيراً وقِطْميراً. {قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ} حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بـين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وبـين جيِّدها، قَصَد به الترغيب في جيِّد كل منها والتحذيرَ عن رديئها، وإن كان سببَ النزول شريحُ ابنُ ضُبـيعةَ البكريُّ الذي مرت قصته في تفسير قوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة، الآية 2] الخ، وقيل: نزلت في «حديث : رجل سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: إن الخمر كانت تجارتي، وإني اعتقدت من بـيعها مالاً، فهل ينفعني من ذلك المال إن عمِلت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: "إن أنفقته في حج أو جهاد أو صدقة لم يعدِلْ جَناحَ بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب"»تفسير : ، وقال عطاءٌ والحسنُ رضي الله عنهما: الخبـيث والطيب الحرامُ والحلال، وتقديم الخبـيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور ـ الذي يُنْبىء عنه عدمُ الاستواء ـ فيه لا في مقابِلِه، فإنه مفهومٌ عدمُ الاستواء بـين الشيئين المتفاوتين زيادةً ونقصاناً وإن جاز اعتباره بحسب زيادة الزائد، لكن المتبادر اعتبارُه بحسب قصور القاصر كما في قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الأنعام، الآية 50. والرعد، الآية 16] إلى غير ذلك، وأما قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر، الآية 9] فلعل تقديمَ الفاضلِ فيه لما أن صِلتَه ملكة لصلة المفضول {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} أي وإن سرك كثرته، والخطاب لكل واحد من الذين أُمر النبـي صلى الله عليه وسلم بخطابهم، والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدَّر، وقيل: للحال وقد مر، أي ولو لم تُعجِبْك كثرة الخبـيث ولو أعجبتك، وكلتاهما في موقع الحال من فاعل لا يستوي، أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض كما في قولك: أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك، أي أحسن إليه وإن لم يُسِىءْ إليك وإن أساء إليك، أي كائناً على كل حال مفروض، وقد حُذفت الأولى حذفاً مطَّرداً لدِلالة الثانية عليها دلالة واضحة، فإن الشيء إذا تحقق مع المعارِض فلأن يتحقق بدونه أولى، وعلى هذا السر يدور ما في لو وإن الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه، وسيأتي تمام تحقيقه في مواقعَ عديدةٍ بإذن الله عز وجل. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي في تحرِّي الخبـيث وإن كثر، وآثِروا عليه الطيِّب وإن قلّ، فإن مدارَ الاعتبار هو الجُودة والرداءةُ لا الكثرةُ والقِلة، فالمحمودُ القليلُ خيرٌ من المذموم الكثير، بل كلما كثر الخبـيثُ كان أخبثَ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} راجين أن تنالوا الفلاح.

القشيري

تفسير : شديد العقاب للأعداء، غفور رحيم للأولياء. ويقال شديد العقاب للخواص بتعجيل الحجاب إنْ زاغُوا عن الشهود لحظةً، غفور رحيم للعوام إن رجعوا إليه بتوبة وحسرة.

الطوسي

تفسير : أمر الله تعالى أن يعلم المكلف أنه شديد العقاب، فالعلم ما اقتضى سكون النفس، وان شئت قلت هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس الى ما اعتقده، والأول أخص، ولا يجوز أن يحد العلم بأنه المعرفة، لأن المعرفة هي العلم، ولا يحد الشيء بنفسه. والعلم يتناول الشيء على ما هو به وكذلك الرؤية. والفرق بينهما ان العلم يتعلق بالمعلوم على وجوه، والرؤية لا تتعلق إِلا على وجه واحد. والعلم محله القلب. والرؤية ليست معنى على الحقيقة وانما تثبت للرائي بكونه رائيا صفة. ومن قال هو معنى قال محلها العين. وفي الآية دلالة على أن المعرفة بالله وبصفاته ليست ضرورية، لأنها لو كانت ضرورية لما أمرنا بها. وليس لاحد أن يقول انما أمر على جهة التذكير، والتنبيه، لان ذلك ترك للظاهر. والعقاب هو الضرر المستحق على جهة الاهانة والمقارن بالاستخفاف، ولو اقتصرت على ان تقول هو الضرر المستحق أو الضرر الذي يقارنه استخفاف واهانة لكان كافيا لان ما ليس بعقاب ليس بمستحق ولا يقارنه استخفاف وإِهانة وانما سمي عقابا لانه يستحق عقيب الذنب الواقع من صاحبه. وقوله {وأن الله غفور رحيم} منصوب بـ {إِعلموا} وتقديره واعلموا ان الله غفور رحيم، والمغفرة هي ستر الخطيئة برفع عقابها. وأصلها الستر ومنه المغفرة وضم ذكر الرحمة الى المغفرة لبيان سبوغ نعم الله تعالى، وانه اذا أزال العقوبة بالتوبة أوجب الرحمة التي هي المغفرة. وذلك يدل على أن الغفران عند التوبة غير واجب وأنه تفضل وإِلا لم يكن كذلك.

الجنابذي

تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ} بعد ما ذكر شمول علمه لكلّ شيءٍ اقتضى المقام ترغيب المنحرفين عن علىّ (ع) الى التّوبة والرّجوع اليه بسبب شمول غفرانه ورحمته وترهيب المنحرفين عنه بشدّة عقابه واطّلاعه على سرائرهم فقال اذا علمتم انّه بكلّ شيءٍ عليم من الاعلان والاسرار والضّمائر فاعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن تهاون فى حرمات الله واضمر فى حقّ علىّ (ع) خلاف ما قلت لهم {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر زّلات من تهاون فى الحرمات وزلاّت من خالف عليّاً (ع) اذا تاب وعاد الى ما تهاون به والى علىّ (ع) {رَّحِيمٌ} يتفضّل عليه بسبب رحمته.

اطفيش

تفسير : {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}: لمن استحل محارمه، واعتقد تحريمها وارتكابها. {وَأّنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: لمن تاب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع أحد فى الجنة، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ".

اطفيش

تفسير : {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَاب} لعصاته لمصرين. {وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} للمطيعين والتائبين، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع فى الجنة، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من الجنة ".

الالوسي

تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } وعيد لمن انتهك محارمه أو أصر على ذلك. والعقاب كما قيل هو الضرر الذي يقارنه استخفاف وإهانة، وسمي عقاباً لأنه يستحق عقيب الذنب {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى وأقلع عن الانتهاك. ووجه تقديم الوعيد ظاهر.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي وتذييل لما سبق من حظر الصيد للمحرم وإباحة صيد البحر والامتنان بما جعل للكعبة من النعم عليهم ليطمئنّوا لِما في تشريع تلك الأحكام من تضييق على تصرّفاتهم ليعلموا أنّ ذلك في صلاحهم، فذيل بالتذكير بأنّ الله منهم بالمرصاد يجازي كل صانع بما صنع من خير أو شر. وافتتاح الجملة بــ {اعلموا} للاهتمام بمضمونها كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : واتقوا الله واعلموا أنّكم ملاقوه} تفسير : في سورة البقرة (223). وقد استوفى قوله: {إن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} أقسام معاملته تعالى فهو شديد العقاب لمن خالف أحكامه وغفور لمن تاب وعمل صالحاً. وافتتاح الجملة بلفظ {اعلموا} للاهتمام بالخبر كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : واعلموا أنّكم ملاقوه} تفسير : في سورة البقرة (223). وجملة {ما على الرسول إلاّ البلاغ} معترضة ذيل بها التعريض بالوعيد والوعد. ومضمونها إعذار الناس لأن الرسول قد بلّغ إليهم ما أراد الله منهم فلا عذر لهم في التقصير، والمنّة لله ولرسوله فيما أرشدهم إليه من خير. والقصر ليس بحقيقي لأنّ على الرسول أموراً أخر غير البلاغ مثل التعبّد لله تعالى، والخروج إلى الجهاد، والتكاليف التي كلّفه الله بها مثل قيام الليل، فتعيّن أنّ معنى القصر: ما عليه إلاّالبلاغ، أي دون إلجائكم إلى الإيمان، فالقصر إضافي فلا ينافي أنّ على الرسول أشياء كثيرة. والإتيان بحرف (على) دون (اللام) ونحوها مؤذن بأنّ المردود شيء يتوهّم أنّه لازم للرسول من حيث إنّه يدّعي الرسالة عن الله تعالى. وقوله: {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} عطف على جملة {اعلموا أنّ الله شديد العقاب}. وهي تتميم للتعريض بالوعيد والوعد تذكيراً بأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ظاهرها وباطنها. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوّي الحكم وليس لإفادة التخصيص لنبُوّ المقام عن ذلك. وذكر {ما تبدون} مقصود منه التعميم والشمول مع {ما تكتمون} وإلاّ فالغرض هو تعليمهم أنّ الله يعلم ما يسرّونه أمّا ما يبدونه، فلا يُظنّ أنّ الله لا يعلمه.

القطان

تفسير : بعد ان ارشدنا الله تعالى في الآية السابقة الى بعض آياتِ علمه في خلقه ـ نبهنا هنا الى أن العليم بكل شيء، لا يمكن ان يترك الناس سُدًى، كما انه لم يخلُقهم عَبَثا، فلا يليق بحكمته وعدله ان يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين عملوا الصالحات، ولا ان يسوّي بين الطيب الخبيث، فيجعل البَرّ كالفاجر. لا بد إذن من الجزاء بالحق. ولا يملك الجزاء الا من يقدر على العقاب كما على المغفرة والرحمة. لذلك جاءت هذه الآيات ترغيباً وترهيباً، فقال: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، فلأنه يعلم ما في السموات والارض، لا يخفى عليه شيء من سرائر اعمالكم وعلانيتها. ومن ثم فهو شديدٌ عقابُه لمن عصاه، وواسعة مغفرته لمن أطاعه وأناب اليه. والله سبحانه وتعالى دائما يوعد ويَعِد، والرحمة غالبة. لذلك يغفر كثيرا من ظلم الناس لأنفسهم {وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}. {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} هذا بيان لوظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، فليس عليه الا أن يؤدي الرسالة، وبعد ذلك يكون الناس هم المسئولين عند الله، وهو يعلم ما يبدون وما يكتمون. وبعد ان بين الله تعالى ان الجزاء منوط بالأعمال، اراد ان يبيّن ما يتعلق به الجزاء من صفات الأعمال والعاملين لها، وأرشد الى حقيقتين يترتب على كل منهما ما يليق بها من الجزاء: 1- لا يستوي الرديء والجيد من الاشياء والأعمال، لا من حيث صلاح أمور الحياة بهما، ولا في حكمهما عند الله. فبالظلم لا تستقيم الحياة ولا يرضى الله عنه. وذلك بخلاف العدل والصلاح. 2- ان الخبيث غرّار في الظاهر، لكن الطيّب أفضلُ وأبقى. فالقليل من الحلال خير من الكثير الحرام، كما أنه أدوَم وأطهر. وما دام الأمر كذلك يا ذوي العقول المدركة، فسارعوا الى طاعة الله وقاية لكم من عذابه، باختيار الطيبات واجتناب الخبائث. بذلك تفوزون في الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : (98) - وَاعْلَمُوا، يَا أيُّهَا المُخَالِفُونَ لأمْرِ اللهِ، أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلاَنِيَتَكُمْْ، وَأنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ، صَغِيراً كَانَ أوْ كَبِيراً، وَأنَّهُ تَعَالَى شَديدُ العِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ، وَاسْتَمَرَّ فِي عِنَادِهِ، وَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ تَابَ إليهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَرَجَعَ إلَى اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي تيقظوا لأحكام الله، وكونوا طوع ما يريد، فمن يخالف الله فعليه أن يعرف أنه سبحانه وتعالى شديد العقاب. ومن كان يطيع الله فليعلم أنه سبحانه غفور رحيم. وجاء سبحانه بصفة من صفات الجلال لتتقابل مع صفتين من صفات الجمال، فصفة: {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تتقابل مع صفتي : {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ لأن كل الناس ليسوا أخياراً، وكل الناس ليسوا أشراراً؛ لذلك جاء للأخيار بما يناسبهم من المغفرة والرحمة، وجاء للأشرار بما يناسبهم من شدة العقاب، وغلبت رحمته ومغفرته غضبه وعقابه، ونلحظ ذلك من مجيء صفة واحدة من صفات الجلال: {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} ويقابلها صفتان من صفات الجمال وهما: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ويقول الحق من بعد ذلك: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم قال تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [المائدة: 98]، يستدل الحجاب لغير الأحباب ممن ركنوا إلى الدنيا واغتروا بزينتها وشهواتها {وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 98]، لطالبيه وقاصدي حضرته بفتح الأبواب ورفع الحجاب {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} [المائدة: 99]؛ يعني: عليه التبليغ بالقال والحال، كقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الجمعة: 2]: فأما القال: فهو قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}تفسير : [الجمعة: 2]، وأما الحال فهو كقوله تعالى {أية : وَيُزَكِّيهِمْ}تفسير : [الجمعة: 2] أي: يزكي نفوسهم عن الأخلاق المذمومة بأنوار الصحبة وآدابها، فإن النفوس كالمرآة قابلة لأخلاق صاحبهاـ وأن الطبع من الطبع يسرق وهذا أحد أسباب تعليم حقيقة الكتاب والحكمة {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [المائدة: 99]، من الإيمان بإقرار اللسان وعمل الأركان {وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة: 99]، من تصديق الجنان والتكذيب وصدق التوحيد وإخلاص النية في طلب الحق أو غير ذلك {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} [المائدة: 100]، الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} [المائدة: 100]، فيه إشارة أخرى أن الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سوى الله وفيه كثرة {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 100]؛ أي: اتقوا بالله عن غير الله {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} [المائدة: 100]، وهم الذين تخلصت ألباب قلوبهم وأرواحهم عن قشور الأبدان والنفوس، فيحثهم على أن يركنوا إلى الدرجات الروحانية {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100]، لكي تظفروا بالقربات الربانبة.