٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
99
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما قدم الترهيب والترغيب بقوله {أية : أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [المائدة: 98] أتبعه بالتكليف بقوله {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } يعني أنه كان مكلفاً بالتبليغ فلما بلغ خرج عن العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنا عالم بما تبدون وبما تكتمون، فإن خالفتم فاعلموا أن الله شديد العقاب، وإن أطعتم فاعلموا أن الله غفور رحيم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} أي ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ. وفي هذا ردّ على القَدَرية كما تقدّم. وأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول. بَلَغ يَبلغُ بُلوغاً، وأَبلَغه إبلاغاً، وتَبلَّغ تَبلُّغاً، وبَالغَه مبالغةً، وبَلَّغه تَبلِيغاً، ومنه البلاغة؛ لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتَبالَغ الرجلُ إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغٌ أي كفاية؛ لأنه يبلغ مقدار الحاجة. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي تظهرونه يُقال: بدا السِّرُّ وأبداه صاحبه يُبديه. {وَمَا تَكْتُمُونَ} أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق.
البيضاوي
تفسير : {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ} تشديد في إيجاب القيام بما أمر به أي الرسول أتى بما أمر به من التبليغ ولم يبق لكم عذر في التفريط. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَٰغُ } الإبلاغ لكم {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } تظهرون من العمل {وَمَا تَكْتُمُونَ } تخفون منه فيجازيكم به.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ} إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق. فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من التبليغ والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ذلك ثواباً وعقاباً، و {البلاغ} مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ إليهم وقوله {قل لا يستوي} الآية لفظ عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها، فـ {الخبيث} من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، {والطيب} ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى: {أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً} تفسير : [الأعراف: 58] والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد، وقوله تعالى {فاتقوا الله يا أولي الألباب} تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص {أولي الألباب} بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذي لا ينبغي لهم إهمالها مع البهائم وإدراكهم الإشارة بهذه {الألباب} إلى لب التجربة الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} الآية، اختلف الرواة في سببها فقالت فرقة منهم أنس بن مالك وغيره: نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي، وذلكحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر مغضباً، فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فقال أين أنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في النار فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال من أبي؟ فقال: أبوك حذافةتفسير : . قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي الحديث مما لم يذكر الطبري فقام آخر فقال من أبي؟ فقال أبوك سالم مولى أبي شيبة، فقام عمر بن الخطاب فجثا على ركبتيه وقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد نبياً نعوذ بالله من الفتن، وبكى الناس من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية بسبب هذه الاسئلة. قال القاضي أبو محمد: وصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر مغضباً إنما كان بسبب سؤالات الأعراب والجهال والمنافقين، فكان منهم من يقول أين ناقتي؟ وآخر يقول ما الذي ألقى في سفري هذا؟ ونحو هذا مما هو جهالة أو استخفاف وتعنيت، وقال علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أمامة الباهلي وابن عباس، في لفظهم اختلاف، والمعنى واحد،حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج وقرأ عليهم {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} [آل عمران: 97] قال علي: فقالوا يا رسول الله: أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، قال: لا ولو قلت نعم، لوجبت، وقال أبو هريرة: فقال عكاشة بن محصن وقال مرة فقال محصن الأسدي، وقال غيره فقام رجل من بني أسد، وقال بعضهم فقام أعرابي فقال يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من السائل؟ فقيل فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تطيقوه، ولو تركتموه، لهلكتم" تفسير : فنزلت هذه الآية بسبب ذلك، ويقوى هذا حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه السلام قال: "حديث : إن أعظم المسلمين على المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته " تفسير : وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت الآية بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية، وقاله سعيد بن جبير. قال القاضي أبو محمد: وروي أنه لما بين الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام، ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كعمرو بن لحي وغيره، وحديث : في عمرو بن لحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائبتفسير : . قال القاضي أبو محمد: والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية و {أشياء} اسم جمع لشيء أصله عند الخليل وسيبويه شيئاً مثل فعال قلبت إلى الفعل لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم {أشياء} وزنها أفعال وهو جمع شيء وترك الصرف فيه سماع، وقال الكسائي: لم ينصرف {أشياء} لشبه آخرها بآخر حمراء، ولكثرة استعمالها، والعرب تقول أشياوات كما تقول حمراوات، ويلزم على هذا أن لا ينصرف أسماء لأنهم يقولون أسماوات، وقال الأخفش: {أشياء} أصلها أشياء على وزن أفعلاء، اسثقلت اجتماع الهمزتين فأبدلت الأولى ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت الياء استخفافاً، ويلزم على هذا أن يكون واحد الأشياء شيئاً مثل هين وأهوناء، وقرأ جمهور الناس "إن تُبدَ" بضم التاء وفتح الدال وبناء الفعل للمفعول، وقرأ مجاهد "إن تَبدُ" بفتح التاء وضم الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي "إن يبد لكم" بالياء من أسفل مفتوحة والدال مضمومة "يسؤكم" بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم. وقوله تعالى {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} قال ابن عباس: معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء، كما قيل للذي قال أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأبدى؟. قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله {عنها} عائد على نوعها لا على الأولى التي نهى عن السؤال عنها، وقال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وعفا من غير نسيان عن أشياء فلا تبحثوا عنها، وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوا وما حرم فاجتنبوا وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار، وقوله تعالى: {عفا الله عنها} تركها ولم يعرف بها، وهذه اللفظة التي هي {عفا} ، تؤيد أن الأشياء التي هي في تكليفات الشرع، وينظر إلى ذلك قول النبي عليه السلام إن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل، و {غفور حليم} صفتان تناسب العفو وترك المباحثة والسماحة في الأمور. وقرأ عامة الناس "قد سَألها" بفتح السين، وقرأ إبراهيم النخعي "قد سِألها" بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قالت سلت تسأل، وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت، ومعنى الآية أن هذه السؤالات التي هي تعنيتات وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم ثم كفروا بها قال الطبري كقوم صالح في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. قال السدي: كسؤال قريش أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً. قال القاضي أبو محمد: وإنما يتجه في قريش مثالاً سؤالهم آية، فلما شق لهم القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي عليه السلام أين ناقتي؟ وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه؟ فأما من سأله عن الحج أفي كل عام هو؟ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديماً طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف لما كلفت.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ما على الرسول إلا البلاغ} يعني ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج، ففي الآية تشديد عظيم في إيجاب القيامة بما أمر الله وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت الحجة عليكم بذلك ولزمتكم الطاعة فلا عذر في التفريط {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} يعني أنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوالكم ظاهراً وباطناً {قل لا يستوى الخبيث والطيب} يعني الحلال والحرام في الدرجة والرتبة ولا يعتد الردئ والجيد ولا المسلم والكافر ولا الصالح والطالح {ولو أعجبك كثرة الخبيث} يعني ولو سرك كثرة الخبيث لأن عاقبته عاقبة سوء. والمعنى: أن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا وما عند الله خير وأبقى لان زينة الدنيا ونعيمها يزول وما عند الله يدوم. وقال ابن الجوزي: روى جابر بن عبد الله أن رجلاً قال: يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"تفسير : وقال مقاتل: نزلت في شريح بن ضبعة البكري وحجاج بن بكر وقد تقدمت القصة في أول السورة {فاتقوا الله} يعني فيما أمركم به أو نهاكم عنه ولا تعتدوه {يا أولي الألباب} يعني يا ذوي العقول السليمة {لعلكم تفلحون} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فروي عن أنس بن مالك قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعنا مثلها قط فقال"حديث : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً"تفسير : قال فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين فقال رجل: من أبي؟ فقال فلان فنزلت هذه الآية {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} وفي رواية أخرى حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فقام على المنبر فذكر الساعة فذكر فيها أموراً عظاماً ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسأل، فلا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي فأكثر الناس البكاء وأكثر أن يقول سلوا فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أكثر أن يقول سلوني فبرك عمر على ركبتيه فقال: "رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً" فسكت ثم قال: عرضت علي الجنة والنار أنفاً في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر. قال ابن شهاب: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة ما سمعت بابن قط أعق منك أمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما تقارف أهل الجاهلية فتفضحها عن أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحقته تفسير : زاد في رواية أخرى قال قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} أخرجاه في الصحيحين (خ). عن ابن عباس قال: حديث : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل: تضل ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} الآية تفسير : كلها وقيل نزلت هذه الآية في شأن الحج عن علي بن أبي طالب قال حديث : لما نزلت {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل عام؟ فسكت فقالوا يا رسول الله صلى الله في كل عام؟ قال: "لا ولو قلت نعم لوجبت" فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (م). عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله فقال:حديث : "يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا". فقال رجل: أفي كل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً ثم قال: "ذروني ما تركتكم ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" تفسير : وروى مجاهد عن ابن عباس: لا تسألوا عن أشياء قال هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ألا ترى أنه يقول بعد ذلك ما جعل الله من بحيرة ولا كذا ولا كذا وقال عكرمة: إنهم كانوا يسألون عن الآيات فنهوا عن ذلك ثم قال قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ومعنى الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} جمع شيء {إن تبد لكم} أي تظهر لكم وتبن لكم {تسؤكم} يعني إن أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به فلا يقدر عليه فيسوءه ذلك ومن سأل عن نسبه لم يأمن أن يلحقه النبي صلى الله عليه وسلم بغير أبيه فيفتضح ويسوءه ذلك {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} معناه: إن صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهي أو حكم وليس في ظاهره شرح ما تحتاجون إليه ومست حاجتكم إليه فإذا سألتم عنه فحينئذ يبدى لكم، ومثال هذا: أن الله عز وجل لما بيَّن عدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل ولم يكن في عدد هؤلاء دليل على عدة التي ليست ذات قرء ولا حامل فسألوا عنها فأنزل الله عز وجل جوابهم في قوله {أية : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم}تفسير : [الطلاق: 4] الآية {عفا الله عنها} يعني عن مسألتكم عن الأشياء التي سألتم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كره الله لكم السؤال عنها فلم يؤاخذكم بها ولم يعاقبكم عليها {والله غفور} يعني لمن تاب منكم {حليم} فلا يعجل بعقوبتكم. وقال عطاء: غفور يعني لما كان في الجاهلية. حليم: يعني عن عقابكم منذ آمنتم وصدقتم. وقال بعض العلماء: الأشياء التي يجوز السؤال عنها، هي ما يترتب عليها أمر الدين والدنيا من مصالح العباد وما عدا ذلك فلا يجوز السؤال عنه (ق). عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألتهتفسير : (ق). عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال تفسير : عن معاوية حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات تفسير : أخرجه أبو داود. والأغلوطات صعاب المسائل التي تزل فيها أقدام العلماء ويؤيد ذلك قول أبي هريرة: شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل كي يغلطوا بها العلماء. عن سلمان قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فقال "حديث : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه فلا تتكلفوا"تفسير : وعن أبي ثعلبة الخشني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تقربوها وترك أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"تفسير : هذان الحديثان أخرجهما في جامع الأصول ولم يعزهما إلى الكتب الستة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ...} الآية: إخبارٌ للمؤمنين مضمَّنه الوعيدِ، إنِ ٱنحرفوا، ولم يمتثلُوا ما بلغ الرسُولُ إليهم، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}، قلت: قال الشيخُ أبو مَدْيَن (رضي اللَّه عنه): الحَقُّ تعالى مطَّلع على السرائر والظواهرِ في كلِّ نَفَسٍ وحالٍ، فأيُّما قلْبٍ رآه مؤثراً له، حَفِظَهُ من الطوارق والمِحَنِ ومضلاَّت الفِتَن، وقال (رحمه اللَّه): ماعرف الحَقَّ مَنْ لم يُؤْثره، وما أطاعه مَنْ لم يَشْكُرْه. انتهى. وقوله تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ...} ألاية: لفظ عامٌّ في جميع الأمور، فيتصوَّر في المكاسِب، وعدد النَّاس، والمعارفِ مِنَ العلوم ونحوِهَا، فالخبيثُ مِنْ هذا كلِّه لا يُفْلِحُ ولا يُنْجِبُ، ولا تحسُنُ له عاقبةٌ، والطَّيِّبُ وإنْ قَلَّ: نافعٌ جميل العاقبة، ويَنْظُرُ إلى هذه الآيةِ قوله تعالَىٰ: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} تفسير : [الأعراف:58]، والخبث: هو الفساد الباطنُ في الأشياء حتَّىٰ يظن بها الصَّلاح، وهي بخلافِ ذلك. وقوله سبحانه: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ}: تنبيهٌ علَىٰ لزوم الطَّيِّب في المعتقَدِ والعملِ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر؛ لأنهم المتقدِّمون في مَيْز هذه الأمور، والذين لا ينبغي لهم إهمالها؛ مع ألبابهم وإدراكهم.
القشيري
تفسير : المتفرِّدُ بالإلهية اللهُ. والرسولُ - وإنْ جلَّ قَدْرُه - فليس عليه إلا البلاغ وهو أيضاً (بتسييره). قوله: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}: الخبيث ما اكتسبه الغافل عن الله تعالى في حالة اكتسابه، والطيب ما اكتسبه على شهود الحق. ويقال الخبيث ما لم يُخْرَجْ منه حقُّ الله تعالى، والطيب ما أُخْرجَ منه حقه - سبحانه. ويقال الخبيث ما ادخرتَه لنفسك، والطيب ما قدَّمتَه لأمره.
الطوسي
تفسير : لما أنذر تعالى في الآية الأولى شدة العقاب وبشَّر بالعفو والغفران ذكر في هذه أنه ليس على الرسول إِلا البلاغ. وأما القبول والامتثال فانه متعلق بالمكلفين المبعوث اليهم. وأصل الرسول الاطلاق من قولهم أرسل الطير إِرسالا اذا أطلقه ومنه قولهم: ترسَّل في القراءة ترسلاً اذا تثبت. واسترسل الشيء اذا تسلل وانطلق. ورسله مراسلة، وتراسلوا تراسلاً. والرسل اللبن لاسترساله من الضرع. وفي الحديث "حديث : اعطي من رسلها"تفسير : وقوله: {أية : والمرسلات عرفاً} تفسير : قيل: هي الخيل. وقيل هي الرياح. والفرق بين الرسول والنبي أن النبي لايكون الا صاحب المعجز الذي ينبىء عن الله أي يخبر، والرسول اذا كان رسول الله فهو بهذه الصفة، وقد يكون الرسول رسولا لغير الله، فلا يكون بهذه الصفة. والانباء عن الشيء قد يكون من غير تحميل النبأ. والارسال لايكون الا بتحميل الرسالة. والبلاغ وصول المعنى الى غيره، وهو ها هنا وصول الانذار الى نفوس المكلفين. وأصل البلاغ البلوغ تقول: بلغ يبلغ بلوغاً وأبلغه ابلاغاً وتبلغ تبلغاً وبالغ مبالغة وبلغه تبليغاً، ومنه البلاغة لأنها إِيصال المعنى الى النفس في حسن صورة من اللفظ. وتبالغ الرجل اذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغ أي كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة. {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} معناه أنه لا يخفى عليه شيء من احوالكم التي تظهرونها أو تخفونها وتكتمونها وفي ذلك غاية التهديد والزجر.
الجنابذي
تفسير : {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ} جواب سؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: اما يقدر الرّسول (ص) الّذى بين اظهرنا على دفع العقاب؟ او قيل: اما يقدر الرّسول (ص) على ان يحملنا على الطّاعة واستحقاق الرّحمة فقال: ما على الرّسول {إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} لا الحفظ من العقاب ولا الحمل على الطّاعة وقد بلّغ ما كان عليه تبليغه واعظمها واشرفها واساسها الولاية وقد بلّغها على رؤس الاشهاد فى محضرٍ نحوٍ من سبعين الفاً {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} من الاقوال والافعال من الطّاعة والمخالفة وتولىّ علىّ (ع) والتولّى عنه {وَمَا تَكْتُمُونَ} من مكمونات نفوسكم الّتى لا تعلمونها ولا تستشعرون بها ومن عقائدكم ونيّاتكم وعزماتكم الّتى لا يعلمها غيركم، ومن اقوالكم وافعالكم الّتى تخفونها عن انسان آخر او تخفونها عن غير رفقائكم فاحذروا ان تقولوا او تفعلوا او تضمروا خلاف ما قال لكم محمّد (ص) فى امر دينكم، او ما قاله فى حقّ علىّ (ع).
اطفيش
تفسير : {مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلا البَلاغُ}: الا التبليغ فلا عذر لكم بعد تبليغه اليكم ما أنزلت عليه، وليس عليه أن يوفقكم أو يقهركم ولا توفيق الا بالله. {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}: ما يظهر بعضكم لبعض، أو يظهره وحده، وما يخفى بعضكم عن بعض أو يضمره فى قلبه من فعل وترك وعزم وتصديق وتكذيب0 قال بعضهم: الحق مطلع على الظواهر والسرائر فى كل نفس وحال، فانما قلب رآه مؤثراً له حفظه من الطوارق والمحق ومضلات الفتن، وما عرف الحق من لم يؤثره، وما أطاعه من لم يشكره.
اطفيش
تفسير : {مَا عَلَى الرَّسُول} محمد {إِلاَّ البَلاَغُ} إِلا تحصيل البلاغ، أَو اسم للإِبلاغ كالعطاء بمعنى الإِعطاء، هو قضى ما عليه فلم يبق إِلا إِثابة المطيع وعقاب العاصي، ولا عذر للعاصى بعد التبليغ {وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} من الفعل واعتقاد وتصديق وتكذيب {وَمَا تَكَتُمُونَ} من ذلك، فتثابون على الطاعة من ذلك وتعاقبون على المعصية.
الالوسي
تفسير : {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } ولم يأل جهداً في تبليغكم ما أمرتم به فأي عذر لكم بعد. وهذا تشديد في إيجاب القيام بما أمر به سبحانه. والبلاغ اسم أقيم مقام المصدر كما أشير إليه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} فيعاملكم بما / تستحقونه في ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْبَلاَغُ} (99) - الرَّسُولُ مُكَلَّفٌ مِنْ رَبِّهِ بِإبْلاغِ النَّاسِ أوَامِرَ رَبِّهِ وَرِسَالاتِهِ، وَحِسَابُ النَّاسِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالعَلَنَ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَمَا يُبَيِّتُهُ الإِنْسَانُ فِي سِرِّهِ، وَسَيُحَاسِبُ كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى جَميعِ أعْمَالِهِ فِي الدُّنْيا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الرسول هو المبعوث من المرسِل الحق سبحانه إلينا نحن العباد. والحق سبحانه هو الفاعل الأول، المطلق الذي لا فاعل يزاحمه، والمفعول الأول بالرسالة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمفعول الثاني هو نحن. وهناك في النحو المفعول معه، وهناك أيضاً المفعول له، والمفعول فيه، والمفعول به، وأيضاً يوجد المفعول إليه والمثال على المفعول إليه قوله تعالى: {أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [النحل: 63]. وفيه أيضا المفعول منه. والمثال على المفعول منه هو قوله الحق: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} تفسير : [الأعراف: 155]. و"قومه" هي مفعول منه. لأنه اختار من قومه سبعين رجلا ممن لم يعبدوا العجل ليعتذروا عمن عبد العجل ويسألوا الله أن يكشف عنهم البلاء. إن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي البلاغ (ما على الرسول إلا البلاغ)، أما تنفيذ البلاغ فهو دور المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أدوْها فلهم الجنة، وإن لم يؤدُّوها فعليهم العقاب. وأراد الحق أن يكون البلاغ من رسوله مصحوبا بالأسوة السلوكية منه صلى الله عليه وسلم، فالرسول يبلغ وينفذ أمامنا ما بلغ به حتى نتبعه، ولذلك قال الحق: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21]. وهذا ما ينقض ادعاء الألوهية لبشر. فلو كان هناك إله رسول لقال الناس: كيف نتبع هذا الرسول وله من الصفات والخصائص ما يختلف عنا نحن البشر؟ إن الرسول لا يستقيم ولا يصح أن يكون إلها لأنه هو الأسوة والقدوة للمرسل إليهم. إنه يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويفعل غير ذلك من الأفعال، ويأمر من أرسل إليهم أن يتبعوه فيما يفعل، فلو كان إلها فإن المرسَل إليهم - وهم البشر - لا يقدرون على أن يفعلوا مثل ما يفعل؛ لأنه إله وطبيعته تختلف عن طبيعتم ولذلك لا يستطيعون التأسي والاقتداء به، فالأسوة لا تتأتي إلا إذا كان الرسول من جنس المرسل إليهم . . أي يكون بشراً بكل أغيار البشر. والحق سبحانه قال: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. أي أن البشر تساءلوا - جهلاً - عما يمنع الله - سبحانه - أن يرسل لهم رسولاً من غير جنس البشر، ولماذا أرسل لهم رسولاً من جنسهم البشري؟ وهنا يأتي الأمر من الله سبحانه: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. وبهذا يبلغ الحق رسله ضرورة إبلاغ الناس أن الرسول لهم لا بد من أن يكون من جنس البشر؛ لأن الملائكة لا يمشون مطمئنين في الأرض، ولو جاء الرسل من الملائكة لقال البشر: لن نستطيع اتباع ما جاء به الملائكة لأنهم لا يصلحون أسوة لنا؛ لأنهم من جنس آخر غير جنس البشر، ثم إن الملائكة من خلق الغيب، فكيف يبعث الله للبشر هذا الغيب ليكون رسولاً؟ ولو حدث ذلك فلا بد أن يجعله الحق في صورة بشرية. ففي آية أخرى يقول الحق: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. إنهم طلبوا أن ينزل الله عليهم ملكاً، ولو استجاب الله لهم وأرسل رسوله ملكاً لتجسد المَلَك في صورة بشرية، وهم من بعد ذلك قد يستمرون على الكفر ويعاندون ولا يؤمنون، عندئذ يحق عليهم عذاب الله ويهلكهم. إذن فمهمة الرسول هي البلاغ ولنا فيه الأسوة. وتتابع الآية: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} كأنه سبحانه وتعالى يحذرنا من أن نأخذ شكل الإيمان دون أن نؤمن حقيقة؛ لأن الأمر الشكلي قد يجوز على أجناس البشر أن ينخدعوا فيه، ولكن الله ينظر إلينا بقيوميته، فسبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي هذا القول تحدّ للمنافقين من أنه سبحانه سيحاسبهم، فإن كتم الإنسان الكفر في قلبه وأظهر الإيمان الشكلي، فسوف ينال عقاب الله، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة المؤمنين أن يحكموا على ظاهر الأمر وأن يتركوا السرائر لله. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن يحكم بكفر إنسان أعلن الإيمان ولو نفاقاً. وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم أنه بشر، وعرف أن البشرية محدودة القدرة. ولذلك قال: "حديث : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ليأخذها أو ليتركها ". تفسير : هكذا يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نظن فيه قدرة فوق قدرة البشر حديث : وعندما قتل صحابي رجلاً أعلن الإيمان قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه" تفسير : إذن فنحن لنا الظاهر، أما السرائر فأمرها موكول إلى الله. ولذلك يقول الله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ}. ونعلم أن ظاهرة النفاق تعطي للمنافق حقوق المسلم الظاهرة الموقوتة بحياته وزمنه، ولكن الباقي في الحياة الأخرى طويل ينال فيه جزاء ما أبطن من كفر. والكتمان غير الإخفاء. فكتم الشيء يعني أن الشيء ظاهر الوضوح ولكن صاحبه يكتمه، أما الإخفاء فهو ما يدور بالخواطر، ويمكن أن يخفيه الإنسان، ولكنه مع مرور الوقت لا يستطيع ذلك، فالشاعر العربي يقول: شعر : ومهْما تكُنْ عندَ امرىء من خليقةٍ وإن خالها، تخْفى على الناس تُعْلَم تفسير : ويقال: يكاد المريب أن يقول خذوني. ومادام الحق يعلم كُلّ ما يبدي البشر وكل ما يكتمون، وهو شديد العقاب، وغفور ورحيم، ويجازي على الحسنة بعشر أمثالها، ويجازي على السيئة بمثلها، فماذا علينا أن نفعل؟ يأتينا القول الفصل في أمر الله لرسوله أن يخبرنا: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):