٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
100
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ }. اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله {أية : ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [المائدة: 98] ثم أتبعه بالتكليف بقوله {أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ }تفسير : [المائدة: 99] ثم أتبعه بالترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية بقوله {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } تفسير : [المائدة: 99] أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية فقال: {قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ } وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان: أحدهما: الذي يكون جسمانياً، وهو ظاهر لكل أحد، والثاني: الذي يكون روحانياً، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعة الله تعالى، وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذراً عند أرباب الطباع السليمة، فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعة الله تعالى تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة.وأما الأرواح العارفة بالله تعالى المواظبة على خدمة الله تعالى، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة، وكما أن الخبيث والطبيب في عالم الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان، بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد، لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل، ومنفعته طيبة مختصرة، وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية، وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية، وهو القرب من جوار رب العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة من النبيّين والصدّيقين والشهداء الصالحين، فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية. ثم قال تعالى: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ } يعني أن الذي يكون خبيثاً في عالم الروحانيات، قد يكون طيباً في عالم الجسمانيات، ويكون كثير المقدار، وعظيم اللذة، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية، التي إليها الإشارة بقوله {أية : وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [الكهف: 46] وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته، يمتنع أن يكون مساوياً للطيب الذي هو المعرفة والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربانية. ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة، والتحذيرات من المعصية، أتبعها بوجه آخر يؤكدها، فقال تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية، والتعريفات القوية، ولا تقدموا على مخالفته لعلّكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ}. فيه ثلاث مسائل: الأُولىٰ ـ قال الحسن: «الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ» الحلال والحرام. وقال السُّديّ: المؤمن والكافر. وقيل: المطيع والعاصي. وقيل: الرديء والجيد؛ وهذا على ضرب المثال. والصحيح أن اللفظ عام في جميع الأُمور، يُتصوَّر في المكاسب والأعمال، والناس، والمعارف من العلوم وغيرها؛ فالخبيث من هذا كله لا يُفلح ولا يُنْجِب، ولا تَحسن له عاقبة وإن كثر، والطيّب وإن قلّ نافع جميل العاقبة. قال الله تعالىٰ: { أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } تفسير : [الأعراف: 58]. ونظير هذه الآية قوله تعالىٰ: { أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [صۤ: 28] وقوله: { أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ } تفسير : [الجاثية: 21]؛ فالخبيث لا يساوي الطيّب مقداراً ولا إنفاقاً، ولا مَكاناً ولا ذَهَاباً، فالطيّب يأخذ جهة اليمين، والخبيث يأخذ جهة الشّمال، والطيّب في الجنّة، والخبيث في النار. وهذا بيّن. وحقيقة الاستواء الاستمرار في جهة واحدة، ومثله الاستقامة وضدّها الاعوجاج. ولما كان هذا وهي: الثانية ـ قال بعض علمائنا: إنّ البيع الفاسد يُفسَخ ولا يُمضَى بحَوالة سُوق، ولا بتغير بدن، فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح، بل يُفْسخ أبداً، ويُردّ الثمن على المبتاع إن كان قبضه، وإن تلف في يده ضمنه؛ لأنه لم يقبضه على الأمانة، وإنما قبضه بشبهة عقد. وقيل: لا يُفسَخ نظراً إلى أن البيع إذا فُسخ وردّ بعد الفوت يكون فيه ضرر وغَبْن على البائع، فتكون السلعة تساوي مائة وتردّ عليه وهي تساوي عشرين، ولا عقوبة في الأموال. والأوّل أصح لعموم الآية، ولقوله عليه السَّلام: « حديث : من عَمِل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ ». تفسير : قلت: وإذا تُتبع هذا المعنى في عدم الاستواء في مسائل الفقه تعدّدت وكثرت، فمن ذلك الغاصب وهي: الثالثة ـ إذا بنى في البقعة المغصوبة أو غَرَس فإنه يلزمه قلع ذلك البناء والغرس؛ لأنه خبيث، ورَدّها؛ خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يَقلع ويأخذ صاحبها القيمة. وهذا يَرده قوله عليه السَّلام: « حديث : ليس لِعْرقٍ ظالمٍ حقٌّ » تفسير : . قال هشام: العرق الظَّالم أن يَغْرِس الرجل في أرض غيره ليستحقّها بذلك. قال مالك: العِرْق الظالم كل ما أخذ وٱحتفر وغُرس في غير حق. قال مالك: من غَصَب أرضاً فزرعها، أو أَكْرَاها، أو داراً فسكنها أو أَكْرَاها، ثم استحقها ربها أن على الغاصب كراء ما سكن وردّ ما أخذ في الكِراء. واختلف قوله إذا لم يسكنها أو لم يزرع الأرض وعطّلها؛ فالمشهور من مذهبه أنه ليس عليه فيه شيء؛ وقد روي عنه أنه عليه كِراء ذلك كله. واختاره الوَقَّار، وهو مذهب الشافعي؛ لقوله عليه السَّلام: « حديث : ليس لِعرقٍ ظالمٍ حقٌّ » تفسير : وروى أبو داود عن أبي الزُّبير أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: غَرَس أحدهما نخلاً في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها، وإنها لتضرب أُصولها بالفُؤس حتى أخرجت منها وإنّها لنخل عُمٌّ. وهذا نص. قال ابن حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيّراً على الظالم، إن شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعاً، وإن شاء نزعه من أرضه؛ وأجر النزع على الغاصب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من بنى في رِباع قوم بإذنهم فله القيمة ومن بنى بغير إذنهم فله النقض » تفسير : . قال علماؤنا: إنما تكون له القيمة؛ لأنه بنى في موضع يملك منفعته. وذلك كمن بنى أو غرس بشبهة فله حقّ؛ إن شاء رب المال أن يدفع إليه قيمته قائماً، وإن أبى قيل للذي بنى أو غرس: ٱدفع إليه قيمة أرضه بَرَاحاً؛ فإن أبى كانا شريكين. قال ٱبن الماجِشون: وتفسير ٱشتراكهما أن تُقوَّم الأرض بَراحا، ثم تُقوّم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها بَرَاحاً كان العامل شريكاً لربّ الأرض فيها، إن أَحبّا قَسَما أو حَبَسا. قال ابن الجَهْم: فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كِراؤها فيما مضى من السنين. وقد روي عن ابن القاسم وغيره أنه إذا بنى رجل في أرض رجل بإذنه ثم وجب له إخراجه، فإنه يعطيه قيمة بنائه مقلوعاً. والأوّل أصح لقوله عليه السَّلام: « حديث : فله القيمة » تفسير : وعليه أكثر الفقهاء. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجبه الخبيث. وقيل: المراد به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وإعجابه له أنه صار عنده عجباً مما يشاهده من كثرة الكفار والمال الحرام، وقلة المؤمنين والمال الحلال. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تقدّم معناه.
البيضاوي
تفسير : {قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ} حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها، رغب به في مصالح العمل وحلال المال. {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} فإن العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب لكل معتبر ولذلك قال: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَـٰبِ} أي فاتقوه في تحري الخبيث وإن كثر، وآثروا الطيب وإن قل. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} راجين أن تبلغوا الفلاح. روي: أنها نزلت في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يوقعوا بهم فنهوا عنه وإن كانوا مشركين. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءانُ تُبْدَ لَكُمْ} إن الشرطية وما عطف عليها صفتان لأشياء والمعنى: لا تسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم، وهما كمقدمتين تنتجان ما يمنع السؤال وهو أنه مما يغمهم والعاقل لا يفعل ما يغمه، وأشياء اسم جمع كطرفاء غير أنه قلبت لامه فجعلت لفعاء. وقيل أفعلاء حذفت لامه جمع لشيء على أن أصله شيء كهين، أو شيء كصديق فخفف. وقيل أفعال جمع له من غير تغيير كبيت وأبيات ويرده منع صرفه. {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} صفة أخرى أي عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها. إذ روي أنه لما نزلت {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } تفسير : [آل عمران: 97] قال سراقة بن مالك: أكل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلاثاً فقال: «حديث : لا ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم»تفسير : فنزلت أو استئناف أي عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا لمثلها. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم، ويعفو عن كثير وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (حديث : أنه عليه الصلاة والسلام كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال: لا أسأل عن شيء إلا أجبت، فقال رجل: أين أبي فقال في النار، وقال آخر من أبي فقال: حذافة وكان يدعى لغيره) تفسير : فنزلت. {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} في الضمير للمسألة التي دل عليها تسألوا ولذلك لم يعد بعن أو لأشياء بحذف الجار. {مِن قَبْلِكُمْ} متعلق بسألها وليس صفة لقوم، فإن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها. {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ} أي بسببها حيث لم يأتمروا بما سألوا جحوداً. {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية وهو أنهم إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحلب، وكان الرجل منهم يقول: إن شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لألهتهم وإن ولدتهما قالوا وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى وقالوا: قد حمي ظهره، ومعنى ما جعل ما شرع ووضع، ولذلك تعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة ومن مزيدة. {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بتحريم ذلك ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى. {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي الحلال من الحرام والمبيح من المحرم، أو الآمر من الناهي ولكنهم يقلدون كبارهم وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا} بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد وأن لا سند لهم سواه. {أُوَلَواْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} الواو للحال والهمزة دخلت عليها لإِنكار الفعل على هذه الحال، أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين، والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه عالم مهتد وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا يكفي التقليد. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي إحفظوها والزموا إصلاحها، والجار مع المجرور جعل اسماً لإِلزموا ولذلك نصب أنفسكم. وقرىء بالرفع على الابتداء. {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين، ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : من رأى منكم منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». تفسير : والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك فنزلت. و {لاَ يَضُرُّكُمْ} يحتمل الرفع على أنه مستأنف ويؤيده أن قرىء «لا يضيركم» والجزم على الجواب أو النهي لكنه ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة وتنصره قراءة من قرأ {لاَ يَضُرُّكُمْ} بالفتح، و {لاَ يَضُرُّكُمْ} بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره. {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره. {يِـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} أي فيما أمرتم شهادة بينكم، والمراد بالشهادة الإِشهاد في الوصية وإضافتها إلى الظرف على الاتساع وقرىء {شَهَادَةً } بالنصب والتنوين على ليقم. {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} إذا شارفه وظهرت أماراته وهو ظرف للشهادة. {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ } بدل منه وفي إبداله تنبيه على أن الوصية مما ينبغي أن لا يتهاون فيه أو ظرف حضر. {ٱثْنَانِ } فاعل شهادة ويجوز أن يكون خبرها على حذف المضاف. {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي من أقاربكم أو من المسلمين وهما صفتان لاثنان. {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} عطف على اثنان، ومن فسر الغير بأهل الذمة جعله منسوخاً فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعاً. {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي سافرتم فيها. {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} أي قاربتم الأجل. {تَحْبِسُونَهُمَا} تقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه بقوله أو آخران من غيركم اعتراض، فائدته الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم، أو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين فقال تحبسونهما. {مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ} صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. وقيل أي صلاة كانت. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} إن ارتاب الوارث منكم. {لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً} مقسم عليه، وإن ارتبتم اعتراض يفيد اختصاص القسم بحال الارتياب. والمعنى لا نستبدل بالقسم أو بالله عرضاً من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذباً لطمع. {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} ولو كان المقسم له قريباً منا، وجوابه أيضاً محذوف أي لا نشتري. {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ } أي الشهادة التي أمرنا الله بإقامتها، وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ثم ابتدأ الله بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه، وروي عنه بغيره كقولهم الله لأفعلن. {إِنَّا إِذَاً لَّمِنَ ٱلآثِمِينَ} أي إن كتمنا. وقرىء لَمِلاْثِمِين بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام النون فيها. {فَإِنْ عُثِرَ} فإن اطلع. {عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً} أي فعلا ما أوجب إثماً كتحريف. {فَآخَرَانِ} فشاهدان آخران. {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ} من الذين جنى عليهم وهم الورثة. وقرأ حفص «استحق» على البناء للفاعل وهو الأوليان. {ٱلأَوْلَيَانِ} الاحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وهو خبر محذوف أي: هما الأوليان أو خبر {ءَاخَرَانِ} أو مبتدأ خبره آخران، أو بدل منهما أو من الضمير في يقومان. وقرأ حمزة ويعقوب وأبو بكر عن عاصم «الأولين» على أنه صفة للذين، أو بدل منه أي من الأولين الذين استحق عليهم. وقرىء «الأولين» على التثنية وانتصابه على المدح والأولان وإعرابه إعراب الأوليان. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} أصدق منها وأولى بأن تقبل. {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا} وما تجاوزنا فيها الحق. {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } الواضعين الباطل موضع الحق، أو الظالمين أنفسهم إن اعتدينا. ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته، أو يوصي إليهما احتياطاً فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإنه لا يخلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثابت إن كانا وصيين ورد اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى. إذ روي أن تميماً الداري وعدي بن يزيد خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً، فلما قدموا الشام مرض بديل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما به، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات، ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب فغيباه، فأصاب أهله الصحيفة فطالبوهما بالإِناء فجحدا فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوا} الآية، حديث : فحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العصر عند المنبر وخلى سبيلهما، تفسير : ثم وجد الإِناء في أيديهما فأتاهما بنو سهم في ذلك فقالا: قد اشتريناه منه ولكن لم يكن لنا عليه بينة فكرهنا أن نقربه فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {فَإِنْ عُثِرَ } فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا واستحقاه. ولعل تخصيص العدد فيهما لخصوص الواقعة. {ذٰلِكَ } أي الحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهد. {أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا } على نحو ما حملوها من غير تحريف وخيانة فيها {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } أن ترد اليمين على المدعين. بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة وإنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم. {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ } ما توصون به سمع إجابة. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قوماً فاسقين {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. فقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } ظرف له. وقيل بدل من مفعول واتقوا بدل الاشتمال، أو مفعول واسمعوا على حذف المضاف أي واسمعوا خبر يوم جمعهم، أو منصوب بإضمار اذكر. {فَيَقُولُ } أي للرسل. {مَاذَا أَجَبْتُمُ } أي إجابة أجبتم، على أن ماذا في موضع المصدر، أو بأي شيء أجبتم فحذف الجار، وهذا السؤال لتوبيخ قومهم كما أن سؤال الموؤدة لتوبيخ الوائد ولذلك {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } أي لا علم لنا بما لست تعلمه. {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } فتعلم ما نعلمه مما أجابونا وأظهروا لنا وما لا نعلم مما أضمروا في قلوبهم، وفيه التشكي منهم ورد الأمر إلى علمه بما كابدوا منهم. وقيل المعنى لا علم لنا إلى جنب علمك، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة. وقرىء {علام} بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله {إِنَّكَ أَنتَ}، أي إنك أنت الموصوف بصفاتك المعروفة وعلام منصوب على الاختصاص أو النداء. وقرأ أبو بكر وحمزة الغيوب بكسر الغين حيث وقع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {قُلْ} يا محمد {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ} أي: يا أيها الإنسان {كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث: «حديث : ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» تفسير : وقال أبوالقاسم البغوي في معجمه: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الحوطي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا معان بن رفاعة عن أبي عبد الملك علي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة: أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه» تفسير : {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا بالحلال واكتفوا به {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء؛ مما لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت لهم تلك الأمور، ربما ساءتهم، وشق عليهم سماعها؛ كما جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» تفسير : وقال البخاري: حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، حدثنا أبي، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطبة ما سمعت مثلها قط، وقال فيها: «حديث : لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً»تفسير : . قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوههم، لهم حنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: «فلان» فنزلت هذه الآية: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} رواه النضر وروح بن عبادة عن شعبة، وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع، ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج به. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية، قال: فحدثنا: أن أنس بن مالك حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم، فصعد المنبر، فقال: «حديث : لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» تفسير : فأشفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يميناً ولا شمالاً إلا وجدت كلاًّ لافًّا رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحي، فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: «حديث : أبوك حذافة»تفسير : . قال: ثم قام عمر أو قال: فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً عائذاً بالله أو قال: أعوذ بالله من شر الفتن قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم أرَ في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط»تفسير : ، أخرجاه من طريق سعيد، ورواه معمر عن الزهري، عن أنس بنحو ذلك، أو قريباً منه. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولداً أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان، محمار وجهه، حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين أبي؟ قال: «حديث : في النار»تفسير : ، فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: «حديث : أبوك حذافة»تفسير : ، فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وبالقرآن إماماً، إنا يا رسول الله، حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية، إسناده جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف، منهم أسباط عن السدي: أنه قال في قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، من الأيام، فقام خطيباً، فقال: «حديث : سلوني، فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به» تفسير : فقام إليه رجل من قريش من بني سهم، يقال له: عبد الله بن حذافة، وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «حديث : أبوك فلان» تفسير : فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب، فقبل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبك نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: «حديث : الولد للفراش، وللعاهر الحجر»تفسير : ثم قال البخاري: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو الجويرية عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} حتى فرغ من الآية كلها، تفرد به البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا علي بن عبد الأعلى عن أبيه، عن أبي البختري، وهو سعيد ابن فيروز، عن علي قال: لما نزلت هذه الآية: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: «حديث : لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت، لما استطعتم »تفسير : فأنزل الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق منصور بن وردان به، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبوالبختري لم يدرك علياً. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن إبراهيم ابن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله كتب عليكم الحج» تفسير : فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه: حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال: «حديث : من السائل؟» تفسير : فقال: فلان، فقال: «حديث : والذي نفسي بيده لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه، لكفرتم»تفسير : ، فأنزل الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} حتى ختم الآية، ثم رواه ابن جرير من طريق الحسين بن واقد عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وقال: فقام محصن الأسدي،وفي رواية من هذه الطريق: عكاشة بن محصن، وهو أشبه، وإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف. وقال ابن جرير أيضاً: حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن ابن أبي الغمر، حدثنا ابن مطيع معاوية بن يحيى عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الناس، فقال: «حديث : كتب عليكم الحج» تفسير : فقام رجل من الأعراب، فقال: أفي كل عام؟ قال: فغلق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسكت، وأغضب واستغضب، ومكث طويلاً، ثم تكلم فقال: «حديث : من السائل؟» تفسير : فقال الأعرابي: أناذا، فقال: «حديث : ويحك ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت، لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج، والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرمت عليكم منها موضع خف، لوقعتم فيه» تفسير : قال: فأنزل الله عند ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} إلى آخر الآية، في إسناده ضعف. وظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص، ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا حجاج قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأصحابه: «حديث : لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» تفسير : الحديث، وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، قال أبو داود: عن الوليد، وقال الترمذي: عن إسرائيل عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به، ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وقوله تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ} أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبين لكم {وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}، ثم قال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي: عما كان منكم قبل ذلك {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. وقيل: المراد بقوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ} أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: «حديث : أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته» تفسير : ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة، فسألتم عن بيانها، تبيت لكم حينئذ؛ لاحتياجكم إليها، {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي: ما لم يذكره في كتابه، فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» تفسير : وفي الحديث الصحيح أيضاً: «حديث : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها»تفسير : ثم قال تعالى: { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ} أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم، فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها، فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها، أي: بيّنت لهم، فلم ينتفعوا بها؛ لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، بل على وجه الاستهزاء والعناد. وقال العوفي: عن ابن عباس في الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن في الناس فقال: «حديث : يا قوم كتب عليكم الحج» تفسير : فقام رجل من بني أسد، فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فأغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فقال: «حديث : والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت، ما استطعتم، وإذاً لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء، فانتهوا عنه» تفسير : فأنزل هذه الآية، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت عنه النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ، ساءكم ذلك،ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه، رواه ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ} قال: لما نزلت آية الحج، نادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: «حديث : يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج، فحجوا» تفسير : فقالوا: يا رسول الله، أعاماً واحداً، أم كل عام؟ فقال: «حديث : لا، بل عاماً واحداً، ولو قلت: كل عام، لوجبت، ولو وجبت، لكفرتم»تفسير : . ثم قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} إلى قوله: {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ} رواه ابن جرير. وقال خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا ترى أنه قال بعدها: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} ولا كذا ولا كذا، قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات، فنهوا عن ذلك، ثم قال: { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ} رواه ابن جرير، يعني: عكرمة رحمه الله: أن المراد من هذا النهي عن سؤال وقوع الآيات؛ كما سألت قريش أن يجري لهم أنهاراً، وأن يجعل لهم الصفا ذهباً، وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتاباً من السماء. وقد قال الله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَـٰتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا}تفسير : [الإسراء: 59] وقال تعالى: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } تفسير : [الأنعام:109-111].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ } الحرام {وَٱلطَّيّبُ } الحلال {وَلَوْ أَعْجَبَكَ } أي سَرَّك {كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في تركه {يٰأُوْلِى ٱلأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون.
الشوكاني
تفسير : قيل المراد بالخبيث والطيب: الحرام والحلال، وقيل المؤمن والكافر، وقيل العاصي والمطيع، وقيل الرديء والجيد. والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال. قوله: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ } قيل الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا. والمراد: نفي الاستواء في كل الأحوال، ولو في حال كون الخبيث معجباً للرائي للكثرة التي فيه، فإن هذه الكثرة مع الخبيث في حكم العدم، لأن خبث الشيء يبطل فائدته، ويمحو بركته، ويذهب بمنفعته، والواو إما للحال أو للعطف على مقدّر: أي لا يستوي الخبيث والطيب، لو لم تعجبك كثرة الخبيث، ولو أعجبك كثرة الخبيث، كقولك أحسن إلى فلان، وإن أساء إليك، أي أحسن إليه إن لم يسىء إليك، وإن أساء إليك، وجواب "لو" محذوف: أي ولو أعجبك كثرة الخبيث فلا يستويان. قوله: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } أي لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها، ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم، فقوله: {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } في محل جر صفة لأشياء أي لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة من كونها إذا بدت لكم أي ظهرت وكلفتم بها ساءتكم، نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سبباً لإيجابه على السائل وعلى غيره. قوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُم} هذه الجملة من جملة صفة أشياء، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن، وذلك مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، ونزول الوحي عليه {تُبْدَ لَكُمْ } أي: تظهر لكم بما يجيب عليكم به النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو ينزل به الوحي، فيكون ذلك سبباً للتكاليف الشاقة وإيجاب ما لم يكن واجباً وتحريم ما لم يكن محرّماً، بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال. وقد ظنّ بعض أهل التفسير، أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال، مع وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي عليه، فقال: إن الشرطية الأولى أفادت عدم جواز السؤال، والثانية أفادت جوازه، فقال إن المعنى: وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه الحاجة تبد لكم بجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وجعل الضمير في {عَنْهَا } راجعاً إلى أشياء غير الأشياء المذكورة، وجعل ذلك كقوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] وهو: آدم، ثم قال: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً } تفسير : [المؤمنون: 13] أي: ابن آدم. قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } أي عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك. وقيل المعنى: إن تلك الأشياء التي سألتم عنها هي مما عفا عنه، ولم يوجبه عليكم، فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من الله غير لازم؟ وضمير {عَنْهَا } عائد إلى المسألة الأولى، وإلى أشياء على الثاني، على أن تكون جملة {عفا الله عنها} صفة ثالثة لأشياء، والأوّل أولى؛ لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه الله ثم عفا عنه، ويمكن أن يقال إن العفو بمعنى الترك أي تركها الله ولم يذكرها بشيء فلا تبحثوا عنها، وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل، ثم جاء سبحانه بصيغة المبالغة في كونه غفوراً حليماً ليدلّ بذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة؛ لكثرة مغفرته وسعة حلمه. قوله: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ } الضمير: يرجع إلى المسألة المفهومة من {لاَ تَسْأَلُواْ } لكن ليست هذه المسألة بعينها، بل مثلها في كونها مما لا حاجة إليه، ولا توجبه الضرورة الدينية ثم لم يعملوا بها، بل أصبحوا بها كافرين أي ساترين لها تاركين للعمل بها، وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة، ولا بد من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا، لأن الأمر الذي تدعو الحاجة إليه في أمور الدين والدنيا، قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 7] وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العيّ السؤال»تفسير : قوله: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } هذا كلام مبتدأ يتضمن الردّ على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه، وجعل ههنا بمعنى سمي كما قال: {أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً }تفسير : [الزخرف: 3]. والبحيرة: فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة، وهي مأخوذة من البحر، وهو شقّ الأذن، قال ابن سيده: البحيرة هي التي خليت بلا راع؛ قيل: هي التي يجعل درّها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس، وجعل شق أذنها علامة لذلك. وقال الشافعي: كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثاً بحرت أذنها فحرّمت. وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكراً، بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى، بحروا أذنها وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها. وقيل: إذا نتجت الناقة خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرّموا ركوبها ودرّها. والسائبة: الناقة تسيب، أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزلة، فلا يحبس عن رعي ولا ماء، ولا يركبه أحد قاله أبو عبيد. قال الشاعر:شعر : وسائبة لله تنمي تشكرا إن الله عافا عامراً ومجاشعا تفسير : وقيل: هي التي تسيب لله فلا قيد عليها ولا راعي لها، ومنه قول الشاعر:شعر : عقرتـم ناقة كانت لربي مسيبة فقومـوا للعقاب تفسير : وقيل: هي التي تابعت بين عشر إناث ليس بينهنّ ذكر، فعند ذلك لا يركب ظهرها، ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف. وقيل: كانوا يسيبون العبد، فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد. والوصيلة: قيل هي الناقة إذا ولدت أنثى بعد أنثى. وقيل هي الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وقيل: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها، وكان لحمها حراماً على النساء، إلا أن يموت فيأكلها الرجال والنساء. والحام: الفحل الحامي ظهره عن أن يركب، وكانوا إذا ركب ولد الفحل قالوا حمى ظهره فلا يركب، قال الشاعر:شعر : حماها أبو قابوس في عز ملكه كما قد حمى أولاد أولاده الفحل تفسير : وقيل: هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة، قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء، ثم وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذباً، لا لشرع شرعه الله لهم، ولا لعقل دلهم عليه، وسبحان الله العظيم ما أركّ عقول هؤلاء وأضعفها؟ يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة، ونفس الحمق {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } وهذا أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم، وصدق الله سبحانه حيث يقول: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون} أي: ولو كانوا جهلة ضالين، والواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام. وقيل للعطف على جملة مقدّرة أي أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم. وقد تقدّم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة. وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين المقلدة وعصاهم التي يتوكؤون عليها إن دعاهم داعي الحق وصرخ لهم صارخ الكتاب والسنة فاحتجاجهم بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله، مع مخالفة قوله لكتاب الله، أو لسنة رسوله، هو كقول هؤلاء، وليس الفرق إلا في مجرّد العبارة اللفظية، لا في المعنى الذي عليه تدور الإفادة والاستفادة، اللهمّ غفراً. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في الآية: قال الخبيث هم المشركون، والطيب هم المؤمنون، وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن أنس قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال رجل: من أبي؟ فقال فلان، فنزلت هذه الآية: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء }. وأخرج البخاري وغيره نحوه من حديث ابن عباس، وقد بين هذا السائل في روايات أخر، أنه عبد الله بن حذافة، وأنه قال: من أبي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أبوك حذافة»تفسير : وأخرج ابن حبان، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: «حديث : يا أيها الناس إن الله قد افترض عليكم الحجّ"تفسير : ، فقام رجل، فقال: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه، فأعادها ثلاث مرات، فقال: "حديث : لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»تفسير : ، وذلك أن هذه الآية: أعني {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } نزلت في ذلك. وقد أخرج عنه نحو هذا ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه. وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن أبي أمامة الباهلي نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن أبي مسعود، نحوه أيضاً. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس نحوه أيضاً. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، عن عليّ نحوه، وكل هؤلاء صرحوا في أحاديثهم أن الآية نزلت في ذلك. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن سعد بن أبي وقاص، قال: كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما زالوا يسألون حتى يحرم عليهم، وإذا حرّم عليهم وقعوا فيه. وأخرج ابن المنذر عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله حدّ حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها»تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } قال: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت، ولا يجلها أحد من الناس؛ والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء؛ والوصيلة الناقة البكر، تبكر في أوّل نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر؛ والحامي فحل الإبل، يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: البحيرة الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ونحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا هذه بحيرة. وأما السائبة فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبناً، ولا يجزون لها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً. وأما الوصيلة فالشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً أو أثنى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً أو أنثى في بطن استحيوهما وقالوا وصلته أخته فحرّمته علينا، وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً، ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى ولا من حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وأخرج نحوه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق العوفيّ.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} فيه ثلاث تأويلات: أحدها: يعني الحلال والحرام، قاله الحسن. والثاني: المؤمن والكافر، قاله السدي. والثالث: الرديء والجيد. {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخبِيثِ} يعني أن الحلال والجيد مع قلتهما خير وأنفع من الحرام والرديء مع كثرتهما. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في حُجَّاجِ اليمامة وقد هَمَّ المسلمون بأحدهم. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} اختلف أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال: أحدها: ما روى أنس بن مالك قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ألحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم فقال: "حديث : لاَ تَسْأَلُونِي عَنْ شَيءٍ إِلاَّ بَيَّنْتُ لَكُمْ" تفسير : قال أنس: فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فأرى كل الناس لاق ثوبه فى رأسه يبكي، فسأل رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال: يا رسول الله مَنْ أبي؟ فقال: "حديث : أَبُوكَ حُذَافَةُ" تفسير : فأنشأ عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإِسلام ديناً وبمحمد عليه السلام رسولاً عائذاً بالله من سوء الفتن، فأنزل الله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}. والثاني: ما روى الحسن بن واقد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ كَتبَ اللَّهُ عَلَيكُمُ الحَجَّ فَحِجُّوا" تفسير : فقام محصن الأسدي وقال: في كل عام يا رسول الله؟ فقال: "حديث : أَمَا إِنِّي لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُم لَضَلِلْتُمْ، اسْكَتُوا عَنِّي مَا سَكَتُّ عَنْكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبَْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ واخْتِلاَفِهِم عَلَى أَنْبِيائِهِمْ" تفسير : فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُوا...}. والثالث: أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قاله ابن عباس. {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرءَانُ تُبْدَ لَكُمْ} جعل نزول القرآن عند السؤال موجباً بتعجيل الجواب. {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} فيها قولان: أحدهما: عن المسألة. والثاني: عن الأشياء التي سألوا عنها. قوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: قوم عيسى سألوه المائدة، ثم كفروا بها، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم قوم صالح سألوا الناقة، ثم عقروها وكفروا به. والثالث: أنهم قريش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحوِّل لهم الصفا ذهباً،قاله السدي. والرابع: أنهم القوم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ أبي؟ ونحوه، فلما أخبرهم به أنكروه وكفروا به، قاله بعض المتأخرين.
ابن عبد السلام
تفسير : ـ قوله عزّ وجلّ {قُل لا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالْطَّيِّبُ} فيه ثلاثة تأويلات أحدها: يعني الحلال والحرام قاله الحسن، والثاني: المؤمن والكافر قاله السدي، والثالث: الرديء والجيد. أو المؤمن والكافر.. {وَلَوْ أعْجَبَكَ} الحلال والجيد مع القلّة خير من الحرام والرديء مع الكثرة قيل لما همَّ المسلمون بأخذ حجاج اليمامة نزلت.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: الخبيث هم المشركون، والطيب هم المؤمنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: لدرهم حلال أتصدق به أحب إليَّ من مائة ألف ومائة ألف حرام، فإن شئتم فاقرأوا كتاب الله {قل لا يستوي الخبيث والطيب}. وأخرج ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الاسكندراني قال: كتب إلى عمر عبد العزبز بعض عماله يذكر أن الخراج قد انكسر، فكتب إليه عمر أن الله يقول {لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} فإن استطعت أن تكون في العدل والإصلاح والإحسان بمنزلة من كان قبلك في الظلم والفجور والعدوان فافعل ولا قوّة إلا بالله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {يا أولي الألباب} يقول: من كان له لب أو عقل.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل لا يستوى الخبيث والطيب} نزلت فى حجاج اليمامة "حديث : لما هم المسلمون ان يوقعوا بهم بسبب انه كان فيهم الحطيم وقد اتى المدينة فى السنة السابقة واستاق سرح المدينة فخرج فى العام القابل وهو عام عمرة القضاء حاجا فبلغ ذلك اصحاب السرح فقالوا للنبى عليه السلام هذا الحطيم خرج حاجا مع حجاج اليمامة فخل بيننا وبينه فقال عليه السلام "انه قلد الهدى" ولم يأذن لهم فى ذلك بسبب استحقاقهم الا من بتقليد الهدايا فنزلت الآية تصديقا له عليه السلام فى نهيه اياهم عن تعرض الحجاج وان كانوا مشركين" تفسير : وقد مضت هذه القصة فى اول السورة عند قوله تعالى {أية : يا أيها الذين ءآمنوا لا تحلوا شعائر الله} تفسير : [المائدة: 2] الآية. وبقى حكم هذه الآية الى ان نزلت سورة البراءة فنسخ بنزولها لانه قد كان فيها {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28]. وفيها {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5]. فنسخ حكم الهدى والقلائد والشهر الحرام والاحرام وامنهم بها بدون الاسلام وسبب النزول وان كان خاصا لكن حكمه عام فى نفى المساواة عند الله بين الردى وبين الجيد ففيه ترغيب فى الجيد وتحذير عن الردى ويتناول الخبيث والطيب امورا كثيرة. فمنها الحرام والحلال فمثقال حبة من الحلال ارجح عند الله من ملىء الدنيا من الحرام لان الحرام خبيث مردود والحلال طيب مقبول فهما لا يستويان ابدا كما ان طالبهما كذلك اذا طالب الخبيث خبيث وطالب الطيب طيب والله تعالى يسوق الطيب الى الطيب كما انه يسوق الخبيث الى الخبيث كما قال {أية : الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات} تفسير : [النور: 26]. والطيب عند سادات الصوفية قدس الله اسرارهم ما كان لا فكر وحركة نفسانية سواء سيق من طرف صالح او فاسق لانه رزق من حيث لا يحتسب وهو مقبول وخلافه مردود ولا بعد فى هذا لان حسنات الابرار سيآت المقربين وبينهما بون بعيد وايضا الخبيث من الاموال ما لم يخرج منها حق الله والطيب ما اخرجت منه الحقوق والخبيث ما انفق فى وجوه الفساد والطيب ما انفق فى وجوه الطاعات والطيب من الاموال ما وافق نفع الفقراء فى اوقات الضرورات والخبيث ما دخل عليهم فى وقت استغنائهم فاشتغلت خواطرهم بها. ومنها المؤمن والكافر والعادل والفاسق فالمؤمن كالعسل والكافر كالسم والعادل كشجرة الثمرة والفاسق كشجرة الشوك فلا يستويان على كل حال. ومنها الاخلاق الطيبة والاخلاق الخبيثة فمثل التواضع والقناعة والتسليم والشكر مقبول ومثل الكبر والحرص والجزع والكفران مردود لان الاول من صفات الروح والثانى من صفات النفس والروح طيب علوى والنفس خلافه: وفى المثنوى شعر : هين مرواندر بى نفسى جوزاغ كو بكورستان برد نه سوى باغ نفس اكرجه زيركست وخرده دان قبله اش دنياست اورامرده دان تفسير : ومن اخلاق النفس حب المال والكبار قد عدوا المال الطيب حجابا فما ظنك بالخبيث منه فلا بد من تصفية الباطن وتخليته عن حب ما سوى الله تعالى. ومنها العلوم النافعة والعلوم الغير النافعة فالنافعة كعلوم الشريعة وغير النافعة كعلوم الفلاسفة: وفى المثنوى شعر : علم دين فقهست وتفسير وحديث هركه خواند غير ازين كرددخبيث تفسير : ومنها الاعمال الصالحة والاعمال الغير الصالحة فما اريد به وجه الله تعالى فهو صالح وما اريد به الرياء والسمعة فهو غير صالح شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغز بوست تفسير : قال فى التأويلات النجمية الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك الى الله. وايضا الطيب هو الله الواحد والخبيث ما سواه وفيه كثرة {ولو اعجبك كثرة الخبيث} الواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر اى لو لم يعجبك كثرة الخبيث ولو اعجبتك وكلتاهما فى موضع الحال من فاعل لا يستوى اى لا يستويان كائنين على كل حال مفروض وجواب لو محذوف والمعنى والتقدير ان الخبيث ولو اعجبتك كثرته يمتنع ان يكون مساويا للطيب فان العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة فان المحمود القليل خير من المذموم الكثير بل كلما كثر الخبيث كان اخبث ومعنى الاعجاب السرور بما يتعجب منه يقال يعجبنى امر كذا اى يسرنى والخطاب فى اعجبك لكل واحد من الذين امر النبى عليه السلام بخطابهم {فاتقوا الله} فى تحرى الخبيث وان كثروا آثروا الطيب وان قل {يا اولى الالباب} يا ذوى العقول الصافية وهم فى الحقيقة من تخلصت قلوبهم وارواحهم من قشور الابدان والنفوس {لعلكم تفلحون} راجين ان تنالوا الفلاح وهو سعادة الآخرة. ثم ان التقوى على مراتب. قال ابن عطاء التقوى فى الظاهر مخالفة الحدود وفى الباطن النية والاخلاص وقال فى قوله تعالى {أية : اتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102]. وهو صدق قولك لا اله الا الله وليس فى قلبك شىء سواه. ومن وصايا حضرة المولوى قبيل وفاته [اوصيكم بتقوى الله فى السر والعلانية وبقلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام وهجر المعاصى والآثام وترك الشهوات على الدوام واحتمال الجفاء من جميع الانام وترك مجالسة السفهاء والعوام ودوام مصاحبة الصالحين الكرام فان خير الناس من ينفع الناس وخير الكلام ما قل ودل]. واعلم ان النافع هو التقوى والسبب المنجى هو الايمان والعمل الصالح دون الحسب والنسب فلا يغرنك الشيطان بكثرة اموالك واولادك ووفرة مفاخر آبائك واجدادك فاصل البول الماء الطيب الصافى والله تعالى يخرج الميت من الحى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل لا يستوي الخبيث والطيب} عند الله، في القلوب والأحوال والأعمال والأموال والأشخاص، فالطيب من ذلك كله مقبول محبوب، والرديء مردود ممقوت، فالطيب مقبول وإن قلّ، والرديء مردود ولو جلّ، وهو معنى قوله: {ولو أعجبك كثرة الخبيث}، فالعبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة، وقد جرت عادته ـ تعالى ـ بكثرة الخبيث من كل شيء، وقلة الطيب من كل شيء، قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } تفسير : [صَ:24]، { أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ}تفسير : [سَبَأ:13]، وفي الحديث الصحيح: "حديث : النّاسُ كإبلٍ مِائةٍ لا تكادُ تَجِدُ فيها رَاحِلةَ " تفسير : ، وقال الشاعر: شعر : إنّي لأفتَحُ عَينِيَ حِينَ أفتَحُها عَلَى كُثِيرٍ ولكن لا أرى أحَدا تفسير : فأهل الصفا قليل في كل زمان، ولذلك خاطبهم بقوله: {فاتقوا الله يا أولي الألباب} أي: القلوب الصافية في تجنب الخبيث وإن كثر، وأخذ الطيب وإن قلّ، {لعلكم تُفلحون} بصلاح الدارين. الإشارة: لا عبرة بالأحوال الظلمانية وإن كثرت، وإنما العبرة بالأحوال الصافية ولو قلّت، صاحب الأحوال الصافية موصول، وصاحب الأحوال الظلمانية مقطوع، ما لم يتب عنها، قال بعض الحكماء: (كما لا يصح دفن الزرع في أرض ردية، لا يجوز الخمول بحال غير مرضية). والمراد بالأحوال الصافية: هي التي توافق مراسم الشريعة؛ بحيث لا يكون عليها من الشارع اعتراض، بأن تكون مباحة في أصل الشريعة، ولو أخلت بالمروءة عند العوام، إذ المروءة إنما هي التقوى عند الخواص، والمراد بالأحوال، كل ما يثقل على النفس وتموت به سريعًا، كالمشي بالحفا وتعرية الرأس، والأكل في السوق، والسؤال، وغير ذلك من خرق عوائدها، التي هي شرط في حصول خصوصيتها، وفي الحِكَم: "كيف تخرق لك العوائد؟ وأنت لم تخرق من نفسك العوائد". وبالله التوفيق. ومن جملة الأحوال الرديئة: كثرة الخوض فيما لا يعني، التي أشار إليه بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ}.
الطوسي
تفسير : معنى قوله {لا يستوى} لا يتساوى. والاستواء على أربعة اقسام: استواء في المقدار. واستواء في المكان. واستواء في الذهاب. واستواء في الانفاق. والاستواء بمعنى الاستيلاء راجع الى الاستواء في المكان، لأنه تمكن واقتدار وقوله {الخبيث والطيب} قيل في معناهما قولان: أحدهما - الحرام، والحلال في قول الحسن وأبي علي. الثاني - قال السدي الكافر، والمؤمن. والخبيث الردي بالعاجلة ويسوى بالآجلة. ومنه خبث الحديد، وهو رديئه بعدما يخلص بالنار جيدة ففي الخبيث امتزاج جيد بردىء ولذلك قال {ولو أعجبك كثرة الخبيث} والاعجاب سرور بما يتعجب منه. والعجب والاعجاب والتعجب من أصل واحد. وعجب يعجب عجباً والعجب مذموم، لانه كبر يدخل النفس بحال يتعجب منها. وعجب الذنب أصله عجوب الرمل أو آخره لانفراده عن جملته كانفراد ما يتعجب منه. ومعنى الآية أنه لا يتساوى الحرام والحلال وان أعجبك يا محمد كثرة ما تراه من الحرام والمراد به أمته. وقوله {فاتقوا الله} معناه أجتنبوا ما حرمه عليكم {يا أولي الألباب} يعني يا اولي العقول {لعلكم تفلحون} معناه لتفلحوا وتفوزوا بالثواب العظيم الدائم.
الجنابذي
تفسير : {قُل} يا محمّد (ص) لامّتك {لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ} يعنى ذكّرهم بهذه الكبرى الكلّيّة البديهيّة حتّى يكونوا على ذكر منها وعلى الحذر من الخبيث والرّغبة فى الطّيّب حين عراهم خبيث او طيّب من الاعمال والاخلاق والاوصاف والحيوان والانسان بان يقولوا هذا خبيث او طيّب وكلّ خبيث مكروه وكلّ طيّب مرغوب فيه، والمنظور هو المقصود من كلّ مقصود وهو ولاية علىّ (ع) وولاية اعدائه فانّ طيبوبة علىّ (ع) لا ينكره احد {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} كلام من الله والخطاب لمحمّد (ص) يعنى يا محمّد (ص) قل لهم لا يستويان لو لم يعجبك ولو اعجبك {كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ} او جزء مفعول للقول والخطاب حينئذٍ لغير معيّن يعني قل لهم لا يستويان ولو أعجبكم كثرة الخبيث فانّ السّنخيّة الغالبة فى وجود الاكثر مع الخبيث تقتضى اتّباع الخبيث وكثرته، وعدم السّنخيّة بين الخلق والطّيّب يقتضى عدم اتّباعه وكون القلّة فى جانبه {فَ} لا تنظروا الى الكثرة ولا تغفلوا عن الطّيبوبة و {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى ترك الطّيّب واتّخاذ الخبيث {يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} فانّكم المخاطبون المعتنى بكم لا غيركم فانّهم ليس لهم تميز الطّيّب من الخبيث حتّى يستحقّوا الخطاب بترك الخبيث {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} يعنى ان تسألوا لا محالة عنها فحين ينزّل القرآن نظهره عليكم فقوله حين ينزّل القرآن متعلّق بتبد، عن امير المؤمنين (ع) خطب رسول الله (ص) فقال: "حديث : انّ الله كتب عليكم الحجّ" تفسير : فقال عكاشة بن محصن وروى سراقة بن مالك: افى كلّ عام يا رسول الله (ص) فاعرض عنه حتّى عاد مرّتين او ثلاثاً فقال رسول الله: "حديث : ويحك وما يؤمنك ان اقول: نعم والله لو قلت: نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم ولو تركتم كفرتم فاتركونى ما تركتم فانّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم فاذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، واذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه"تفسير : ، فالمراد بالسّؤال عن اشياء ان تبدلكم تسؤكم كثرة السّؤال والمداقّة فيما كلّفوا به وقد ورد، انّ بنى اسرائيل شدّدوا على انفسهم بكثرة السّؤال والمداقّة عن البقرة الّتى امروا بذبحها فشدّد الله عليهم، وروى انّ صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها فأقلبت فقال عمر غطّى قرطك فانّ قرابتك من رسول الله (ص) لا تنفعك شيئاً فقالت: هل رأيت قرطاً يا ابن اللّخنأ، ثمّ دخلت على رسول الله (ص) وبكت وشكت فخرج رسول الله (ص) فنادى: الصّلوة جامعة فاجتمع النّاس، فقال: "حديث : ما بال أقوام يزعمون انّ قرابتى لا تنفع لو قد قمت المقام المحمود لشفعت فى خارجكم، لا يسألنى اليوم احدٌ من ابوه الاّ اخبرته"تفسير : ، فقام اليه رجلٌ فقال من ابى يا رسول الله؟ - فقال: ابوك غير الّذى تدعى له، ابوك فلان بن فلان، فقام آخر فقال: من ابى يا رسول الله؟ - قال: ابوك الّذى تدعى له ثمّ قال رسول الله (ص) ما بال الّذى يزعم انّ قرابتى لا تنفع لا يسألنى عن ابيه، فقام اليه عمر فقال له اعوذ بالله يا رسول الله (ص) من غضب الله وغضب رسول الله اعف عنّى عفا الله عنك، فأنزل الله الآية وعلى هذا فالمعنى لا تسألوا عن اشياء سترها الله عليكم من انسابكم ان تبد لكم تسؤكم، ويمكن التّعيمم لكلّ ما كان ظهوره سبب الاساءة من التّكاليف والانساب والاخلاق والاوصاف والاعمال من السّائل ومن غيره {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} صفة اخرى لاشياء اى لا تسألوا عن اشياء تركها الله ولم يبيّنها لكم او استيناف لاظهار العفو عن المسئلة الّتى سبقت {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} اى الاشياء الّتى فى ظهورها الاساءة لكم {مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} حيث كرهوها فكفروا بها ولم يقبلوها او كفروا برسلهم (ع) بسببها.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لا يَسْتَوِى}: فضلا عن أن يفوق. {الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ}: عند الله المؤمن والمشرك، والمطيع والعاصى، والمال الحرام والمال الحلال، والمعصية والطاعة، والجهل والعلم، فالخبيث والطيب فى الآية على عمومهما، فالثواب عند الله للمؤمن على طاعته، واجتنابه لمعصيته، واجتنابه المال الحرام، ومنها العلم والعقاب للعاصى على عصيانه بشرك وغيره ان أصر عليه، ومنه أخذ المال الحرام عمداً وجهل فرضه. وقال السدى: المعنى لا يستوى المشرك والمؤمن، ولو كثر المشرك، بل يعاقب المشرك ويثاب المؤمن. وقال الكلبى وعطاء: لا يستوى الحلال والحرام، وقدم ذكر الخبيث لأن ما قبله أقرب الى الوعيد منه الى الوعد، لأن {أية : ما على الرسول الا البلاغ }تفسير : و {أية : أن الله شديد العقاب }تفسير : وعيد، ولأن أكثر الناس كافرون، وليكون أقرب الى قولك لا يصل الخبيث درجة الطيب كقوله تعالى: {أية : لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة }تفسير : ولا يتعين ذلك لمثل قوله تعالى: {أية : قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون }تفسير : فلكل تقديم وتأخير نكتة فى محله، وما وجب تقديمه أو تأخيره فوجوبه لنكتة. {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ}: هذا الخطاب لكل من يعجبه كثرة الخبيث على عموم البدل لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها لا تعجبه، ولو وصيلة، ويجوز أن يكون الخطاب له على أن لو الملتقى على أصلها لا وصيلة، فيقدر لها جواب، أى ولو أعجبك كثرة الخبيث لكان أيضاً عند الله لا يساوى الطيب، ولا يؤثر عاقل المال الحرام ولو كثر. قال جابر بن عبد الله: حديث : نزلت الآية فى رجل قال: يا رسول الله ان الخمر كانت تجارتى فهل ينفعنى ذلك المال ان عملت فيه بطاعة الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "ان الله طيب لا يقبل الا طيباً "تفسير : وهذا الرجل تاجر بالخمر بعد تحريمها، ولذلك كان مالها حراماً لا يجوز انفاقه فى وجوه البر طاعة، وقيل: نزلت الآية فى حجاج اليمامة لما هم المسلمون بهم. {فَاتَّقُوا اللهَ يَآ أُوْلِى الأَلبَابِ}: احذروا عقاب الله، والتهاون بحقه، أو كلام مثل هذا والله أعلم. وقيل بسبب رجل جاءه فقال: من أبى فيما أمركم به ونهاكم عنه يا ذوى العقول الخالصة فلا تؤثروا الخبيث ولو كثر على طيب ولو قل. {لَعَلَكُم تُفْلِحُونَ}: تفوزن عن الخبيث الدائم الى الطيب الدائم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لاَ يَسْتَوِى الخَبِيثُ} من المكلفين والأَعمال والأَقوال والاعتقادات والأَموال {وَالطَّيِّبُ} من هؤلاء، ودخل في ذلك المؤمن والكافر والحلال من الأَموال والحرام {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} سرك أَيها الدنيوى المطلق، وليس خطاباً للنبى صلى الله عليه وسلم، وقيل له والمراد أمته {كَثْرَةُ الخَبِيثِ} لأَن العبرة بالجودة ولو مع قلة، لا الخبث ولو مع كثرة، والجملة قبل لو أَغنت عن جوابه، والواو عاطفة على محذوف، أَى لو لم تعجبك كثرة الخبيث ولو أَعجبتك، وللحال فيفهم حكم عدم الإِعجاب بالأولى فانه إِذا لم يستويا مع الإِعجاب فكيف إِذا انتفى الإِعجاب، ويدل على أَن الكاف للعموم البدلى قوله تعالى: {فاَتَّقُوا اللهَ} بترك الخبيث وفعل الطاعة {يَا أُولىِ الأَلْبَابِ} العقول الخالصة، ومن التقوى ترك التعرض للحاج ولو مشركاً بالقتل والغنم، كما روى أَنهم أَرادوا قتل قوم مشركين من أَهل اليمامة جاءوا إِلى الحج بتجارة عظيمة فنزلت الآية، وقيل: سأَل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مال جمعه من تجره فى الخمر هل ينفعني إِن عملت فيه بطاعة الله عز وجل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أَنفقته في حج أَو جهاد لم يعدل جناح بعوضة، إِن الله لا يقبل إِلا الطيب"تفسير : ، فنزل قول الله تعالى {قل لا يستوى الخبيث} إلخ، ولعل الرجل اتجر بها بعد تحريمها جهالة أَو عمداً وهو موحد. وقيل الأَمر ذلك، ولو اتجر بها قبل إِسلامه فيكون حجة على تحريم ما وجد من ثمن الخمر سابق على التوحيد {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ولا فلاح إِلا بالتقوى.
الالوسي
تفسير : {قُلْ} يا محمد {لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ} أي الردىء والجيد من كل شيء، فهو حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين النوعين والتحذير عن رديها وإن كان سبب النزول أن المسلمين أرادوا أن يوقعوا بحجاج اليمامة وكان معهم تجارة عظيمة فنهوا عن ذلك على ما مر ذكره، وقيل: نزلت في رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : يا رسول الله إن الخمر كانت تجارتي وإني جمعت من بيعها مالاً فهل ينفعني من ذلك [المال] إن عملت فيه بطاعة الله تعالى؟ فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: إن أنفقته في حج أو جهاد [أو صدقة] لم يعدل جناح بعوضة إن الله تعالى لا يقبل إلا الطيبتفسير : . وعن الحسن واختاره الجبائي الخبيث الحرام والطيب الحلال، وأخرج ابن جرير وغيره عن السدي قال: الخبيث هم المشركون والطيب هم المؤمنون وتقديم الخبيث في الذكر للإشعار من أول الأمر بأن القصور الذي ينبـىء عنه عدم الاستواء فيه لا في مقابله، وقد تقدمت الإشارة إلى تحقيقه. {وَلَوْ أَعْجَبَكَ } أي وإن سرك أيها الناظر بعين الاعتبار {كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ}. وقيل الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته والواو لعطف الشرطية على مثلها المقدر. وقيل للحال أي لو لم يعجبك ولو أعجبك وكلتاهما في موضع الحال من فاعل {لاَ يَسْتَوِى} أي لا يستويان كائنين على كل حال مفروض. وقد حذفت الأولى في مثل هذا التركيب لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة فإن الشيء إذا تحقق مع المعارض فلأن يتحقق بدونه أولى. وجواب لو محذوف في الجملتين لدلالة ما قبلهما عليه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِى ٱلألْبَـٰبِ} في تحري الخبيث وإن كثر وآثروا عليه الطيب وإن قل فإن مدار الاعتبار هو الخيرية والرداءة لا الكثرة والقلة وفي الأكثر أحسن كل شيء أقله. ولله در من قال: شعر : والناس ألف منهم كواحد وواحد كالألف إن أمر عنا تفسير : وفي الآية كما قيل إشارة إلى غلبة أهل الإسلام وإن قلوا {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} راجين أن تنالوا الفلاح والفوز بالثواب العظيم والنعيم المقيم.
ابن عاشور
تفسير : لما آذن قوله: {أية : اعلموا أنّ الله شديد العقاب وأنّ الله غفور رحيم}تفسير : [المائدة: 98] وقوله: {أية : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}تفسير : [المائدة: 99] بأنّ الناس فريقان: مطيعون وعصاة، فريق عاندوا الرسول ولم يمتثلوا، وهم من بقي من أهل الشرك ومن عاضدهم من المنافقين، وربما كانوا يظهرون للقبائل أنّهم جمع كثير، وأنّ مثلهم لا يكون على خطأ، فأزال الله الأوهام التي خامرت نفوسهم فكانت فتنة أو حجّة ضالّة يموّه بها بعض منهم على المهتدين من المسلمين. فالآية تؤذن بأن قد وجدت كثرة من أشياء فاسدة خيف أن تستهوي من كانوا بقلّة من الأشياء الصالحة، فيحتمل أن تكون تلك الكثرة كثرة عدد في الناس إذ معلوم في متعارف العرب في الجاهلية وفي أول الإسلام الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها. قال الأعشى:شعر : ولستَ بالأكثرِ منهم حصًى وإنّما العزّة للكاثر تفسير : وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي:شعر : تعيّرنا أنّا قليل عَدِيدنَا تفسير : وقد تعجّب العنبري إذ لام قومه فقال:شعر : لكنّ قومي وإن كانوا ذوي عَدد ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا تفسير : قال السديّ: كثرة الخبيث هم المشركون، والطيّب هم المؤمنون. وهذا المعنى يناسب لو يكون نزول هذه الآية قبل حجّة الوداع حين كان المشركون أكثر عدداً من المسلمين؛ لكن هذه السورة كلّها نزلت في عام حجّة الوداع فيمكن أن تكون إشارة إلى كثرة نصارى العرب في الشام والعراق ومشارف الشام لأنّ المسلمين قد تطلّعوا يومئذٍ إلى تلك الأصقاع، وقيل: أريد منها الحرام والحلال من المال، ونقل عن الحسن. ومعنى {لا يستوي} نفي المساواة، وهي المماثلة والمقاربة والمشابهة. والمقصود منه إثبات المفاضلة بينهما بطريق الكناية، والمقام هو الذي يعيّن الفاضل من المفضول، فإنّ جعل أحدهما خبيثاً والآخر طيّباً يعيّن أنّ المراد تفضيل الطيّب. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : ليسوا سواء} تفسير : في سورة آل عمران (113). ولمّا كان من المعلوم أنّ الخبيث لا يساوي الطيّب وأنّ البون بينهما بعيد، علم السامع من هذا أنّ المقصود استنزال فهمه إلى تمييز الخبيث من الطيّب في كلّ ما يلتبس فيه أحدهما بالآخر، وهذا فتح لبصائر الغافلين كيلا يقعوا في مهواة الالتباس ليعلموا أنّ ثمّة خبيثاً قد التفّ في لباس الحسن فتموّه على الناظرين، ولذلك قال {ولو أعجبك كثرة الخبيث}. فكان الخبيث المقصود في الآية شيئاً تلبّس بالكثرة فراق في أعين الناظرين لكثرته، ففتح أعينهم للتأمّل فيه ليعلموا خبثه ولا تعجبهم كثرته. فقوله: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} من جملة المقول المأمور به النبيءُ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أي قُل لهم هذا كلّه، فالكاف في قوله: {أعجبك} للخطاب، والمخاطب بها غير معيَّن بل كلّ من يصلح للخطاب، مثل {أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار}تفسير : [الأنعام: 27]، أي ولو أعجبَ مُعْجَبا كثرةُ الخبيث. وقد علمت وجه الإعجاب بالكثرة في أول هذه الآية. وليس قوله: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} بمقتض أنّ كلّ خبيث يكون كثيراً ولا أن يكون أكثر من الطيِّب من جنسه، فإنّ طيِّب التَمر والبرّ والثمار أكثر من خبيثها، وإنّما المراد أن لا تعجبكم من الخبيث كثرته إذا كان كثيراً فتصرفكم عن التأمّل من خبثه وتحدُوَكم إلى متابعته لكثرته، أي ولكن انظروا إلى الأشياء بصفاتها ومعانيها لا بأشكالها ومبانيها، أو كثرةُ الخبيث في ذلك الوقت بوفرة أهل الملل الضالّة. والإعجاب يأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : فلا تُعْجبْك أمْوالهم ولا أولادهم} تفسير : في سورة براءة (55). وفي تفسير ابن عرفة قال: «وكنت بحثت مع ابن عبد السلام وقلت له: هذه تدلّ على الترجيح بالكثرة في الشهادة لأنّهم اختلفوا إذا شهد عدلان بأمر وشهد عشرة عدول بضدّه، فالمشهور أن لا فرق بين العشرة والعدلين، وهما متكاملان. وفي المذهب قول آخر بالترجيح بالكثرة. فقوله: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} يدلّ على أنّ الكثرة لها اعتبار بحيث إنّها ما أسقطت هنا إلاّ للخبث، ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه. ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه» اهـــ. والواو في قوله {ولو أعجبك} واو الحال، و{لو} اتّصالية، وقد تقدّم بيان معناهما عند قوله تعالى: {أية : فلن يقبل من أحدهم ملْءُ الأرض ذهباً ولو افتدى به}تفسير : في سورة آل عمران (91). وتفريع قوله: {فاتّقوا الله يا أولى الألباب} على ذلك مؤذن بأنّ الله يريد منّا إعمال النظر في تمييز الخبيث من الطيّب، والبحث عن الحقائق، وعدم الاغترار بالمظاهر الخلابة الكاذبة، فإنّ الأمر بالتقوى يستلزم الأمر بالنظر في تمييز الأفعال حتى يُعرف ما هو تقوى دون غيره. ونظير هذا الاستدلال استدلاللِ العلماء على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: {أية : فاتّقوا الله ما استطعتم}تفسير : [التغابن: 16]، لأنّ ممّا يدخل تحت الاستطاعة الاجتهاد بالنسبة للمتأهّل إليه الثابت له اكتساب أداته. ولذلك قال هنا: {يأولي الألباب} فخاطب الناس بصفة ليؤمىء إلى أنّ خلق العقول فيهم يمكِّنهم من التمييز بين الخبيث والطيّب لاتّباع الطيّب ونبذ الخبيث. ومن أهمّ ما يظهر فيه امتثال هذا الأمر النظر في دلائل صدق دعوى الرسول وأن لا يحتاج في ذلك إلى تطلّب الآيات والخوارق كحال الذين حكى الله عنهم {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] الآية، وأن يميّز بين حال الرسول وحال السحرة والكهّان وإن كان عددهم كثيراً. وقوله: {لعلّكم تفلحون} تقريب لحصول الفلاح بهم إذا اتّقوا هذه التقوى التي منها تمييز الخبيث من الطيّب وعدم الاغترار بكثرة الخبيث وقلّة الطيّب في هذا.
الواحدي
تفسير : {قل لا يستوي الخبيث والطيب} أَيْ: الحرام والحلال {ولو أعجبك كثرة الخبيث} وذلك أنَّ أهل الدُّنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدُّنيا. {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم} نزلت حين حديث : سُئل النبيُّ حتى أحفوه بالمسألة، فقام مُغضباً خطيباً، وقال: لا تسألوني في مقامي هذا عن شيء إلاَّ أخبرتكموه، فقام رجلٌ من بني سهم يُطعن في نسبه فقال: مَنْ أبي؟ فقال: أبوك حذافة، وقام آخر فقال: أين أنا؟ فقال: في النَّارتفسير : ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهاهم أن يسألوه عمَّا يُحزنهم جوابه وإبداؤه، كسؤالِ مَنْ سأل عن موضعه، فقال: في النَّار، {وإن تسألوا عنها} أيْ: عن أشياء {حين ينزل القرآن} فيها {تُبدَ لكم} يعني: ما ينزل فيه القرآن من فرضٍ، أو نهيٍ، أو حكمٍ، ومسَّت الحاجة إلى بيانه، فإذا سالتم عنها حينئذٍ تبدى لكم. {عفا الله عنها} أَيْ: عن مسألتكم ممَّا كرهه النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولا حاجة بكم إلى بيانه. نهاهم أن يعودوا إلى مثل ذلك، وأخبر أنَّه عفا عمَّا فعلوا {والله غفورٌ حليم} لا يعجل بالعقوبة، ثمَّ أخبرهم عن حال مَنْ تكلَّف سؤال ما لم يُكلَّفوا.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأُوْلِي} {ٱلأَلْبَابِ} (100) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ تُخَاطِبُهُمْ: لاَ يَسْتَوي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَلَوْ أعْجَبَكَ، يَا أيُّهَا الإِنْسَانُ، كَثْرَةُ الخَبِيثِ؛ وَقَلِيلٌ مِنَ الحَلاَلِ خَيْرٌ مِنْ كَثيرٍ مِنَ الحَرَامِ الضَّارِّ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى"تفسير : ) فَاتَّقُوا اللهَ يَا ذَوي العُقُولِ الصَّحِيحَةِ المُسْتَقِيمَةِ، وَتَجَنَّبُوا الحَرَامَ، وَاقْنَعُوا بِالحَلاَلِ، وَاكْتَفُوا بِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. وَكَمَا لاَ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، كَذَلِكَ لاَ يَسْتَوِي البَرُّ وَ الفَاجِرُ، وَلاَ المُصْلِحُ وَالمُفْسِدُ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الجَزَاءِ الحَقِّ العَادِلِ. الطَّيِّبُ - هُوَ مَا طَابَ لِلنَّفْسِ أكْلُهُ، وَيُقْصَدُ بِهِ هُنا مَا أَحْلَّ اللهُ. الخَبِيثُ - ضِدُّ الطَّيِّبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن فالخبيث لا يستوي أبداً مع الطيب، بدليل أن الإنسان منا إذا ما ذهب لشراء سلعة فهو يفرز البضاعة ليختار الطيب ويبتعد عن الخبيث. وهذه قضية كونية مثلها تماماً مثل عدم تساوي الأعمى والبصير، وعدم استواء الظلمات والنور. ويأتي الحق إلى المحسات ليأخذ منها ما يوضح لنا الأمر المعنوي. ولذلك يحذرنا أن نغتر بكميات الأشياء ومقدارها، فإن الطيب القليل هو أربى وأعظم وأفضل من الكثير الخبيث. والأمر الطيب قد يرى الإنسان خيره في الدنيا، ومن المؤكد أن خيره في الآخرة أكثر بكثير مما يتصور أحد؛ لأن عمر الآخرة لا نهاية له، أما عمر الدنيا فهو محدود. وكثير من الناس عندما يحضرون قسمة ما، فكل واحد يرغب في أن يأخذ لنفسه النصيب الأكبر؛ لأن الإنسان تغريه الكثرة. وهذا الطمع يشيع الخبث في جميع ما يأخذه الطامع، فالذي يطمع في حفنة من قمح - على سبيل المثال - تزيد على حقه، فهو يفسد حياته بهذا الشيء الخبيث. وذلك كخلط الماء الطاهر بماء نجس فتغلب النجاسة على الماء. إذن فلا يصح أن نحكم على الأشياء بكميتها وقَدْرِها، ولكن يجب أن نحكم على الأشياء بكيفيتها وصفتها وبعمرها في الخير. والمثال الذي لا أمل من تكراره هو التلميذ الذي يكد لمدة عشرين عاماً فهو يتخرج إنساناً له مكانة لائقة، أما التلميذ الذي يقضي عشرين عاماً في اللعب واللهو فهو يتلقى وينال مستقبلا فاشلا مؤلما. إذن، على كل منا أن يقدر النفعية بديمومتها، ولا يغتر بكثرة الخبيث. والمثال يتكرر في حياتنا ولا بد أن نضعه أمام أعيننا لنرعى الله ولا ننساق كما ينساق كثير من الناس إلى هلاكهم، فبعض الناس لا يرتضون قسمة الله في مواريثهم، فيعطي بعضُهم للذكور ولا يعطي للإناث. أو يقلل من نصيب الإناث. ونقول لمن يفعل ذلك: أنت لا تعلم ماذا تفعل. ولو أن ابنك الذكر يعلم أن يد الله في الأشياء لقال لك: ارحمني ولا تزدني؛ لأن الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} تفسير : [النساء: 11]. ولذلك يجب أن ينتبه الناس إلى أن قسمة الله هي أعدل قسمة، وإياك أن تظلم ابناً لك أو قريباً بزيادة فوق ما قدره الله له؛ لأن هذا عين الظلم. فإن فاتت على المورِّث وهو حي نقول لمن أخذ: احذر ولا تقبل ما هو فوق شرع الله وأَعِدْ ما هو فوق حقك. افعل ذلك برجولة الإيمان. وإياك أن تظن أن الذي سيديم الستر لأولادك هو هذه الزيادة التي ليس لك حق فيها؛ لأنك بهذه الزيادة ستقطع الأرحام وتغرس بذور الكراهية والبغض. ولو نظرت إلى هذه المسألة وأقمتها على ما شرعه الله فستجد أن الرزق سيفيض عليك من كل جانب ما دمت قد راعيت حق الله في إرادته التي حكم بها لينشأ الاستطراق الأسري وتظهر العدالة الربانية؛ لذلك يجب ألا يجتريء أحد على قسمة الله؛ لذلك أقول لكل من يقرأ هذه الكلمات ويفكر في الاجتراء على قسمة الله. تُب إلى الله ولا يصح أن تشوه استقامتك الإيمانية. وإياك أن يظن إنسان أنه كأب يمكنه أن يحتاط لأبنائه. فكثيراً ما رأينا أناساً تركهم أهلهم أغنياء وصاروا في عوز وفاقة وفقر، ورأينا أناساً أهلهم فقراء، وأفاض الله عليهم من رزقه، فسبحانه القائل: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. إذن فعلى المؤمن أن يحذر الكثرة إن كان بها شيء خبيث. ولنا العبرة في الحكاية التي حدثت مع أبي جعفر المنصور حينما بويع للخلافة، وذهب الناس يهنئونه بإمارة المؤمنين، ودخل عليه سيدنا مقاتل بن سليمان وكان أحد الواعظين. هنا قال أبو جعفر لنفسه: جاء ليعكر علينا صفو يومنا، سأبدأه قبل أن يبدأني وقال له: عظنا يا مقاتل. قال مقاتل: أعظك بما رأيت أم بما سمعت؟ ذلك أن السمع أكثر من الرؤية، فالرؤية محدودة ومقصورة على ما تدركه العين، لكن السمع متعدد؛ لأن الإنسان قد يسمع أيضاً تجارب غيره من البشر. قال أبو جعفر: تكلم بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين، مات عمر بن عبدالعزيز وقد ترك أحد عشر ولداً. وخلف ثمانية عشر ديناراً كُفن منها بخمسة، واشتروا له قبراً بأربعة، ثم وزع الباقي على ورثته. ومات هشام بن عبدالملك، فكان نصيب إحدى زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، غير الضياع والقصور. كان نصيب الزوجات الأربع هو ثلاثمائة وعشرون ألف دينار، وهذا هو ثُمن التركة فقط. والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت بعيني هاتين في يوم واحد ولداً من أولاد عمر بن عبدالعزيز يحمل على مائة فرس في سبيل الله، وولدا من أولاد هشام بن عبدالملك يسأل الناس في الطريق. إذن فعلى كل منا أن يعرف أنه لم يدخل الدنيا بثروة، وعليه أن يتأدب مع الله ويرعى حق الله، ولا يتدخل في قسمة الله. {قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100]. على المسلم - إذن - أن يستحضر كل ملكاته العقلية حتى يميز الخبيث من الطيب ويرفض الشيء الخبيث؛ لأننا لو تدبرنا الحكم بعقولنا لوصلنا إلى أن حكم الله هو الحكم الحق العادل. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} والفلاح - كما نعلم - مأخوذ من أمر محس وهو فلح الأرض، فالإنسان يأخذ حبة قمح ويزرعها فتعطيه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. والحق سبحانه يسمي لنا كل عمل الآخرة بالفلاح؛ لأن الكلمة لها وقعها الجميل، فإذا كانت الأرض، وهي مخلوقة من مخلوقات الله بما تحتويه من كل العناصر اللازمة للزرع واللازمة لكل حياة، هذه الأرض تعطينا لقاء حبة قمح سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، فكم يعطيك خالق الأرض؟ فاتق الله أيها المسلم ولا تتدخل في قسمة الله، وضع أمامك هذا التوجيه الحكيم الذي ورد في الأثر: شرّكم من ترك عياله بخير وأقبل على الله بشرِّ. وعلى الأبناء الذي ابتلوا بهذا أن يراجعوا الأمر بنخوة إيمانية؛ لأن الأب حينما أحب ابناً له وزاد له في الميراث كان أحمق الحب، وعلى الابن أن يحترم عاطفة الحب، وأن يجازي الأب عنها ويرحمه، فيعيد الأمر إلى نصابه ويعطي كل ذي حق حقه حتى لا يتعرض أبوه لعذاب النار الذي سيناله نتيجة تدخله لصالحه في قسمة الله. ويقول الحق بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { قُلْ } للناس محذرا عن الشر ومرغبا في الخير: { لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } من كل شيء، فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال. { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } فإنه لا ينفع صاحبه شيئا، بل يضره في دينه ودنياه. { فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فأمر أُولي الألباب، أي: أهل العقول الوافية، والآراء الكاملة، فإن الله تعالى يوجه إليهم الخطاب. وهم الذين يؤبه لهم، ويرجى أن يكون فيهم خير. ثم أخبر أن الفلاح متوقف على التقوى التي هي موافقة الله في أمره ونهيه، فمن اتقاه أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل له الخسران وفاتته الأرباح.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):