٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
101
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال: {أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } تفسير : [المائدة: 99] صار التقدير كأنه قال، ما بلغه الرسول إليكم فخذوه، وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه الرسول إليك فلا تسألوا عنه، ولا تخوضوا فيه، فإنكم إن خضتم فيما لا تكليف فيه عليكم فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض الفاسد من التكاليف ما يثقل عليكم ويشق عليكم. الثاني: أنه تعالى لما قال: {مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } وهذا ادعاء منه للرسالة، ثم إن الكفار كانوا يطالبونه بعد ظهور المعجزات،بمعجزات أخر على سبيل التعنت كما قال تعالى حاكياً عنهم {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلاْرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسرار: 90] إلى قوله {أية : قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسرار: 93] والمعنى إني رسول أمرت بتبليغ الرسالة والشرائع والأحكام إليكم، والله تعالى قد أقام الدلالة على صحة دعواي في الرسالة بإظهار أنواع كثيرة من المعجزات، فبعد ذلك طلب الزيادة من باب التحكم وذلك ليس في وسعي ولعل إظهارها يوجب ما يسوءكم مثل أنها لو ظهرت فكل من خالف بعد ذلك استوجب العقاب في الدنيا، ثم إن المسلمين لما سمعوا الكفار يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزات، وقع في قلوبهم ميل إلى ظهورها فعرفوا في هذه الآية أنهم لا ينبغي أن يطلبوا ذلك فربما كان ظهورها يوجب ما يسوءهم. الوجه الثالث: أن هذا متصل بقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } تفسير : [المائدة: 99] فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم. المسألة الثانية: أشياء جمع شيء وأنها غير متصرفة وللنحويين في سبب امتناع الصرف وجوه الأول: قال الخليل وسيبويه: قولنا شيء جمعه في الأصل شيآء على وزن فعلاء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين في آخره، فنقلوا الهمزة الأولى التي هي لام الفعل إلى أول الكلمة فجاءت لفعاء، وذلك يوجب منع الصرف لثلاثة أوجه، واحد منها مذكور، وإثنان خطرا ببالي. أما الأول: وهو المذكور فهو أن الكلمة لما كانت في الأصل على وزن فعلاء، مثل حمراء، لا جرم لم تنصرف كما لم ينصرف حمراء، والثاني: أنها لما كانت في الأصل شيآء ثم جعلت أشياء كان ذلك تشبيهاً بالمعدول كما في عامر وعمر، وزافر وزفر، والعدل أحد أسباب منع الصرف. الثالث: وهو إنا لما قطعنا الحرف الأخير منه وجعلناه أوله، والكلمة من حيث إنها قطع منها الحرف الأخير صارت كنصف الكلمة، ونصف الكلمة لا يقبل الاعراب، ومن حيث إن ذلك الحرف الذي قطعناه منها ما حذفناه بالكلية، بل ألصقناه بأولها، كانت الكلمة كأنها باقية بتمامها، فلا جرم منعناه بعض وجوه الاعراب دون البعض، تنبيهاً على هذه الحالة، فهذا ما خطر بالبال في هذا المقام. الوجه الثاني: في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء: وهو أن أشياء وزنه أفعلاء، كقوله أصدقاء وأصفياء، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء، وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف، فكذا ههنا. الوجه الثالث: ما ذكره الكسائي: وهو أن أشياء على وزن أفعال، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيهاً في الظاهر بحمراء وصفراء، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء، لأن للكسائي أن يقول: القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء، إلا أنه ترك العمل به للنص، لأن النص أقوى من القياس، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول: القياس ذلك فيعمل به، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي. المسألة الثالثة: روى أنس أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة، فقام على المنبر فقال: «حديث : سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به» تفسير : فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال يا نبي الله من أبي فقال: «حديث : أبوك حذافة بن قيس» تفسير : وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله: الحج علينا في كل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثة، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» تفسير : وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي فقال «حديث : في النار» تفسير : ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر وقال: رضينا بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «حديث : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سبباً لتحريم حلال» تفسير : إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عاموكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله تعالى، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. ثم قال تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} وفيه وجوه: الأول: أنه بيّـن بالآية الأولى أن تلك الأشياء التي سألوا عنها أن أبديت لهم ساءتهم ثم بين بهذه الآية أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم، فكان حاصل الكلام أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم. والوجه الثاني: في تأويل الآية أن السؤال على قسمين. أحدهما: السؤال عن شيء لم يجز ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه، فهذا السؤال منهى عنه بقوله {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ }. والنوع الثاني من السؤال: السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي فههنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } والفائدة في ذكر هذا القسم أنه لما منع في الآية الأولى من السؤال أوهم أن جميع أنواع السؤال ممنوع منه فذكر ذلك تمييزاً لهذا القسم عن ذلك القسم. فإن قيل قوله {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا } هذا الضمير عائد إلى الأشياء المذكورة في قوله {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } فكيف يعقل في {أَشْيَاء } بأعيانها أن يكون السؤال عنها ممنوعاً وجائزاً معاً. قلنا: الجواب عنه من وجهين: الأول: جائز أن يكون السؤال عنها ممنوعاً قبل نزول القرآن بها ومأموراً به بعد نزول القرآن بها، والثاني: أنهما وإن كانا نوعين مختلفين، إلا أنهما في كون كل واحد منهما مسؤولاً عنه شيء واحد، فلهذا الوجه حسن اتحاد الضمير وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين. الوجه الثالث في تأويل الآية: إن قوله {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } دل على سؤالاتهم عن تلك الأشياء، فقوله {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا } أي وإن تسألوا عن تلك السؤالات حين ينزل القرآن يبين لكم أن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا، والحاصل أن المراد من هذه الآية أنه يجب السؤال أولاً، وأنه هل يجوز السؤال عن كذا وكذا أم لا. ثم قال تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } وفيه وجوه: الأول: عفا الله عما سلف من مسائلكم وإغضابكم للرسول بسببها، فلا تعودوا إلى مثلها. الثاني: أنه تعالى ذكر أن تلك الأشياء التي سألوا عنها إن أبديت لهم ساءتهم، فقال {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } يعني عما ظهر عند تلك السؤالات مما يسؤكم ويثقل ويشق في التكليف عليكم. الثالث: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها في الآية {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } وهذا ضعيف لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير، وعلى هذا الوجه فقوله {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } أي أمسك عنها وكف عن ذكرها ولم يكلف فيها بشيء، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : عفوت لكم عن صدقة الخيل، والرقيق»تفسير : أي خففت عنكم بإسقاطها. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } وهذه الآية تدل على أن المراد من قوله عفا الله عنها ما ذكرناه في الوجه الأول. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولىٰ روى البخاريّ ومسلم وغيرهما ـ واللفظ للبخاريّ ـ عن أنَس قال: حديث : قال رجل يا نبيّ الله من أَبِي؟ قال: «أبوك فلان» تفسير : قال فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآية. وخرّج أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: حديث : «فواللَّهِ لا تسألوني عن شيء إلاَّ أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: «النار». فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبِي يا رسول الله فقال: «أبوك حُذَافة» تفسير : وذكر الحديث قال ابن عبد البر: عبد الله بن حُذَافة أسلم قديماً، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بَدْراً وكانت فيه دُعَابة، وكان رسولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولما قال من أبي يا رسول الله؛ قال: حديث : «أَبوكَ حُذافة» قالت له أُمُّه: ما سمعتُ بابن أعقّ منك آمنتَ أن تكون أُمك قَارَفْت ما يُقارِف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناستفسير : !. فقال: والله لو ألحقنى بعبد أسود للحقت به. وروى الترمذيّ والدَّارَقُطْنِيّ حديث : عن عليّ رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله أفي كلّ عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كلّ عام؟ قال: «لا ولو قلتُ نعم لَوَجَبَت» تفسير : فأنزل الله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} إلى آخر الآية. واللفظ للدَّارَقُطْنِيّ سِئل البخاريّ عن هذا الحديث فقال: هو حديث حسن إلاَّ أنه مُرسَل؛ أبو البَخْتَرِيّ لم يُدرك علياً، واسمه سعيد. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ أيضاً عن أبي عِياض حديث : عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأيها الناس كتب عليكم الحج» فقام رجل فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه، ثم عاد فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فقال: «ومن القائل» قالوا: فلان؛ قال: «والذي نفسي بيده لو قلت نَعَم لَوَجَبت ولو وَجَبت ما أطقتموها ولو لم تُطيقوها لكفَرتم» فأنزل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الآيةتفسير : . وقال الحسن البصري في هذه الآية: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور الجاهلية التي عفا الله عنها، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه. ورَوى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البَحِيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحَام؛ وهو قول سعيد بن جُبَير؛ وقال: ألا ترى أن بعده {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}تفسير : [المائدة:103] قلت: وفي الصحيح والمسند كفاية. ويحتمل أن تكون الآية نزلت جواباً للجميع، فيكون السؤال قريباً بعضه من بعض. والله أعلم. و «أشياء» وزنه أفعال؛ ولم يصرف لأنه مشبه بحمراء؛ قاله الكسائي. وقيل: وزنه أَفْعلاء؛ كقولك: هَيْن وأَهْوِناء؛ عن الفرّاء والأخفش ويُصغّر فيقال: «أُشَيَّاء؛ قال المازِني: يجب أن يُصغَر شُيَيْآت كما يصغر أصدقاء؛ في المؤنث صُدَيْقات وفي المذكر صُدَيْقون. الثانية ـ قال ابن عون: سألت نافعاً عن قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} فقال: لم تزل المسائل منذ قطّ تكره. روى مسلم عن المغيرة بن شُعْبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنّ الله حرّم عليكم عُقوق الأمهات وَوَأْد البنات وَمَنْعاً وهات وكرِه لكم ثلاثاً قِيلَ وقالَ وكثرةَ السّؤالِ وإضاعة المالِ » تفسير : . قال كثير من العلماء: المراد بقوله «وكثرة السؤال» التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تَنطُّعاً، وتكلفاً فيما لم ينزل، والأغلوطات وتشقيق المولدات، وقد كان السّلف يكرهون ذلك ويرونه من التكليف ويقولون؛ إذا نزلت النازلة وُفِّق المسؤولُ لها. قال مالك: أدركت أهل هذا البلد وما عندهم علم غير الكتاب والسنة، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل المُرَاد بكثرة المسائل كثرة سؤال الناس الأموال والحوائج إلحاحاً واستكثاراً؛ وقاله أيضاً مالك. وقيل: المراد بكثرة المسائل السؤال عما لا يعني من أحوال الناس بحيث يؤدّي ذلك إلى كشف عوراتهم والاطلاع على مساوئهم. وهذا مثل قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } تفسير : [الحجرات: 12] قال آبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولذلك قال بعض أصحابنا متى قُدِّم إليه طعام لم يسأل عنه من أين هذا أو عُرض عليه شيء يشتريه لم يسأل من أين هو، وحَمَل أمور المسلمين على السلامة والصحة. قلت: والوجه حمل الحديث على عمومه فيتناول جميع تلك الوجوه كلها. والله أعلم. الثالثة ـ قال ابن العربي: اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقاً بهذه الآية وليس كذلك؛ لأن هذه الآية مصرّحة بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المسَاءةُ في جوابه، ولا مَسَاءَة في جواب نوازل الوقت فافترقا. قلت: قوله اعتقد قوم من الغافلين فيه قبح، وإنما كان الأولى به أن يقول: ذهب قوم إلى تحريم أسئلة النوازل، لكنه جرى على عادته، وإنما قلنا كان أولى به؛ لأنه قد كان قوم من السلف يكرهها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن؛ ذكره الدَّارِمي في مسنده؛ وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان حدّث فيه بالذي يَعلم، وإن قالوا: لم يكن قال فذروه حتى يكون. وأسند عن عَمَار بن يَاسِر وقد سئل عن مسئلة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا؛ قال: دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشَّمناها لكم. قال الدَّارِمي: حدّثنا عبدالله بن محمد بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فُضَيل عن عطاء عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسئلة حتى قُبض، كلهن في القرآن؛ منهن { أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 217]، { أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [البقرة: 222] وشبهه ما كانوا يسألون إلا عمّا ينفعهم. الرابعة ـ قال ابن عبد البر: السؤال اليوم لا يُخاف منه أن ينزل تحريم ولا تحليل من أجله، فمن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونَفى الجهل عن نفسه، باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه، فلا بأس به، فشفاء العِي السؤال؛ ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره؛ قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة، وإيضاح سُبُل النظر، وتحصيل مقدّمات الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد؛ فإذا عرضت نازلة أُتيت من بابها، ونُشدت في مظانها، والله يفتح في صوابها. الخامسة ـ قوله تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فيه غموض، وذلك أن في أوّل الآية النهي عن السؤال، ثم قال: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فأباحه لهم؛ فقيل: المعنى وإن تسألوا عن غيرها فيما مست الحاجة إليه، فحذف المضاف، ولا يصح حمله على غير الحذف. قال الجُرْجاني: الكناية في «عنها» ترجع إلى أشياء أخر؛ كقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} يعني آدم، ثم قال: { أية : ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً } تفسير : [المؤمنون: 13] أي ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين، لكن لما ذكر الإنسان وهو آدم دلّ على إنسان مثله، وعُرف ذلك بقرينة الحال؛ فالمعنى وإن تسألوا عن أشياء حين يُنزَّل القرآن من تحليل أو تحريم أو حُكْم، أو مسّت حاجتكم إلى التفسير، فإذا سألتم فحينئذٍ تُبد لكم؛ فقد أباح هذا النوع من السؤال: ومثاله أنه بيّن عِدّة المطلقة والمتوفى عنها زوجها والحامل، ولم يجر ذكر عِدّةِ التي ليست بذات قُرء ولا حامل، فسألوا عنها فنزل { أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [الطلاق: 4]. فالنهي إذا في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه؛ فأما ما مسّت الحاجة إليه فلا. السادسة ـ قوله تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي عن المسئلة التي سلفت منهم. وقيل: عن الأشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية وما جرى مجراها. وقيل: العفو بمعنى الترك؛ أي تركها ولم يُعرف بها في حلال ولا حرام فهو معفو عنها فلا تبحثوا عنه فلعله إن ظهر لكم حكمه ساءكم. وكان عُبيد بن عُمير يقول: إن الله أحل وحرّم فما أحلّ فاستحلوه، وما حرّم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحلّلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله، ثم يتلو هذه الآية. وخرّج الدَّارقُطْني عن أبي ثَعْلبة الخُشَني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله تعالى فرض فرائض فلا تُضيعوها وحَرّم حُرُمات فلا تَنتهكوها وحَدّد حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها » تفسير : والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير؛ أي لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي أمسك عن ذكرها فلم يوجب فيها حُكماً. وقيل: ليس فيه تقديم ولا تأخير؛ بل المعنى قد عفا الله عن مسألتكم التي سلفت، وإن كرهها النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تعودوا لأمثالها. فقوله: «عنها» أي عن المسئلة، أو عن السؤالات كما ذكرناه. السابعة ـ قوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} أخبر تعالى أن قوماً من قبلنا قد سألوا آياتٍ مثلها، فلما أعطوها وفرضت عليهم كفروا بها، وقالوا: ليست من عند الله؛ وذلك كسؤال قوم صالح الناقة، وأصحاب عيسى المائدة؛ وهذا تحذير ممّا وقع فيه من سبق من الأمم. والله أعلم. الثامنة ـ إن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السّؤال والنّهي عنه، يعارضه قوله تعالى: { أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 43 والأنبياء: 7] فالجواب؛ أن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرّر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به؛ ولم يذكره في كتابه. والله أعلم. التاسعة ـ روى مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جُرماً من سأل عن شيء لم يُحرَّم على المسلمين فحُرم عليهم من أجل مسئلته » تفسير : ، قال القُشَيْري أبو نصر: ولو لم يسأل العَجْلاني عن الزِّنى لما ثبت اللِّعَان. قال أبو الفرج الجَوْزي: هذا محمول على من سأل عن الشيء عَنَتاً وعَبثاً فعوقب بسوء قصده بتحريم ما سأل عنه؛ والتحريم يَعمّ. العاشرة ـ قال علماؤنا: لا تعلق للقَدَرية بهذا الحديث في أن الله تعالى يفعل شيئاً من أجل شيء وبسببه، تعالى الله عن ذلك؛ فإنّ الله على كل شيء قدير، وهو بكل شيء عليم؛ بل السبب والداعي فعل من أفعاله، لكن سبق القضاء والقدر أن يحرم الشيء المسئول عنه إذا وقع السؤال فيه؛ لا أن السؤال موجب للتحريم، وعلّة له. ومثله كثير { أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23].
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل لما أكثروا سؤاله صلى الله عليه وسلم { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ } تظهر {لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } لما فيها من المشقة { وَإن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ} أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم {تُبْدَ لَكُمْ } المعنى إذا سألتم عن أشياء في زمنه ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا عنها قد {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } عن مسألتكم فلا تعودوا {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} لما أحفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسألة صعد المنبر يوماً، فقال: "حديث : لا تسألوني عن شيء إلا بيّنته " تفسير : فلف كل إنسان منهم ثوبه في رأسه يبكي، فقال رجل كان يدعى إذا لاحى لغير أبيه: يا رسول الله، من أبي قالوا: أبوك حذافة فأنزل الله {لا تَسْئَلُواْ}، أو لما قال: كتب الله عليكم الحج فقيل له أفي كل عام؟ فقال: لو قلت نعم لوجبت، اسكتوا عني ما سكت عنكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، أو في قوم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة، والوصيلة والحامي. {وَإِن تَسْئَلُواْ} نزول القرآن عند السؤال موجب لتعجيل الجواب {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} المسألة، أو الأشياء التي سألوا عنها.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ينزل} من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب {شهادة} بالتنوين {آلله} بالمد: روح وزيد. الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول. {الأولين} جمع الأول نقيض الآخر. سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون {الأوليان} تثنية الأولى الأحق {الغيوب} بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في {ساحر} وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون {سحر} {هل تستطيع} بتاء الخطاب {ربك} بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع {أن ينزل} بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد {منزلها} بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر. الباقون بالتخفيف {فإني أعذبه} بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع {وأمي} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص {لي أن} بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الباقون بالسكون {يوم ينفع} بفتح الميم: نافع. الباقون بالرفع. الوقوف: {تسؤكم} ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف. {تبدلكم} ط {عنها} ط {حليم} ه {كافرين} ه {ولا حام} لا للاستدراك. {الكذب} ط { لا يعقلون} ه {آبائنا} ط { ولا يهتدون} ه { أنفسكم} ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين {إذا اهتديتم} ط {تعملون} ه {مصيبة الموت} ط {قربى} ز لأن وقوله {ولا نكتم} من جواب القسم. {شهادة} ط لمن قرأ {آلله} بالمد {الآثمين} ه {وما اعتدينا} ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله { وما اعتدينا} ز {الظالمين} ه {أيمانهم} ط لابتداء الأمر {واسمعوا} ط {الفاسقين} ه {أجبتم} ط { لنا } ط {الغيوب} ه {والدتك} لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك {وكهلاً} ج {والإنجيل} ج {والأبرص بإذني} ج {الموتى} ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم { سحر مبين} ه {وبرسولي} ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في {إذ أوحيت} {مسلمون} {من السماء} الأولى ط {مؤمنين} ه {الشاهدين} ه {وآية منك} ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض {الرازقين} ه {عليكم} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {العالمين} ه {من دون الله} ط {ما ليس لي} ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على {بحق} {علمته} ط {نفسك} ط {الغيوب} ه {وربكم} ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت {فيهم} ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها {عليهم} ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء {شهيد} ه {عبادك} ج لابتداء الشرط مع الواو {الحكيم} ه {صدقهم} ط لاختلاف الجملتين بلا عطف {أبداً} ط {عنه} ط {العظيم} ه {وما فيهن} ط {قدير} ه. التفسير: حديث : عن أنس أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به. فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك تفسير : - حديث : ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: في النارتفسير : . ولما اشتد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً. فأنزل الله هذه الآية. فهي عائدة إلى قوله {ما على الرسول إلا البلاغ} كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم. وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] إلى تمام الآية. وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله {أية : والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} تفسير : [ النور: 29] فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم. وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء". وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء". وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء. ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع. والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة. فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" تفسير : وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله تعالى فاقبلوه. وقال أبو ثعلبة إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن} أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم {تبد لكم} تلك الأمور أو التكاليف. فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم. وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله {لا تسألوا} والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: {وإن تسألوا} رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل. وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة. وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم. والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل {عفا الله عنها} أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه تعالى ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف. وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها. والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث "حديث : عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" تفسير : أي خفف عنكم بإسقاطها {قد سألها} يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا {قوم من قبلكم} سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى عليه السلام فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى عليه السلام فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً. ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها. ومعنى {ما جعل} ما حكم بذلك ولا شرع. والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق. وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول. قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً. وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض. يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها. وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة. وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل. وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها. وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه. قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت. فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟ فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله تعالى فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها. وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق. {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه "حديث : لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" تفسير : والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم {وأكثرهم لا يعقلون} يعني العوام والأتباع. ثم رد على أهل التقليد بقوله {وإذا قيل لهم} الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة. فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل. قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله تعالى بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم {حسبنا ما وجدنا} فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ. ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه. تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه. وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل. فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقابتفسير : . وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى {عليكم أنفسكم} احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات {لا يضركم} ضلال {من ضل إذا اهتديتم} فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم {أية : فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} تفسير : [النساء:84] وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله. وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر. وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله تعالى الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق. وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} تفسير : [فاطر: 8] وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان. ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال:حديث : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملهتفسير : . وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت. ثم إنه سبحانه لما أمر بحفظ النفس في قوله {عليكم أنفسكم} أمر بحفظ المال. عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة. فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات. ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. ومعنى { شهادة بينكم} شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر. وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع {وإذا حضر} ظرف للشهادة {حين الوصية} بدل منه. وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان. وارتفع {اثنان} على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان. وفي قوله {منكم} و {من غيركم} قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن {منكم} أي من أقاربكم و {من غيركم} أي من الأجانب. والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين. وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به. وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن {منكم} أي من أهل ملتكم و {من غيركم} أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن. قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة. فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما. والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في {منكم} لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه تعالى أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة. وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة. وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً. ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله تعالى {أية : وأشهدوا ذوى عدل منكم} تفسير : [الطلاق:2] وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله تعالى وعلى رسله. وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام. وموقع {تحبسونهما} أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟ فقيل {تحبسونهما من بعد الصلاة} قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما. وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله تعالى فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها. وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد. وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان. ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية. والمقسم عليه قوله {لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى} وقوله {إن ارتبتم} اعتراض، والضمير في {به}، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله {شهداء لله ولو على أنفسكم} وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل {أية : ولا نكتم شهادة الله} تفسير : [النساء: 135] التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها {إنا إذاً لمن الآثمين} أي إذا كتمناها كنا من الآثمين. ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل {شهادة} ثم ابتدأ {الله} بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه. وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله {فإن عثر} قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه. والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - {فآخران} خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران {يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم} قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته. وفي التفسير الكبير أنه المال. وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال. وارتفع {الأوليان} على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟ فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في {يقومان} أو من {آخران} ويجوز أن يرتفع بـ {استحق} أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه. وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم. ومن قرأ {الأوّلين} على الجمع فعلى أنه نعت لـ {الذين استحق عليهم} أو منصوب على المدح. ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله {يا أيها الذين آمنوا} وكذلك {اثنان ذوا عدل منكم} ذكرا قبل قوله قرأ {أو آخران من غيركم} ومن قرأ {استحق} على البناء للفاعل {عليهم الأوليان} فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين. وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان. روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة. وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه. فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟ فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا. فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {فإن عثر على أنهما استحقا} الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر {لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا} في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء اليهما وإلى أولياء الميت. وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله تعالى. وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت {ذلك} الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى {أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي كما هو في الواقع {أو يخافوا أن تردّ} في مثل هذه القضية {أيمان} على الورثة {بعد أيمانهم} وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم. والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف {واتقوا الله } في الأيمان {واسمعوا } مواعظه سماع قبول {والله لا يهدي القوم الفاسقين} الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه. قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً. وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ. ثم إنه سبحانه ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال { يوم يجمع الله الرسل} قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله {لا يهدي} أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو {قالوا } وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها. و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم. وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد. ثم ظاهر قوله {لا علم لنا} يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} تفسير : [النساء: 41] الآية مشكل. فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم. ولا يرد عليه قوله {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : [الأنبياء: 31] {أية : ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} تفسير : [يونس:62] لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً. وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟ فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره. وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم. وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم. وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها. وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباً والأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب. وقرىء {علام الغيوب} بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله {أنت} أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب {علام الغيوب} على الاختصاص أو على النداء. ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى عليه السلام واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله، سبحانه باتخاذ الصاحبة والولد. وموضع {إذ قال} رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من {يوم يجمع} وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا. ومحل {يا عيسى} مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال {نعمتي عليك} أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس. وإنما قال: {وعلى والدتك} لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق. {إذ أيدتك} بدل {من نعمتي} أي قوّيتك {بروح القدس} أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة {تكلم الناس} حكاية حال ماضية { في المهد وكهلاً} في هاتين الحالتين من غير تفاوت {وإذ علمتك الكتاب} الخط أو جنس الكتب {والحكمة} النظرية والعلمية {والتوراة والإنجيل} يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة {فتنفخ فيها} الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في {فتكون} والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة. وكرر {بإذني} أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده. {وإذ كففت} يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله تعالى برفعه إلى السماء. {إن هذا إلا سحر مبين} من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل. واللام في {البينات} يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة. وذكر قول الكفار في حقه {إن هذا إلا سحر مبين} يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه. شعر : وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل تفسير : ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات. {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا} إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله {أية : وأوحى ربك إلى النحل} تفسير : [النحل:68] {أية : وأوحينا إلى أم موسى} تفسير : [القصص:7] وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله تعالى. وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم. وانقادوا بظواهرهم {هل يستطيع ربك} من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟ ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟ وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا {وتطمئن قلوبنا} ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة. ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟ ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه. ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟ يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه. قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها. وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان. وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه. وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل {أية : عشية راضية} تفسير : [الحاقة:21] أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين. قال عيسى {اتقوا الله} في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم. وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} تفسير : [الطلاق:3،2] فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله تعالى فإنه يعطيكم. وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة {تكون لنا عيداً} صفة للمائدة أو استئناف. وقرىء بالجزم جواباً للأمر. كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً. والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد {لأولنا وآخرنا} بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع. وقرىء {لأولانا وأخرانا} بمعنى الأمة أو الجماعة. فقول عيسى {ربنا} ابتداء بذكر الحق {وأنزل علينا} انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله {تكون لنا عيداً} إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم. وقوله {وآية منك} إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله {وارزقنا} إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال {وأنت خير الرازقين} وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة. اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك {منزلها} بالتخفيف والتشديد بمعنى. وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة {عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين } قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير. وقيل: قردة. وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة. {وعذاباً} نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في {لا أعذبه} للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم. واختلف في أن عيسى عليه السلام سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل. أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة. وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه سبحانه وعد إنزالها بقوله {إني منزلها عليكم} ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم. روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة. ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك. فقام عيسى عليه السلام فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين. فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله. فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية. ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير. وقيل إن عيسى عليه السلام كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، {وإذ قال الله} معطوف على مثله. والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم} وقيل: هذا عند رفع عيسى عليه السلام نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك. {أأنت قلت} استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى. قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى عليه السلام وأمه مع القول بنفي إلهية الله تعالى. وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله سبحانه في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم. وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله {من دون الله} أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث. أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق تعالى عن ذلك ولهذا قال عيسى {سبحانك} أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك. ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله { ما يكون} أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة. ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال {أن كنت قلته فقد علمته} ثم علل ذلك بقوله {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك. وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله {إنك أنت علام الغيوب} "أن" في قوله {أن اعبدوا الله} إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما. أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن". وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ {اعبدوا الله} لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من {ما أمرتني} والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في {به} لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد. فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة. قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله {وكنت عليهم شهيداً} كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير {ما دمت فيهم} مدة دوامي فيما بينهم {فلما توفيتني} بالرفع إلى السماء {كنت أنت الرقيب} الحافظ {عليهم} المراقب لأحوالهم {وأنت على كل شيء شهيد} من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور. {وإن تغفر لهم} فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله تعالى لا يغفر الشرك؟ والجواب أن قوله لعيسى عليه السلام {أأنت قلت الناس} مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله تعالى مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى عليه السلام، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه. أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم {فإنك أنت العزيز} القادر على ما تريد {الحكيم} في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله {فإنك أنت الغفور الرحيم} وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه تعالى، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة. قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى عليه السلام لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم لفساق أمته أولى {هذا يوم ينفع} من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ {قال}، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت. وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: شعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا تفسير : أو مثل "لا" في قوله تعالى {أية : يوم لا تملك} تفسير : [الانفطار: 19] وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة. والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال {أية : إن الله وعدكم وعد الحق} تفسير : [إبراهيم: 22] فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه. وفي هذا الكلام تصديق من الله تعالى لعيسى في قوله {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} {رضي الله عنهم ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات:56] وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه. {ذلك الفوز العظيم} إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان {ما فيهن} لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء. واعلم أنه سبحانه افتتح السورة بقوله {أية : أوفوا بالعقود} تفسير : [المائدة: 1] وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق! وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن سبحانه مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا. وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه {لله ملك السموات والأرض} كقوله {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} تفسير : [غافر: 16] ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله {أية : وكذلك نرى إبراهيم} تفسير : [الأنعام:75] {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى} تفسير : [النجم:18] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أرنا الأشياء كما هي"تفسير : . وقال الخضر لموسى عليه السلام {أية : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء} تفسير : [الكهف:70] وقال موسى في الثالثة {أية : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني} تفسير : [الكهف:76] فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم. وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن} أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. {والله غفور} لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال {حليم} لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال {قد سألها قوم من قبلكم} كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال {ما جعل الله من بحيرة} قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم {ولا سائبة} هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة {ولا وصيلة} هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد {ولا حام} وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} من الأحكام {وإلى الرسول} لمتابعته {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} أي مشايخنا وأهل صحبتنا {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً} من الشريعة والطريقة {ولا يهتدون} إلى الحقيقة. {عليكم أنفسكم} أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً {إلى الله مرجعكم جميعاً} فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية {إذا حضر أحدكم الموت} أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان { اثنان ذوا عدل منكم} هما العقل والسر من الروحانيات، {أو آخران} من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات. فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب. {إن أنتم ضربتم في الأرض} أي سافرتم في السفليات {فأصابتكم مصيبة الموت} أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت {تحبسونهما} إن كنتم في بعد من الروحانيات {من بعد الصلاة} من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً. {فإن عثر على أنهما استحقا إثماً} بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية {فآخران} من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني {لشهادتنا أحق من شهادتهما} لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ. {أن يأتوا بالشهادة على وجهها} أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة. {ماذا أجبتم قالوا} وهم مستغرقون في بحر الشهود. {لا علم لنا} اي ببواطن الأمور وحقائقها. {وإذ أوحيت إلى الحواريين} أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا. إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا { يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته. ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة} الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية {تكون لنا} أي لأهل الحق والصدق {عيداً} نفرح بها {لأولنا وآخرنا} أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله {وأنت خير الرازقين } لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.{فمن يكفر بعد منكم} بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه"تفسير : {أأنت قلت للناس} الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته سبحانه أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟ {إنك أنت علام الغيوب} الغيب ما غاب عن الخلق. ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ...} الآية: اختلف الرواةُ في سببها، والظاهرُ مِنَ الروايات أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَلَحّت علَيْه الأعراب والجُهَّال بأنواع من السؤالاتِ، حَسْبَما هو معلومٌ في الروايات، فزَجَرهم اللَّه تعالَىٰ عَنْ ذلك بهذه الآيةِ، وأشْيَاء: اسمٌ لجَمْعِ شيْءٍ، قال ابنُ عباس: معنى الآية: لا تسأَلُوا عن أشياء في ضِمْن الأنباء عنْها مساءَةٌ لكم؛ إما بتكليفٍ شرعيٍّ يلزمكم، وإما بخَبَر يسوءُكم، ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وٱبتدأكم ربُّكم بأمر، فحينئذٍ إنْ سألتم عن تَفْصيله وبَيَانِهِ بُيِّنَ لكم، وأُبْدِيَ، ويحتملُ قوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ}؛ أنْ يكون في معنى الوعيدِ؛ كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم، لَقِيتُمْ غِبَّ ذلك وصعوبته، قال النوويُّ: وعن أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فَرَائِضَ؛ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً؛ فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ؛ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ؛ رَحْمَةً بِكُمْ، لاَ عَنْ نِسْيَانٍ؛ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا»تفسير : ، ورُوِّينَاه في «سنن الدارقطنيِّ». انتهى، وفي «صحيح البخاريِّ»، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «حديث : دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَٱخْتِلاَفِهِمْ عَلَىٰ أَنْبِيَائِهِمْ، فَإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَٱجْتَنِبُوهُ، وَإذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ»تفسير : . انتهى. و {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا}: معناه: تركَها، ولم يُعَرِّفْ بها، {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} قال الطبريُّ: كقومِ صالحٍ؛ في سؤالهم الناقة؛ وكبني إسرائيل؛ في سؤالهم المائدةَ، أي: وكطلب الأممِ قديماً التعمُّقَ في الدِّين من أنبيائها، ثم لم تَفِ بما كُلِّفَت.
ابن عادل
تفسير : في اتِّصال [هذه الآية] بما قَبْلَها وجوه: أحدها: أنَّه تعالى لمَّا قال {أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [المائدة: 99] كأنَّه قال: ما بلَّغَهُ الرَّسُول إلَيْكُم، فَخُذُوهُ وكونوا مُنْقَادِين لَهُ، وما لم يُبَلِّغْهُ إليكم، فلا تسْألوا عنه، ولا تخُوضُوا فيه، فإنَّكُم إنْ خضتم فيما لا تكليف فيه عَلَيْكم، فربَّما جَاءَكُمْ بسبب ذلك الخَوْضِ من التَّكْلِيف ما يَثْقُل عليْكم ويَشُقُّ. وثانيها: أنَّه تعالى لما قال {أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تفسير : [المائدة: 99] وهذا ادعَاءٌ منهُ للرِّسالةِ، ثُمَّ الكُفَّار كانوا يُطالِبُونَهُ بعدَ ظُهُورِ المُعْجِزَاتِ بمُعْجِزاتٍ أُخَر على سبيلِ التَّعَنُّتِ، كما حَكَى عَنْهُم قولهمُ: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُر لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء: 90]، إلى قوله: {أية : قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 93]، والمعنى: أنِّي رسولٌ أمِرْتُ بتبْليغِ الشَّرائِعِ والأحْكَام إلَيْكُم، واللَّه تعالى قد أقامَ الدلالة على صِحَّةِ دعْوَى الرِّسالة بإظْهَارِ أنواعٍ كثيرةٍ من المُعْجِزَات، وطلبُ الزِّيادة بَعْدَ ذلك من بابِ التَّعَنُّتِ، وذلك لَيْس في وُسْعِي، ولعلَّ إظْهَارَها يوجبُ ما يَسُوؤكُم، مثل أنَّها لو ظَهَرَتْ فكُلُّ من خالفَ بعد ذلك، اسْتَوْجَبَ العِقَابَ في الدُّنيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلمِينَ لمَّا سَمِعُوا مُطالبَةَ الكُفَّار للرَّسُولِ بهذه المُعْجِزَاتِ، وقع في قُلوبِهِم مَيْلٌ إلى ظُهُورها، فَعَرفُوا في هذه الآية أنَّهم لا يَنْبَغِي أن يُطالِبُوا ذلك، فربما كان ظُهُورها يُوجبُ ما يَسُوؤهُم. وثالثها: أنَّ هذا مُتَّصِلٌ بقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [المائدة: 99]، فاتركُوا الأمُورَ على ظَوَاهِرِهَا، ولا تَسْألُوا عن أحْوال مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكُم تَسُؤكُمْ. قوله تعالى: "عَنْ أشْيَاءَ": متعلق بـ "تَسْألُوا". واختلف النحويُّون في "أشْيَاء" على خمسة مذاهب: أحدها - وهو رأي الخليل وسيبويه والمازنيِّ وجمهور البصريين -: أنها اسمُ جمعٍ من لفظ "شَيْء"، فهي مفردةٌ لفظاً جمعٌ معنًى؛ كـ "طَرْفَاء"، و"قَصْبَاء"، وأصلها: "شَيْئاء" بهمزتين بينهما ألفٌ، ووزنها فعلاء؛ كـ "طَرْفَاء"، فاستثقلوا اجتماع همزتين بينهما ألفٌ، لا سيما وقد سبقها حرفُ علَّة، وهي الياءُ، وكَثُر دورُ هذه اللفظةِ في لسانهم، فقلبوا الكلمةَ بأنْ قَدَّمُوا لامَها، وهي الهمزةُ الأولى على فائها، وهي الشين؛ فقالوا "أشْيَاء" فصارَ وزنُها "لَفْعَاء"، ومُنِعَتْ من الصرف؛ لألف التأنيث الممدودة، ورُجِّح هذا المذهبُ بأنه لم يلزمْ منه شيءٌ غيرُ القَلْب، والقلبُ في لسانهم كثيرٌ كـ "الجَاهِ، والحَادِي، والقسيِّ، وناءَ، وآدُرٍ، وآرَامٍ، وضِئَاء في قراءة قُنْبُل، وأيِسَ"، والأصل: "وَجهٌ، وواحِدٌ، وقُووسٌ، ونَأى، وأدْوُرٌ، وأرَامٌ، وضِيَاء، ويَئِسَ"، واعترضَ بعضُهم على هذا بأن القلْبَ على خلافِ الأصْلِ، وأنه لم يَرِدْ إلا ضرورةً، أو في قليلٍ من الكلام، وهذا مردودٌ بما قدَّمْتُه من الأمثلةِ، ونحن لا نُنْكِرُ أنَّ القلبَ غير مُطَّردٍ؛ وأما الشاذُّ القليلُ، فنحو قولهم: "رَعَمْلِي" في "لَعَمْرِي"، و"شَوَاعِي" في "شَوَائع"؛ قال: [الكامل] شعر : 2055- وكَأنَّ أوْلاَهَا كِعَابُ مُقَامِرٍ ضُرِبَتْ على شُزُنٍ فَهُنَّ شَوَاعِي تفسير : [يريد شَوَائِع]. وأمَّا المذاهبُ الآتية، فإنه يَرِدُ عليها إشكالاتٌ، هذا المذهبُ سالمٌ منها؛ فلذلك اعتبره الجُمْهُور دون غيره. وقال ابنُ الخطيبِ: منعَ الصَّرْفُ لثلاثة أوجهٍ: أحدها: ما تقدَّم، وهو أنَّ هذه الكلمةَ لمَّا كانَتْ في الأصْلِ على وزن "فَعْلاء" مثل "حَمْرَاء"، فلم يتَصَرَّفْ كَحَمْرَاء. وثانيها: لمَّا كانَتْ في الأصْل "شيآء"، ثُمَّ جُعِلَت أشْيَاء مَنَعَ ذَلِكَ الصَّرْف. وثالثها: أنَّا لمَّا قَطَعْنَا الحَرْفَ الأخِيرَ منهُ، وجَعَلْنَاهُ أوَّلَه، والكَلِمَةُ إذا قُطِع منها الحرْفُ الأخيرُ صارت كنصْفِ كَلِمَة، ونِصْفُ الكلمةِ لا تَقْبَلُ الإعراب، ومن حيث إنَّ ذلك الحَرْفَ الذي قَطَعْنَاهُ، لم نحذِفْهُ بالكُلِّيَّة، بل ألصَقْنَاهُ بأوَّلِ الكَلِمَةِ، فَكَأنَّها بَاقِيَةٌ بِتَمامِهَا، فلا جرم مَنَعْنَاهُ في بَعْضِ وُجُوه الإعراب دون البَعْض. الثاني - وبه قال الفراء -: أن "أشْيَاء" جمع لـ "شَيْء"، والأصل في "شَيْء": "شَيِّئ" على "فَيْعلٍ" كـ "لَيِّن"، ثم خُفِّفَ إلى "شَيْء"؛ كما خففوا لَيناً، وهَيِّناً، وميِّتاً إلى لَيْنٍ، وهيْنٍ، وميْتٍ، ثم جمعه بعد تخفيفه، وأصله "أشْيِئَاء" بهمزتين بينهما ألفٌ بعد ياءٍ بزنة "أفْعِلاء"، فاجتمع همزتان: لامُ الكلمة والتي للتأنيث، والألف تشبهُ الهمزة والجَمْعُ ثقيلٌ، فخَفَّفُوا الكلمة؛ بأن قلبوا الهمزة الأولى ياءً؛ لانكسار ما قبلها، فيجتمع ياءان، أولاهما مكسورةٌ، فحذفوا الياء التي هي عينُ الكلمة تخفيفاً، فصارت "أشْيَاء"، ووزنها الآن بعد الحذف "أفْلاء" فمَنْعُ الصرف؛ لأجْلِ ألفِ التأنيثِ، وهذه طريقةُ بعضهم في تَصْريف هذا المذهب؛ كمكي بن ابي طالب، وقال بعضهم كأبي البقاء: لمَّا صارت إلى أشْيِئَاء، حُذِفَتِ الهمزة الثانيةُ التي هي لام الكلمة؛ لأنَّها بها حصل الثِّقَلُ، وفُتِحَتِ الياءُ المكسورةُ؛ لتسلمَ ألف الجَمْعِ، فصار وزنُها: أفْعَاء. المذهب الثالث - وبه قال الأخفش -: أنَّ أشْياء جمعُ "شَيْءٍ" [بزنة فَلْسٍ، أي: ليس مخفَّفاً من "شَيِّىء"، كما يقوله الفرَّاء، بل جمع "شَيْء"]، وقال: إنَّ فَعْلاً يجمعُ على أفْعِلاَء، فصار أشْيِئَاء بهمزتَيْنِ بينهما ألفٌ بعد ياء، ثم عُمِلَ فيه ما عُمِلَ في مذْهَب الفرَّاء، والطريقانِ المذْكُوران عن مَكِّيٍّ وأبي البقاء في تصريف هذا المذهب جاريان هنا، وأكثر المصنِّفين يذكرون مذهب الفرَّاء عنه وعن الأخفش، قال مكي: "وقال الفرَّاء والأخفش؛ والزياديُّ: "أشْيَاء" وزنها "أفْعِلاء"، وأصلها "أشْيِئَاء"؛ كـ "هَيِّنٍ وأهْوِنَاء"، لكنه خُفِّفَ". ثم ذكر تصريفَ الكلمةِ إلى آخره، وقال أبو البقاء: "وقال الأخفشُ والفراء: أصلُ الكلمةِ "شَيِّىء" مثل "هَيِّنٍ"، ثم خُفِّف بالحذف"، وذكر التصريف إلى آخره، فهؤلاء نقلوا مذهبهما شيئاً واحداً، والحقُّ ما ذكرته عنهُما؛ ويدلُّ على ما قلته ما قاله الواحديُّ؛ فإنه قال: "وذهبَ الفرَّاء في هذ الحرف مذهب الأخفش"، غير أنه خلطَ حين ادَّعى أنها كهَيْنٍ وليْنٍ حين جمعا على أهْوِنَاء وألْيِنَاء، وهَيْنٍ تخفيف "هَيِّن"؛ فلذلك جاز جمعه على أفْعِلاء، وشَيْء ليس مخفَّفاً من "شَيِّىء" حتى يُجْمَعَ على أفْعِلاء، وهذان المذهَبَان - أعني مذهب الفراء والأخفشِ - وإن سَلِمَا من منع الصَّرْف بغير علَّة، فقد ردَّهُمَا الناس، قال الزجَّاج: "وهذا القَوْلُ غَلَطٌ؛ لأنَّ "شَيئاً" فعلٌ، وفعلٌ لا يجمعُ على أفْعِلاء، فأما هَيِّنٌ وليِّنٌ، فأصلُه: هَيِينٌ ولَيِينٌ، فجُمِعَ على أفعلاء، كما يُجْمَعُ فَعِيلٌ على أفعلاء؛ مثل: نَصِيب وأنْصِبَاء" قال شهاب الدين: وهذا غريبٌ جدًّا، أعني كونه جعل أنَّ أصلَ "هيِّن" "هَيِين" بزنة فعيلٍ، وكذا ليِّنٌ ولَيِينٌ، ولذلك صرح بتشبيههما بنصيبٍ، والناسُ يقولون: إنَّ هَيِّناً أصله هَيْونٌ، كميِّتٍ أصله مَيْوتٌ، ثم أعِلَّ الإعلال المعروف، وأصل ليِّنٍ: لَيْينٌ بياءين، الأولى ساكنة والثانية مكسورةٌ، فأدغمتِ الأولى، والاشتقاقُ يساعدُهم؛ فإن الهيِّنَ من هانَ يَهُونُ، ولأنَّهم حين جمعوه على أفعلاء أظْهَرُوا الواو، فقالوا: أهْوِنَاء. وقال الزجَّاج: "إنَّ المازنيَّ ناظر الأخفش في هذه المسألة، فقال له: كيف تُصَغِّرُ أشْيَاء؟ قال: أقول فيها أُشيَّاء. فقال المازنيُّ: لو كانت أفعالاً، لرُدَّتْ في التصغير إلى واحدهَا، وقيل: شُيَيْئَات، مثل شُعَيْعات، وإجماعُ البصريِّين أن تصغير "أصدقَاء" إن كان لمؤنث "صُدَيِّقَات"، وإن كان لمذكر: "صُدَيقُونَ" فانقطع الأخْفَشُ"، وبَسْطُ هذا أنَّ الجمع المُكَسَّرَ، إذا صُغِّرَ: فإمَّا أن يكون من جموع القلَّة، وهي أربعٌ على الصحيح: أفْعِلَةٌ وأفْعُل وأفْعَالٌ وفِعْلَةٌ، فيُصَغَّرُ على لفظه، وإن كان من جموع الكثرة فلا يُصغَّر على لفظه على الصحيح، وإنْ وردَ منه شيءٌ، عُدَّ شَاذًّا كـ "أصَيْلان" تصغير "أصْلاَن" جمع "أصيل"، بل يُرَدُّ إلى واحده؛ فإن كان من غير العقلاء، صُغِّرَ وجُمِعَ بالألف والتاء، فتقول في تصغير حُمُرٍ جمع حِمارٍ: "حُمَيْرات"، وإن كان من العقلاء صُغِّرَ وجمع بالواو والنون، فتقول في تصغير "رِجَال": "رُجَيْلُونَ"، وإن كان اسم جمعٍ كـ "قَوْم" و"رَهْط" أو اسم جنسٍ، كـ "قَمَر" و"شَجَر" صُغِّر على لفظه كسائر المفردات، رجعنا إلى "أشْيَاء"، فتصغيرُهم لها على لفظها يَدُلُّ على أنها اسمُ جمع؛ لأنَّ اسم الجمع يُصَغَّر على لفظه، نحو: "رُهَيْط" و"قُوَيْم"، وليس بجمعِ تكسيرٍ؛ إذ هي من جموعِ الكثرة، ولم تُرَدَّ إلى واحدها، وهذا لازمٌ للأخفشِ؛ لأنه بصريٌّ، والبصريُّ لا بدَّ وأن يفعل ذلك، وأصَيْلان عنده شاذٌ، فلا يقاسُ عليه، وفي عبارة مَكِّيٍّ قال: "وأيضاً فإنه يلزمُهُم أن يُصَغِّروا "أشْيَاء" على "شُوَيَّات"، أو على "شُيَيْئَات"، وذلك لم يَقُلْه أحد". قال شهاب الدين: قوله "شُوَيَّات" ليس بجيِّد؛ فإن هذا ليس موضع قلب الياء واواً، ألا ترى أنك إذا صغَّرْتَ بيتاً، قلت: بُيَيْتاً لا بُوَيْتاً، إلاَّ أنّ الكوفيِّين يُجيزُونَ ذلك، فيمكنُ أن يُرَى رأيهم، وقد ردَّ مكيٌّ أيضاً مذهب الفراء والأخفش بشيئين: أحدهما: أنه يلزمُ منه عدمُ النظير؛ إذ لم يقع "أفْعِلاء" جمعاً لـ "فَيْعِل" فيكون هذا نظيرهُ، وهَيِّن وأهْوِنَاء شاذٌّ لا يقاس عليه. والثاني: أن حذفه واعتلاله مُجْرى على غير قياسٍ، فهذا القولُ خارجٌ في جمعه واعتلاله عن القياس والسَّماع. المذهب الرابع - وهو قول الكسائي وأبي حاتم -: أنها جمعُ شيءٍ على أفعالٍ كـ "بَيْتٍ" و"أبْيَاتٍ" و"ضَيْفٍ" و"أضْيَافٍ"، واعترض الناس هذا القول؛ بأنه يلزم منه منعُ الصرفِ بغير علته؛ إذ لو كان على "أفْعَال"، لانصرفَ كأبْيَاتٍ، قال الزجَّاج "أجمع البصريُّون وأكثر الكوفيِّين على أن قول الكسائيِّ خطأٌ، وألزموه ألاَّ يصرفَ أنْبَاء وأسْمَاء". قال شهاب الدين: والكسائيُّ قد استشعر بهذا الردِّ، فاعتذر عنه، ولكن بما لا يُقْبَلُ، قال الكسائيُّ - رحمه الله -: "هي - أي أشياء - على وزن أفعالٍ، ولكنها كَثُرَتْ في الكلام، فأشبهَتْ فعلاء، فلم تُصْرَف كما لم يُصْرَفْ حَمْرَاء"، قال: "وجَمَعُوهَا أشَاوَى، كما جمعوا عذرَاء وعَذارَى، وصَحْرَاء وصَحَارى، وأشْيَاوَات كما قيل حَمْرَاوَات"، يعني أنهم عاملوا "أشْيَاء"، وإن كانت على أفعالٍ معاملةَ حَمْرَاء وعَذْرَاء في جمعي التكسير والتصحيح، إلا أن الفرَّاء والزجَّاج اعترضا على هذا الاعتذار، فقال الفرَّاء: "لو كان كما قال، لكان أملكَ الوجهين أنْ تُجْرَى؛ لأن الحرْفَ إذا كَثُرَ في الكلام، خَفَّ وجاز أن يُجْرَى كما كَثُرَتِ التسميةُ بـ "يَزِيدَ"، وأجروه في النَّكرة، وفيه ياءٌ زائدةٌ تَمْنَعُ من الإجراء". والمراد بالإجراء الصرْفُ، وقال الزجَّاج: "أجمع البصريون وأكثر الكوفيِّين" وقد تقدَّم آنفاً، وقال مكي: وقال الكسائيُّ وأبو عُبَيْد: لم تَنْصَرِفْ - أي أشياء -؛ لأنها أشبهت "حَمْرَاء"؛ لأن العرب تقول: "أشْيَاوَات" كما تقول: "حَمْرَاوَات" قال: "ويلزمُهما ألاَّ يَصْرِفَا في الجمْعِ أسْمَاء وأبْنَاء لقول العرب فيهما: أسْمَاوَات وأبْنَاوَات"، وقد تقدَّم شرح هذا، ثم إنَّ مَكِّيًّا - رحمه الله - بعد أن ذكر عن الكسائيِّ ما تقدَّم، ونقل مذهب الأخفشِ والفرَّاء، قال: "قال أبو حاتم: أشياء أفعال جمع شَيءٍ كأبياتٍ" فهذا يُوهِمُ أن مذهب الكسائيِّ المتقدِّمَ غيرُ هذا المذهب، وليس كذلك، بل هو هو، وقد أجاب بعضهم عن الكسائيِّ بأن النحويِّين قد اعتبروا في باب ما لا يَنصرِفُ الشبه اللفظيَّ، دون المعنويَّ، يَدُلُّ على ذلك مسألةُ "سَراويلَ" في لغةِ مَنْ يمنعُه؛ فإنَّ فيه تأويليْن: أحدهما: أنه مفردٌ أعجميٌّ، حُمِلَ على مُوازنِهِ في العربيَّة، أي صيغة مصابيح مثلاً؛ ويدُلُّ له أيضاً أنهم أجروا ألف الإلحاقِ المقْصُورة مُجْرَى ألف التأنيث المقْصُورة، ولكن مع العلميَّة، فاعتبروا مُجَرَّدَ الصُّورة. المذهب الخامس: أنَّ وزنها "أفْعِلاء" أيضاً جَمْعاً لـ "شَييءٍ" بزنة "ظَرِيفٍ"، وفعيلٌ يجمع على أفْعِلاء، كـ "نَصِيبٍ وأنْصِبَاء"، و"صَديقٍ وأصْدِقَاء"، ثم حُذِفت الهمزة الأولى التي هي لامُ الكلمة، وفُتحتِ الياءُ؛ لتسلمَ ألفُ الجمع؛ فصارت أشياء، ووزنُها بعد الحذف أفْعَاء، وجعله مَكِّيٌّ في التصريف كتصريف [مذهب] الأخفشِ؛ من حيث إنه تُبْدَلُ الهمزة ياءً، ثم تُحْذفُ إحدى الياءين، قال - رحمه الله -: "وحَسَّنَ الحذفَ في الجمع حَذْفُها في الواحد، وإنما حُذِفَتْ من الواحد؛ تخفيفاً لكثرة الاستعمال؛ إذ "شَيْء" يقعُ على كل مُسَمًّى من عرضٍ، أو جوهرٍ، أو جسمٍ، فلم ينصرفْ لهمزةِ التأنيثِ في الجمع"، قال: "وهذا قولٌ حسنٌ جارٍ في الجَمْعِ، وتُرِكَ الصرفُ على القياس، لولا أنَّ التصغير يعترضُهُ، كما اعترض الأخْفَش". قال شهاب الدين: قوله "هذا قول حسن"، فيه نظر؛ لكثرة ما يَرِدُ عليه، وهو ظاهر ممَّا تقدَّم، ولمَّا ذكر أبو حيان هذا المذهب، قال في تصريفه: "ثمَّ حذفتِ الهمزة الأولى، وفتحت ياءُ المدِّ؛ لكون ما بعدها ألفاً"، قال: وَزْنُهَا في هذا القولِ إلى "أفْيَاء"، وفي القول قبله إلى "أفْلاء"، كذا رأيته "أفْيَاء"، بالياء، وهذا غلطٌ فاحشٌ، ثم إنِّي جوَّزتُ أن يكون هذا غلطاً عليه من الكاتبِ، وإنما كانت "أفْعَاء" بالعين، فصحَّفها الكاتب إلى "أفْيَاء"، وقد ردَّ الناس هذا القول: بأنَّ أصل شَيْء: "شَيِيءٌ" بزنة "صديقٍ" دعوى من غير دليل، وبأنه كان ينبغي ألاَّ يُصَغَّر على لفظه، بل يُرَدُّ إلى مفرده؛ كما تقدم تحريره. وقد تلخص القول في "أشْيَاء": أنها هَلْ هي اسمُ جمعٍ، وأصلها "شَيْئَاء"؛ كطَرْفَاء، ثم قُلِبت لامُها قبل فائِها، فصار وزنُها "لَفْعَاء" أو جمعٌ صريحٌ؟ وإذا قيل بأنها جمعٌ صريحٌ، فهل أصلها "أفْعِلاء" ثم تحذفُ، فتصير إلى "أفْعَاء" أو "أفْلاَء"، أو أنَّ وزنها "أفْعَال"؛ كأبْيَات. قوله تعالى: "إنْ تُبْدَ" شرط، وجوابه "تَسُؤكُمْ"، وهذه الجملة الشرطية في محلِّ جرِّ صفةً لـ "أشْيَاء"، وكذا الشرطيَّة المعطوفة أيضاً، وقرأ ابن عبَّاس: "إنَّ تَبْدُ لَكُمْ تَسُؤكُمْ" ببناء الفعليْنِ للفاعلِ، مع كون حرف المضارعةِ تاءً مثنَّاةً من فوقُ، والفاعل ضميرُ "أشْياء"، وقرأ الشعبي - فيما نقله عنه أبو محمَّد بن عطيَّة: "إنْ يَبْدُ" بفتح الياء من تحتُ، وضم الدال، "يَسُؤكُمْ" بفتح الياء من تحتُ، والفاعل ضميرٌ عائدٌ على ما يليق تقديره بالمعنى، أي: إنْ يَبْدُ لكُمْ جوابُ سؤالكُمْ أو سُؤلُكُمْ، يَسُؤكُمْ، ولا جائزٌ أن تعود على "أشْيَاء"؛ لأنه جارٍ مجرَى المؤنَّث المجازيِّ، ومتى أسند فعلٌ إلى ضمير مؤنَّثٍ مطلقاً، وجبَ لَحَاقُ العلامة على الصحيح، ولا يُلتفتُ لضرورة الشعر، ونقل غيره عن الشعبيِّ؛ أنه قرأ: "يُبْدَ لَكُمْ يَسُؤكُمْ" بالياء من تحت فيهما، إلا أنه ضمَّ الياء الأولى وفتح الثانية، والمعنى: إن يُبْدَ - أي يُظْهَر - السؤالُ عَنْهَا، يَسُؤكُمْ ذلك السُّؤالُ، أي: جوابُهُ، أو هُوَ؛ لأنه سببٌ في ذلك والمُبْدِيه هو اللَّهُ تعالى، والضميرُ في "عَنْهَا" يحتمل أن يعود على نوعِ الأشياءِ المنهِيِّ عنها، لا عليها أنفسها، قاله ابن عطيَّة، ونقله الواحديُّ عن صاحب "النَّظمِ"، ونظَّرهُ بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] يعني آدم، "ثُمَّ جعلْنَاهُ" قال "يعني ابنَ آدَمَ" فعاد الضميرُ على ما دلَّ عليه الأول، ويحتملُ أن يعود عليها أنْفُسِها، قاله الزمخشريُّ بمعناه. قوله: {حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ} في هذا الظرفِ احتمالان: أظهرهما: أنه منصوبٌ بـ "تسْألُوا"، قال الزمخشريُّ: "وإنْ تَسْألُوا عنها: عن هذه التكاليفِ الصعبةِ، حين يُنَزَّلُ القرآنُ: في زمانِ الوحي، وهو ما دام الرسولُ بين أظْهُرِكُمْ يُوحَى إليه تَبْدُ لكم تلك التكاليفُ التي تَسُؤكُمْ وتُؤمَرُوا بتحمُّلِها، فَتُعَرِّضُوا أنفسكُمْ لِغَضَبِ اللَّهِ؛ لتفريطكم فيها"، ومن هنا قلنا: إنَّ الضمير في "عَنْهَا" عائدٌ على الأشياءِ الأولِ، لا على نوعها. والثاني: أنَّ الظرف منصوبٌ بـ "تُبْدَ لَكُمْ"، أي: تَظْهَرْ لكم تلك الأشياءُ حين نُزُولِ القرآنِ، قال بعضهم: "في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ؛ لأنَّ التقدير: عن أشياءَ، إنْ تُسْألوا عَنْهَا، تُبْدَ لكم حين نُزولِ القرآنِ، وإن تُبْدَ لَكُمْ، تَسُؤكُمْ"، ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب، لا أنه لا يقالُ في ذلك تقديمٌ وتأخيرٌ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً، فلا فرق، ولكن إنما قُدِّم هذا أولاً على قوله: "وإنْ تَسْألُوا"؛ لفائدةٍ، وهي الزجرُ عن السؤالِ؛ فإنه قدَّم لهم أنَّ سؤالهم عن أشياء متى ظهرتْ، أساءتهم قبل أن يُخْبِرَهم بأنهم إنْ سألُوا عنها، بدتْ لهم لينزجرُوا، وهو معنًى لائقٌ. قوله: {عَفَا الله عَنْهَا} فيه وجهان: أحدهما: أنه في محلِّ جرٍّ؛ لأنه صفةٌ أخرى لـ "أشياء"، والضميرُ على هذا في "عَنْهَا" يعود على "أشْيَاء"، ولا حاجة إلى ادِّعاء التقديم والتأخيرِ في هذا؛ كما قاله بعضهم، قال: "تقديرُه: لا تَسْألُوا عن أشْيَاءَ عفا الله عَنْهَا إنْ تُبْدَ لَكُمْ إلى آخر الآية"؛ لأنَّ كلاًّ من الجملتين الشرطيَتَيْنِ وهذه الجملة صفةٌ لـ "أشْيَاء"، فمِنْ أين أنَّ هذه الجملةَ مستحقةٌ للتقديمِ على ما قبلها؟ وكأنَّ هذا القائل إنَّما قدَّرَها متقدِّمةً؛ ليتضحَ أنها صفةٌ لا مستأنفةٌ. والثاني: أنها لا محلَّ لها؛ لاستئنافها، والضميرُ في "عَنْهَا" على هذا يعودُ على المسألةِ المدُلولِ عليها بـ "لا تَسْألُوا"، ويجوزُ أنْ تعودَ على "أشْيَاء"، وإنْ كان في الوجه الأولِ يتعيَّن هذا؛ لضرورةِ الربطِ بين الصفةِ والموصوف. فصل في سبب نزول الآية في سببِ نزولِ الآية: ما روى [قتادة] عن أنسْ: حديث : سألوا رسُول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أحفوه بالمسْئَلَةِ، فغضِبَ فصَعَد المِنْبَر، قال: "لا تَسْألونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلاَّ بَيَّنْتُهُ لكم"، فجعلتُ أنظر يميناً وشمالاً، فإذا كلّ رَجُل لاف رأسَهُ في ثوبِه يَبكِي، فإذا [رَجُلٌ] كان [إذا] لاقى الرِّجالَ يُدْعَى لغير أبيه، فقال: يا رسُول اللَّهِ، من أبِي؟ قال: "حُذافَةُ"، ثم أنشأ عُمر - رضي الله عنه - فقال: رضينا باللَّه رَبًّا وبالإسْلام ديناً، وبمُحَمَّدٍ رسُولاً، نعوذُ باللَّه من الفِتَنِ، فقال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "ما رأيتُ في الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطّ، إنه صُوِّرتْ لي الجنَّةُ والنَّارُ حتَّى رَأيْتُهُمَا ورَاءَ الحَائِطِ" "تفسير : وكان قتادةُ يَذْكُر عِنْدَ هذا الحديثِ هذه الآية. وقال يونُسُ عن [ابن] شهابٍ: أخْبَرَنِي عُبَيْد الله بن عبد الله قال: قالتْ أمُّ عبد الله بن حُذافةَ لعبد الله بن حُذافَة: ما سمعت بابْن قَطُّ أعقَّ منك أأمنت أن تكُونَ أمُّكَ قد فارقت بعْضَ ما يُفارق نساء الجاهليَّةِ، فتَفْضَحَهَا على أعْيُنِ النَّاسِ؟ قال عبد الله بن حُذَافة: "واللَّهِ لَوْ ألْحَقَنِي بعبْدٍ أسْوَد [لَلَحِقْتُه]". ورُوِيَ أنَّ عُمَر قال: "يا رسُول الله، أنا حَدِيثُ عَهْدٍ [بجاهلية]، فاعفُ عنَّا يَعْفُ اللَّهُ عَنْكَ، فسكَنَ غَضَبُهُ". وروى ابْنُ عبَّاسٍ قال: كان قومٌ يَسْألُون رسُول الله صلى الله عليه وسلم استهْزَاءً، فيقول الرجل مَنْ أبِي؟ ويقولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أين نَاقَتِي؟ فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية. ورُوِيَ عن عَلِيٍّ بن أبِي طالبٍ - رضي الله عنه - قال: لمَّا نزلت {أية : وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران: 97]، قال سُرَاقَةُ بن مالكٍ:- حديث : ويروى عكاشَةُ بن محصن - يا رسُول اللَّهِ أفي كُلِّ عامٍ؟ فأعْرَضَ عنهُ، فعاد مَرَّتَيْنِ أوْ ثلاثاً، فقال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم "مَا يُؤمنكَ أنْ أقُولَ: نَعَمْ، واللَّهِ لو قُلْتُ: نَعَمْ لوَجَبَتْ، وَلَو وَجَبَتْ ما استطعْتُم، فاتْركُوُنِي ما تَرَكْتُكُمْ، فإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِم، واخْتِلافِهِم على أنْبِيَائِهم، فإذا أمَرْتُكُمْ بأمْرٍ فأتُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكُم عَنْ شيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ"" تفسير : فأنْزَل اللَّهُ هذه الآية. فإنَّ من سألَ عن الحَجِّ لَمْ يَأمَنْ أنْ يُؤمَرَ به في كُلِّ عامٍ فَيَسُوؤهُ، ومن سألَ عن نَسَبِهِ لمْ يَأمَنْ أن يُلْحِقَه بِغيرِهِ، فَيَفْتَضِحَ. وقال مُجَاهِد: نزلت حين سَألُوا رسُول اللَّهَ صلى الله عليه وسلم عن البحيرةِ، والسَّائِبةِ، والوصِيلَةِ، والْحَامِ، ألا تَرَاهُ ذكرهَا بَعْدَ ذَلِكَ. وكان عُبَيْد اللَّهِ بن عُمَيْر يقول: إنْ اللَّهَ إنْ أحَلَّ أحِلُّوا، وإن حرَّمَ اجْتَنِبُوا، ولو تَرَكَ بين ذلك أشياءَ لم يُحَلِّلْهَا ولمْ يُحَرِّمها، فذلك عَفْوٌ من اللَّهِ، ثمَّ يَتْلُو هذه الآية. وقال أبُو ثَعْلَبَة الخشني: إنَّ اللَّه تعالى بيَّنَ في الآية الأولى فرضَ فرائِضَ فلا تُضَيِّعُوهَا، ونَهَى عن أشياء فلا تَنْتَهِكُوهَا، وحَدَّ حُدُوداً فلا تَعْتَدُوها، وعَفَا عن أشْيَاءَ من غير نِسْيَانٍ فلا تَبْحَثُوا عنها، ثم إنَّ تلك الأشياء التي سألُوا عنها ظهر لهم ما يسوؤهم. وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "حديث : إن من أعْظَمِ المُسْلِمين في المُسْلِمين جُرْماً، من سألَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحرَّم فَحُرِّم من أجْلِ مَسْألَتِهِ ". تفسير : وقوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} معناه: إن صَبَرْتُمْ حتَّى [ينزل] القرآنُ بحكم من فرضٍ أو نهيٍ، وليسَ في ظاهرهِ شَرْح ما بكم فيه حَاجَةٌ، ومَسَّتْ حَاجَتُكُمْ إليه، فإذَا سَألْتُم عَنْهَا حينئذْ تُبْدَ لَكُم {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. واعلم أنَّ السُّؤالَ على قسمَيْن: أحدهما: السُّوالُ عن شَيْءٍ لَمْ يَجْرِ ذكْرُه في الكتابِ والسُّنَّة بوجه من الوُجُوه، فهذا السُّؤالُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لهذه الآية. والقسم الثاني: السُّؤال عن شيء نزل به القُرآنُ، لكنَّ السَّامِع لَمْ يَفْهَمْهُ كما يَنْبَغِي، فَههُنَا يَجِبُ السُّؤالُ عنه، وهُوَ مَعْنَى قوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ}. والفائِدَةُ في ذِكْرِ هذا القسْمِ؛ أنَّه لما منعَ في الآيَةِ الأولَى من السُّؤالِ، أوْهَمَ أنَّ جَمِيع أنْوَاع السُّؤال مَمْنُوع منه، فذكرَ ذلك تَمْيِيزاً لهذا القِسْمِ عن ذَلِكَ. فإن قيل: قوله: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا}، هذا الضَّمِيرُ عائدٌ إلى الأشياء المذكُورَة في قوله: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ}، فكيف يُعقلُ في "أشْياء" بأعْيَانِهَا أن يكون السُّؤال عنهَا مَمْنُوعاً وجَائِزاً معاً؟. فالجوابُ من وَجْهَيْن: الأول: جاز أن يكون السُّؤالُ عنها مَمْنُوعاً قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِهَا، ومأمُوراً بها بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بها. الثاني: أنَّهُمَا وإن كانا نَوْعَيْن مُخْتلِفَين، إلاَّ أنَّهُمَا في كوْنِ كلِّ منهما واحدٌ مَسْؤولٌ عنه شَيْءٌ واحِدٌ، فلهذا الوجه حَسُنَ اتِّحَاد الضَّمِير، وإن كان في الحَقيقَةِ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْن. فإن قيل: ما ذكر من كراهةِ السُّؤالِ والنَّهْي عنْهُ يُعَارِضُهُ قوله تعالى: {أية : فَسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 7] فالجواب: هذا الذي أمَرَ اللَّهُ به عِبَادَهُ، هو ما تَقرَّرَ وثَبَتَ وُجُوبُهُ، مِمَّا يَجِبُ عليهم العملُ به، والَّذِي نَهَى عنه هو ما لَمْ يَقْصِد اللَّهُ به عِبَاده، ولم يَذْكُرْهُ في كِتَابِهِ. قوله: "قَدْ سَألَهَا": الضميرُ في "سَألَهَا" ظاهرُه يعود على "أشْيَاء"، لكن قال الزمخشري: "فإن قلتَ: كيف قال: لا تَسْألُوا عنْ أشْيَاء، ثم قال: "قَدْ سَألَهَا" ولم يقل سأل عنها؟ قلت: ليس يعودُ على أشياء؛ حتى يتعدَّى إليها بـ "عَنْ"، وإنما يعودُ على المسألةِ المدلولِ عليها بقوله: "لا تَسْألُوا"، أي: قد سأل المَسْألَةَ قومٌ، ثم أصبحُوا بها - أي بمَرْجُوعِهَا - كافِرِين"، ونحا ابن عطية منْحَاهُ، قال أبو حيان: "ولا يتَّجِه قولُهما إلا على حذفِ مضافٍ، وقد صَرَّحَ به بعضُ المفسِّرين، أي: قد سأل أمثالها، أي: أمثالَ هذه المسألةِ، أو أمثال هذه السؤالاتِ"، وقال الحُوفِيُّ في "سَألَهَا": "الظاهرُ عَوْدُ الضَّميرِ على "أشْيَاء" ولا يتّجه حَمْلُه على ظاهره، لا من جهة اللفظ العربيِّ، ولا من جهةِ المعنى، أمَّا من جهة اللفظ: فلأنه كان ينبغي أن يُعَدَّى بـ "عَنْ" كما عُدِّيَ في الأوَّل، وأمَّا من جهة المعنى، فلأنَّ المسئُول عنه مختلفٌ قَطْعَاً؛ فإنَّ سؤالهم غيرُ سؤالِ من قبلهم؛ فإنَّ سؤال هؤلاء مثلُ من سَألَ: أيْنَ نَاقَتِي، وما فِي بَطْنِ نَاقَتِي، وأيْنَ أبِي، وأيْنَ مَدْخَلِي؟ وسؤالُ أولئك غيرُ هذا؛ نَحْو: {أية : أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً} تفسير : [المائدة: 114] {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] {أية : ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهاً} تفسير : [الأعراف: 138] وسؤال ثمود الناقة، ونحوه". وقال الواحديُّ - ناقلاً عن الجرجانيِّ -: وهذا السؤالُ في هذه الآيات يخالفُ معنى السؤال في قوله: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أشْيَاءَ} {وَإِن تَسْألُوا عنها}؛ ألا ترى أنَّ السؤال في الآية الأولى قد عُدِّيَ بالجارِّ، وها هنا لم يُعَدَّ بالجارِّ؛ لأن السؤالَ ها هنا طلبٌ لعينِ الشيء؛ نحو: "سَألْتُكَ دِرْهَماً" أي طلبته منْكَ، والسؤالُ في الآية الأولى سؤالٌ عن حالِ الشيء وكيفيَّتِهِ، وإنما عطف بقوله {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} على ما قبلَها وليستْ بمثلِها في التأويل؛ لأنه إنما نهاهم عن تكليف ما لم يُكَلَّفُوا، وهو مرفوعٌ عنْهم فهُمَا يَشْتَرِكَانِ في وصفٍ واحدٍ، وهو أنَّه خوضٌ في الفُضُولِ، وفيما لا حَاجَةَ إلَيْه. وقيل: يجوز أن يعود على "أشْيَاء" لفظاً لا معنًى؛ كما قال النحويُّون في مسألة: "عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ"، أي: ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، ومنه: [الطويل] شعر : 2056- وَكُلُّ أُناسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ونَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ تفسير : فصل وقرأ النَّخَعِيُّ: "سَالَهَا" بالإمالة من غير همزٍ وهما لغتان، ومنه يتساولان فإمالتُه لـ "سَألَ" كإمالة حمزة "خَافَ"، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البقرةِ عند قوله {أية : فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ} تفسير : [البقرة: 61] و{أية : سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [البقرة: 211]. قال المُفَسِّرُون: يَعْنِي قوْمَ صَالِح، سَألُوا النَّاقَةَ ثُمَّ عَقَرُوهَا، وقومَ مُوسى، قالوا: أرنَا اللَّهَ جَهْرةً، فصارَ ذلِكَ وَبَالاً عليهم، وبَنُو إسْرَائيل قالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ: {أية : ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 246] وقالوا: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ} تفسير : [البقرة: 247] فسَألُوا ثمَّ كَفَرُوا، فكأنَّه تعالى يَقُول: أولَئِكَ سَألُوا، فلما أعْطُوا سُؤلَهُم ساءَهُم ذلك، فلا تَسْألوا شيئاً فَلَعَلُّكم إنْ أعطيتُمْ سُؤلكم، ساءكم ذلك. قوله: "مِنْ قَبْلِكُمْ" متعلق بقوله: "سَألَهَا"، فإنْ قيل: هَلْ يجوزُ أن يكون صفةً لـ "قوم"؟ فالجواب: منعَ من ذلك جماعةٌ معتلِّين بأنَّ ظَرْفَ الزمان لا يقعُ خبراً، ولا صفةً، ولا حالاً عن الجُثَّة، وقد تقدَّم نحوُ هذا في أوَّلِ البقرة عند قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 21]، فإنَّ الصلةَ كالصفة، و"بِهَا" متعلِّق بـ "كَافرينَ"، وإنما قُدِّم لأجْلِ الفواصل.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال "خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال رجل: من أبي؟ قال فلان، فنزلت هذه الآية {لا تسألوا عن أشياء}". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق قتادة عن أنس "حديث : في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} أن الناس سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فخرج ذات يوم حتى صعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أنبأتكم به، فلما سمع ذلك القوم أرموا وظنوا أن ذلك بين يدي أمر قد حضر، فجعلت التفت عن يميني وشمالي، فإذا كل رجل لاف ثوبه برأسه يبكي، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك حذافة، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال عمر بن الخطاب: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، ونعوذ بالله من سوء الفتن. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إن الجنة والنار مثلتا لي حتى رأيتهما دون الحائط "تفسير : . قال قتادة: وإن الله يريه ما لا ترون، ويسمعه ما لا تسمعون. قال: وأنزل عليه {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء..} الآية. قال قتادة: وفي قراءة أبي بن كعب "قد سألها قوم بينت لهم فأصبحوا بها كافرين". وأخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} حتى فرغ من الآية كلها. وأخرج ابن جرير حديث : عن ابن عون قال: سألت عكرمة مولى ابن عباس عن قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} قال: ذاك يوم قام فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فكره المسلمون مقامه يومئذ، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك حذافة. فنزلت هذه الآية . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن طاوس قال "حديث : نزلت {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} في رجل قال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك فلان ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي "حديث : في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء...} الآية. قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً، فقال: سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به، فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبدالله بن حذافة - وكان يطعن فيه - فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: أبوك فلان، فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر فقبل رجله، وقال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبك نبياً، وبالقرآن إماماً، فاعف عنا عفا الله عنك، فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وأنزل عليه {قد سألها قوم من قبلكم} ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل فقال: أين آبائي؟ قال: في النار. فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، إنا يا رسول الله حديث عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم مَنْ آباؤنا، فسكن غضبه، ونزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: أيها الناس إن الله تعالى قد افترض عليكم الحج، فقام رجل فقال: لكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه حتى أعادها ثلاث مرات قال: لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وذكر أن هذه الآية في المائدة نزلت في ذلك {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج. فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: أما أني لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ثم تركتكم لضللتم، اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} إلى آخر الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة الباهلي قال "حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال: إن الله تعالى كتب عليكم الحج. فقال رجل من الأعراب: أفي كل عام؟ فسكت طويلاً ثم تكلم، فقال: من السائل؟ فقال: أنا ذا. فقال: ويحك..! ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم، ألا أنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض من شيء، وحرمت عليكم منها موضع خف بعير لوقعتم فيه، وأنزل الله عند ذلك {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} إلى آخر الآية ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كتب الله عليكم الحج. فقال رجل: يا رسول الله، كل عام؟ فأعرض عنه ثم قال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموها، ولو تركتموها لكفرتم، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء...} الآية . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين أبي؟ قال: في النار. ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحول وركه فدخل البيت، ثم خرج فقال: لم تسألوني عما لا أسألكم عنه؟! ثم قال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت عليكم كل عام ثم لكفرتم، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء...} الآية ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن علي قال "حديث : لما نزلت {ولله على الناس حجُّ البيت} [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت ثم قالوا: أفي كل عام؟ قال: لا: ولو قلت نعم لوجبت، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تسؤكم} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : لما نزلت آية الحج أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الناس، فقال: يا أيها الناس، إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا. فقالوا: يا رسول الله، أعاماً واحداً أم كل عام؟ فقال: لا، بل عاماً واحداً، ولو قلت كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، وأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس فقال: يا قوم، كتب عليكم الحج، فقام رجل من بني أسد فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فغضب غضباً شديداً فقال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه، فأنزل الله {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي سألت النصارى من المائدة، فأصبحوا بها كافرين، فنهى الله عن ذلك وقال {لا تسألوا عن أشياء} أي إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد "حديث : في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج. فقيل: أواجب هو يا رسول الله كل عام؟ قال: لا، ولو قلتها لوجبت عليكم كل عام، ولو وجبت ما أطقتم، ولو لم تطيقوا لكفرتم، ثم قال: سلوني فلا يسألني رجل في مجلسي هذا عن شيء إلا أخبرته، وإن سألني عن أبيه. فقام إليه رجل فقال: من أبي؟ قال: أبوك حذافة بن قيس. فقام عمر فقال: يا رسول الله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، ونعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص قال: "إن كانوا ليسألون عن الشيء وهو لهم حلال، فما يزالون يسألون حتى يحرم عليهم، وإذا حرم عليهم وقعوا فيه". وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس. في قوله {لا تسألوا عن أشياء} قال: يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا ترى أنه يقول بعد ذلك: ما جعل الله من كذا ولا كذا قال: وأما عكرمة فإنه قال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} قال: فقلت: قد حدثني مجاهد بخلاف هذا عن ابن عباس فما لك تقول هذا؟ فقال: هاه". وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبد الكريم عن عكرمة في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} قال: هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبي؟ وأما سعيد بن جبير فقال: هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة، وأما مقسم فقال: هي فيما سألت الأمم أنبياءها عن الآيات. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن نافع في قوله {لا تسألوا عن أشياء} قال: ما زال كثرة السؤال مذ قط تكره. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم. أنه قرأ {تبد لكم} برفع التاء ونصب الدال. وأخرج أبو الشيخ عن عبد الملك بن أبي جمعة الأزدي قال: سألت الحسن عن كسب الكناس فقال لي: ويحك...! ما تسأل عن شيء لو ترك في منازلكم لضاقت عليكم، ثم تلا هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} . وأخرج أحمد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع، وهو مردف الفضل بن عباس على جمل آدم، فقال: يا أيها الناس، خذوا العلم قبل رفعه وقبضه. قال: وكنا نهاب مسألته بعد تنزيل الله الآية {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} فقدمنا إليه أعرابياً، فرشوناه برداء على مسألته فاعتم بها حتى رأيت حاشية البرد على حاجبه الأيمن، وقلنا له: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يرفع العلم وهذا القرآن بين أظهرنا، وقد تعلمناه وعلمناه نساءنا وذرارينا وخدامنا؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، قد علا وجهه حمرة من الغضب فقال: أوليست اليهود والنصارى بين أظهرها المصاحف، وقد أصبحوا ما يتعلقون منها بحرف مما جاء به أنبياؤهم، ألا وإن ذهاب العلم أن تذهب حملته ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات حديث : عن أبي مالك الأشعري قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} قال: فنحن نسأله إذ قال: إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة. فقال أعرابي: من هم يا رسول الله؟ قال: هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل شتى من شعوب القبائل، لم تكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتبادلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل الله وجوههم نوراً، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون . تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن مالك بن بحينة قال: حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل المقبرة ثلاث مرات، وذلك بعد نزول هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} فاسكت القوم. فقام أبو بكر، فأتى عائشة فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أهل المقبرة؟ فقالت عائشة: صليت على أهل المقبرة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك مقبرة بعسقلان يحشر منها سبعون ألف شهيد . تفسير : وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والخرائطي في مكارم الأخلاق حديث : عن معاذ بن جبل قال "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتقدمت به راحلته، ثم إن راحلتي لحقت براحلته حتى تصحب ركبتي ركبته، فقلت: يا رسول الله، إني أريد أن أسألك عن أمر يمنعني مكان هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} قال: ما هو يا معاذ؟ قلت: ما العمل الذي يدخلني الجنة وينجيني من النار؟ قال: قد سألت عن عظيم وإنه يسير، شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروته؟ أما رأس الأمر فالإسلام، وعموده الصلاة، وأما ذروته فالجهاد، ثم قال: الصيام جنة، والصدقة تكفر الخطايا، وقيام الليل، وقرأ {تتجافى جنوبهم عن المضاجع...} إلى آخر الآية. ثم قال: ألا أنبئكم ما هو أملك بالناس من ذلك؟ ثم أخرج لسانه فأمسكه بين أصبعيه، فقلت: يا رسول الله، أكل ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال: ثكلتك أمك...؟ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ إنك لن تزال سالماً ما أمسكت، فإذا تكلمت كتب عليك أو لك".
ابو السعود
تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} هو اسمُ جمعٍ على رأي الخليل وسيبويه وجمهور البصريـين، كطرفاء وقصباء أصله شيآء بهمزتين بـينهما ألف، فقُلبت الكلمة بتقديم لامها على فائها فصار وزنها لفعاء، ومُنعت الصرفَ لألف التأنيث الممدودة، وقيل: هو جمع شيْء على أنه مخفف من شيِّـيء كهَيْنٍ مخففٌ من هيِّن، والأصل أشْيِئاء كأهوناء بزنة أفعِلاء، فاجتمعت همزتان لام الكلمة والتي للتأنيث، إذ الألف كالهمزة فخففت الكلمة بأن قلبت الهمزة الأولى ياء لانكسار ما قبلها فصارت أشياء وزنها أفلاء، ونعت الصرف لألف التأنيث، وقيل: إنما حذفت من أشيِـياءَ الياءُ المنقلبةُ من الهمزة التي هي لام الكلمة وفُتحت الياء المكسورة لتسلم ألف الجمع فوزنها أفعاء، وقوله تعالى: {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} صفةٌ لأشياء داعيةٌ إلى الانتهاء عن السؤال عنها، وحيث كانت المَساءةُ في هذه الشرطية معلقةً بإبدائها لا بالسؤال عنها عُقّبت بشرطية أخرى ناطقةٍ باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجِبِ للمحذور قطعاً، فقيل: {وإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ ينزَلُ القُرْآن تُبْدَ لَكُم} أي تلك الأشياء الموجِبة للمَساءة بالوحي كما ينبىء عنه تقيـيدُ السؤال بحينِ التنزيل، والمراد بها ما يشُق عليهم ويغمُهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها، والأسرارِ الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحوُ ذلك مما لا خير فيه، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستَتْبِعٌ لإبدائها كذلك السؤالُ عن تلك التكاليف مستتبعٌ لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب، واجترائِهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزِهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل من غير بحث فيه ولا تعرّضٍ لكيفيته وكمِّيته، أي لا تُكثروا مُساءلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يَعْنيكم من نحو تكاليفَ شاقةٍ عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أُوحيَ إليه لم تطيقوها، ونحوِ بعضِ أمورٍ مستورة تكرهون بُروزَها، وذلك مِثلُ ما رُوي «حديث : عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: خطبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فحمِد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: "إن الله تعالى كتَب عليكم الحجَّ" فقام رجل من بني أسدٍ يقال لهُ: عُكاشةُ بنِ مِحْصَنٍ، وقيل: سُراقة بنُ مالك، فقال: أفي كل عامٍ يا رسول الله؟ فأعرضَ عنه حتى أعاد مسألتَه ثلاثَ مرات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك وما يُؤْمِنُك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبتْ ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاترُكوني ما تركتكم. فإنما هلَك من كان قبلَكم بكثرة سؤالِهم واختلافِهم على أنبـيائهم، فإذا أمرتُكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه"»تفسير : . ومِثلُ ما رُوي عن أنسٍ وأبـي هريرة رضي الله عنهما،«حديث : أنه سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ حتى أحفَوْه في المسألة، فقام عليه الصلاة والسلام مغْضَباً خطيباً فحمِد الله تعالى وأثنى عليه وقال: "سلوني فوالله ما تسألوني عن شيءٍ ما دُمْت في مقامي هذا إلا بـيّنتُه لكمفأشفق أصحابُ النبـي عليه الصلاة والسلام أن يكون بـين يَدَيْ أمرٍ قد حضَر، قال أنسٌ رضي الله عنه: فجعلتُ ألتفتُ يميناً وشِمالاً فلا أجدُ رجلاً إلا وهو لافٌّ رأسَه في ثوبه يبكي، فقام رجل من قريشٍ من بني سَهْمٍ يقال له: عبدُ اللَّه بنُ حُذافة، وكان إذا لاحىٰ الرجال يُدْعىٰ إلى غير أبـيه وقال: يا نبـي الله، مَنْ أبـي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ الزهري»، وقام آخرُ وقال: أين أبـي؟ قال عليه الصلاة والسلام: «في النار»، ثم قام عمر رضي الله عنه فقال: رضِينا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً نبـياً، نعوذ بالله تعالى من الفتن، إنا حديثو عهدٍ بجاهلية وشِرْكٍ فاعفُ عنا يا رسول الله، فسكن غضبُه عليه الصلاة والسلام» تفسير : . {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} استئناف مَسوقٌ لبـيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتِهم عن المَساءة، بل لأنها في نفسها معصيةٌ مستتبِعةٌ للمؤاخذة وقد عفا عنها، وفيه مِنْ حثّهم على الجِدّ في الانتهاء عنها ما لا يخفى، وضميرُ (عنها) للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا، أي عفا الله تعالى عن مسائلِكم السالفةِ حيث لم يفرِضْ عليكم الحج في كل عام جزاءً بمسألتكم، وتجاوَزَ عن عقوبتكم الأخروية بسائر مسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. وأما جعلُه صفةً أخرى (لأشياء) على أن الضمير (لها) بمعنى لا تسألوا عن أشياءَ عفا الله عنها ولم يكلّفْكم إياها فمما لا سبـيل إليه أصلاً، لاقتضائِه أن يكون الحجُّ قد فُرض أولاً في كل عامٍ ثم نُسخ بطريق العفو وأن يكون ذلك معلوماً للمخاطَبـين ضرورةَ أن حقَّ الوصف أن يكونَ معلومَ الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعلِه وصفاً له، وكلاهما ضروريُّ الانتفاء قطعاً، على أنه يستدعي اختصاصَ النهْي بمسألة الحجِّ ونحوِها إن سلِمَ وقوعُها، مع أن النظم الكريمَ صريحٌ في أنه مَسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوؤُهم إبداؤُها، سواءٌ كانت من قبـيل الأحكام والتكاليفِ الموجبة لِمَساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبةً وتشديداً كمسألة الحج لولا عفوُه تعالى عنها، أو من قبـيل الأمور الواقعةِ قبل السؤال الموجبةِ للمساءة بالإخبار بها كمسألة مَنْ قال: أين أبـي؟ إن قلتَ تلك الأشياءُ غير مُوجبةٍ للمَساءة البتةَ، بل هي محتمِلةٌ لإيجاب المَسرَّة أيضاً، لأن إيجابَها للأولى إن كانت من حيث وجودُها فهي من حيث عدمُها موجبةٌ للأخرى قطعاً، وليست إحدى الحيثيتَيْن محقّقةً عند السائل وإنما غَرَضُه من السؤال ظهورُها كيف كانت، بل ظهورُها بحيثية إيجابها للمَساءة؟ قلتُ: لتحقيق المنهيِّ عنه كما ستعرِفه مع ما فيه من تأكيد النهْي وتشديدِه، لأن تلك الحيثيةَ هي الموجبةُ للانتهاء والانزجار، لا حيثيةُ إيجابِها للمسرة ولا حيثيةُ تردّدِها بـين الإيجابـين. إن قيل: الشرطية الثانية ناطقةٌ بأن السؤالَ عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزمٌ لإبدائها البتةَ كما مر فلمَ تخلَّفَ الإبداءُ عن السؤال في مسألةِ الحج حيث لم يُفرَضْ في كل عام؟ قلنا: لوقوع السؤال قبل ورودِ النهي، وما ذُكر في الشرطية إنما هو السؤال الواقعُ بعد وروده، إذ هو الموجبُ للتغليظ والتشديد ولا تخلُّفَ فيه، إن قيل: ما ذكرتَه إنما يتمشى فيما إذا السؤالُ عن الأمور المترددةِ بـين الوقوع وعدمِه كما ذُكرَ من التكاليف الشاقةِ، وأما إذا كان عن الأمور الواقعةِ قبله فلا يكادُ يتسنّى، لأن ما يتعلق به الإبداءُ هو الذي وقع في نفس الأمرِ ولا مرد له، سواء كان السؤالُ قبل النهي أو بعده، وقد يكون الواقع ما يوجب المسرةَ كما في مسألة عبدِ اللَّه بنِ حذافةَ، فيكون هو الذي يتعلق به الإبداءُ لا غيرُ، فيتعين التخلُّفُ حتماً، قلنا: لا احتمالَ للتخلف فضلاً عن التعيُّن، فإن المنهيَّ عنه في الحقيقة إنما هو السؤالُ عن الأشياء الموجبةِ للمَساءة الواقعةِ في نفس الأمر قبل السؤال، كسؤال من قال: أين أبـي؟ لا عما يعُمُّها وغيرَها مما ليس بواقع، لكنه محتمِلٌ للوقوع عند المكلفين حتى يلزمَ التخلّفُ في صورةِ عدم الوقوع. وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهيُ عن السؤال عن الأشياء التي يوجبُ إبداؤها المساءةَ البتة، إما بأن تكون تلك الأشياءُ بعَرَضية الوقوعِ فتُبدَى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبةً وتشديداً كما في صورة كونِها من قبـيل التكاليف الشاقة، وإما بأن تكون واقعةً في نفس الأمر قبل السؤال فتُبدى عنده بطريق الإخبار بها، فالتخلفُ ممتنِعٌ في الصورتين معاً، ومنشأ توهّمِه عدمُ الفرق بـين المنهي عنه وبـين غيرِه بناءً على عدم امتياز ما هو موجودٌ أو بعَرَضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم، وفائدةُ هذا الإبهام الانتهاءُ عن السؤال عن تلك الأشياء على الإطلاق حِذارَ إبداء المكروه {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّر لعفوه تعالى أي مبالغٌ في مغفرة الذنوب والإغضاءِ عن المعاصي، ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخِذْكم بعقوبة ما فَرَط منكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [الآية: 101]. قال بعضهم: لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم قال بعضهم: لا تسألوا عن مقامات الصديقين ودرجات الأولياء، فإنه إن بدا لكم شىء منها فأنكرتم ذلك هلكتم. وقال سهل: سؤاله حجاب ودعاؤه قسوة.
القشيري
تفسير : إذا أسبل عليكم ستر اللطف فلا تتعرضوا لعلم أُخْفِيَ عنكم، فيتنغَص (بالتجـ...) - عليكم - عَيْشُكم. ويقال لا تتعرضوا للوقوف على محل الأكابر - حيث لا تستوجبون ذلك - فيسوءكم تقاصرُ رتبتك. ويقال إذا بدا من الإعراض علم فاطلبوا له عندكم وجهاً من التفال ولا تطلبوا أسرار الباري، واركنوا إلى روْح المنى في استدفاع ما ظلكم ولا تبحثوا عن سر ذلك وراعوا الأمر مجملاً.
البقلي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} اى اذا لم يكونوا برؤية الغيب محرمين ولا تكونوا بالغين الى معالى درجات اهل المعارف والكواشف لا تسالوا عن حقيقها فانه اذا بين المستقيم لكم دقايقها بعبارة اهل الاسرار لا تطيقون ان تدركوها فيسؤكم حرمانكم عنها وبرما ينكروا على بعضها فتهلكوا وان الله سبحانه غيور على هتك سر الغيب للاغيار انشد الحسين بن منصور قدس الله روحه شعر : من لم يضيق قدر ما اولاه سادته لم يامنوه على الاسرار ما عاشا وعاقبلوا على ما كان من زلل وابدالوه مكان الانس ايحاشا لا تقبلوه مذيقا بعضه سرهم حاشا ودادهم من ذالكم حاشا تفسير : وفيه تحذير المريدين من كثرة سوالهم فى البداية عن حالات المشايخ قال بعضهم لا تأسلوا عن مقامات الصديقين ودرجات الاولياء فانه ان ابدأ لكم شئ منه فانكرتم ذلك هلكتن قال سهل حجاب ودعاؤه قسوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم وان تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} ـ روى ـ انه لما نزلت {أية : ولله على الناس حج البيت} تفسير : [آل عمران: 97]. قال سراقة بن مالك أكل عام فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اعاد ثلاثا فقال "حديث : لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم فاتركونى ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم فاذا امرتكم بامر فخذوا منه ما استطعتم واذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه " .تفسير : فنزلت "حديث : وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه عليه السلام كان يخطب ذات يوم غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال لا اسأل عن شىء الا اجبت فقال رجل اين ابى فقال "فى النار". وقال آخر من ابى فقال "حذافة" وكان يدعى لغيره" تفسير : فنزلت {ان تبد لكم} الشرطية وما عطف عليها صفتان لاشياء والمساءة معلقة بالابداء والابداء معلق بالسؤال. فالمعنى لا تسألوا عن اشياء ان تسألوا عنها فى زمان الوحى تظهر لكم وان تظهر لكم تغمكم والعاقل لا يفعل ما يغمه. قال البغوى فان من سأل عن الحج لم يأمن ان يأمر به فى كل عام فيسوءه ومن سأل عن نسبه لم يأمن ان يلحقه بغيره فيفتضح {عفا الله عنها} استئناف مسوق لبيان ان نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة بل لانها فى نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها وفيه من حثهم على الجد فى الانتهاء عنها ما لا يخفى وضمير عنها للمسألة المدلول عليها بلا تسألوا اى عفا الله عن مسألتكم السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج فى كل عام جزاء بمسألتكم وتجاوز عن عقوبتكم الاخروية بسبب مسألتكم فلا تعودوا الى مثلها {والله غفور حليم} اى مبالغ فى مغفرة الذنوب والاغضاء عن المعاصى ولذلك عفا عنكم ولم يؤاخذكم بعقوبة ما فرط منكم فالجملة اعتراض تذييلى مقرر لعفوه تعالى {قد سألها قوم} اى سألوا هذه المسألة لكن لا عينها بل مثلها فى كونها محظورة ومستتبعة للوبال وعدم التصريح بالمثل للبالغة فى التحذير {من قبلكم} متعلق بسألها {ثم اصبحوا بها} اى بسببها {كافرين} فان بنى اسرائيل كانوا يستفتون انبياءهم فى اشياء فاذا امروا تركوها فهلكوا كما سأل قوم ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى مائدة. قال ابو ثعلبة ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن اشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها وعفا عن اشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. قال الحسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره [بس نيكبخت آنست كه از حال ديكران عبرت كيردبقول وفعل فضولى اشتغالى ننمايد ودرين باب كفته اند] شعر : بكوى آنجه كفتن ضرورت شود دكر كفته هارا فروبنددر بجاى آر فعلى كه لازم بود زافعال بى حاصل اندر كذر تفسير : وكان رجل يحضر مجلس ابى يوسف كثيرا ويطيل السكوت فقال له يوما مالك لا تتكلم ولا تسأل عن مسألة قال اخبرنى ايها القاضى متى يفطر الصائم قال اذا غابت الشمس قال فان لم تغب الى نصف الليل فتبسم وتمثل ببيت جرير شعر : وفى الصمت زين للخلى وانما صحيفة لب المرء ان يتكلما تفسير : وفى الحديث "حديث : عجبت من بنى آدم وملكاه على نابيه فلسانه قلمهما وريقه مدادهما كيف يتكلم فيما لا يعنيه " .تفسير : والاشارة فى الآيتين ان الله تعالى نهى اهل الايمان ان يتعلموا العلوم اللدنية وحقائق الاشياء بطريق السؤال لانها ليست من علوم القال وانما هى من علوم الحال فقال {يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء} اى عن حقائق اشياء {ان تبد لكم} بيانها بطريق القال {تسؤكم} اذ لم تهتدوا الى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المشوبة بآفات الهوى والوهم والخيال فى الشبهات فتتهالكوا فى اوديتها كما كان حال طوائف الفلاسفة اذ طلبوا علوم حقائق الاشياء بطريق القال والبراهين المعقولة فما كانت منها مندرجة تحت نظر العقول المجردة عن شوائب الوهم والخيال اصابوها وما ضاق نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث عن الصراط المستقيم واوقعهم فى اودية الشبهات وبوادى الهلكات فهلكوا واهلكوا خلقا عظيما بتصانيفهم فى العلوم الالهية وبعضهم خلطوها بعلم الاصول وقرروا شبهاتهم فيها فضلوا واضلوا عن سواء السبيل وما علموا ان تعلم علوم الحقائق بالقال محال وان تعلمها انما يحصل بالحال كما كان حال الانبياء مع الله فقد علمهم علوم الحقائق بالاراءة لا بالرواية فقال تعالى {أية : وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 75]. وقال فى حق النبى عليه السلام {أية : لنريه من آياتنا} تفسير : [الإسراء: 1]. وقال {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى} تفسير : [النجم: 18]. وقال عليه السلام "حديث : ارنا الاشياء كما هى " .تفسير : وكما كان حال الامة مع النبى عليه السلام كان يعلمهم الكتاب بالقال والحكمة بالحال بطريق الصحة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس واخلاقها كقوله تعالى {أية : يتلوا عليهم ءآياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} تفسير : [الجمعة: 2]. وقال تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحة على موائد المتابعة {أية : سنريهم ءآياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} تفسير : [فصلت: 53]. ثم قال {وان تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} اى وان كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق الاشياء فاسألوا عنها بعد نزول القرآن اى من القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم. اما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فانها بيان حقائق الاشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بقولهم طلبا للتأويل فانه لا يعلم تأويلها الا الله والراسخون فى العلم وهم الخواص. واما اخص الخواص فيفهمون مما يشير القرآن اليه من حقائق الاشياء بالرموز والاشارات والمتشابهات ما لا يفهم غيرهم كما اشار بقصة موسى والخضر الى ان تعلم العلم اللدنى انما يكون بالحال فى الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الاعتراض على الصاحب المعلم لا بالقال ولا بالسؤال لقوله تعالى {أية : هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معى صبرا} تفسير : [الكهف: 66]. يعنى فى المتابعة وترك الاعتراض {أية : قال ستجدنى إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء} تفسير : [الكهف: 69-70]. يعنى ان من شرط المتابعة ترك السؤال عن افعال المعلم وغيرها فلما لم يستطع موسى معه صبرا ليتعلم بالحال وفتح باب القال والسؤال فقال اخرقتها لتغرق اهلها اقتلت نفسا زكية فما واساه الخضر وقال {أية : الم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا قال} تفسير : [الكهف: 75-76]. يعنى موسى {أية : ان سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى} تفسير : [الكهف: 76]. يشير الى ان تعلم العلم اللدنى بالحال فى الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال والسؤال وفى السئوال الانقطاع عن الصحبة فافهم جدا فلما عاد فى الثالثة الى السؤال وقال {أية : لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بينى وبينك} تفسير : [الكهف: 77-78]. ثم قال {أية : عفا الله عنها} تفسير : [المائدة: 101]. اى عما سألتم وطلبتم من علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية {والله غفور} لمن تاب ورجع الى الله فى طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال {حليم} لمن يطلب بالحال يحلم عنهم فى اثناء ما يصدر منهم مما ينافى امر الطلب الى ان يوفقهم لما يوافق الطلب ثم قال {قد سألها قوم من قبلكم} يعنى من مقدمى الفلاسفة فقد شرعوا فى طلب العلوم الالٰهية بالقال ونظر العقل فوقعوا فى اودية الشبهات {ثم اصبحوا بها كافرين} اى بسبب الشبهات التى وقعوا فيها بتتبع القيل والقال وكثرة السؤال وترك متابعة الانبياء عليهم السلام كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الجملة الشرطية صفة لأشياء، وأشياء اسم جمع لشيء، أصله عند سيبويه: شيئَاءَ، مثل فَعلاء، قلبت إلى لفعاء، أي: قلبت لامه إلى فائه، لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم: أشياء وزنها أفعال، وهو جمع شيء، وترك العرف فيه سماع، وقال الكسائي: لم ينصرف أشياء، لشبه آخره بآخر حمراء، انظر ابن عطية. وجملة ( عفا الله عنها): صفة أخرى لأشياء، أي: عن أشياء عفا الله عنها، ولم يكلف بها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} ليس لكم فيها نفع، {إن تُبْدَ لكم تسؤكم} أي: إن تظهر لكم وتجابوا عنها تسؤكم؛ بالأخبار بما لا يعجبكم وبما يشق عليكم، قيل: سبب نزول الآية: كثرة سؤال الناس له صلى الله عليه وسلم من الأعراب والمنافقين والجُهال، فكان الرجل يقول للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ؟ أين ناقتي؟ وآخر يقول: ماذا ألقى في سفري؟ ونحو هذا من التعنيت، حتى صعد المنبر صلى الله عليه وسلم مغضبًا، فقال: " حديث : لا تَسألُوني اليوم عن شيء إلا أخبرتُكُم به "تفسير : . فقام رجل فقال: أين أنا؟ فقال: "حديث : في النار"تفسير : وقام عبَدُ الله بن حُذَافة ـ وكان يُطعَنُ في نسبِهِ فقال: مَن أبي؟ فقال: "حديث : أبوكِ حُذافة "تفسير : ، وقال آخر: من أبي؟ قال: "حديث : أبوك سَالم مولى شيبة"تفسير : ، فقام عمر بن الخطاب، فجثا على ركبتيه، فقال: رَضِينا بالله رَبًا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمُحمَّدٍ نَبِيًا نعوذ بالله من الفتن. فنزلت هذه الآية. وقيل: سبب نزولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: "حديث : أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" تفسير : فقالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، فقال: "حديث : لا، لو قُلتُ: نَعَم، لوجَبَت، وَلَو وَجَبت لَم تُطيقوه، ولَوَ تَركتُموه لهلكتم، فأترُكُوني مَا تَركتُكُم " تفسير : ، قال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وعفا ـ من غير نسيان ـ عن أشياء، فلا تبحثوا عنها. ثم قال تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن} أي زمنه {تُبْدَ لكم} أي: تظهر لكم، وفيه معنى الوعيد على السؤال، كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم أبدى لكم ما يسؤكم. والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي. فلا تسألوا عن أشياء قد {عفا الله عنها} ولم يكلف بها أو عفا الله عما سلف من سؤالكم، فلا تعودوا إلى مثلها، {والله غفور حليم} لا يعاجلكم بعقوبة ما فرط منكم ويعفو عن كثير. {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين}؛ حيث لم يأتمروا بما سألوا، وجحدوا، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء؛ فإذا أُمروا بها تركوها، فهلكوا. فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أمروا به. وقال الطبري: كقوم صالح في سؤالهم الناقة، وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. زاد الشلبي: وكقريش في سؤالهم أن يجعل الله الصفا ذهبًا. هـ. وكسؤالهم انشقاق القمر، وغير ذلك من تعنياتهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: مذهب الصوفية مبني على السكوت والتسليم والصدق والتصديق، مجلسهم مجلس حلم وعلم وسكينة ووقار، إن تكلم كبيرهم أنصتوا، كأن على رؤوسهم الطير، كما كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، ولذلك قالوا: من قال لشيخه: (لِمَ) لم يفلح أبدًا. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: إذا جلست مع الكبراء فدع ما تعلم وما لا تعلم؛ لتفوز بالسر المكنون. هـ. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ اللهَ يَنهَاكُم عَن قِيلَ وقَالَ، وكَثرة السُّؤالِ، وإضَاعَة المَالِ " تفسير : . وقال الورتجبي في الآية تحذير المريدين عن كثرة سؤالهم في البداية عن حالات المشايخ. هـ. قلت: وعلة النهي: لعله يطلع، بكثرة البحث عن حالهم، على أمور توجب له نفرة أو غضًّا من مرتبتهم قبل تربية يقينة، فالصواب: السكوت عن أحوالهم، واعتقاد الكمال فيهم، وكذلك يجب عليه ترك السؤال عن أحوال الناس، والغيبة عما هم فيه؛ شغلاً بهم هو متوجه إليه، وإلا ضاع وقته، وتشتت قلبه، ولله در القائل: شعر : ولَستُ بِسائِلٍ مَا دُمتُ حَيًّا أسَارَ الجَيشُ أم رَكِبَ الأمِيرُ؟ تفسير : والله تعالى أعلم. ومن جملة ما وقع السؤال عنه: البحرة وما معها، فأجابهم الحق ـ تعالى ـ بقوله: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ}.
الطوسي
تفسير : قيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس وأنس وابو هريرة والحسن وقتادة وطاوس والسدي: أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رجل يقال له عبد الله وكان يطعن في نسبه فقال: يا رسول الله من أبي، فقال له حذافة. فنزلت الآية. وقال أبو هريرة ومجاهد: نزلت حين سألوا عن أمر الحج لما انزل {ولله على الناس حج البيت} فقالوا: في كل عام؟ قال: لا ولو قلت نعم لوجب. وقال قوم وقع السؤال الاول والثاني في مجلس واحد، فخاطب الله تعالى بهذه الآية المؤمنين ونهاهم عن مسألة الاشياء التي اذا أبديت وأظهرت ساءت واحزنت من أظهرت له. يقال بدا يبدو بدوَّاً. وابداه إِبداء اذا أظهره وبدا له في الامر بدواً وبداً وبداء اذا تغير رأيه، لأنه ظهر له. والبادية خلاف الحاضرة. والبدو خلاف الحضر من الظهور. وقيل في وزن {أشياء} ثلاثة أقوال: قال الكسائي: هو أفعال إِلا انه لم يصرف، لأنهم شبهوه بحمراء فالزمه الزجاج ألا يصرف اسماء ولا انباء. الثاني - قال الاخفش والفراء هي (فعلاء) كقولك هين وأهوناء فالزمه المازني وقال: سله كيف يصغرها؟ فقال الاخفش {أشياء} فقال يجب ان يصغرها شيئات كما يصغر اصدقاء في المؤنث صديقات في المذكر صديقون. قال الزجاج إنما قيل في هين: أهوناء لأن هين أصله (هيين) على وزن فعيل فجمع على أفعلاء كنصب وانصباء. الثالث - قال الخليل وسيبويه: (افعاء) مقلوبة كما قلبوا (انيق) عن انوق، وقسمي عن قؤوس. وقوله {تسؤكم} معناه تحزنكم. وقوله {عفا الله عنها والله غفور رحيم} قيل فيما يعود الضمير اليه في {عنها} قولان: احدهما - قال قوم على المسألة، لان قوله {لا تسألوا} دليل عليها فيكون العفو عن مسألتهم التي سلفت منهم. الثاني - على الاشياء التي سألوا عنها من أمور الجاهلية، وما جرى مجراها مما يسؤهم تشديد المحنة فيها. وقوله {قد سألها قوم من قبلكم} قال ابن عباس: سأل قوم عيسى (ع) إنزال المائدة ثم كفروا بها. وقال غيره: هم قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها. وقال السدي هذا حين سألوا أن يحول لهم الصفا ذهباً. وقال أبو علي: انما كانوا سألوا نبيهم عن مثل هذه الاشياء يعني من آيات ونحوها فلما أخبرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) قالوا: ليس الامر كذلك، فكفروا به. وقال الرماني: السؤال هو طلب الشيء اما بايجاده واما بإِحضاره واما بالبيان عنه، والذي يجوز السؤال عنه هو ما يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا. وما لا يجوز العمل عليه من أمر دين أو دنيا لا يجوز السؤال عنه ولا يجوز أن يسأل الله تعالى شيئاً إِلا بشرط انتفاء وجود القبح عن الاجابة، فعلى هذا لا يجوز أن يسأل الانسان: من أبي لان المصلحة اقتضت ان من ولد على فراش انسان حكم بأنه ولده. وإن لم يكن مخلوقاً من مائه، فالمسألة بخلافه سفه لا يجوز.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تَبْدَ لَكُمْ تَسُؤكُمْ}: لا تسألوا رسولكم عن أشياء ان يظهرها الله لكم تضركم بما فيها من المشقة، وجملة الشرط والجواب نعت لأشياء، وعطف على هذا النعت نعتاً آخر بقوله: {وَاِن تَسْألُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ}: وهو زمان بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم. {تُبْدَ لَكُمْ}: لأنه لا تسألوه شيئاً الا أوحى الله فيه اليه صلى الله عليه وسلم، فيتعلق عليكم حكمها كأنه قيل: لا تسألوا عن أشياء ضارة لكم ان أبديت مظهرة، ولا بد ان سألتهم عنها، ونعت أشياء بنعت ثان بلا عطف وهو قوله: {عَفَا اللهُ عَنْهَا}: أى لم يذكرها الله بالتحريم أو التشديد فيكون سؤالكم سبباً للتحريم أو التشديد، قال أبو عمرو عثمان بن خليفة رحمه الله: قوله: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَآءَ إِن تَبْدَ لَكُمْ تَسُؤكُمْ} الآية ذكرحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس الظهر ذات يوم فقال: "اسألونى عما شئتم، ولا يسألنى اليوم أحد منكم عن شىء الا أجبته" فقال الأقرع بن حابس: الحج واجب علينا فى كل عام؟ فغضب عليه الصلاة والسلام حتى احمرت وجنتاه فقال: "لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا اذن لكفرتم، ولكن اذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم، واذا نهيتكم عن شىء فانتهوا "تفسير : فنزلت هذا الآية. وقيل: حديث : انها نزلت بسبب رجل جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أين مكان أبيك فى النار؟ فقال: "بحذاء مكانك فى النار"، فقال: من أبى يا رسول الله؟ فقال: "أبوك حذافة بن قيس "تفسير : وهو غير المنسوب اليه وقيلحديث : بسبب رجل جاءه فقال له: ما تلد ناقتى يا رسول الله فألح عليه، فقال: "منك تلد زيادة" . تفسير : وقيل: هذه الأجوبة كلها فى مكان واحد، فلما رأى عمر الجواب قد اشتد فخاف فقام وقال: رضيت بالله رباً وبالاسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأعوذ به من سوء عاقبة الأمور. فسكت الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: انما سأل الرجل عن مكانه فقال فى النار انتهى. ويؤخذ من قوله: اذن لكفرتم أن ترك الفريضة يسمى كفراً، وقيل فى الذى قال له: أين مكان أبيك فى النار أنه أراد معيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن الذى قال ما تلد ناقتى خاف أن تلد انسانا، ولعله أيضا يشبهه، وذلك لأنه قد نكحها كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: منك تلد، فكان لسانه ساعياً عليه. قال أنس بن مالك: حديث : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعنا مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما علمت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيراً" فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، فقال رجل: من أبى؟ فقال: فلان، فنزلت الآية: {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَآءَ} تفسير : وبين فى رواية أخرى عن أنس اسم السائل المبهم فى كلام السؤالات، واسم أبيه المبهم فى الرواية الأولى،حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر فذكر الساعة، فذكر فيها أموراً عظاماً ثم قال: "من أحب أن يسألنى عن شىء فليسأل فلا تسألونى عن شىء أخبرتكم به ما دمت فى مقامى" فأكثر الناس البكاء، وأكثر أن يقول سألوا، فقام عبد الله بن حذافة السهمى فقال: من أبى؟ فقال: أبوك حذافة، ثم أكثر أن يقول اسألونى، فبرك عمر على ركبتيه وقال: رضينا بالله رباً، بالاسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فسكت ثم قال: "عرضت على الجنة والنار فى عرض الحائط فلم أر كاليوم فى الخير والشر ". تفسير : قال الزهرى: فأخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن عقبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت ابناً قط أعق منك، آمنت أن تكون أممك قارفت بعض ما تقارف أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس! فقال عبد الله بن حذافة: لو ألحقنى بعبد أسود للحقته، وكان قبل ذلك لا ينسب الى حذافة. وما ذكر فى السؤالات أن الآية فى الحج هو قول على بن أبى طالب، الا أنه لم يذكر على اسم السائل وكذا أبو هريرة لم يذكره وفى رواية أبى هريرة زيادة، وعلى قال: نزل: {أية : ولله على الناس حج البيت }تفسير : الآية فقال الناس: يا رسول الله فى كل عام ولم يذكر اللفظ اذن لكفرتم وهو مراد، قال أبو هريرة:حديث : أنه قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل أفى كل عام؟ فسكت صلى الله عليه وسلم حتى قالها ثلاثا قال: "ذرونى ما تركتكم، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، وانما هلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم اذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم، واذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه "تفسير : والسائل قيل: الأقرع، وقيل: سراقة بن مالك، وقيل: عكاشة بن محصن. وفى رواية قال للسائل: "حديث : ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركونى ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة "تفسير : الخ ما مر. وعن مجاهد: لا تسألوا عن أشياء هى البحيرة والوصيلة والحامى، الا ترى أنها مذكورة بعد ذلك بقوله: {أية : ما جعل الله من بحيرة }تفسير : الآية، قلت: هذا ضعيف اذا لم يثبت أنهم سألوا عنها، فلو سألوا لكان السؤال هو المطلوب، ومراد النبى صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عنها وعن أمثالها من الحلال والحرام، اذ لا يخفى أنها أموال مضيعة حقيقة بالكف عن تحريمها، فكيف ينهون عن السؤال عنها، وانما أراد السؤال عن الحلال والحرام بلا تكلف، والوعظ وأمر الآخرة وأهوالها كما قال ابن عباس. ومعنى الآية: لا تسألوا عن أشياء فى ضمن الانباء عنها مساءلتكم اما بتكليف شرعى يلزمكم، واما بخبر يسؤكم، ولكن اذا نزل القرآن بشىء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذ ان سألتم عن تفصيله وبيانه يسر لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ان الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها " تفسير : ويجوز أن يكون قوله: {وَاِن تَسْألُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} وعيداً أى ان سألتم عنها لقيتم غب ذلك صعوبة. وفى رواية عن ابن عباس رضى الله عنه:حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب، فكانوا يتعرضون له بالسؤال فى خلال خطبته، وأكثروا حتى أغضبوه، اذ كانوا يسألون عما لا يعنيهم، فقال: "لا أسأل عن شىء الا أجبت" قال سلمان: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فقال: "الحلال ما أحل الله فى كتابه، والحرام ما حرمه الله فى كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفى فلا تتكلفوا ". تفسير : وقيل: المعنى فى قوله تعالى: {وَاِن تَسْألُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} ان صبرتم حين ينزل القرآن بحكم من فرض، أو نهى أو حكم وليس فى ظاهرة شرح ما تحتاجون اليه، ومست حاجتكم اليه، فان سألتم عنه حينئذ يبد لكم كما سألوا عن عدة التى لا تحيض بعد نزول عدة التى تحيض، فأنزل الله جل وعلا: {أية : واللائى يئسن من المحيض }تفسير : الآية قال بعض العلماء: الأشياء التى يجوز السؤال عنها هى ما ترتب عليه أمر الدين والدنيا من مصالح العباد، وما عدا ذلك فلا يجوز السؤال عنه، وعن سعد بن أبى وقاصحديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ان أعظم المسلمين فى المسلمين جرماً من سأل عن شىء لم يحرم على الناس فحرم من أحل مسألته "تفسير : وروى أن معاوية لما أسرف فى مال الله، وربما دخل فى البطالة كتب اليه المغيرة بن شعبة واعظاً: أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال، واضاعة المال، وكثرة السؤال، أى كثرة السؤال وذلك سؤال تحمل يعنى وسؤال التعمق فى بعض أوجه تفسيره. وعن معاوية: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات، يعنى صعاب المسائل التى تنزل فيها أقدام العلماء، قال أبو هريرة: شرار الناس الذين يسألون عن شرار المسائل كى يغلطو بها العلماء. {وَاللهُ غَفُورٌ}: لمن تاب. {حَلِيمٌ}: لا يجعل بالعقوبة، وقيل معنى عفا الله عنها، عفا الله عن مسألتكم التى سألتموها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعاقبكم ومن شأن الله جل وعلا أنه غفور حليم، وعلى هذا فجملة عفا الله عنها مستأنفة، ولكن جعلها نعتاً للأشياء على حذف مضاف، أى لا تسألوا عن مثل أشياء قد عفا الله عنها، أى عن هذه الأشياء ان تبد لكم تسؤكم. وليس أشياء جمع شىء على وزن أفعال فليت الهمزة بعد ألفه لام الكلمة، ولا الهمزة الأولى همزة أفعال زائدة، لأن ما على وزن فعل بفتح فسكون لا يجمع قياساً على أفعال، بل على أفعل بفتح الهمزة واسكان الفاء، وضم العين: كبحر وأبحر اذا أريدت الكثرة، وعلى فعول بضم الفاء والعين: كقلب وقلوب اذا أريدت القلة، ولأنه لو كان أشياء بوزن أفعال لصرف، لأن همزته بعد الألف حينئذ أصل، ولما منع الصرف علمنا أن هذه الهمزة للتأنيث، فالمنع لألف التأنيث، وأصل همزة التأنيث ألف تأنيث، وهمزة التأنيث زائدة، وكذا الألف قبلها، فالهمزة الأولى قبل الشين أصل لا زائدة وهى لام الكلمة، وقدمت على الفاء، والفاء الشين، والعين والباء فوزنه لفعاء بفتح اللام واسكان الفاء، وهو اسم جمع، وأصله قبل التقديم شيئاء بفتح الشين واسكان الباء بعدها همزة هى لام الكلمة بعدها ألف وهمزة زائدتان، ولما قدمت الهمزة الأولى على الشين سكنت الشين ليبقى وزن المفرد، لأن هذا غير جمع، والأصل بقاءه فى غير الجمع، وهذا هو الصحيح وعليه الجمهور وهو قول الخليل وسيبويه. وقيل: أشياء جمع شىء وهمزتاه زائدتان كالألف، فالهمزة الأولى همزة الجمع، والآخرة همزة التأنيث، والهمزة التى هى لام الكلمة محذوفة، ووزنه أفعاء بفتح الهمزة واسكان الفاء على أن أصل شىء شيىء بفتح الشين وكسر الياء الأولى واسكان الياء بعدها، وبعد الياء الآخرة همزة بوزن صديق ونصيب، حذفت الياء الآخرة الزائدة وسكنت الأولى، وذلك تخفيف فوزن الجمع أفعلاء بفتح الهمزة واسكان الفاء وكسر العين، وأصله أشيئاء بفتح الهمزة واسكان الشين وكسر الياء بعد همزة هى لام الكلمة وبعدها ألف وهمزة للتأنيث والياء هذه هى عين الكلمة، والياء الزائدة محذوفة فحذفت الهمزة التى هى لام الكلمة تخفيفاً. وقيل: وزنه أفعلاء كذلك الا أن أصل شىء شيىء بتشديد الياء بوزن فعيل حذفت الياء الزائدة وهى الأولى فى المفرد، وجمع بعد حذفها، وقلبت الهمزة التى هى لام يائه لوقوعها بعد كسرة الياء هى عين، فحذفت أيضا هذه الياء التى هى عين، فوزنه بعد الحذف أفلاء وفيه تكلف لا دليل عليه ولا داعى، وقيل: وزن أشياء أفعال وأنه جمع شىء ويرده أنه ممنوع الصرف، وقد بسطت القولين فى غير هذا.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ} منع الصرف لأَلف التأنيث المقلوبة همزة الممدودة بأَلف قبلها وهما الأَلف والهمزة الأَخيران، والهمزة الأَولى هى لام الكلمة، وهى همزة المفرد بل هو اسم جمع لشئ فوزنه لفعاء وأَصله شيئاء بوزن فعلاءَ بفتح الشين وإِسكان الياء بعدها همزة وبعد الهمزة أَلف وبعد الأَلف همزة أَخرى، قدمت الهمزة الأُولى على الشين استثقالا لهمزتين بينهما أَلف وقبلهما حرف علة وهو الياء، ولو كان وزنه أَفعالاً بأَصالة الهمزة الأَخيرة وزيادة الأُولى والأَلف قبل الثانية لصرف، ودعوى المنع تخفيفاً لا دليل لها، وقيل وزنه أَفلاء بحذف عين الكلمة وأَصله أشيئاء بوزن أَفعلاء جمع شئ على غير قياس، أَو جمع شئ بشد الياء كهين خفف على غير قياس لأَنه غير وصف، قلبت الهمزة التي قبل الأَلف ياء وحذفت الياء الأُولى وحذفت الهمزة التى بعد الياء فوزنه أَفعاء، والصحيح ما ذكرته أَولا وهو قول الخليل وسيبويه والمازنى وجمهور البصريين، وفى قول أَنه كهين قولان أَنه فعيل وحذفت الياء، والآخر أَنه فيعل، وجملة قوله عز وجل {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} نعت لأَشياءَ، أَى أَشياء دائرة بين أَن تظهر فتسوءَكم لمشقتها، وبين أن تسأَلوا عنها حين ينزل القرآن ورسول الله بين أَظهركم فتظهر لكم، وحاصله أَنكم تسأَلون عنها فيظهرها القرآن فتسوؤكم لوجوب القيام بما نزل ولو شاقا وأَنتم سبب لنزول سؤالكم فلا تسأَلوا عما لم ينزل حكمه واسكتوا حتى ينزل شئ فاسأَلوا عن تفسيره إن لم تفهموه، أَو عن كيفية أَدائه ونحو ذلك، والعاقل يسأَل عما بهمه ولا يشتغل بما يغمه، ولا نحتاج إِلى دعوى أَن الجملة الثانية في معنى التقديم لأَن الواو لا ترتب فلا فرق بين التقديم والتأخير، ولكن ذكرت الأُولى أَولا لفائدة الزجر عن السؤال عما لم تمس الحاجة إِليه. قيل فيجوز أَن يقدر مضاف أَى وإِن تسأَلوا عن غيرها مما مست إِليه الحاجة، أَو حال أَى وإِن تسأَلوا عنها وقد مست إِليها الحاجة أَو هاء لأَشياءَ أخر غير ما ذكر على الاستخدام، أَى وإِن تسأَلوا عن أَشياءَ حين نزول القرآن من تحليل أَو تحريم أَومست حاجة إِليه أَو لتفسيره تبدلكم، كهاء جعلناه نطفة، عادت إِلى ابن آدم، والمذكور قبلها آدم. وما ذكرته أَولا أَولى. وقوله لا تسأَلوا كالنتيجة للشرطيتين بعده، وقوله {عَفَا اللهُ عَنْهَا} نعت آخر لأَشياءَ أَو حال من أَحد ضمائر أَشياءَ، أَى أَشياءَ متصفة بأَن الله عفا عنها، ولم ينزل تكليف بها، كما روى أَنه لما نزل قوله تعالى "أية : ولله على الناس حج البيت"تفسير : [آل عمران: 97] الآية، قال عيينة بن حصن أَو سراقة بن مالك: الحج علينا واجب في كل عام؟ فأَعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى أَعاد ثلاثاً، فقال: حديث : لا ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم، فنزلت لا تسأَلوا الآيةتفسير : ، ومن ذلك بلا نزول قرآن أَنه قيل له صلى الله عليه وسلم: أَين مكان أَبيك فى النار؟ فقال: حديث : مع مكانك فى النارتفسير : ، وادعى بعض أَنه قال: أَين أَبى، فقال: حديث : فى النارتفسير : ، وأَنه قال له قائل متعنتا: بم حملت ناقتى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : حملت منكتفسير : ، ويجوز كون قوله عفا الله عنها مستأْنفاً على أَن الضمير للمسأَلة المفهومة من تسأَل، أَى عفا عن مسأَلتكم فلا تعودوا إِلى مثلها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما أَنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب ذات يوم غضبان من كثرة سؤالهم عما لا يعنيهم، فقال: "حديث : لا أُسأَل عن شئ إِلا أَجبت"تفسير : ، فقال رجل: أَين أَنا؟ فقال: في النار، وقال آخر: من أَبى؟ فقال: حذافة، وكان قبل ذلك يدعى لغيره، فقال عمر: أَعوذ بالله من سخط الله، فنزلت الآية. واسم ابن حذافة عبد الله، ولما رجع إِلى أَمه قالت: ما سمعت قط بأَعق منك فضحت أُمك بما فعلته فى الجاهلية عن أَعين الناس، فقال: لو أَلحقنى بعبد أَسود للحقته، وفى رواية قال عمر رضى الله عنه: رضينا بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، نعوذ بالله من الفتن {وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} يعفو عن كثير ولا يعاجلكم بالعقاب.
الالوسي
تفسير : {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء} ظاهر اللفظ كما قال ابن يعيش يقضي بكونها جمع شيء لأن فعلاً إذا كان معتل العين يجمع في القلة على أفعال نحو بيت وأبيات وشيخ وأشياخ إلا أنهم رأوها غير مصروفة في حال التنكير كما هنا فتشعبت آراء الجماعة فيها فذهب سيبويه والخليل إلى أن الهمزة للتأنيث وأن الكلمة اسم مفرد يراد به الجمع نحو الحَلْفاء والطَّرْفاء فأشياء في الأصل شيئاء بهمزتين بينهما ألف فقدمت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة على الفاء لاستثقال همزتين بينهما ألف قبلهما حرف علة وهو الياء والهمزة الثانية زائدة للتأنيث ولذلك لا تنصرف ووزنها لفعاء، وقصارى ما في هذا المذهب القلب وهو كثير في كلامهم ارتكبوه مع عدم الثقل كما في أينق وقسي ونحوهما فارتكابه مع الثقل أولى فلا يضر الاعتراض بأنه خلاف الأصل. وذهب الفراء إلى أنها جمع شيء بياء مشددة وهمزة بوزن هين ولين إلا أنهم خففوه فقالوا شيء كميت في ميت وبعد التخفيف جمعوه على أشياء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء بزنة أفعلاء فاجتمعت همزتان إحداهما لام الكلمة والأخرى للتأنيث فخففوا ذلك بقلب الهمزة الأولى ياء ثم حذفوا الياء الأولى التي هي عين الكلمة فصار وزنه أفعلاء، وقيل: في تصريف هذا المذهب أنهم حذفوا الهمزة التي هي لام الكلمة لأن الثقل حصل بها فوزنها افعاء ومنع الصرف لهمزة التأنيث. واستحسن هذا المذهب لو كان / على أن أصل شيء بالتخفيف شيء بالتشديد دليل، وذهب الأخفش إلى أنها جمع شيء بوزن فلس وأصلها أشيئاء بهمزتين بينهما ألف بعد ياء ثم عمل فيه ما مر. ورده الزجاج بأن فعلاً لا يجمع على أفعلاء، وناظر أبو عثمان المازني الأخفش في هذه المسألة كما قال أبو علي في «التكملة» فقال: كيف تصغر أشياء قال أقول أُشَيَّآء فقال المازني: هلا رددتها إلى الواحد فقلت شييئات لأن أفعلاء لا تصغر فلم يأت بمقنع انتهى. وأراد أن أفعلاء من أمثلة الكثرة وجموع الكثرة لا تصغر على ألفاظها وتصغر بآحادها ثم يجمع الواحد بالألف والتاء كقولك في تصغير درهم: دريهمات، والجواب كما قال أبو علي عن ذلك بأن أفعلاء هنا جاز تصغيرها على لفظها لأنها قد صارت بدلاً من أفعال بدلالة استجازتهم إضافة العدد إليها كما أضيف إلى أفعال، ويدل على كونها بدلاً أيضاً تذكيرهم العدد المضاف إليها في قولهم: ثلاثة أشياء فكما صارت بمنزلة أفعال في هذا الموضع بالدلالة المذكورة كذلك يجوز تصغيرها من حيث جاز تصغير أفعال ولم يمتنع تصغيرها على اللفظ من حيث امتنع تصغير هذا الوزن في غير هذا الموضع لارتفاع المعنى المانع من ذلك عن أشياء وهو أنها صارت بمنزلة أفعال وإن كان كذلك لم يجتمع في الكلمة ما يتدافع من إرادة التقليل والتكثير في شيء واحد انتهى، ومراده كما قال ابن الشجري بأن فعلاء في هذا الموضع صارت بدلاً من أفعال أنه كان القياس في جمع شيء أشياء مصروفاً كقولك في جمع فيء أفياء على أن تكون همزة الجمع هي همزة الواحد ولكنهم أقاموا أشياء التي همزتها للتأنيث مقام أشياء التي وزنها أفعال، واستدلاله في تجويز تصغير أشياء على لفظها بأنها صارت بدلاً من أفعال بدلالة أنهم أضافوا العدد إليها وألحقوه الهاء فقالوا ثلاثة أشياء مما لا يقوم به دلالة لأن أمثلة القلة وأمثلة الكثرة يشتركن في ذلك، ألا ترى أنهم يضيفون العدد إلى أبنية الكثرة إذا عدم بناء القلة فيقولون: ثلاثة شسوع وخمسة دراهم، وأما إلحاق الهاء في قولنا: ثلاثة أشياء وإن كان أشياء مؤنثاً لأن الواحد مذكر ألا ترى أنك تقول ثلاثة: أنبياء وخمسة أصدقاء وسبعة شعراء فتلحق الهاء وإن كان لفظ الجمع مؤنثاً وذلك لأن الواحد نبـي وصديق وشاعر كما أن واحد أشياء شيء فأي دلالة في قوله: ويدل على كونها بدلاً تذكيرهم العدد المضاف إليها الخ ثم قال: والذي يجوز أن يستدل به لمذهب الأخفش أن يقال: إنما جاز تصغير أفعلاء على لفظه وإن كان من أبنية الكثرة لأن وزنه نقص بحذف لامه فصار افعاء فشبهوه بأفعال فصغروه، وذهب الكسائي إلى أنها جمع شيء كضيف وأضياف. وأورد عليه منع الصرف من غير علة ويلزمه صرف أبناء وأسماء، وقد استشعر الكسائي هذا الإيراد وأشار إلى دفعه بأنه على أفعال ولكن كثرت في الكلام فأشبهت فعلاء فلم يصرف كما لم يصرف حمراء، وقد جمعوها على أشاوى كعذراء وعذارى وأشياوات كحمراء وحمراوات فعاملوا أشياء وإن كانت على أفعال معاملة حمراء وعذراء في جمعي التكسير والتصحيح. ورد بأن الكثرة تقتضي تخفيفه وصرفه. وأيده بعضهم بأن العرب قد اعتبروا في باب ما لا ينصرف الشبه اللفظي كما قيل في سراويل إنه منع من الصرف لشبهه بمصابيح وأجروا ألف الإلحاق مجرى ألف التأنيث المقصورة ولكن مع العلمية فاعتبروا مجرد الصورة فليكن هذا من ذلك القبيل، وقيل: إنها جمع شيء ووزنها أفعلاء جمع فعيل كنصيب وأنصباء وصديق وأصدقاء وحذفت الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة وفتحت الياء لتسلم الألف فصارت أشياء بزنة أفعاء، وجعل / مكي تصريفه كمذهب الأخفش إذ أبدل الهمزة ياء ثم حذفت إحدى الياءين وحسن حذفها من الجمع حذفها من المفرد لكثرة الاستعمال وعدم الصرف لهمزة التأنيث الممدودة، وهو حسن إلا أنه يرد عليه كما ورد على الأخفش مع إيرادات أخر، وقيل غير ذلك، وللشهاب عليه الرحمة: شعر : أشياء لفعاء في وزن وقد قلبوا لاماً لها وهي قبل القلب شيئاء وقيل أفعال لم تصرف بلا سبب منهم وهذا لوجه الرد إيماء أو أشياء وحذف اللام من ثقل وشيء أصل شيء وهي آراء وأصل أسماء اسما وكمثل كسا فاصرفه حتماً ولا تغررك أسماء واحفظ وقل للذي ينسى العلا سفها حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء تفسير : وظاهر صنيعه كغيره يشير إلى اختيار مذهب الخليل وسيبويه، وقال غير واحد: إنه الأظهر لقولهم في جمعها أشاوى فجمعوها كما جمعوا صحراء على صحارى، وأصله كما قال ابن الشجري أشايا بالياء لظهورها في أشياء لكنهم أبدلوها واواً على غير قياس كإبدالها واواً في قولهم جبيت الخراج جباوة، وأيضاً يدل على أنها مفرد قولهم في تحقيرها أشيئاء كصحيراء ولو كانت جمعاً لقالوا شيآت على ما تقدمت الإشارة، وتمام البحث في «أمالي ابن الشجري». {إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } صفة لأشياء داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها، وعطف عليها قوله سبحانه: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءانُ تُبْدَ لَكُمْ } أي بالوحي كما ينبىء عنه تقييد السؤال بحين نزول القرآن لأن المساءة في الشرطية الأولى معلقة بإبداء تلك الأشياء لا بالسؤال عنها فعقبها جل شأنه بما هو ناطق باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور، فضمير {عَنْهَا } راجع إلى تلك الأشياء وليس على حد عندي درهم ونصفه كما وهم، والمراد بها ما لا خير لهم فيه من نحو التكاليف الصعبة التي لا يطيقونها والأسرار الخفية التي قد يفتضحون بها، فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد لإساءتهم الأدب وتركهم ما هو الأولى بهم من الاستسلام لأمر الله تعالى من غير بحث فيه ولا تعرض لكيفيته وكميته ففي «صحيح مسلم» حديث : عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله تعالى عليكم الحج فحجوا"تفسير : فقال رجل ـ وهو كما قال ابن الهمام الأقرع بن حابس، وصرح به أحمد والدارقطني والحاكم في حديث صحيح رووه على شرط الشيخين « حديث : أكل عام يا رسول الله فسكت عليه الصلاة والسلام حتى قالها ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال صلى الله عليه وسلم: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » تفسير : وذكر كما قال ابن حبان أن الآية نزلت لذلك. وأخرج مسلم وغيره أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم المنبر وقال: « حديث : لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم فلما سمعوا ذلك أزموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر قال أنس رضي الله تعالى عنه: فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه فقال: يا رسول الله من أبـي؟ قال: أبوك حذافة، ثم أنشأ عمر رضي الله تعالى عنه فقال: رضينا بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً نعوذ بالله تعالى من الفتن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: / ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط » تفسير : ، وذكر ابن شهاب أن أم ابن حذافة واسمه عبد الله قالت له لما رجع إليها: ما سمعت قط أعق منك أأمنت أن تكون أمك قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس فقال ابن حذافة: لو ألحقني بعبد أسود للحقته. وأخرج غير واحد عن قتادة أن هذه الآية نزلت يومئذٍ. ووجه اتصالها بما قبلها على الرواية الأولى ظاهر جداً لما أن الكلام فيما يتعلق بالحج. وذكر الطبرسي في ذلك ثلاثة أوجه، «الأول: أنها متصلة بقوله تعالى: { أية : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [المائدة: 100] لأن من الفلاح ترك السؤال بما لا خير فيه، والثاني: أنها متصلة بقوله سبحانه: { أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ } تفسير : [المائدة: 99] أي فإنه بلغ ما فيه المصلحة فلا تسألوه عما لا يعنيكم، والثالث: أنها متصلة بقوله جل وعلا: { أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } تفسير : [المائدة: 99] أي فلا تسألوا عن تلك الأشياء فتظهر سرائركم». {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا } أي عن المسألة المدلول عليها بلا تسألوا. والجملة استئناف مسوق لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المساءة بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا سبحانه عنها، وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما لا يخفى أي عفا الله تعالى عن مسألتكم السالفة حيث لم يفرض عليكم الحج في كل عام جزاء لمسألتكم أو المراد تجاوز عن عقوبتكم الأخروية بسبب ذلك فلا تعودوا لمثله، وقد يحمل العفو عنها على معنى شامل للتجاوز عن العقوبة الدنيوية والعقوبة الأخروية واختاره بعض المحققين، وجوز غير واحد كون الجملة صفة أخرى لأشياء والضمير المجرور عائد إليها وهو الرابط على معنى لا تسألوا عن أشياء لم يكلفكم الله تعالى بها. واعترض بأن هذا يقتضي أن يكون الحج قد فرض أولاً ثم نسخ بطريق العفو وأن يكون ذلك معلوماً للمخاطبين ضرورة أن حق الوصف أن يكون معلوم الثبوت للموصوف عند المخاطب قبل جعله وصفاً له وكلاهما ضروري الانتفاء قطعاً على أنه يستدعي اختصاص النهي بمسألة الحج ونحوها مع أن النظم الكريم صريح في أنه مسوق للنهي عن السؤال عن الأشياء التي يسوءهم إبداؤها سواء كانت من قبيل الأحكام والتكاليف الموجبة لمساءتهم بإنشائها وإيجابها بسبب السؤال عقوبة وتشديداً كمسألة الحج لولا عفوه تعالى عنها أو من قبيل الأمور الواقعة قبل السؤال الموجبة للمساءة بالإخبار بها كما في سبب النزول على ما أخرج ابن جرير وغيره عن أبـي هريرة قال: « حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل فقال: أين أبـي؟ قال: في النار»تفسير : ، وفسر بعضهم العفو عنها بالكف عن بيانها والتعرض لشأنها وحينئذٍ يوشك أن لا يتوجه هذا الاعتراض أصلاً، وإلى التفسير الأول يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد أخرج مجاهد عنه أنه كان إذا سئل عن الشيء لم يجىء فيه أثر يقول: هو من العفو ثم يقرأ هذه الآية. والذي ذهب إليه شيخ الإسلام عليه الرحمة هو الاستئناف لا غير لما علمت، واستبعاد بعض الفضلاء ليس في محله. ثم قال: «إن قلت تلك الأشياء غير موجبة للمساءة البتة بل هي محتملة لإيجاب المسرة أيضاً لأن إيجابها للأولى وإن كان من حيث وجودها فهي من حيث عدمها موجبة للأخرى قطعاً وليست إحدى الحيثيتين محققة عند السائل وإنما غرضه من السؤال ظهورها كيف كانت بل ظهورها بحيثية إيجابها للمسرة فلم «عبر» عنها بحيثية إيجابها للمساءة قلت: لتحقيق المنهي عنه كما ستعرفه مع ما فيه من تأكيد النهي وتشديده لأن تلك الحيثية هي الموجبة للانتهاء لا الحيثية الثانية ولا حيثية التردد بين الإيجابين، فإن قيل: الشرطية الثانية ناطقة بأن السؤال / عن تلك الأشياء الموجبة للمساءة مستلزم لإبدائها فلم تخلف الإبداء في مسألة الحج ولم يفرض كل عام؟ قلنا: لوقوع السؤال قبل النهي وما في الشرطية إنما هو السؤال الواقع بعده إذ هو الموجب للتغليظ والتشديد ولا تخلف فيه. فإن قيل: ما ذكر إنما يتمشى فيما إذا كان السؤال عن الأمور المترددة بين الوقوع وعدمه كما ذكر في التكاليف الشاقة وأما إذا كان عن الأمور الواقعة قبله فلا يكاد يتسنى لأن ما يتعلق به الإبداء هو الذي وقع في نفس الأمر ولا مرد له سواء كان السؤال قبل أو بعد وقد يكون الواقع ما يوجب المسرة كما في مسألة ابن حذافة فيكون هو متعلق الإبداء لا غيره فيتعين التخلف حتماً. قلنا: لا احتمال له فضلاً عن تعينه فإنه المنهي عنه في الحقيقة إنما هو السؤال عن الأشياء الموجبة للمساءة الواقعة في نفس الأمر قبل السؤال كسؤال من قال: أين أبـي؟ لا ما يعمها وغيرها مما ليس بواقع لكنه محتمل الوقوع عند المكلفين حتى يلزم التخلف في صورة عدم الوقوع. وجملة الكلام أن مدلول النظم الكريم بطريق العبارة إنما هو النهي عن السؤال عن الأشياء التي يوجب إبداؤها المساءة ألبتة إما بأن تكون تلك الأشياء بعرضية الوقوع فتبدى عند السؤال بطريق الإنشاء عقوبة وتشديداً كما في صورة كونها من قبيل التكاليف الشاقة، وإما بأن تكون واقعة في نفس الأمر قبل السؤال فتبدى عنده بطريق الإخبار بها فالتخلف ممتنع في الصورتين معاً، ومنشأ توهمه عدم الفرق بين المنهي عنه وغيره بناءً على عدم امتياز ما هو موجود أو بعرضية الوجود من تلك الأشياء في نفس الأمر وما ليس كذلك عند المكلفين وملاحظتهم للكل باحتمال الوجود والعدم، وفائدة هذا الإبهام الانتهاء عن تلك الأشياء على الإطلاق حذار إبداء المكروه» انتهى وهو تحرير لم يسبق إليه. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي مبالغ في مغفرة الذنوب والإغضاء عن المعاصي ولذلك عفا سبحانه عنكم ولم يعاقبكم بما فرط منكم، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لما سبق من عفوه تعالى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للنهي عن العودة إلى مسائل سألها بعض المؤمنين رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ليست في شؤون الدين ولكنّها في شؤون ذاتية خاصّة بهم، فنهوا أن يشغلوا الرسول بمثالها بعد أن قدّم لهم بيان مُهمّة الرسول بقوله تعالى: {أية : ما على الرسول إلاّ البلاغ}تفسير : [المائدة: 99] الصالح لأن يكون مقدّمة لمضمون هذه الآية ولمضمون الآية السابقة، وهي قوله: {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيّب}تفسير : [المائدة: 100] فالآيتان كلتاهما مرتبطتان بآية {أية : ما على الرسول إلاّ البلاغ}تفسير : [المائدة: 99]، وليست إحدى هاتين الآيتين بمرتبطة بالأخرى. وقد اختلفت الروايات في بيان نوع هذه الأشياء المسؤول عنها والصحيح من ذلك حديث موسى بن أنس بن مالك عن أبيه في «الصحيحين» قال: سأل الناس رسولَ الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ حتى أحْفَوْهُ بالمسألة، فصعِد المنبر ذات يوم فقال: «حديث : لا تسألونني عن شيء إلاّ بيّنت لكم»تفسير : ، فأنشأ رجل كانَ إذا لاحَى يُدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي قال: أبوك حذافة (أي فدعاه لأبيه الذي يعرف به)، والسائل هو عبد الله بن حُذَافة السَّهمي، كما ورد في بعض روايات الحديث. وفي رواية لمسلم عن أبي موسى: فقام رجل آخر فقال مَن أبي، قال: أبوك سالم مولى شيبة. وفي بعض روايات هذا الخبر في غير الصحيح عن أبي هريرة أنّ رجلاً آخر قام فقال: أين أبي. وفي رواية: أين أنا؟ فقال: في النار. وفي «صحيح البخاري» عن ابن عبّاس قال: كان قوم، أي من المنافقين، يسألون رسول الله استهزاء فيقول الرجل تضلّ ناقته: أين ناقتي، ويقول الرجل: من أبي، ويقول المسافر: ماذا ألقى في سفري، فأنزل الله فيهم هذه الآية: {يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم تَسؤُكم}. قال الأيمّة: وقد انفرد به البخاري. ومحمله أنّه رأي من ابن عباس، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا اللهمّ إلاّ أن يكون المراد تحذير المؤمنين من نحو تلك المسائل عن غفلة من مقاصد المستهزئين، كما في قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعِنا}تفسير : [البقرة: 104]، أو أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان، على أنّ لهجة الخطاب في الآية خالية عن الإيماء إلى قصد المستهزئين، بخلاف قوله: {أية : لا تقولوا راعنا}تفسير : [البقرة: 104] فقد عقّب بقوله: {أية : وللكافرين عذاب أليم}تفسير : [البقرة: 104]. وروى الترمذي والدارقطني عن علي بن أبي طالب لمّا نزلت {أية : ولله على الناس حجّ البيت}تفسير : [آل عمران: 97] قالوا: يا رسول الله في كلّ عام، فسكت، فأعادوا. فقال: لا، ولو قلت: نعم لوجبتْ، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} قال: هذا حديث حسن غريب. وروى الطبري قريباً منه عن أبي أمامة وعن ابن عباس. وتأويل هذه الأسانيد أنّ الآية تليتْ عند وقوع هذا السؤال وإنّما كان نزولها قبل حدوثه فظنّها الراوون نزلت حينئذٍ. وتأويل المعنى على هذا أنّ الأمّة تكون في سعة إذا لم يشرع لها حكم، فيكون الناس في سعة الاجتهاد عند نزول الحادثة بهم بعد الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ، فإذا سألوا وأجيبوا من قِبل الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ تعيّن عليهم العمل بما أجيبوا به. وقد تختلف الأحوال والأعصار فيكونون في حرج إن راموا تغييره؛ فيكون معنى {إن تبد لكم تسؤكم} على هذا الوجه أنّها تسوء بعضهم أو تسوءهم في بعض الأحوال إذا شقّت عليهم. وروى مجاهد عن ابن عباس: نزلت في قوم سألوا رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ عن البَحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. وقال مثله سعيد بن جبير والحسن. وقوله: {أشياء} تكثير شيء، والشيء هو الموجود، فيصدق بالذات وبحال الذات، وقد سألوا عن أحوال بعض المجهولات أو الضَّوالّ أو عن أحكام بعض الأشياء. و(أشياء) كلمة تدلّ على جمع (شيء)، والظاهر أنّه صيغة جمع لأنّ زنة شيء (فَعْل)، و(فَعْل) إذا كان معتلّ العين قياس جمعه (أفعال) مثل بيت وشيخ. فالجاري على متعارف التصريف أن يكون (أشياء) جمعاً وأنّ همزته الأولى همزة مزيدة للجمع. إلاّ أنّ (أشياء) ورد في القرآن هنا ممنوعاً من الصرف، فتردّد أئمّة اللغة في تأويل ذلك، وأمثل أقوالهم في ذلك قول الكسائي: إنّه لما كثر استعماله في الكلام أشبه (فعلاء)، فمنعوه من الصرف لهذا الشبه، كما منعواسراويل من الصرف وهو مفرد لأنّه شابه صيغة الجمع مثل مصابيح. وقال الخليل وسيبويه: (أشياء) اسم جمع (شيء) وليس جمعاً، فهو مثل طَرْفاء وحلفاء فأصله شيْئاء، فالمّدة في آخره مدّة تأنيث، فلذلك منع من الصرف، وادّعى أنّهم صيّروه أشياء بقلب مَكَاني. وحقُّه أن يقال: شيْئَاء بوزن (فعلاء) فصار بوزن (لفعاء). وقوله {إن تبد لكم تسؤكم} صفة {أشياء}، أي إن تُظهرْ لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسوءكم، ولمّا كانت الأشياء المسؤول عنها منها ما إذا ظهر ساء من سأل عنه ومنها ما ليس كذلك، وكانت قبل إظهارها غير متميّزة كان السؤال عن مجموعها معرّضاً للجواب بما بعضه يسوء، فلمّا كان هذا البعض غير معيّن للسائلين كان سؤالهم عنها سُؤالاً عن ما إذا ظهر يسوءهُم، فإنّهم سألوا في موطن واحد أسئلة منها: ما سرّهم جوابه، وهو سؤال عبد الله بن حذافة عن أبيه فأجيب بالذي يصدّق نسبه، ومنها ما ساءهم جوابه، وهو سؤال من سأل أين أبي، أو أين أنا فقيل له: في النار، فهذا يسوءه لا محالة. فتبيّن بهذا أنّ قوله: {إن تبد لكم تسؤكم} روعي فيه النهي عن المجموع لكراهية بعض ذلك المجموع. والمقصود من هذا استئناسهم للإعراض عن نحو هذه المسائل، وإلاّ فإنّ النهي غير مقيّد بحال ما يسوءهم جوابه، بدليل قوله بعده {عفا الله عنها}. لأنّ العفو لا يكون إلاّ عن ذنب وبذلك تعلم أنّه لا مفهوم للصفة هنا لتعذّر تمييز ما يسوء عمّا لا يسوء. وجملة {وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبْدَ لكم} عطف على جملة {لا تسألوا}، وهي تفيد إباحة السؤال عنها على الجملة لقوله: {وإن تسألوا} فجعلهم مخيّرين في السؤال عن أمثالها، وأنّ ترك السؤال هو الأوْلى لهم، فالانتقال إلى الإذن رخصة وتوسعة، وجاء بــ {إنْ} للدلالة على أنّ الأولى ترك السؤال عنها لأنّ الأصل في (إنْ) أن تدلّ على أنّ الشرط نادر الوقوع أو مرغوب عن وقوعه. وقوله: {حين ينزّل القرآن} ظرف يجوز تعلّقه بفعل الشرط وهو {تسألوا}، ويجوز تعلّقه بفعل الجواب وهو {تُبدَ لكم}، وهو أظهر إذ الظاهر أنّ حين نزول القرآن لم يجعل وقتاً لإلقاء الأسئلة بل جعل وقتاً للجواب عن الأسئلة. وتقديمه على عامله للاهتمام، والمعنى أنّهم لا ينتظرون الجواب عمّا يسألون عنه إلاّ بعد نزول القرآن، لقوله تعالى: {أية : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب} تفسير : [الأنعام: 50] إلى قوله {أية : إن أتّبعُ إلاّ ما يوحى إليّ}تفسير : [الأنعام: 50] فنبّههم الله بهذا على أنّ النبي يتلقّى الوحي من علاّم الغيوب. فمن سأل عن شيء فلينتظر الجواب بعد نزول القرآن، ومن سأل عند نزول القرآن حصل جوابه عقِب سؤاله. ووقتُ نزول القرآن يعرفه من يحضر منهم مجلس النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فإنّ له حالة خاصّة تعتري الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ يعرفها الناس، كما ورد في حديث يعلى بن أمية في حكم العمرة. ومما يدلّ لهذا ما وقع في حديث أنس من رواية ابن شهاب في «صحيح مسلم» حديث : أنّ رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ صلّى لهم صلاة الظهر فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة وذكر أنّ قبلها أموراً عظاماً ثم قال: مَنْ أحبّ أن يسألني عن شيء فليسألني عنه فوالله لا تسألونني عن شيء إلاّ أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا. ثم قال: «لقد عرضت عليَّ الجنة والنار آنفاً في عُرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر»» تفسير : الحديث، فدلّ ذلك على أنّ رسول الله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ كان ذلك الحينَ في حال نزول وحي عليه. وقد جاء في رواية موسى بن أنس عن أبيه أنس أنّه أنزل عليه حينئذٍ قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء} الآية. فتلك لا محالة ساعة نزول القرآن واتّصال الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بعالم الوحي. وقوله: {عفا الله عنها} يحتمل أنّه تقرير لمضمون قوله: {وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبدَ لكم}، أي أنّ الله نهاكم عن المسألة وعفا عنكم أن تسألوا حين ينزّل القرآن. وهذا أظهر لعوذ الضمير إلى أقرب مذكور باعتبار تقييده {حين ينزّل القرآن}. ويحتمل أن يكون إخباراً عن عفوه عمّا سلف من إكثار المسائل وإحفاء الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ فيها لأنّ ذلك لا يناسب ما يجب من توقيره. وقوله: {قد سألها قوم من قبلكم ثُم أصبحوا بها كافرين} استئناف بياني جواب سؤال يثيره النهي عن السؤال ثم الإذن فيه في حين ينزل القرآن، أن يقول سائل: إن كان السؤال في وقت نزول القرآن وأنّ بعض الأسئلة يسوء جوابه قوماً، فهل الأوْلى ترك السؤال أو إلقاؤه. فأجيب بتفصيل أمرها بأنّ أمثالها قد كانت سبباً في كفر قوممٍ قبل المسلمين. وضمير {سألها} جُوّز أن يكون عائداً إلى مصدر مأخوذ من الكلام غير مذكور دلّ عليه فعل {تسألوا}، أي سأل المسألة، فيكون الضمير منصوباً على المفعولية المطلقة. وجرى جمهور المفسّرين على تقدير مضاف، أي سأل أمثالها. والمماثلة في ضآلة الجدوى. والأحسن عندي أن يكون ضمير {سألها} عائداً إلى {أشياء}، أي إلى لفظه دون مدلوله. فالتقدير: قد سأل أشياء قومٌ من قبلكم، وعدّي فعل {سأل} إلى الضمير على حذف حرف الجرّ، وعلى هذا المعنى يكون الكلام على طريقة قريبة من طريقة الاستخدام بل هي أحقّ من الاستخدام، فإنّ أصل الضمير أن يعود إلى لفظ باعتبار مدلوله وقد يعود إلى لفظ دون مدلوله، نحو قولك: لك درهم ونصفه، أي نصف درهم لا الدرهم الذي أعطيته إياه. والاستخدام أشدّ من ذلك لأنّه عود الضمير على اللفظ مع مدلول آخر. و{ثم} في قوله: {ثم أصبحوا بها كافرين} للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل فإنّها لا تفيد فيه تراخي الزمان وإنّما تفيد تراخي مضمون الجملة المعطوفة في تصوّر المتكلّم عن تصور مضمون الجملة المعطوف عليها، فتدلّ على أنّ الجملة المعطوفة لم يكن يُترقب حصول مضمونها حتى فاجأ المتكلم. وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند قوله تعالى: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} تفسير : في سورة البقرة (85). والباء في قوله {بها} يجوز أن تكون للسببية، فتتعلّق بِــ {أصبحوا}، أي كانت تلك المسائل سبباً في كفرهم، أي باعتبار ما حصل من جوابها، ويحتمل أن تكون «للتعدية» فتتعلّق بــ {كافرين}، أي كفروا بها، أي بجوابها بأن لم يصدّقوا رسلهم فيما أجابوا به، وعلى هذا الوجه فتقديم المجرور على عامله مفيد للتخصيص، أي ما كفروا إلاّ بسببها، أي كانوا في منعة من الكفر لولا تلك المسائل، فقد كانوا كالباحث على حتفه بظلفه، فهو تخصيص ادّعائي، أو هو تقديم لمجرّد الاهتمام للتنبيه على التحذير منها. وفعل {أصبحوا} مستعمل بمعنى صاروا، وهو في هذا الاستعمال مشعر بمصير عاجل لا تريّث فيه لأنّ الصباح أول أوقات الانتشار للأعمال. والمراد بالقوم بعض الأمم التي كانت قبل الإسلام، سألوا مثل هذه المسائل، فلمّا أعطوا ما سألوا لم يؤمنوا، مثل ثمود، سألوا صالحاً آية، فلمّا أخرج لهم ناقة من الصخر عقروها، وهذا شأن أهل الضلالة متابعةُ الهوى فكلّ ما يأتيهم ممّا لا يوافق أهواءهم كذّبوا به، كما قال الله تعالى: {أية : وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم مُعرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين}تفسير : [النور: 48، 49]، وكما وقع لليهود في خبر إسلام عبد الله بن سَلام. وقريب ممّا في هذه الآية ما قدّمناه عند تفسير قوله تعالى: {أية : قل من كان عدوّاً لجبريل} تفسير : في سورة البقرة (97). فإنّ اليهود أبغضوا جبريل لأنّه أخبر دانيال باقتراب خراب أورشليم، وتعطيل بيت القدس، حسبما في الإصحاح التاسع من كتاب دانيال. وقد سأل اليهود زكرياء وابنه يحيى عن عيسى، وكانا مقدّسين عند اليهود، فلمّا شهدا لعيسى بالنبوءة أبغضهما اليهود وأغروا بهما زوجة هيرودس فحملته على قتلهما كما في الإصحاح الرابع من إنجيل متّى والإصحاح الثالث من مرقس. والمقصود من هذا ذمّ أمثال هذه المسائل بأنّها لا تخلو من أن تكون سبباً في غمّ النفس وحشرجة الصدر وسماع ما يَكره ممّن يُحبّه. ولولا أنّ إيمان المؤمنين وازع لهم من الوقوع في أمثال ما وقع فيه قومٌ من قبلهم لكانت هذه المسائل محرّمة عليهم لأنها تكون ذريعة للكفر. فهذا استقصاء تأويل هذه الآية العجيبة المعاني البليغة العبر الجديرة باستجلائها، فالحمد لله الذي منّ باستضوائها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 101- يا أيها الذين آمنوا: لا تسألوا النبى عن أمور أخفاها الله عنكم لأنها إن تظهر لكم تسؤكم، وإن تسألوا النبى عنها - فى حياته إذ ينزل عليه القرآن - يبينها الله لكم، عفا الله عنكم فى هذه الأشياء فلا يعاقبكم عليها، والله كثير المغفرة واسع الحلم فلا يعجل بالعقوبة. 102- قد سأل عن أمثال هذه الأمور الشاقة جماعة ممن سبقوكم، ثم بعد أن كلفوا بها على ألْسِنَةَ أنبيائهم ثقل عليهم تنفيذها، فأعرضوا عنها، وكانوا لها منكرين، لأن الله يريد اليسر ولا يريد العسر، ويكلف الناس ما يطيقون. 103- لم يأذن الله لكم أن تحرِّموا ما أحلَّه لكم، فتشقوا أذن الناقة، وتمتنعوا عن الانتفاع بها، وتسموها "بَحِيرة"، وتتركوها بناء على نذر، وتسموها "سائبة"، وتُحَرِّموا الذكر من الشاة، وتهبوه للأصنام، حتى إذا أنتجت الشاة ذكراً وأنثى سميتموها "وَصِيلة"، ولم تذبحوا الذكر منها. ولم يشرع لكم أن تحرِّموا الانتفاع بالذكر من الإبل إذا ولد منه عشرة أبطن، وتطلقوا عليه اسم "حَام"، لم يشرع الله لكم شيئاً من ذلك، ولكن الذين كفروا يختلقون الكذب وينسبونه إلى الله، وأكثرهم لا يعقلون.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن تبد لكم: تظهر لكم تضركم. عفا الله عنها: سكت عنها فلم يذكرها أو لم يؤاخذكم بها. سألها قوم: طلبها غيركم من الأمم السابقة. ما جعل الله: أي ما شرع. بحيرة ولا سائبة: البحيرة: الناقة تبحر أذنها أي تشق، والسائبة: الناقة تسيّب. ولا وصيلة ولا حام: الوصيلة: الناقة يكون أول إنتاجها أنثى، والحام: الجمل يحمى ظهره للآلهة. ما أنزل الله: من الحق والخير. ما وجدنا عليه آباءنا: من الباطل والضلال. معنى الآيات: لقد أكثر بعض الصحابة من سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تضايق منهم فقام خطيباً فيهم وقال: "حديث : "لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم" .. فقام رجل يدعى عبد الله بن حذافة كان إذا تلامى مع رجل دعاه إلى غير أبيه فقال من أبي يا رسول الله؟ فقال: أبوك حذافةتفسير : ، وقال أبو هريرة: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ولو قلت نعم، لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم"تفسير : فنزلت: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} أي تظهر لكم جواباً لسؤالكم يحصل لكم بها ما يسؤكم ويضركم، {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} أي يبينها رسولنا لكم. أما أن تسألوا عنها قبل نزول القرآن بها فذلك مالا ينبغي لكم لأنه من باب إحفاء رسول الله وأذيته ثم قال تعالى لهم: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} أي لم يؤاخذكم بما سألتم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}، فتوبوا إليه يتب عليكم واستغفروه يغفر لكم ويرحمكم فإنه غفور رحيم. وقوله تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} أي قد سأل أسئلتكم التنطعية المحرجة هذه قوم من قبلكم {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ}، لأنهم كلفوا ما لم يطيقوا وشق عليهم جزاء تعنتهم في أسئلتهم لأنبيائهم فتركوا العمل بها فكفروا. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [101] والثانية [102] وأما الثالثة [103] فقد قال تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} ومن الجائز أن يكون هناك من يسأل الرسول عن البحيرة وما بعدها فأنزل الله تعالى قوله: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} أي ما بحر الله بحيرة ولا سيب سائبة ولا وصل وصيلة ولا حَمَى حَامِيةً، ولكن الذين كفروا هم الذين فعلوا ذلك افتراء على اله وكذباً عليه {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، ولو عقلوا ما افتروا على الله وابتدعوا وشرعوا من أنفسهم ونسبوا ذلك إلى الله تعالى، وأول من سيب السوائب وغير دين إسماعيل عليه السلام عمرو بن لحي الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرُّ قَصْبه في النار أي أمعاءه في جهنم. هذا ما تضمنته الآية الثالثة أما الرابعة [104] فقد أخبر تعالى أن المشركين المفترين على الله الكذب بما ابتدعوه من الشرك إذ قيل لهم {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} ليبين لكم كذبكم وباطلكم في بحر البحائر وتسييب السوائب، يرفضون الرجوع إلى الحق ويقولون: {حَسْبُنَا} أي يكفينا {مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} فلسنا في حاجة إلى غيره فرد تعالى عليهم منكراً عليهم قولهم الفاسد {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} أي يتبعونهم ويحتجون بباطلهم ولو كان أولئك الآباء جهالاً حمقاً لا يعقلون شيئاً من الحق، {وَلاَ يَهْتَدُونَ} إلى خير أو معروف. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- كراهية الإِلحاف في السؤال والتقعر في الأسئلة والتنطع فيها. 2- حرمة الابتداع في الدين وأنه سبب وجود الشرك في الناس. 3- وجوب رد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة والرضا بحكمهما. 4- حرمة تقليد الجهال واتباعهم في أباطيلهم.
القطان
تفسير : بعد ان بين الله تعالى ان وظيفة الرسول هي التبليغ، ناسَبَ ان يصرّح بأن الرسول قد أدى وظيفة البلاغ الذي كمُل به الاسلام، وانه لا ينبغي للمؤمنين ان يكثروا عليه من السؤال، لئلا يكون ذلك سبباً لكثرة التكاليف التي يشقّ على الأمة احتمالها. يا أيها المؤمنون، لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين ودقائق التكاليف ولا من امور الغيب، مما يُحتمل أن يكون إظهارها سبباً لإرهاقكم، إما بشدة التكاليف وكثرتها، أو بظهور حقائق تفضح أهلها، وإن تسألوا النبي عنها في حياته اذ ينزل عليه القرآن يُبّينها الله لكم. ولقد فعلتم ذلك، لكن الله عفا عن مسألتكم، وهو حكيم بكم رؤوف في معاملتكم. عفا الله عنكم في هذه الاشياء، فلا يعاقبكم عليها، ولقد سأل عن أمثال هذه الامور الشاقة اقوام سبقوكم، وأجابهم الله على السنة انبيائهم، وحين زادت التكاليف ثقُل عليهم تنفيذها، فأعرضوا عنها وأنكروها. وبذلك كانوا هم الخاسرين. والله سبحانه وتعالى يريد بنا اليسر لا العسر، وقد أنزل هذا القرآن ليربي الرسول على هَديه ـ وينشىء مجتمعا متكاملا، فمن الأدب مع الله والرسول ان يترك الناس لحكمة الله تعالى تفصيل تلك الشريعة وإجمالها. وفي الحديث الصحيح عن ابي ثعلبة الخشني قال، قال رسول الله عليه السلام: "حديث : ان الله فرض فروضا فلا تضيّعوها، وحدوداً فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن اشياءَ رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"تفسير : رواه الدارقطني وغيره. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذَرُوني ما تركتُكم، فإذا أمرتُكم بشىء فأتُوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه، فانما أُهلِكَ مَن كان قبلَكم بكثرة سؤالهم واختلافِهم على أنبيائهم ". تفسير : وذكر عن الزهري قال: " بلغنا ان زيد بن ثابت الانصاري ـ وهو من علماء الصحابة الكرام ـ كان يقول اذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدّث فيه بالذي يعلم، وان قالوا: لم يكن، قال: ذروه حتى يكون".
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {لاَ تَسْأَلُواْ} {ٱلْقُرْآنُ} (101) - يُؤَدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أشْيَاءَ لاَ فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُؤَالِ عَنْهَا، وَعَنِ التَّنْقِيبِ عَنْ خَفَايَاهَا، لأَنَّها إنْ ظَهَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الأشْيَاءُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا. (وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ "حديث : أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ غَضْبَانَ، مَحْمَرَّ الوَجْةِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَامَ إلَيهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أيْن أبِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّارِ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أبِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: أَبُوكَ حُذَافَةُ"تفسير : ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ). وَيَقُولُ تَعَالَى: إذَا سَألْتُمْ عَنْ هَذِهِ الأشْيَاءِ التِي نُهِيتُمْ عَن السُّؤَالِ عَنْها، حِينَ يَنْزِلُ القُرآنُ فِي شَأنِهَا أوْ حُكْمِهَا، أوْ لأجْلِ فَهْمِ مَا نَزَلَ إلَيكُمْ، فَإِنَّ اللهَ يُبْدِيهِ لَكُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ"تفسير : ). (رَوَاهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). وَقِيلَ إنَّ المَقْصُودَ بِقَولِهِ تَعَالَى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ...} هُوَ لاَ تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْها، فَلَعَلَّهُ يَنْزِلُ بِسَبَبِ سُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أوْ تَضْيِيقٌ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : أعْظَمُ المُسْلِمِينَ جُرْماً مَنْ سَألَ عَنْ شَيءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أجْلِ مَسْألَتِهِ"تفسير : ). إنْ تُبْدَ لَكُمْ - تَسُؤْكُمْ - إنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ سَاءَتْكُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ سَمَاعُهَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذا نهي عن السؤال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ". تفسير : ونعرف أن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم عندما أخذوا يماطلون في أمر ذبح البقرة، وتساءلوا عن لونها، وشددوا فشدد الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة لكانت مقبولة منهم، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم حتى جاءت البقرة الموصوفة ملكاً ليتيم، كان هذا اليتيم ابناً لرجل صالح وكانت له عِجْلة فأتى بها موضعا كثير الشجر والمرعى وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر وعندما ساوموا اليتيم على ثمنها باعها لهم بملء جلدها ذهباً. حديث : وقد شدد بعض الناس في سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبدالله بن حذافة بن قيس السهمي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبي؟ فأجاب رسول الله: أبوك حذافة. ولو فرضنا أن هذا السائل كان ينسب لغير أبيه ألا يكون في ذلك فضيحة لأمه وقد قالت له أمه: ما رأيت أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رءوس الناس . تفسير : لقد أراد الحق أن يخفف من أسئلة الناس في الأمور التي تؤدي بهم إلى المشقة والتعب وتسيء إليهم وتقبل الحق من رسوله أسئلة المؤمنين عن القواعد الشريعة مثل سؤالهم عن الخمر والأهلة والحيض والشهر الحرام وغيرها. أما الأسئلة الأخرى فقد قال الحق في شأنها: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. ذلك أن البعض استمرأ السؤال وكأنه يمتحن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك جاء الأمر بألا يتعمد المؤمنون السؤال عما ستره الله عنهم كي لا ينفضح عرضهم. {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} فإن نزل القرآن وهو يحمل الإجابة كان بها. وإن لم تأت الإجابة فلا يقولن أحد: إن النبي ليس عنده جواب. أو هي سؤال عن الأشياء التي اقترحوها ادعاء منهم أنها تثبت صدق النبوة فقد حكى الله عنهم: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 90-93]. لقد ظهر من هذا القول سوء النية المبيتة منهم، فالرسول لن يأتي بالآيات، بل تأتيه الآيات بالأمر المكلف به؛ لأن الرسول لا يختار ما يُؤْتى به من آيات، ولكن الحق هو الذي يرسل الآيات المناسبة. ولذلك يقول الحق: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ...}
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم أن {لاَ تَسْأَلُواْ} ولا تقترحوا من رسولكم {عَنْ أَشْيَآءَ} قبل ورود الوحي {إِن تُبْدَ} وتظهر {لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} وتغمكم، وتورث فيكم حزناً {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} بلا سواء وحزن {عَفَا ٱللَّهُ} عمَّا سلف {عَنْهَا} فعليكم أن تحافظوا عليها بعد ورود النهي {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {غَفُورٌ} لهم ما سبق من ذنوبهم قبل ورود الزواجر {حَلِيمٌ} [المائدة: 101] لا يعجل بالعقوبة إلى أن يبوؤوا. واعلموا أنه {قَدْ سَأَلَهَا} عنها {قَوْمٌ} مثلكم {مِّن قَبْلِكُمْ} من أنبيائهم {ثُمَّ} بعدما ظهر ما اقترحوا {أَصْبَحُواْ} صاروا {بِهَا} بسبب ظهورها {كَافِرِينَ} [المائدة: 102] بعدم امتثالهم وانقيادهم بما ظهر. {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ} أي: ما وضع، وشرع لكم في دينكم ما في الجاهلية {مِن بَحِيرَةٍ} وهو أنهم كانوا إذا انتجت ناقتهم خمسة أبطن خامسها ذكر بحروا أذنها؛ أي: شقُّوها وخلوا سبيلها، فلا تركب ولا تحمل ولا تحلب أبداً، فسموها بحيرة {وَلاَ سَآئِبَةٍ} وهي أنهم قالوا: إذا شفيتُ فناقتي سائبة؛ أي: ممنوعة من الانتفاع كالبحيرة {وَلاَ وَصِيلَةٍ} وهي أنهم إذا ولدت شاتهم أنثى كان لهم، وإذا ولدت ذكراً كان لآلهلتهم، وإذا ولت ذكرا وأنثى في بطن واحد يتبعون الأنثى بالكذور، ويتقربون بها، وسموها وصيلة. {وَلاَ حَامٍ } وهي أنهم إذا أنتجت من صلب فحل عشرة أبطن، حرم انتفاعه بالكلية، ولم يمنعوها من الماء والكلأ والمرعى، وقالوا: قد حمى ظهره، ويسمونها حام {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أعرضوا عن الإيمان والإطاعة {يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} أي: يستوي أمثال هذه المزخرفات الباطلة على الله؛ افتراءً {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] الله، ولا يعلمون حق قدرة ومقتضى حكمته. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} إمحاضاً للنصح: {تَعَالَوْاْ} هلموا {إِلَىٰ} امتثال {مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المصلح لحالاتكم {وَإِلَى} متابعة {ٱلرَّسُولِ} الهادي لكم عمَّا فيكم من الضلال {قَالُواْ} من غاية انهماكهم في الغفلة: {حَسْبُنَا} وكافياً {مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} وأسلافنا، قل لهم {أَ} تقلدونهم، وتقتفون أثرهم {وَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} من أنفسهم {وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] طريقاً مستقيماً بإهداء الهادي، وإرشاد المرشد مع كونكم عقلاء من أهل التمييز والاختيار، فالعار كل العار، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن كثرة السؤال أحثها تورث الملال بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ} [المائدة: 101]، إشارة أن الله تعالى نهى أهل الإيمان أن يتعلموا علم اللدنية وحقائق الأشياء بطريق السؤال؛ لأنها ليست من علوم القال وإنها من علوم الحال، فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ}، أي: من حقائق الأشياء {إِن تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101]، بيانها بطريق القال {تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101]؛ إذ لم تهتدوا إلى الحقائق ببيان القال فتقع عقولكم المنسوبة بآفات الهوى والوهم والخيال في الشبهات فتهلكوا في أوديتها كما كان طوائف حال الفلاسفة؛ إذا طلبوا علوم حقائق الأشياء بطريق القال والبراهين المعقولة، فما كان منها مندرجة تحت نظر العقل المجردة عن شوائب الوهم والخيال أصابوها المتحذلقة منهم، وهو من يدعي الحذاقة أكثر مما عنده، وما ضاقت منه نطاق العقول عن دركها استزلهم الشيطان عند البحث والنظر عن الصراط المستقيم، وأوقعهم في أودية الشبهات بوادي المهلكات فهلكوا وأهلكوا خلقاً عظيماً بتصانيفهم في العلوم الإلهية، وبعضهم خلطوا العلم الأصول وقرروا شبهاتهم فيما ضلوا عن سواء السبيل، وما علموا أن تعلم علوم - مع الله تعالى، فقد أعلمهم علوم الحقائق بالإرادات لا بالروايات، فقال تعالى {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 75]، في حق النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ}تفسير : [طه: 23]، وقال صلى الله عليه وسلم إرثاء الأشياء كما هي، وكما كان حال الأمة مع النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الكتاب بالقال، والحكمة بالحال بطريق الصحبة وتزكية نفوسهم عن شوائب آفات النفس وأخلاقها، كقوله تعالى فيمن تحقق له فوائد الصحبة على موائد المتابعة {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]، ثم قال تعالى: {وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة:101]، وإن كان لا يدلكم من السؤال عن حقائق الأشياء، فاسألوا عنها بعد نزول القرآن أي: عن القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم، فأما العوام منكم فيؤمنون بمتشابهات القرآن فإنها بيان حقائق الأشياء ويقولون كل من عند ربنا ولا يتصرفون فيها بعقولهم طلباً للتأويل فإنه {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران: 7]، وهم الخواص، وأما الخواص فيفهمون عما يشير القرآن إليه من حقائق الأشياء بالنور والإشارات والمتشابهات حالاً يفهِّم غيرهم، كما أشار تعالى بقصة موسى والخضر - عليهما السلام - إلى أن تعلم العلم اللدني إنما يكون بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم وترك الأغراض على الصاحب المعلم لا بالقال والسؤال بقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}تفسير : [الكهف: 66-67]؛ يعني: في المتابعة والتسليم وترك الاعتراض {أية : قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً * قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} تفسير : [الكهف: 69-70]؛ يعني: أن من شرط المتابعة ترك السؤال عن الأفعال، وغيرها فلما لم يستطع موسى عليه السلام معه صبرا قال - يعني موسى - {أية : إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي} تفسير : [الكهف: 76]، يشير إلى أن يعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم لا بالقال السؤال، وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة فافهم جيداً. فلا عاد في الثالثة إلى السؤال، وقال: {أية : قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}تفسير : [الكهف: 77-78]، قال: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا} [المائدة: 101]؛ أي: عما سألتهم وطلبتم علوم الحقائق بالقال قبل نزول هذه الآية {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} [المائدة: 101] لمن تاب ورجع إلى الله في طلب علوم الحقائق بالقال والسؤال {حَلِيمٌ} [المائدة: 101]، بأن يطلب بالحال يحلم عنهم في أثناء الطلب بالصدر منهم مما ينافي أمر الطلب إلى أن يوفقهم لما يوافق الطلب، قال تعالى: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 102]؛ يعني: من مقدمي الفلاسفة قد شرعوا في طلب العلوم الإلهية بالقال ونظر العقل فوقعوا في أودية الشيطان {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ} [المائدة: 102]؛ أي: بسبب الشبهات التي وقعوا فيها بتتبع القال والقيل وكثرة السؤال وترك متابعة الأنبياء - عليهم السلام. ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ حَامٍ } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، {وَلاَ وَصِيلَةٍ} [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة {يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} [المائدة: 104]، من الأحكام {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته {وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة {وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما أنه لو بين للسائل لم يكن له فيه خير، وكسؤالهم للأمور غير الواقعة. وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة، وما أشبهها هي المنهي عنها، وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شيء من ذلك فهذا مأمور به، كما قال تعالى: {أية : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }. تفسير : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنزلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } أي: وإذا وافق سؤالكم محله فسألتم عنها حين ينزل عليكم القرآن، فتسألون عن آية أشكلت، أو حكم خفي وجهه عليكم، في وقت يمكن فيه نزول الوحي من السماء، تبد لكم، أي: تبين لكم وتظهر، وإلا فاسكتوا عمّا سكت الله عنه. { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } أي: سكت معافيا لعباده منها، فكل ما سكت الله عنه فهو مما أباحه وعفا عنه. { وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي: لم يزل بالمغفرة موصوفا، وبالحلم والإحسان معروفا، فتعرضوا لمغفرته وإحسانه، واطلبوه من رحمته ورضوانه. وهذه المسائل التي نهيتم عنها { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي: جنسها وشبهها، سؤال تعنت لا استرشاد. فلما بينت لهم وجاءتهم { أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "حديث : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم ".
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ} [101] 174- أنا محمود بن غَيلان، حدثنا النَّضر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك قال: حديث : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحابه [شيء]، فخطب فقال: "عُرضت عليَّ الجنة والنار، فلم أرَ كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا". قال: فما أَتَى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومٌ أشد منه، قال: غَطُّوا رؤُوسهم ولهم خَنين، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً، فقام ذلك الرجل فقال: مَن أبي، فقال: أبوك فلان قال: فنزلت {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} .
همام الصنعاني
تفسير : 742- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي في قوله تعالى: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}: [الآية: 101]، قال: لَمَا نَزَلَتْ آية الحج، قال رجُلٌ: أَكُلَّ عامٍ؟ قال: لو قلت ذلِكَ لوجبت ولَمَا قُمْتُمْ بها. 743- عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن مولى لابن أبي بكر الصديق، عن أبي بكر الصديق، قال: كل دابَّةٍ في البحر قد ذبحهعا الله لك فَكُلْها. 744- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: حديث : سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأكثروا عليه، فَقَامَ مُغْضباً مُسْتَشيطاً فقال: "سلوني فَوَاللهِ لا تسْألُوني اليَوْمَ عن شيء ما دمت في مقام هذا إلاَّ حدثتكم به" فقامَ رجُلٌ فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: أبُوك حذَافَة، واشتدَّ ضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "سَلُوني" فلمَّا رأى ذلِك الناسُ منه كثر بكاؤهم: فجثا عمر على ركبتيه . تفسير : 745- عبد الرزاق، قال معمر، وأخبرني الزّهري عن أنس بن مالك قال: فجثا عمر عن ركبتيه، وقَالَ: رضينا بالله ربّاً وبالإِسلامِ ديناً، وبمحمدٍ رسُولاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تفسير : أولى، أَمَا والذي نفسي بيده لقد صُوِّرَت لي الجنة والنار آنفاً في عُرْض هذه الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر ". تفسير : 746- عبد الرزاق، عن معمر، قال الزّهري: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: فقالت أُم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولداً قط أعقُّ مِنْكَ، أكنت تأمن أن تكون أُمُّك قارفت ما قارفت أهْل الجاهِليَّة فتفضحُها على رؤوس الناس، قال: والله لو أحلقني بعبد أسْود للحقته. قال معمر: وإنما ألحقه بأبيه الذي كانَ له. 747- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: نزلتْ: {لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}: [الآية: 101]، في رجُل قال: يا رسول الله! من أبي؟ قالَ: "أبُوكَ فُلان".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):