Verse. 771 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قَدْ سَاَلَہَا قَوْمٌ مِّنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ اَصْبَحُوْا بِہَا كٰفِرِيْنَ۝۱۰۲
Qad saalaha qawmun min qablikum thumma asbahoo biha kafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قد سألها» أي الأشياء «قوم من قبلكم» أنبياءهم فأجيبوا ببيان أحكامها «ثم أصبحوا» صاروا «بها كافرين» بتركهم العمل بها.

102

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المفسرون: يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها وقوم موسى قالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153] فصار ذلك وبالاً عليهم، وبنو إسرائيل {قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } قال تعالى: فما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم} [البقرة: 246] و {أية : قَالُواْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ } تفسير : [البقرة: 247] فسألوها ثم كفروا بها، وقوم عيسى سألوا المائدة ثم كفروا بها،فكأنه تعالى يقول أولئك سألوا فلما أعطوا سؤالهم ساءهم ذلك فلا تسألوا عن أشياء فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك فإن قيل:إنه تعالى قال:أولا: {أية : لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء } تفسير : [المائدة: 101] ثم قال ههنا: {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ } وكان الأولى أن يقول: قد سأل عنها قوم فما السبب في ذلك. قلنا الجواب من وجهين: الأول: أن السؤال عن الشيء عبارة عن السؤال عن حالة من أحواله، وصفة من صفاته، وسؤال الشيء عبارة عن طلب ذلك الشيء في نفسه، يقال: سألته درهماً أي طلبت منه الدرهم ويقال: سألته عن الدرهم أي سألته عن صفة الدرهم وعن نعته، فالمتقدمون إنما سألوا من الله إخراج الناقة من الصخرة، وإنزال المائدة من السماء، فهم سألوا نفس الشيء، وأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهم ما سألوا ذلك، وإنما سألوا عن أحوال الأشياء وصفاتها، فلما اختلف السؤالان في النوع، اختلفت العبارة أيضاً إلا أن كلا القسمين يشتركان في وصف واحد، وهو أنه خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه، وفيه خطر المفسدة، والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة، يجب على العاقل الاحتراز عنه، فبيّـن تعالى أن قوم محمد عليه السلام في السؤال عن أحوال الأشياء مشابهون لأولئك المتقدمين في سؤال تلك الأشياء في كون كل واحد منهما فضولاً وخوضاً فيما لا فائدة فيه. الوجه الثاني: في الجواب أن الهاء في قوله {قَدْ سَأَلَهَا } غير عائدة إلى الأشياء التي سألوا عنها، بل عائدة إلى سؤالاتهم عن تلك الأشياء، والتقدير: قد سأل تلك السؤالات الفاسدة التي ذكرتموها قوم من قبلكم، فلما أجيبوا عنها أصبحوا بها كافرين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَدْ سَأَلَهَا } أي الأشياء {قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ } أنبياءَهم فأُجيبوا ببيان أحكامها {ثُمَّ أَصْبَحُواْ } صاروا {بِهَا كَٰفِرِينَ } بتركهم العمل بها.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ} قوم عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ سألوا المائدة ثم كفروا بها، أو قوم صالح ـ عليه الصلاة والسلام ـ سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها، أو قريش سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن يُحَوِّل لهم الصفا ذهباً، أو الذين سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم مَنْ أَبِي ونحوه فلما أخبرهم به أنكروه وكفروا به.

الخازن

تفسير : {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} قال المفسرون: يعني قوم صالح سألوا الناقة ثم عقروها فأصبحوا بها كافرين، وقوم موسى قالوا: أرنا الله جهرة، فكان هذا السؤال وبالاً عليهم، وقوم عيسى، سألوا نزول المائدة عليهم ثم كذبوها. كأنه تعالى يقول: إن أولئك سألوا فلما أُعطوا سؤلهم كفروا به فلا تسألوا أنتم شيئاً فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك. قوله تعالى: {ما جعل الله} أي ما أنزل الله ولا حكم به ولا شرعه ولا أمر به {من بحيرة} البحيرة: من البحر وهو الشق. يقال: بحر ناقته إذا شق أذنها فهي فعيلة بمعنى مفعولة {ولا سائبة} يعني المسيبة المخلاة {ولا وصيلة} الوصيلة: الشاة وكانت العرب في الجاهلية إذا ولدت لهم ذكراً أو أنثى قالوا وصلت أخاها {ولا حام} الحام: هو الفحل من الإبل يحمى ظهره فلا يركب ولا ينتفع به. قال ابن عباس: في بيان هذه الأوصاف، البحيرة: هي الناقة إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها ولم يجزّوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء وإن كانت أنثى شقوا أذنها وتركوها وحرموا على الناس منافعها. وكانت منافعها للرجال خاصة فإذا ماتت حلت الرجال والنساء. وقيل كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم سيب مع أمها ويفعل بها ما يفعل بأمها. وقيل: السائبة البعير الذي يسيب لآلهتهم وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر، فقال: إنْ شفاني الله أو شفى الله مريضي أو قدم غائبي فناقتي هذه سائبة ثم يسيبها، فلا تحبس عن ماء ولا مرعى ولا يركبها أحد، فهي بمنزلة البحيرة والوصيلة من الغنم. كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكر ذبحوه وأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كانت ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها واستحيوا الذكر فلم يذبحوه من أجل الأنثى والحامي هو الفحل إذا ركب ولد ولده. وقيل: هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن. قالوا: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى فإذا مات أكله الرجال والنساء (ق) عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار"تفسير : . ولمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار"تفسير : (خ) عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت جهنم تحطم بعضها بعضاً ورأيت عمراً يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب"تفسير : . القُصْب بضم القاف وسكون الصاد المهملة الأمعاء كانت الجاهلية تفعل هذا في جاهليتهم فلما بعث الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أبطل ذلك بقوله "حديث : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام يعني ما بحر الله من بحيرة ولا سيب من سائبة ولا وصل من وصيلة ولا حمى من حام ولا أذن فيه ولا أمر به ولكنكم أنتم فعلتم ذلك من عند أنفسكم"تفسير : (خ) عن ابن مسعود أن أهل الإسلام لا يسيبون وأن أهل الجاهلية كانوا يسيبون. وقوله تعالى: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} يعني بقولهم إن الله أمرنا بهم {وأكثرهم لا يعقلون} أراد بالأكثر الاتباع يعني أن الاتباع لا تعقل أن هذا كذب وافتراء من الرؤساء على الله عز وجل.

البقاعي

تفسير : ولما نهى عن السؤال عنها ليتعرف حالها، علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء وطلب أن يعطاها، إما بأن سأل غيره ذلك، وإما بأن شرعها وسأل غيره أن يوافقه عليها وهو قاطع بأنها غاية في الحسن فكانت سبب شقائه فقال: {قد سألها} يعني أمثالها، ولم يقل: سأل عنها، إشارة إلى ما أبدته {قوم} أي أولو عزم وبأس وقيام في الأمور. ولما كان وجود القوم فضلاً عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل، أدخل الجار فقال: {من قبلكم} ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديراً بالقبول لا سيما إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك. فكان رده في غاية البعد، عبر عن استبعاده بأداة العبد في قوله: {ثم أصبحوا بها} أي عقب إتيانهم إياها سواء من غير مهلة {كافرين *} أي ثابتين في الكفر، هذا زجر بليغ لأن يعودوا لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلاً إلى الرهبانية والتعمق في الدين المنهي عنه بقوله: {أية : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} تفسير : [المائدة: 87]. ولما فرغ من زجرهم عن أن يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا مَنْ رحمهم بابتدائهم بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتماداً على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير مخف عنهم شيئاً ينفعهم ولا مبد لهم شيئاً يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم التنبيه على ذلك، قال معللاً بختام الآية التي قبلها: {ما جعل الله} أي الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئاً إلا وهو على غاية الحكمة، وأغرق في النفي بقوله: {من بحيرة} وأكد النفي بإعادة النافي فقال: {ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} دالاً بذلك على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على الخبيث دون الطيب، وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن الأعمال، فإذا هو مما لا يعبأ الله به بل ومما يعذب عليه، لكونه أوقعهم فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب، بل في أقبح أنواعه وهو الكذب على ملك الملوك، ثم صار لهم ديناً، وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين الكفر، وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن عمْراً أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي"تفسير : ورواه عبد بن حميد في مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره: "حديث : وكان عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام"تفسير : ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيّب السوائب"تفسير : قال ابن هشام في السيرة: والبحيرة عندهم الناقة تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجزّ وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو يتصدق به وتهمل لآلهتهم. وروى البخاري في المناقب ومسلم في صفة النار عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. وكذا رواه البخاري أيضاً في التفسير وقال: والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى. وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر وقال البرهان السفاقسي في إعرابه: قال أبو عبيد: وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، في الآخر. ذكر، شقوا أذنها وخلو سبيلها لا تركب ولا تحلب - وقيل غير ذلك، وقال أبو حيان في النهر: قال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق، وكان الرجل يسيب من ماله شيئاً فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل، والوصيلة قال ابن عباس - إنها الشاة تنتج سبعة أبطن، فإن كان السابع أنثى لم تنتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه جميعاً، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء، فإذا ماتت اشترك الرجال والنساء فيها. وقال ابن هشام: والحامي الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر، حمى ظهره فلم يركب ظهره ولم يجزّ وبره وخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع منه بغير ذلك. وقال السفاقسي: قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم - واختاره أبو عبيدة و الزجاج -: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن فيقولون: قد حمى ظهره، فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل عليه شيء. ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء، وكان التحريم والتحليل من خواص الإله، وكان لا إله إلا الله، كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى الله سبحانه كذباً، فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل شيئاً من ذلك: {ولكن الذين كفروا} أي ستروا ما دل عليه عقلهم من أن الله ما جعل هذا، لأنهم لا وصول لهم إليه سبحانه وعز شأنه، فلذلك قال: {يفترون} أي يتعمدون بجعل هذه الأشياء من تحريم وتحليل {على الله} أي الملك الأعلى {الكذب} فيحرمون ما لم يحرمه ويحللون ما لم يحلله {وأكثرهم} أي هؤلاء الذين جعلوا هذه الأشياء {لا يعقلون *} أي لا يتجدد لهم عقل، وهم الذين ماتوا على كفرهم. ثم لما حرموا هذه الأشياء اضطروا إلى تحليل الميتة فحرموا الطيب وأحلوا الخبيث. ولما اتخذوه ديناً واعتقدوه شرعاً ومضى عليه أسلافهم، دعتهم الحظوظ والأنفة من نسبة آبائهم إلى الضلال والشهادة عليهم بالسفه إلى الإصرار عليه وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي، فوطأت أكتافهم وذللت أعناقهم وأكنافهم، فقال تعالى دالاً على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم: {وإذا قيل لهم} أي من أيّ قائل كان ولو أنه ربهم، بما ثبت من كلامهم بالعجز عنه أنه كلامه {تعالوا} أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل {إلى ما أنزل الله} أي الذي لا أعظم منه، وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه {وإلى الرسول} أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ويرضاه {قالوا حسبنا} أي يكفينا {ما وجدنا عليه آباءنا}. ولما كانوا عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم، وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا يهتدي إلى شيء، قال منكراً عليهم موبخاً لهم: {أولو} أي يكفيهم ذلك إذا قالوا ذلك ولو {كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً} أي من الأشياء حق علمه لكونهم لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه، ولما كان من لا يعلم قد يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلاً للاقتداء به، وقد لا يشعر لكونه جهله مركباً فلا يجوز الاقتداء به، بين أنهم من أهل هذا القسم فقال: {ولا يهتدون *} أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب، لأن من لا يعلم لا صواب له، لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم، وأدل دليل على عدم هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة، وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار، فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع على الكدر، ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر، وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في سورة النساء {أية : إن يدعون من دونه إلا إناثاً وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً} تفسير : [المساء: 117] إلى قوله: {أية : ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام}تفسير : [النساء: 119] فالتفت حينئذ إلى قوله: {رجس من عمل الشيطان} أيّ التفات. ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيهاً لآبائهم، فيعود ضرراً عليهم يُسبَّون به على زعمهم، أعلم الله المؤمنين أن مخالفة الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلاً، بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} أي عاهدوا ربهم ورسوله على الإيمان {عليكم أنفسكم} أي الزموا هدايتها وإصلاحها؛ ولما كان كأنه قيل: إنا ننسب بآبائنا، وننسب إليهم، فربما ضرتنا نسبتنا إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: حديث : لا، إنك مؤمن وهو كافر تفسير : - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان ذلك ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال: {لا يضركم من ضل} أي من المخالفين بكفر أو غيره بنسبتكم إليه ولا بقول الكفار: إنكم سفهتم آراءكم، ولا بغير ذلك من وجوه الضرر، وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة التحقيق فقال مفهماً لوجود الضرر عند فقد الهداية: {إذا اهتديتم} أي بالإقبال على ما أنزل الله وعلى الرسول حتى تصيروا علماء وتعملوا بعلمكم فتخالفوا من ضل، فإن كان موجوداً فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر بحسب الطاقة، فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول الأعظم، وإن كان مفقوداً فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء وأولى الأحباء، وإلا كان الباقي أسفه من الماضي، وقد كان لعمري أحدهم لا يتبع أباه إذا كان سفيهاً في أمر دنياه عاجزاً عن تحصيلها ولا يتحاشى عن مخالفته في طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها والتعمق في اقتناصها وحسن السعي في تثميرها ولطف الحيلة في توسيعها من معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة النظر على أن ذلك ظل زائل وعرض تافه، فكيف لا يخالفه فيما به سعادته الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ويشمر ذيله في أمره ويسهر ليله في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله بالنظر فيه حتى يظهر له الحق فيتبعه، وينهتك لديه الباطل فيجتنبه، ما ذاك إلا لمجرد الهوى، وقد كان الحزم العمل بالحكمة التي كشفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني"تفسير : وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا - وقال ابن ماجه: ولا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا - فإن "لو" تفتح عمل الشيطانتفسير : ، وفي بعض طرق الحديث:حديث : ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل" تفسير : يعني: والله! اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمراً يحتمل أن ينفعك ولا يضرك إلا أخذت به، ولا تدع أمراً يحتمل أن يضرك ولا ينفعك إلا تجتنبه، فإنك إن فعلت ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمراً تقول: لو أني فعلته أو تركته، ولكنك تقول: قدر الله وما شاء فعل، بخلاف ما إذا لم تنعم النظر وعملت عمل العجزة فإنك حتماً تقول: لو أني فعلت كذا وكذا، لأن الشيطان يفتح لك تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم، فيكثر لك من "لو" لأنها مفتاح عمله، وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من البطلة؛ روى أحمد في المسند عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في أمر رآه: يا أبا عامر! ألا غيرت؟ فتلا هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم"تفسير : وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى "حديث : أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه. قال البغوي: وفي رواية: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لكم"تفسير : والله الموفق. ولما حكم الله تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط هداهم، وكان الكفار يعيرونهم، قال مؤكداً لما أخبر به ومقرراً لمعناه: {إلى الله} أي الملك الأعظم الذي لا شريك له، لا إلى غيره {مرجعكم} أي أنتم ومن يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق {جميعاً فينبئكم} أي يخبركم إخباراً عظيماً مستوفى مستقصى {بما كنتم تعملون *} أي تعمداً جبلة وطبعاً، ويجازي كل أحد بما عمل على حسب ما عمل. ولا يؤاخذ أحداً بما عمل غيره ولا بما أخطأ فيه أو تاب منه، وليس المرجع ولا شيء منه إلى الكفار ولا معبوداتهم ولا غيرهم حتى تخشوا شيئاً من غائلتهم في شيء من الضرر.

ابو السعود

تفسير : {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ} أي سألوا هذه المسألةَ لكنْ لا عينَها بل مثلَها في كونها محظورةً ومستتْبِعة للوبال، وعدمُ التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير {مِن قَبْلِكُمْ} متعلق بسألها {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا} أي بسببها أو بمرجوعها {كَـٰفِرِينَ} فإن بني إسرائيلَ كانوا يستفتون أنبـياءَهم في أشياءَ، فإذا أُمروا بها تركوها فهلكوا. {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} ردٌّ وإبطال لما ابتدعه أهلُ الجاهلية حيث كانوا إذا نُتِجَت الناقةُ خمسةَ أبطنٍ آخرُها ذكرٌ بَحروا أُذنها أي شقُّوها وحرَّموا ركوبها ودَرَّها، ولا تُطرد عن ماءٍ ولا عن مرعى، وكان يقول الرجل: إذا قدِمْت من سفري أو برِئْتُ من مرضي فناقتي سائبةٌ، وجعلَها كالبَحيرة في تحريم الانتفاعِ بها، وقيل: كان الرجل إذا أعتق عبداً قال: هو سائبة، فلا عقْلَ بـينهما ولا ميراث، وإذا ولَدت الشاةُ أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصَلَتْ أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وإذا نُتجت من صُلب الفحل عشَرةَ أبطُنٍ قالوا: قد حمَى ظهرَه فلا يُركب ولا يُحمل عليه ولا يُمنع من ماء ولا مرعى. ومعنى (ما جعل) ما شرع وما وضع، ولذلك عُدِّيَ إلى مفعول واحد هو بَحيرة وما عُطف عليها، و(من) مزيدة لتأكيد النفي، فإن الجعلَ التكوينيَّ كما يجيء تارة متعدياً إلى مفعولين وأخرى إلى واحدٍ كذلك الجعلُ التشريعيُّ يجيء مرة متعدياً إلى مفعولين كما في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لّلنَّاسِ } تفسير : [المائدة، الآية 97] وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة. {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون: الله أمرنا بهذا، وإمامُهم عمْروُ بنُ لُحَيَ، فإنه أولُ من فعل هذه الأفاعيلَ الباطلة، هذا شأن رؤسائهم وكُبرَائهم {وَأَكْثَرُهُمُ} وهم أراذلُهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يشهد به سياقُ النظم الكريم {لاَ يَعْقِلُونَ} أنه افتراء باطلٌ حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فيبقَوْن في أسر التقليد، وهذا بـيان لقصور عقولِهم وعجزِهم عن الاهتداء بأنفسهم.

القشيري

تفسير : يعني توهَّم قوم أنهم محرورون عن التأثر فيما يصادفهم في فجاءة التقدير، وذلك منهم ظَنٌّ، كما يقول بعضهم: شعر : تبيَّن يومَ البيْن أنَّ اعتزامَه على الصبر من إحدى الظنون الكواذب

الهواري

تفسير : {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} ذكروا عن الحسن "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، قول الله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ} [آل عمران:97] أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها لكفرتم، فذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم. وما أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، أو فأتموه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا تفسير : . وزاد فيه بعضهم: عن الحسن عن النبي عليه السلام: حديث : إنما هي حجة وعمرة فمن قضاهما فقد قضى الفريضة أو قضى ما عليه، فما أصاب بعد ذلك فهو تطوّع تفسير : . وبعضهم يقول: وفي هذا أنزلت هذه الآية. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أعظم الناس في المسلمين جرماً من سأل عن مسألة لم تكن فحرمت من أجل مسألته لم تكن قبل ذلك حراماًتفسير : . ذكروا عن عمر بن الخطاب أنه قال: أحرّج بالله على كل امرىء سأل عما لم يكن فإن الله قد بيّن فيما هو كائن.

اطفيش

تفسير : {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ}: أى سأل جوابها أى جواب أشياء تسوء ان أبديت لا بد من أبدائها ان سئل عنها شبه واقعتكم، والكل شمله بعض أشياء ان تبد لكم الخ، أو يقدر قد سأل جواب مثلها، والمراد بالسؤال الطلب كما يسأل الجائع الطعام، كذا ظهر لى، والحمد لله رأيته لا الاستفهام كما فى لا تسألوا، ويجوز أن يراد هنا أيضا الاستفهام فيقدر عن أى قد سأل عن مثلها، ويجوز أن يكون ضمير النصب عائداً الى المسألة المدلول عليها بلا تسألوا فهو مفعول مطلق، أى سألوا مثل مسألتكم أو حقيقة المسألة، ومن قبلكم متعلق بسأل أو بمحذوف نعت لقوم، لأن النعت باسم الزمان هنا للجثة مفيد، لأن سؤال القوم المخبر عنه فى الجملة يحتمل أن يكون قد مضى، وأن يكون يأتى، وأن يكون حاضراً فأفاد النعت أنه مضى، وكذا لو أخبر بأنه حاضر أو آت فى معرض هذا الاحتمال لأفاد بخلاف ماذا لم يفرض الاحتمال فلا يجوز النعت باسم الزمان. ومثاله فى الاخبار زيد اليوم لأنك علمت أن زيداً موجود فلم يخل عنه زمان الاخبار، فلم يفد الاخبار عنه بأزمان، وليس كما قيل لا يخبر بالزمان مطلقاً عن الجثة، وحكم الخبر والنعت والحال والصلة فى ذلك واحد. {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا}: صاروا بها أى بسببها. {كَافرِينَ}: اذ لم يرضوا بها، أو لم يعملوا بها، أو ردوها ونكروها كما سأل قوم صالح الناقة، فخرجت لهم، وكفروا وعقروها، وكما سأل قوم عيسى المائدة فنزلت فكفروا، أو كما سأل قوم موسى الرؤية فأخذتهم الصاعقة، وكما تطلب الأقوام أنبياءهم الشدة فى الدين فلم يفوا بها.

اطفيش

تفسير : {قَدْ سَأَلَهَا} الضمير للمسأَلة، فهو مفعول مطلق، وذلك استخدام لأَن المسئول هنا للأُمم السابقة غير ما تقدم لهذه الأُمة، أَو الضمير للأَشياء على الاستخدام لكن هذا على الحذف والإِيصال، أَى سأَل عنها، أَو يقدر مضاف فى الوجهين أَى سأَل مثل تلك المسأَلة أَو عن مثل تلك الأَشياء، وحذفه مبالغة، كان سؤالهم سؤال قوم سابقين عوقبوا به، وقيل السؤال طلب العطاء، أَى طلبوا تلك المسائل {قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} متعلق بسأَل، أَو نعت؛ لأَن الزمان يكون صلة لموصول جثة أَو نعتاً أَو حالا أَو خبرا إِذا أَفاد، وهنا أَفاد {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} إِذ خالفوا ما أمروا به أَو نهوا عنه، كما سأَل ثمود ناقة واليهود رؤية الله جهرة، وسأَلوا عن البقرة حتى اشتروها بملء جلدها ذهباً، وزعم بعض أَن المراد سؤال قريش تحويل الصفا ذهباً، فلو تحولت ذهباً فلم يؤمنوا لهلكوا كأَصحاب المائدة، وبعض أَن المراد سؤال قريش عن أَنسابهم فيكذبوه، وقيل المراد بنو إِسرائيل لكثرة سؤالهم لأَنبيائهم ومخالفتهم لهم، والنصارى المائدة فعوقبوا إِذ خالفوا، وكان بنوا إِسرائيل يسأَلون أَنبياءَهم فإِذا أجيبوا خالفوا، والباء متعلق بكافرين قدم للفاصلة والتحذير والكفر بمضمونها من المخالفة أَو الباء سببية.

الالوسي

تفسير : {قَدْ سَأَلَهَا} أي المسألة فالضمير في موقع المصدر لا المفعول به، والمراد سأل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال {قَوْمٌ} وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير، وجوز أن يكون الضمير للأشياء على تقدير المضاف أيضاً فالضمير في موقع المفعول به وذلك من باب الحذف والإيصال والمراد سأل عنها، وقيل: لا حاجة إلى جعله من ذلك الباب لأن السؤال هنا استعطاء وهو يتعدى بنفسه كقولك: سألته درهماً بمعنى طلبته منه لا استخبار كما في صدر الآية، واختلف في تعيين القوم. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هم قوم عيسى عليه الصلاة والسلام سألوه إنزال المائدة ثم كفروا بها، وقيل: هم قوم صالح عليه السلام سألوه الناقة ثم عقروها وكفروا بها، وقيل: هم قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى جهرة أو سألوه بيان البقرة. وعن مقاتل هم بنو إسرائيل مطلقاً كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أخبروهم كذبوهم. وعن السدي هم قريش سألوا النبـي صلى الله عليه وسلم أن يحول الصفا ذهباً، وقال الجبائي: كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عن أنسابهم فإذا أخبرهم عليه الصلاة والسلام لم يصدقوا ويقولوا: ليس الأمر كذلك، ولا يخفى عليك الغث والسمين من هذه الأقوال وأن بعضها يؤيد حمل السؤال على الاستعطاء وبعضها يؤيد حمله على الاستخبار، والحمل على الاستخبار أولى، وإلى تعينه ذهب بعض العلماء. {مِن قَبْلِكُمْ } متعلق بسألها، وجوز كونه متعلقاً بمحذوف وقع صفة لقوم، واعترض / بأن ظرف الزمان لا يكون صفة الجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها، وأجيب بأن التحقيق أن هذا مشروط إذا عدمت الفائدة أما إذا حصلت فيجوز كما إذا أشبهت الجثة المعنى في تجددها ووجودها وقتاً دون وقت نحو الليلة الهلال بخلاف زيد يوم السبت وما نحن فيه مما فيه فائدة لأن القوم لا يعلم هل هم ممن مضى أم لا؟ وقال أبو حيان وهو تحقيق بديع غفلوا عنه: «هذا المنع إنما هو في [ظرف] الزمان المجرد عن الوصف أما إذا تضمن وصفاً فيجوز كقبل وبعد فإنهما وصفان في الأصل فإذا قلت جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي متقدم عليه ولذا وقع صلة للموصول، ولو لم يلحظ فيه الوصف وكان ظرف زمان مجرد لم يجز أن يقع صلة ولا صفة. قال تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [البقرة: 21] ولا يجوز والذين اليوم» وما نحن فيه من المتضمن لا المجرد وهو ظاهر، وما قيل من أنه ليس من المتنازع فيه في شيء لأن الواقع صفة هو الجار والمجرور لا الظرف نفسه ليس بشيء لأن دخول الجار عليه إذا كان من أو في لا يخرجه عن كونه في الحقيقة هو الصفة أو نحوها فليفهم. {ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا} أي بسببها، وهو متعلق بقوله سبحانه وتعالى: {كَـٰفِرِينَ} قدم عليه رعاية للفواصل. وقرأ أبـي (قد سألها قوم بينت لهم فأصبحوا بها كافرين).

الواحدي

تفسير : {قد سألها} أَي: الآيات {قومٌ من قبلكم...} الآية. يعني: قوم عيسى سألوا المائدة ثمَّ كفروا بها، وقوم صالح سألوا النَّاقة ثمَّ عقروها. {ما جعل الله من بحيرة} أَيْ: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: النَّاقة إذا نُتجت خمسة أبطن شقُّوا أُذنها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها {ولا سائبة} هو ما كانوا يُسيبِّونه لآلهتهم في نذرٍ يلزمهم إنْ شفي مريض، أو قضيت لهم حاجة {ولا وصيلة} كانت الشَّاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذَّكر لآلهتهم {ولا حامٍ} إذا نُتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره، فلم يُركب ولم يُنتفع، وسيِّب لأصنامهم فلا يُحمل عليه {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} يتقوَّلون على الله الأباطيل في تحريم هذه الأنعام، وهم جعلوها مُحرَّمة لا الله، {وأكثرهم} يعني: أتباع رؤسائهم الذين سنُّوا لهم تحريم هذه الأنعام، {لا يعقلون} أنَّ ذلك كذبٌ وافتراءٌ على الله من الرُّؤساء. {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله} في القرآن من تحليل ما حرَّمتم {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} من الدِّين {أَوَلوْ كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} مفسَّرة في سورة البقرة. {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} احفظوها من ملابسة المعاصي والإِصرار على الذّنوب {لا يضرُّكم مَنْ ضلَّ} من أهل الكتاب {إذا اهتديتم} أنتم {إلى الله مرجعكم جميعاً} مصيركم ومصير مَنْ خالفكم، {فينبئكم بما كنتم تعملون} يُجازيكم بأعمالكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {كَافِرِينَ} (102) - لَقَدْ سَألَ هَذِهِ المَسَائِلَ المَنْهِيَّ عَنْها قَوْمٌ مِنْ قَبِلِكُمْ فَأُجِيبُوا عَنْهَا، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا فَأصْبَحُوا بِسَبَبِهَا كَافِرِينَ، لأنَّهَا بُيِّنَتْ لَهُمْ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا، وَلَمْ يَتَّبِعُوهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق لم يرسل هذه الآيات رحمة بمن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عنها فقد سأل قوم عن ناقة وعقروها فأبادهم الله. وقوم عيسى عليه السلام سألوا عن مائدة ونزلت عليهم وتوعدهم الحق بعدها إن لم يؤمنوا. وكانت سنة الله مع خلقه إن اقترحوا هم آية ولم يصدقوها فإن الحق يهلكهم أو يعذبهم. ويعطي سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ضماناً. {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} تفسير : [الأنفال: 33]. إذن فالأسئلة التي سألوا عنها لم يجبهم عنها لأنه سبحانه قد عفا عنها. والعفو - كما نعلم - مأخوذ من عفّى الأثر أي أذهب الأثر, وعفو الله من مغفرته ورحمته. ويقول الحق بعد ذلك: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ...}