٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
103
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما منع الناس من البحث عن أمور ما كلفوا بالبحث عنها كذلك منعهم عن التزام أمور ما كلفوا التزامها، ولما كان الكفار يحرمون على أنفسهم الانتفاع بهذه الحيوانات وإن كانوا في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بها، بيّـن تعالى أن ذلك باطل فقال: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ }. المسألة الثانية: أعلم أنه يقال: فعل وعمل وطفق وجعل وأنشأ وأقبل، وبعضها أعم من بعض، وأكثرها عموماً فعل، لأنه واقع على أعمال الجوارح وأعمال القلوب، أما إنه واقع على أعمال الجوارح فظاهر، وأما إنه واقع على أعمال القلوب، فالدليل عليه قوله تعالى: {لَوْ شَآء ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا }إلى قوله {أية : كَذَلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } تفسير : [النحل: 35] وأما عمل فإنه أخص من فعل، لأنه لا يقع إلا على أعمال الجوارح، ولا يقع على الهم والعزم والقصد، والدليل عليه قوله عليه السلام: «حديث : نية المؤمن خير من عمله»تفسير : جعل النية خيراً من العمل، فلو كانت النية عملاً، لزم كون النية خيراً من نفسها، وأما جعل فله وجوه: أحدها: الحكم ومنه قوله {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـئِكَةَ ٱلَّذِينَ عَمَّ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19] وثانيها: الخلق، ومنه قوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الانعام: 1]. وثالثها: بمعنى التصيير ومه قوله {أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } تفسير : [الزخرف: 3]. إذا عرفت هذا فنقول: قوله {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ } أي ما حكم الله بذلك ولا شرع ولا أمر به. المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أشياء: أولها: البحيرة: وهي فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعول، قال أبو عبيدة والزجاج: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة وامتنعوا من ركوبها وذبحها وسيبوها لآلهتهم، ولا يجز لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع عن مرعى، ولا ينتفع بها وإذا لقيها المعيي لم يركبها تحريجاً. وأما السائبة: فهي فاعلة من ساب إذا جرى على وجه الأرض يقال: ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، وهي المسيبة كعيشة راضية بمعنى مرضية، وذكروا فيها وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو عبيدة، وهو أن الرجل كان إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيراً، فكان بمنزلة البحيرة في جميع ما حكموا لها، وثانيها: قال الفراء: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث، سيبت فلم تركب ولم تحلب ولم يجز لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف، وثالثها: قال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل، ورابعها: السائبة هو العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث. وأما الوصيلة: فقال المفسرون: إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها، وأما الحام فيقال: حماه يحميه إذا حفظه وفيه وجوه: أحدها: الفحل إذا ركب ولد ولده. قيل: حمى ظهره أي حفظه عن الركوب فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت فحينئذٍ تأكله الرجال والنساء. وثانيها: إذا نتجت الناقة عشرة أبطن قالوا حمت ظهرها حكاه أبو مسلم. وثالثها: الحام هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها، وهو قول السدي. فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فلم لا يجوزإعتاق هذه البهائم من الذبح والاتعاب والايلام. قلنا: الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته، فإذا تمرد عن طاعة الله تعالى عوقب بضرب الرق عليه، فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادة الله تعالى، فكان ذلك عبادة مستحسنة، وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع المكلفين، فتركها وإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها من غير أن يحصل في مقابلتها فائدة، فظهر الفرق، وأيضاً الإنسان إذا كان عبداً فأعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه، وأما البهيمة إذا أعتقت وتركت لم تقدر على رعاية مصالح نفسها فوقعت في أنواع من المحنة أشد وأشق مما كانت فيها حال ما كانت مملوكة فظهر الفرق. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } قال المفسرون: إن عمرو بن لحي الخزاعي كان قد ملك مكة وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه»تفسير : والقصب المعا وجمعه الاقصاب، ويروي يجر قصبه في النار. قال ابن عباس: قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } يريد عمرو بن لحي وأصحابه يقولون على الله هذه الأكاذيب والأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، والمعنى أن الرؤساء يفترون على الله على الكذب، فأما الأتباع والعوام فأكثرهم لا يعقلون، فلا جرم يفترون على الله هذه الأكاذيب من أولئك الرؤساء.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ}. جعل هنا بمعنى سَمَى، كما قال تعالى: { أية : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } تفسير : [الزخرف: 3] أي سميّناه. والمعنى في هذه الآية ما سَمَى الله، ولا سَنّ ذلك حكماً، ولا تَعبّد به شرعاً، بَيْد أنه قَضَى به علماً، وأوجده بقدرته وإرادته خَلْقاً؛ فإن الله خالق كل شيء من خير وشر، ونفع وضرّ، وطاعة ومعصية. الثانية ـ قوله تعالى: {مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} «مِن» زائدة. والبحيرة فعِيلة بمعنى مفعولة، وهي على وزن النَّطِيحة والذَّبيحة. وفي الصحيح عن سعيد بن المسيّب: البحِيرة هي التي يمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يَحتلبها أحدٌ من الناس. وأما السّائبة فهي التي كانوا يُسيبونها لآلهتهم. وقيل: البحِيرة لغة هي الناقة المشقوقة الأذن؛ يقال: بحَرتُ أذن الناقة أي شققتها شقاً واسعاً، والناقة بَحِيرة ومبحورة، وكان البحر علامة التخلية. قال ابن سيده: يقال البحيرة هي التي خُلّيت بلا راع، ويقال للناقة الغَزِيرة بَحِيرة. قال ابن إسحاق: البحيرة هي ابنة السائبة، والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهنّ ذَكر، لم يُركَب ظهرها ولم يُجزَّ وبرها، ولم يَشرب لبنها إلا ضيفٌ، فما نُتِجت بعد ذلك من أنثى شُقّت أذنها، وخُلّي سبيلها مع أُمها، فلم يُركَب ظهرُها ولم يجزَّ وبرها ولم يشرب لبنُها إلا ضيف كما فُعِل بأمّها فهي البحيرة أبنة السّائبة. وقال الشافعي: إذا نُتِجت الناقة خمسة أبطن إناثاً بُحرت أذنها فحرمت؛ قال: شعر : محرّمة لا يَطعم الناس لحمها ولا نحن في شيء كذاك البحائر تفسير : وقال ابن عُزيز: البحيرة الناقة إذا نُتِجَت خمسة أبطن فإذا كان الخامس ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها ـ أي شقوه ـ وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها ـ وقاله عِكْرمة ـ فإذا ماتت حلّت للنساء. والسائبة البعير يُسيّب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض، أو بلّغه منزلة أن يفعل ذلك، فلا تُحبَس عن رعي ولا ماء، ولا يركبها أحد؛ وقال به أبو عبيد: قال الشاعر: شعر : وسائبة للَّه تَنْمِي تشكُّراً إن الِّلَهُ عافى عامراً أو مُجاشَعاً تفسير : وقد يُسيّبون غير الناقة، وكانوا إذا سيبوا العبد لم يكن عليه وَلاء، وقيل: السّائبة هي المخلاّة لا قيد عليها، ولا راعي لها؛ فاعل بمعنى مفعول، نحو «عيشة راضية» أي مرضية. من سابت الحيةُ وانسابت؛ قال الشاعر: شعر : عقرتم ناقة كانت لرّبي وسائبةً فقوموا للعِقاب تفسير : وأما الوصيلة والحام؛ فقال ابن وهب قال مالك: كان أهل الجاهلية يعتقون الإبل والغنم يُسيّبونها؛ فأمّا الحام فمن الإبل؛ كان الفحل إذا انقضى ضِرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه؛ وأما الوصِيلة فمن الغنم إذا ولدت أنثى بعد أنثٰى سيّبوها. وقال ابن عُزيز: الوصيلة في الغنم؛ قال: كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا؛ فإذا كان السابع ذكراً ذُبح وأَكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم تُذبح لمكانها، وكان لحمها حراماً على النساء، ولبن الأنثى حراماً على النساء إلا أن يموت منهما شيء فيأكله الرجال والنساء. والحامي الفحل إذا رُكب ولد ولده. قال: شعر : حَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكه كما قد حَمَى أولادَ أولاده الفحلُ تفسير : ويقال: إذا نُتِج من صُلبْه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهرَه فلا يُركب ولا يُمنع من كَلاَءٍ ولا ماء. وقال ابن إسحاق: الوصيلة الشاة إذا أتْأَمَتْ عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر، قالوا: وصلت؛ فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم. الثالثة ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : رأيت عمرو بن عامر الخِزاعي يَجرّ قُصْبه في النار وكان أوّل من سيّب السوائب » تفسير : وفي رواية « حديث : عمرو بن لُحَي بن قَمَعة بن خِنْدِف أخا بني كعب هؤلاء يجرّ قُصْبه في النار ».حديث : وروى أبو هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجُون: «رأيت عمرو بن لُحَي بن قمعة بن خندف يجرّ قُصْبه في النار فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك» فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؛ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أوّل من غيَّر دين إسماعيل وبَحّر البحيرة وسيّب السائبة وحَمى الحامي» تفسير : وفي رواية « حديث : رأيته رجلاً قصيراً أشعر له وَفْرة يجرّ قُصْبه في النار » تفسير : . وفي رواية ابن القاسم وغيره عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنه يؤذي أهل النار بريحه » تفسير : . مرسل ذكره ابن العربي. وقيل: إن أوّل من ابتدع ذلك جناده بن عوف. والله أعلم. وفي الصحيح كفاية. وروى ابن إسحاق: أن سبب نصب الأوثان، وتغيير دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ عمرو بن لُحَي خرج من مكة إلى الشام، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق أولاد عَمليق ـ ويُقال عِملاق ـ بن لاوِذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نستمطر بها فنمطر، ونستنصر بها فننصر؛ فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنماً أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟ فأعطوه صنماً يقال له: «هُبل» فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه؛ فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني من قريش وخُزاعة ومشركي العرب {يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بقولهم: إن الله أمر بتحريمها، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله، وطاعة الله إنما تعلم من قوله، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول، فكان ذلك مما يفترونه على الله. وقالوا: { أية : مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } تفسير : [الأنعام: 139] يعني من الولد والألبان {وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً} يعني إن وضعته ميتاً اشترك فيه الرجال والنساء؛ فذلك قوله عز وجل: {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي بكذبهم العذاب في الآخرة { أية : إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } تفسير : [الأنعام: 139] أي بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه: { أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ } تفسير : [يونس: 59] وأنزل عليه: { أية : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } تفسير : [الأنعام: 143] الآية، وأنزل عليه: { أية : وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 138] الآية. الرابعة ـ تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه الأحباس وردّه الأوقاف؛ بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسيِيب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها، وقاس على البحيرة والسائبة؛ والفرق بَينٌ. ولو عَمِد رجل إلى ضيعة له فقال: هذه تكون حبساً، لا يُجْتَنى ثمرُها، ولا تُزرع أرضُها، ولا يُنتفع منها بنفع، لجاز أن يشبّه هذا بالبحيرة والسائبة. وقد قال علقمة لمن سأله عن هذه الأشياء: ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب. وقال نحوَه ابن زيد. وجمهور العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة وأبا يوسف وزُفَر؛ وهو قول شُرَيْح إلاّ أن أبا يوسف رجع عن قول أبي حنيفة في ذلك لما حدّثه ابن عُلَيّة عن ابن عون عن نافعحديث : عن ابن عمر أنه أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يتصدق بسهمه بخيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احبس الأصل وسبِّل الثمرة» تفسير : . وبه يحتج كل من أجاز الأحباس؛ وهو حديث صحيح قاله أبو عمر. وأيضاً فإن المسئلة إجماع من الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص وابن الزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة. وروى أن أبا يوسف قال لمالك بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز؛ فقال له مالك: هذه الأحباس أحباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر وفَدَك وأحباس أصحابه. وأما ما احتج به أبو حنيفة من الآية فلا حجة فيه؛ لأن الله سبحانه إنما عاب عليهم أن تصرفوا بعقولهم بغير شرع تَوَجه إليهم، أو تكليف فُرِض عليهم في قطع طريق الانتفاع، وإذهاب نعمة الله تعالى، وإزالة المصلحة التي للعباد في تلك الإبل. وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف. ومما احتج به أبو حنيفة وزُفَر ما رواه عطاء عن ابن المسيب قال: سألت شريحاً عن رجل جعل داره حبساً على الآخِر من ولده فقال: لا حبس عن فرائض الله؛ قالوا: فهذا شُرَيْح قاضي عمر وعثمان وعلي الخلفاء الراشدين حكم بذلك. واحتج أيضاً بما رواه ابن لهِيعة عن أخيه عيسى، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعدما أنزلت سورة «النساء» وأنزل الله فيها الفرائض: ينهى عن الحبس. قال الطبري: الصدقة التي يمضيها المتصدّق في حياته على ما أذِن الله به على لسان نبيه وعمِل به الأئمة الراشدون رضي الله عنهم ليس من الحبس عن فرائض الله؛ ولا حجة في قول شريح ولا في قول أحد يُخالف السنة، وعمل الصحابة الذين هم الحجة على جميع الخلق؛ وأما حديث ابن عَباس فرواه ابن لهِيعة، وهو رجل اختلط عقله في آخر عمره، وأخوه غير معروف فلا حُجّة فيه؛ قاله ابن القصار. فإن قيل: كيف يجوز أن تخرج الأرض بالوقف عن ملك أربابها لا إلى ملك مالك؟ قال الطحاوي يقال لهم: وما ينكر من هذا وقد اتفقت أنت وخصمك على الأرض يجعلها صاحبها مسجداً للمسلمين، ويخلّي بينهم وبينها، وقد خرجت بذلك من مِلك إلى غير مالك، ولكن إلى الله تعالى؛ وكذلك السقايات والجسور والقناطر، فما ألزمت مخالفك في حجتك عليه يلزمك في هذا كله. والله أعلم. الخامسة ـ اختلف المجيزون للحبس فيما للمحبِس من التصرف؛ فقال الشافعي: ويحرم على الموقِف ملكه كما يحرم عليه ملك رقبة العبد، إلا أنه جائز له أن يتولّى صدقته، وتكون بيده ليفرقها ويسبلها فيما أخرجها فيه؛ لأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لم يزل يلي صدقته ـ فيما بلغنا ـ حتى قبضه الله عز وجل. قال: وكذلك علي وفاطمة رضي الله عنهما كان يليان صدقاتهما؛ وبه قال أبو يوسف. وقال مالك: من حبس أرضاً أو نخلاً أو داراً على المساكين وكانت بيده يقوم بها ويكريها ويقسمها في المساكين حتى مات والحبس في يديه، أنه ليس بحبس ما لم يُجِزه غيره وهو ميراث؛ والرّبع عنده والحوائط والأرض لا ينفذ حبسها، ولا يتم حوزها، حتى يتولاه غير من حبّسه، بخلاف الخيل والسلاح؛ هذا محصل مذهبه عند جماعة أصحابه؛ وبه قال ابن أبي ليلى. السادسة ـ لا يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه؛ لأنه أخرجه لله وقطعه عن ملكه، فانتفاعه بشيء منه رجوع في صدقته؛ وإنما يجوز له الإنتفاع إن شرط ذلك في الوقف، أو أن يفتقر المحبِّسُ، أو ورثتُه فيجوز لهم الأكل منه. ذكر ابن حبيب عن مالك قال: من حبس أصلاً تجري غلته على المساكين فإن ولده يعطون منه إذا افتقروا ـ كانوا يوم حبَّس أغنياء أو فقراء ـ غير أنهم لا يعطون جميع الغلة مخافة أن يندرس الحبس، ولكن يبقى منه سهم للمساكين ليبقى عليه اسم الحبس؛ ويكتب على الولد كتاب أنهم إنما يعطون منه ما أُعطوا على سبيل المسكنة، وليس على حق لهم دون المساكين. السابعة ـ عِتْقُ السائبة جائز؛ وهو أن يقول السيد لعبده أنت حر وينوي العتق، أو يقول: أعتقتك سائبة؛ فالمشهور من مذهب مالك عند جماعة أصحابه أن ولاءه لجماعة المسلمين، وعتقه نافذ؛ هكذا روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحَكَم وأشهب وغيرهم، وبه قال ابن وهب؛ وروى ابن وهب عن مالك قال: لا يعتق أحد سائبة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته؛ قال ابن عبدالبر: وهذا عند كل من ذهب مذهبه، إنما هو محمول على كراهة عتق السائبة لا غير؛ فإن وقع نفذ وكان الحكم فيه ما ذكرناه. وروى ابن وهب أيضاً وابن القاسم عن مالك أنه قال: أنا أكره عتق السائبة وأنهى عنه؛ فإن وقع نفذ وكان ميراثاً لجماعة المسلمين، وعَقْلُه عليهم. وقال أصبغ: لا بأس بعتق السائبة ابتداء؛ ذهب إلى المشهور من مذهب مالك؛ وله احتج إسماعيل القاضي ابن إسحاق وإياه تقلد. ومن حجته في ذلك أن عتق السائبة مستفيض بالمدينة لا ينكره عالم، وأن عبدالله بن عمر وغيره من السلف أعتقوا سائبة. وروي عن ابن شهاب وربيعة وأبي الزِّناد وهو قول عمر بن عبدالعزيز وأبي العالية وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم. قلت: أبو العالية الرياحِي البصريّ التميميّ ـ رضي الله عنه ـ ممن أُعتِق سائبة؛ أعتقته مولاة له من بني رِياح سائبة لوجه الله تعالى، وطافت به على حِلق المسجد، وٱسمه رفيع بن مِهران، وقال ابن نافع: لا سائبة اليوم في الإسلام، ومن أعتق سائبة كان ولاؤه له؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن الماجِشون، ومال إليه ابن العربيّ؛ واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من أعتق سائبة فولاؤه له » تفسير : وبقوله: « حديث : إنما الولاء لمن اعتق » تفسير : . فنفى أن يكون الولاء لغير معتِق؛ واحتجوا بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} وبالحديث: « حديث : لا سائبة في الإسلام » تفسير : وبما رواه أبو قيس عن هُزَيْل بن شَرَحْبِيل قال قال رجل لعبد الله: إني أعتقت غلاماً لي سائبة فماذا ترى فيه؟ فقال عبد الله: إن أهل الإسلام لا يسيِّبون، إنما كانت تسيّب الجاهلية؛ أنت وارثه وولِيّ نعمته.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب» تفسير : والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج إبل، بل تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينها ذكر، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت، وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء، وسموه الحامي، وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد به، ثم قال البخاري: قال لي أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: سمعت سعيداً يخبر بهذا. قال: وقال أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. ورواه ابن الهاد عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت، عن الزهري، كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف، وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه، والله أعلم. ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس عن الزهري، عن عروة: أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عَمْراً يجر قصبه، وهو أول من سيب السوائب» تفسير : تفرد به البخاري. وقال ابن جرير: حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لأكثم بن الجون: «حديث : يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به، ولا به منك»تفسير : . فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا، إنك مؤمن، وهو كافر، إنه أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي»تفسير : ، ثم رواه عن هناد، عن عبدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنحوه أو مثله، ليس هذان الطريقان في الكتب. وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أول من سيب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار»تفسير : ، تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم عليه السلام» تفسير : قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «حديث : عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، تؤذي رائحته أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر» تفسير : قالوا: ومن هو يا رسول الله؟ قال: «حديث : رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار، وهما يعضانه بأفواههما، ويطآنه بأخفافهما»تفسير : . فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَامِ نَصِيباً} تفسير : [الأنعام: 136] إلى آخر الآيات في ذلك. فأما البحيرة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً، ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى، جدعوا آذانها، فقالوا: هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريباً من هذا، وأما السائبة، فقال مجاهد: هي من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من ولد كان بينها وبينه ستة أولاد، كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكراً أو ذكرين ذبحوه، فأكله رجالهم دون نسائهم. وقال محمد بن إسحاق: السائبة هي الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد، ليس بينهن ذكر، سيبت، فلم تركب، ولم يجز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا لضيف. وقال أبو روق: السائبة: كان الرجل إذا خرج، فقضيت حاجته، سيب من ماله ناقة، أو غيرها، فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها. وقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيب شيئاً من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس، عوقب بعقوبة في الدنيا. وأما الوصيلة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع، فإن كان ذكراً أو أنثى، وهو ميت، اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن واحد، استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته، فحرمته علينا، رواه ابن أبي حاتم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: {وَلاَ وَصِيلَةٍ}، قال: فالوصيلة من الإبل كانت الناقة تبتكر بالأنثى، ثم ثنت بأنثى، فسموها الوصيلة، ويقولون: وصلت أنثيين ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم، وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن، سميت الوصيلة، وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى، جعلت للذكور دون الإناث، وإن كانت ميتة، اشتركوا فيها. وأما الحامي: فقال العوفي عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشراً، قيل: حام فاتركوه، وكذا قال أبو روق وقتادة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وأما الحام، فالفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئاً ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: أما الحام، فمن الإبل، كان يضرب في الإبل، فإذا انقضى ضرابه، جعلوا عليه ريش الطواويس، وسيبوه، وقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية. وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص الجشمي، عن أبيه مالك بن نضلة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب، فقال لي: «حديث : هل لك من مال؟» تفسير : فقلت: نعم. قال: «حديث : من أي: المال؟» تفسير : قال: فقلت: من كل المال؛ من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق، قال: «حديث : فإذا آتاك الله مالاً فَلْيُرَ عليك»تفسير : ، ثم قال: «حديث : تنتج إبلك وافية آذانها؟» تفسير : قال: قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: «حديث : فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحيرة، تشق آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم»تفسير : قلت: نعم. قال: «حديث : فلا تفعل، إن كل ما آتاك الله لك حل»تفسير : ، ثم قال: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}. أما البحيرة، فهي التي يجدعون آذانها، فلا تنتفع امرأته ولابناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت، اشتركوا فيها. وأما السائبة، فهي التي يسيبون لآلهتهم ويذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها، وأما الوصيلة، فالشاة تلد ستة أبطن، فإذا ولدت السابع جدعت، وقطع قرنها، فيقولون: قد وصلت، فلا يذبحونها، ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض، هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجاً في الحديث. وقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عوف بن مالك، من قوله، وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به، وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، أي: ما شرع الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين افتروا ذلك، وجعلوه شرعاً لهم، وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَآ} أي: إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك. قال الله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} أي: لا يفهمون حقاً، ولا يعرفونه، ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَّا جَعَلَ } شرع {ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } كما كان أهل الجاهلية يفعلونه، روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: (البحيرة) التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس و(السائبة) التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يُحْمَل عليها شيء، و(الوصيلة) الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإِبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر و(الحام) فحل الإِبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل عليه فلا يحمل عليه شيء وسَمَّوْه (الحامي) {وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } في ذلك وفي نسبته إليه {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أنّ ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} يعني ما بحر الله من بحيرة، ولا سيب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حامياً. روى أبو صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم ابن جون: "حديث : يَا أَكْثَمُ رَأَيْتُ عَمْرو بْنَ لُحَيِّ بْنَ قَمْعَةَ بْنَ خَنْدَف يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلاَ بِهِ مِنْكَ" تفسير : فقال أكثم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله، فقال: "حديث : لاَ إِنَّكَ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ كَافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ، وَبَحَرَ البَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وحَمَى الحَامِي ". تفسير : ومعنى قوله يجر قصبه في النار، يعني أمعاءه، والبحيرة: الفصلة من قول القائل، بحرت أذن الناقة إذا شقها، ومنه قول الأبيرد: شعر : وأمسى فيكم عمران يمشي ... كأنه جمل بحير تفسير : وقد روى أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَرَأَيْتَ إِبلَكَ تَكُونَ مُسَلَّمَةً آذَانُهَا فَتَأْخُذَ المُوسَى فَتَجْدَعَهَا تَقُولُ هَذِهِ بَحِيْرَةٌ، وَتَشُقُّونَ آذَانَهَا تَقُولُونَ هَذِهِ بَحِيْرَةٌ "تفسير : . قال: فإن ساعِدَ الله أشدُّ، وموسى الله أحد، كل مالك لك حلال لا يحرم عليك منه شيء. وفي البحيرة ثلاثة أقاويل: أحدها: أن البحيرة الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذكراً أكلته الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى بحروا أذنها أي شقوها، وتركت، فلا يشرب لها لبن، ولا تنحر، ولا تركب، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، قاله عكرمة. والقول الثاني: البحيرة الناقة التي تنجب خمسة أبطن، فكان آخرها ميتاً ذكراً شقوا أذن الناقة وخلوا عنها،فلا تُحْلَب وَلاَ تُرْكَب تحرجاً، قاله أبو عبيدة. والقول الثالث: أن البحيرة بنت السائبة، قاله أبو إسحاق، وأما السائبة، فإنها المسيبة المخلاة وكانت العرب تفعل ذلك ببعض مواشيها فتحرم الانتفاع بها على أنفسها تقرباً إلى الله تعالى، قال الشاعر: شعر : عقرتم ناقة كانت لربي وسائبة فقوموا للعقاب تفسير : وكذا كان بعض أهل الإِسلام يعتق عبده سائبة، ولا ينتفع به ولا بولائه، وكان أبو العالية سائبة فلما أُتِي مولاه بميراثه فقال: هو سائبة وأبى أن يأخذه. وأخرجت المسيبة بلفظ السائبة، كما قيل في عيشة راضية يعني مرضية، وفي السائبة قولان: أحدهما: أنها الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهن ذكر سُيِّبَتْ فلم يُرْكَب ظهرها ولم يُجَزّ وبرها ولم يَشْرَب لبنَها إلا ضيفٌ، وما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أُذُنُها، وسميت بحيرة، وخُلِّيَتْ مع أمها، قاله محمد بن إسحاق. والقول الثاني: أنهم كانوا ينذرون السائبة عند المرض فيسيب الرجل بعيره ولا يركب، ولا يجلى عن ماء كالبحيرة، قاله أبو عبيدة. أما الوصيلة فأجمعوا على أنها من الغنم، وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نُظِرَ في البطن السابع فإن كان جَدْياً ذبحوه، فأكل الرجال دون النساء، فقالوا هذا حلال لذكورنا، حرام على أزواجنا ونسائنا، وإن كان عناقاً سرحت في غنم الحي، وإن كان جَدْياً وعناقاً، قالوا وصلت أخاها فسميت وصيلة، قاله عكرمة. القول الثاني: أنها الشاة إذا أتأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت وصيلة، فقالوا قد وصلت، وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإِناث قاله محمد بن إسحاق. والقول الثالث: أن العرب كانت إذا ولدت الشاة لهم ذكراً قالوا هذا لآلهتنا فيتقربون به، وإذا ولدت أنثى قالوا هذه لنا، وإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها، قاله أبو عبيدة. وأما الحام ففيه قول واحد أجمعوا عليه وهو البعير ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقال حمى ظهره ويخلَّى.
ابن عطية
تفسير : لما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله في تعظيم الكعبة والحرم. أخبر تعالى في هذه الآية أنه لم يجعل شيئاً منها ولا سنه لعباده. المعنى ولكن الكفار فعلوا ذلك إذ أكابرهم ورؤساؤهم كعمرو بن لحي وغيره يفترون على الله الكذب ويقولون هذه قربة إلى الله وأمر يرضيه? {وأكثرهم} يعني الأتباع {لا يعقلون} بل يتبعون هذه الأمور تقليداً وضلالاً بغير حجة و {جعل} في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق الله. لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها. ولا هي بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى ما سنَّ ولا شرع فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد و "البحيرة" فعيلة بمعنى مفعولة. وبحر شق, كانوا إذا أنتجت الناقة عشرة بطون شقوا أذنها بنصفين طولاً فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع منها بشيء ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال، وقال ابن عباس كانوا يفعلون ذلك بها أنتجت خمسة بطون، وقال مسروق إذا ولدت خمساً أو سبعاً شقوا أذنها. قال القاضي أبو محمد: ويظهر مما يروى في هذا أن العرب كانت تختلف في المبلغ الذي تبحر عنده آذان النوق، فلكل سنة، وهي كلها ضلال، قال ابن سيده ويقال "البحيرة" هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة. قال القاضي أبو محمد: أرى أن البحيرة تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل: شعر : فيه من الأخرج المرتاع قرقرة هدر الزيامي وسط الهجمة البحر تفسير : فإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان. وروى الشعبي عن أبي الأحوص عن أبيه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول هذه صوم فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال نعم قال: فإن ما آتاك الله لك حل. وساعد الله أشد، وموسى الله أحد، والسائبة هي الناقة التي تسيب للآلهة، والناقة أيضاً إذا تابعت اثنتي عشرة إناثاً ليس فيهن ذكر سيبت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي: حديث : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه به منك، قال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا إنك مؤمن وإنه كافرتفسير : ، هو أول من غير دين إسماعيل عليه السلام ونصب الأوثان وسيب السوائب، وكانت السوائب أيضاً في العرب كالقربة عند المريض يبرأ منه، والقدوم من السفر، وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله عليه تقرب بأن يسيب ناقة فلا ينتفع منها بلبن ولا ظهر ولا غيره، يرون ذلك كعتق بني آدم، ذكره السدي وغيره, وكانت العرب تعتقد أن من عرض لهذه النوق فأخذها أو انتفع منها بشيء فإنه تلحقه عقوبة من الله، و "الوصيلة" قال أكثر الناس: إن "الوصيلة" في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان آخرها جذياً ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقاً استحيوها وإن كان جذي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس, وروي عن سعيد بن المسيب أن الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم ثنت بأخرى قالوا وصلت أنثيين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها. شك الطبري في إحدى اللفظين. وأما "الحامي" فإنه الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشرين وقيل إذا ولد من صلبه عشر, وقيل إذا ولد ولده قالوا حمي ظهره فسيبوه لم يركب ولا سخر في شيء، وقال علقمة لمن سأله في هذه الأشياء ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب؟ وقال نحوه ابن زيد. قال القاضي أبو محمد: وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل هذه الأنعام رفقاً لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ويذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز الأحباس والأوقاف, وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبساً لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي عليه السلام قال لعمر بن الخطاب في مال له: اجعله حبساً لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي عليه السلام وقوله تعالى {ولكن الذين كفروا} الآية، وقد تقدم أن المفترين هم المبتدعون، وأن الذين {لا يعقلون} هم الأتباع، وكذلك نص الشعبي وغيره وهو الذي تعطيه الآية، وقال محمد بن أبي موسى: الذين كفروا وافتروا هم أهل الكتاب، والذين {لا يعقلون} هم أهل الأوثان. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى وعما تأخر أيضاً من قوله {وإذا قيل لهم} والأول من التأويلين أرجح. والضمير في قوله {قيل لهم} عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء و {تعالوا} نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، و {إلى ما أنزل الله} يعني القرآن الذي فيه التحريم الصحيح و {حسبنا} معناه كفانا وقوله {أوَلوْ كان آباؤهم} ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده نعم ولو كانوا كذلك. قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فقال أبو أمية الشعباني سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية? فقال لقد سألت عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال،ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة رشحاً مطاعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم فإن وراءكم أياماً أجر العامل فيها كأجر خمسين منك. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام، ويظهر من كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ونهي عن منكر، فصعد المنبر فقال أيها الناس لا تغتروا بقول الله {عليكم أنفسكم} فيقول أحدكم عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب، وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولو الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ليبلغ الشاهد الغائب، ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. قال القاضي أبو محمد: وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول أو رجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضرراً يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده، وقال سعيد بن جبير معنى هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} فالتزموا شرعكم بما فيه من جهاد وأمر بمعروف وغيره، ولا يضركم ضلال أهل الكتاب إذا اهتديتم? وقال ابن زيد: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت أباءك وضللتهم وفعلت وفعلت فنزلت الآية بسبب ذلك. قال القاضي أبو محمد: ولم يقل أحد فيما علمت أنها آية موادعة للكفار وكذلك ينبغي أن لا يعارض أنها شيء مما أمر الله به في غير ما آية من القيام بالقسط والأمر بالمعروف، قال المهدوي: وقد قيل هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف ولا يعلم قائله، وقال بعض الناس نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين لا يضركم ضلالهم، وقرأ جمهور الناس "لا يضُرُّكم" بضم الضاد وشد الراء المضمومة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "لا يضُرْكم" بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم "لا يضِرك" بكسر الضاد وهي كلها لغات بمعنى ضر يضر وضار يضور ويضير، وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعاً} الآية، تذكير بالحشر وما بعده، وذلك مسل عن أمور الدنيا ومكروهها ومحبوبها، وروي عن بعض الصالحين أنه قال: ما من يوم إلا يجيء الشيطان فيقول: ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول له آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر. قال القاضي أبو محمد: فمن فكر في مرجعه إلى الله تعالى فهذه حاله.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} ما بحر، ولا سيَّب ولا وصل، ولا حمى حامياً. {بَحِيرَةٍ} الناقة تلد خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكراً ذبحوه وأكلوه وإن كان رُبَعة بتكوا أذنيها فلم يشرب لبنها ولم يوقر ظهرها، أو إذا ولدت خمسة أبطن، وكان أخرها ذكراً شقوا إذن الناقة وخلوها فلا تُحلب ولا تُركب، أو البحيرة: بنت السائبة. {سَآئِبَةٍ} مسيبة، كعيشة راضية أي مرضية، كانت تفعله العرب ببعض مواشيها فتحرم الانتفاع بها تقرباً إلى الله ـ تعالى ـ، وكان بعض أهل الإسلام يعتق العبد سائبة لا ينتفع به ولا بولائه، كان أبو العالية سائبة فمات فلم يأخذ مولاه ميراثه، وقال: هو سائبة، فإذا تابعت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب، ولم يُجَز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى بُحرت أذنها وسميت بحيرة وسيبت مع أمها، أو كانوا ينذرون السائبة عند المرض فيسيب البعير فلا يركب ولا يجلأ عن ماء. {وَصِيلَةٍ} الوصيلة من الغنم اتفاقاً إذا ولدت الشاة سبعة أبطن فإن كان السابع ذكراً ذبحوه وأحلوه للرجال دون النساء، وإن كان عناقاً سرحت في غنم الحي، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فسميت وصيلة، أو كانت الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن لا ذكر فيهن جعلت وصيلة وكان ما تلده بعد ذلك للذكور دون الإناث. أو كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه لآلهتهم قرباناً، وإن ولدت أنثى قالوا: هذه لنا، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوه لأجلها. {وَلا حَامٍ} إذا نتج البعير من ظهره عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره ويخلى، أجمعوا على هذا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ...} الآية: أي: لم يجعلْ سبحانه شيئاً مِنْ ذلك، ولا سَنَّهُ لعباده، المعنَىٰ: ولكن الكُفَّار فعلوا ذلك؛ كعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وغيره مِنْ رؤسائهم؛ {يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}؛ بقولهم: هذه قربةٌ إلى اللَّهِ، {وَأَكْثَرُهُمْ}، يعني: الأتْبَاعَ {لاَ يَعْقِلُونَ}، بل يتَّبِعون هذه الأمور تقليداً، و {جَعَلَ} في هذه الآية: لا يتَّجه أنْ تكون بمعنى «خَلَقَ»، ولا بمعنى «صَيَّرَ»، وإنما هي بمعنى: «مَا سَنَّ ولا شَرَعَ». قال * ص *: {مَّا جَعَلَ}: ذَهَبَ ابن عطيةَ والزمخشريُّ إلى أنها بمعنى: «شَرَعَ»، قال ابن عطيَّة: ولا تكونُ بمعنى «خلق»، لأن اللَّه تعالَىٰ خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنَىٰ «صيَّر»؛ لعدم المفعولِ الثاني، قال أبو حيَّان: ولم يذكر النحويُّون لها هذا، وقد جاء حَذْفُ أحد مفعولَيْ «ظَنَّ» وأخواتِها قليلاً، فتحمل هذه على حَذْفِ المفعولِ الثانيِ، أي: ما صَيَّر اللَّه بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حامياً ــــ مشروعاً، وهو أولَىٰ من إثبات معنًى لم يُسْمَعْ فيها، وذكر أبو البقاء؛ أنها هنا بمعنى «سَمَّى» انتهى. قُلْتُ: وحاصل كلامِ أبي حيَّان؛ أنه شهادةٌ على نفْيٍ، وعلى تقدير صحَّته، فيحمل كلام ابن عطيَّة علَىٰ أنه تفسيرُ معنًى، لا تفسير إعرابٍ. وبحيرة: فعليةٌ بمعنى مَفْعُولة، وبَحَرَ: شَقَّ، كانوا إذا نُتِجَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ، شَقُّوا أذنها بِنِصْفَيْن طُولاً، فهي مَبْحُورة، وتُرِكَتْ ترعَىٰ، وتَرِدُ الماء، ولا ينتفعُ بشيء منْها، ويحرَّمُ لحْمُها؛ إذا ماتَتْ على النساء، ويُحلَّلُ للرِّجَال؛ وذلك كلُّه ضلالٌ، والسائبة: هي الناقة تسيَّب للآلهة، والناقةُ أيضاً إذا تابَعَتْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثاً ليس فيهِنَّ ذكَرٌ، سُيِّبَتْ، وكانت السوائبُ أيضاً في العرب؛ كالقُرْبة عند المرَضِ يُبْرَأُ منه، والقُدُوم من السفرِ، وإذا نزل بأحدهم أمْرٌ يُشْكَرُ اللَّه تعالَىٰ عليه، تقرَّب بأنْ يسيِّب ناقةً، فلا ينتفعُ منها بِلَبَنٍ، ولا ظَهْر، ولا غَيْره، يَروْنَ ذلك كعِتْقَ بني آدمَ؛ ذكَره السُّدِّيُّ وغيره، وكانَتِ العربُ تعتقدُ أنَّ مَنْ عَرَضَ لهذه النوقِ، فأخذها أو ٱنتفع منْهَا بشيْءٍ، فإنه تلحقه عُقُوبةٌ مِنَ اللَّه، والوصيلةُ: قال أكثر النَّاس: إن الوصيلَةَ في الغَنَمِ، قالوا إذا وَلَدتِ الشاة ثلاثةَ بُطونٍ، أو خمسةً، فإن كان آخرها جَدْياً، ذبحوه لِبَيْت الآلهة، وإن كان عَنَاقاً، ٱستحْيَوْها، وإن كان جَدْيٌ وعَنَاقٌ، ٱستحْيَوْهُما، وقالوا: هذه العَنَاقُ وَصَلَتْ أخاهَا، فمنعتْهُ مِنْ أنْ يُذْبَحَ، وعلى أن الوَصِيلة في الغَنَم، جاءت الرِّوايات عن أكثر الناس، وروي عَنِ ابن المسيَّب؛ أن الوصيلة مِنَ الإبل، وأما الحامِي؛ فإنه الفَحْل من الإبل، إذا ضَرَبَ في الإبل عشر سنين، وقيل: إذا وُلِدَ من صُلْبه عَشْرٌ، وقيل: إذا وُلِدَ مِن وَلَدِ ولده، قالوا: حَمَىٰ ظهره، فسيَّبوه، لا يركب، ولا يسخَّر في شيء، وعبارةُ الفَخْر: وقيل: الحامِي: الفَحْلُ؛ إذا رَكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ. انتهى، قلتُ: والذي في «البخاريِّ»: والحامِ: فحلُ الإبلِ يَضْرِب الضِّرَابَ المعدُودَ، وإذا قَضَىٰ ضِرَابه، وَدَعُوهُ للطَّواغيتِ، وأعْفَوْه من الحمل، فلم يُحْمَلْ شيءٌ عليه، وسمَّوْه الحامِيَ. انتهى. وقوله سبحانه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ }، يعني: لهؤلاءِ الكفار المستنِّينَ بهذه الأشياء: {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ}، يعني: القرآن الذي فيه التحريمُ الصحيحُ، {قَالُواْ حَسْبُنَا}، معناه: كَفَانَا.
ابن عادل
تفسير : لمَّا منع النَّاسَ من البَحْثِ عن أمُورٍ لَمْ يُكَلَّفُوا بالبَحْثِ عنها، كذلك مَنعَهُم من التزامِ أمُورٍ لَمْ يُكَلَّفُوا بالتِزَامِهَا، ولمَّا كان الكُفَّار يحرِّمُون على أنْفُسِهِم الانْتِفَاعَ بهَذِهِ الحيوانات، وإنْ كَانُوا في غاية الحَاجَة إلى الانْتِفَاع بها، بيَّنَ اللَّهُ - تعالى - أنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ. "جَعَلَ" يجوز أن يكون بمعنى "سَمَّى" ويتعدَّى لمفعولَيْن، أحدهما محذوف، والتقدير: ما جَعَلَ - أي ما سَمَّى - اللَّهُ حيواناً [بَحِيرَةً]. قاله أبو البقاء. وقال ابن عطيَّة والزمخشريُّ وأبو البقاء: "إنَّها تكونُ بمعنى شرَعَ ووضَعَ، أي: ما شَرَعَ اللَّهُ ولا أمَرَ"، وقال الواحديُّ - بعد كلامٍ طويلٍ - "فمعنى ما جعل اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ: ما أوْجَبَهَا ولا أمَرَ بِهَا"، وقال ابنُ عطيَّة: "وجَعَلَ في هذه الآيةِ لا تكُونُ بمعنى "خَلَقَ"؛ لأنَّ الله خَلَقَ هذه الأشياء كلَّها، ولا بمعنى "صَيَّرَ"؛ لأن التصْييرَ لا بُدَّ له من مفعولٍ ثانٍ، فمعناه: ما سَنَّ الله ولا شَرَعَ". ومنع أبو حيان هذه النقولاتِ كلَّها بأنَّ "جَعَلَ" لم يَعُدُّ اللغويُّون من معانيها "شَرَعَ"، وخرَّجَ الآية على التَّصْييرِ، ويكونُ المفعولُ الثاني محذوفاً، أي: ما صيَّر الله بَحِيرَة مَشْرُوعَةً، وفي قوله لم يَعُدَّ اللغويُّون في معانيها "شَرَعَ" نظرٌ؛ لأن الآية المتقدمة تدل على ذلك وهي قوله: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 97]. والبَحِيرَة: فعيلَةٌ بمعنى مفعُولَة، فدخولُ تاءِ التأنيثِ عليها لا ينقاس، ولكن لَمَّا جَرَتْ مَجْرَى الأسماءِ الجَوَامِد أُنِّثَتْ، وقد تقدم إيضاح هذا في قوله {أية : وَٱلنَّطِيحَةُ} تفسير : [المائدة: 3]، واشتقاقُها من البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّعَةُ، ومنه "بَحْرُ المَاءِ" لِسَعَتِه وَهِيَ النَاقَةُ المَشْقُوقَةُ الأذُنِ، يُقَالُ: بَحَرتُ أذن النَّاقَة إذَا شَقَقْتهَا شقّاً واسعاً، والنَّاقَةُ بَحِيرةٌ ومَبْحُورَةٌ. واختلف أهلُ اللغة في البحيرةِ عند العرب ما هي اختلافاً كثيراً، فقال أبو عُبَيْدٍ: "هي الناقةُ التي تُنْتَجُ خمسةَ أبطنٍ في آخِرِهَا ذكرٌ، فتُشَقُّ أذُنُهَا، وتُتْرَكُ فلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ ولا تُطْرَدُ عن مَرْعىً ولا ماءٍ، وإذا لَقِيَهَا المُعْيي لم يركبْهَا" ورُوِيَ ذلك عن ابن عبَّاس، إلا أنه لم يذكُرْ في آخرها ذَكَراً، وقال بعضُهُمْ: "إذَا أُنْتِجَتِ الناقَةُ خمْسَةَ أبْطُنٍ، نُظِر في الخامس: فإن كان ذَكَراً، ذبحوه وأكَلُوه، وإن كان أنثى، شَقُّوا أذنها وتركُوها تَرْعَى وتَرِدُ ولا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ فهذه هي البَحِيرَةُ"، ورُوِيَ هذا عن قتادة، وقال بعضهم: "البحيرَةُ: الأنثى الَّتِي تكونُ خَامِسَ بطنٍ؛ كما تقدَّم بيانُه، إلاَّ أنها لا يَحِلُّ للنساءِ لَحْمُها ولا لَبنُهَا، فإن ماتَتْ حَلَّتْ لهن"، وقال بعضُهُم: "البَحِيرَةَ: بِنْتُ السَّائبة"، وسيأتي تفسيرُ "السَّائِبَة"، فإذا ولدَتِ السائبةُ أنْثَى شقُّوا أذنها وتركُوها مع أمِّها ترعى وتَرِدُ ولا تُحْلَبُ ولا تُرْكَبُ حتَّى لِلْمُعْيِي، وهذا قولُ مجاهدٍ، وابنِ جُبَيْر، وقال بعضُهُمْ: "هِيَ التي مُنِعَ دَرُّهَا - أي لَبَنُهَا - لأجْلِ الطَّواغِيتِ، فلا يَحْلِبُهَا أحَدٌ" وقال بهذا سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وقيل: هي التي تُتْرَكُ في المَرْعَى بلا راعٍ، قاله ابنُ سيدة، وقيل: إذا ولدَتْ خَمْسَ إنَاثٍ شَقُّوا أذُنَهَا وتَرَكُوهَا. نَقَلَ القُرْطِبِي عن الشَّافِعِيِّ رحمه الله، أنَّهُ قال: إذا أنْتَجَتِ النَّاقَةُ خَمْسَةُ أبْطُنٍ إناثٍ بُحِرَتْ أذُنُهَا، فحَرُمَتْ، قال: محرمة لا يَطْعمُ النَّاسُ لَحْمَها وقال بعضُهُمْ - ويُعْزَى لِمَسْرُوقٍ -: "إنَّهَا إذا وَلَدَتْ خَمْساً، أو سَبْعاً، شَقُّوا أذُنَهَا"، وقيل: "هي الناقةُ تَلِدُ عَشرةَ أبْطُنٍ، فَتُشَقُّ أذنُها طُولاً بنصْفَيْن، وتُتْرَكُ؛ فلا تُرْكَبُ ولا تُحْلَبُ ولا تُطْرَدُ عن مرعى ولا ماءٍ، وإذا ماتَتْ، حَلَّ لحمها للرجالِ دون النساء"، نقله ابن عطية، وكذا قاله أبو القاسم الرَّاغب، وقيل: البَحِيرَةُ السَّقْبُ، إذا وُلِدَ، نَحَرُوا أذنه، وقالُوا: اللَّهُمَّ، إنْ عاشَ، فَقَنِيٌّ، وإن مات، فَذَكِيٌّ، فإذا مات، أكلُوه، ووجه الجمع بين هذه الأقوالِ الكثيرة: أنَّ العربَ كانت تختلفُ أفعالُها في البحيرة. والسائبةُ قيل: كان الرَّجُل إذا قَدِمَ من سفرٍ أو شُكْرِ نعمةٍ، سَيَّبَ بعيراً فلم يُرْكَبْ ويفعل به ما تقدَّم في البحيرَة، وهذا قول أبي عُبَيْد، وقيل: هي الناقة تُنْتَجُ عَشْرَة إناثٍ، قال القرطبيُّ: ليْس بينهن ذكرٌ؛ فلا تُرْكبُ ولا يَشْرَب لبنهَا إلا ضَيْفٌ أو ولدٌ، قاله الفراء، وقيل: ما تُرِكَ لآلهتهم، فكان الرجُلُ يجيء بماشيتهِ إلى السَّدنة فيتركه عندهم ويسيل لبنه، وقيل: هي الناقَةُ تُتْرَكُ ليُحَجَّ عليها حَجَّة، ونُقِلَ ذلك عن الشافعيِّ، وقيل: هو العبدُ يُعْتَقُ على ألاَّ يَكُونَ عليه ولاءٌ، ولا عَقْلٌ ولا ميراثٌ قاله عَلقَمَةُ. والسَّائِبَةُ هنا: فيها قولان: أحدهما: أنها اسمُ فاعلٍ على بابه، من سَابَ يَسِيبُ، أي يَسْرَحُ، كسَيَّبَ المَاءَ، وهو مطاوعُ سَيَّبْتُهُ، يقال: سَيَّبْتُهُ فَسَابَ وانْسَابَ. والثاني: أنه بمعنى مفعُول؛ نحو: "عِيشَة رَاضِيَة"، ومجيءُ فاعل بمعنى مفعول قليلٌ جدًّا؛ نحو: "ماء دافق"، والذي ينبغي أن يُقال: إنه فاعلٌ بمعنى ذي كذا، أي: بمعنى النَّسَب، نحو قولهم: لابنٌ، أي: صَاحِبُ لبنِ، ومنه في أحدِ القولَيْن: "عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ، ومَاءٌ دَافِقٌ"، أي: ذاتُ رِضاً، وذو دَفْقٍ، وكذا هذا، أي: ذَاتُ سَيْبٍ. والوصِيلَةُ هنا فعليةٌ بمعنى فاعلةٍ على ما سيأتي تفسيرُهُ، فدخولُ التاءِ قياسٌ، واختلف أهلُ اللغةِ فيها، هَلْ هي من جنْسِ الغَنَم، أو من جنْسِ الإبلِ؟ ثم اختلَفُوا بعد ذلك أيضاً، فقال الفرَّاء: "هي الشَّاةُ تُنْتَجُ سبعةَ أبطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ، فإذا ولدتْ في آخرِهَا عَنَاقاً وجَدْياً، قيل: وصلتْ أخَاهَا، فجَرَتْ مَجْرَى السَّائبة"، وقال الزجَّاج: "هي الشَّاة إذا ولدتْ ذكراً، كان لآلهتهمْ، وإذا ولدتْ أنثى، كانت لهم"، وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنه -: "هِيَ الشَّاةُ تُنْتَجُ سبْعَةَ أبْطُنٍ، فإذا كان السابعُ أنْثَى، لم تنتفعِ النساءُ منها بشَيْء، إلا أنْ تموتَ فيأكُلَهَا الرجَالُ والنِّسَاء، وإنْ كانَتْ ذَكَراً ذبحُوه وأكلُوه جميعاً، وإنْ كان ذكراً وأنثى، قالوا: وصلتْ أخَاهَا، فيتركُونَها معهُ لا تُذْبَحُ ولا ينتفعُ بها إلا الرجالُ، دون النِّساء، فإن ماتتِ، اشتركْنَ مع الرجالِ فيها"، وقال ابن قُتَيْبَةَ: إن كان السابعُ ذَكَراً، ذُبِحَ وأكله الرجال، دون النساء، وقالوا: {أية : خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا} تفسير : [الأنعام: 139] وإنْ كانَتْ أنثى، تُرِكَتْ في الغنمِ، وإن كان ذَكَرَاً وأنْثَى فكقَوْلِ ابن عبَّاس، وقيل: "هي الشَّاةُ تنتجُ عشْرَ إناثٍ متوالياتٍ في خَمْسة أبطنٍ، ثم ما ولدتْ [بعد ذلك، فللذكورِ دون الإناث" وبهذا قال أبو إسحاق، وأبو عُبَيْدَة، إلا أن أبا عُبَيْدَة قال: "وإذَا وَلَدَتْ] ذكراً وأنثى معاً، قالوا: وَصَلَتْ أخَاهَا، فلم يذبَحُوه لمكانِهَا"، وقيل: هي الشَّاة تُنْتَجُ خَمْسَةَ أبطنٍ أو ثلاثةً، فإن كان جَدْياً ذَبَحُوه، وإن كان أنثى أبْقَوْهَا، وإن كان ذَكراً وأنثى، قالوا: وصلَتْ أخاها، هذا كلُّه عند من يَخُصُّها بجنْسِ الغَنَمِ، وأما من قال: إنها من الإبل فقال: "هي النَّاقَةُ تبتكرُ، فتلدُ أنثى، ثم تُثَنِّي بولادةِ أنثى أخرى، ليس بينهما ذكَرٌ، فيتركونها لآلهتهم، ويقولون: قد وصلتْ أنثى بأنثى، ليس بينهما ذكرٌ". والحَامِي: اسمُ فاعلٍ من حَمَى يَحْمِي أي: مَنَعَ، واختلف فيه أهلُ اللغة، فعن الفرَّاء: "هو الفحْلُ يُولَدُ لولدِ ولدِه، فيقولون: قد حَمَى ظهرَه، فلا يُرْكبُ ولا يُستعملُ ولا يُطْرَدُ عن ماءٍ ولا شجرٍ"، وقال بعضهم: "هو الفحْلُ يُنْتجُ من بَيْن أولاده ذكُورَها وإناثَهَا عشْر إنَاثٍ"، روى ذلك ابن عطيَّة. وقال بعضهم: هو الفحْلُ يُولَدُ مِنْ صُلْبهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فيقولون قد حَمَى ظهرَهُ، فيتركونَهُ كالسائبةِ فيما تقدَّم، وهذا قول ابن عبَّاس وابنِ مسْعُود، وإليه مال أبو عُبَيْدَة والزجَّاج، ورُوِيَ عن الشافعيِّ: أنه الفَحْلُ يَضْرِبُ في مال صاحبِهِ عَشْرَ سنينَ، وقال ابن زَيْدٍ: هو الفحلُ يُنْتَجُ له سَبْعُ إناثٍ متوالياتٍ، فيَحْمِي ظهره، فيُفْعَلُ به ما تقدَّم، فهذا منشأ خلاف أهْلِ اللغة في هذه الأشياءِ؛ أنه باعتبار اختلافِ مذاهب العرب وآرائهم الفاسِدَة فيها، وقد أنشد أهل اللغة في كلِّ واحدٍ من هذه الألفاظ معنًى يخُصُّه؛ فأنْشَدُوا في البحيرةِ قوله: [الطويل] شعر : 2057- مُحَرَّمَةٌ لا يَطْعَمُ النَّاسُ لَحْمَهَا ولا نَحْنُ فِي شيءٍ كَذاكَ البَحَائِرُ تفسير : وأنشدوا في السَّائبةِ قوله: [الطويل] شعر : 2058- وَسَائِبَةٍ لله مالِي تَشَكُّراً إن اللَّهُ عَافَى عَامِراً أوْ مُجَاشِعَا تفسير : ونشدوا في الوصيلةِ لتَأبَّطَ شَرًّا: [الطويل] شعر : 2059- أجِدَّكَ أمَّا كُنْتَ فِي النَّاسِ نَاعِقاً تُرَاعِي بأعْلَى ذِي المَجَازِ الوَصَايلا تفسير : وأنشدوا في الحَامِي قوله: [الطويل] شعر : 2060- حَمَاهَا أبُو قَابُوسَ فِي عِزِّ مُلْكِهِ كَمَا قَدْ حَمَى أوْلادَ أولادِهِ الفَحْلُ تفسير : فصل قال سعيدُ بن المُسَيِّبِ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمنح دَرُّها للطَّواغِيتِ، فلا يَحْلِبُها أحدٌ من النَّاسِ، والسَّائبَةُ كانوا يسيبّونها لآلهتهم لا يُحْمَلُ عَلَيْها شيء. قال أبو هُرَيْرَة - رضي الله عنه -، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رَأيْتُ عَمْرو بن عَامرٍ الخُزَاعِي يجر قُصْبَهُ في النَّار؛ وكان أوَّل من سَيَّبَ السَّوَائِبِ ". تفسير : وروى أبو هريرة قال: "حديث : قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخُزَاعِي يَا أكْثَمُ، رَأيْتُ عَمْرو بن لحي بن قمعة بن خِنْدف يَجُرُّ قصبَهُ في النَّار؛ فما رَأيْتُ من رَجُلٍ أشْبَه من رَجُلٍ مِنْكَ به، ولا بِه مِنْكَ؛ وذلك لأنَّه أوَّل من غَيَّر دينَ إسْمَاعيل، ونَصَبَ الأوْثَانِ، وبَحَر البَحَائِر، وسَيَّبَ السَّائِبَة، ووصلَ الوصِيلَةَ، وحمى الحَامِي، ولقد رَأيْتُه في النَّار يؤذِي أهْلَ النَّار بريح قصبِهِ" فقال أكْثَم أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رسُول اللَّهِ؟ قال: "لا. إنَّك مُؤمِنٌ وهو كَافِرٌ ". تفسير : فإن قيل: إذا جَاز إعْتَاقُ العَبيدِ والإماء، فَلِمَ لا يجوزُ إعْتَاقُ هذه البهائِمِ من الذَّبْحِ والإيلامِ؟ فالجوابُ من وجهين: الأوَّل: إنَّ الإنسانَ مَخْلُوقٌ لِخِدْمة اللَّه وعُبُودِيَّتِهِ، فإذا تمرَّد عن الطَّاعَةِ، عُوقِبَ بضَرْب الرِّقِّ عَلَيْه، فإذا أُزِيلَ الرِّقُ عنه تَفَرَّغَ لعِبَادة اللَّهِ تعالى، وكان ذَلِكَ عِبَادَة مُسْتَحْسَنَة، وأمَّا هذه الحيوانَات، فإنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِمَنَافعِ المُكَلَّفين، فَتَرْكُهَا وإهمالُها يَقْتَضِي فوات مَنْفَعَةٍ على مَالِكَها، مِنْ غير أنْ يَحْصُلَ في مُقَابلَتِهَا فَائِدة. والثاني: أنَّ الإنْسَان إذا أُعْتِق، قدَر على تَحْصِيل مَصَالِح نَفْسِه، والبَهِيمَةُ إذا عُتِقَتْ وتُرِكَت، لم تَقْدِرْ على تَحْصِيل مَصَالِحِ نَفْسِها، بل تَقَعُ في أنْواعٍ من المِحْنَة أشَدّ وأشَقّ مما كانت فيها حَالَ ما كانَتْ مَمْلوكةً، فافْتَرقَا. فصل قال القرطبي: تَعَلَّقَ أبُو حنيفَةَ في منعه الأحْبَاس وردِّ الأوْقَافِ، بأنَّ اللَّه تعالى عَابَ على العَرَبِ أفْعَالَهُم في تَسييب البَهَائِم وحِمَايتهَا، وحَبْس أنْفسها عَنْهَا، وقاسَ ذَلِكَ على البَحِيرَةِ والسَّائِبَةِ. قال القُرْطُبِيُّ: والفرْقُ بَيِّنٌ، قال عَلْقَمَةُ لمن سألَهُ عن هَذِه الأشْيَاء، ما تُريدُ إلى شَيْء كان من عَمَلِ الجاهلية؟! وقد ذهب جُمْهُور العُلَمَاءِ على جَوَازِ الأحْبَاسِ والأوْقَاف، لما رَوَى نَافِعٌ، عن ابن عُمَر: حديث : أنَّه اسْتَأذَنَ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، بأن يَتصَدَّق بسَهْمِه بِخَيْبَر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احْبِسِ الأصْل أو سبل الثَّمَرَة ". تفسير : ثم قال تعالى {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}. قال ابنُ عبَّاس: يريدُ عَمْرو بن لُحَيّ وأعوانه، {يفترون على الله} هذه الأكَاذِيب، ويقولون: أمرْنا بِهَا، قالُوا: وساءَ ما يَفْتَرُون على اللَّهِ الكذب، والأتْبَاعُ والعوام أكَثرهُمُ لا يَعْقِلُون.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري ومسلم وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة. التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" تفسير : قال ابن المسيب: والوصيلة. الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي: فحل الإبل، يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت واعفوه من الحمل فلم يحمل شيء وسموه الحامي. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الأحوص عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب، فقال لي: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أي المال؟ قلت: من كل المال، من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالاً فلير عليك، ثم قال: تنتج إبلك رافية آذانها؟ قلت: نعم، وهل تنتج الإبل إلا كذلك! قال: فلعلك تأخذ موسى قتقطع آذان طائفة منها وتقول: هذه بحر، وتشق آذان طائفة منها وتقول: هذه الصرم، قلت: نعم. قال: فلا تفعل؛ إن كل ما آتاك الله لك حل، ثم قال {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} قال أبو الأحوص: أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها، فلا تنتفع امرأته، ولا بناته، ولا أحد من أهل بيته بصوفها، ولا أوبارها، ولا أشعارها، ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم. وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن وتلد السابع جدياً وعناقاً، فيقولون: قد وصلت فلا يذبحونها، ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض، وإذا ماتت كانوا فيها سواء. والحام من الإبل إذا أدرك له عشرة من صلبه كلها تضرب حمى ظهره فسمي الحام، فلا ينتفع له بوبر، ولا ينحر، ولا يركب له ظهر، فإذا مات كانوا فيه سواء. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: البحيرة. هي الناقة، إذا أنتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى جدعوا آذانها فقالوا: هذه بحيرة. وأما السائبة: فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبناً، ولا يجزون لها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً. وأما الوصيلة: فالشاة، إذا أنتجت سبعة أبطن نظروا السابع، فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت، اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا. وأما الحام: فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا: حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً، ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى رعي، ولا من حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {ما جعل الله من بحيرة} قال: البحيرة الناقة، كان الرجل إذا ولدت خمسة فيعمد إلى الخامسة، فما لم تكن سقياً فيبتك آذانها، ولا يجز لها وبراً، ولا يذوق لها لبناً، فتلك البحيرة {ولا سائبة} كان الرجل يسيب من ماله ما شاء {ولا وصيلة} فهي الشاة إذا ولدت سبعاً عمد إلى السابع، فإن كان ذكراً ذبح، وإن كانت أنثى تركت، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما، قالوا: وصلت أخاها فيتركان جميعاً لا يذبحان، فتلك الوصيلة {ولا حام} كان الرجل يكون له الفحل، فإذا ألقح عشراً قيل: حام فاتركوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ما جعل الله من بحيرة...} الآية. قال: البحيرة من الإبل، كان أهل الجاهلية يحرمون وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها، فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها، فإذا ضرب من ولد البحيرة فهو الحامي، والسائبة من الغنم على نحو ذلك، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها، فإذا ولدت في السابع ذكراً أو أنثى أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم، وإن توأمت أنثى وذكر فهي وصيلة ترك ذبح الذكر بالأنثى، وإن كانتا أنثيين تركتا. وأخرج ابن المنذر حديث : عن أبي سعيد الخدري قال "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فاستأخر عن قبلته، وأعرض بوجهه، وتعوَّذ بالله، ثم دنا من قبلته حتى رأيناه يتناول بيده، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: يا نبي الله، لقد صنعت اليوم في صلاتك شيئاً ما كنت تصنعه! .. قال: نعم، عرضت عليَّ في مقامي هذا الجنة والنار، فرأيت في النار ما لا يعلمه إلا الله، ورأيت فيها الحميرية صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو الذي سيَّب السوائب، وبحر البحيرة، ونصب الأوثان وغيَّر دين إسماعيل، ورأيت فيها عمران الغفاري معه محجنه الذي كان يسرق به الحاج. قال: وسمى لي الرابع فنسيته. ورأيت الجنة فلم أر مثل ما فيها، فتناولت منها قطفاً لأريكموه فحيل بيني وبينه، فقال رجل من القوم: كيف تكون الحبة منه؟ قال: كأعظم دلو فرته أمك قط. قال محمد بن إسحاق: فسألت عن الرابع فقال: هو صاحب ثنيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزعهما". تفسير : وأخرج البخاري وابن مردويه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً، ورأيت عمراً يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه حديث : عن أبي هريرة قال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون: يا أكتم، عرضت عليَّ النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك. فقال أكتم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيَّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أول من سيب السوائب، وعبد الأصنام، أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إني لأعرف أول من سيَّب السوائب، ونصب النصب، وأول من غير دين إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لحي، أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار، يؤذي أهل النار ريح قصبه، وإني لأعرف من بحر البحائر. قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما، وقال: هاتان لله، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما، قال: فلقد رأيته في النار وهما يقضمانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما ". تفسير : وأخرج أحمد والحاكم وصححهحديث : عن أبي بن كعب قال: "بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلفه، فرأيناه تناول شيئاً فجعل يتناوله، فتأخر، فتأخر الناس، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس، فقلت: يا رسول الله، رأيناك صنعت اليوم شيئاً ما كنت تصنعه في الصلاة؟ فقال: إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت قطفاً من عنبها، ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه، فحيل بيني وبينه، وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخَّرت عنها، وأكثر من رأيت فيها النساء إن ائتمن أفشين، وإن سألن ألحفن، وإذا سئلن بخلن، وإذا أعطين لم يشكرن، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وأشبه من رأيت به معبد بن أكتم الخزاعي، فقال معبد: يا رسول الله، أتخشى عليّ من شبهه؟ قال: لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} قال: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في الآية قال: الآباء جعلوا هذا وماتوا، ونشأ الأبناء وظنوا أن الله هو جعل هذا، فقال الله {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} الآباء فالآباء افتروا على الله الكذب، والأبناء أكثرهم لا يعقلون، يظنون الله هو الذي جعله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في قوله {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} قال: هم أهل الكتاب {وأكثرهم لا يعقلون} قال: هم أهل الأوثان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} قال: الذين لا يعقلوهم الأتباع، وأما الذين افتروا فعقلوا أنهم افتروا.
القشيري
تفسير : هذه أحكامٌ ابتدعوها، فردَّهم الحقُّ - سبحانه - عن الابتداع، وأمَرهم بحسن الاتِّباع، وأخبر أنَّ ما صدر من عاداتهم لا يُعَدُّ من جملة عبادتهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما جعل الله} هو الجعل التشريعى ويتعدى الى واحد اى ما شرع وما وضع وما سن {من} مزيدة لتأكيد النفى {بحيرة} كان اهل الجاهلية اذا نتجت الناقة خمسة ابطن آخرها ذكر بحروا اذنها اى شقوها وحرموا ركوبها ودرها ولا تطرد عن ماء ولا مرعى فهى فعيلة من البحر وهو الشق بمعنى المفعولة {ولا سائبة} كان الرجل منهم يقول اذا قدمت من سفرى او برئت من مرضى فناقتى سائبة وجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها فهى فاعلة من قولهم ساب الماء يسيب سيبا اذا جرى على وجه الارض ويقال ايضا سابت الحية فالسائبة هى التى تركت حتى تسيب حيث شاءت {ولا وصيلة} كانوا اذا ولدت الشاة انثى فهى لهم وان ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وان ولدت ذكرا وانثى قالوا وصلت اخاها واستحيوا الذكر من اجل الانثى فلا يذبح لآلهتهم. فمعنى الآية ما جعل الله انثى تحلل ذكرا محرما عند الانفراد فهى فعيلة بمعنى فاعلة {ولا حام} كانوا اذا نتجت من صلب الفحل عشرة ابطن قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى فهو اسم فاعل من حمى يحمى اى منع يقال حماه يحميه اذا حفظه {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} اى يكذبون عمدا حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون الله امرنا بهذا وامامهم عمرو بن لحى الخزاعى فانه كان اقدم من ملك مكة وكان اول من غير دين اسماعيل فاتخذ الاصنام ونصب الاوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى ـ روى ـ انه عليه السلام قال فى حقه "حديث : رأيت عمرو بن لحى الخزاعى يجر قصبه فى النار يؤذى اهل النار بريح قصبه " .تفسير : والقصب المعى هذا شأن رؤسائهم وكبارهم {وأكثرهم} وهم اراذلهم الذين يوقعونهم فى معاصى رسول الله صلى الله عليه وسلم {لا يعقلون} انه افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا الى الحق بانفسهم فيبقون فى اسر التقليد {واذا قيل لهم} اى للاكثر على سبيل الهداية والارشاد {تعالوا الى ما انزل الله} من الكتاب المبين للحلال والحرام {والى الرسول} الذى انزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتميزوا الحرام من الحلال {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} بيان لعنادهم واستعصائهم على الهادى الى الحق وانقيادهم للداعى الى الضلال. وحسبنا مبتدأ وما وجدنا خبره وهو فى الاصل مصدر والمراد به اسم الفاعل اى كافينا الذى وجدنا عليه آباءنا {أولو كان ءآباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} الواو للعطف على شرطية اخرى مقدرة قبلها والتقدير أيحسبهم ذلك اى أيكفيهم وجدان آبائهم على هذا المقال او أيقولون هذا القول ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً من الدين ولا يهتدون للصواب والمعنى ان الاقتداء انما يكون بمن علم انه عالم مهتد وذلك لا يعرف الا بالحجة. قال الحسين الواعظ فى تفسيره [يعنى ايشان جاهل وكمراه بودند تقليد ايشان نافع نيست بلكه تقليد عالم مىبايد تاكار بتحقيق آنجامد] قال جلال الدين رومى قدس سره فى المثنوى شعر : از مقلد تامحقق فرقهاست اين يكى كوهست وان ديكر صداست دست در بينازنى آيى براه دست در كورى زنى افتى بجاه تفسير : قال الشيخ على دده فى اسئلة الحكم اما ما ورد فى الاحاديث النبوية فى حق الدجاجلة وظهورها بين الامة فلا شك عند اهل العلم ان الدجاجلة هم الائمة المضلون لا سيما من متصوفة الزمان او متشيخيهم وقد شاهدناهم فى عصرنا هذا قاتلهم الله حيثما كانوا انتهى. قال بعضهم قلت لمتشبه بالصوفية ظاهرا بعنى جبتك لما علم من احواله فقال اذا باع الصياد شبكته فبأى شىء يتصيد شعر : بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش باخدا در توانى فروخت بنزديك من شبرو راهزن به از فاسق بارسا وبيرهن تفسير : والاشارة ان الشيطان كلما سلط على قوم اغراهم على التصرف فى انعام اجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون ان هذه التصرفات لله وفى الله وفى قوله {ما جعل الله من بحيرة} اشارة الى من يتصرف بما لم يؤمر به كمن يشق اذنه او يثقبها ويجعل فيها الحلقة من الحديد او يثقب صدره او ذكره ويجعل عليه القفل او يجعل فى عنقه الغل او يحلق لحيته مثل ما يفعل هؤلاء القلندرية. قال الحافظ قدس سره شعر : قلندرى نه بريشست وموى يا ابرو حساب راه قلندر بدانكه موى بموست كذشتن از سر مو در قلندرى سهلست جوحافظ آنكه زسر بكذرد قلندر اوست تفسير : {ولا سائبة} وهم الذين يدرون فى البلاد مسيبين خليعى العذار يرتعون فى مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة وهم يدعون انهم أهل الحق قد لعب الشيطان بهم فاتخذوا الههم هواهم {ولا وصيلة} وهم الذين يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات ويتصلون بالاجانب من طريق الاخوة والابوة كالاباحية والزنادقة فيغتر به ويظن انه بلغ مقام الوحدة وانه محمى عن النقصان بكل حال ولا يضره مخالفات الشريعة اذ هو بلغ مقام الحقيقة فهذا كله من وساوس الشيطان وهو اجس النفس ما امر الله بشىء من ذلك ولا رخص لاحد فيه فهؤلاء الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها لا يعلمون شيئاً من الشريعة والطريقة ولا يهتدون الى الحقيقة فانهم اهل الطبيعة وارباب الخديعة ولقد شاعت فى الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم ومالهم من دافع ولا مانع ولا وازع على ان الخرق قد اتسع على الراقع شعر : ارى الف بان لا يقوم بهادم فكيف بيان خلفه الف هادم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: البحيرة: فعيلة بمعنى مفعولة، من بَحَرَ، إذا شق، وذلك أن الناقة كانت إذا ولدت عندهم في الجاهلية عشرة أبطن، شقوا أذنها، وتركوها ترعى، ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي، فناقتي سائبة، فإذا قدم أو برىء سيّبها لآلهتهم، فلا تُحلَب، ولا تُركب، ولا تُمنَع من شجر، وقد يُسَيّبُون غير الناقة، فإذا سيّبوا العبد فلا يكون عليه ولاء لأحد، وإن قال ذلك، اليوم، فحمله على العتق، وولاؤه للمسلمين، وفعل ذلك ـ اليوم ـ في الحيوان حرام، كما يفعله جهلة النساء في الديك الأبيض؛ يحرر حتى يموت، فإذا فعل ذلك ذبح وأكل. وأما الوصيلة: فكانوا إذا ولدت الناقة ذكرًا وأنثى متصلين، قالوا: وصلت الناقة أخاها، فلم يذبحوها، وأما الحام: فكانوا إذا نتج من الجمل عشرة أبطن، قالوا: قد حُمي ظهرُه، فلا يُركب ولا يُحمل عليه. يقول الحقّ جلّ جلال: في إبطال هذه الأشياء: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} أي: ما شرع الله شيئًا من ذلك، ولا أمر به، {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} بتحريم ذلك، ونسبته إليه، {وأكثرهم لا يعقلون}، أي: جُلهم لا عقل لهم، بل هم مقلدون غيرهم في تحريم ذلك، وتقليد الآباء والرؤساء في تحريم ما أحل الله ـ تعالى ـ شرك؛ لأنهم نَزَّلَوا غير الله منزلته في التحريم والتحليل، وهو كفر، {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} من الحلال والحرام، {قالوا حسبنا} أي: يكفينا {ما وجدنا عليه آباءنا}، وهذا بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد، قال تعالى: أيتبعونهم {ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون} سبيلاً. قال البيضاوي: الواو للحال، والهمزة دخلت عليها؛ لإنكار الفعل على هذه الحال، أي: أحسَبُهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين؟ والمعنى: أن الاقتداء إنما يصح لمن عُلِمَ أنه عالم مهتد، وذلك لا يعرف إلا بالحجة، فلا يكفي التقليد. هـ. الإشارة: قد نفى الله تعالى الخصوصية عن أربعة أنفس من أنفس المدعين، منها: نفس دخلت بحر الحقيقة بالعلم، وتبحرت في علمها دون الحال والذوق، وأهملت مراسم الشريعة حتى سقطت هيبتها من قلبها، فانسل منها الإيمان والإسلام انسلال الشعرة من العجين. ومنها نفس سائبة أهملت المجاهدة وانسابت في الغفلة، وأخذت الولاية بالوراثة من أسلافها، دعوى، أو ظهرت عليها خوارق، استدراجًا، مع إصرارها على كبائر العيوب، ومنها: نفس وصلت إلى الأولياء وصحبتهم، وخرجت عنهم قبل كمال التربية، وتصدرت للشيخوخة قبل إبانها، ومنها: نفس حمت ظهرها من التجريد، ووفرت جاهها مع العبيد، وادعت كمال التوحيد وأسرار التفريد، لمجرد مطالعة الأوراق، من غير صحبة أهل الأذواق، وهؤلاء بعداء من حيث يظنون القرب، مردودون من حيث يظنون القبول، والعياذ بالله من الدعوى وغلبة الهوى، فإذا قيل لهؤلاء: تعالوا إلى من يعرفكم بربكم، ويخرجكم من سجن نفوسكم، قالوا: نتبع ما وجدنا عليه أسلافنا، فيقال لهم: أتتبعونهم ولو كانوا جاهلين بالله؟. ثم نهى الله تعالى أهل التحقيق عن التعرض لمثل هؤلاء بعد نصحهم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}.
الطوسي
تفسير : هذه الآية من الادلة الواضحة على بطلان مذهب المجبرة من قولهم: من أن الله تعالى هو الخالق للكفر والمعاصي وعبادة الاصنام وغيرها من القبائح، لأنه تعالى نفى أن يكون هو الذي جعل البحيرة أو السائبة أو الوصيلة أو الحام، وعندهم ان الله تعالى هو الجاعل له والخالق، تكذيباً لله تعالى وجرأة عليه. ثم بين تعالى أن هؤلاء بهذا القول قد كفروا بالله وأفتروا عليه بأن أضافوا اليه ما ليس بفعل له، وذلك واضح لا إِشكال فيه. ومعنى {ما جعل الله من بحيرة} أي ما حرمها على ما حرمها أهل الجاهلية، ولا أمر بها. و (البحيرة) هي الناقة التي تشق أذنها يقال بحرت الناقة أبحرها بحراً، والناقة مبحورة، وبحيرة: اذا شققتها شقاً واسعاً، ومنه البحر لسعته. وكانوا في الجاهلية اذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً بحروا أذنها أي شقوها، وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولم تطرد عن ماء، ولم تمنع من رعي. واذا لقيها المعيي لم يركبها. و (السائبة) المخلاة وهي المسيبة. وكانوا في الجاهلية اذا نذر إِنسان نذراً لقدوم من سفر أو برء من مرض أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في التخلية، وكان اذا أعتق الانسان عبداً، فقال: هو سائبة لم يكن بينهما عقل، ولا ولاء، ولا ميراث. و (الوصيلة) الانثى من الغنم اذا ولدت انثى مع الذكر قالوا: أوصلت أخاها فلم يذبحوه. وقال أهل اللغة: كانت الشاة اذا ولدت انثى فهي لهم، واذا ولدت ذكراً ذبحوه لآلهتهم في زعمهم، واذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم. و (الحام) الفحل من الابل الذي قد حمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد تكون من صلبه. وكانت العرب اذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحمل عليه شيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وقال محمد ابن إِسحاق: البحيرة بنت السائبة و (السائبة) هي الناقة اذا تابعت بين عشر أناث ليس فيهن ذكر سيبت فلم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يشرب لبنها إِلا ضيف. فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلي سبيلها مع أمها فلم يركب ظهرها ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إِلا ضيف كما فعل بأمها. و (الوصيلة) هي الشاة إذا أتأمت عشر أناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة، وقالوا قد وصلت وكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الأناث. وقوله {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} إِخبار منه تعالى بأن هؤلاء الذين كفروا يكذبون على الله بادعائهم أن هذه الاشياء من فعل الله أو بأمره. وقوله {وأكثرهم لا يعقلون} خص الاكثر بأنهم لا يعقلون لأنهم أتباع، فهم لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء كما يفعله الرؤساء - في قول قتادة والشعبي - وقال ابو علي {أكثرهم لا يعقلون} ما أحل لهم وما حرم عليهم، يعني أن المعاند هو الاقل منهم.
الجنابذي
تفسير : {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ} استيناف لبيان حال الكفّار فى سننهم الرّديّة يعنى ما شرع الله وما سنّ {مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} عن الصّادق (ع) انّ اهل الجاهليّة كانوا اذا ولدت النّاقة ولدين فى بطنٍ واحدٍ قالوا وصلت فلا يستحلّون ذبحها ولا أكلها، واذا ولدت عشراً جعلوها سائبة ولا يستحلّون ظهرها ولا أكلها، والحام فحل الابل لم يكونوا يستحلّونه وروى انّ البحيرة النّاقة اذا انتجت خمسة ابطن فان كان الخامس ذكراً نحروها فأكله الرّجال والنّساء وان كان الخامس انثى بحروا اذنها اى شقّوها وكانت حراماً على النّساء، فأنزل الله عزّ وجلّ انّه لم يحرّم شيئاً من ذلك وذكر غير ذلك فى تفسيرها {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} بنسبة التّحريم اليه {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} يعنى انّ الاتباع المقلّدين لا يعقلون شيئاً من الصحّة والفساد ولا من الافتراء وغيره حتّى يتنبّهوا انّ هذا افتراء على الله فلا يقلّدوهم.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة} قال جار الله: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وحرّموها، لا تركب ولا يحمل عليها شيء ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، واسمها البحيرة، وقوله: {ولا سائبة} قال: وكان الرجل يقول: إذا قمت من سفري أو شفيت من مرضي فناقتي سائبة وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وقيل: كان الرجل إذا اعتق عبداً قال: هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكر فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكر وأنثى قالوا وصلت: أخاها، ولم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع عن ماء ولا مرعى، وهو الحام عندهم، ومعنى: {ما جعل الله} ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك، قوله تعالى: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} فلا ينسبون التحريم الى الله تعالى ولكنهم يقلدون في تحريمها كبارهم، قال جار الله والواو في قوله: {أو لو كان آباؤهم} واو الحال فدخلت عليها همزة الانكار والمعنى ان الاقتداء إنما يصلح بالعالم للمهتدي، قوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} يعني التزموا صلاح أنفسكم بما ينجِّيها من عذاب الله تأمنوا من العذاب، وتستحقوا جزيل الثواب، وقوله: {عليكم أنفسكم} يقول: أصلحوها بطاعة الله تعالى {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} يريد الله سبحانه أنه لا يضركم ضلال المضلين، ولا تحاسبون بفعل المبطلين، وروي أن اليهود قالوا للمسلمين: كيف تطمعون في النجاة وآباؤكم مشركون ولستم بناجين من فعلهم؟ فنزلت هذه الآية، وقال أيضاً: {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الأنعام: 164] أخبر الله تعالى أنه لا يعذب أحداً بذنب أحد والداً كان أو ولداً، قال جار الله: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والعناد من الكفرة ويتمنون دخولهم في الاسلام فقيل لهم: عليكم أنفسكم، وليس المراد به ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن ابن مسعود أنها قرئت عنده هذه الآية فقال: ليس هذا بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا تقبل منكم، فحينئذٍ عليكم أنفسكم، فعلى هذا هي تسلية لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فلا تقبل، وعنه ليس هذا بزمانها، قيل: فمتى هو؟ قال: إذا جعل دونها السوط والسيف والحبس.
الهواري
تفسير : قوله: {مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} ذكروا عن أبي الأحوص أنه قال: كان هذا فينا معشر قريش؛ البحيرة التي يقطع أطراف آذانها، والسائبة التي كانوا يسيّبونها لآلهتهم، والوصيلة الشاة تلد سبعة أبطن السابع جدياً وعناقاً فيقولون: قد وصلت، وسمعت بعضهم يقول: قد وصلت أخاها، فيتركونها، والحام: الجمل يَضرِب لصلبه العشرةُ من ولده فيقولون: حمى ظهره، فيُترك فلا يُزمّ ولا يُخطَم ولا يُركب ولا يُرَد عن حوض الماء حتى يموت. قال بعضهم: كانت البحيرة من الإِبل، كانت الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن نظر إلى البطن الخامس فإن كان سقباً أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه ذكرهم وأنثاهم. وإن كانت هي أنثى فتُبَتَّك أذنها، وتركت، فلم يُجزّ لها وبر، ولم يُشرب لها لبن، ولم يُركب لها ظهر، ولم يُذكر لله عليها اسم. وكانت السائبة، يسيّبون ما بدا لهم من أموالهم فلا تمنع من مرعى ترعى فيه. ولا من حوض تشرع فيه. وكانت الوصيلة من الشاء؛ كان الرجل إذا أنتج سبعة من غنمه نظر إلى البطن السابع فإن كان ذكراً ذُبح وكان للرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت، وإن جاءت بذكر وأنثى جميعاً قيل: قد وصلت أخاها، فمنعته الذبح. وكان الحامي إذا ركب من ولد ولده الفحل عشرة قيل له حام، حمى ظهره فلا يُزم ولا يُخطم ولا يُركب. وقال الحسن: هو مثل قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس:59]. قوله: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}. قال بعضهم: لا يعقلون تحريم الشيطان الذي حرِّم عليهم.
اطفيش
تفسير : {مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ}: ما شرع الله بحيرة، ولكون جعل بمعنى شرع تعدى الواحد، وهو بحيرة هذا ما ظهر لى، والله الذى لا إله إلا هو ثم رأيته للقاضى وابن عطية، وجل ما للقاضى من الكشاف لأنه مختصره، وقيل ذلك رأيت أبا عمر وعثمان بن خلفة فسر، جعل بمعنى سمى وكذا فسره أبو البقاء، وأجاز أبو حيان أن تكون على أصلها من التصيير فيقدر لها مفعول ثان، أى فأصير بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حامياً مشروعة. والبحيرة بمعنى مبحورة الأذن أى مشقوقة الأذن، وكان أهل الجاهلية اذا انتجت الناقة خمسة أبطن أخرها ذكر بحروا أذنها، أى شقوا أذنها وخلوها، فلا تركب ولا تحلب، ولا يجز وبرها، ولا يحمل عليها، ولا تطرد عن مرعى ولا ماء، وسيبوها للصنم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: البحيرة الناقة اذا ولدت أربعة أولاد لم يركبوها، ولم يجزوا وبرها، ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا الى خامس ولدها، فان كان ذكراً نحروه وأكله الرجال والنساء، وان كان أنثى شقوا أذنها وتركوها وحرموا على النساء منافعها، وكانت منافعها للرجال خاصة، واذا ماتت حلت للرجال والنساء. وقيل: كانوا اذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها نصفين طولا، وتركوها ترعى ولا ترد الماء ولا ينتفع بشىء منها، ويحرم لحمها على النساء اذا ماتت، ويحلل للرجال، وقيل الحيرة يقطعون أطراف آذانها، وقيل اذا ولدت خمسة أبطن فان كان الخامس ذكراً أكله الرجال، وان كان ميتة أكله الرجال والنساء، وان كان أنثى شقوا أذنها ولم يجزوا لها وبراً ولم يشربوا لها لبناً، ولم يركبوا لها ظهرا، ولم يذكر اسم الله عليها. {وَلا سَآئِبَةٍ}: كان يقول الرجل منهم: ان شفيت من مرضى، أو شفى ولدى أو فلان، أو قدم من سفره، أو كان كذا مما يحب، أو سلم من كذا مما يكره فناقتى سائبة، فتكون كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها وعدم ردها عن مراع أو ماء، وهو اسم فاعل ساب الماء يسيب اذا جرى على وجه الأرض وهى لآلهتهم. والناقة اذا ولدت اثنى عشر ولداً كلها اناث ليس بينهن ذكر، كانت سائبة. وكانوا يعدون السائبة لوقوع ما يحبون، أو فقد ما يكرهون، قرباناً لله، ويعدون ذلك كالعتق، وربما لأصنامهم بلا سبب مما ذكر. {وَلا وَصِيلَةٍ}: هى الأنثى التى تلدها الشاة مع الذكر من بطن واحد، سميت بذلك لأنها وصلت أخاها، لأنه لا يذبح لآلهتهم، لأنه لو ولدته وحده لذبحوه لآلهتهم، ولو ولدت أنثى لا ذكر معها لكان لهم، ومعنى وصيلة: واصلة، وقيل: اذا ولدت الشاة ثلاثة أبطن أو خمسة، فان كان آخرها جدياً ذبحوه لآلهتهم، وان كان أنثى تركوه، وان ولدتهما تركوهما، هذا والأنثى التى مع الذكر هى الوصيلة، والوصيلة فى الغنم كما رأيت. وعن ابن المسيب الوصيلة فى الابل، والجمهور على أنها فى الشاء، وقيل: اذا ولدت سبعة فالسابع يذبح للصنم، ان كان ذكراً ويأكله الرجال، وان كان ميتة أكله الرجال والنساء، وان كان أنثى تركب، وان ولدت ذكراً وأنثى معاً وصل الأنثى الذكر فهو يذبح ويتركان. {وَلا حَامٍ}: جمل حام لظهره أى مانع له أن يحملوا عليه شيئا، فحام كقاض من حمى يحمى وهو الفحل يلد من صلبه عشرة أولاد، فيحرمون ظهره، ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى، وقالوا: حمى ظهره، وقيل: هو الفحل يضرب فى ابل صاحبه عشر سنين، ولدت من ضرابه قليلا أو كثيراً، ولم يلد، وقيل: هو الفحل الذى ولد ولد ولده. وقال الشيخ هو رحمه الله والفخر: اذا ركب ولد ولده، والحامى أيضا للأصنام عندهم، وكل من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى لا ينتفعون منه، ولا يرد عن مرعى أو ماء قال أبو هريرة: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندق أخا بنى كعب وهو يجر قصبه فى النار "تفسير : والقصب بضم القاف واسكان الصاد الأمعاء. وعن عائشة رضى الله عنها:حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً ورأيت عمرو بن لحى يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب "تفسير : والظاهر أنه أراد بالسوائب ما يشمل ما ذكر فى الآية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامى. {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا}: أشركوا ولم يفعل أحد بعد اسلامه أمر البحيرة وما بعده، قال مسعود: ان أهل الاسلام وأهل الجاهلية يسيبون. {يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ}: اذ قالوا: ان الله أمرنا بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامى، وشرعهن لنا وحرمهن علينا. {وَأَكثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}: فمن المشركين من لا يدربهن وهو القليل الذى يعقل أن الله لم يأمر بذلك، وقيل: الكثير الاتباع لا يعقلون، انما شرع لهم متبعوهم من ذلك كذب، والقليل هو المتبوع المتعمد للكذب، أو أكثرهم لا يعقلون الحلال من الحرام، أو المبيح من المحرم، أو الأمر من النهى، ولكنهم يقلدون كبارهم، وفيه أن منهم من يعرف بمكان ذلك، ولكن منعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به قاله القاضى.
اطفيش
تفسير : {مَا جَعَلَ اللهُ} أَى ما شرع ولذا تعدى لواحد وهو ما جر بمن التى هى صلة للتأكيد فى قوله {مِنْ بَحِيرةٍ} مبحورة {وَلاَ سَائِبَةٍ} أَى منسرحة، وقيل بمعنى مفعول والصحيح الأَول مطاوع سيبها {وَلاَ وَصِيلَةٍ} واصلة {وَلا حَامٍ} هذه الآية مناسبة لما قبلها فإن فيها التزام مالم يلزم كما أَن تلك سؤال عما لم يصرح، والبحيرة ناقة تلد خمسة أَبطن آخرهن ذكر، يبحرون أُذنها أَى يشقونها ويخلون سبيلها فلا تركب ولا يُحمل عليها ولا يجز وبرها ولا تنحر، وجعلوها للأصنام، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وقيل إن كان الخامس أثنى أَبقوه وشقوا أذن أمه وفعلوا ما مر، وإن كان ذكرا ذبحوه للأصنام وتركوها ينتفعون بها وسموها بحيرة على هذا لاتساعها بالأَولاد، وقيل البحيرة الأُنثى خامسة أَولادها يحرمون على النساء لبنها وصوفها وسائر منافعها، وإِذا ماتت حل لهن أَكلها، وقيل البحيرة بنت السائبة يشقون أذنها ويتركونها ترعى مع أُمها وترد الماءَ ولا تركب، وقيل التى يترك لبنها للأصنام، وقيل التى تترك فى المرعى بلا راع، وقيل التى ولدت خمس إِناث، ويجمع باختلاف مذاهب العرب، والسائبة التى يقول فيها: إِن شفيت من مرض أَو قدم غائبى أَو شفى مريضى فهى سائبة، ولا ينتفع بها كالبحيرة، سمين لأَنها تسيب حيث شاءَت وقيل التى ولدت عشر إِناث لا ينتفع بها وقيل التى تترك للأَصنام، وكان الرجل يجئ بماشيته ويتركها عند الصنم ويبيح لبنها، وقيل الناقة التى تترك ليحج عليها، وقيل: العبد يعتق على أَن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث، والوصيلة الشاة تلد سبعة أَبطن عناقين، وإِذا ولدن في آخرها عناقاً وجديا قيل وصلت آَخاها فجرت مجرى السائبة، وقيل إِذا ولدت الشاة أَنثى فهى لهم وإِن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإِن ولدتهما قالوا: وصلت الأُنثى أَخاها فلا يذبح لها الذكر، وقيل: الشاة تنتج سبعة أَبطن فإِن كان السابع أَنثى لم تنتفع النساء منها بشئٍ إِلا أَن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإِن كان ذكراً ذبحوه وأَكلوه جميعاً، وإِن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أَخاها فلا يذبح ولا ينتفع به إِلا الرجال، وقالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أَزواجنا، وقيل: الشاة تنتج عشر إِناث متواليات في خمسة أَبطن وما ولدت بعد ذلك فللذكور، وقيل الشاة تنتج خمسة أَبطن أَو ثلاثة فإِن كان جدياً ذبحوه وإِن كان أُنثى أَبقوه وإِن كان ذكراً وأُنثى قالوا وصلت أَخاها، وقيل: الوصيلة الناقة تبكر فتلد أَنثى ثم تثنى بولادة أنثى أخرى وليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم ويقولون قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر، والحامى كالقاضى وحام أَى منع ظهره، وهو العجل يولد لولد ولده لا يركب ولا يحمل عليه ولا يستعمل ولا يطرد عن مرعى ولا ماء ولا شجر، وقيل العجل يولد من بين أَولاده ذكورها وإِناثها عشر إِناث، وقيل العجل يولد من صلبه عشرة أَبطن فيقولون قد حمى ظهره فيكون كالسائبة، وقيل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقيل العجل ينتج له سبع إِناث متواليات، وذلك باختلاف مذاهب العرب، وفى البخارى عن سعيد بن المسيب: البحيرة التى يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أَحد من الناس، أَى إِلا خدامها، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شئ، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أَول نتاج الإِبل بأُنثى ثمَّ تثنى بعد بأُنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إِن وصلت إِحداهما بالأُخرى ليس بينهما ذكر، والحامى فحل الإِبل يضرب الضراب المعدودة أَى عشر مرات ولو لم يصلح الحمل بل سقط أَو فسد فإِذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأنفوه من الحمل فلا يحمل عليه شئ وسموه الحامى. {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ} يفرضون ويقطعون على الله الكذب، أو يكذبون على الله الكذب بتحريم البحيرة وما بعدها، ونسبته إِلى الله عز وجل. وهم علماؤهم ورؤساؤهم وأَسلافهم وقلدتهم عامتهم كما قال {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أَن ذلك افتراء، بل توهموا أَنه حق فقلدوهم لقصر عقولهم وعدم التفكر بها، أَو أراد أَن أَكثرهم لا يعقلون ذلك والقليل يعقلون بطلانه، ومنعهم حب الرياسة عن أَن يعترفوا بالبطلان، قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأَكثم بين الجوت: حديث : يا أَكثم عرضت على النار فرأَيت فيها عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار فما رأَيت رجلا أَشبه برجل منك به ولا به منكتفسير : ، فقال أَكثم: أَخشى أَن يغرنى شبهه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا إِنك مؤمن وإِنه كافر، إِنه أَول من غير دين إِبراهيم عليه السلام وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامىتفسير : . وعن ابن عباس: ووصل الوصيلة. وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إِنى لأعرف أَول من سيب السوائب ونصب النصب وأَول من غير دين إِبراهيم عليه الصلاة والسلامتفسير : ، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: حديث : عمرو ابن لحى أَخو بنى كعب، لقد رأيته يجر قصبه فى النار يؤذى أَهل النار ريح قصبه، وإِنى لأَعرف أَول من بحر البحائرتفسير : ، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: حديث : رجل من بنى مدلج كانت له ناقتان فجدع آذانهما وحرم أَلبانهما وظهورهما، وقال: هاتان لله، ثم احتاج إِليهما فشرب أَلبانهما وركب ظهورهما، فلقد رأَيته فى النار وهما تقضمانه بأَفواههما وتطآنه بأَخفافهماتفسير : ، قلت، ذلك دليل على أَن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة إِذ عوقب من فعل ذلك متبعاً لذلك من المشركين إِذ غيروا خلق الله عز وجل وظلموا تلك الإِبل بالقطع وابتدعوا ما لم يكن فى الدين، دين إِبراهيم عليه السلام.
الالوسي
تفسير : {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } هي فعيلة بمعنى مفعولة من البحر وهو الشق والتاء للنقل إلى الإسمية أو لحذف الموصوف، قال الزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها وشقوها وامتنعوا من نحرها وركوبها ولا تطرد من ماء ولا تمنع عن مرعى وهي البحيرة، وعن قتادة أنها إذا نتجت خمسة أبطن نظر في الخامس فإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه وإن كان أنثى شقوا أذنها وتركوها ترعى ولا يستعملها أحد في حلب وركوب ونحو ذلك، وقيل: البحيرة هي الأنثى التي تكون خامس بطن وكانوا لا يحلون لحمها ولبنها للنساء فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها، وعن محمد بن إسحٰق ومجاهد أنها بنت السائبة، وستأتي إن شاء الله تعالى قريباً وكانت تهمل أيضاً. وقيل: هي التي ولدت خمساً أو سبعاً، وقيل: عشرة أبطن وتترك هملاً وإذا ماتت حل لحمها للرجال خاصة. وعن ابن المسيب أنها التي منع لبنها للطواغيت فلا تحلب، وقيل: هي التي ولدت خمس إناث فشقوا أذنها وتركوها هملاً، وجعلها في «القاموس» على هذا القول من الشاء خاصة، وكما تسمى بالبحيرة تسمى بالغزيرة أيضاً. «وقيل: هي السقب الذي إذا ولد شقوا أذنه وقالوا: اللهم إن عاش فَفَتِيّ وإن مات فذكي فإذا مات أكلوه»، وقيل: هي التي تترك في المرعى بلا راع. {وَلاَ سَآئِبَةٍ } هي فاعلة من سيبته أي تركته وأهملته فهو سائب وهي سائبة أو بمعنى مفعول كـ { أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21، القارعة: 7]. واختلف فيها فقيل هي الناقة تبطن عشرة أبطن إناث فتهمل ولا تركب ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف ونسب إلى محمد بن إسحاق، وقيل: هي التي تسيب للأصنام فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، وقيل: هي البعير يدرك نتاج نتاجه فيترك ولا يركب، وقيل: «كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو نجت دابته من مشقة أو حرب قال: هي سائبة أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظماً وكانت لا تمنع عن ماء ولا كلأ ولا تركب»، وقيل: هي ما ترك ليحج عليه، وقيل: هي العبد يعتق على أن لا يكون عليه ولاء ولا عقل ولا ميراث. {وَلاَ وَصِيلَةٍ } هي فعيلة بمعنى فاعلة؛ وقيل: مفعولة / والأول أظهر كما ينبىء عن ذلك بيان المراد بها. واختلف فيه فقال الفراء: هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين وإذا ولدت في آخرها عناقاً وجدياً قيل: وصلت أخاها فلا يشرب لبن الأم إلا الرجال دون النساء وتجرى مجرى السائبة، وقال الزجاج: هي الشاة إذا ولدت ذكراً كان لآلهتهم وإذا ولدت أنثى كانت لهم وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وقيل: هي الشاة تلد ذكراً ثم أنثى فتصل أخاها فلا يذبحون أخاها من أجلها وإذا ولدت ذكراً قالوا: هذا قربان لآلهتنا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي الشاة تنتج سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فتأكلها الرجال والنساء وكذا إن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فتترك معه ولا ينتفع بها إلا الرجال دون النساء فإن ماتت اشتركوا فيها. وقال ابن قتيبة: إن كان السابع ذكراً ذبح وأكلوا منه دون النساء وقالوا: خالصة لذكورنا محرمة على أزواجنا وإن كانت أنثى تركت في الغنم وإن كان ذكراً وأنثى فكقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وقال محمد بن إسحاق: وهي الشاة تنتج عشر إناث متواليات في خمسة أبطن فما ولدت بعده للذكور دون الإناث فإذا ولدت ذكراً وأنثى معاً قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه لمكانها، وقيل: هي الشاة تنتج خمسة أبطن أو ثلاثة فإن كان جدياً ذبحوه وإن كان أنثى أبقوها وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها، وقال بعضهم: الوصيلة من الإبل وهي الناقة تبكر فتلد أنثى ثم تثني بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. وقيل: هي الناقة التي وصلت بين عشرة أبطن لا ذكر بينها. {وَلاَ حَامٍ } هو فاعل من الحمى بمعنى المنع. واختلف فيه أيضاً فقال الفراء: هو الفحل إذ لقح ولد ولده فيقولون: قد حمى ظهره فيهمل ولا يطرد عن ماء ولا مرعى، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن مسعود وهو قول أبـي عبيدة والزجاج أنه الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون: حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ومرعى. وعن الشافعي أنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقيل: هو الفحل ينتج له سبع إناث متواليات فيحمى ظهره، وجمع بين الأقوال المتقدمة في كل من تلك الأنواع بأن العرب كانت تختلف أفعالهم فيها. والمراد من هذه الجملة رد وإبطال لما ابتدعه أهل الجاهلية. ومعنى {مَّا جَعَلَ } ما شرع ولذلك عدي إلى مفعول واحد وهو {بَحِيرَةٍ } وما عطف عليها. و {مِنْ } سيف خطيب أتى بها لتأكيد النفي. وأنكر بعضهم مجىء جعل بمعنى شرع عن أحد من أهل اللغة وجعلها هنا للتصيير والمفعول الثاني محذوف أي ما جعل البحيرة ولا ولا مشروعة وليس كما قال فإن الراغب نقل ذلك عن أهل اللغة وهو ثقة لا يفتري عليهم. {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ } حيث يفعلون ما يفعلون ويقولون: الله سبحانه وتعالى أمرنا بهذا وإمامهم عمرو بن لحي فإنه في المشهور أول من فعل تلك الأفاعيل الشنيعة. أخرج ابن جرير وغيره عن أبـي هريرة قال: «حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون: يا أكثم عرضت عليَّ النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن حِنْدِف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك فقال: أكثم أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنك مؤمن وهو كافر / إنه أول من غير دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامي"تفسير : ، وجاء في خبر آخر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه «ووصل الوصيلة». وأخرج عبد الرزاق وغيره عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعرف أول من سيب السوائب ونصب النصب وأول من غير دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: عمرو بن لحي أخو بني كعب لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه وإني لأعرف أول من بحر البحائر قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما وقال: هاتان لله ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما وركب ظهورهما فلقد رأيته في النار وهما تقضمانه بأفواههما وتطآنه بأخفافهما"تفسير : . واستدل بالآية على تحريم هذه الأمور وهو ظاهر. واستنبط منه تحريم جميع تعطيل المنافع. واستدل ابن الماجشون بها على منع أن يقول الرجل لعبده: أنت سائبة وقال: لا يعتق بذلك. وجعل بعض العلماء من صور السائبة إرسال الطير ونحوه، وصرح بعض علمائنا بأنه لا ثواب في ذلك ولعل الجاعل لا يكتفي بهذا القدر ويدعي الإثم فيه والناس عن ذلك غافلون. {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أن ذلك افتراء باطل فما تقدم فعل الرؤساء وهذا شأن الأتباع وهم المراد بالأكثر كما روي عن قتادة والشعبـي، وظاهر سياق النظم الكريم أنهم المقلدون لأسلافهم المفترين من معاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي جاء فارقاً بين ما أحدثه أهل الجاهلية من نقائض الحنيفية وبين ما نوّه الله به ممّا كانوا عليه من شعائر الحج، فإنّه لمّا بيّن أنّه جعل الكعبة قياماً للناس وجعل الهدْي والقلائد قياماً لهم، بيّن هنا أنّ أموراً ما جعلها الله ولكن جعلها أهل الضلالة ليميز الخبيث من الطيّب، فيكون كالبيان لآية {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيّب}تفسير : [المائدة: 100]، فإنّ البَحيرة وما عطف عليها هنا تشبهُ الهدي في أنّها تحرّر منافعها وذواتها حيّة لأصنامهم كما تهدي الهدايا للكعبة مذكّاة، فكانوا في الجاهلية يزعمون أنّ الله شرع لهم ذلك ويخلطون ذلك بالهدايا، ولذلك قال الله تعالى: {قل هلمَّ شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرَّم هذا وقال في هذه الآية: ولكنّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب}. فالتصدّي للتفرقة بين الهدي وبين البحيرة والسائبة ونحوهما، كالتصدّي لبيان عدم التفرقة بين الطواف وبين السعي للصفا والمروة في قوله: {أية : إنّ الصفا والمروة من شعائر الله}تفسير : [البقرة: 158] كما تقدّم هنالك. وقد قدّمنا ما رواه مجاهد عن ابن عباس: أنّ ناساً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة ونحوهما فنزلت هذه الآية. وممّا يزيدك ثقة بما ذكرته أنّ الله افتتح هذه الآية بقوله: {ما جعل الله} لتكون مقابلاً لقوله في الآية الأخرى {أية : جعل الله الكعبة}تفسير : [المائدة: 97]. ولولا ما توسّط بين الآيتين من الآي الكثيرة لكانت هذه الآية معطوفة على الأولى بحرف العطف إلاّ أنّ الفصل هنا كان أوقع ليكون به استقلال الكلام فيفيد مزيد اهتمام بما تضمّنه. والجعل هنا بمعنى الأمر والتشريع، لأنّ أصل (جعل) إذَا تعدّى إلى مفعول واحد أن يكون بمعنى الخلق والتكوين، ثم يستعار إلى التقدير والكتْب كما في قولهم: فرض عليه جعالة، وهو هنا كذلك فيؤول إلى معنى التقدير والأمر بخلاف ما وقع في قوله: {أية : جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس}تفسير : [المائدة: 97]. فالمقصود هنا نفي تشريع هذه الأجناس من الحقائق فإنّها موجودة في الواقع. فنفي جعلها مُتعيّن لأن يكون المراد منه نفيَ الأمر والتشريع، وهو كناية عن عدم الرضا به والغضببِ على من جعله، كما يقول الرجل لمن فعل شيئاً: ما أمرتك بهذا. فليس المراد إباحته والتخيير في فعله وتركه كما يستفاد من المقام، وذلك مثل قوله: {أية : قل هلمّ شهداءكم الذين يشهدون أنّ الله حرّم هذا}تفسير : [الأنعام: 150] فإنّه كناية عن الغضب على من حرّموه، وليس المراد أنّ لهم أن يجتنبوه. وأدخلت (مِن) الزائدة بعد النفي للتنصيص على أنّ النفي نفي الجنس لا نفي أفراد معيّنة، فقد ساوى أن يقال: لاَ بحيرة ولاَ سائبةَ مع قضاء حقّ المقام من بيان أنّ هذا ليس من جعل الله وأنّه لا يَرضى به فهو حرام. والبَحيرة ـــ بفتح الباء الموحّدة وكسر الحاء المهملة ـــ فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي مبحورة، والبَحْر الشقّ. يقال: بحرَشقّ. وفي حديث حفر زمزم أنّ عبد المطلب بَحَرَها بَحْراً، أي شقّها ووسّعها. فالبحيرة هي الناقة، كانوا يشقّون أذنها بنصفين طولاً علامة على تخليتها، أي أنّها لا تركب ولا تنحر ولا تمنع عن ماء ولا عن مرعى ولا يَجزرونها ويكون لبنها لطواغيتهم، أي أصنامهم، ولا يشرب لبنها إلاّ ضيف، والظاهر أنّه يشربه إذا كانت ضيافة لزيارة الصنم أو إضافة سادنه، فكلّ حيّ من أحياء العرب تكون بحائرهم لصنمهم. وقد كانت للقبائل أصنام تدين كلّ قبيلة لصنم أو أكثر. وإنّما يجعلونها بحيرة إذا نُتجت عشرة أبطن على قول أكثر أهل اللغة. وقيل: إذا نُتجت خمسة أبطن وكان الخامس ذكراً. وإذا ماتت حتف أنفها حلّ أكل لحمها للرجال وحرم على النساء. والسائبة: البعير أو الناقة يجعل نَذراً عن شفاء من مرض أو قدوم من سفر، فيقول: أجعله لله سائبة. فالتاء فيه للمبالغة في الوصف كتاء نسّابة، ولذلك يقال: عبد سائبة، وهو اسم فاعل بمعنى الانطلاق والإهمال، وقيل: فاعل بمعنى مفعول، أي مسيّب. وحكم السائبة كالبحيرة في تحريم الانتفاع، فيكون ذلك كالعتق وكانوا يدفعونها إلى السدنة ليُطعموا من ألبانها أبناء السبيل. وكانت علامتها أن تقطع قطعة من جلدة فَقار الظهر، فيقال لها: صَريم وجمعه صُرُم، وإذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلّهنّ إناث متتابعة سيّبوها أيضاً فهي سائبة، وما تلده السائبة يكون بحيرة في قول بعضهم. والظاهر أنّه يكون مثلها سائبة. والوصيلة من الغنم هي الشاة تلد أنثى بعد أنثى، فتسمّى الأمّ وصيلة لأنّها وصلت أنثى بأنثى، كذا فسّرها مالك في رواية ابن وهب عنه، فعلى هذه الرواية تكون الوصيلة هي المتقرّب بها، ويكون تسليط نفي الجعل عليها ظاهراً. وقال الجمهور: الوصيلة أن تلد الشاة خمسة أبطن أو سبعة (على اختلاف مصطَلَح القبائل) فالأخير إذا كان ذكراً ذبحوه لبيوت الطواغيت وإن كانت أنثى استحيوها، أي للطواغيت، وإن أتأمت استحيوهما جميعاً وقالوا: وَصَلت الأنثى أخاها فمنعته من الذبح، فعلى هذا التأويل فالوصيلة حالة من حالات نسل الغنم، وهي التي أبطلها الله تعالى، ولم يتعرّضوا لبقية أحوال الشاة. والأظهر أنّ الوصيلة اسم للشاة التي وصلت سبعة أبطن إناثاً، جمعاً بين تفسير مالك وتفسير غيره، فالشاة تسيّب للطواغيت، وما ذكروه من ذبح ولدها أو ابنتها هو من فروع استحقاق تسييبها لتكون الآية شاملة لأحوالها كلّها. وعن ابن إسحاق: الوصيلة الشاة تتئم في خمسة أبطن عشرة إناث فما ولدت بعد ذلك فهو للذكور منهم دون النساء إلاّ أن يموت شيء منها فيشترك في أكله الرجال والنساء. وفي «صحيح البخاري» عن سعيد بن المسيّب: أنّ الوصيلة من الإبل إذا بكّرت الناقة في أول إنتاج الإبل بأنثى ثم تثنّي بعد بأنثى في آخر العام فكانوا يجعلونها لطواغيتهم. وهذا قاله سعيد من نفسه ولم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في سياق البخاري إيهام اغترّ به بعض الشارحين ونبّه عليه في «فتح الباري». وعلى الوجوه كلّها فالوصيلة فعيلة بمعنى فاعلة. والحامي هو فحل الإبل إذا نُتجت من صلبه عشرة أبطن فيمنع من أن يركب أو يحمل عليه ولا يمنع من مرعًى ولا ماء. ويقولون: إنّه حمى ظهره، أي كان سبباً في حمايته، فهو حام. قال ابن وهب عن مالك، كانوا يجعلون عليه ريش الطواويس ويسيّبونه، فالظاهر أنّه يكون بمنزلة السائبة لا يؤكل حتى يموت وينتفع بوبره للأصنام. وقوله: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} الاستدراك لرفع ما يتوهّمه المشركون من اعتقاد أنّها من شرع الله لتقادم العمل بها منذ قرون. والمراد بالذين كفروا هنا جميع المشركين فإنّهم يكذّبون في نسبة هذه الأشياء إلى شعائر الله لأنّهم جميعاً يخبرون بما هو مخالف لما في الواقع. والكذب هو الخبر المخالف للواقع. والكفّار فريقان خاصّة وعامّة: فأمّا الخاصّة فهم الذين ابتدعوا هذه الضلالات لمقاصد مختلفة ونسبوها إلى الله، وأشهر هؤلاء وأكذبهم هو عَمْرُو بنُ عامر بن لُحَيّ ـــ بضم اللام وفتح الحاء المهملة وياء مشدّدة ـــ الخزاعي، ففي الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بنَ عامر بن لُحَي الخزاعي يجُرّ قُصْبَه ـــ بضم القاف وسكون الصاد المهملة ـــ أي إمعاءه في النار، وكان أولَ من سيّب السوائب. ومنهم جنادة بن عوف. وعن مالك أنّ منهم رجلاً من بني مُدْلِج هو أول من بحَّر البَحيرة وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيته مع عَمرو في النار. رواه ابن العربي. وفي رواية أنّ عَمرو بن لحي أول من بحّر البحيرة وسيّب السائبة. وأصحّ الروايات وأشهرها عن رسول الله: أنّ عمرو بن لحي أول من سيّب السوائب ولم يذكر البحيرة. وأمّا العامّة فهم الذين اتّبعوا هؤلاء المضلّين عن غير بصيرة، وهم الذين أريدوا بقول: {وأكثرهم لا يعقلون}. فلمّا وصف الأكثر بعدم الفهم تعيّن أنّ الأقلّ هم الذين دبّروا هذه الضلالات وزيّنوها للناس. والافتراء: الكذب. وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك} تفسير : في سورة آل عمران (94). وفي تسمية ما فعله الكفّار من هذه الأشياء افتراء وكذباً ونفي أن يكون الله أمر به ما يدلّ على أنّ تلك الأحداث لا تمتّ إلى مرضاة الله تعالى بسبب من جهتين: إحداهما: أنّها تنتسب إلى الآلهة والأصنام، وذلك إشراك وكفر عظيم. الثانية: أنّ ما يجعل منها لله تعالى مثل السائبة هو عمل ضرّه أكثر من نفعه، لأنّ في تسييب الحيوان إضرار به إذ ربما لا يجد مرعى ولا مأوى، وربما عدت عليه السباع، وفيه تعطيل منفعته حتى يموت حتف أنفه. وما يحصل من درّ بعضها للضيف وابن السبيل إنّما هو منفعة ضئيلة في جانب المفاسد الحافّة به.
القطان
تفسير : البحيرة: الناقة اذا انتجت خمسة أبطن آخرُها ذكَر، شقّوا أُذنها وخلّوا سبيلها فلا تُركب ولا تُحمّل. السائبة: كان الرجل يقول اذا شُفيت من مرضي فناقتي سائبة، ويجعلها مثل البحيرة. الوصيلة: اذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، واذا ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، واذا ولدت توءماً ذكرا وأنثى قالوا: وصلتْ أخاها فلا يُذبح الذكر. الحامي: كان من عادتهم إذا نَتُج من صلب الفحل عشرة أبطن حرّموا ظهره، ولم يمنعوه من ماءٍ ولا مرعى وقالوا حَمى ظَهْرَه. بعد ان نهى الله تعالى في الآية السابقة عن السؤال عما لا لزوم له من الأمور، ناسَبَ ان يبيَن هنا ضلال أهل الجاهلية وخرافاتهم فيما حرموه على انفسهم، فقال: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} بالمعنى المشروح أعلاه. فهذه الامور كلها من بدع الجاهلية، {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}، أي يضعون من عندهم تقاليد وعادات، ينسبونها الى الله كذبا وزوراً. قال ابن الكَلْبي في كتاب "الأصنام": "كان اول من غيّر دين اسماعيل عليه السلام، فنصب الأوثان وسيّب السائبة، ووصَل الوصيلة، وبحرَ البحيرة، وحمى الحامي، عمرو بن لِحْي الخُزاعي. فقد مرض مرضاً شديدا فقيل له إن بالبلقاء من الشام حَمّةً إنْ أتيتهَا بَرِئتَ. فأتاها، فاستحمّ بها فبرىء. ووجد أهلَها يعبُدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا نستقي بها المطر ونستنصر بها على العدو. فسألهم ان يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكّة ونصَبَها حول الكعبة. وقد روى ابن جرير عن ابي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخُزاعي: "حديث : يا أَكثم، رأيت عمرو بن لِحْي يجر قُصْبَهُ ـ يعني أمعاءه ـ في النار، فما رأيتُ من رجلٍ أشبه برجُل منك به، ولا به منك. فقال أكثم: أيضرني شَبَهُه يا نبي الله. قال: لا، لأنك مؤمن وهو كافر، وإنه أول من غيّر دينَ اسماعيل، ونصب الأوثان وسيّب السوائب، فيهم"تفسير : أي في اهل الجاهلية.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَآئِبَةٍ} (103) - البَحِيرَةُ هِيَ الوَاحِدَةُ مِنَ الأنْعَامِ التِي يَبْحَرُونَ أذْنَهَا، أيْ يَشُقُّونَهَا شَقّاً وَاسِعاً، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وَكَانَ الخَامِسُ أنْثَى. وَكَانُوا يَجْعَلُونَ دَرَّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلاَ يَحْلِبُهَا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَيُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ. السَّائِبَةُ - وَهِيَ التي تُسَيَّبُ بِأنْ يَنْذُرُوهَا لآلِهَتِهِمْ، فَتَرْعَى حَيْثُ تَشَاءُ، وَلا يُحْمَلُ عَلَيها شَيءٌ، وَلا يُجَزُّ صُوفُها، وَلا يُحْلَبُ لَبَنُها إلاَّ لِضَيْفٍ. الوَصِيلَةُ - هِيَ النَّاقَةُ البكْرُ، تُبْكِرُ فِي أوَّلِ نَتَاجِ الإِبِلِ، ثُمَّ تُثنِّي بِأنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إِحْداهما بِالأخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ. الحَامِي - هُوَ فَحْلُ الإِبِلِ يُولدُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ حَمَى ظَهْرَهُ، فَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَلا يُمْنَعُ مَاءً وَلا مَرْعَى. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِهَؤُلاءِ بِأنْ يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّهُ اللهُ، وَلَمْ يَشْرَعْ مَا شَرَعَهُ البُغَاةُ لأنْفُسِهِمْ، وَلكنَّ الذِينَ كَفَروا يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ شَرْعاً وَقُرْبةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إليهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ، وَأكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية جاءت في السورة التي أحل الله فيها بهيمة الأنعام، وحرّم منها ما حرّم. فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يستبقي حياته من قوت، وما يستبقي نوعه بالتزاوج. وإذا كان الحق هو الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض فقد أعدّ له كل هذه المقومات للحياة من قبل آدم عليه السلام، أعدّ سبحانه لخلقه الأرض والسماء والماء والهواء، ومما ذخر وخَبّأ وأوجد في الأرض من أقوات لا تنتهي إلى يوم القيامة. ولنا أن نلتفت إلى فارق مهم بين "الخلق"، وبين "الجَعْل". فالخلق شيء، والجعل شيء آخر. والخلق هو إيجاد من عدم. والجَعْل هو توجيه مخلوق لله إلى مهمته في الحياة. فخلق الله لا يخلقون شيئاً، إنما الخلق والإيجاد له سبحانه. وعلينا - نحن الخلق - أن نخصص كل شيء لمهمته في حياته التي أرادها الله، أي أن نترك "الجعل" لله و لا نتدخل فيه، بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الخنزير - على سبيل المثال - ليأكل من القاذورات وليحمي الإنسان من أمراض وأضرار كثيرة، وعلى الإنسان - إذن - أن يخصص الخنزير لهذه المهمة فلا يحوّله إلى غير مهمته كأن يأكله مثلا؛ لأن تحويل مهمة مخلوق لله إلى غير مهمته هو أمر يضر بالإنسان الذي أراده الله سيداً مستخلفاً في الكون. وأبلغ سبحانه الناس أنه قد أحل أشياء وحرّم أشياء، وعلى الإنسان أن يرضخ لما حلله الله فيقبل عليه، وأن يرضخ بالابتعاد عما حرّم الله. والخالق سبحانه وتعالى هو الذي "خلق" وهو الذي "جعل" وهو القائل: {أية : جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 97]. وهو القائل: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1]. والحق سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نجعل له أنداداً: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 21-22]. فسبحانه وتعالى موجود وواحد أحد، فلا يصح أن تجعلوا له أنداداً؛ لأن ذلك عبث. ويثبت لنا سبحانه أن قضية الفساد في الأرض تنشأ من تعدي الناس إلى الجعل المخلوق لله فيحولونه إلى غير ما خلقه الله له. والخَلْقُ في حياتهم اليومية يحرصون على أن يستخدموا الأشياء فيما هي مخصصة له. ومثال ذلك: أنت تستقبل من صانع الجبن قالباً من جبن. وتستقبل من صانع الصابون قالباً من الصابون، ثم تجيء بالجبن والصابون إلى المنزل، فتخبر أهل البيت بأن الجبن للأكل والصابون للغسيل، ويطيع الجميع هذه التوجيهات. لكن إن استخدم أحد الصابون للأكل والجبن للغسيل يحدث إفساد في صحة أفراد الأسرة. وكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى لنا أبناء من أصلابنا، فكيف نأخذ أبناء من غير أصلابنا لنجعلهم أبناء لنا؟ إن هذا خطأ في الجَعْل. ولذلك قال الحق: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4]. إن الدعيّ هو في حقيقة أمره من غير صلبك، وزوجتك ليست أمّاً له، فكيف تجعله ابناً لك، وتمكنه من أن يجلس في حجر امرأة غير أمه ويشب على ذلك وينظر إلى غير محارمه على أن ذلك حلال ومباح له، إنه بذلك يفقد التمييز بين الحلال والحرام؛ لذلك فالتبني إفساد في الجعل. إن كل فساد ينشأ في الكون حينما نجعل مخلوقاً لله في مهمة غير تلك التي جعلها الله له. والحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيته، وما يحفظ نوعه، فعلينا أن نتبع ما يأمر به الحق من اتباع ما هو حلال، والابتعاد عما هو حرام. وإن قال قائل: ولماذا حرّم الله بعض الأشياء التي خلقها؟ ونقول: إن الذي خلقها جعلها لمهمة غير التي يريد الإنسان أن يوجهها له، ومثال ذلك تحريم أكل لحم الخنزير. والإنسان منا إذا ما رأى صورة من معيشة الحيوانات في الغابة. يتعجب، ففضلات حيوان هي غذاء لحيوان آخر. وسم الثعبان هو حماية وعلاج. ونعرف أن الإنسان يستخلص سم الثعبان ليستخرج منه علاجاً لبعض الأمراض ولقتل بعض الجراثيم. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59]. كيف إذن نجعل من أنفسنا مشرعين نحلل الحرام ونحرم الحلال؟ إن الله الذي خلق كل شيء لم يمنحنا الإذن بذلك. وعلينا أن نسلم بأن كل شيء مخلوق لمهمة فلا يصح أن نوجه شيئا إلى غير مهمته. وتوجيه أشياء إلى غير ما جعلت له أنتج آثاراً ضارة، ومثال ذلك استخدامنا لمبيدات الحشرات في الحقول، تلك المبيدات أبادت الضار في نظرنا، وأبادت النافع أيضاً. وعلى الإنسان - إذن - أن ينتبه جيداً فلا يساوي بين الحرام والحلال، وأن ينتبه تماماً فلا يتعدى الجعل المخلوق لله. يقول سبحانه: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103]. والبحيرة هي الناقة التي تُشق أذنها كعلامة على أنها محرّمة فلا يتعرض لها أحد، ولا تُرد عن مرعى، ولا تُرد عن ماء، ولا يُشرب لبنها، ولا يُركب ظهرها، ولا يُجز صوفها؛ لأنهم قالوا: نُتجت خمسة أبطن آخرها ذكر. و "السائبة" وهي الناقة التي يقدمها الرجل إن برئ من مرضه أو قدم من سفره كنذر سائب. فلا يربطها، وتأكل كما تريد، وتشرب ما تريد، وتنام في أي مكان، ولا أحد يتعرض لها أبداً، وقد سميت "سائبة" بمعنى مأخوذ من الماء السائب. ونعرف أن صفة الماء وطبيعته الأساسية هي الاستطراق، فإن سقط الماء على قمم الجبال فهو يملأ الوديان أولاً، ثم يصعد إلى الأعالي، هكذا يكون استطراق الماء ما لم يتحكم فيه الإنسان بإقامة السدود والمضخات وشبكات توزيع المياه. والوصيلة هي الناقة التي تصل أخاها، فالناقة عندما تحمل وتضع المولود، هنا ينظر أصحاب الناقة إلى جنس المولود، فإن كان ذكراً أكلوه، أما إن كان المولود أنثى فهي لهم يستبقونها لأنها وعاء إنجاب لنتاج جديد ويكفي فحل واحد لإخصاب عشرات الإناث. فإن نتجت الناقة في بطن واحد ذكراً وأنثى فإنهم لا يذبحونهما ويقال: "وصلت الأنثى أخاها" فحرمته علينا. وفي ريفنا المصري نجد الأطفال يتمنون أن يأتي وليد الجاموسة أو البقرة ذكراً حتى يأكلوا من لحمه وحتى يشربوا من لبن الجاموسة أو البقرة كما يهوون. ذلك أن الطفل ينظر إلى مصلحته المباشرة، أما الكبار فهم يتمنون دائماً أن يكون وليد البهيمة أنثى، لأن الأنثى وعاء لنتاج جديد. والـ "حام" هو الفحل الذي يُحمى ظهره من أن يُركب، ويتركونه لينطلق كما يريد. وهو الذي لقح عشرة أجيال من الإناث، أو هو الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن. وكان من الضوابط لهذه العملية أن يعرفوا أن حفيد هذا الفحل - ابن ابنه - يمكنه أن يلقح. وكل هذه المسائل: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، هي من اختراعات أهل الكفر الذي يفترون على الله، فالحق سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام ليستمتع الإنسان بأكلها وشرب لبنها وتسخيرها إلى ما يفيده. ومعنى "يفتري الكذب" أي أنه يختلق كذباً ويدعيه ليطرأ به على صدق ليخفيه فالكذب ستر لحقيقة كانت قائمة. والحقيقة القائمة منذ أن خلق الله الخلق أن هذه الأنعام جميعها مسخرة لخدمة الإنسان، وأبلغ سبحانه آدم بمنهجه، وكان من المفروض أن يبلغ كل جيل الجيل الذي يليه، لكن طول الزمن والغفلة هما السببان وراء نسيان الناس لبعض الأحكام؛ لذلك بعث الله الرسل ليذكروا الناس بالمنهج، وليزيلوا الكفر عن وعي الناس، فالكافرون أناس ستروا منهج الله، وستروا البلاغ عن الله، وهم بذلك يفترون الكذب على الله. ومثال ذلك قصة دخول الأصنام إلى الكعبة، فقد سافر رجل اسمه عمرو بن لُحي إلى بلاد الشام، فوجد أوثاناً وأصناماً فنقل منها صنما يقال له "هبل" إلى مكة، وكان هو أول من أدخل الأصنام إلى مكة، وكما فعل عمرو بن لُحَيّ فعل غيره بوضع قوانين وقواعد لم يأت بها الله، كالوصيلة والبحيرة والسائبة والحام. وكان ذلك افتراءً على منهج الله وتغييراً لمنهج الحق، وعلى فرض أنه لا منهج قد وصلهم من الله، ألم يكن من ضرورة التعقل أن ينظروا في أمر هذه البدع والضلالات؟ إن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع العقل من أن يصل إلى حقيقة كونية سليمة. ولكن قد يجهد العقل ويتعب بالتجربة الطويلة حتى يصل إلى حقيقة ما. لذلك أراد سبحانه حماية الناس من شقاء التجارب القاسية فأنزل منهجه ليحدد الحرام من الحلال. قال سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33]. ويقول في موضع آخر من القرآن الكريم: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [الفتح: 28]. ولقائل أن يقول: لماذا إذن وُجد في العالم أديان أخرى. كاليهودية والنصرانية، ولماذا إذن هناك ملاحدة ما دام الله قد قرر ألا يوجد مع الإسلام دين آخر؟ ونقول: أنت لم تفهم مراد الآيتين الكريمتين، إن الحق سبحانه يقرر مرة أن الذي الذي سيظهر ولو كره المشركون، ومعنى ذلك أن هناك كافرين ومشركين، وأهل ديانات أخرى وسيظهر الإسلام عليهم، ويجعله الله هو السائد بالحجة والبرهان وبشهادة الكافرين والملحدين والوثنيين أنفسهم؛ لأن أمور الحياة ستتبعهم في كل قضايا حياتهم، ولا يجدون حلولاً لهذه المتاعب إلا بأن يذهبوا إلى قضية الإسلام، لا لأنه إسلام، ولكن لأن أسلوب وقواعد الإسلام هي التي ستخلصهم من مشكلاتهم، ولجوؤهم إلى أقضية تتفق مع الإسلام - مع كفرهم بالإسلام - هو شهادة قوية على أن الإسلام جاء دين الفطرة، ودين العقل، وأن الكل سيحتاج إليه قهراً عنه. ومن لم يأخذ ديناً فيسضطر إلى أن يأخذه نظاماً. وإذا كان الحق سبحانه قد ذيل الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها بقوله عز وجل: {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} فلأنه سبحانه ينبهنا إلى أنهم لو تعقلوا الأمر لما جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من المحرمات عليهم. ولنا أن نتساءل: أجعلتم هذه الأشياء حراماً تكريماً لها أم زهداً فيها؟. فإن كان هو الزهد، فمعنى ذلك أنهم أخرجوها عما خلق الله؛ لأن الله خلقها لنأكل لحمها وننتفع بها. وإن كان هو التكريم، فهل من التكريم أن يترك الإنسان الحيوان الذي خدمه دون حماية من ذئب، ودون طعام يعده له ويتركه يلغ في أرض الغير؟. إن هذا أسلوب يدل على عدم الوفاء للحيوان الذي خدم الإنسان، ومثل هذا السلوك لا يستبقي حياة هذا الحيوان، بل يعرضها للخطر، لهذا يأبى العقل السويِّ هذا الزهد وذلك التكريم. فإن كان عمرو بن لُحَيِّ أو غيره قد جاءوا بأشياء وتقاليد لم يجعلها الله، فعلينا أن نشكر الحق سبحانه لأنه جاء بالإسلام ليعدل من هذه المسائل. والمدقق للنظر في آيات القرآن يجدها تمثل برنامجاً مطمْئِناً لحياة الإنسان على الأرض، وكأنها حاسب آلي يضبط إيقاع حركة الإنسان في الأرض بدقة تتفوق بكل المقاييس على دقة أي حاسب آلي من صنع البشر، ذلك المسمى "كمبيوتر". إن هناك "كمبيوتر" إلهياً يهدي الإنسان من أن يضل أو يُضل. فالسماء تعدل للإنسان سلوكه إن ذهب بعيداً عن الصراط المستقيم. ولا يقولن إنسان: إنما أنا أتبع ما كان عليه آبائي. لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا أَبو مشعر عن محمد بن قيس، عن أَبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم. قال أَبو مشعر، وثنا سهيل بن أَبي صالح، عن أَبيه عن أَبي هريرة ، عن النبي، صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن أَول من أَلَّه الاله وسيب السيوب وبحر البحائر "انظرالآية: 103". وغير دين إبراهيم، عليه السلام، عمرو بن لحي بن قمعة (كذا) بن خندف. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: فرأَيته يجر قُصْبهُ في النار، يتأَذى به أَهل النار. صنماه على ظهره، وناقتين كان سيبهما ثم استعملهما، يعضانه بأَفواههما ويطآنه بأَخفافهما. أَشبه ولده به أَكثم بن أَبي الجون فقال أَكثم: يا رسول الله أَيضرني ذلك شيئا؟ قال: لا. أَنت رجل مؤمن وهو كافر . تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن أَبي اسحق الفزاري، عن أَبي ميسرة قال: في المائدة ثمانية عشر فريضة محكمة، لم ينسخ منها شيء. قوله:{أية : وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ}تفسير : [الآية: 3]. وَ {أية : ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ}تفسير : [الآية: 4]. {أية : وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ} تفسير : [الآية: 5] {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}تفسير : [الآية: 5]، وتمام الوضوءِ إِلى قوله:{أية : فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً} تفسير : [الآية: 6] {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [الآية: 38] {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} [الآية: 103]. فهذه كلها محكمة لم ينسخ منها شيء.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ [وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ]} معناهُ نَاقةٌ مَشْقوقَةُ الأُذنِ. وَكَانَ أَهلُ الجَاهِليةِ يُحرِّمُونَها ويُحرِّمونَ وَبَرَها وَظَهرَهَا وَلَحمَهَا وَلَبَنَهَا عَلَى النِّسَاءِ ويُحلُّونَها لِلرِجالِ. وَمَا وَلَدَتْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى فَهي بِمَنزِلَتِهَا. فَإِن مَاتَتْ البَحِيرةُ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّسَاءِ في أكلِ لَحمِها. وإذا ضَرَبَ جملٌ مِن وَلَد البحيرة فهو حامٍ والسائبة: لناقة تُسيّب للآلهة فلا ينتفع بها فما ولدت من ولد بينها وبين ستةِ أَوْلادٍ فَهوَ بِمَنزِلتِها. فإِذا وَلَدَتْ السَّابعَ ذكراً أَو أُنثى ذَبَحوهُ، فأَكلهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ. فَإِنْ أَتأَمتْ بِذَكَرٍ وأَنْثَى، فَهو وَصِيلةٌ فلا يُذْبَحُ الذَّكَرُ. وإِنْ كَانَتَا انثَيينِ تُرِكَتَا، فَلَمْ تُذْبَحا. وإِذَا وَلَدَتْ سَبعةَ أَبْطُنٍ، كُلُ بَطنٍ ذَكراً وأُنثَى حَيْين، قَالُوا وَصَلَتْ أَخَاهَا، فَأَحْمَوهَا وَتَركُوهَا تَرعَى لا يمِسُّها أَحَدٌ. وإِنْ وَضَعَتْ أُنْثَى حَيَّةً بَعدَ البَطنِ السَّابعِ، كَانَتْ مَع أُمِها كَسَائِرِ النَّعَم، لَمْ تُحْمَ هِي وَلاَ أُمُّها. وإِنْ وَضَعَتْ أَنثَى مَيتةً بَعدَ البَطنِ السَّابع أَكَلتها النِّساءُ, وكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَتْ ذَكَراً وأَنثى مَيتين بَعَدَ البَطنِ السَّابع أَكَلَها الرِّجالُ والنِّساءُ جميعاً بالسَّويةِ. وإِنْ وَضَعَتْ ذَكراً أَو أنثى حَيينِ بَعَدَ البَطنِ السابعِ أكَلَ الذَكَرَ منهما الرِّجالُ دُون النِّساءِ. وَجَعَلوا الأُنثَى مَعَ أُمِّها كَسَائِر النِّعَم.
الأندلسي
تفسير : {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ} الآية مناسبتها لما قبلها تعالى لما نهى عن سؤال ما لم يأذن فيه ولا كلفهم إياه منع من التزام أمور ليست مشروعة منه تعالى. والبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة، كالنطيحة بمعنى المنطوحة وهي الناقلة إذا أنتجت خمسة أبطن في آخرها ذكر شقوا أذنها وخلوا سبيلها لا تركبُ ولا تحلب ولا تطرد عن ماء ولا مرعى. والسائبة فاعلة من ساب يسبب إذا جرى على وجه الأرض، يقال: ساب الماء وسابت الحية. وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيّب للأصنام أي تعتق. وكان الرجل يسيب من ماله شيئاً فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل. والوصيلة قال ابن عباس: إنها الشاة تنتج سبعة أبطن فإِن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء، وإن كان ذكراً ذبحوه وأكلوه جميعاً، وإن كان ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فتترك مع أخيها فلا تذبح، ومنافعها للرجال دون النساء فإِذا ماتت اشترك الرجال والنساء فيها. والحافي إسم فاعل من حمى وهو الفحل من الإِبل. قال ابن مسعود وابن عباس: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن، فيقولون: قد حمي ظهره، فيسيبونه لآلهتهم فلا يحمل عليه شيء. ومن في قوله: من بحيرة، زائدة وبحيرة مفعولة. بجعل. قال الزمخشري: معنى ما جعل ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك. "انتهى". وقال ابن عطية: وجعل في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها، ولا هي بمعنى صيّر لعدم المفعول الثاني إنما هو بمعنى ما سنّ ولا شرع. "انتهى". لم يذكر النحويون في معنى جعل شرع بل ذكروا أنها تأتي بمعنى خلق، وبمعنى ألقى، وبمعنى صيّر، وبمعنى الأخذ في الفعل، فتكون من أفعال المقاربة، وذكر بعضهم أنها تجيء بمعنى سمّى وقد جاء حذف أحد مفعولي ظن وأخواتها لكنه قليل والحمل على ما سمع أولى من إثبات معنى لم يثبت في لسان العرب فيحتمل أن يكون المفعول الثاني محذوفاً أي ما صير الله بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حامياً مشروعة بل هي من شرع غير الله والانعام خلقها الله رفقاً بعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة وأهل الجاهلية قطعوا طريق الانتفاع بها واذهاب نعمة الله فيها. {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية استدراك بعد نفي والمعنى ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب يجعلون البحيرة وما بعدها من جعل الله تعالى ذلك وعبّر بقوله الكذب عن نسبة ذلك الجعل إلى الله تعالى. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ} الآية تقدم تفسيرها في البقرة. وهنا تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه أباءنا، وهناك اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه اباءنا، وهنا لا يعلمون شيئاً، وهناك لا يعقلون شيئاً، والمعنى في هذا التغاير لا يكاد يختلف. قال ابن عطية: في أولو ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا هذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإِنما التوقيف توبيخ لهم كأنهم يقولون بعده نعم ولو كانوا كذلك. "انتهى". قوله في الهمزة ألف التوقيف عبارة لم أقف عليها من كلام النحاة يقولون: همزة الإِنكار همزة التوبيخ وأصلها همزة الإِستفهام، وقوله: كأنهم عطفوا هذه الجملة على الأولى يعني فكان التقدير وأولَوْ فاعتنى بالهمزة فقدمت، كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الروم: 9]، وليس كما ذكر من أنهم عطفوا هذه الجملة على الأولى على ما نبينه إن شاء الله تعالى. قال الزمخشري: والواو في قوله: أولو كان آباؤهم، وَاو الحال وقد دخلت عليها همزة الإِنكار والتقدير أحْسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة، جعل الزمخشري الواو في أولو واو الحال وهو مغاير لقول ابن عطية انها واو العطف كأنهم عطفوا هذه الجملة على الجملة الأولى وتقول أنها يصح أن يقال هي واو العطف لها من الجهة التي ذكرها ابن عطية واو الحال لكن يحتاج ذلك إلى تبيين، وذلك أنه قد تقدم من كلامنا أن لو التي تجيء هذا المجيء هي شرطية وتأتي لاستقصاء ما قبلها والتنبيه على حالة داخلة فيما قبلها وإن كان مما ينبغي أن لا يدخل كقوله: "حديث : اعطوا السائل ولو جاء على فرس"، "حديث : وردوا السائل ولو بظلف محرق"، "حديث : واتقوا النار ولو بشق تمرة"تفسير : . وقول الشاعر: شعر : قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت باظهار تفسير : والمعنى أعطوا السائل على كل حال ولو في الحالة التي تشعر بالغنى وهي مجيئه على فرس، وكذلك يقدر ما ذكرنا من المثل على ما يناسب، فالواو عاطفة على كل حال مقدرة فمن حيث هذا العطف صح أن يقال هي عاطفة ومن حيث أن العطف على الحال حال صح أن يقال انها واو الحال، وقد تقدم الكلام على ذلك في البحر باشبع من هذا، فالتقدير في الآية أحْسبُهم اتباع ما وجدوا عليه آباءهم على كل حال ولو كان في الحالة التي تنتفي عن آبائهم العلم والهداية فإِنها حالة ينبغي أن لا تتبع فيها الاباء لأن ذلك حال من غلب عليه الجهل المفرط. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} قال ابن أمية الشعباني: حديث : سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إئتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإِذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويّصة نفسك تفسير : . ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما بين أنواع التكاليف. ثم قيل: ما على الرسول إلا البلاغ إلى قوله: وإذ قيل لهم تعالوا، الآية، كان المعنى أن هؤلاء الجهال بما تقدم من المبالغة في الإِعزاز والإِنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم فإِن ذلك لا يضركم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله تعالى مطيعين لأوامره، وعليكم من كلم الإِعزاء، وله باب معقود في النحو وهو معدود في أسماء الأفعال فإِن كان الفعل متعدياً كان اسمه متعدياً وإن كان لازماً كان لازماً. وعليكم اسم كقولك إلزم فهو متعد فلذلك نصب المفعول به. والتقدير هنا عليكم إصلاح أنفسكم أو هداية أنفسكم. {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} أي مرجع المهتدين والضالين، وغلب الخطاب على الغيبة كما تقول: أنت وزيد تقومان، وهذا فيه تذكير بالحشر وتهديد بالمجازاة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا ذم للمشركين الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وحرموا ما أحله الله، فجعلوا بآرائهم الفاسدة شيئا من مواشيهم محرما، على حسب اصطلاحاتهم التي عارضت ما أنزل الله فقال: { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ } وهي: ناقة يشقون أذنها، ثم يحرمون ركوبها ويرونها محترمة. { وَلا سَائِبَةٍ } وهي: ناقة، أو بقرة، أو شاة، إذا بلغت شيئا اصطلحوا عليه، سيبوها فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تؤكل، وبعضهم ينذر شيئا من ماله يجعله سائبة. { وَلا حَامٍ } أي: جمل يحمى ظهره عن الركوب والحمل، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم. فكل هذه مما جعلها المشركون محرمة بغير دليل ولا برهان. وإنما ذلك افتراء على الله، وصادرة من جهلهم وعدم عقلهم، ولهذا قال: { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ } فلا نقل فيها ولا عقل، ومع هذا فقد أعجبوا بآرائهم التي بنيت على الجهالة والظلم. فإذا دعوا { إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ } أعرضوا فلم يقبلوا، و { قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } من الدين، ولو كان غير سديد، ولا دينًا ينجي من عذاب الله. ولو كان في آبائهم كفاية ومعرفة ودراية لهان الأمر. ولكن آباءهم لا يعقلون شيئا، أي: ليس عندهم من المعقول شيء، ولا من العلم والهدى شيء. فتبا لمن قلد من لا علم عنده صحيح، ولا عقل رجيح، وترك اتباع ما أنزل الله، واتباع رسله الذي يملأ القلوب علما وإيمانا، وهدى، وإيقانا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 259 : 28 : 20 - سفين عن داود بن أبي هند عن محمد بن أبي موسى في قول الله {وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} قال، أهل الكتاب. [الآية 103]. 260 : 29 : 21 - سفين عن داود عن محمد قال {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} قال، المشركون. [الآية 103].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} [103] 175- أنا مجاهد بن موسى، نا ابن عُيينة، عن أبي الزَّعراء، عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فصعد في النظر، وصوَّبه، وقال: "أَرَبُّ إبل أو غنم؟" قلت: من كُلٍّ قد آتاني الله فأكثر وأطاب، فقال: "ألست تنتجها وافية أعيانها / وآذانها، فَتَجْدع هذه وتقول: بحيرة، وتفقأُ هذه؟ ساعد الله أشدُّ ومُوساه أحدُّ ". تفسير : 176- أنا محمد بن عبد بن المُبارك، نا يعقوب، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: قال ابنُ المسيِّب: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت عمرو بن لُحيٍّ الخُزاعي يجُرُّ قُصْبة في النار، وكان أول من سيَّب السُّيُوب ".
همام الصنعاني
تفسير : 748- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيّب، في قوله تعالى: {مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ}: [الآية: 103]، قال: البحيرة من الإِبل، التي يمنع درها للطواغيت، والسائبة من الإِبل: ما كانوا يُسَيِّبُونها لطواغيتهم، والوصيلة من الإِبل: ما كانت الناقةُ تبكر بأُنْثى ثم تُثْني بأُنثى فيُسمُّونَها الوَصِيلة، يقُولُون: وصَلَتِ اثنَتين ليس بينهما ذكر، وكانوا يَجْدَعُونَها لطواغيتهم. والْحامي: الْفَحْلُ مِنَ الإِبلِ كان يضربُ الضراب المعدودة. فإذَا بلغ ذلِكَ قيل: هذا حام حمى ظهره فترك فسمّوه الحامِي. 749- عبد الرزاق، قَالَ مَعْمَر، وقال قتادة: إذا ضرب عَشْرة. 750- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزّهري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رأيْتُ عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار، وهو أول من سيب السّوائب ". 751تفسير : - عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأعرفُ أوّلَ مَنْ سَيِّبَ السَّوائبَ وأوَّلَ من غيَّر عهد إبراهيم، قالوا: مَنْ هو يا رسول الله؟ قال: عَمْرُوا بْنُ لُحَيّ أحد بني كَعْبٍ لَقدْ رأيْتُه يَجُرُّ قصَبَهُ في النّار يُؤذي برِيحه أهْل النَّارِ، وإني لأعرفُ أول من بَحَرَ البَحائِر، قالوا: مَنْ هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج كانت له ناقَتان فجَذَع آذانَهُما وحَرَّمَ ألْبانَهُما، ثم شرب ألبِانَهُما بعد ذلِكَ، ولَقَد [رأيتهُ وهما في النَّارِ تَعضَّانِه بأقواهِهِما ويحطمانه بأخفافهما] ". تفسير : 752- عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن قتادة، قال: البَحِيرةُ من الإِبلِ كانت الناقة إذا نَتَجَتْ خمسة بطون، فإن كان الخامس ذَكَراً كانَ للرجال دون النساء، وإن كانت أُنْثَى بَتَكُوا أذنَها ثم أرسلوها، فلم يجزّوا لها وبراً، ولم يشْربوا لها لبناً، ولم يركبوا لها ظَهْراً، فإن كانت ميتةً فهم فيها شركاء الرجال والنساء. وأمّا السائبة: فإنهم كانوا يُسَيّبُونَ بَعْضَ إبلهم فلا تمنع حَوْضاً أن تشْرَع فيهِ، ولا مرعى أن ترعَى فيه. والوصيلة: الشاة كانت إذا وَلَدَتْ سَبْعَةَ بطونٍ فإن كان السَّابع ذكراً ذُبح وأكلَه الرجال دون النساء، وإن كانت أُنثى تركت، وإن كانت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاهَا، فترك لا يذبَح.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):