٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
104
Tafseer
الرازي
تفسير : والمعنى معلوم وهو رد على أصحاب التقليد وقد استقصينا الكلام فيه في مواضع كثيرة. وأعلم أن الواو في قوله {أولو كان آباؤهم} واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار، وتقديره أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون. وأعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي، وإنما يكون عالماً مهتدياً إذا بنى قوله على الحجة والدليل، فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالماً مهتدياً، فوجب أن لا يجوز الاقتداء به.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} الآية تقدّم معناها والكلام عليها في «البقرة» فلا معنى لإعادتها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ } أي إلى حكمه من تحليل ما حرّمتم {قَالُواْ حَسْبُنَا } كافينا {مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} من الدين والشريعة قال تعالى: {أَ} حسبهم ذلك {وَلَوْ كَانَ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } إلى الحق؟، والاستفهام للانكار.
الخازن
تفسير : {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين بحروا البحائر وفعلوا هذه الأشياء أضافوها إلى الله كذباً تعالوا إلى ما أنزل الله يعني في كتابه وإلى الرسول يعني محمداً صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه كتابه ليبين لكم كذب ما تضيفونه إلى الله ويبين لكم الشرائع والأحكام وإن الذي تفعلونه ليس بشيء {قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} يعني قد اكتفينا بما أخذنا عنهم من الدين ونحن لهم تبع قال الله رداً عليهم {أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} يعني إنما يصح الاقتداء بالعالم المهتدي الذي يبني قوله على الحجة والبرهان والدليل وأن آباءهم ما كانوا كذلك فيصح اقتداؤهم بهم.
ابن عادل
تفسير : قوله {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} أي في تحليل الحَرْثِ والأنعامِ، وبيان الشرائع والأحكام، قالُوا: حَسْبُنَا ما وجدنَا عليه آباءَنَا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون وهذا رد على أصحاب التقليد. قوله تعالى: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} "حَسْبُنَا" مبتدأ، وقد تقدَّم أنه في الأصلِ مصدرٌ، والمرادُ به اسمُ الفاعل، أي: كَافِينَا، وتفسيرُ ابن عطية له بـ "كَفَانَا" تفسيرُ معنًى، لا إعراب، و"مَا وَجَدْنَا" هو الخبر، و"مَا" ظاهرُها أنها موصولة اسميةٌ، ويجوز أن تكون نكرةً موصوفةً، أي: كَافِينَا الذي وجدنا، و"وَجَد" يجوز أن يكون بمعنى المُصَادفة، فـ "عَلَيْهِ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ "وَجَدْنَا" وأنه متعدٍّ لواحد. والثاني: أنه حال من "آباءَنَا"، أي: وجدناهم مُسْتَقِرينَ عليه، ويجوز أن يكون بمعنى العلْمِ، فيتعدَّى لاثنين ثانيهما "عَلَيْهِ". وقوله: {أَوَلَوْ كَانَ} قد تقدَّم إعراب هذا في البقرة [الآية 170]، وأنَّ "لَوْ" هنا معناها الشرط، وأنَّ الواوَ للحال، وتقدَّم تفسيرُ ذلك كلِّه؛ فأغنى عن إعادته، إلاَّ أنَّ ابن عطيَّة قال هنا: "ألِفُ التوقيفَ دخلَتْ على واو العَطْف" قال شهاب الدين: تسميةُ هذه الهَمْزةِ للتوقيفِ فيه غرابةٌ في الاصطلاحِ، وجعلَ الزمخشريُّ هذه الواو للحالِ، وابنُ عطيَّة جعلها عاطفةً، وتقدَّم الجمعُ بين كلامهما في البقرة، واختلافُ الألفاظِ في هاتين الآيتينِ - أعْنِي آيةَ البقرةِ، وآية المائِدَة - مِنْ نَحْو قوله هناك: "اتَّبِعُوا" وهنا "تَعَالَوْا" وهناك "ألْفَيْنَا" وهنا "وَجَدْنَا" من باب التفنُّن في البلاغة. واعلم: أنَّ الاقْتِدَاء إنَّما يَجُوزُ بالعالِمِ المُهْتَدِي، وهو الذي قولُهُ مَبْنِيٌّ على الحُجَّةِ والدَّليل، فإن لمْ يكُنْ كذلِكَ لم يَكُنْ عالماً مهتدياً، فلا يَجُوزُ الاقْتِدَاءُ به.
ابو السعود
تفسير : وقوله عز وجل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي للذين عبَّر عنهم (بأكثرُهم) على سبـيل الهداية والإرشاد {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} من الكتاب المبـين للحلال والحرام {وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} الذي أُنزل هو عليه لتقفوا على حقيقة الحال وتُميِّزوا الحرامَ من الحلال {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} بـيان لعنادهم واستعصائهم على الهادي إلى الحق وانقيادِهم للداعي إلى الضلال {أَوْ لَّوْ كَانَ آبَاؤُهم لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} قيل: الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب، أي أحَسْبُهم ذلك ولو كان آباؤهم جَهَلةً ضالين؟ وقيل: للعطف على شرطية أخرى مقدّرة قبلها وهو الأظهر، والتقدير أحَسْبهم ذلك أو أيقولون هذا القولَ لو لم يكن آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون الصواب؟ ولو كانوا لا يعلمون الخ. وكلتاهما في موقع الحال أي أحسْبُهم ما وجدوا عليه آباؤهم كائنين على كل حال مفروض؟ وقد حُذفت الأولى في الباب حذفاً مطَّرداً لدلالة الثانية عليها دلالةً واضحةً، كيف لا وأن للشيء إذا تحقق عند المانع فلأَنْ يتحقّقَ عند عدمِه أولى كما في قولك: أحسِنْ إلى فلان وإن أساء إليك، أي أحسِنْ إليه إن لم يُسىء إليك وإن أساء، أي أحسن إليه كائناً على كل حال مفروض، وقد حذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها دَلالة ظاهرةً إذِ الإحسانُ حيث أُمِر به عند المانع، فلأَنْ يُؤْمَرَ به عند عدمه أولى، وعلى هذا السر يدورُ ما في إنْ ولو الوصليتين من المبالغة والتأكيد، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما سبق عليه، أي لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون حسبُهم ذلك أو يقولون ذلك، وما في (لو) من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم لا إلى نفس الأمر، وفائدتُه المبالغةُ في الإنكار والتعجيب ببـيان أن ما قالوه موجبٌ للإنكار والتعجيب إذا كان كونُ آبائهم جَهلةً ضالين في حيز الاحتمال البعيد، فكيف إذا كان ذلك واقعاً لا ريب فيه؟ وقيل: مآلُ الوجهين واحدٌ، لأن الجملة المقدرة حالٌ فكذا ما عُطف عليها، وأنت خبـيرٌ بأن الحالَ على الوجه الأخير مجموعُ الجملتين لا الأخيرةُ فقط، وأن الواو للعطف لا للحال، وقد مر التحقيق في قوله تعالى: {أية : أَوْ لَّوْ كَانَ آبَاؤهم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة، الآية 170]، فتدبر {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي الزموا أمرَ أنفسِكم وإصلاحِها، وقرىء بالرفع على الابتداء أي واجبة عليكم أنفسُكم، وقوله عز وجل: {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} إما مجزومٌ على أنه جوابٌ للأمر، أو نهْيٌ مؤكِّد له، وإنما ضُمَّتِ الراء إتباعاً لضمِّه الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة، إذِ الأصلُ لا يضْرُرْكم، ويؤيده القراءةُ بفتح الراء، وقراءةُ مَنْ قرأ (لا يضِرْكم) بكسر الضاد وضمها من ضارَه يَضيرُه، وإما مرفوع على أنه كلامٌ مستأنفٌ في موقع التعليل لما قبله، ويعضُده قراءةُ من قرأ (لا يضيرُكم ضلالُ مَنْ ضل إذا كنتم مهتدين) ولا يُتوهَّمَنَّ أن فيه رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن يُنكَر على المنكَر حسْبما تفي به الطاقة، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيْره بـيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطِعْ فبقلبه»تفسير : وقد روي أن الصديقَ رضي الله تعالى عنه قال يوماً على المنبر: «يا أيُّها الناسُ إنَّكُم تَقْرَءونَ هذه الآيةَ وتضعونها غيرَ موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس إذا رأَوا منكراً فلم يغيِّروه عمهم الله بعقاب، فأمُروا بالمعروف وانهَوْا عن المنكر، ولا تغترّوا بقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا} الخ. فيقول أحدكم: عليَّ نفسي، والله لتأمُرنّ بالمعروف وتنهَوُنّ عن المنكر، أو ليستعمِلن الله عليكم شرارَكم فيسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعُوَنَّ خيارُكم فلا يستجابُ لهم»تفسير : . وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما من قوم عُمل فيهم منكرٌ أو سُن فيهم قبـيحٌ فلم يغيِّروه ولم ينكروه إلا وحقٌّ على الله تعالى أن يعُمَّهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجابُ لهم»تفسير : ، والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسَّرون على الكفرة، وكانوا يتمنَّوْن إيمانهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعَوون عنه بالأمر والنهي، وقيل: كان الرجل إذا أسلم لاموُه وقالوا: سفّهتَ آباءك وضلّلتهم أي نسبتهم إلى السَّفاهة والضلال، فنزلت تسليةً له بأن ضلال آبائه لا يضرُّه ولا يَشينُه {إِلَى ٱللَّهِ} لا إلى أحد سواه {مَرْجِعُكُمْ} رجوعُكم يوم القيامة {جَمِيعاً} بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرِهم {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في الدنيا من أعمال الهداية والضلال، فهو وعد ووعيد للفريقين، وتنبـيه على أن أحداً لا يؤاخَذُ بعمل غيره.
القشيري
تفسير : إذا هتفت بهم دواعي الحقِّ بالجنوح إلى وصف الصدق صَدَّهم عن الإجابة ما مرنوا عليه من سهولة التقليد، وإن أسلافهم الذين وافقوهم لم يكونوا إلاَّ في ضلال.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن الكفار الذين أخبر عنهم أنهم لا يعقلون، والذين جعلوا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، و {الذين يفترون على الله الكذب} من كفار قريش وغيرهم من العرب بأنه {إذا قيل لهم تعالوا} أي هلموا {إلى ما أنزل الله} من القرآن واتباع ما فيه، والاقرار بصحته {وإلى الرسول} وتصديقه، والاقتداء به وبأفعاله {قالوا} في الجواب عن ذلك {حسبنا} أي كفانا {ما وجدنا عليه آباءنا} يعني مذاهب آبائنا. ثم اخبر تعالى منكراً عليهم فقال {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} أي إِنهم يتبعون آباءهم في ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأوثان وإِن كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً من الدين ولا يهتدون اليه. وقيل في معنى (لا يهتدون) قولان احدهما - الذم بأنهم ضلال. والثاني - أنهم لا يهتدون الى طريق العلم بمنزلة العمي عن الطريق. وفي الآية دلالة على فساد التقليد، لأن الله تعالى أنكر عليهم تقليد الآباء فدل ذلك على أنه لا يجوز لأحد أن يعمل على شيء من أمر الدين إِلا بحجة. وفيها دلالة على وجوب المعرفة وأنها ليست ضرورية، لأن الله تعالى بين الحجاج عليهم في هذه الآية ليعرفوا صحة ما دعا الرسول اليه، ولو كانوا يعرفون الحق ضرورة لم يكونوا مقلدين لآبائهم وكان يجب أن يكون آباؤهم أيضاً عارفين ضرورة، ولو كانوا كذلك لما صح الاخبار عنهم بأنهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون. وانما نفى عنهم الاهتداء والعلم معاً لان بينهما فرقاً، وذلك أن الاهتداء لا يكون إِلا عن بيان وحجة. والعلم مطلق وقد يكون الاهتداء ضرورة.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} من حدود الشّرع {قَالُواْ} اكتفاء بما اعتادوه وقلّدوه من غير تعقّل {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} يعنى لا حجّة لهم سوى فعل آبائهم وهو افضح من الاسناد الى علمائهم {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} عليكم اسم فعل بمعنى الزموا وقرئ برفع انفسكم فهو ظرف خبره والمعنى الزموا انفسكم لا تتجاوزوها الى غيركم ما لم تصلحوها، فانّ الاشتغال بالغير قبل اصلاح النّفس سفاهة ويصير سبباً لفساد اخر مقتبس من الغير وسبباً لاستحكام الفساد الحاصل فيصير ظلمات النّفس مستحكمة متراكمة، فما دام الانسان يكون مبتلى فى نفسه بالفساد والمرض ينبغى ان يطلب من يطّلع على امراضه ومفاسده فاذا وجده فليتعلّم منه ما يصلح به فساده ويعالج به امراضه، فاذا تعلّم ذلك فينبغى ان يشتغل عن كلّ شيء بنفسه ولا يفارق اصلاحها ما بقى الفساد فيها، وذلك الشّخص امّا نبىّ فيكون آمنوا بمعنى بايعوا على يد محمّد (ص) او ولىّ فيكون بمعنى بايعوا على يد علىّ (ع)، ويحتمل ان يكون اعمّ من النّبىّ (ص) والولىّ (ع) فيكون آمنوا ايضاً عامّاً، ولمّا علمت سابقاً انّ الولاية هى حقيقة كلّ ذى حقيقة ونفسيّة كلّ ذى نفس وهذا المعنى يظهر لمن آمن بعلىّ (ع) واتّصل بملكوت وليّه، فانّه يرى انّ ملكوت وليّه مع انّها انزل مراتب الولاية كانت حقيقته ونفسه وانّه كان مظهراً لها تيسّر لك تفسيرها بان تقول: عليكم امامكم ويكون آمنوا بمعنى آمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة، فانّ البيعة العامّة لا تجعل البايع متوجّهاً، الى قلبه ونفسه لعدم اتّصالها بالقلب وما لم يتوجّه الى قلبه لا يتيسّر له الحضور عند امامه، وما لم يمكن له الحضور لم يؤمر بالملازمة، وبالملازمة يحصل له جميع الخيرات الدّنيويّة والاخرويّة، ولذا أمروا بتلك الملازمة والاعراض من الكلّ، وما روى فى المجمع يشير الى هذا المعنى، فانّه روى فيه انّ ابا تغلبة سأل رسول الله (ص) عن هذه الآية فقال: "حديث : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فأذا رأيت دنيا مؤثرة وشحّاً مطاعاً وهوى متّبعاً واعجاب كلّ ذى رأى برأيه فعليك بخويّصّة نفسك وذر عوامّهم" تفسير : ، فانّه ليس المراد بهذه الخصوصيّة خصوصيّة النّسب الصّورية بل النّسب الرّوحانيّة ولا شكّ انّ امامه اخصّ هؤلاء الخواصّ {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} يعنى اذا لم تهتدوا يضرّكم ضلال من ضلّ لسنخيّتكم لهم واقتباسكم الفساد منهم {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فمن يلازم امامه او نفسه فله جزاء ومن يراقب النّاس وينظر الى مساويهم فله جزاء.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا} وهم مشركو العرب، يعنون ما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وعبادة الأوثان. قال الله: {أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} أي يطيعونهم ولو كانوا لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: إذا لم يُقبل منكم {لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} ليس هذا في ضلال الكفر، ولكن في ضلال عن الحق في الإِسلام. {إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. ذكر عن الحسن أنه قرأ هذه الآية فقال: اللهم لك الحمد عليها وعلى أشباهها. وعن [الحسن قال: قرئت هذه الآية عند] عبد الله بن مسعود فقال: [ليس هذا بزمانها] قولوها ما قُبِلت منكم، فإذا ردّت عليكم فعليكم أنفسكم. ذكر أبو مازن قال: قدمت المدينة في حياة عثمان بن عفان، فرفعت إلى حلقة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا رجل من القوم هذه الآية. فقال رجل من أسنِّ القوم: دع هذه الآية فإنما تأويلها في آخر الزمان. قال بعضهم: قد جاء تأويلها. [إذا] أقبل رجل على نفسه ولها من الناس إلا بخير. ذكر شيخ من أهل دمشق قال: كنا قعوداً بالجابية في مجلس فيه كعب وأبو الدرداء. فجاءهم رجل فسلّم ثم جلس فقال: رأيت أمراً كرهته لله. إن صاحبه لخليق أن يعاقَب ويُنكل. فقال رجل من القوم: أقبل على نفسك ودع الناس عنك، إن الله قال في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فقال كعب: لا تطعه، ذبّ عن محارم الله ذَبَّك عن عَيْبتك حتى يقع تأويل هذه الآية. فقال أبو الدرداء: متى يقع تأويلها؟ فقال: إذا رأيت كنيسة دمشق هدمت وبني مكانها مسجد فذاك من تأويلها، وإذا رأيت العصب فذاك من تأويلها، وإذا رأيت الكاسيات العاريات فذلك من تأويلها.
اطفيش
تفسير : {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوآ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوْ لَوْ كَانَ أَبَآؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ0 يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ}: الزموا أنفسكم بالمحافظة على دينه، وترك معصيته، فعليكم اسم فعل ناصب لأنفسكم على المفعولية، وقرىء بالرفع على الابتداء، وعليكم خبره، وليس باسم فعل، ونسب لنافع والصحيح عنه النصب. {لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم}: نهيتموه عن ضلاله فحينئذ تقولون: لا تزر وازرة وز أخرى، والنهى على قدر الطاقة هو من جملة الاهتداء، فمن لم ينه الضال عن ضلاله وقد قدر فليس بمهتد فهو تضره ضلالة الضال من حيث انها كانت سبباً لهلاكه اذ لم ينه عنها، فالآية موجبة للنهى عن المنكر، مؤكدة له أبلغ تأكيد، لأنها أفادت أن من ينه عن المنكر غير مهتد فهو ضال كضلالة فاعل ذلك المنكر، فهو معدود من جملة هؤلاء الضالين، اذ لا يشك أن النهى عن المنكر اهتداء واجب. قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: أيها الناس انكم تقرءون هذه الآية: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم} وانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول: "حديث : ان الناس اذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه اذا قدروا أن يغيروا ولم يغيروا "تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأى منكم منكراً واستطاع أن يغير بيده فليغيره بيده، وان لم يستطع فبلسانه، وان لم يستطع فبقلبه ". تفسير : ويجب الأمر والنهى لأهل ديننا وللمشركين، لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كأصولها، نعم قيل: لا يجب الأمر والنهى اذا لم يرج القبول، وقيل: لا يجب علينا الأمر والنهى للمشركين، وقيل أيضا: لا يجب علينا أمر المخالفين ونهيهم فيما أخذوه ديناً، ومثله ما ذهبوا اليه مذهباً أو قد فسر الحسن الآية بأن المعنى يا أيها الذين آمنوا الزموا أهل دينكم يأمر بعضكم بعضا بالمعروف، ونهيه عن المنكر والمكروه، ولا يضركم ضلالة من ضل، وهم المشركون اذا اهتديتم، ومثله ما قال سعيد بن جبير: نزلت فى أهل الكتاب، وقال الحسن: ان الآية أوكد آية فى وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما مر فى التفسير الأول، لكنه فسر أنفسكم بأهل دينكم، والملازمة بالأمر والنهى، فيبقى اذا اهتديتم، اما أن يفسره بالأمر والنهى أيضا أى ائتمروا وتناهوا لا يضركم من ضل اذا ائتمرتم وتناهيتم، واما أن يفسره بأنهم قد توهم من ضعف أن ضلال من ضل آباؤه وأقاربه أو أصحابه يضره، فنفى الله جل وعلا ذلك كما قيل: ان المؤمنين كانوا يتحسرون على الكافرين، ويتمنون ايمانهم. وكما قيل كان الرجل ليسلم فيقال له: سفهت آباءك وضللتهم، وكان ينبغى أن تنصرهم فنزلت الآية، وبهذا قال ابن زيد، وقيل: لا يضركم من ضل اذا اهتديتم هى فى معنى اهتداء المرء فى نفسه، وفى عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لكن شرط عدم القدرة على الأمر والنهى وهو مشكل، لأنه يوهم أنه ان لم يهتد ضره ضلال من ضل، ولو لم يقدر عليهما، وليس كذلك فانه اذا لم يقدر انما يضره عدم اهتدائه فى نفسه لاضلال غيره، ولا يدل على هذا التفسير قوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى اذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة، واعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام فان من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم فقال رجل: يا رسول الله أو خمسين منهم؟ قال: "لا بل خمسين منكم"تفسير : لأن هذا الحديث صالح لما فسرت الآية أولا أيضا ومثله قول ابن مسعود رضى الله عنه امروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: ان القرآن نزل منه أى قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، أى نزلن فى أمر مضى ومنه، أى وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه أى قد وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه، أى يقع تأويلهن فى آخر الزمان ومنه، أى وقع تأويلهن يوم القيامة وهو من ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فاذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم، ولبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فيأمر نفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. ومثله ما قيل لابن عمر: لو جلست فى هذه الأيام فلم تأمر، ولم تنه، فان الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم} فقال ابن عمر: ليست لى ولا لأصحابى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا ليبلغ الشاهد الغائب "تفسير : فكنا نحن الشهود، وأنت الغائب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ان قالوا: لم يقبل منهم. ومثل ذلك ما روى أن الحسن قرأ هذه الآية بحضرة ابن مسعود فقال: اللهم لك الحمد عليها وعلى أشباهها، فقال ابن مسعود: قولوها ما قبلت منكم، فاذا ردت فعليكم أنفسكم، وما روى أن شيخاً من أهل دمشق قال: كنا قعوداً بالحلبية فى مجلس فيه كعب وأبو الدرداء، فجاءهم رجل فسلم فجلس، فقال: ان رأيت أمراً فكرهته لله فخائف أن تعاقب وتنكل. فقال رجل من القوم: اقبل عليك ودع الناس عنك ان الله قال فى كتابه: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذّا اهْتَدَيْتُم} فقال كعب رضى الله عنه: لا تطعه ذب عن محارمك ذب عن دينك حتى يقع تأويل هذه الآية، فقال أبو الدرداء: متى يقع تأويلها؟ قال: اذا بنيت كنيسة دمشق. ويضر مرفوع مستأنف مع لا النافية قبله، ويدل لذلك قراءة أبى حيوة: لا يضركم من ضار يضير بمعنى ضر، اذا لو جزم فى قراءة أبى حيوة لسكنت الراء فلحذفت الياء للساكن بعدها، وأجيز أن يكون مجزوماً فى جواب اسم الفعل، وهو قول مجيز الجزم فى جواب اسم الفعل الطلبى، ولو لم يكن فيه لفظ الفعل، أى ان ألزمتم أنفسكم لا يضركم من ضل اذا اهتديتم، ولا فى الوجهين نافية، وأجيز أن تكون ناهية وتضم مجزوماً، وضم الراء تخلصاً من التقاء الساكنين. وكان من التخلص بالضم تبعاً لضم الضاد، وتدل له قراءة من قرأ: لا تضركم فتح الراء فانه مجزوم قطعاً، والفتح تخلص من التقاء ساكنين تخلص به لخفته، ولولا أنه مجزوم لضمت الراء، ولو ضم لاحتمل كما مر، ولما فتح تعين الجزم وبدل للجزم أيضاً قراءة من قرأ لا يضركم بكسر الضاد واسكان الراء وقراءة من قرأ لا يضركم بضم الراء واسكان الراء من ضار يضور بمعنى ضر يضر كضارة يضير. {إِلَى اللهَ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}: حال من الكاف، لأن المضاف الى الكاف مصدر، والمصدر يدل على الحدث، وصالح للعامل، فلم يضر مجىء الحال من المضاف اليه المبتدأ لصحة تقييد عامل صاحب الحال هنا بالحال لدلالته على الحديث، لا كمثل زيد مما لا يدل على الحديث، أو معنى الفعل اذا وقع مبتدأ لا يجىء الحال منه، ولا مما أضيف اليه على المشهور. {فَيُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ}: وعد ووعيد للفريقين، فللمؤمن المهتدى وعد، وللضال وعيد، ومن بصر الله قلبه لا يعد ذنبه غائبا لا يرجع، أو ينسى فانه ولو غاب عن قلبه فهو محفوظ عند الله سيحضر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيها الناس انكم تعملون أعمالا تغرب الى يوم القيامة (أى تغيب) ووشك للعوازب أن تئوب الى أهلها فمسرور بها ومكظوم " تفسير : فالعمل كشاة غربت عن البيت ثم ترجع اليه. وعن بعض الزهاد ما من يوم الا ويجىء الشيطان فيقول: ما تأكل وما تلبس وأين تسكن؟ فأقول آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} لهؤلاء الكفرة المفترين على الله الكذب وللأَكثر الذين لا يعقلون {تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} يخبرنا بما أَنزل الله ويبينه لنا وبما نفعل وما نترك {قَالُوا حَسْبُنَا} كافينا، مبتدأ كما دخلت عليه أَن فى قوله تعالى فإِن حسبك الله {مَا وَجَدْنَا} من الدين {عَلَيْهِ آبَاءَنَا} لا سند لهم غير التقليد لآبائهم بالغوا فيه {أَوَ لَوْ كَانَ} أَحسبهم ما وجدوا عليه آباءَهم ولو كان {آباؤُهُمْ} أَو يقولون ذلك ولو كان آباؤهم {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً} من الدين {وَلاَ يَهْتَدُونَ} إِلى الصواب، وهم ضالون لا يعرفون شيئاً من دين الله بعنوان أَنه دين الله ولا يهتدون إِلى الحق ولو بلا علم أَنه من الله، هنا ما وجدنا وفى البقرة ما أَلفينا، وهنا لا يعلمون وفى البقرة لا يعقلون، لارتكاب فنون في التعبير، أَو أَحسبهم ذلك أَو أيقولون ذلك ولو لم يكن آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون، والاستفهام إِنكار لصحة ذلك عقلاً وشرعاً، وكان المؤمنون يتحسرون على عدم إِيمان الكفرة، ويتمنون إِيمانهم وكان الرجل إِذا أَسلم قالوا: سفهت آباءَك وعنفوه، فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الزموا أَنفسكم واحفظوها، ولفظ عليكم جار ومجرور والجار في المحل وهو اسم فعل {لاَ يَضُرُّكُمْ} قيل مجزوم فى جواب الأَمر، والمشهور أَن لا يجزم ولا ينصب فى جواب اسم الفعل، إِلا أَن قراءَة لا يضر بضم الضاد وقراءَة كسرها وإِسكان الراء فيهما تدلان على الجزم في جوابه، وتحمل عليه قراءَة الضم والشد، فالضم للتخلص من الساكنين أَو الجزم فى ذلك كله على النهى أَو الرفع استئناف أَو تعليل {مَنْ ضَلَّ} أَى لا يضركم ضلال من ضل من عصاة المؤمنين، أَو من أَهل الكتاب {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} بمجانبة الضلال والإصرار، ومنها أَن ينكر المنكر بحسب طاقته فانتفاء الضر بالنهى منكم عن الضلال فلا يقبل، أَو المعنى لا تهلك حسرة على كفر الكفرة، أَولا أَمر ولا نهى عليك إِذا كان فيهما فساد. أَو اثبت على الإِيمان ولا تبال بقول الكفرة لمن أَسلم سفهت آباءَك، واحفظوا أَهل دينكم وانصروهم، ومرجع معصية الكافر عليه لا عليكم، أَو ذلك كله، وقد قيل: إِذا اهتديتم بالأَمر والنهى، وسأَل رجل ابن مسعود رضى الله عنه عن الآية، فقال: هى فيما إِذا أَمرت: أَو نهيت فعل بك كذا وكذا أَو لم يقبل منك، وسئل ابن عمر فقال: ليست فيكم إِنما هى لمن بعدكم إِذا لم يقبل عنهم فإِن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : ليبلغ الشاهد الغائب فنحن الشهود وأَنتم الغيبتفسير : ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأَى منكم منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإِن لم يستطع فبلسانه، وإِن لم يستطع فبقلبه"تفسير : ، وكأَنه قيل لا يضركم من ضل إِذا أَمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر يفد أَمركم ونهيكم، روى الحاكم عن أَبى ثعلبة الخشنى سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال "حديث : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إِذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإِعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك نفسك"تفسير : ، وقال لمعاذ مثل ذلك، وزاد "حديث : فإِن من ورائكم أَيام صبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أَحدكم كأَجر خمسين منكم فقال: خمسين منهم، فقال: بل منكم أَنتم فإِنكم تجدون على الخير أَعوانا ولا يجدونهم"تفسير : ، وليست الآية مبيحة لترك الأَمر والنهى إِلا لمن اهتدى، ومنه الآمر والناهى، قال أَبو بكر رضى الله عنه: تعدونها رخصة والله ما نزلت آية أَشد منها، وإِنما المراد لا يضركم من ضل من أَهل الكتاب، وقد أَمرتموهم ونهيتموهم. كما جاءَ عن مجاهد وابن جبير: هى فى اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم بعد أَن أَمرتموهم بالتوحيد فأبوا، وقال أبو بكر رضى الله عنه على المنبر: يا أَيها الناس إِنكم تقرأُون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هى، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إِن الناس إِذا رأَوا منكراً فلم يغيروه عمهم الله بعقاب، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، أَو ليستعملن الله عليكاً أشراركم فيسومونكم سوءَ العذاب ثم يدعوا أَخياركم فلا يستجاب لهم"تفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من قوم عمل فيهم منكر وسن فيهم قبيح فلم يغيروه ولم ينكروه إِلا وحق على الله أَن يعمهم بالعقوبة جميعاً ثم لا يستجاب لهم"تفسير : {إِلَى اللهِ} لا إِلى غيره {مَرْجِعُكُمْ} أَى رجوعكم {جَمِيعاً} أَيها المؤمنون، مرجع الضالين فحذف، أَومرجعكم أَيها الناس مؤمنكم وكافركم، وهذا أَنسب، فيجازى كلا بعمله كما قال {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ولا يؤاخذ أَحداً بذنب غيره، وذلك وعد ووعيد.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي للذين عبر عنهم بأكثرهم على سبيل الهداية والإرشاد إلى الحق {تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } من الكتاب المبين للحلال والحرام والإيمان به {وَإِلَى ٱلرَّسُولِ} الذي أنزل عليه ذلك لتقفوا على حقيقة الحال وتميزوا الحرام من الحلال {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا} في هذا الشأن فلا نلتفت لغيره بيان لعنادهم واستعصائهم على الهادي إلى الحق وانقيادهم للداعي إلى الضلال، و (ما) موصولة إسمية، وجوز أن تكون نكرة موصوفة والوجدان المصادفة و {عَلَيْهِ} متعلق به أو حال من مفعوله، وجوز أن يكون بمعنى العلم و {عَلَيْهِ} عليه في موضع المفعول الثاني. {أَوَلَوْ كَانَ ءابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} ذهب الراغب إلى أن الواو للعطف، وصرح غير واحد أنه على شرطية أخرى مقدرة قبلها والهمزة للتعجيب وهي داخلة على مقدر في الحقيقة أي أيكفيهم ذلك لو لم يكن آباؤهم جهلة ضالين ولو كانوا كذلك وكلتا الجملتين في موقع الحال أي أيكفيهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل حال مفروض، وعلى هذا لا يلزم كون الجملة الاستفهامية الإنشائية حالاً ليحتاج توجيه ذلك إلى نظر دقيق، وحذفت الجملة الأولى للدلالة عليها دلالة واضحة وهو حذف مطرد في هذا الباب لذلك كما في قولك: أحسن إلى زيد ولو أساء إليك فإن الشيء إذا تحقق عند المانع فلأن يتحقق عند عدمه أولى. وجواب (لو) ـ كما قال أبو البقاء ـ محذوف لظهور انفهامه مما سبق وقدره يتبعونهم. ويجوز أن يقدر حسبهم ذلك أو يقولون، وما في لو من معنى الامتناع والاستبعاد إنما هو بالنظر إلى زعمهم لا في نفس الأمر، وفائدة ذلك المبالغة في الإنكار والتعجيب، وقيل: الواو للحال والهمزة لإنكار الفعل على هذه الحال؛ والمراد نفي / صحة الاقتداء بالجاهل الضال، والحال ما يفهم من الجملة أي كائنين على هذا الحال المفروض فما قيل: إنهم جعلوا الواو للحال وليس ما دخلته الواو حالاً من جهة المعنى بل ما دخلته لو أي ولو كان الحال أن آباءهم لا يعلمون فيفعلون ما يقتضيه علمهم ولا يهتدون بمن له علم ناشىء من قلة التأمل وذلك غريب من حال ذلك القائل، وأغرب من ذلك ما قيل: إن المعنى أنهم هل يكفيهم ما عليه آباؤهم ولو كان آباؤهم جهلة ضالين أي هل يكفيهم الجهل والضلال اللذان كان عليهما آباؤهم. ويوشك أن يكون هذا من الجهل والضلال فيما يليق بالتنزيل. واستدل بالآية على أن الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه عالم مهتد وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا يكفي التقليد من غير أن يعلم أن لمن قلده حجة صحيحة على ما قلده فيه حتى قالوا: إن للمقلد دليلاً إجمالياً وهو دليل من قلده فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : الواو للحال. والجملة حال من قوله: {أية : الذين كفروا}تفسير : [المائدة: 103]، أي أنّهم ينسبون إلى الله ما لم يأمر به كذباً، وإذا دعوا إلى اتّباع ما أمر الله به حقّاً أو التدبّر فيه أعرضوا وتمسّكوا بما كان عليه آباؤهم. فحالهم عجيبة في أنّهم يقبلون ادّعاء آبائهم أنّ الله أمرهم بما اختلقوا لهم من الضلالات، مثل البحيرة والسائبة وما ضاهاهما، ويعرضون على دعوة الرسول الصادق بلا حجّة لهم في الأولى، وبالإعراض عن النظر في حجة الثانية أو المكابرة فيها بعد علمها. والأمر في قوله {تعالَوْا} مستعمل في طلب الإقبال، وفي إصغاء السمع، ونظر الفكر، وحضور مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الصدّ عنه، فهو مستعمل في حقيقته ومجازه. وتقدّم الكلام على فعل (تعالَ) عند الكلام على نظير هذه الآية في سورة النساء. و{ما أنزل الله}: هو القرآنُ. وعطف {والى الرسول} لأنّه يرشدهم إلى فهم القرآن. وأعيد حرف (إلى) لاختلاف معنيي الإقبال بالنسبة إلى متعلّقي {تعالوا} فإعادة الحرف قرينة على إرادة معنيي {تعالوا} الحقيقي والمجازي. وقوله {قالوا حسبنا} أي كافينا، إذا جُعلت (حَسْب) اسماً صريحاً و{ما وجدنا} هو الخبر، أو كفانا إذا جُعلت (حسب) اسمَ فعل و{ما وجدنا} هو الفاعلَ. وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى {أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} تفسير : في سورة آل عمران (173). و(على) في قوله: ما وجدنا عليه ءاباءنا} مجاز في تمكّن التلبّس، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربّهم}تفسير : [البقرة: 5]. وقوله: {أو لو كان آباؤهم لا يعلمون} الخ، تقدّم القول على نظيره في سورة البقرة (170) عند قوله: {أية : وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم}تفسير : الآية. وليس لهذه الآية تعلّق بمسألة الاجتهاد والتقليد كما توهّمه جمع من المفسّرين، لأنّ هذه الآية في تنازع بين أهل ما أنزل الله وأهل الافتراء على الله، فأمّا الاجتهاد والتقليد في فروع الإسلام فذلك كلّه من اتّباع ما أنزل الله. فتحميل الآية هذه المسألة إكراه للآية على هذا المعنى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 104- وإذا قيل لهؤلاء الكافرين: تعالوا إلى ما أنزل الله من القرآن، وإلى ما بيّنه الرسول لنهتدى به قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا. أيصح أن يقولوا هذا؟ أو لو كان آباؤهم كالأنعام لا يعلمون شيئاً عن الحق، ولا يعرفون طريقاً إلى الصواب!. 105- يا أيها الذين آمنوا احرصوا على إصلاح أنفسكم بطاعة الله، إنه لا يضركم ضلال غيركم، إذا كنتم على الهدى ودعوتم إلى الحق، وإلى الله - وحده - مرجعكم جميعاً يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم، ويجزى كلاً منكم بما قدم، فلا يؤاخذ أحداً بذنب غيره. 106- يا أيها الذين آمنوا: حينما تظهر على أحد منكم علامة الموت ويريد أن يوصى بشئ، فالشهادة بينكم على الوصية، أن يشهد اثنان عادلان من أقاربكم، أو آخران من غيركم إذا كنتم فى سفر، وظهرت أمارات الموت، تحبسون هذين الشاهدين بعد أداء الصلاة التى يجتمع عليها الناس. فيحلفان بالله قائلين: لا نستبدل بيمينه عوضاً، ولو كان فيه نفع لنا أو لأحد من أقاربنا، ولا نخفى الشهادة التى أمرنا الله بأدائها صحيحة. إنا إذا أخفينا الشهادة أو قلنا غير الحق، لنكونن من الظالمين المستحقين لعذاب الله. 107- فإذا ظهر أن الشاهدين قد كذبا فى شهادتهما. أو أخفيا شيئاً، فإن اثنين من أقرب المستحقين لتركة الميت، هما أحق أن يقفا مكان الشاهدين، بعد الصلاة ليظهرا كذبهما، فيحلفان بالله أن الشاهدين قد كذبا وأن يميننا أولى بالقبول من يمينهما، ولم نتجاوز الحق فى أيماننا، ولم نتهم الشاهدين زوراً، فإننا لو فعلنا ذلك نكون من الظالمين المستحقين عقاب من يظلم غيره.
القطان
تفسير : حسبُنا: كفانا. واذا قيل لهؤلاء الجاحدين: تعالوا الى ما انزل الله من القرآن، وما بيّنه الرسول من الشريعة لنهتدي به قالوا: لا نبغي زيادة، بل يكفينا ما وجدْنا عليه آباءَنا، فهم لنا أئمة وقادَة. بذلك يصرّون على التقليد الأعمى حتى لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الشرائع، ولا يهتدون سبيلا الى الصواب.
د. أسعد حومد
تفسير : {آبَاءَنَآ} {آبَاؤُهُمْ} (104) - وَإذا دُعُوا إلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ وَأوْجَبَهُ، فِي القُرْآنِ، مِنَ الأحْكَامِ المُؤَيَّدَةِ بِالحُجَجِ وَالأَدِلَّةِ، وَإلَى رَسُولِهِ المُبَيِّنِ لِمُجْمَلِ هَذِهِ الأحْكَامِ، وَإلَى تَرْكِ مَا حَرَّمَهُ اللهُ قَالُوا: يَكْفِينَا أنْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ الآبَاءَ وَالأجْدَادَ مِنَ الطَّرَائِقِ وَالمَسَالِكِ وَالمُعْتَقَدَاتِ. فَإذا كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ شَيْئاً، وَلا يَعْرِفُونَ حَقّاً، وَلاَ يَهْتَدُونَ إليه، فَكَيْفَ يَتَّبِعُونَهُمْ وَالحَالَةُ هَذِهِ؟ إنَّهُمْ إنِ اتَّبَعُوهُمْ كَانُوا بِلاَ شَكٍّ أكْثَرَ جَهْلاً مِنْ آبَائِهِمْ وَأضَلَّ سَبيلاً. حَسْبُنا - كَافِينَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بل على الإنسان أن يلتفت إلى أن أول تغيير لمنهج الله كان من أحد الآباء الذين أصابتهم الغفلة. وقول الإنسان: إنما أتبع ما كان عليه آبائي، هو قضية منقوضة؛ لأن الذي غيّر أول تغيير لم يقل: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} لأنه لم يقلد أباً له، وأيضاً فمن المحتمل أن الآباء لم يعقلوا ما غيروه من منهج الله ولم يهتدوا إلى الحق. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول تبارك وتعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [البقرة: 170]. إن الآية التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ} لم يقل الله فيها اتبعوا ولكن قال: (تعالوا) أي ارتفعوا كأنهم انحطوا وتسفَّلوا بقولهم: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} إنهم بذلك يرفضون وينكرون كل ما يأتي إليهم من غير طريق تقليد الآباء، فقد قفلوا الطريق وسدوه على أنفسهم. أما آية سورة البقرة: {بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} فيحتمل أن يقولوا: ونتبع كذلك ما جاء به الدين، فالنكير أشد على من قال: {حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ}. وعلى هذا فالاستدراك من الله في كل آية من الآيتين جاء مناسبا لحالهم. كيف ذلك؟ لأن الذي لا يعقل يمكن أن يعلم عن طريق شخص آخر استخرج واستنبط واكتشف، فإنه إن فاته التعقل لم يفته أن يأخذ العلم من غيره، أما الذي لا يعلم فقد باء ورجع بالجهل؛ لأنه لم يصل إلى العلم بنفسه، وكذلك لم يتعلم من غيره. وجاء - سبحانه وتعالى - بهمزة الإنكار لمسألة اتباع الآباء دون منهج الله. ونلحظ أن الحق جاء بعملية الهداية كأمر مشترك في الآيتين، ذلك أن الهداية من السماء، أما التعقل والعلم فهما عمليتان إنسانيتان. ويقول الحق من بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):