Verse. 774 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا عَلَيْكُمْ اَنْفُسَكُمْ۝۰ۚ لَا يَضُرُّكُمْ مَّنْ ضَلَّ اِذَا اہْتَدَيْتُمْ۝۰ۭ اِلَى اللہِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيْعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ۝۱۰۵
Ya ayyuha allatheena amanoo AAalaykum anfusakum la yadurrukum man dalla itha ihtadaytum ila Allahi marjiAAukum jameeAAan fayunabbiokum bima kuntum taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) أي احفظوها وقوموا بصلاحها (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) قيل المراد لا يضركم من ضل من أهل الكتاب وقيل المراد غيرهم لحديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "" إئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك "" رواه الحاكم وغيره (إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون) فيجازيكم به.

105

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: لما بين أنواع التكاليف والشرائع والأحكام ثم قال: {أية : مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }تفسير : [المائدة: 99] إلى قوله {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } تفسير : [المائدة: 104] فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الاعذار والانذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل بقوا مصرين على جهلهم مجدين على جهالاتهم وضلالتهم، فلا تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه، فلا يضركم ضلالتهم وجهالتهم، فلهذا قال: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ }. المسألة الثانية: قوله {عَلَيْكم أَنفُسَكُـمْ } أي احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والاصرار على الذنوب قال النحويون عليك وعندك ودونك من جملة أسماء الأفعال. تقول العرب: عليك وعندك ودونك، فيعدونها إلى المفعول ويقيمونها مقام الفعل، وينصبون بها، فيقال: عليك زيداً كأنه قال: خذ زيداً فقد علاك، أي أشرف عليك، وعندك زيداً، أي حضرك فخذه ودونك، أي قرب منك فخذه، فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها ونقل صاحب «الكشاف» {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } بالرفع عن نافع. المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوها: أحدها: ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبل من أهل الكتاب الجزية ولم يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف، عير المنافقون المؤمنين بقبول الجزية من بعض الكفار دون البعض، فنزلت هذه الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى، وثانيها: أن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالتهم. فقيل لهم: عليكم أنفسكم، وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين، وثالثها: أنهم كانوا يغتمون لعشائرهم لما ماتوا على الكفر فنهوا عن ذلك، والأقرب عندي أنه لما حكى عن بعضهم أنه إذا قيل لهم: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } تفسير : [المائدة: 104] ذكر تعالى هذه الآية، والمقصود منها بيان أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يتشبهوا بهم في هذه الطريقة الفاسدة، بل ينبغي أن يكونوا مصرين على دينهم، وأن يعلموا أنه لا يضرهم جهل أولئك الجاهلين إذا كانوا راسخين في دينهم ثابتين فيه. المسألة الرابعة: فإن قيل: ظاهر هذه الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجب. قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: وهو الذي عليه أكثر الناس، إن الآية لا تدل على ذلك بل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذاً بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالدلائل، خطب الصديق رضي الله عنه فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } وتضعونها غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب».تفسير : والوجه الثاني في تأول الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يكون هذا في آخر الزمان: قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً ووكل كل امرىء ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية، وهذا القول عندي ضعيف، لأن قوله {ياأيهاَ ٱلَّذِينَ آمنوا } خطاب عام، وهو أيضاً خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب. والوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يعني عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار، وهذا كقوله {أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] يعني أهل دينكم فقوله {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يعني بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغب بعضكم بعضاً في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمراً بأن نحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجباً. والوجه الرابع: أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ، ولا يتركون الكفر، بسبب الأمر بالمعروف، فهٰهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين. الوجه الخامس: أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله، فهٰهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل، وكان ابن شبرمة يقول: من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر. الوجه السادس: لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك. الوجه السابع: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم. والوجه الثامن: أنه تعالى قال لرسوله {فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } [النساء: 84] وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول فكذا هٰهنا. المسألة الخامسة: قريء لا يضركم بفتح الراء مجزوماً على جواب قوله {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } وقريء بضم الراء، وفيه وجهان: أحدهما: على وجه الخبر أي ليس يضركم من ضل، والثاني: أن حقها الفتح على الجواب ولكن ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد. ثم قال تعالى: {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } يريد مصيركم ومصير من خالفكم {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يعني يجازيكم بأعمالكم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قال علماؤنا: وجه ٱتصال هذه الآية بما قبلها التحذير مما يجب أن يحذر منه، وهو حال من تقدّمت صفته ممن رَكَن في دينه إلى تقليد آبائه وأسلافه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس القيام به بواجب إذا ٱستقام الإنسان، وأنه لا يؤاخذ أحدٌ بذنب غيره، لولا ما ورد من تفسيرها في السنة وأقاويل الصحابة والتابعين على ما نذكره بحول الله تعالى. الثانية ـ قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} معناه احفظوا أنفسكم من المعاصي؛ تقول عليك زيداً بمعنى الزم زيداً؛ ولا يجوز عليه زيداً، بل إنما يجري هذا في المخاطبة في ثلاثة ألفاظ؛ عليك زيداً أي خذ زيداً، وعندك عمراً أي حضرك، ودونك زيداً أي قَرُب منك؛ وأنشد: شعر : يا أيّها المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا تفسير : وأما قوله: عليه رجلاً لَيْسَنِي، فشاذّ. الثالثة ـ روى أبو داود والترمذيّ وغيرهما عن قيس قال: خطبنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا ٱهْتَدَيْتُمْ» وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن الناس إذا رأُوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده » تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ قال إسحاق بن إبراهيم سمعت عمرو بن عليّ يقول سمعت وَكِيعاً يقول: لا يصح عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حديث واحد، قلت: ولا إسماعيل عن قيس، قال: إن إسماعيل روى عن قيس موقوفاً. قال النقاش: وهذا إفراط من وَكِيع؛ رواه شعبة عن سفيان وإسحاق عن إسماعيل مرفوعاً؛ وروى أبو داود والترمذي وغيرهما حديث : عن أبي أُمية الشعبانيّ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} قال أما واللَّهِ لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ٱئتمروا بالمعروف وتَناهوا عن المنكر حتى إذا رأيتَ شُحّا مُطاعاً وهَوًى مُتَّبعاً ودنيا مُؤثَرة وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك ودع عنك أمر العامّة فإنّ من ورائكم أياماً الصبرُ فيهنّ مثلُ القبض على الجمر للعامل فيهنّ مثلُ أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم» حديث : وفي رواية قيل: يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عبد البر قوله: « حديث : بل منكم » تفسير : هذه اللفظة قد سكت عنها بعض الرواة فلم يذكرها، وقد تقدم. وروى الترمذيّ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إنكم في زمان من ترَك منكم عُشْر ما أمر به هلك ثم يأتي زمان من عمل منهم بعُشْر ما أُمِر به نجا » تفسير : قال: هذا حديث غريب. وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية: قولوا الحق ما قُبِل منكم، فإذا رُدّ عليكم فعليكم أنفسكم. وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمرْ ولم تَنهَ؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: « حديث : ليبلغ الشاهدُ الغائبَ » تفسير : ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحقُّ لم يُقبل. في رواية عن ابن عمر بعد قوله: « حديث : ليبلّغ الشاهدُ الغائب » تفسير : فكنا نحن الشهود وأنتم الغُيَّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا، لم يقبل منهم. وقال ابن المبارك قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} خطاب لجميع المؤمنين، أي عليكم أهل دينكم؛ كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} فكأنّه قال: ليأمر بعضكم بعضاً؛ وليْنَه بعضكم بعضاً؛ فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب؛ وهذا لأن الأمر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان كما تقدّم؛ وروي معنى هذا عن سعيد بن جبير. وقال سعيد بن المسيب: معنى الآية لا يضركم من ضل إذا ٱهتديتم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال ابن خُوَيزِمَنْدَاد: تضمنت الآية اشتغال الإنسان بخاصة نفسه، وتركه التعرض لمعائب الناس، والبحث عن أحوالهم؛ فإنهم لا يسألون عن حاله فلا يسأل عن حالهم وهذا كقوله تعالى: { أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } تفسير : [المدثر: 38]، { أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164 وفاطر: 18]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : كن جليس بيتك وعليك بخاصة نفسك » تفسير : . ويجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فينكر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه. قلت: قد جاء حديث غريب رواه ابن لَهِيعة: قال حدثنا بكر بن سَوَادَة الجُذاميّ عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا كان رأس مائتين فلا تأمر بمعروف ولا تنه عن منكر وعليك بخاصة نفسك » تفسير : قال علماؤنا: إنما قال عليه السلام ذلك لتغير الزمان، وفساد الأحوال، وقلة المعينين. وقال جابر بن زيد: معنى الآية؛ يا أيها الذين آمنوا من أبناء أُولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب؛ عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدّين، لا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم؛ قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفَّهْت آباءَك وضلّلتهم وفعلتَ وفعلتَ؛ فأنزل الله الآية بسبب ذلك. وقيل: الآية في أهل الأهواء الذين لا ينفعهم الوعظ؛ فإذا علمت من قوم أنهم لا يقبلون، بل يستخفون ويظهرون فاسكت عنهم. وقيل: نزلت في الأسارى الذين عذّبهم المشركون حتى ٱرتدّ بعضهم، فقيل لمن بقي على الإسلام: عليكم أنفسكم لا يضركم ارتدادُ أصحابكم. وقال سعيد بن جبير: هي في أهل الكتاب ـ وقال مجاهد: في اليهود والنصارى ومن كان مثلهم؛ يذهبان إلى أن المعنى لا يضركم كفر أهل الكتاب إذا أدّوا الجِزية. وقيل: هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قاله المهدويّ. قال ابن عطية: وهذا ضعيف ولا يعلم قائله. قلت: قد جاء عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم أنه قال: ليس في كتاب الله تعالى آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه الآية. قال غيره: الناسخ منها قوله: {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}، والهدي هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم. الرابعة ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعيّن متى رُجّي القبولُ، أو رُجي ردّ الظالم ولو بعنف، ما لم يخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها على المسلمين؛ إمّا بشق عصا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس؛ فإذا خيف هذا فـ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} مُحْكَم واجب أن يوقف عنده. ولا يشترط في الناهي أن يكون عدلاً كما تقدّم؛ وعلى هذا جماعة أهل العلم فٱعلمه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبراً لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريباً منه أو بعيداً. قال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يقول تعالى: إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال، ونهيته عنه من الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به، كذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان، فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} نصب على الإغراء، {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: فيجازي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكناً. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، يعني: ابن معاوية، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه»تفسير : . قال: سمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس، إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب للإيمان. وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، متصلاً مرفوعاً، ومنهم من رواه عنه به موقوفاً على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولاً في مسند الصديق رضي الله عنه. وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم» تفسير : قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: «حديث : بل أجر خمسين منكم»تفسير : ، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح، وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحسن: أن ابن مسعود رضي الله عنه، سأله رجل عن قول الله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}، فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل. ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ} الآية، قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف، وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية. قال: فسمعها ابن مسعود، فقال: مه، لم يجىء تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب على ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية، ورواه ابن جرير. وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام، فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألا فليبلغ الشاهد الغائب» تفسير : فكنا نحن الشهود، وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا، لم يقبل منهم. وقال أيضاً: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم، قالا: حدثنا عوف عن سوار بن شبيب قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعض بالشرك؟ فقال رجل: إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله: لعلك ترى - لا أبا لك - أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم، وإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله عز وجل يقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية. وقال أيضاً: حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ أحدهم هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ} فقال أكثرهم: لم يجىء تأويل هذه الآية اليوم. وقال: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا ابن فضالة عن معاوية بن صالح، عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية، ولا تدري ماهي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوًى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا الحسن هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله. وقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت، رواه ابن جرير. وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة، مثله. وكذا قال غير واحد من السلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام ابن خالد الدمشقي، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} قال: إذا هدمت كنيسة دمشق، فجعلت مسجداً، وظهر لبس العصب، فحينئذٍ تأويل هذه الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي احفظوها وقوموا بصلاحها {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } قيل المراد لا يضركم من ضل من أهل الكتاب وقيل المراد غيرهم لحديث أبي ثعلبة الخشني: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : ائتمروا بالمعروف وتناهَوْا عن المنكر حتى إذا رأيت شُحَّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك» تفسير : رواه الحاكم وغيره {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به.

الشوكاني

. تفسير : أي الزموا أنفسكم أو احفظوها كما تقول عليك زيداً: أي الزمه، قرىء "لاَ يَضُرُّكُمْ" بالجزم على أنه جواب الأمر الذي يدلّ عليه اسم الفعل. وقرأ نافع وغيره بالرفع على أنه مستأنف، كقول الشاعر:شعر : فقال رائدهم أرسوا نزاولها تفسير : أو على أن ضم الراء للاتباع، وقرىء: {لاَ يَضُرُّكُمْ } بكسر الضاد، وقرىء: «لا يضيركم» والمعنى: لا يضركم ضلال من ضلّ من الناس إذا اهتديتم للحق أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدلّ على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد. وقد قال الله سبحانه: {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } وقد دلت الآيات القرآنية، والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوباً مضيقاً متحتماً، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحلّ به ما يضرّه ضرراً يسوغ له معه الترك {إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ } يوم القيامة {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد ابن حميد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والدارقطني والضياء، في المختارة وغيرهم، عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب» تفسير : وفي لفظ لابن جرير عنه: «حديث : والله لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه بعقاب»تفسير : . وأخرج الترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن أبي حاتم والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن أبي أمية الشعثاني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم»تفسير : . وفي لفظ: قيل يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: "حديث : بل أجر خمسين منكم»تفسير : . وأخرج أحمد وابن أبي حاتم، والطبرني وابن مردويه، عن عامر الأشعري أنه كان فيهم أعمى، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال: "حديث : ما حبسك؟"تفسير : قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } قال: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضرّكم من ضلّ من الكفار إذا اهتديتم»تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم} فقال: يا أيها الناس إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عنه في الآية قال: «حديث : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف، فإذا كان كذلك فعليكم أنفسكم»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عمر، أنه قال في هذه الآية: إنها لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن رجل قال: كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أُبيّ بن كعب، فقرأ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } فقال: إنما تأويلها في آخر الزمان. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن أبي مازن قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم جلوس فقرأ أحدهم: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } فقال أكثرهم: لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم. وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ }؟ فأقبلوا عليّ بلسان واحد فقالوا: تنزع آية من القرآن لا نعرفها ولا ندري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدّثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية لا ندري ما هي؟ وعسى أن تدرك ذلك الزمان «حديث : إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت» تفسير : وأخرج ابن مردويه، عن معاذ بن جبل، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو حديث أبي ثعلبة الخشني المتقدّم، وفي آخره «حديث : كأجر خمسين رجلاً منكم» تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم يجيء تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام»تفسير : ، والروايات في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، ففيه ما يرشد إلى ما قدمناه من الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى:{يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ...} في قوله: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} ثلاثة تأويلات: أحدها: أنها الشهادة بالحقوق عند الحكام. والثاني: أنها شهادة الحضور للوصية. والثالث: أنها أيمان، ومعنى ذلك أيمان بينكم، فعبر عن اليمين بالشهادة كما قال في أيمان المتلاعنين: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتِ بِاللَّهِ}. وفي قوله تعالى: {... اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مَِّنكُمْ} تأويلان: أحدهما: يعني من المسلمين، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: من حي المُوصِي، قاله الحسن، وسعيد بن المسيب، وعكرمة وفيهما قولان: أحدهما: أنهما شاهدان يشهدان على وصية المُوصِي. والثاني: أنهما وصيان. {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: من غير دينكم من أهل الكتاب، قاله ابن عباس، وأبو موسى، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وشريح. والثاني: من غير قبيلتكم وعشيرتكم، قاله الحسن، وعكرمة، والزهري، وعبيدة. وفي {أَوْ} في هذا الموضع قولان: أحدهما: أنها للتخيير في قبول اثنين منا أو آخرين من غيرنا. والثاني: أنها لغير التخيير، وإن معنى الكلام، أو آخران من غيركم إن لم تجدوا، منكم، قاله ابن عباس وشريح، وسعيد بن جبير والسدي. {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} يعني سافرتم. {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} وفي الكلام محذوف تقديره: فأصابتكم مصيبة الموت، وقد أسندتم الوصية إليهما. ثم قال تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ} يعني تستوقفونهما للأيمان وهذا خطاب للورثة، وفي هذه الصلاة ثلاثة أقوال: أحدها: بعد صلاة العصر، قاله شريح، والشعبي، وسعيد بن جبير وقتادة. والثاني: من بعد صلاة الظهر، والعصر، قاله الحسن. والثالث: من بعد صلاة أهل دينهما ومِلَّتِهِمَا من أهل الذمة، قاله ابن عباس، والسدي. {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَبْتُمْ لاَ تَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً} معناه فيحلفان بالله إن ارتبتم بهما، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما الوصيان إن ارتبتم بهما في الخيانة أَحْلَفَهُمَا الورثة. والثاني: أنهما الشاهدان إن ارتبتم بهما، ولم تُعْرَفْ عدالتهما، ولا جرحهما، أحلفهما الحاكم ليزول عنه الارتياب بهما، وهذا إنما جوزه قائل هذا القول في السفر دون الحضر. وفي قوله تعالى: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً} تأويلان: أحدهما: لا نأخذ عليه رشوة، قاله ابن زيد. والثاني: لا نعتاض عليه بحق. {وَلَو كَانَ ذَا قُرْبَى} أي لا نميل مع ذي القربى في قول الزور، والشهادة بغير حق. {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} يعني عندنا فيما أوجبه علينا. قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} يعني فإن ظهر على أنهما كَذَبَا وخَانَا، فعبر عن الكذب بالخيانة والإِثم لحدوثه عنهما. وفي الذين: {عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اْسْتَحَقَّا إِثْماً} قولان: أحدهما: أنهما الشاهدان، قاله ابن عباس. والثاني: أنهما الوصيان، قاله سعيد بن جبير. {فَئَاخَرَان} يعني من الورثة. {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} في اليمين، حين ظهرت الخيانة. {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهُمُ الأَوْلَيَانِ} فيه تأويلان: أحدهما: الأوليان بالميت من الورثة، قاله سعيد بن جبير. والثاني: الأوليان بالشهادة من المسلمين، قاله ابن عباس وشريح. وكان سبب نزول هذه الآية ما روى عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدّاء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة مُخَوَّصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وجد الجام بمكة، وقالوا اشتريناه من تميم الداري، وعدي بن بدّاء، فقام رجلان من أولياء السهمي فَحَلَفَا: {لَشَهَادَتُنا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} وأن الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُِوا شَهَادَةُ بَينِكُمْ} إلى قوله: {واتَّقُواْ اللَّهَ وَاسْمَعُواْ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. ثم اختلفوا في حكم هاتي الآيتين هل هو منسوخ أو ثابت. فقال ابن عباس حكمهما منسوخ. قال ابن زيد: لم يكن الإسلام إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب وهو اليوم طبق الأرض. وقال الحسن: حكمهما ثابت غير منسوخ.

الخازن

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال بعض العلماء: هذا أمر من الله تعالى ومعناه احفظوا أنفسكم من ملابسة الذنوب والإصرار على المعاصي لأنك إذا قلت عليك زيداً معناه الزم زيداً وقيل معناه عليكم أنفسكم فأصلحوا واعملوا في خلاصها من عذاب الله عز وجل. وانظروا لها ما يقربها من الله عز وجل. لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، يعني لا يضركم كفر من كفر إذا كنتم مهتدين وأطعتم الله عز وجل فيما أمركم به ونهاكم عنه. قال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب اليهود والنصارى يعني عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم. وقيل: لما قبلت الجزية من أهل الكتاب قال بعض الكفار: كيف تقبل الجزية من بعض دون بعض؟ فنزلت هذه الآية. وقيل: إن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار على كفرهم فقيل لهم: عليكم أنفسكم واجتهدوا في صلاحهم لا يضركم ضلال الضالين ولا جهل الجاهلين إذا كنتم مهتدين. فإن قلت هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قلت: لا يدل على ذلك والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه عزَّ وجل لا يكون مؤاخذاً بذنوب أصحاب المعاصي فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لايضركم من ضلَّ إذا اهتديتم} ولا تضعونها موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وأخرجه أبو داود زاد فيه:"حديث : ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ولا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب " تفسير : وقال قوم في معنى الآية عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم قال ابن مسعود مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فإن رد عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل منه أي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه أي وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه أي وقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه أي يقع تأويلهن في آخر الزمان ومنه أي يقع تأويلهن يوم القيامة وهو ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة لم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض فامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإذا اختلفت قلوبكم وأهواؤكم وألبستم شيعاً وأذيق بعضكم بأس بعض فأمرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. وقيل لابن عمر لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن الله يقول {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا هتديتم} فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديث : ألا ليبلغ الشاهد الغائب تفسير : فكنا نحن الشهود وأنت الغائب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وعن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف نصنع بهذه الآية قال: أية آية قلت {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال"حديث : ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أيام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم " تفسير : وفي رواية:"حديث : قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا أو منهم، قال: لا بل أجر خمسين منكم"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وقيل في معنى الآية: إن العبد إذا عمل بطاعة الله واجتنب نواهيه لا يضره من ضل. وقال ابن عباس: قوله {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} يقول إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به وعن صفوان بن محرز قال: دخل عليَّ شاب من أصحاب الأهواء فذكر شيئاً من أمره فقلت له: ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أوليائه {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وقال الحسن: لم يكن مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله. وقيل في معنى الآية: لا يضركم من كفر بالله وحاد عن قصد السبيل من أهل الكتاب إذا اهتديتم أنتم. قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب. وقال ابن زيد: كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت وكان ينبغي لك أن تنصرهم وتفعل وتفعل فقال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قال الطبري: وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق وهو العمل بطاعة الله وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم لأن الله تعالى يقول:{أية : وتعاونوا على البر والتقوى}تفسير : [المائدة: 2] ومن التعاون على البر والتقوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأخذ على يد الظالم حتى يرجع عن ظلمه. وقال عبد الله بن المبارك: هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الله تعالى قال: عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات والذي يؤكد ذلك أن معنى قوله: عليكم أنفسكم أي احفظوا أنفسكم وهذا أمر بأن نحفظ أنفسنا ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله أعلم. وقوله تعالى: {إلى الله مرجعكم جميعاً} يعني في الآخرة الطائع والعاصي والضال والمهتدي {فينبئكم بما كنتم تعملون} يعني فيخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ...} الآية: قال أبو ثعلبة الخُشَنِيُّ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ هذه الآيةِ، فَقَالَ: «حديث : ٱئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وَٱنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا رَأَيْتَ دُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَشُحًّا مُطَاعاً، وإعْجَابَ كُلِّ ذِيَ رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَّةِ نَفْسِكَ، وذَرْ عَوَامَّهُمْ؛ فَإنَّ وَرَاءَكِمُ أَيَّاماً؛ أَجْرُ العَامِلِ فِيهَا كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»تفسير : ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي لاَ نَظَرَ لأحَدٍ مَعهُ؛ لأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاَحِ صادرٌ عن النبيِّ ـــ عليه السلام ـــ، وجملةُ ما عليه أهْلُ العِلْمِ في هذا أنَّ الأمر بالمعروفِ متعيِّن، متَىٰ رُجِيَ القبولُ، أو رُجِيَ ردُّ الظالم، ولو بعنف ما لم يَخَفِ الآمرُ ضرراً يلحقه في خاصَّته، أو فتنةً يُدْخِلُها على المُسْلمين؛ إما بشَقِّ عَصَا، وإما بضَرَرٍ يلحق طائفةً من الناس، فإذا خيف هذا، فـ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}: محكَمٌ واجبٌ أنْ يوقَفَ عنده. وقوله سبحانه: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، هذا تذكيرٌ بالحَشْر وما بعده، وذلك مُسَلٍّ عن أمور الدنيا، مكروهِهَا ومحبوبِها، رُوِيَ عن بعض الصالحين؛ أنه قال: ما مِنْ يَوْمٍ إلاَّ ويجيءُ الشيطانُ، فيقول: ما تأكلُ، وما تلبسُ، وأين تَسْكُنُ، فأقول له: آكُلُ المَوْتَ، وألْبَسُ الكَفَنَ، وأسْكُنُ القَبْرَ. قال * ع *: فَمَنْ فكَّر في مرجعه إلى اللَّه سبحانه، فهذا حاله، قلْتُ: وخرَّج البغويُّ في «المسنَدِ المنتَخَبِ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالاً تَعْزُبُ عَنْكُمْ إلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَتُوشِكُ العَوَازِبُ أَنْ تَؤوبَ إلَىٰ أَهْلِهَا، فَمَسْرُورٌ بِهَا، وَمَكْظُومٌ»تفسير : . انتهى من «الكوكب الدري»، واللَّه المستعان.

ابن عادل

تفسير : لمَّا بين أنَّ هؤلاء الجُهَّالِ لم ينتَفِعُوا بِشَيءٍ ممَّا تقدَّم من التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، بل بَقُوا مُصِرِّين على جَهْلهم وضَلالِهم، قال: فَلا تُبَالوا أيّها المُؤمِنُون بجهالاتِهِم، بل كُونُوا مُنْقَادِين لتَكَالِيفِ اللَّهِ تعالى، فلا يضُرُّكم ضلالَتُهُم. قوله: "عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ": الجمهورُ على نَصْب "أنْفُسَكُمْ" وهو منصوب على الإغْرَاء بـ "عَلَيْكُمْ"؛ لأنَّ "عَلَيْكُمْ" هنا اسمُ فعلٍ؛ إذ التقديرُ: الزمُوا أنْفُسَكُمْ، أي: هَدايَتَهَا وحِفْظَهَا مِمَّا يُؤذِيَها، فـ "عَلَيْكُمْ" هنا يرفعُ فاعلاً، تقديره: عَلَيْكُمْ أنْتُمْ؛ ولذلك يجوز أن يُعْطَفَ عليه مرفوعٌ؛ نحو: "عَلَيْكُمْ أنْتُمْ وزَيْدٌ الخَيْرَ"؛ كأنك قُلْتَ: الزَمُوا أنتم وزَيْدٌ الخَيْرَ، واختلف النحاةُ في الضميرِ المتصلِ بها وبأخواتها؛ نحو: إلَيْكَ ولدَيْكَ ومَكَانَكَ، فالصحيحُ أنه في موضع جرٍّ؛ كما كان قبلَ أن تُنْقَلَ الكلمةُ إلى الإغراء، وهذا مذهب سيبويه، واستدلَّ له الأخفشُ بما حكى عن العرب "عَلَى عَبْدِ الله" بجرِّ "عَبْدِ الله" وهو نصٌّ في المسألة، وذهب الكسائيُّ إلى أنه منصوبُ المحلِّ، وفيه بُعْدٌ؛ لنصبِ ما بعدهما، أعني "عَلَى" وما بعدها كهذه الآية، وذهب الفرَّاء إلى أنه مرفوعُه. وقال أبو البقاء - بعد أن جعل "كُمْ" في موضع جرّ بـ "عَلَى" بخلافِ "رُوَيْدَكُمْ" -: "فإن الكاف هناك للخطَابِ، ولا موضع لها، فإن "رُوَيْد" قد استُعملتْ للأمر المواجه من غير كافِ الخطابِ، وكذا قوله تعالى: {أية : مَكَانَكُمْ} تفسير : [يونس: 28] "كُمْ" في محل جَرٍّ"، وفي هذه المسألة كلامٌ طويلٌ، صحيحُه أنَّ "رُوَيْد" تارةً يكون ما بعدها مَجْرُورَ المحلّ وتارةً منصوبَهُ، وقد تقدَّمَ في سورةِ النساءِ الخلافُ في جواز تقديمِ معمُولِ هذا البابِ عليه. قال ابنُ الخطيب: قال النَّحْوِيُّونَ: "عَلَيْك، وعِنْدَك، ودُونَك" من جُمْلة أسْماءِ الأفْعَال، فَيُعدُّونَهَا إلى المَفْعُول، ويُقِيمُونَهَا مقامَ الفِعْلِ، وينصِبُون بِهَا، فإذا قال: "عَلَيْك [زيداً]" كأنه قال: خُذْ زيْداً [فقد عَلاَك، أي أشْرَفَ عليْك]، وعِنْدَك زَيْداً، أي: حَضَرَك فَخُذْهُ، و"دُونَك" أي: قَرُبَ مِنْكَ فَخُذْهُ، فهذه الأحرف الثلاثَةُ لا خِلاَف بَيْن النُّحَاة في جوازِ النَّصْب بِهَا. وقرأ نافعُ بن أبي نُعَيْمٍ: "أنْفُسُكُمْ" رفعاً فيما حكاه عنه صاحبُ "الكشَّاف"، وهي مُشْكَلِةٌ، وتخريجُها على أحد وجهين: إمَّا الابتداء، و"عَلَيْكُمْ" خبره مقدَّم عليه، والمعنى على الإغْراء أيضاً؛ فإنَّ الاغراء قد جاء بالجملة الابتدائيَّة، ومنه قراءةُ بعضهم {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا} تفسير : [الشمس: 13]، وهذا تحذيرٌ نظيرُ الإغراء. والثاني من الوجهين: أن تكون توكيداً للضميرِ المُستترِ في "عَلَيْكُمْ"؛ لأنه كما تقدَّم تقديره قائمٌ مقام الفعْلِ، إلا أنه شَذَّ توكيدُه بالنفس من غير تأكيدٍ بضمير منفصلٍ، والمفعولُ على هذا محذوفٌ، تقديرُه: عَلَيْكُمْ أنْتُمْ أنْفُسُكُمْ صَلاحَ حالِكُمْ وهدايَتَكُمْ. قوله: "لا يَضُرُّكُمْ" قرأ الجمهور بضمِّ الراء مشددة، وقرأ الحسن البصريُّ: "لا يَضُرْكُمْ" بضم الضادِ وسكُونِ الراء، وقرأ إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: "لا يَضِرْكُمْ" بكسر الضادِ وسكون الراءِ، وقرأ ابو حيوة: "لا يَضْرُرُكُمْ" بسكون الضاد وضم الراء الأولى والثانية. فأمَّا قراءةُ الجمهور: فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الفعلُ فيها مَجْزُوماً على جوابِ الأمر في "عَلَيْكُمْ"، وإنما ضُمَّتِ الراءُ إتباعاً لضمَّةِ الضَّادِ، وضمةُ الضادِ هي حركةُ الراء الأولى، نُقِلَتْ للضَّادِ [لأجلِ] إدغامها في الراء بعدها، والأصْلُ: "لا يَضْرُرْكُمْ"، ويجوز أن يكون الجزمُ لا على وجه الجواب للأمرِ، بل على وجهِ أنه نهي مستأنفٌ، والعملُ فيه ما تقدَّم؛ وينصُرُ جواز الجزمِ هنا على المعنيين المذكورينِ من الجواب والنهْيِ: قراءةُ الحسنِ والنخَعِيِّ؛ فإنهما نَصٌّ في الجزْمِ، ولكنهما محتملتان للجَزْمِ على الجوابِ أو النهي. والوجه الثاني: أن يكون الفعلُ مرفوعاً، وليس جواباً ولا نهياً، بل هو مستأنفٌ سِيقَ للإخبار بذلك، وينصرُه قراءةُ أبي حَيْوَةَ المتقدِّمةُ. وأمَّا قراءةُ الحسن: فَمِنْ "ضَارَهُ يَضُورُهُ" كصَانَهُ يَصُونُهُ، وأما قراءة النخَعِيِّ فمِنْ "ضَارَهُ يَضِيرُهُ" كَبَاعَهُ يبيعُهُ، والجزم فيهما على ما تقدَّم في قراءة العامة من الوجهين، وحكى أبو البقاء: "لا يَضُرَّكُمْ" بفتح الراء، ووجهها على الجزم، وأن الفتح للتخفيفِ، وهو واضح، والجزم على ما تقدَّم أيضاً من الوجهين، وهذه كلُّها لغاتٌ قد تقدَّم التنبيهُ عليها في آل عمران [الآية 144]. و"مَنْ ضَلَّ" فاعلٌ، و"إذَا" ظرفٌ محضٌ ناصبه "يَضُرُّكُمْ"، أي: لا يَضُرُّكُمُ الذي ضَلَّ وقتَ اهْتِدَائِكُمْ، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابُها محذوفٌ؛ لدلالةِ الكلام عليه، وقال أبو البقاء: "ويبعُدُ أن تكون ظرفاً لـ "ضَلَّ"؛ لأنَّ المعنى لا يَصِحُّ معه"، قال شهاب الدين: لأنه يصير المعنى على نفي الضرر الحاصل مِمَّنْ يضلُّ وقْتَ اهتدائهم، فقد يُتَوَهَّم أنه لا ينتفي عنهم ضَرَرُ من ضلَّ في غيرِ وقْتِ اهتدائِهِمْ، ولكنَّ هذا لا ينفي صِحَّة المعنى بالكليةِ كما ذكره. فصل في سبب نزول الآية في سببِ نُزُولِ الآيَةِ وُجُوهٌ: أحدها: رَوَى الكَلْبِيُّ عن أبِي صالح عن ابْنِ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لما قَبِلَ من أهْلِ الكِتَابِ الجِزْيَة، من بَعْضِ الكُفَّار دُون بَعْض، نزلتْ هذه الآية، والمعنى: لا يَضُركُم ملامة اللاَّئِمِين إذا كُنْتُم على الهُدى. وثانيها: أنَّ المُؤمنين كان يشْتَدُّ عليهم بَقَاءُ الكُفَّارِ على كُفْرِهمْ وضَلاَلتِهِم، فقيل لَهُم: عَلَيْكُم أنْفسكُم بإصلاحِهَا، والمَشْي بها في طريقِ الهُدَى، لا يَضُرُّكُم ضلال الضَّالِّين، ولا جَهْلُ الجَاهِلِين. وثالثها: أنَّهُم كانوا يَغْتَمُّونَ لِعَشَائِرِهمْ لمَّا مَاتُوا على الكُفْرِ، فَنُهُوا عن ذلك. قال ابن الخَطيبِ: والأقربُ عِنْدِي، أنَّه تعالى لما حَكَى عَنْ بَعْضِهم أنَّه إذا قِيلَ لَهُمْ: {أية : تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ } تفسير : [المائدة: 104] بيَّن تعالى بهذه الآية، أنَّه لا يَنْبَغِي للمُؤمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في هذه الطَّريقَةِ الفَاسِدَةِ، بل يَنْبَغِي أنْ يَصْبِروا على دينهِم، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّه لا يَضُرُّهُمْ جَهْلُ أولَئِك. فصل رُوِي عن أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - أنَّه قال: يا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّكُمُ تَقْرَؤُون هذه الآية {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} فإنِّي سَمِعْتُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ النَّاس إذا رَأوا مُنْكَراً فَلَمْ يُغيّروه، يُوشِكُ أن يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِه ". تفسير : وفي رواية: "حديث : لَتَأمُرُنَّ بالمعرُوفِ، ولتنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أو لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ فليَسُومُونكمْ سُوءَ العذابِ، ثُمَّ ليَدْعون اللَّه خيارُكُمْ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ ". تفسير : قال أبُو عُبَيْدة: خاف الصِّدِّيق أن يتأوَّل النَّاسُ الآية غير مُتَأوّلها، فيَدْعُوهم إلى تَرْكِ الأمْرِ بالمعرُوف، فأعْلَمَهُم أنَّها لَيْسَتْ كذلك، وأنَّ الذي أذِنَ في الإمْسَاكِ عن تَغْييرِه من المُنْكر، هو الشِّرْكُ الذي يَنْطِقُ به المُعَاهدُون من أجل أنَّهُم يَتَديَّنُون به، وقد صُولِحُوا عليه، فأمَّا الفُسُوق والعِصْيَان والذَّنْبُ من أهْل الإسلام، فلا يَدْخُلُ فيه. وعن ابن مسعودٍ قال في هذه الآية: مُرُوا بالمعْرُوف وانْهَوْا عن المُنْكَرِ ما قُبِلَ مِنْكُم، فإن رُدَّ عَلَيْكم فَعَليْكُم أنْفُسَكُمْ. ثُمَّ قال: إنَّ القُرآنَ نزلَ مِنْهُ آيٌ قد مضى تَأويلهُنَّ قَبْلَ أن يَنْزِلْن، ومِنْهُ آي: وقعَ تَأويلُهُنَّ على عَهْد رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ومِنْهُ آيٌ: وقعَ تَأوِيلُهُنَّ بَعْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بِيَسِيرٍ، ومنه آي: وقعَ تأويلهن في آخِرِ الزَّمَانِ، ومنه آي: وقعَ تَأويلُهُنَّ يوم القيامة، وهو ما ذُكِرَ من الحِسَابِ والجَنَّةِ والنَّارِ، فما دَامَتْ قلوبُكُمْ وأهْوَاؤكُمْ وَاحِدَةٌ، ولم تلْبسُوا شِيَعاً، ولم يَذُقْ بَعْضُكم بأسَ بَعْض، فأمُرُوا وانْهَوْا، فإن اخْتَلَفت القُلُوبُ والأهْوَاء وألْبِسْتُم شيعاً، وذاقَ بَعْضُكم بأسَ بعض، فامرؤ ونفسهُ، فعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَنَا تَأوِيلُ هذه الآيَة. قال ابنُ الخَطيبِ: وهذا التَّأويلُ عندي ضَعِيفٌ؛ لأنَّ الآيَةَ خِطَابٌ عامٌّ لِلْحَاضِرِ والغَائِبِ، فكيف يُخرجُ الحَاضِر، ويُخَصُّ الغَائِب. ورَوى أبُو أمَيَّة الشَّعبانِيِّ قال: "حديث : أتَيْتُ أبا ثَعْلَبَة، فقُلْتُ: كيف نَصْنَعُ في هذه الآية؟ فقال: أيُّ آيةٍ؟ قلت: قَوْلُ الله - عزَّ وجلَّ -: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، فقال: أمَا واللَّهِ لَقَدْ سألْتَ عنها خَبِيراً، سألتُ عَنْهَا رسُول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بَلْ ائتَمِرُوا بالمَعْرُوفِ وتَنَاهوا عن المُنْكَرِ، حتَّى إذَا رَأيْتَ شُحَّاً مُطَاعاً وهَوًى مُتَّبَعاً، ودُنْيا مُؤثرة، وإعْجَاب كُلِّ ذِي رأيٍ برأيِهِ، ورَأيتَ أمْراً لا بُدَّ لَكَ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ ودَعْ أمْرَ العَوَامِّ، وإنَّ وراءَكُم أيام الصَّبر، فَمَنْ صَبَرَ فيْهنَّ قبض على الجَمْر للعامل فيهنَّ مِثْلُ أجر خَمْسِين رجلاً يعملون مثله"تفسير : ، قال ابن المبارك: وزادني غيره، قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجرُ خمسين منكم. فإن قيل: ظَاهِرُ الآيةِ يُوهِمُ أنَّ الأمر بالمَعْرُوفِ، والنَّهْي عن المُنْكَرِ غَيْرُ وَاجِبٍ. فالجَوَابُ من وُجُوهٍ: أحدها: أنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ على ذلك، بل تَدلُّ على أنَّ المُطِيعَ لا يُؤاخَذُ بِذُنُوبِ العَاصِي، وأمَّا وُجُوب الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، فَثَبت بما تقدَّم من الدَّلائلِ وغَيْرِها. وثانيها: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بالكُفَّار المُصرِّين على الكُفْرِ، ولا يَتْرُكُون الكُفْر بسببِ الأمْر بالمَعْرُوفِ، فَهَهُنَا يَجِبُ على الإنْسَانِ مُخَالَفَةُ الأمْرِ بالمَعْرُوفِ. وثالثها: أنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا إذا خَافَ الإنْسَانُ عند الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، والنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ على نَفْسِهِ وعِرضه وماله. ورابعها: المعنى: لا يَضُرُّكُمْ إذا اهْتَدَيْتُم، فأمَرْتُمْ بالمَعْرُوف ونَهَيْتُم عَنِ المُنْكَر ضلالُ مَنْ ضَلَّ، فَلَمْ يقبَل ذَلِكَ. وخامسها: أنَّه تعالى قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {أية : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} تفسير : [النساء: 84]، وذَلِكَ لم يَدُلَّ على سُقُوطِ الأمْرِ بالمَعْرُوف عن الرَّسُولِ، فَكَذَا هَاهُنَا. ثم قال تعالى: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}، أي: الضَّال والمُهْتَدِي {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يُجَازيكُمْ بأعمالِكُمْ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والعدني وابن منيع والحميدي في مسانيدهم، وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى والكجي في سننه، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني في الأفراد، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء في المختارة، عن قيس قال‏:‏ قام أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ يا أيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ‏"‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن قيس بن أبي حازم قال‏:‏ صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ أيها الناس، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب‏"‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن جرير البجلي‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز، ثم لا يغيرون عليه إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب ‏ ‏حديث : عن أبي أمية الشعباني قال ‏‏أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له‏:‏ كيف تصنع في هذه الآية‏؟‏ قال‏:‏ أية آية‏؟‏ قال‏:‏ قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ قال‏:‏ أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: "‏بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر‏.‏ حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى تبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الحمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ‏ حديث : عن أبي عامر الأشعري ‏"‏أنه كان فيهم شيء، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه فقال‏: ما حبسك‏؟ قال‏:‏ يا رسول الله، قرأت هذه الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ قال‏:‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏: أين ذهبتم‏؟‏ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن‏.‏ أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله ‏ {‏عليكم أنفسكم‏}‏ فقال‏:‏ أيها الناس، إنه ليس بزمانها فإنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال‏:‏ فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله ‏{‏عليكم أنفسكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف، فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم‏. وأخرج عبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي العالية قال‏:‏ كانوا عند عبدالله بن مسعود، فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبدالله‏:‏ ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر‏؟‏ فقال آخر إلى جنبه‏:‏ عليك نفسك، فإن الله تعالى يقول ‏{‏عليكم أنفسكم‏} ‏ فسمعها ابن مسعود فقال‏:‏ مه‏!‏ لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ما ذكر من أمر الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، فلم يذق بعضكم بأس بعض، فمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر‏.‏ أنه قيل له‏:‏ أجلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال ‏ {‏عليكم أنفسكم‏} ‏ فقال‏:‏ إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "‏حديث : ‏ألا فليبلغ الشاهد الغائب"‏‏تفسير : فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق قتادة عن رجل قال‏:‏ كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي بن كعب، فقرأ ‏ {‏عليكم أنفسكم‏}‏ فقال‏:‏ إنما تأويلها في آخر الزمان‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن أبي مازن قال‏:‏ انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم جلوس، فقرأ أحدهم ‏ {‏عليكم أنفسكم‏} ‏ فقال‏:‏ أكثرهم‏:‏ لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم‏. وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال‏:‏ كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت‏:‏ أليس الله يقول ‏{‏عليكم أنفسكم‏} ‏ فأقبلوا علي بلسان واحد، فقالوا‏:‏ تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها‏؟‏ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا‏:‏ إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت أية لا تدري ماهي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت‏. وأخرج ابن مردويه ‏‏حديث : عن معاذ بن جبل أنه قال‏:‏‏ "يا رسول الله، أخبرني عن قول الله عز وجل ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ قال‏: يا معاذ، مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، وإعجاب كل امرئ برأيه، فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم، فهو من ورائكم أيام صبر، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، خمسين منهم‏؟‏ قال‏: بل خمسين منكم أنتم". ‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏ ‏"‏حديث : ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قول الله عز وجل ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم‏: لم يجئ تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن محمد بن عبدالله التيمي عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل، ولا أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله بعقاب، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده إلا أن تأولوا هذه الآية على غير أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال‏:‏ خطب أبو بكر الناس فكان في خطبته قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يا أيها الناس لا تتكلموا على هذه الآية ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ إن الذاعر ليكون في الحي فلا يمنعوه، فيعمهم الله بعقاب ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن‏.‏ أنه تلا هذه الآية ‏ {‏عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ فقال‏:‏ يا لها من سعة ما أوسعها‏!‏ ، ويا لها ثقة ما أوثقها‏!. وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الشحام أبي سلمة قال‏:‏ ‏ حديث : حدثني شيخ من أهل البصرة وكان له فضل وسن قال‏:‏ بلغني أن داود سأل ربه قال‏:‏ يا رب، كيف لي أن أمشي لك في الأرض وأعمل لك فيها بنصح‏؟‏ قال "يا داود، تحب من أحبني من أحمر وأبيض، ولا يزال شفتاك رطبتين من ذكري، واجتنب فراش المغيب‏.‏ قال‏:‏ أي رب، فكيف أن تحبني أهل الدنيا البر والفاجر‏؟‏ قال‏: يا داود، تصانع أهل الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم، وتجتان إليك ذنبك بيني وبينك، فإنك إذا فعلت ذلك فلا يضرك من ضل إذا اهتديت‏" ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر‏.‏ أنه جاء رجل فقال‏:‏ يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قرأ القرآن، وكلهم مجتهد لا يألوهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال‏:‏ لعلك ترى أني آمرك أن تذهب إليهم تقاتلهم، عظهم و انههم، فإن عصوك فعليك نفسك، فإن الله تعالى يقول ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم‏} ‏ حتى ختم الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن صفوان بن محرز‏.‏ أنه أتاه رجل من أصحاب الأهواء، فذكر له بعض أمره فقال له صفوان‏:‏ ألا أدلك على خاصة الله التي خص الله بها أولياءه ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ يقول‏:‏ أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ يقول‏:‏ إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به. وأخرج ابن جرير من طريق قارب بينهما عن الضحاك عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ {‏عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏} ‏ ما لم يكن سيف أو سوط. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول‏.‏ أن رجلاً سأله عن قول الله ‏{‏عليكم أنفسكم‏}‏ الآية‏.‏ فقال‏:‏ إن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد، إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ، فعليك نفسك لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال‏:‏ إنما أنزلت هذه الآية لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه، ويسلم الرجل ويكفر أخوه، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم، فقالوا‏:‏ حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا‏.‏ فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال‏:‏ نزلت في أهل الكتاب يقول ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل‏} ‏ من أهل الكتاب ‏ {‏إذا اهتديتم‏} ‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله ‏ {‏عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ قال‏:‏ إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر‏. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله ‏{‏لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ قال‏:‏ إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت‏. وأخرج ابن جرير عن الحسن‏.‏ أنه تلا هذه الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم‏} ‏ فقال‏:‏ الحمد لله بها والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله‏. وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أنس قال‏:‏ ‏حديث : قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏؟‏ قال "‏إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم‏. قالوا‏:‏ وما ذاك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ إذا ظهر الادهان في خياركم، والفاحشة في كباركم، وتحوّل الملك في صغاركم والفقه‏"‏تفسير : ، وفي لفظ‏:‏ ‏"‏حديث : والعلم في رذالكم‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن حذيفة‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم‏.‏ والله تعالى أعلم‏ ".

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} [الآية: 105]. قال محمد بن على: عليك نفسك إن كفيت الناس شرها فقد أديت أكثر حقها. ودخل خادم الحسين بن منصور عليه الليلة التى وعد من الغد قتله، فقال: أوصنى: فقال: عليك نفسك إن لم تشغلها شغلتك. وسُئل أبو عثمان عن هذه الآية فقال: عليك نفسك إن اشتغلت بصلاح فسادها وستر عوراتها، شغلك ذلك عن النظر إلى الخلق والاشتغال بهم.

القشيري

تفسير : يكفي للفقير أن يمشيَ وقد جُبِرَ بعضُ كَسْرِه، فأمَّا إذا ادَّعى التقدم أو الطمع في إنجادِ منْ سواه فمحال من الحدث والظن. ويقال من يفرغ إلى غيره يتشاغل عن نفسه، ومن اشتغل بنفسه لم يتفرَّغ إلى غيره.

البقلي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} ليس ظاهر الأية يوجب اسقاط امر المعروف والنهى عن المنكر لكن فيه لطيفة اى عليكم تعرفوا اسرار انفسكم الامارة التي لو تدعونها لتدعى الربوبية كما كان تدعى فرعون بقوله انا ربكم الاعلى واذا عرفتم مكائدها عرفتم سرق قهر اللازل فان قهرى يعلمها مخائيل الضلال لذلك قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ومن عرفنى استقام فى طاعتى واصر موضع نطرى لا يعوجه كيد كافرو لا مكر ماكر لانه محفوظ بى بل من نيظر اليه صار ضره نفعا وفساده صلاحا ببركته قال سهل بن عبد الله للنفس سر ما ظهر ذلك السر على احد من خلقه الا على فرعون فقال انا ربكم الاعلى ولها سبع حجب سماوية وسمبع حجب ارضية وكلما يدفن العبد نفسه ارضا ارضا سما قلبه سماء سما وذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب الى العرش قال محمد بن على عليا لنفسك ان كفيت للناس شرها فقد اذيت اكثر حقها ودخل خادم الحسين بن منصور رحمة الله عليه الليلة التى وعد من الغد لقتله فقال له اوصينى فقال عليكم نفسك ان لم تشغلها شغلتك وسئل ابو عثمان عن هذه الأية فقال عليكم نفسك ان اشتغلت باصفلاح فسادها وسترو عرواتها شغلك ذلك من النظر الى الخلق والاشتغال بهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين ءآمنوا عليكم أنفسكم} اى الزموا اصلاح انفسكم وحفظها مما يوجب سخط الله وعذاب الآخرة {لا يضركم} ضلال {من ضل} بالفارسى [زيانى نرساند شمارا بى راهىء آنكس كه كمراه شد] {اذا اهتديتم} اذا كنتم مهتدين. والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون ايمانهم وفيهم من الضلال بحيث لا يكادون يرعوون عنه بالامر والنهى {الى الله} لا لاحد سواه {مرجعكم} رجوعكم يوم القيامة {جميعا} الضلال والمهتدى {فينئبكم بما كنتم تعملون} فى الدنيا من اعمال الهداية والضلال اى فيجازيكم على ذلك فهو وعد ووعيد للفريقين المهتدين والضالين وتنبيه على ان احدا لا يؤاخذ بعمل غيره ولا يتوهمنّ ان فى الآية رخصة فى ترك الامر بالمعروف والنهى عن المنكر مع استطاعتهما كيف لا ومن جملة الاهتداء ان ينكر على المنكر حسب الطاقة شعر : اكر بينى كه نابينا وجاهست اكر خاموش بنشينى كناهست تفسير : وفى الحديث "حديث : من رأى منكم منكرا ان استطاع ان يغيره فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه ".حديث : وقد روى ان الصديق قال يوما على المنبر يا ايها الناس انكم تقرأون هذه الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هى وانما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ان الناس اذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمهم الله بعقاب" " .تفسير : فامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول الله تعالى {يا ايها الذين} الآية فيقول احدكم علىّ نفسى والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر او ليستعملن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعن خياركم فلا يستجاب لهم. ولو قيل لرجل لم لا تأمر بالمعروف قال [مراجه كارست] او قيل لرجل [فلانرا امر معروف كن] فقال [مرا اوجه كرده است] او قال [من عافيت كزيده ام] او قال [مرا با اين فضولى جه كار] يخاف عليه الكفر فى هذه الصور: قال المولوى قدس سره شعر : توز كفتار تعالوا كم مكن كيمياى بس شكرفست اين سخن كرمسى كردد ز كفتارت نفير كيميارا هيج ازوى وامكير تفسير : فالامر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض لا يسقط الا عند العجز عن ذلك وكان السلف مغدورين فى بعض الازمان فى ترك الانكار باليد واللسان شعر : جو دست وزبانرا نماند مجال بهمت نمايند مردى رجال تفسير : والحاصل ان هذا يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال والاوقات فعلى المحب ان لا يتجاوز عن الحد ويراعى حكم الوقت فان لكل زمان دولة ورجالا. والاشارة {يا ايها الذين آمنوا} اى ايمان الطالبين الموقنين بان الوجدان فى الطلب كما قال تعالى "حديث : الا من طلبنى وجدنى " .تفسير : {عليكم انفسكم} فاشتغلوا بتزكيتها فانه قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق ولا تغتروا بارادة الخلق وبقولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم اليكم فانها للطالب سم الساعة وان مثل السالك المحتاج الى المسلك والذى يدعى ارادته ويتمسك به كمثل غريق فى البحر محتاج الى سابح كامل فى صنعته لينجيه من الغرق فيتشبث به غريق آخر فى البحر وهو يأخذ بيده لينجيه فيهلكان جميعا فالواجب على الطالب المحق ان يتمسك بذيل ارادة صاحب دولة فى هذا الشأن مسلك كامل ويستسلم للاحكام ولا يلتفت الى كثرة الهالكين فانه لا يهلك على الله الا هالك {لا يضركم} ايها الطالبون {من ضل} من المغرقين والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق المكر والعصيان {فينبئكم بما كنتم تعملون} اى فيذيقكم لذة ثواب اعمالكم او الم عقوبة اعمالكم والمعنى ليس للطالب ان يلتفت فى اثناء سلوكه الى احد من اهل الصدق والارادة بان يقبله ليربيه ويغتر بانه شيخ يقتدى به الى ان يتم امر سلوكه بتسليك مسلك كامل واصل ثم ان يرى شيخه ان له رتبة الشيخوخة فيثبته باشارة التحقق فى مقام التربية ودعوة الخلق فحينئذ يجوز له ان يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى {أية : ولكل قوم هاد} تفسير : [الرعد: 7]. فاما فى زماننا هذا فقد آل الامر الى ان من لم يكن مريدا قط يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والثناء الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثونه كلما مات واحد منهم كانوا يجلسون ابنه مقامه صغيرا كان او كبيرا ويلبسون منه الخرق ويتبركون به وينزلونه منازل المشايخ فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه الطريق قد تمت فاندرست آثارها والله اعلم باخبارها الى ههنا من الاشارة من التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {عليكم}: اسم فعل، وفاعله مستتر فيه وجوبًا، و {أنفسكم}: مفعول به على حذف مضاف؛ أي: الزموا شأن أنفسكم. قاله الأزهري. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم}: احفظوها والزموا صلاحها، {لا يضرّكم مَن ضلّ إذا اهتديتم} أنتم، أي: لا يضركم ضلال غيركم إذا كنتم مهتدين؛ ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن رَأى مِنكُم مُنكَرًا، واستطَاعَ أن يُغيِّره بَيدِه، فَليغَيِّر، فإنَّ لم يَستَطِع فَبِلسانِه، فإن لم يَستَطعِ فَبقَلبِه" تفسير : . والآية نزلت حيث كان المؤمنون يحرصون على الكفرة، ويتمنون إيمانهم، وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك، فلاموه، فنزلت. وعن أبي ثعلبة الخشني قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم}؟ فقال: "حديث : أئتِمَرُوا بالمَعرُوِفِ، وانهوا عن المُنكَرِ، فإذَا رَأيتَ دُنيا مُؤثَرةٍ، وشُحًا مُطاعًا، وإعجَابَ كُلِّ ذِي رأي بِرأيِه، فَعَليكَ بخويصة نَفسِك، وَذَر عوامَهم؛ فإنّ وَراءكُم أيامًا، العامِلُ فيها كأجرِ خَمسِينَ مِنكُم ". تفسير : وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية على أنه لا يلزم معها أمر ولا نهي، فصعد المنبر، فقال: (يا أيها الناس: لا تغتروا بقول الله تعالى: {عليكم أنفسكم} فيقول أحدكم: عليّ نفسي، والله لتأمُرن بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر أو ليستعملن عليكم شرارَكم فليسُومُنكم سوء العذاب). وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قُبِلَ منكم، فإذا رُدّ عليكم فعليكم أنفسكم). قال ابن عطية: وجملة ما عليه أهل العلم في هذا: أن الأمر بالمعروف متعين متى رجى القبول، أو رجى رد المظالم، ولو بعُنف، ما لم يخف الآمِرُ ضررًا يلحقه في خاصته، أو فتنة يدخلها عن المسلمين، إما بشق عصًا، وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم، حُكمٌ واجب أن يوقف عنده. هـ. ثم هدد مَن لم ينته، فقال: {إلى الله مرجعكم جميعًا فَيُنَبِّئُكم بما كنتم تعملون} وفيه تنبيه على أن أحدًا لا يؤاخذ بذنب غيره، وتسليةٌ عن أمور الدنيا؛ مكروهها ومحبوبها، بذكر الحشر وما بعده، وعن بعض الصالحين أنه قال: ما من يوم إلا يجيئني الشيطان فيقول: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول له: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبور. هـ. الإشارة: في الآية إغراء وتحضيض على الاعتناء بإصلاح النفوس وتطهيرها من الرذائل، وتحليتها بالفضائل، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} عليكم بإصلاح أنفسكم أولاً، فإذا صلحت فأصلحوا غيركم، فعلى العبد أن يشتغل بشأن نفسه ولا يلتفت إلى غيره، حتى إذا كمل تطهيرُها، وفرغ من تأديبها، فإن أمره الحق ـ جل جلاله ـ بإصلاح غيره على لسان شيخ كامل، أو هاتف حقيقي، فليتقدم لذلك، فإنه حينئٍذ محمول محفوظ مأذون، وإلا فعليه بخاصة نفسه، كما تقدم. والله ـ تعالى ـ أعلم. ولما جَرَى ذكر المرجع وما بعدها، ولا يكون إلا بالموت، ناسب أن يذكر الوصية، التي من شأنها أن تكون عندها، فقال: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ}.

الطوسي

تفسير : لما بين الله تعالى حكم الكفار الذين قلدوا آباءهم واسلافهم وركنوا اليهم في أديانهم، ذكر في هذه الآية أن المكلف انما يلزمه حكم نفسه وأنه لا يضره ضلال من ضل اذا كان هو مهتدياً، حتى يعلم بذلك أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم والعقاب. و {أنفسكم} نصب على الاغراء كأنه قال: احفظوا أنفسكم أن تزلوا كما زل غيركم. والعرب تغري بـ (عليك، واليك، ودونك، وعندك) فينصبون الاسماء بها، ولم يغروا بـ (منك) كما أغروا بـ (اليك)، لأن (اليك) أحق بالتنبيه من (منك). والاغراء تنبيه على ما يجب أن يحذر، ولذلك لم يغروا بـ (فيك) ونحوها من حروف الاضافة. وحكى المغربي: أنه سمع من يغري بـ (وراءك) و (قدامك). وليس في الآية ما يدل على سقوط انكار المنكر. وإنما يجوز الاقتصار على الاهتداء بأتباع أمر الله في حال التقية، هذا قول ابن مسعود، على أن الانسان إِنما يكون مهتدياً اذا اتبع أمر الله في نفسه وفي غيره بالانكار عليه. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال "حديث : اذا رأوا الناس منكراً فلم يغيروه عمهم الله بالعقاب " تفسير : وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة في تعذيب الاطفال، لأنه لو كان الامر على ما قالوه لم يأمن المؤمنون أن يؤخذوا بذنوب آبائهم، وقد بين الله تعالى أن الامر بخلافه مؤكداً لما في العقل. وقوله {إلى الله مرجعكم جميعاً} معناه اليه تعالى مآلكم في الوقت الذي لا يملك أحد الضرر والنفع سواء بخلاف دار الدنيا التي مكن الله تعالى الخلق من الضرر والنفع فيها. وقوله {فينبئكم} معناه يخبركم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا من الطاعات والمعاصي، ويجازيكم بحسبها، وفي ذلك غاية الزجر والتهديد. وقوله {لا يضركم} يحتمل أن يكون جزماً لأنه جواب الامر، وحرك الراء لانها ثقيلة وأولها ساكن، فلا يستقيم إِسكان آخرها، فيلتقي ساكنان. قال الاخفش: والأجود أن يكون رفعاً على الابتداء، لأنه ليس بعلة لقوله {عليكم أنفسكم} وإِنما أخبر أنه لا يضرهم.

الالوسي

تفسير : {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي الزموا أنفسكم واحفظوها من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب، فعليكم اسم فعل أمر نقل إلى ذلك مجموع الجار والمجرور لا الجار وحده كما قيل. وهو متعد إلى المفعول به بعده وقد يكون لازماً، والمراد به الأمر بالتمسك كما في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : عليك بذات الدين » تفسير : وذكر أبو البقاء أن الكاف والميم في موضع جر لأن اسم الفعل هو المجموع وعلى وحدها لم تستعمل اسماً للفعل بخلاف رويدكم فإن الكاف والميم هناك للخطاب فقط ولا موضع لها لأن رويداً قد استعمل اسماً لأمر المواجه من غير كاف الخطاب وإلى ذلك ذهب سيبويه وهو الصحيح، ونقل الطبرسي أن استعمال على مع الضمير اسم فعل خاص فيما إذا كان الضمير للخطاب فلو قلت عليه زيداً لم يجز وفيه خلاف. وقرأ نافع في الشواذ {أنفسكـم} بالرفع، والكلام حينئذٍ مبتدأ وخبر أي لازمة عليكم أنفسكم أو حفظ أنفسكم لازم عليكم بتقدير مضاف في المبتدأ. وقوله تعالى: {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } يحتمل الرفع على أنه كلام مستأنف في موضع التعليل لما قبله وينصره قراءة أبـي حيوة {لا يضركم}، ويحتمل أن يكون مجزوماً جواباً للأمر، والمعنى إن لزمتم أنفسكم لا يضركم. وإنما ضمت الراء اتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة والأصل لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهياً مؤكداً للأمر السابق والكلام على حد لا أرينك هٰهنا. وينصر احتمال الجزم قراءة من قرأ {لا يضركم} بالفتح و{ولا يضركم} بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره بمعنى ضره كذمه وذامه. وتوهم من ظاهر الآية الرخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأجيب عن ذلك بوجوه. الأول أن الاهتداء لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ترك ذلك مع القدرة عليه ضلال. فقد أخرج ابن جرير عن قيس بن أبـي حازم قال: صعد أبو بكر رضي الله تعالى عنه منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم لتتلون آية من كتاب الله سبحانه وتعدونها رخصة والله ما أنزل الله تعالى في كتابه أشد منها {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله تعالى منه بعقاب ـ وفي رواية ـ يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب"تفسير : . وفي رواية ابن مردويه عن أبـي بكر بن محمد قال: خطب أبو بكر الصديق الناس فكان في خطبته قال / رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا أيها الناس لا تتكلوا على هذه الآية {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } الخ إن الداعر ليكون في الحي فلا يمنعونه فيعمهم الله تعالى بعقاب»تفسير : . ومن الناس من فسر الاهتداء هنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وروي ذلك عن حذيفة وسعيد بن المسيب، والثاني: أن الآية تسلية لمن يأمر وينهى ولا يقبل منه عند غلبة الفسق وبعد عهد الوحي، فقد أخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ والطبراني وغيرهم عن الحسن أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه سأله رجل عن هذه الآية فقال: أيها الناس إنه ليس بزمانها ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال: فلا يقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قيل له: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فإن الله تعالى يقول: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } فقال: إنها ليست لي ولا لأصحابـي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ألا فليبلغ الشاهد الغائب » تفسير : فكنا نحن الشهود وأنتم الغيَّب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ } فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : يا معاذ «مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فإذا رأيتم شحاً مطاعاً وهوى متبعاً وإعجاب كل امرىء برأيه فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم فإن من ورائكم أيام صبر المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر فللعامل منهم يومئذٍ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم قلت: يا رسول الله خمسين منهم قال: بل خمسين منكم أنتم»تفسير : . والثالث: أنها للمنع عن هلاك النفس حسرة وأسفاً على ما فيه الكفرة والفسقة من الضلال فقد كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم فنزلت. والرابع: أنها للرخصة في ترك الأمر والنهي إذا كان فيهما مفسدة. والخامس: أنها للأمر بالثبات على الإيمان من غير مبالاة بنسبة الآباء إلى السفه، فقد قيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت أباك فنزلت، وقيل: معنى الآية يا أيها الذين آمنوا الزموا أهل دينكم واحفظوهم وانصروهم لا يضركم من ضل من الكفار إذا فعلتم ذلك، والتعبير عن أهل الدين بالأنفس على حد قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُـمْ } تفسير : [النساء: 29] ونحوه، والتعبير عن ذلك الفعل بالاهتداء للترغيب فيه ولا يخفى ما فيه. {إِلَى ٱللَّهِ } لا إلى أحد سواه {مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم يوم القيامة {جَمِيعاً } بحيث لا يتخلف عنه أحد من المهتدين وغيرهم {فَيُنَبّئُكُمْ } بالثواب والعقاب {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من أعمال الهداية والضلال، فالكلام وعد ووعيد للفريقين. وفيه كما قيل دليل على أن أحداً لا يؤاخذ بعمل غيره وكذا يدل على أنه لا يثاب بذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك.

ابن عاشور

تفسير : تذييل جرى على مناسبة في الانتقال فإنّه لما ذكر مكابرة المشركين وإعراضهم عن دعوة الخير عقّبه بتعليم المسلمين حدود انتهاء المناظرة والمجادلة إذا ظهرت المكابرة، وعذر المسلمين بكفاية قيامهم بما افترض الله عليهم من الدعوة إلى الخير، فأعلمهم هنا أن ليس تحصيل أثر الدعاء على الخير بمسؤولين عنه، بل على الداعي بذل جهده وما عليه إذا لم يصغ المدعوّ إلى الدعوة، كما قال تعالى: {أية : إنّك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}تفسير : [القصص: 56]. و{عليكم} اسم فعل بمعنى الزَموا، وذلك أنّ أصله أن يقال: عليك أن تفعل كذا، فتكون جملة من خبر مقدّم ومبتدأ مؤخّر، وتكون (على) دالّة على استعلاء مجازي، كأنّهم جعلوا فعل كذا معتلياً على المخاطب ومتمكّناً منه تأكيداً لمعنى الوجوب فلمّا كثر في كلامهم قالوا: عليك كذا، فركّبوا الجملة من مجرور خبر واسم ذات مبتدأ بتقدير: عليك فعل كذا، لأنّ تلك الذات لا توصف بالعلوّ على المخاطب، أي التمكّن، فالكلام على تقدير. وذلك كتعلّق التحريم والتحليل بالذوات في قوله: {أية : حرّمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3]، وقوله {أية : أحلّت لكم بهيمة الأنعام}تفسير : [المائدة: 1]، ومن ذلك ما روي {عليكم الدعاء وعليّ الإجابة} ومنه قولهم: عليّ أليّة، وعليّ نذر. ثم كثر الاستعمال فعاملوا (على) معاملة فعل الأمر فجعلوها بمعنى أمر المخاطب بالملازمة ونصبوا الاسم بعدها على المفعولية. وشاع ذلك في كلامهم فسمّاها النحاة اسم فعل لأنّها جعلت كالاسم لمعنى أمر مخصوص، فكأنّك عمدت إلى فعل (الزم) فسميّته (عَلَى) وأبرزت مَا مَعه من ضمير فألصقته بــ (عَلى) في صورة الضمير الذي اعتيد أن يتّصل بها، وهو ضمير الجرّ فيقال: عليك وعليكما وعليكم. ولذلك لا يسند إلى ضمائر الغيبة لأنّ الغائب لا يؤمر بصيغة الأمر بل يؤمر بواسطة لام الأمر. فقوله تعالى: {عليكم أنفسكم} هو ـــ بنصب {أنفسكم} ـــ أي الزموا أنفسكم، أي احرصوا على أنفسكم. والمقام يبيّن المحروص عليه، وهو ملازمة الاهتداء بقرينة قوله: {إذا اهتديتم}، وهو يشعر بالإعراض عن الغير وقد بيّنه بقوله: {لاَ يضرّكم من ضلّ}. فجملة {لا يضرّكم من ضلّ} تتنزّل من التي قبلها منزلة البيان فلذلك فصلت، لأنّ أمرهم بملازمة أنفسهم مقصود منه دفع ما اعتراهم من الغمّ والأسف على عدم قبول الضالّين للاهتداء، وخشية أن يكون ذلك لتقصير في دعوتهم، فقيل لهم: عليكم أنفسكم، أي اشتغلوا بإكمال اهتدائكم، ففعل {يضرّكم} مرفوع. وقوله: {إذا اهتديتم} ظرف يتضمّن معنى الشرط يتعلّق بــ {يضرّكم}. وقد شمل الاهتداء جميع ما أمرهم به الله تعالى. ومن جملة ذلك دعوة الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو قصروا في الدعوة إلى الخير والاحتجاج له وسكتوا عن المنكر لضرّهم من ضلّ لأنّ إثم ضلاله محمول عليهم. فلا يتوهّم من هذه الآية أنّها رخصة للمسلمين في ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّ جميع ذلك واجب بأدلّة طفحت بها الشريعة. فكان ذلك داخلاً في شرط {إذا اهتديتم}. ولما في قوله {عليكم أنفسكم} من الإشعار بالإعراض عن فريق آخر وهو المبيّين بِـــ {من ضلّ}، ولما في قوله {إذا اهتديتم} من خفاء تفاريع أنواع الاهتداء؛ عرض لبعض الناس قديماً في هذه الآية فشكّوا في أن يكون مُفادها الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد حدث ذلك الظنّ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج الترمذي عن أبي أمية الشعباني أنّه قال: سألت عنها أبا ثعلبة الخشني، فقال لي: سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : بل ائتمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّاً مُطَاعَاً وهوى مُتَّبعاً وَدنْيَا مُؤثرَة وإعجابَ كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك ودَعَ العوّام»تفسير : . وَحَدَثَ في زَمَن أبي بكر: أخرَجَ أصحابُ «السنن» أنّ أبا بكر الصديق بلغه أنّ بعض الناس تأوّل الآية بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "يا أيّها الناس إنّكم تَقْرَأونَ هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم} وإنّكم تضعونها على غير موضعها وإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيّرونه يوشك الله أن يعمّهم بعقابه، وإنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده". وعن ابن مسعود أنّه قرئت عنده هذه الآية فقال: إنّ هذا ليس بزمانها إنّها اليوم مقبولة (أي النصيحة) ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يُقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم (يريد أن لا يجب عليهم قتال لتقبل نصيحتهم). وعنه أيضاً: إذا اختلفت القلوب وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فامرُؤ ونفسه. وعن عبد الله بن عمر أنه قال: إنّها (أي هذه الآية) ليست لي ولا لأصحابي لأنّ رسول الله قال: «حديث : ألا ليبلّغ الشاهد الغائب»تفسير : فكنّا نحن الشهود وأنتم الغيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيؤون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم. فماصْدقُ هذه الآية هو مَاصْدقُ قول النبي صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر: «حديث : من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»تفسير : فإنّ معنى الاستطاعة التمكّن من التغيير دون ضُرّ يلحقه أو يلحق عموم الناس كالفتنة. فالآية تفيد الإعراض عن ذلك إذا تحقّق عدم الجدوى بعد الشروع في ذلك، ويلحق بذلك إذا ظهرت المكابرة وعدم الانتصاح كما دلّ عليه حديث أبي ثعلبة الخشني، وكذلك إذا خيف حصول الضرّ للداعي بدون جدوى، كما دلّ عليه كلام ابن مسعود المذكور آنفاً. وقوله: {إلى الله مرجعكم جميعاً} عذر للمهتدي ونذارة للضالّ. وقدّم المجرور للاهتمام بمتعلّق هذا الرجوع وإلقاء المهابة في نفوس السامعين، وأكّد ضمير المخاطبين بقوله: {جميعاً} للتنصيص على العموم وأن ليس الكلام على التغليب. والمراد بالإنباء بما كانوا يعملون الكناية عن إظهار أثر ذلك من الثواب للمهتدي الداعي إلى الخير، والعذاب للضالّ المعرض عن الدعوة. والمرجع مصدر ميمي لا محالة، بدليل تعديته بــ{إلى}، وهو ممّا جاء من المصادر الميمية ـــ بكسر العين ـــ على القليل، لأنّ المشهود في الميمي مِن يَفعِل ـــ بكسر العين ـــ أن يكون مفتوح العين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}. قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}، لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة، وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره، وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيد القاسم بن سلام، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود. فمن العلماء من قال: {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} أي أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء في الآية، وهو ظاهر جداً ولا ينبغي العدول عنه لمنصف. ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد، أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ} تفسير : [العصر: 1-3] فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل. وقد دلت الآيات كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25]، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده. فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: "حديث : لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم ياجوج ومأجوج، مثل هذه وحلق بأصبعيه الإبهام، والتي تليها تفسير : فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: حديث : نعم إذا كثر الخبث ". تفسير : وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً"تفسير : ، أخرجه البخاري والترمذي. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"تفسير : ، رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، أنه كان الرجل يَلْقَى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 78-81]، ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعننكم كما لعنهم ". تفسير : رواه أبو داود و الترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لَمَّا وقعت بنو إسرائيل في المعاصِي، نهتهم علماؤُهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكئاً، فقال: لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطرا ". تفسير : ومعنى تأطروهم أي تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله تعالى: {أية : وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [آل عمران: 104]، وقوله {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [آل عمران: 110]. وقوله: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المائدة: 78-79]، وقوله: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]، وقوله: {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} تفسير : [الحجر: 94]، وقوله: {أية : أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} تفسير : [الأعراف: 165]، وقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25]. والتحقيق في معناها أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم وبه فسرها جماعة من أهل العلم والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفاً منها. مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المسالة الأولى: اعلم أن كلا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على "أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها". وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضاً، أما السنة المذكورة فقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان ما أصابك، ألم تكن تامرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"تفسير : ، أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. ومعنى تندلق أقتابه: تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت ليلة أسرى بي رجالا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمِ بِمَقَارِيضَ مِن نار كلما قُرِضَتْ رجعت فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خُطَبَاء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"تفسير : أخرجه الإمام أحمد، وابن ابي شيبة، وعبد بن حميد والبزار، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حيان وابن مردويه والبيهقي، كما نقله عنهم الشوكاني وغيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما "أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس إني اريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، فقال ابن عباس: أو بلغت ذلك؟ فقال أرجو، قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال قوله تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 44] الآية، وقوله تعالى: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 3]، وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} تفسير : [هود: 88] الآية، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه، وابن عساكر، كما نقله عنهم أيضاً الشوكاني وغيره. واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض النار، ليس على الأمر بالمعروف. وإنما هو على ارتكابه المنكر عالماً بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح، ولا طالح، والوعيد على المعصية، لا على الأمر بالمعروف، لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير، ولقد أجاد من قال: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وقال الآخر: شعر : وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو مريض تفسير : وقال الآخر: شعر : فإنك إذ ما تأت ما أنت آمر به تلف من إياه تأمر آتيا تفسير : وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضاً، فهي قوله تعالى {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ} تفسير : [المدثر: 49-51] والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فيجب على المذكر - بالكسر - والمذكر - بالفتح - أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم. المسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به، أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر، لأنه إن كان جاهلاً بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل وصار فيه الحق منكراً، والمنكر معروفاً و الله تعالى يقول {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف: 108] الآية، فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب، واللطافة مع إيضاح الحق. لقوله تعالى {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ} تفسير : [النحل: 125] الآية، فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسناداً مطلقاً، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس، لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل، وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس، لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده، فيما قص الله عنه: {أية : وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} تفسير : [لقمان: 17] الآية، ولما قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل "حديث : أو مخرجِيَّ هُم؟"تفسير : يعني قريشاً أخبره ورقة "أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي"، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "ما ترك الحق لعمر صديقاً"، واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر، إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أو إجماع المسلمين. وأما إن كان من مسائل الاجتهاد، فيما لا نص فيه فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكراً، فالمصيب منهم مأجور بإصابته، والمخطئ منهم معذور كما هو معروف في محله. واعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريق لين، وطريق قسوة. أنا طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه. فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يُعبد الله وحده وتُقام حدوده، وتُمتثل أوامره، وتُجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} تفسير : [الحديد: 25] الآية. ففيه الإشارة إلى أعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. المسألة الثالثة: يشترط في جواز الأمر بالمعروف، ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين. قال في مراقي السعود: شعر : وارتكب لأخف من ضرين وخيرن لدى استوا هذين تفسير : ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما يدل له ظاهر قوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} تفسير : [الأعلى: 9]، وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم"تفسير : ، وفي لفظ "حديث : قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلاً منا، أو منهم قال: "بل أجر خمسين منكم"تفسير : ، أخرجه الترمذي، والحاكم وصححاه، وأبو داود وابن ماجه وابن جرير، و البغوي في معجمه، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، وقال الراوي هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني، حديث : وقد سأله عن قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "بل ائتمر" تفسير : إلى آخر الحديث. وهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع والهوى المتبع الخ مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف. فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه. تنبيه الأمر بالمعروف له ثلاث حكم: الأولى: إقامة حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: {أية : رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [النساء: 165]. الثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف، كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت، {أية : قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 164] الآية، وقال تعالى: {أية : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ} تفسير : [الذاريات: 54]، فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة، لكان ملوماً. الثالثة: رجاء النفع المأمور، كما قال تعالى: {أية : مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 164]، وقال تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الذاريات: 55]، وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب) في سورة الأعلى في الكلام على قوله تعالى {أية : فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكْرَىٰ} تفسير : [الأعلى: 9]، ويجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف كزوجته وأولاده ونحوهم، وينهاهم عن المنكر. لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم: 6] الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيَّته"تفسير : ، الحديث. المسألة الرابعة: اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : أفضل الجهاد كلمة تدل عند سلطان جائر"تفسير : ، أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه: حديث : أن رجلاً سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد وضع رجله في الغرز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر" تفسير : رواه النسائي بإسناد صحيح. كما قاله النووي رحمه الله، واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث: الأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم، ولو لم ينفع نصحه ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف. لأن ذلك هو مظنة الفائدة. الثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره، وتأدية نصحه لمنكر أعظم، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهة منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان. الثالثة: أن يكون راضياً بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعاً له عليه، فهذا شريكه في الإثم، والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة عن أم المؤمنين، أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة" تفسير : أخرجه مسلم في صحيحه. فقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : فمن كره"تفسير : يعني بقلبه، ولم يستطع إنكاراً بيد ولا لسان فقد برئ من الإثم، وأدى وظيفته. ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها، فهو عاص كفاعلها. ونظيره حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عند مسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" تفسير : وقوله في هذه الآية الكريمة {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} صيغة إغراء يعني: الزموا حفظها كما أشار له في (الخلاصة) بقوله: شعر : والفعل من أسمائه عليك وهكذا دونك مع إليك

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا الله ورسوله واستجابوا لهما بفعل المأمور وترك المنهي. عليكم أنفسكم: ألزموا أنفسكم هدايتها وإصلاحها. إذا اهتديتم: إلى معرفة الحق ولزوم طريقه. إلى الله مرجعكم جميعاً: ضلاّلاً ومهتدين. فينبئكم: يخبركم بأعمالكم ويجازيكم بها. معنى الآية الكريمة: ينادي الله تعالى عباده المؤمنين فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا بالله ورسوله ووعد الله ووعيده {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} ألزموها الهداية والطهارة بالإِيمان والعمل الصالح وإبعادها عن الشرك والمعاصي، {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}: اي أن ضلال غيركم غير ضار بكم إن كنتم مهتدين إذ لا تزر وازرة وزر أخرى، كل نفس تجزى بما كسبت لا بما كسب غيرها ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها إلا أن من الاهتداء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ترك المؤمنون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعتبرون مهتدين إذ بالسكوت عن المنكر يكثر وينتشر ويؤدِّي حتماً إلى أن يضلّ المؤمنون فيفقدون هدايتهم ولذا قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيباً يوماً فقال: (يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ.. الخ} وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" تفسير : وقوله تعالى: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فيه وعد ووعيد، وعد لمن أطاع الله ورسوله، ووعيد لمن عصاهما. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب إصلاح المؤمن نفسه وتطهيرها من آثار الشرك والمعاصي وذلك بالإِيمان والعمل الصالح. 2- ضلال الناس لا يضر المؤمن إذا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر. 3- تقرير مبدأ البعث الآخر. 4- للعمل أكبر الأثر في سعادة الإِنسان أو شقائه.

القطان

تفسير : عليكم أنفسكم: احفظوها، والزموا اصلاحها. بعد ان نَعَى الله تعالى على المشركين ما هم عليه من جهل وعناد في اتباع القديم المتوارَث رغم عماه، دون إخضاعه لنقد ولا تمحيص ـ أمر المؤمنين أن يهتموا بإصلاح أنفسِهم، فاذا أصلحوها وقاموا بما أوجب الله عليهم، لن يضرّهم بعد ذلك ضلالُ غيرهم. روى ابن جرير عن قيس بن ابي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس: يا أيها الناس، إنكم تقرأون {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ...} الآية ولا تدرون ما هي. وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا منكَرا فلم يُغَيِّروه عَمَّهُم اللهُ بِعقاب ". تفسير : ومعنى أن الأمة يجب أن تتخلَّى عن واجباتها في دعوة الناس الى الهدى، ولا في كفاح الشر، ومقاومة الضلال، فإذا ضل أناسٌ من غير ديننا، ولم يستجيبوا لهدايتنا، فلا يضرُّنا ذلك. أما اذا قصّرنا في الدعوة، فقد يعمُّنا العقاب. اعلموا أيها المؤمنون بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ومروا من حاد عن سبيلي، بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، فإن اليّ مرجعكم، وأَنَا العالِم بما تعملون من خير وشر، فأُخبركم يوم الحساب بكل ذلك ثم أجازي كل فرد على ما قدّم.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (105) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المٌُؤْمِنينَ بِأنْ يُصْلِحُوا أنْفُسَهُمْ، وَأنْ يَفْعَلُوا الخَيْرَ جَهْدَ طَاقَتِهِمْ، لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى اللهِ. وَيُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أنَّهُ مَنْ أصْلَحَ نَفْسَهُ وَأَمْرَهُ مِنْهُمْ، فَلاَ يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ، سَوَاءٌ أكَانَ قَرِيباً أوْ بَعِيداً، "حديث : وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إذا رَأيْتُمْ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوًى مَتَّبَعاً، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ بِرَأيِهِ، فًَعَلَيكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّاماً الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَى الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ"تفسير : . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَالمُؤْمِنُ لاَ يَكُونُ مُهْتَدِياً إذَا أصْلَحَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَهْتَمَّ بإصْلاَحِ غَيْرِهِ، بِأنْ يَأمُرَهُ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، فَهَذا فَرْضٌ لاَ هَوَادَةَ فِيهِ، وَلَكِنَّ هذِهِ الفَرِيضَةُ تَسْقُطُ إذا فَسَدَ النَّاسُ فَسَاداً لاَ يُرْجَى مَعَهُ تَأثِيرُ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ. عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ - الزَمُوهَا وَاحْفَظُوهَا مِنَ المَعَاصِي.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية، اختلف العلماء في تأويل هذه الآية فأجراها بعضهم على الظاهر. وقال ضمرة بن ربيعة: تلا الحسن هذه الآية، وقال: الحمد للّه لها والحمد للّه عليها ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلاّ وإلى جانبه منافق يكره عمله. وقال بعضهم: معناها عليكم أنفسكم فاعملوا بطاعة اللّه {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. أبو البحتري عن حذيفة في هذه الآية: إذا أمرتم ونهيتم. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي ظبيان عن قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) على المنبر: إنكم تقرؤن هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ماهي وإني سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه عمّهم اللّه بعقاب، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول اللّه {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فيقول أحدكم: عليّ نفسي، واللّه لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو [ليستعملن] عليكم شراركم فليس منكم هو في العذاب، ثم ليدعنّ اللّه خياركم فلا يستجيب لهم"تفسير : . يدل عليه حديث أبي هريرة قال: حديث : قلنا: يا رسول اللّه إن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر حتى لا يبقى من المعروف شيء إلاّ عملنا به ولا من المنكر شيء إلاّ إنتهينا عنه ولا نأمره ولا ننهي أبداً. فقال (عليه السلام): "فمروا بالمعروف فإن لم [يقبلوا به] كله ما نهوا عن المنكر وإن لم ينتهوا عنه كله"تفسير : . وقيل: معنى الآية: عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم. قال شقيق بن عقد: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيّام فلم تأمر ولم تنه فإن اللّه قال {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}. فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا فليبلغ الشاهد الغائب" تفسير : فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم تقبل منهم. وروى سهل بن الأشهب عن الحسين والربيع عن أبي العالية إن هذه الآية قرأت على ابن مسعود {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها قولوها ما قبلت منكم فإذا رُدت عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل حين نزل فمنه آي قد مضى تأويلهن ومنه آي وقع تأويلهن على عهد رسول اللّه ومنه آي يقع تأويلهن بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم يسير ومنه من يقع آي لا ينهض بعد اليوم ومنه آي يقع في آخر الزمن ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وأُلبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فامْرُؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. قال أبو أميّة السمعاني: سمعت أبا ثعلبة [الخشني] عن هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}. فقال أبو ثعلبة: سألت عنها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ائمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت ديناً موثراً وشحاً مطاعاً وهوىً متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم فإن وراءكم أياماً أيام الصبر فإذا عمل العبد بطاعة اللّه لم يضره من ضل بعده وهلك وأجر العامل يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عامل". قالوا: يا رسول اللّه كأجر خمسين عاملاً منهم؟ قال: "لا بل كأجر خمسين عاملاً منكم ". تفسير : وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في أهل الأهواء. وقال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن حرث شاب من أصحاب الأهواء فذكر شيئاً من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة اللّه التي تخص بها أولياءه، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية. وقال الضحّاك: عليكم أنفسكم إذا إختلفت الأهواء ما لم يكن سيف أو سوط. وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب يعني عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس حديث : إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل هجر وعليهم المنذر ابن ساوي التميمي يدعوهم إلى الإسلام فإن أبو فليؤدوا الجزية فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من اليهود والعرب والنصارى والمجوس فأقرّوا بالجزية وكرهوا الإسلام، فكتب إليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم "أما العرب فلا تقبل منهم إلاّ الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية"تفسير : . فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله عليه السلام أسلمت العرب وأما أهل الكتاب والمجوس أعطوا الجزية، فقال في ذلك: منافقو أهل مكة وقالوا: عجباً من محمد يزعم أن اللّه تعالى بعثه ليقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، وقد قبل من مجوس هجر وأهل الكتاب الجزية، هلاّ أكرههم على الإسلام وقد ردّها على إخواننا من العرب؟ فشقّ ذلك على المسلمين مشقة شديدة فأنزل اللّه تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يعني بعد أن بلغ محمد فأحذر، وأنزل بعد ما أسلم العرب {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ} تفسير : [البقرة: 256]. وقال ابن عباس: نزلت في جميع الكفار وذلك أن الرجل كان إذا أسلم قالوا: سفهت أباك، وضللت، وفعلت وفعلت فأنزل اللّه {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} وهذه لفظة إغراء، والعرب تغري من الصفات بعليك عليك ولبيك وإليك وعندك ودونك. ثم قال {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} الضال والمهتدي {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية نزلت في ثلاثة نفر خرجوا تجاراً من المدينة إلى الشام، عدي بن فدي، وتميم بن أوس الداري وهما نصرانيان وبديل مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلماً مهاجراً واختلفوا في كنية أبيه. فقال الكلبي: بديل بن أبي مازنة. وقال قتادة وابن سيرين وعكرمة: هو ابن أبي مارية، ومحمد بن إسحاق بن يسار وابن أبي مريم، فلما قدموا إلى الشام مرض بديل وكتب كتاباً فيه جميع ما معه وطرحها في متاعه ولم يخبر صاحبه بذلك، فلما إشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ففتشا متاعه فأخذا منه إناء من فضة منقوشاً بالذهب فيه ثلثمائة مثقال فضة مموّهة بالذهب فغيباه ثم قضيا حاجتهما وانصرفا وقدما المدينة فدفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا [فوجدوا] الصحيفة فيها تسمية ما كان معه وما فيها الإناء فجاءوا تميماً وعدياً. فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً من متاعه؟ قالا: لا، قالوا: فهل خسر تجارة؟ قالا: لا، قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا فيها إناء من فضة مموّهة بالذهب فها ثلاثمائة مثقال فضة. قالا: لا ندري إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم ودفعناه وما لنا إلاّ من حكم، فرفعوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه تعالى {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ}. قال أهل الكوفة: معناه ليشهد إثنان لفظ الآية خبر ومعناها أمر. قال أهل البصرة: معناه شهادة بينكم شهادة إثنين فألقيت الشهادة وأقيمت الإثنان مقامهما كقوله {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] أي أهل القرية ما (بقي) أهل وأقام القرية مقامه فنصبها. وقال بعضهم: معناه شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت أن يشهد إثنان {ذَوَا عَدْلٍ} أمانة وعقل {مِّنْكُمْ} يا معشر المؤمنين من أهل دينكم وملتكم. قاله جميع المفسرين إلاّ عكرمة وعبيد فإنهما قالا: معناه من حيّ الموصي. واختلفوا في صفة الإثنين، فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي. وقال آخرون: هما الوصيان أراد الله تأكيد الأمر فجعل الوصي إثنين دليل هذا التأويل أنه عقَّبه بقوله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ} ولا يلزم الشاهد يمين، ولأن الآية نزلت في الوصيين، وعلى هذا القول تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك: شهدت فلان أي حضرت، قال اللّه تعالى {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [البقرة: 133] الآية، فقال: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2]. {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} ملّتكم وهو قول إبن المسيب والنخعي وابن جبير ومجاهد وعبيدة ويحيى بن يعمر وأبي محجن قالوا: إذا لم يجد مسلمين فليشهد كافرين. قال شريح إذا كان الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلماً يشهده على وصيته فليشهد يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن وأيّ كافر كان فشهادته جائزة ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلاّ في سفرة ولا يجوز في سفر إلاّ في وصية فإن جاء رجلان مسلمان وشهدا بخلاف شهادتهما أجيزت شهادة المسلمين فأبطلت شهادة الكافرين. وعن الشعبي: إن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة فأوصى ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد، الذي كان في عهد رسول اللّه فأحلفهما وأمضى شهادتهما. قال آخرون: معناه من غير حيكم وعشيرتكم. وهذا قول الحسن والزهري وعكرمة قالوا: لا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر. {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} سرتم وسافرتم في الأرض {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما فلم [يأمنان الإرتياب بحق] الورثة فاتهموهما في ذلك فادّعوا عليهما خيانة، فإن الحكم حينئذ أن تحبسونهما، أي تستوقفونهما {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} وقال ابن عباس: هذا من صلة قوله {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} من الكفار فأما إذا كانا مسلمين، فلا يمين عليهما، واختلفوا في هذه الصلاة ما هي. فقال النخعي والشعبي وابن جبير وقتادة: من بعد صلاة العصر. وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان صلاة العصر {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} فيحلفان {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شككتم {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً} يقول لا نحلف باللّه كاذبين على عرض نأخذ عليه [لو أن يكن يذهب إليه في ويجحده] {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} ولو كان الذي يقسم له به ذا قربى ذا قرابة معنا {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ} قرأ الشعبي لا نكتم شهادة اللّه بالتنوين، اللّه بخفض الهاء على الإتصال أراد اللّه على القسم. وروي عن أبي جعفر (شهادة الله) بقطع الألف وكسر أولها على معنى ولا نكتم شهادة ثم إبتدأ يميناً فقال: اللّه أي واللّه [..........] [يعقب] بتنوين الشهادة، (اللّه) بالألف واللام وكسر الهاء وجعل الإستفهام حرفاً من حروف القسم، فروي عن بعضهم شهادة منونة، اللّه بنصب الهاء يعني ولا نكتم شهادة اللّه أما إن فعلنا ذلك {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} فلما نزلت الآية على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا بعدي وتميم، فاستحلفا عند المنبر باللّه الذي لا إله إلاّ هو أنهما لم يخونا شيئاً مما دفع إليهما فحلف على ذلك وخلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سبيلهما حين حلفا فكتما الإناء ما شاء اللّه أن يكتما ثمّ ظهر واختلفوا في كيفية ظهور الإناء. فروى ابن جبير عن ابن عباس إن الإناء وجد بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم. قال الآخرون: لما طالت المدة اظهر الإناء وبلغ ذلك بني تميم فأتوهما في ذلك. فقالا: إنا كنّا قد اشترينا منهم هذا وقالوا: ألم تزعما بأن صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا ثمنه فكرهنا أن نقر لكم به [فكتمناكموه] لذلك فرفعوهما لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه {فَإِنْ عُثِرَ} أي أطلع وظهر وأصل العثر الوقوع والسقوط على الشيء ومنه قوله: عثرت بكذا إذا أصبته وصدمته ووقعت عليه. قال الأعمش: شعر : بذات لوث عفرناة إذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا تفسير : يعنى بقوله: عثرت أصاب ميم خفها مجر أو غيره، ثمّ يستعمل في كل واقع على شيء كان عنه خفياً كقولهم في أمثالهم: عثرت على الغزل بأخرة فلم تدع بنجد قردة. {عَلَىٰ أَنَّهُمَا} يعني الوصيين {ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أي استوجبا إثماً بأيمانهما الكاذبة وخيانتهما {فَآخَرَانِ} من أولياء الميت {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} يعني مقام الوصيين {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ}. قرأ الحسن وحفص بفتح التاء وهي قراءة علي وأُبي بن كعب أي وجب عليهم الإثم يقال حق واستحق بمعنى وقال: {ٱلأَوْلَيَانِ} رجع إلى قوله: فآخران الأوليان ولم يرتفع بالإستحقاق. وقرأ الباقون: بضم التاء على المجهول يعني الذين استحق فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت، إستحق الحالفان بسببهم وفيهم الإثم على المعنى في كقوله: {أية : عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} تفسير : [البقرة: 102]. وقال صخر الغي: شعر : متى ما تنكروها تعرفوها على أقطارها علق نفيث تفسير : {ٱلأَوْلَيَانِ} بالجمع قرأه أكثر أهل الكوفة واختيار يعقوب أي من الذين الأولين. وقرأ الحسن: الأولون، وقرأ الآخرون الأوليان على لغة الآخرين وإنما جاز ذلك، الأولان معرفة والآخران بكثرة لأنه حين قال من الذين وحدهما ووصفهما صار كالمعرفة في المعنى. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا} أي واللّه لشهادتنا {أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} يعني يميننا أحق من يمينهما. نظيره قوله {أية : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} تفسير : [النور: 6] في قصة اللعان أراد الأيمان، وهذا كقول القائل: أشهد باللّه وله أقسم {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} في يميننا {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة السهميان حلفا باللّه بعد العصر مرّة فدفع الجام إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: صدق اللّه عز قوله أنا أخذت الجام فأتوب إلى اللّه وأستغفره. وإنما إنتقل اليمين إلى الأوليان، لأن الوصيين صح عليهما الإناء ثم ادعيا أنهما ابتاعاه، وكذلك إذا ادعى الوصي أن الموصي أوصى له بشيء ولم يكن ثم بينة، وكذلك إذا ادعى رجل قبل رجل مالا فأقرّ المدعي عليه بذلك ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي أو وهبها له المدعي، فإن في هذه المسائل واشتباهها يحكم برد اليمين على المدعي. روى محمد بن إسحاق عن أبي النضير عن باذان مولى أم هاني عن ابن عباس عن تميم الداري، قال: بعنا الجام بألف درهم فقسمناه أنا وعدي فلما أسلمت تأثمت من ذلك بعد ما حلفت كاذباً وأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه فأتوا به إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا. فأمر الموالي أن يحلفوا فحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي ورددت أنا الخمسمائة فذلك قوله {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أي ذلك أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم إذا خافوا ردّ اليمين وإلزامهم الحق. {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ} الآية. واختلفوا في حكم الآية. فقال بعضهم: هي منسوخة وروى ذلك ابن عباس. وقال الآخرون: هي محكمة وهي الصواب {يَوْمَ} أي إذكروا واحذروا يوم {يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} وهو يوم القيامة {فَيَقُولُ} لهم {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أي ما الذي أجابتكم أمتكم وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي {قَالُواْ} أي فيقولون {لاَ عِلْمَ لَنَآ} قال ابن عباس: لا علم لنا إلاّ علم أنت أعلم به منا. وقال ابن جريح: معنى قوله {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أي ما حملوا ويصدقوا بعدكم فيقولوا: لا علم لنا. الحسن ومجاهد، السدي ممن يقول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يحتسبون بعدما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أمتهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق سبحانه قد قال من قبل: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} تفسير : [المائدة: 104]. والقولان يدلان على أن هناك فريقين: فريقا يسير على الضلال، وفريقا يسير على الهداية. وهناك معركة بين الفريقين. فهل تدوم هذه المعركة طويلاً؟ نعم ستظل هذه المعركة طويلاً؛ لأن أهل الضلال لا يحبون أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، وكذلك فهم يستفيدون من فساد الكون. والمؤمن يحب الطاعة ويحاول أن يجعل أخاه المؤمن مُحباً للطاعة، فإن رآه على مُنكر فإنه ينهاه عنه ويدفعه إلى المعروف، فالخير حين يكون من الإنسان ينفع سواه، وقد يتأجل نفعه هو لنفسه إلى الآخرة. وخير المؤمن يفيد المجتمع ويضر أهل الضلال. وصدق المؤمن يفيد المجتمع ويضر أهل الضلال. ونزاهة المؤمن يستفيد منها المجتمع، وتضر أهل الضلال. أما إن كان المجتمع فاسداً فالمؤمن يشقى بفساد هذا المجتمع. إذن فمن مصلحة المؤمن أن يعدي الخير منه إلى سواه، حتى ينتشر الخير ويعود الخير إلى المؤمن من حركة الخير في المجتمع. ولذلك قال الحق سبحانه: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي ألزموا أنفسكم، وكأن نفوس المؤمنين وحدة واحدة. وهو تعبير عن ضرورة شيوع الرتابة الإيمانية المتبادلة. ومثل هذا الأمر جاء في التعامل مع أموال السفهاء؛ لقد قال الحق: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ} تفسير : [النساء: 5]. لأن السفيه لا حق له في إدارة ماله حتى يرشد؛ لأن المال في الواقع هو مال كل المسلمين، وعليهم إدارته لينتفع به كل المسلمين. وتكون إدارة الأمر أولاً بالنصح، فإن لم يرتدع السفيه فليرفع عليه أقرب الناس إليه قضية حجر، ذلك لأن أي شر ينتج من سلوك السفيه بماله إنما يعود على المجتمع، وعلى هذا فالمال يظل مال الناس يقومون على إدارته إلى أن يعود السفيه إلى رشده فيعود له حق التصرف في ماله. {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 6]. لم يقل الحق إذن: {فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ذلك أن الرشيد أصبح مأموناً على ماله؛ لذلك يعود المال إلى السفيه من فور عودته إلى الرشد. وكذلك قول الحق: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي أنكم يا جماعة المؤمنين كل منكم مسئول عن نفسه وعن بقية النفوس المؤمنة، ومن الهداية أن نقوّم الذي على فساد. ولا يقولنّ مؤمن: "وأنا مالي". وتتابع الآية {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} فما دمتم قد حاولتم تقويم الفساد فأنتم قد أديتم ما عليكم في ضوء قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". تفسير : ولكن كيف يكون التغيير بالقلب؟ أي أن يكون تصرف الإنسان المؤمن هو المقاطعة لمن يخرج على منهج الله، فإن قاطع كلُّ المؤمنين أيَّ خارج على منهج الله فلا بد أن يرتدع، وعلى المؤمن ألا يقابل منحرفاً أو منحرفة بترحيب أو تعظيم، فالتغيير بالقلب أن يكون التصرف السلوكي الظاهري مطابقاً لما في القلب، فيحس فاعل المنكر أنه مستهجن من غيره. وقد يستسهل الناس أمور الشر أولاً إذا ما صادفهم من ينافقهم بمجاملات في غير محلها، لكن لو استشعر فاعل المنكر أنه مقاطع من جماعة المسلمين وإن لم تضربه على يده، فلا بد أن يرتدع، والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 68]. أي أنك ساعة تعرض عن الذين يخالفون منهج الله، وساعة يعرض غيرك عنه، فإن ذلك يؤذيه، ولا يجعل الناس يستشرون في الشر ويتفاقم ويعظم ضررهم إلا احترام المجتمع لهم. والمثال في القرى نجد أن الذي يمتلك بندقية ينال احتراماً ومجاملات تجعله يتجبر بسلاحه، ولو أن الناس أعرضت عنه لضاعت هيبته ولعاد مرة أخرى يسلك السلوك الملتزم. وما المقياس في أمر التغيير بالقلب ومعاملة فاعل المنكر بعدم مودة ومحبة؟ نقول: علينا أن نستمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل مرة عن هذه الآية: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فقال: "حديث : بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متّبعاً ودنيا مُؤثَرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك - بخاصة نفسك - ودع عنك العوامّ فإن من ورائكم أياماً الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم ". تفسير : وأنت حين لا تولي منحرفاً عن منهج الله مودة، ورحمة، ومعروفاً تكون قد ألزمت نفسك الإيجابية. وإذا سأل المؤمن: وكيف يقاوم الإنسان؟. أجاب العلماء: من فرّ من اثنين، فقد فرّ، ومن فر من ثلاثة لم يفرّ. أي أن الإنسان في القتال إن واجهه شخصان ففِراره هَرب من المواجهة. وأما إن فرّ الإنسان وهو يواجه ثلاثة من الأعداء، فهذه حماية للنفس وليست فِراراً. واستنبط العلماء هذا الحكم من وعد الله بنصر المؤمنين إن كان أعداؤهم مثليهم أي كعددهم مرتين وذلك من قول الحق تعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 66]. هي إذن نسبة الرجل إلى الرجلين، فإن فرّ مؤمن من أمام اثنين في أثناء القتال فقد خرج عن موعود الله بالنصر له ويسمى فاراً ويبوء ويرجع بغضب الله ويكون مآله جهنم؛ لأن الله قد قال: {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} فقد وعد الله المقاتل المؤمن الصابر بالنصر إذا كان يقابل اثنين من الكفار. لكن إذا هرب من مواجهة ثلاثة فقد فعل ما يحمي حياته؛ لأن الدين لا يدعو إلى الانتحار؛ لذلك نقول لمن يبغون تغيير المنكرات في الدنيا: لا ترموا بأنفسكم إلى التهلكة ولا تقاتلوا عدوّاً يغلبكم بكثرته. واتبعوا قول النبي الصادق الأمين على استمرار أمته ما دامت تتمسك بمنهج الله. وتغيير المنكر بالقلب يتمثل - كما قلنا - في مقاطعة المنحرف مصداقاً لقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} ونلاحظ أن "على" حرف جر، والكاف للخطاب، والميم للجمع، و "أنفسكم" منصوبة. فعليكم هي "اسم فعل" أي هي ليست اسماً على حقيقته وليس حرفاً على حقيقته، بل هي حرف دخل على ضمير فأدى مؤدى اسم الفعل، أو هو اسم فعل منقول من الجار والمجرور. {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} أي ألزموها، وحافظوا عليها، ومن الهداية أن نعرف كيف نواجه القضايا بالعقيدة الإيمانية، فينظر المؤمن إلى الكمية العددية للمهتدين، والكمية العددية للضالين. فإن كانت الكمية العددية مساوية فلتقبل على المواجهة. وإن كانت الكمية الضالة ضعف الكمية المؤمنة فلتُقْبِل الكمية المؤمنة على المواجهة أيضاً. وإن كانت الكمية الضالة أكثر من الضعف فالمؤمن معذور إن حمى نفسه بعدم المواجهة، ولكن عليه أن يقاطع كل منكر أو فاعلَ المنكر. كلنا نعرف تماماً أن كل فرد يحب أن تكون له مكانة في المجتمع. فإن رأى الإنسان أن الصيت والمكانة والذكر الحسن للصادق المستقيم فالإنسان يتجه إلى أن يكون صادقاً مستقيماً. وأن رأى الفرد أن المكانة في المجتمع تكون للكاذب المنحرف فهو يتجه إلى أن يكون كاذباً منحرفاً؛ لذلك فعلى المؤمنين ألا يكرّموا إلا من يسير على المنهج الصالح. فقد روى الإمام أحمد قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (حديث : إنّ الناس إذا رأوْا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله - عز وجل - أن يعمهم بعقابه ). تفسير : {لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} ويطمْئِن الحق المؤمنين إلى أنهم إن قابلوا الضرر في حياتهم فليعلموا أن هذه الحياة ليست هي كل شيء، بل هناك حياة أخرى نرجع فيها إلى الله، فمن كان في جانب الله أعطاه الله خلوداً أبدياً في النعيم، ومن كان ضد منهج الله أعطاه الله عذاب الجحيم. وقال الحق ذلك لأن المؤمن لا يضمن نفسه في كثير من المواقف، فقد يدخل معركة وفي نيته الإخلاص لكنه قد ينحرف، فيصيبه الضرر على قدر ما انحرف. وعلى الذي يسيرون في ضوء منهج الله دائماً أن يحتفظوا بتلك القضية في بؤرة شعورهم. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة حينما كان في غزوة أحد، وأمر الرماة ألا يبرحوا أماكنهم وإن رأوا المؤمنين في انتصار ورأوا الأعداء في هزيمة. واتجه الرماة إلى الغنائم من فور أن رأوا انتصار المؤمنين، فلم ينصرهم الله وهم على مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وبذلك تعلم المؤمنون الدرس: أن يطيعوا الله والرسول في كل خطوة. ولو أن الله سبحانه لم يقل: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. فماذا يكون موقف الذين لم يشهدوا نصراً لجند الله، وهم قد دخلوا المعارك الأولى واستشهدوا؟. لقد علموا من البداية أن المرجع إلى الله وأنه سيعطيهم حياة أخرى. وسينبئهم الله بما فعلوا. والإنباء هنا بمعنى الجزاء والتكريم. وكما ساس الحق حياة المؤمن وهو يتحرك في الحياة الدنيا، فإنه سبحانه يسوس حياة المؤمنين بما يضمن له الحياة الآخرة في نعيم الخلد والجنة، لذلك يقول الحق سبحانه: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...}

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ} أن تحفظوا {أَنْفُسَكُمْ} وتلازموها على الطاعات وتداوموها على التوجه نحو الحق في جميع الحالات، وما لكم إلا حفظ نفوسكم {لاَ يَضُرُّكُمْ} ضلالة {مَّن ضَلَّ} عن طريق الحق {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} إليه، واعلموا أيها المؤمنون {إِلَى ٱللَّهِ} المبدئ، المعيد {مَرْجِعُكُمْ} وهم {جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105] في دينكم من شر وخير، ومعصية وطاعة، ويجازيكم عليه. {يِآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} من جملة الأمور التي يجب عليكم محافظتها: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} أي: إشهادكم {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أن يُشهدوا {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي: من أقاربكم وعشائركم {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} من جانب المسلمين وأهل الذمة {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ} سافرتم {فِي ٱلأَرْضِ} متباعدين عن الأقارب والعشائر {فَأَصَابَتْكُم} فيها {مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا} أي: الآخران من الأجانب، وتقفونهما {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} عند الجماعة. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} على رءوس الأشهاد {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أيها الوارثون في شهادتهما، بأنا {لاَ نَشْتَرِي} ولا نرتشي بشهادتنا {بِهِ ثَمَناً} ولا نشهد بالزور {وَ} خصوصاً {لَوْ كَانَ} المقسم له {ذَا قُرْبَىٰ} صاحب قرابة {وَ} بأنا {لاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ} التي أودعناها، بل نؤديها على وجهها بلا تحريف ولا كتمان، وإن كتمناها وحرفناها؛ ظلماً وزوراً {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} [المائدة: 106] المكستبين لأنفسنا إثماً عظيماً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن طريقة أهل الولاية عند استيلاء هذا البلاء بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 105]، إشارة أن في الخطاب تخصيص الطالب الصادق وهو قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: إيمان الطالبين المحققين بأن الوجدان في الطلب كما قال تعالى: "حديث : ألا من طلبني وجدني" تفسير : {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} فاشتغلوا بتزكيتها فإنه {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}تفسير : [الشمس: 9-10]، فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق، ولا تغتروا بإرادة الخلق وقبولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم، فأيها الطالب اغتنم الساعة وأن مثل السالك المحتاج إلى المسلك والدين يدعي رواته ويتمسك به كمثل غريق في البحر محتاج إلى سائح كامل في ضيعته لينجيه من الغرق، فيتثبت به غريق في البحر وهو يأخذ بيديه لينجيه فيهلكان جميعاً، فالواجب على الطالب المحقق أن يتمسك بدليل إرادة صاحب ولاية له في هذه الشأن مسلك كامل ويستسلم لأحكامه، ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على الله إلا هالك {لاَ يَضُرُّكُمْ} [المائدة: 105]، أيها الطالبون {مَّن ضَلَّ} [المائدة: 105]، من المغرقين {إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، إلى الحق { إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [المائدة: 105]، أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق، والعصيان نزلت في منذر بن عمر وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر فيدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: لا يضركم من ضل من أهل هجر إذا إهتديتم إلى الله يعني: آمنتم بالله {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105]؛ أي: فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم، والمعنى ليس للطالب أن يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بأن يقبله ليربيه، ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم أمر سلوكه بتسليكم مسلك كامل واصل، ثم إن يرى شيخان له رتبة الشيخوخة فينتبه بإشارة الحق في مقام التربية ودعوة الخلق إلى الحق فحينئذ يجوز له أن يكون هادياً مرشداً للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى: {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} تفسير : [الرعد: 7]، فأما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن قط مريداً يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته حرصاً لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه، وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والسر الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثون كلما مات ولله منهم يجلسون ابنه مقام صغيراً كان أو كبيراً ويلبسون منه الخرقة ويتبركون به وينزلونه منازل المساعي، فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فأنذرت آثارها والله أعلم بأخبارها. ثم أخبر عن كيفية الوصية لقوله تعالى: {يِآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} [المائدة: 106]، إشارة إن الخطاب في قوله تعالى: {يِآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [المائدة: 106]، مع الروح وصفاته أن آمنتم إيمان المجتهدين في جهاد الأكبر شهادة بينكم {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} [المائدة: 106]؛ أي: النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضيات والمجاهدات {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} [المائدة: 106]، والوصيان {ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ} [المائدة: 106]، هما العقل والسر {مِّنْكُمْ} [المائدة: 106]؛ أي: من الروحانيات {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [المائدة: 106]؛ يعني: من غير الروحانيات وهما الوهم والخيال من النفسانيات فالعقل والسر يشهدان بالحق، وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات والوهم والخيال يتحملان الصدق والكذب في الشهادة {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} [المائدة: 106]؛ أي: سافرتم في السفليات {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} [المائدة: 106]؛ أي: تصيب النفس جذبة الحق فتموت {تَحْبِسُونَهُمَا} [المائدة: 106]؛ أي: الشاهدين العقل والسر والوهم والخيال إن كنتم في بعد من الروحانيات {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} [المائدة: 106]، بعد حضور جامع الله تعالى وتوجهها إلى الحق ومراقبة ثابتة {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} [المائدة: 106]، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} [المائدة: 106]، يدفعان تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يتصرفان في شيء من السفليات، ولا يميلان إلى حظ من حظوظها وإن كل خلق وصفة ذميمة ورثها القلب من النفس يجعلها خلقاً محمودة وصفة حميدة؛ لأن النفس كانت تشتمل تلك الصفة في السفليات وكانت ذميمة تستعملها القلب في العلويات فتكون حميدة مثاله أن الحرص صفة من صفات النفس، وهي تستعمله في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها فصارت ذميمة ويستعمله القلب في طلب الآخرة والمقامات وتحصيل العلوم والظلمات فيكون محموداً وعلى هذا النفس الباقي {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا} [المائدة: 107]؛ يعني: الوصيين من العقل والسر والوهم والخيال {ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} [المائدة: 107]، بأنهما قصرا في أداء حق الوصية ومالا إلى حظ من الحظوظ السفلية {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} [المائدة: 107]، يعني: مقام النصرانيين في استفاء حقوقهما {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} [المائدة: 107]، وهما من صفات التذكر والتفكر الصاحب ينظر أن في عواقب الأمور، ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا، وإن الباقي خير من الفاني وذلك قوله {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} [المائدة: 107]، لأنهما أعني الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ فيما كتما من الحقوق والتذكر والتفكر يميلان إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} [المائدة: 107]، في حفظ الحقوق {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [المائدة: 107]، الواضعين الحظوظ في مقام الحقوق ذلك أدنى إلى الحق وأقرب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها سلوك الصراط المستقيم، فإنكم إذا صلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم، ولم يهتد إلى الدين القويم، وإنما يضر نفسه. ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضر العبدَ تركُهما وإهمالُهما، فإنه لا يتم هداه، إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، إذا كان عاجزا عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال غيره. وقوله: { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } أي: مآلكم يوم القيامة، واجتماعكم بين يدي الله تعالى. { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} [105] 177- أنا عتبة بن عبد الله، أنا عبد الله بن المبارك، أنا إسماعيل، عن قيس قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن القوم إذا رأوا المُنكر لم يُغيِّروه، عمهم الله بعقاب ".

همام الصنعاني

تفسير : 758- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن، عن ابن مسعود، سأله رجُلٌ عن قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}: [الآية: 105]، فقال: إنَّ هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة ولكنه قد أوشك أن يأتيَ زمانُها، تأمرون بالمعروف، فيصنع بكم كذا وكذا، أو قال: فلا يقبل منكم، فحينئذٍ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}: [الآية: 105]. 759- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن رجل قال: كنت في خلافة عثمان بالمدينة في حَلْقةٍ فيهِمء أصْحابُ النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ يُسْنِدُونَ إليْهِ حسبت أنه أُبَيُّ بن كعب فقرأ رجُلٌ: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ}، [الآية: 105]، فقال الشيخ: إنما تأويلها في آخر الزمان.