٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
106
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية}. اعلم أنه تعالى: لما أمر بحفظ النفس في قوله {أية : عليكم أنفسكم} تفسير : [المائدة: 105] أمر بحفظ المال في قوله {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اتفقوا على أن سبب نزول هذه الآية أن تميماً الداري وأخاه عدياً كانا نصرانيين خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً مهاجراً، خرجوا للتجارة فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وألقاه فيما بين الأقمشة ولم يخبر صاحبه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل فأخذا من متاعه إناء من فضة منقوشاً بالذهب ثلثمائة مثقال، ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، ففتشوا فوجدوا الصحيفة، وفيها ذكر الإناء، فقالوا لتميم وعدي: أين الإناء؟ فقالا لا ندري، والذي رفع إلينا دفعناه إليكم، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية. المسألة الثانية: قوله {شهادة بينكم} يعني شهادة ما بينكم وما بينكم كناية عن التنازع والتشاجر، وإنما أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند وقوع التنازع، وحذف ما من قوله {شهادة بينكم} جائز لظهوره، ونظيره قوله {أية : هذا فراق بيني وبينك} تفسير : [الكهف: 78] أي ما بيني وبينك، وقوله {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : [الأنعام: 94] وفي قراءة نصب، وقوله {إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية} يعني الشهادة المحتاج إليها عند حضور الموت، وحين الوصية بدل من قوله {إذا حضر أحدكم} لأن زمان حضور الموت هو زمان حضور الوصية، فعرف ذلك الزمان بهذين الأمرين الواقعين فيه، كما يقال: ائتني إذا زالت الشمس حين صلاة الظهر، والمراد بحضور الموت مشارفته وظهور أمارات وقوعه، كقوله {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية} تفسير : [البقرة: 180] قالوا وقوله {إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية} دليل على وجوب الوصية، لأنه تعالى جعل زمان حضور الموت غير زمان الوصية، وهذا إنما يكون إذا كانا متلازمين، وإنما تحصل هذه الملازمة عند وجوب الوصية. ثم قال تعالى: {اثنان ذوا عدل منكم} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية حذف، والمراد أن يشهد ذوا عدل منكم، وتقدير الآية: شهادة ما بينكم عند الموت الموصوف، هي أن يشهد اثنان ذوا عدل منكم، وإنما حسن هذا الحذف لكونه معلوماً. المسألة الثانية: اختلف المفسرون في قوله {منكم} على قولين: الأول: وهو قول عامة المفسرين أن المراد: اثنان ذوا عدل منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم، وقوله {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} يعني أو شهادة آخرين من غير أهل دينكم وملتكم إذا كنتم في السفر، فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر، وهذا قول ابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وشريح ومجاهد وابن سيرين وابن جريج. قالوا: إذا كان الإنسان في الغربة، ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته، جاز له أن يشهد اليهودي أو النصراني أو المجوسي أو عابد الوثن أو أي كافر كان وشهادتهم مقبولة، ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلا في هذه الصورة قال الشعبي رحمه الله: مرض رجل من المسلمين في الغربة، فلم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري، وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة وقدما تركته ووصيته. فقال أبو موسى: هذا أمر لم يكن بعد لذي كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم حلفهما في مسجد الكوفة بعد العصر، بالله أنهما ما كذبا ولا بدلا وأجاز شهادتهما، ثم إن القائلين بهذا القول، منهم من قال هذا الحكم بقي محكماً ومنهم من قال صار منسوخاً. القول الثاني: وهو قول الحسن والزهري وجمهور الفقهاء: أن قوله {ذوا عدو منكم} أي من أقاربكم وقوله {أو آخران من غيركم} أي من الأجانب إن أنتم ضربتم في الأرض أي إن توقع الموت في السفر، ولم يكن معكم أحد من أقاربكم، فاستشهدوا أجنبيين على الوصية. وجعل الأقارب أولاً لأنهم أعلم بأحوال الميت وهم به أشفق، وبورثته أرحم وأرأف، واحتج الذاهبون إلى القول الأول على صحة قولهم بوجوه. الحجة الأولى: أنه تعالى قال في أول الآية {يا أيها الذين آمنوا} فعم بهذا الخطاب جميع المؤمنين، فلما قال بعده {أو آخران من غيركم} كان المراد أو آخران من جميع المؤمنين لا محالة. الحجة الثانية: أنه قال تعالى: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} وهذ يدل على أن جواز الاستشهاد بهذين الآخرين مشروط بكون المستشهد في السفر، فلو كان هذان الشاهدان مسلمين لما كان جواز الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر، لأن استشهاد المسلم جائز في السفر والحضر. الحجة الثالثة: الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين من بعد الصلاة، وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه الحلف، فعلمنا أن هذين الشاهدين ليسا من المسلمين. الحجة الرابعة: أن سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من شهادة النصرانيين على بديل وكان مسلماً. الحجة الخامسة: ما روينا أن أبا موسى الأشعري قضى بشهادة اليهوديين بعد أن حلفهما، وما أنكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعاً. الحجة السادسة: أنا إنما نجيز إشهاد الكافرين إذا لم نجد أحداً من المسلمين، والضرورات قد تبيح المحظورات، ألا ترى أنه تعالى أجاز التيمم والقصر في الصلاة، والافطار في رمضان، وأكل الميتة في حال الضرورة، والضرورة حاصلة في هذه المسألة، لأن المسلم إذا قرب أجله في الغربة ولم يجد مسلماً يشهده على نفسه، ولم تكن شهادة الكفار مقبولة فإنه يضيع أكثر مهماته، فإنه ربما وجبت عليه زكوات وكفارات وما أداها. وربما كان عنده ودائع أو ديون كانت في ذمته، وكما تجوز شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء، كالحيض والحبل والولادة والاستهلال لأجل أنه لا يمكن وقوف الرجال على هذه الأحوال، فاكتفينا فيها بشهادة النساء لأجل الضرورة، فكذا ههنا. وأما قول من يقول: بأن هذا الحكم صار منسوخاً فبعيد، لاتفاق أكثر الأمة على أن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وليس فيها منسوخ، واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله {وأشهدوا ذوي عدل منكم} والكافر لا يكون عدلاً. أجاب الأولون عنه: لم لا يجوز أن يكون المراد بالعدل من كان عدلاً في الاحتراز عن الكذب، لا من كان عدلاً في الدين والاعتقاد، والدليل عليه: أنا أجمعنا على قبول شهادة أهل الأهواء والبدع، مع أنهم ليسوا عدولاً في مذاهبهم، ولكنهم لما كانوا عدولاً في الاحتراز عن الكذب قبلنا شهادتهم، فكذا ههنا سلمنا أن الكافر ليس بعدل، إلا أن قوله {أية : وأشهدوا ذوى عدل منكم} تفسير : [الطلاق: 2] عام، وقوله في هذه الآية {إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} خاص فإنه أوجب شهادة العدل الذي يكون منا في الحضر، واكتفى بشهادة من لا يكون منا في السفر، فهذه الآية خاصة، والآية التي ذكرتموها عامة، والخاص مقدم على العام، لا سيما إذا كان الخاص متأخراً في النزول، ولا شك أن سورة المائدة متأخرة، فكان تقديم هذه الآية الخاصة على الآية العامة التي ذكرتموها واجباً بالاتفاق والله أعلم. ثم قال تعالى: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله {أو آخران} عطف على قوله {اثنان} والتقدير: شهادة بينكم أن يشهد اثنان منكم أو آخران من غيركم. المسألة الثانية: قوله {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} المقصود منه بيان أن جواز الاستشهاد بآخرين من غيركم مشروط بما إذا كان المستشهد مسافراً ضارباً في الأرض وحضرت علامات نزول الموت به. ثم قال تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة} وفيه مسائل: المسألة الأولى: تحبسونهما، أي توقفونهما كما يقول الرجل: مرَّ بي فلان على فرس فحبس على دابته أي أوقفها وحبست الرجل في الطريق أكلمه أي أوقفته. فإن قيل: ما موقع تحبسونهما. قلنا: هو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن حصلت الريبة فيهما فقيل تحبسونهما. المسألة الثانية: قوله {من بعد الصلاة} فيه أقوال: الأول: قال ابن عباس من بعد صلاة أهل دينهما، والثاني: قال عامة المفسرين من بعد صلاة العصر. فإن قيل: كيف عرف أن المراد هو صلاة العصر، مع أن المذكور هو الصلاة المطلقة. قلنا: إنما عرف هذا التعيين بوجوه: أحدها: أن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعدها فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ، وثانيها: ما روي أنه لما نزلت هذه الآية صلّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، ودعا بعدي وتميم، فاستحلفهما عند المنبر، فصار فعل الرسول دليلاً على التقييد، وثالثها: أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها. والقول الثالث: قال الحسن المراد بعد الظهر أو بعد العصر، لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. والقول الرابع: أن المراد بعد أداء الصلاة أي صلاة كانت والغرض من التحليف بعد إقامة الصلاة هو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكان احتراز الحالف عن الكذب في ذلك الوقت أتم وأكمل، والله أعلم. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق، والمال إذا بلغ مائتي درهم في الزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يحلف من غير أن يختص الحلف بزمان أو مكان، وهذا على خلاف الآية، ولأن المقصود منه التهويل والتعظيم، ولا شك أن الذي ذكره الشافعي رضي الله عنه أقوى. ثم قال تعالى: {فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربا} وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفاء في قوله {فيقسمان بالله} للجزاء يعني: تحبسونهما فيقدمان لأجل ذلك الحبس على القسم. المسألة الثانية: قوله {إن ارتبتم} اعتراض بين القسم والمقسم عليه. والمعنى: ان ارتبتم في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما، وبهذا يحتج من يقول الآية نازلة في إشهاد الكفار، لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع، ومن قال الآية نازلة في حق المسلم قال إنها منسوخة، وعن علي عليه السلام أنه كان يحلف الشاهد والرواي عند التهمة. المسألة الثالثة: قوله {لا نشتري به ثمناً} يعني يقسمان بالله أنا لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا قائلين لا نشتري به ثمناً، وهو كقوله {أية : إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانكم ثمناً قليلاً} تفسير : [آل عمران: 77] أي لا نأخذ ولا نستبدل، ومن باع شيئاً فقد اشترى ثمنه، وقوله {ولو كان ذا قربى} أي لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا، ولو كان ذلك الشيء حبوة ذي قربى أو نفسه، وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بسببهم أعظم، وهو كقوله{أية : كونوا قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} تفسير : [النساء: 135]. ثم قال تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} وفيه مسألتان: الأولى: هذا عطف على قوله {لا نشتري به ثمناً} يعني أنهما يقسمان حال ما يقولان لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وإظهارها. المسألة الثانية: نقل عن الشعبي أنه وقف على قوله {شهادة} ثم ابتدأ الله بالمد على طرح حرف القسم. وتعويض حرف الاستفهام منه، وروي عنه بغير مد على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول الله لقد كان كذا، والمعنى تالله. ثم قال تعالى: {إنا إذاً لمن الآثمين} يعني إذا كتمناها كنا من الآثمين.
القرطبي
تفسير : فيه سبع وعشرون مسألة: الأُولى ـ قال مكيّ ـ رحمه الله ـ: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحُكماً؛ قال ٱبن عطية: هذا كلام من لم يقع له الثلجُ في تفسيرها؛ وذلك بيّن من كتابه رحمه الله. قلت: ما ذكره مكيّ ـ رحمه الله ـ ذكره أبو جعفر النحاس قبلَه أيضاً، ولا أعلم خلافاً أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الدارِيّ وعديّ بن بَدّاء. روى البخاريّ والدارقطنيّ وغيرهما عن ٱبن عباس قال: حديث : كان تميم الدارِيّ وعدِيّ بن بدَّاء يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتًى من بني سهم فتُوفّي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما؛ فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاماً من فضة مخوَّصاً بالذهب، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما كتمتما ولا ٱطلعتما» ثم وُجد الجامُ بمكة فقالوا: اشتريناه من عَدِي وتَميم، فجاء رجلان من ورثة السهميّ فحلفا أن هذا الجام للسهميّ، ولَشهادتنا أحق من شهادتهما وما ٱعتدينا؛ قال: فأخذوا الجام؛ وفيهم نزلت هذه الآيةتفسير : . لفظ الدّارَقُطنيّ. وروى الترمذيّ عن تميم الدارِيّ في هذه الآية. {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} بَرِىء منها الناس غيري وغير عديّ بن بَدّاء ـ وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتَيَا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولىً لبني سهم يقال له: بُدَيل ابن أبي مريم بتجارة، ومعه جَامٌ من فضة يريد به الملِك، وهو عُظْم تجارته، فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهلَه؛ قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناها أنا وعديّ بن بدّاء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره؛ قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثّمت من ذلك، فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله عز وجل {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قوله {بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدِيّ بن بدّاء. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. وذكر الواقديّ أن الآيات الثلاث نزلت في تميم وأخيه عديّ، وكانا نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ٱبن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجراً، فخرج مع تميم وأخيه عديّ؛ وذكر الحديثَ. وذكر النقاش قال: نزلت في بُدَيل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهميّ؛ كان خرج مسافراً في البحر إلى أرض النجاشيّ، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تَميماً وكان من لَخْم وعدِيّ بن بدّاء، فمات بُديل وهم في السفينة فرمى به في البحر، وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال: أبلِغا هذا المتاع أهلي، فلما مات بديل قبضا المال، فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال، منقوشاً مموّهاً بالذهب؛ وذكر الحديث. وذكره سُنيد وقال: فلما قدموا الشام مرض بُدَيل وكان مسلماً؛ الحديث. الثانية ـ قوله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} ورد «شهد» في كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة: منها قوله تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ} قيل: معناه أحضروا. ومنها «شَهِد» بمعنى قضى أي أعلم؛ قاله أبو عبيدة؛ كقوله تعالى: { أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [آل عمران: 18]. ومنها «شَهِد» بمعنى أقرّ؛ كقوله تعالى: { أية : وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ } تفسير : [النساء: 166]. ومنها «شَهِد» بمعنى حكم. قال الله تعالى { أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ } تفسير : [يوسف: 26]. ومنها «شَهِد» بمعنى حلف؛ كما في اللِّعان. «وشَهِد» بمعنى وَصَّى؛ كقوله تعالى: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}. وقيل: معناها هنا الحضور للوصية؛ يقال: شَهِدت وصية فلان أي حضرتها. وذهب الطبريّ إلى أن الشهادة بمعنى اليمين؛ فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف ٱثنان؛ واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدّى للمشهود له بأنه لا يُعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمينٌ. واختار هذا القول القَفَّال. وسميت اليمين شهادة؛ لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة. واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تُحفظ فتؤدّى، وضعّف كونها بمعنى الحضور واليمين. الثالثة ـ قوله تعالى: {بَيْنِكُمْ} قيل: معناه ما بينكم فحذفت «ما» وأُضيفت الشهادة إلى الظرف، وٱستعمل ٱسماً على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة؛ كما قال: شعر : ويوماً شهدناه سُلَيما وعامرا تفسير : أراد شهدنا فيه. وقال تعالى: { أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33] أي مكركم فيهما. وأنشد: شعر : تُصافح من لاقيتَ لي ذا عداوة صِفَاحا وعنِّي بين عَيْنَيْكَ مُنْزَوِي تفسير : أراد ما بين عينيك فحذف؛ ومنه قوله تعالى: { أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } تفسير : [الكهف: 78] أي ما بيني وبينك. الرابعة ـ قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ} معناه إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت. وهذا كقوله تعالى: { أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 98]. وكقوله: { أية : إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] ومثله كثير. والعامل في «إذَا» المصدر الذي هو «شَهَادَةُ». الخامسة ـ قوله تعالى: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} «حين» ظرف زمان والعامل فيه «حَضَرَ». وقوله: «ٱثْنَانِ» يقتضي بمطلقه شخصين، ويحتمل رجلين، إلا أنه لما قال بعد ذلك: «ذَوَا عَدْلٍ» بيّن أنه أراد رجلين؛ لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر، كما أن { أية : ذَوَاتَآ } تفسير : [الرحمن: 48] لا يصلح إلا للمؤنث. وارتفع «ٱثنان» على أنه خبر المبتدأ الذي هو «شَهَادَةُ»؛ قال أبو عليّ: «شَهَادَةُ» رفع بالابتداء والخبر في قوله: «ٱثْنَانِ»؛ التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة ٱثنين؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه؛ كما قال تعالى: { أية : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] أي مثل أُمهاتهم. ويجوز أن يرتفع «ٱثنان» بـ «شهادة»؛ التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان، أو ليقم الشهادة اثنان. السادسة ـ قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} «ذَوَا عَدْلٍ» صفة لقوله: «اثْنَانِ» و «منكم» صفة بعد صفة. وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي أو شهادة آخرين من غيركم؛ فمن غيركم صفة لآخرين. وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية، والتحقيق فيه أن يقال: اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: الأوّل ـ أن الكاف والميم في قوله: «مِنْكُمْ» ضمير للمسلمين {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} للكافرين؛ فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية، وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرّر من الأحاديث. وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل؛ أبو موسى الأشعريّ، وعبد الله بن قيس، وعبد الله بن عباس؛ فمعنى الآية من أوّلها إلى آخرها على هذا القول؛ أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين؛ فإن كان في سفر وهو الضّرب في الأرض، ولم يكن معه أحد من المؤمنين، فليُشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بَدّلا، وأن ما شهِدا به حق، ما كتما فيه شهادة وحُكِم بشهادتهما؛ فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا، ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصِي في السفر، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما. هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعريّ، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر؛ وسعيد بن جبير وأبي مجْلَز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلمانيّ؛ وٱبن سِيرين ومجاهد وقتادة والسديّ وابن عباس وغيرهم. وقال به من الفقهاء سفيان الثوريّ؛ ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به. وٱختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين؛ كلهم يقولون «مِنكم» من المؤمنين ومعنى {مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني الكفار. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة؛ وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة. والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشُرَيْح وغيرهما. القول الثاني ـ أن قوله سبحانه: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} منسوخ؛ هذا قول زيد بن أسلم والنخعيّ ومالك؛ والشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض؛ ولا تجوز على المسلمين؛ وٱحتجوا بقوله تعالى: { أية : مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ } تفسير : [البقرة: 282] وقوله: { أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ } تفسير : [الطلاق: 2]؛ فهؤلاء زعموا أن آية الدّيْن من آخر ما نزل؛ وأن فيها {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} فهو ناسخ لذلك؛ ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة؛ فجازت شهادة أهل الكتاب؛ وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار؛ وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفُسّاق لا تجوز؛ والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم. قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه؛ وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم؛ وأما مع وجود مسلم فلا؛ ولم يأت ما ٱدعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل؛ وقد قال بالأوّل ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره؛ ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوّي هذا أن سورة «المائدة» من آخر القرآن نزولاً حتى قال ٱبن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها. وما ٱدعوه من النّسخ لا يصح؛ فإن النّسخ لا بدّ فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ؛ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخاً؛ فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة؛ ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات؛ ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة؛ فليس فيما قالوه ناسخ. القول الثالث ـ أن الآية لا نسخ فيها؛ قاله الزهريّ والحسن وعِكرِمة؛ ويكون معنى قوله: «مِنْكُمْ» أي من عشيرتكم وقرابتكم؛ لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان. ومعنى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير القرابة والعشيرة؛ قال النحاس: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية؛ وذلك أن معنى «آخَر» في العربية من جنس الأوّل؛ تقول: مررت بكريم وكريم آخر؛ فقوله «آخر» يدل على أنه من جنس الأوّل؛ ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر؛ ولا مررت برجل وحمار آخر؛ فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي عدلان؛ والكفار لا يكونون عدولاً فيصح على هذا قول من قال «مِنْ غَيْرِكُمْ» من غير عشيرتكم من المسلمين. وهذا معنى حسن من جهة اللسان؛ وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله؛ لأن المعنى عندهم {مِنْ غَيْرِكُمْ} من غير قبيلتكم؛ على أنه قد عورض هذا القول بأنّ في أوّل الآية {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فخوطب الجماعة من المؤمنين. السابعة ـ ٱستدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم؛ قال: ومعنى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير أهل دينكم؛ فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض؛ فيقال له: أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية؛ لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها؛ فلا يصح احتجاجك بها. فإن قيل: هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق؛ ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه، وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل الذمة أولى؛ ثم دلّ الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين؛ فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين؛ فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى. والله أعلم. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي سافرتم؛ وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} فأوصيتم إلى ٱثنين عدلين في ظنكم؛ ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما؛ وادّعوا عليهما خيانة؛ فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصَّلاة؛ أي تستوثقوا منهما؛ وسمى الله تعالىٰ الموت في هذه الآية مصيبة؛ قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمىٰ؛ ورزِية كبرىٰ؛ فأعظم منه الغفلة عنه؛ والإعراض عن ذكره؛ وترك التفكر فيه؛ وترك العمل له؛ وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر؛ وفكرة لمن تفكّر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سميناً » تفسير : . ويروى أن أعرابياً كان يسير على جمل له؛ فخر الجمل ميتاً فنزل الأعرابيّ عنه؛ وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟! مالك لا تنبعث؟! هذه أعضاؤك كاملة؛ وجوارحك سالمة؛ ما شأنك؟! ما الذي كان يحملك؟! ما الذي كان يبعثك؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن الحركة منعك؟! ثم تركه وانصرف متفكراً في شأنه؛ متعجباً من أمره. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {تَحْبِسُونَهُمَا} قال أبو علي: {تَحْبِسُونَهُمَا} صفة لـ «ـآخران» واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: «إنْ أَنْتُمْ». وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حقّ؛ والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجّلاً؛ ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلاَّ مؤجلاً؛ فإن خُلّي مَنْ عليه الحق غاب واختفى وبطل الحَق وتوِي فلم يكن بدّ من التوثق منه؛ فإما بعِوض عن الحق وهو المسمى رهناً؛ وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحمِيل؛ وهو دون الأوّل؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره؛ ولكن لا يمكن أكثر من هذا؛ فإن تعذرا جميعاً لم يبق إلاَّ التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق؛ أو تَبيّن عسرته. العاشرة ـ فإن كان الحق بدنياً لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلاً؛ لم يكن فيه إلاَّ التوثق بسجنه؛ ولأجل هذه الحكمة شرِع السجن؛ روى أبو داود والترمذيّ وغيرهما عن بَهْزِ بن حكِيم عن أبيه عن جده: حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمةتفسير : . وروى أبو داود عن عمرو بن الشَّرِيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعُقوبَته » تفسير : . قال ٱبن المبارك يحلُّ عِرضَه يُغَلّظ له، وعقوبته يُحبَس له. قال الخطّابي: الحبس على ضربين؛ حبس عقوبة، وحبس ٱستظهار، فالعقوبة لا تكون إلاَّ في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه؛ وقد روي أنه حَبَس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثم خَلّى عنه. وروى معمر عن أيوب عن ٱبن سيرين قال: كان شُرَيح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلاَّ أمر به إلى السجن. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} يريد صلاة العصر؛ قاله الأكثر من العلماء؛ لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة. وقال الحسن: صلاة الظهر. وقيل: أي صلاة كانت. وقيل: من بعد صلاتهما على أنهما كافران؛ قاله السديّ. وقيل: إن فائدة اشتراطه بعد الصَّلاة تعظيماً للوقت، وإرهاباً به، لشهود الملائكة ذلك الوقت؛ وفي الصحيح: « حديث : من حلف على يمين كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه غضبان ».تفسير : الثانية عشرة ـ هذه الآية أصل في التغليظ في الإيمان، والتغليظ يكون بأربعة أشياء: أحدها ـ الزمان كما ذكرنا. الثاني؛ المكان كالمسجد والمنبر، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه حيث يقولون: لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها؛ وإلى هذا القول ذهب البخاريّ ـ رحمه الله ـ حيث ترجم «باب يَحلِف المدَّعَى عليه حيثما وجَبَت عليه اليمينُ ولا يُصرَف من موضع إلى غيره». وقال مالك والشافعي: ويُجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من أعمالها، فيحلف بين الركن والمقام، ويُجلب إلى المدينة من كان من أعمالها، فيحلف عند المنبر. الثالث ـ الحال؛ روى مُطَرِّف وابن الماجِشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائماً مستقبل القبلة؛ لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر. وقال ابن كنانة: يحلف جالساً؛ قال ابن العربيّ: والذي عندي أنه يحلف كما يُحكم عليه بها إن كان قائماً فقائماً وإن جالساً فجالساً إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من قيام أو جلوس. قلت: قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث عَلْقَمة بن وائل عن أبيه: «فانطلق ليحلف» القيامَ ـ والله أعلم ـ أخرجه مسلم. الرابع ـ التغليظ باللفظ؛ فذهبت طائفة إلى الحلف بالله لا يزيد عليه؛ لقوله تعالىٰ: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} وقوله: { أية : قُلْ إِي وَرَبِّيۤ } تفسير : [يونس: 53] وقال: { أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 57] وقوله عليه السَّلام: « حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو لِيَصْمُتْ » تفسير : . وقول الرجل: والله لا أُزيد عليهنّ. وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلاَّ هو ما له عندي حق، وما ٱدّعاه عليّ باطل؛ والحجة له ما رواه أبو داود حدّثنا مسدّد قال حدّثنا أبو الأحوص قال حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ـ يعني لرجل حلفه ـ: « حديث : ٱحلف بالله الذي لا إلٰه إلاَّ هو ما له عندك شيء » تفسير : يعني للمدّعي؛ قال أبو داود: أبو يحيى اسمه زياد كُوفي ثقةٌ ثَبْت. وقال الكوفيون: يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين؛ فيحلفه بالله الذي لا إلٰه إلاَّ هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وزاد أصحاب الشافعيّ التغليظ بالمصحف. قال ابن العربي: وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة. وزعم الشافعيّ أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويأمر أصحابه بذلك ويرويه عن ابن عباس، ولم يصح. قلت: وفي كتاب «المهذب» وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي عن مُطرِّف أن ابن الزبير كان يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرّفاً بصنعاء يحلف على المصحف؛ قال الشافعيّ: وهو حَسَنٌ. قال ابن المنذرِ: وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف. قلت: قد تقدّم في الأيمان: وكان قتادة يحلف بالمصحف. وقال أحمد وإسحق: لا يكره ذلك؛ حكاه عنهما ابن المنذر. الثالثة عشرة ـ ٱختلف مالك والشافعي من هذا الباب في قدر المال الذي يحلف به في مقطع الحق؛ فقال مالك: لا تكون اليمين في مقطع الحق في أقل من ثلاثة دراهم قياساً على القطع، وكلُّ مال تقطع فيه اليد وتسقط به حرمة العَضْو فهو عظيم. وقال الشافعيّ: لا تكون اليمين في ذلك في أقلَّ من عشرين ديناراً قياساً على الزكاة، وكذلك عند مِنْبَر كل مسجد. الرابعة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} الفاء في {فَيُقْسِمَانِ} عاطفة جملة على جملة، أو جواب جزاء؛ لأن {تَحْبِسُونَهُمَا} معناه احبسوهما، أي لليمين؛ فهو جواب الأمر الذي دل عليه الكلام كأنه قال: إذا حبستموهما أقسما؛ قال ذو الرُّمة: شعر : وَإنسانُ عيْني يَحْسِرُ الماءَ مرةً فيَبْدوا وتَاراتٍ يَجِمّ فَيَغْرَقُ تفسير : تقديره عندهم: إذا حسر بدا. الخامسة عشرة ـ واختلف مَن المراد بقوله: {فَيُقْسِمَانِ}؟ فقيل: الوصيان إذا ٱرتيب في قولهما. وقيل: الشاهدان إذا لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم حلّفهما. قال ٱبن العربيّ مبطلاً لهذا القول: والذي سمعت ـ وهو بدعة ـ عن ابن أبي ليلى أنه يحلِّف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا به حق؛ وحينئذٍ يُقْضَى له بالحق؛ وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحاكم بالقبض فيحلف إنه لباق، وأما غير ذلك فلا يلتفت إليه؛ هذا في المدعى فكيْف يحبس الشاهد أو يُحلَّف؟ٰ هذا ما لا يلتفت إليه. قلت: وقد تقدّم من قول الطبريّ في أنه لا يُعلَم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين. وقد قيل: إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مُدَّعى عليهما، حيث ٱدّعى الورثة أنهما خانا في المال. السادسة عشرة ـ قوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلاَّ به، ومتى لم يقع رَيْبٌ ولا اختلاف فلا يمين. قال ابن عطية: أما أنه يظهر من حكم أبي موسى في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها؛ روى أبو داود عن الشعبيّ: أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقَاء هذه، ولم يجد أحداً من المسلمين حضره يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدِما الكوفة فأتيا الأشعريّ فأخبراه؛ وقدِما بتركته ووصيته؛ فقال الأشعريّ: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأحلفهما بعد العصر: «بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدّلا ولا كتما ولا غيّرا وإنها لوصِية الرجل وتركته» فأمضى شهادتهما. قال ابن عطية: وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة، وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهم دون بعض، وتقع مع ذلك اليمين عنده؛ وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلاَّ أن يكون الإرتياب في خيانة أو تعدّ بوجه من وجوه التعدّي؛ فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكِر لا على أنّه تكميل للشهادة. قال ابن العربيّ: يمين الريبة والتهمة على قسمين: أحدهما ـ ما تقع الريبة فيه بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين. الثاني ـ التهمة المطلقة في الحقوق والحدود، وله تفصيل بيانه في كتب الفروع؛ وقد تحققت هٰهنا الدعوى وقويت حسبما ذكر في الروايات. السابعة عشرة ـ الشرط في قوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} يتعلق بقوله: {تَحْبِسُونَهُمَا} لا بقوله {فَيُقْسِمَانِ} لأن هذا الحبس سبب القسم. الثامنة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضاً نأخذه بدلاً مما أوصى به، ولا ندفعه إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا. وإضمار القول كثير، كقوله: { أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم }. تفسير : [الرعد: 23-24] أي يقولون سلام عليكم. والاشتراء هٰهنا ليس بمعنى البيع، بل هوالتحصيل. التاسعة عشرة ـ اللام في قوله: {لاَ نَشْتَرِي} جواب لقوله: {فَيُقْسِمَانِ} لأن أقسم يلتقي بما يلتقي به القسم؛ وهو «لا» و «ما» في النفي، «وإنّ» واللام في الإيجاب. والهاء في «به» عائد على ٱسم الله تعالى، وهو أقرب مذكور؛ المعنى: لا نبيع حظنا من الله تعالىٰ بهذا العَرَض. ويحتمل أن يعود على الشهادة وذُكِّرت على معنى القول؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : وٱتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب » تفسير : فأعاد الضمير على معنى الدعوة الذي هو الدعاء، وقد تقدّم في سورة «النساء». الموفية عشرين ـ قوله تعالىٰ: «ثَمَناً» قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن أي سلعة ذا ثمن، فحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه. وعندنا وعند كثير من العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة؛ فإن الثمن عندنا مشترًى كما أن المثمون مشترًى؛ فكل واحد من المبيعين ثمناً ومثموناً كان البيع دائراً على عَرْض ونَقْد، أو على عرضين، أو على نقْديْن؛ وعلى هذا الأصل تنبني مسألة: إذا أفلس المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به؟ قال أبو حنيفة: لا يكون أولى به؛ وبناه على هذا الأصل، وقال: يكون صاحبها أُسوة الغرماء. وقال مالك: هو أحق بها في الفَلَس دون الموت. وقال الشافعيّ: صاحبها أحق بها في الفلس والموت. تمسّك أبو حنيفة بما ذكرنا، وبأن الأصل الكليّ أن الديْن في ذمة المفلِس والميت، وما بأيديهما محل للوفاء؛ فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أعيان السِّلَع موجودة أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها ووجبت أثمانُها لهم في الذمة بالإجماع، فلا يكون لهم إلاَّ أثمانها أو ما وُجد منها. وخَصّص مالك والشافعيّ هذه القاعدة بأخبار رُويت في هذا الباب رواها الأئمة أبو داود وغيره. الحادية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ} أي ما أعلمنا الله من الشهادة. وفيها سبُع قراءات، من أرادها وجدها في «التحصيل» وغيره. الثانية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} قال عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام. وقال الزجاج: أصعب ما في القرآن من الإعراب قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}. عثر على كذا أي ٱطلع عليه؛ يُقال: عثرت منه على خيانة أي ٱطلعت، وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالىٰ: { أية : وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } تفسير : [الكهف: 21]. لأنهم كانوا يطلبونهم وقد خفِي عليهم موضعهم؛ وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء؛ ومنه قولهم: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا وقعت إصبعه بشيء صدمته، وعثرت إصبع فلان بكذا إذا صدمته فأصابته ووقعت عليه. وعثر الفرس عِثاراً؛ قال الأعشىٰ: شعر : بذاتِ لَوْث عَفَرْنَاةٍ إذا عَثَرَتْ فالتَّعْسُ أدْنَى لها مِنْ أَنْ أقول لَعَا تفسير : والعِثْيَر الغبار الساطع؛ لأنه يقع على الوجه، والعَثْيَر الأثر الخفيّ لأنه يوقع عليه من خَفَاء. والضمير في «أَنَّهُمَا» يعود على الوصيَّيْن اللَّذَيْن ذُكِرا في قوله عزّ وجلّ: «ٱثْنَانِ» عن سعيد بن جبير. وقيل: على الشاهدين؛ عن ٱبن عباس. و «ٱسْتَحَقَّا» أي ٱستوجبا «إثْماً» يعني بالخيانة، وأخذهما ما ليس لهما، أو باليمين الكاذبة أو بالشهادة الباطلة. وقال أبو علي: الإثم هنا ٱسم الشيء المأخوذ؛ لأن آخذه بأخذه آثِمٌ؛ فسمي إثْماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه؛ المظلمة ٱسم ما أخذ منك؛ فكذلك سمي هذا المأخوذ بٱسم المصدر وهو الْجَامُ. الثالثة والشعرون ـ قوله تعالىٰ: {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} يعني في الأيمان أو في الشهادة؛ وقال «آخَرَانِ» بحسب أن الورثة كانا ٱثنين. وٱرتفع «آخران» بفعل مضمر «يَقُومَانِ» في موضع نعت. «مَقَامَهُمَا» مصدر، وتقديره: مقاماً مثل مقامِهما، ثم أُقيم النعت مقام المنعوت، والمضاف مقام المضاف إليه. الرابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} قال ابن السَّرِيّ: المعنى استحق عليهم الإيصاء؛ قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ لأنه لا يُجعل حرف بدلاً من حرف؛ وٱختاره ابن العربي؛ وأيضاً فإن التفسير عليه؛ لأن المعنى عند أهل التفسير: من الذين استحقت عليهم الوصية. و «الأَوْلَيَانِ» بدل من قوله: «فآخَرَانِ» قاله ابن السَّرِيّ، واختاره النحاس، وهو بدل المعرفة من النكرة وإبدال المعرفة من النكرة جائز. وقيل: النكرة إذا تقدّم ذكرها ثم أُعيد ذكرها صارت معرفة؛ كقوله تعالىٰ: { أية : كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } تفسير : [النور: 35] ثم قال: { أية : ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } تفسير : [النور: 35] ثم قال: {أية : ٱلزُّجَاجَةُ}.تفسير : [النور:35] وقيل: هو بدل من الضمير في «يَقُومَانِ» كأنه قال: فيقوم الأوليان، أو خبر ٱبتداء محذوف؛ التقدير: فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان. وقال ٱبن عيسى: «الأَوْلَيَانِ» مفعول «ٱسْتُحِقَّ» على حذف المضاف؛ أي ٱستحق فيهم وبسببهم إثم الأوليين، فعليهم بمعنى فيهم، مثل { أية : عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ } تفسير : [البقرة: 102] أي في ملك سليمان. وقال الشاعر: شعر : متى ما تُنكروها تَعرفوها على أَقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ تفسير : أي في أقطارها. وقرأ يحيى بن وَثّاب والأعمش وحمزة «الأَوَّلِينَ» جمع أوّل على أنه بدل من «الَّلذِينَ» أو من الهاء والميم في «عَلَيْهمُ». وقرأ حفص: «ٱسْتَحَقَّ» بفتح التاء والخاء، ورُوي عن أبيّ بن كعب: وفاعله «الأَولَيان» والمفعول محذوف، والتقدير: من الذين ٱستحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وقيل: استحق عليهم الأَوليان ردّ الأيمان. وروي عن الحسن: «الأَوَّلاَنِ». وعن ابن سيرين: «الأَوَّلَيْنِ» قال النحاس: والقراءتان لَحْنٌ؛ لا يُقال في مُثنّى: مثَنَّان، غير أنه قد روي عن الحسن «الأَوَّلاَنِ». الخامسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} أي يحلفان الآخران اللذان يقومان مقام الشاهدين «أن الذي قال صاحبنا في وصيته حق، وأن المال الذي وصَّى به إليكما كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هذا الإنَاء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما» فذلك قوله: {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا} أي يميننا أحق من يمينهما؛ فصح أن الشهادة قد تكون بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالىٰ: { أية : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ } تفسير : [النور: 6]. وقد روى مَعمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عَبِيدة قال: قام رجلان من أولياء الميت فحلفا. {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ} ابتداء وخبر. وقوله: {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} أي تجاوزنا الحق في قَسَمنا. {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أي إن كنا حلفنا على باطل، وأخذنا ما ليس لنا. السادسة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ} ابتداء وخبر. {أَن} في موضع نصب. {يَأْتُواْ} نصب بـ «ـأن». {أَوْ يَخَافُوۤاْ} عطف عليه. {أَن تُرَدَّ} في موضع نصب بـ «ـيَخَافُوا». {أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} قيل: الضمير في «يَأْتُوا» و «يَخَافُوا» راجع إلى الموصى إليهما؛ وهو الأليق بمساق الآية. وقيل: المراد به الناس، أي أحرى أن يحذر الناس الخيانة فيشهدوا بالحق خوف الفضيحة في ردّ اليمين على المدّعي، والله أعلم. السابعة والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ} أمر؛ ولذلك حذفت منه النون، أي ٱسمعوا ما يُقال لكم، قابلين له، متبعين أمر الله فيه. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} فَسَقَ يَفْسِق وَيفْسُق إذا خرج من الطاعة إلى المعصية، وقد تقدّم، والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد ابن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون، وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير: بل هو محكم، ومن ادعى نسخه، فعليه البيان، فقوله تعالى: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} هذا هو الخبر لقوله: شهادة بينكم، فقيل: تقديره: شهادة اثنين، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان. وقوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ} وصف الاثنين بأن يكونا عدلين. وقوله: {مِنكُمْ} أي: من المسلمين. قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} قال: من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نحو ذلك. قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى ذلك {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي: من أهل الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما. وقوله: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد ابن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب، ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، نحو ذلك. وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: منكم، أن المراد: من قبيلة الموصي، يكون المراد ههنا: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي: من غير قبيلة الموصي. وروى ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله. وقوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: سافرتم {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية؛ كما صرح بذلك شريح القاضي. قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية، ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله. وقد روي نحوه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة، فقالوا: لا يجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضاً. وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السنة: أنه لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي، وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض، وعمل الناس بها، رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم. وقال ابن جرير: اختلف في قوله: {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} هل المراد به: أن يوصي إليهما، أو يشهدهما؟ على قولين: (أحدهما): أن يوصي إليهما؛ كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، قال: سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية. قال: هذا رجل سافر، ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين، دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، وفيه انقطاع. (والقول الثاني): أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما، اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة؛ كما في قصة تميم الداري وعدي بن بداء، كما سيأتي ذكرهما آنفاً إن شاء الله، وبه التوفيق. وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال: (لأنا لا نعلم حكماً يحلف فيه الشاهد) وهذا لايمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جارياً على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص، بشهادة خاصة، في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور مالم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرينة الريبة، حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. وقوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ} قال العوفي: قال ابن عباس: يعني: صلاة العصر، وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني: صلاة المسلمين. وقال السدي، عن ابن عباس: يعني: صلاة أهل دينهما. وروي عن عبد الرزاق، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة. وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد. والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} أي: فيحلفان بالله {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا، فيحلفان حينئذ بالله {لاَ نَشْتَرِى بِهِ} أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان {ثَمَنًا} أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} أي: ولو كان المشهود عليه قريباً لنا لا نحابيه {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} أضافها إلى الله تشريفاً لها، وتعظيماً لأمرها، وقرأ بعضهم: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} مجروراً على القسم، رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي، وحكي عن بعضهم أنه قرأها: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} والقراءة الأولى هي المشهورة {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلأَثِمِينَ} أي: إن فعلنا شيئاً من ذلك؛ من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها، أو كتمها بالكلية. ثم قال تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا، أو غلَّا شيئاً من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} هذه قراءة الجمهور {ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} وروي عن علي وأبيَ والحسن البصري أنهم قرؤوها: {استحقّ عليهم الأولان} وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفروي عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قرأ {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقرأ بعضهم، ومنهم ابن عباس: {من الذين استحق عليهم الأوَّلين}. وقرأ الحسن: {من الذين استحق عليهم الأوَّلان} حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك، أي: متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال، {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} أي: لقولنا إنهما خانا، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} أي: فيما قلنا فيهما من الخيانة، {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل، فيدفع برمته إليهم؛ كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام، وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين ابن زياد، حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان، يعني: أبا صالح مولى أم هانىء بنت أبي طالب، عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} قال: برىء الناس منها غيري، وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له: بديل بن أبي مريم، بتجارة، معه جام من فضة: يريد به الملك، وهو أعظم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات، أخذنا ذلك الجام، فبعناه بألف درهم، واقتسمناه أنا وعدي، فلما قدمنا إلى أهله، دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، قلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة، تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا عليه، فأمرهم النبي أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فنزلت: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} إلى قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} فقام عمرو ابن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء، وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، به، فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء، ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث، هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى: أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى: أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لأبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانىء. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جاماً من فضة مخوَّصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجد الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} الآية، وكذا رواه أبو داود عن الحسن ابن علي عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة، وأحمد بن أبي القاسم الكوفي، قيل: إنه صالح الحديث. وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين، منهم: عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف، وصحتها، ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضاً ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا هشيم قال: أخبرنا زكريا عن الشعبي: أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه، قال: فحضرته الوفاة، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري، يعني: أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، فأخبراه، وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدلا، ولا كتما، ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتها، ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بدقوقا، وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، كان سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخراً، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم. وقال أسباط عن السدي في الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ماله وما عليه، قال: هذا في الحضر {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} في السفر {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية، وعرفوا ما لصاحبهم، تركوهما، وإن ارتابوا، رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: كأني أنظر إلى العلجين حتى انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت، وخوفوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن أستحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمناً، ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله، إنا إذا لمن الآثمين، إن صاحبهم بهذا أوصى، وإن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خنتما، فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك، {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ}. رواه ابن جرير. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم وسعيد بن جبير: أنهما قالا في هذه الآية: {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين، فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة، قبل قولهما، وإن اتهموهما، حلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كتمنا، ولا كذبنا، ولا خنا، ولا غيرنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء، فحلفا: بالله إن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد، فذلك قوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} يقول: من الأولياء، فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرين، وتجوز شهادة الأولياء، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله. وقوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي؛ من تحليف الشاهدين الذميين، واستريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي. وقوله: {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله، ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إن ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: {أَوْ يَخَـٰفُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ}، ثم قال: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي: في جميع أموركم، {وَٱسْمَعُواْ} أي: وأطيعوا، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } أي أسبابه {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } خبر بمعنى الأمر أي ليشهد، وإضافة شهادة لـ «بين» على الاتساع، و «حين» بدلٌ من «إذا» أو ظرف لـ «حضر» {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي غير مِلتكم {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ } سافرتم {فِى ٱلأَرْضِ فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا } توقفونهما - صفة «آخران» - { مِن بَعْدِ ٱلصَّلـٰوةِ } أي صلاة العصر {فَيُقْسِمَانِ } يحلفان {بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } شككتم فيها، ويقولان {لاَ نَشْتَرِى بِهِ } بالله {ثَمَناً } عِوَضاً نأخذه بدله من الدنيا بأن نحلف به أو نشهد كذباً لأجله {وَلَوْ كَانَ } المقسم له أو المشهود له {ذَا قُرْبَىٰ } قرابة منا {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ } التي أمرنا بها {إِنَّآ إِذَاً } إن كتمناها {لَّمِنَ ٱلأَثِمِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : قال مكيّ: هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله، يعني من كتاب مكي. قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضاً. قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً. قوله: {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } أضاف الشهادة إلى البين توسعاً لأنها جارية بينهم؛ وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت «ما»، وأضيفت إلى الظرف كقوله تعالى: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33] ومنه قول الشاعر:شعر : تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفايا وعني بين عينيك منزوي تفسير : أراد ما بين عينيك، ومثله قول الآخر:شعر : ويوماً شهدناه سليماً وعامراً تفسير : أي: شهدنا فيه، ومنه قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } تفسير : [الكهف: 78] قيل: والشهادة هنا بمعنى الوصية؛ وقيل بمعنى الحضور للوصية. وقال ابن جرير الطبري: هي هنا بمعنى اليمين، فيكون المعنى: يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد يمين. واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية، واختار أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود. قوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } ظرف للشهادة، والمراد إذا حضرت علاماته، لأن من مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للاهتمام ولكمال تمكن الفاعل عند النفس. وقوله: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ } ظرف لحضر أو للموت، أو بدل من الظرف الأوّل. وقوله: {ٱثْنَانِ } خبر شهادة على تقدير محذوف، أي شهادة اثنين أو فاعل للشهادة على أن خبرها محذوف، أي فيما فرض عليكم شهادة بينكم اثنان على تقدير أن يشهد اثنان، ذكر الوجهين أبو عليّ الفارسي. قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } صفة للاثنان وكذا منكم أي كائنان منكم، أي من أقاربكم {أَوْ آخَرَان} معطوف على {اثنان}، و {مِنْ غَيْرِكُمْ } صفة له، أي كائنان من الأجانب؛ وقيل: إن الضمير في {مّنكُمْ } للمسلمين، وفي {غَيْرِكُمْ } للكفار وهو الأنسب لسياق الآية، وبه قال أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس وغيرهما، فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر، في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي، فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر، فإذا قدما وأدّيا بالشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدّلا، وأن ما شهدا به حق، فيحكم حينئذ بشهادتهما {فَإِنْ عُثِرَ } بعد ذلك {عَلَىٰ أَنَّهُمَا } كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها، هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيـى بن يعمر، وسعيد بن جبير، وأبو مجلز، والنخعي وشريح، وعبيدة السلماني، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والسديّ، والثوري، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل. وذهب إلى الأول: أعني تفسير ضمير {مّنكُمْ } بالقرابة أو العشيرة، وتفسير {مِنْ غَيْرِكُمْ } بالأجانب الزهري والحسن وعكرمة. وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله: {أية : مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء} تفسير : [البقرة: 282] وقوله: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ}تفسير : [الطلاق: 2] والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول، وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة، وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. وأما قوله تعالى: {أية : مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَاء } تفسير : [البقرة: 282] وقوله: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } تفسير : [الطلاق: 2] فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين عامّ وخاص. قوله: {إِنْ أَنتُمْ } هو فاعل فعل محذوف يفسره ضربتم، أو مبتدأ وما بعده خبر، والأوّل: مذهب الجمهور من النحاة، والثاني: مذهب الأخفش والكوفيين، والضرب في الأرض هو السفر. وقوله: {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ } معطوف على ما قبله وجوابه محذوف؛ أي إن ضربتم في الأرض فنزل بكم الموت، وأردتم الوصية، ولم تجدوا شهوداً عليها مسلمين، ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادّعوا عليها خيانة، فالحكم أن تحبسوهما، ويجوز أن يكون استئنافاً لجواب سؤال مقدّر، كأنهم قالوا: فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة؟ فقال: تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم في شهادتهما. وخص بعد الصلاة، أي صلاة العصر، قاله الأكثر لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجراً كما في الحديث الصحيح. وقيل لكونه وقت اجتماع الناس وقعود الحكام للحكومة وقيل صلاة الظهر. وقيل: أيّ صلاة كانت. قال أبو عليّ الفارسي: {تَحْبِسُونَهُمَا } صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف بقوله: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأرْضِ }، والمراد بالحبس: توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما. قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ } معطوف على {تَحْبِسُونَهُمَا } أي: يقسم بالله الشاهدان على الوصية أو الوصيان. وقد استدلّ بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقاً إذا حصلت الريبة في شهادتهما، وفيه نظر؛ لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو لوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها. قوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } جواب هذا الشرط محذوف دلّ عليه ما تقدّم كما سبق. قوله: {لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً } جواب القسم، والضمير في {بِهِ } راجع إلى الله تعالى. والمعنى: لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض النزر، فنحلف به كاذبين لأجل المال الذي ادّعيتموه علينا. وقيل يعود إلى القسم: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من أعراض الدنيا. وقيل يعود إلى الشهادة، وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول، أي لا نستبدل بشهادتنا ثمناً. قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وهذا مبنيّ على أن العروض لا تسمى ثمناً، وعند الأكثر أنها تسمى ثمناً، كما تسمى مبيعاً. قوله: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ } أي ولو كان المقسم له، أو المشهود له قريباً فإنا نؤثر الحق والصدق، ولا نؤثر العرض الدنيوي، ولا القرابة، وجواب "لو" محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي ولو كان ذا قربى، لا نشتري به ثمناً. قوله: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ } معطوف على {لاَ نَشْتَرِى } داخل معه في حكم القسم، وأضاف الشهادة إلى الله سبحانه لكونه الآمر بإقامتها والناهي عن كتمها. قوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً } عثر على كذا: اطلع عليه، يقال عثرت منه على خيانة: أي اطلعت وأعثرت غيري عليه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } تفسير : [الكهف: 21] وأصل العثور الوقوع والسقوط على الشيء، ومنه قول الأعشى:شعر : بذات لوث عَفَرْناةٍ إذ عثرت فالتعس أولى لها من أن أقول لعا تفسير : والمعنى: أنه إذا اطلع بعد التحليف على أن الشاهدين أو الوصيين استحقا إثماً، أي استوجبا إثماً إما بكذب في الشهادة أو اليمين، أو بظهور خيانة. قال أبو علي الفارسي: الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه، فسمى إثماً كما سمى ما يؤخذ بغير حق مظلمة. وقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ، باسم المصدر. قوله: {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } أي فشاهدان آخران أو فحالفان آخران يقومان مقام اللذين عثر على أنهما استحقا إثماً فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق، وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها المستحقان للإثم. قوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأوْلَيَانِ } استحق مبنيّ للمفعول، في قراءة الجمهور، وقرأ عليّ وأُبيّ وابن عباس وحفص على البناء للفاعل، و {ٱلأوْلَيَانِ } على القراءة الأولى مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان، كأنه قيل: من هما؟ فقيل هما الأوليان. وقيل: هو بدل من الضمير في يقومان أو من آخران. وقرأ يحيـى بن وثاب والأعمش وحمزة "الأولين" جمع أول على أنه بدل من الذين، أو من الهاء والميم في عليهم. وقرأ الحسن «الأولان». والمعنى على بناء الفعل للمفعول من الذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم، فالأوليان تثنية أولى. والمعنى على قراءة البناء للفاعل: من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة. وقيل المفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. قوله: {فَيُقْسِمَانِ} بالله عطف على {يِقُومَانُ } أي فيحلفان بالله لشهادتنا، أي يميننا، فالمراد بالشهادة هنا اليمين، كما في قوله تعالى: {أية : فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ } تفسير : [النور: 6] أي يحلفان لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان أحق من شهادتهما، أي من يمينهما على أنهما صادقان أمينان {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا } أي تجاوزنا الحق في يميننا {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } إن كنا حلفنا على باطل. قوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا } أي ذلك البيان الذي قدمه الله سبحانه، في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر؟ ولم يكن عنده أحد من أهله، وعشيرته، وعنده كفار، أدنى أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة على وجهها، فلا يحرّفوا ولا يبدّلوا، ولا يخونوا وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة، في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع من كتابه؛ فالضمير في {يَأْتُواْ } عائد إلى شهود الوصية من الكفار. وقيل: إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم. والمراد تحذيرهم من الخيانة، وأمرهم بأن يشهدوا بالحق. قوله: {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } أي تردّ على الورثة فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فيفتضح حينئذ شهود الوصية، وهو معطوف على قوله: {أَن يَأْتُواْ } فتكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم هي أحد الأمرين: إما احتراز شهود الوصية عن الكذب والخيانة فيأتون بالشهادة على وجهها، أو يخافوا الافتضاح إذا ردّت الأيمان على قرابة الميت فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سبباً لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة. وقيل: إن {يَخَـٰفُواْ } معطوف على مقدّر بعد الجملة الأولى، والتقدير: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، ويخافوا عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة، أو يخافوا الافتضاح بردّ اليمين، فأيّ الخوفين وقع حصل المقصود {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفة أحكامه {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } الخارجين عن طاعته بأيّ ذنب، ومنه الكذب في اليمين أو الشهادة. وحاصل ما تضمنه هذا المقام من الكتاب العزيز، أن من حضرته علامات الموت أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهوداً مسلمين، وكان في سفر، ووجد كفاراً جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ورثة الموصي حلفاً بالله على أنهما شهدا بالحق، وما كتما من الشهادة شيئاً ولا خانا مما تركه الميت شيئاً، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه من خلل في الشهادة أو ظهور شيء من تركة الميت زعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل بذلك. وقد أخرج الترمذي وضعفه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في تاريخه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر، وهو الكلبي، عن باذان مولى أم هانىء عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية: {يِـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } قال: برىء الناس منها غيري وغير عديّ بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله؛ قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعديّ بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، أو ما دفع إلينا غيره؛ قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأدّيت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله: {يِـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } إلى قوله: {أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة درهم من عديّ بن بداء. وفي إسناده أبو النضر، وهو محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير، قال الترمذي: تركة أهل العلم بالحديث. وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهميّ بأرض ليس فيها مسلم، فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوّصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما"تفسير : ، ثم وجدوا الجام بمكة. فقيل: اشتريناه من تميم وعديّ، فقام رجلان من أولياء السهميّ فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، وأخذوا الجام، قال: وفيهم نزلت: {يِـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } الآية، وفي إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي، قال الترمذي: قيل: إنه صالح الحديث. وقد روى ذلك أبو داود من طريقه. وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي السبب في نزول الآية، وذكرها المفسرون في تفاسيرهم. وقال القرطبي: إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه القصة هي سبب نزول الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس {يِـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } الآية قال: هذا لمن مات وعنده المسلمون أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين مسلمين. ثم قال: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْض} فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، أمر الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة ما اشتريا بشهادتهما ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، وثمّ رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً } يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا. {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن } يأتي الكافران {بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } فتترك شهادة الكافرين ويحكم بشهادة الأولياء، فليس على شهود المسلمين أقسام: إنما الأقسام إذا كانا كافرين. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن جحد استحلف بالله الذي لا إلٰه إلا هو دبر صلاة، إن هذا الذي دفع إليّ وما غيبت منه شيئاً، فإذا حلف برىء. فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله: {ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ أَوْ ءاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: {آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} قال: من غير المسلمين من أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: هذه الآية منسوخة. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أوّل الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها. وأخرج ابن جرير أيضاً عن الزهري قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبيدة في قوله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلوٰةِ } قال: صلاة العصر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: {لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً } قال: لا نأخذ به رشوة {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ } وإن كان صاحبها بعيداً. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً} قال: بالميت. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا } يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } يقول: وأن يخافوا العتب. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } قال: فيبطل أيمانهم ويؤخذ أيمان هؤلاء.
ابن عطية
تفسير : قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً. قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله وبه نستعين، لا نعلم خلافاً أن سبب هذه الآية أن تميماً الداري وعدي بن بداء، كانا نصرانيين سافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان وقدم المدينة أيضاً ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص يريد الشام تاجراً فخرجوا رفاقة فمرض ابن أبي مارية في الطريق، قال الواقدي فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رحله، فأتيا بعد مدة المدينة برحله فدفعاه، ووجد أولياؤه من بني سهم وصيته مكتوبة، ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها فقالا ما ندري، هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأولى فاستخلفهما رسول الله بعد العصر، فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بالذهب، فقيل لمن وجد عنده من أين صار لكم هذا الإناء؟ قالوا: ابتعناه من تميم الداري وعدي بن بداء، فارتفع في الأمر إلى النبي عليه السلام فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا، قال الواقدي: فحلف عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، واستحقا، وروى ابن عباس عن تميم الداري أنه قال: برىء الناس من هذه الآيات غيري وغير عدي بن بداء، وذكر القصة، إلا أنه قال وكان معه جام فضة يريد به الملك، فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف وقسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو بن العاص ورجل آخر معه، ونزعت من عدي خمسمائة. قال القاضي أبو محمد: تختلف ألفاظ هذه القصة في الدواوين وما ذكرته هو عمود الأمر، ولم يصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ثبت إسلامه، وقد صنفه في الصحابة بعض المتأخرين، وضعف أمره، ولا وجه عندي لذكره في الصحابة. وأما معنى الآية من أولها إلى آخرها، فهو أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد ليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم، حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما، هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وابن عباس وغيرهم، يقولون معنى قوله، {منكم} من المؤمنين، ومعنى، {من غيركم} من الكفار، قال بعضهم ذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا يسافرون في التجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة، واختلفت هذه الجماعة المذكورة، فمذهب أبي موسى الأشعري وشريح وغيرهما أن الآية محكمة، وأسند الطبري إلى الشعبي أن رجلاً حضرته المنية بدقوقا ولم يجد أحداً من المؤمنين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته، فقال أبو موسى الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في مدة النبي عليه السلام ثم أحلفهما بعد صلاة العصر وأمضى شهادتهما، وأسند الطبري عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة النصراني واليهودي على مسلم إلا في الوصية، ولا تجوز أيضاً في الوصية إلا إذا كانوا في سفر، ومذهب جماعة ممن ذكر، أنها منسوخة بقوله تعالى {أية : وأشهدوا ذوي عدل منكم} تفسير : [الطلاق:2] وبما استند إليه إجماع جمهور الناس على أن شهادة الكافر لا تجوز. وتأول الآية جماعة من أهل العلم على غير هذا كله، قال الحسن بن أبي الحسن وقوله تعالى: {منكم} يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله {أو آخران من غيركم} يريد من غير القرابة والعشيرة، وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب، قالوا أمر الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان، فإذا شهدا فإن لم يقر ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين. وقال بعض الناس الآية منسوخة، ولا يحلف شاهد، ويذكر هذا عن مالك بن أنس والشافعي وكافة الفقهاء، وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي، وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثماً نظر، فإن كان الأمر بيناً غرما دون يمين وليين، وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع قام لهما من شاهد أو دليل. قال القاضي أبو محمد: فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما، ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة لفظة من الآية، ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذكر ذلك والرد عليه يطول، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع، والله المستعان، قوله {شهادة بينكم} قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقال الطبري: الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي تؤدى. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدى، ورفعهما بالابتداء والخبر في قوله {اثنان} قال أبو علي: التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقدره غيره أولاً كأنه قال مقيم شهادة بينكم اثنان، وأضيفت الشهادة إلى "بين" اتساعاً في الظرف بأن يعامل معاملة الأسماء، كما قال تعالى: {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : [الأنعام:94] وقرأ الأعرج والشعبي والحسن "شهادةٌ" بالتنوين "بينكَم" بالنصب، وإعراب هذه القراءة على نحو إعراب قراءة السبعة وروي عن الأعرج وأبي حيوة "شهادة" بالنصب والتنوين "بينكم" نصب، قال أبو الفتح: التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان، وقوله تعالى: {إذا حضر أحدكم الموت} معناه إذا قرب الحضور, وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت, وهذا كقوله تعالى: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} تفسير : [النحل:98] وكقوله {أية : إذا طلقتم النساء فطلقوهن} تفسير : [الطلاق:1] وهذا كثير، والعامل في {إذا} المصدر الذي هو {شهادة} ، وهذا على أن تجعل {إذا} بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب, ولك أن تجعل {إذا} في هذه الآية المحتاجة إلى الجواب، لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله {شهادة بينكم} إذ المعنى إذا حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد، وقوله {حين الوصية} ظرف زمان، والعامل فيه {حضر} ، وإن شئت جعلته بدلاً من {إذا}، قال أبو علي: ولك أن تعلقه {بالموت} لا يجوز أن تعمل فيه {شهادة} لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، وقوله {ذوا عدل} صفة لقوله اثنان، و {منكم} صفة أيضاً بعد صفة، وقوله تعالى: {من غيركم} صفة لآخران، و {ضربتم في الأرض} معناه سافرتم للتجارة، تقول ضربت في الأرض أي سافرت للتجارة، وضربت الأرض ذهبت فيها لقضاء حاجة الإنسان، وهذا السفر كان الذي يمكن أن يعدم المؤمن مؤمنين، فلذلك خص بالذكر لأن سفر الجهاد لا يكاد يعدم فيه مؤمنين، قال أبو علي: قوله {تحبسونهما} صفة لـ {آخران} واعترض بين الموصوف والصفة بقوله: إن أنتم إلى الموت، وأفاد الاعتراض أن العدول إلى {آخران} من غير الملة والقرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغني عن جواب {إن} لما تقدم من قوله {أو آخران من غيركم} وقال جمهور العلماء {الصلاة} هنا صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيمن حلف على سلعته وأمر باللعان فيه، وقال ابن عباس: إنما هي بعد صلاة الذميين، وأما العصر فلا حرمة لها عندهما، والفاء في قوله {فيقسمان} عاطفة جملة على جملة لأن المعنى تم في قوله {من بعد الصلاة} قال أبو علي: وإن شئت لم تقدر الفاء عاطفة جملة على جملة، ولكن تجعله جزاء كقول ذي الرمة: شعر : وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيغرق تفسير : تقديره عندهم إذا حسر بدا، فكذلك إذا حبستموهما أقسما وقوله {إن ارتبتم} شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة ترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة، والضمير في قول الحالفين {لا نشتري به ثمناً} عائد على القسم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، قال أبو علي: يعود على تحريف الشهادة، وقوله {لا نشتري} جواب ما يقتضيه قوله: فيقسمان بالله،لأن القسم ونحوه يتلقى بما تتلقى به الأيمان، وتقديره به ثمناً، أي ذا ثمن لأن الثمن لا يشترى. وكذلك قوله تعالى: {أية : اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً} تفسير : [التوبة:9] معناه ذا ثمن، ولا يجوز أن يكون {نشتري} في هذه الآية بمعنى نبيع لأن المعنى يبطله وإن كان ذلك موجوداً في اللغة في غير هذا الموضع، وخص "ذو القربى" بالذكر لأن العرف ميل النفس إلى قرابتهم واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل، وقوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} أضاف {شهادة} إليه تعالى من حيث هو الآمر بإقامتها الناهي عن كتمانها، وقرأ الحسن والشعبي "ولا نكتمْ" بجزم الميم، وقرأ علي بن أبي طالب ونعيم بن مسيسرة والشعبي بخلاف عنه "شهادةً" بالتنوين "الله" نصب بـ {نكتم} ، كأن الكلام ولا نكتم الله شهادة قال الزهري ويحتمل أن يكون المعنى "ولا نكتم شهادة والله" ثم حذفت الواو ونصب الفعل إيجازاً، وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش "شهادةً" بالتنوين ألله بقطع الألف دون مد وخفض الهاء، ورويت أيضاً عن الشعبي وغيره أنه كان يقف على الهاء من الشهادة بالسكون، ثم يقطع الألف المكتوبة من غير مد كما تقدم، وروي عنه أنه كان يقرأ "الله" بمد ألف الاستفهام في الوجهين أعني بسكون الهاء من الشهادة وتحريكها منّونة منصوبة، ورويت هذه التي هي تنوين الشهادة ومد ألف الاستفهام بعد عن علي بن أبي طالب، قال أبو الفتح: أما تسكين هاء شهادة والوقف عليها واستئناف القسم فوجه حسن لأن استئناف القسم في أول الكلام أوقر له وأشد هيبة أن يدرج في عرض القول، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن حبيب والحسن البصري فيما ذكر أبو عمرو الداني "شهادةً" بالنصب والتنوين "آلله" بالمد في همزة الاستفهام التي هي عوض من حرف القسم "آنا" بمد ألف الاستفهام أيضاً دخلت لتوقيف وتقرير لنفوس المقسمين أو لمن خاطبوه وقرأ ابن محيصن "لملآثمين" بالإدغام. وقوله تعالى: {فإن عثر} استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه اتفاقاً وبعد "إن" لم يرج ولم يقصد، وهذا كما يقال على الخبير سقطت، ووقعت على كذا، قال أبو علي: والإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأخذه إثم، فسمي آثماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة، قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر هنا أن الإثم على بابه وهو الحكم اللاحق لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتها لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ليس لهما أو نحو ذلك، و {استحقا} معناه استوجباه من الله وكانا أهلاً له فهذا استحقاق على بابه، أنه استيجاب حقيقة، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل فيه "استحقا" لأنهما ظلما وخانا فيه، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم العصيان، وذلك هو الإثم، وقوله تعالى: {فآخران} أي فإذا عثر على فسادهما فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو ظهورهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي "استُحق" مضمومة التاء. و {الأوليان} على التثنية لأولى وروى قرة عن ابن كثير "استَحق" بفتح التاء "الأوليان" على التثنية وكذلك ورى حفص عن عاصم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر "استُحق" بضم التاء "الأولين" على جمع أول، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "استَحق" بفتح التاء "الأولان" على تثنية أول، وقرأ ابن سيرين "الأولين" على تثنية أول، ونصبهما على تقدير الأولين، فالأولين في الرتبة والقربى، قال أبو علي في قراءة ابن كثير ومن معه لا يخلو ارتفاع الأوليان من أن يكون على الابتداء وقد أخر فكأنه في التقدير و "الأوليان" بأمر الميت آخران يقومان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان، أو يكون مسنداً إليه استحق، وأجاز أبو الحسن فيه شيئاً آخر، وهو أن يكون "الأوليان" صفة لـ "آخران"، لأنه لما وصف خصص فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له. قال القاضي أبو محمد: ثم قال أبو علي بعد كلامه هذا: فأما ما يسند إليه "استحق" فلا يخلو من أن يكون الأنصباء أو الوصية، أو الإثم. وسمي المأخوذ إثماً كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة. ولذلك جاز أن يستند إليه {استحق} ثم قال بعد كلام: فإن قلت هي يجوز أن يسند {استحق} إلى {الأوليان}. فالقول إن ذلك لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئاً منها، وأما الأوليان بالميت فلا يجوز أن يستحقا فيسند استحق إليهما. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام نظر. ويجوز عندي أن يسند {استحق} إلى {الأوليان}. وذلك أن أبا علي حمل لفظة الاستحقاق على أنه حقيقي فلم يجوزه إلا حيث يصح الاستحقاق الحقيقي في النازلة، وإنما يستحق حقيقة النصيب ونحوه، ولفظة الاستحقاق في الآية إنما هي استعارة وليست بمعنى استحقا إثماً فإن الاستحقاق هنا حقيقة وفي قوله استحق مستعار، لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه. فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه بالمستحق حقيقة. إذ قد تسور تسوره وتملك تملكه. وكذلك يقال فلان قد استحق ومنه شغل كذا إذا كان ذلك الأمر قد غلبه على أوقاته، وهكذا هي استحق في الآية على كل حال وإن أسندت إلى الأنصباء ونحوه لأن قوله {استحق} صلة لـ {الذين} و {الذين} واقع على الصنف المناقض للشاهدين الجائرين فالشاهدان ما استحقا قط في هذه النازلة شيئاً حقيقة استحقاق، وإنما تسورا تسور المستحق فلنا أن نقدر الأوليان ابتداء وقد أخر. فيسند {استحق} على هذا إلى المال أو النصيب ونحوه على جهة الاستعارة. وكذلك إذا كان {الأوليان} خبر ابتداء وكذلك على البدل من الضمير في {يقومان} وعلى الصفة على مذهب أبي الحسن. ولنا أن نقدر الكلام بمعنى من الجماعة التي غابت وكان حقهما والمبتغى أن يحضر وليها، فلما غابت وانفرد هذا الموصي استحقت هذا الحال وهذان الشاهدان من غير أهل الدين الولاية وأمر الأوليين على هذه الجماعة، ثم بني الفعل للمفعول على هذا المعنى إيجازاً ويقوي هذا الغرض أن تعدي الفعل بـ "على" لما كان باقتدار وحمل هيئته على الحال. ولا يقال استحق منه أو فيه إلا في الاستحقاق الحقيقي على وجهه، وأما استحق عليه فيقال في الحمل والغلبة والاستحقاق المستعار والضمير في {عليهم} عائد على كل حال في هذه القراءة على الجماعة التي تناقض شاهدي الزور الآثمين، ويحتمل أن يعود على الصنف الذين منهم شاهد الزور على ما نبينه الآن إن شاء الله في غير هذه القراءة وأما رواية قرة عن ابن كثير "استحق" بفتح التاء فيحتمل أن يكون الأوليان ابتداء أو خبر ابتداء، ويكون المعنى في الجمع أو القبيل الذي استحق القضية على هذا الصنف الشاهد بالزور، الضمير في عليهم عائد على صنف شاهدي الزور. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا التأويل تحويل وتحليق وصنعة في {الذين} ، وعليه ينبني كلام أبي علي في كتاب الحجة، ويحتمل أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم القيام، والصواب من التأويلين أن الضمير في {عليهم} عائد على {الذين} ، و {الأوليان} رفع بـ {استحق} وذلك متخرج على ثلاثة معان. أحدها أن يكون المراد من الذين استحق عليهم مالهم وتركتهم شاهدا الزور. فسمى شاهدي الزور أوليين من حيث جعلتهما الحال الأولى كذلك، أي صيرهم عدم الناس أولى بهذا الميت وتركته فجاراً فيها، والمعنى الثاني أن يكون المراد من الجماعة الذين حق عليهم أن يكون منهم الأوليان، فاستحق بمعنى حق ووجب، كما تقول هذا بناء قد استحق بمعنى حق كعجب واستعجب ونحوه، والمعنى الثالث أن يجعل استحق بمعنى سعى واستوجب، فكأن الكلام فآخران من القوم الذين حضر أوليان منهم فاستحقا عليهم حقهم، أي استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقرباهما، ونحو هذا المعنى الذي يعطيه التعدي بـ "على" قول الشاعر: شعر : اسعى على حيِّ بني ملك كل امرىء في شأنه ساع تفسير : وكذلك في الحديث: "حديث : كنت أرعى عليهم الغنم"تفسير : في بعض طرق حديث الثلاثة الذين ذكر أحدهم بره بأبويه حين انحطت عليهم الصخرة، وأما قراءة حمزة فمعناها من القوم الذين استحق عليهم أمرهم أي غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون أي في الذكر في هذه الآية، وذلك في قوله {اثنان ذوا عدل منكم} ثم بعد ذلك قال {أو آخران من غيركم} وقوله تعالى: {فيقسمان بالله} يعني الآخرين اللذين يقومان مقام شاهدي التحريف، وقولهما {لشهادتنا أحق من شهادتهما} أي لما أخبرنا نحن به وذكرناه من نص القضية أحق مما ذكراه أولاً، وحرفا فيه، وما اعتدينا نحن في قولنا هذا ولا زدنا علىالحد، وقولهما {إنا إذاً لمن الظالمين} في صيغة الاستعظام والاستقباح، والظلم وضع الشيء في غير موضعه.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الشهادة بالحقوق عند الحكام، أو شهادة الحضور للوصية، أو أيمان عبّر عنها بلفظ الشهادة كما في اللعان {عَدْلٍ مِّنكُمْ} أيها المسلمون، أو من حي الموصي، وهما وصيان أو شاهدان يشهدان على وصيته. {مِنْ غَيْرِكُمْ} من غير أهل ملتكم من أهل الكتاب، أو من غير قبيلتكم. {أَوْ ءَاخَرَانِ} "أو" هنا للتخيير في المسلم والكتابي، أو الكتابي مرتب على [عدم] المسلم، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ. {تَحْبِسُونَهُمَا} توقفونهما للأيمان، خطاب للورثة. {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} تقديره فأصابتكم مصيبة وقد أوصيتم إليهما. {الصَّلاةِ} العصر، أو الظهر والعصر، أو صلاة أهل دينهما من أهل الذمّة قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {إِنِ ارْتَبْتُمْ} بالوصيين في الخيانة، أحلفهما الورثة، أو إن ارتبتم بعدالة الشاهدين أحلفهما الحاكم لتزول ريبته، وهذا إنما يجوز في السفر دون الحضر. {ثَمَناً} رشوة أو لا نعتاض عليه بحقير.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} سبب نزول هذه الآية ما روي أن تميم بن أوس الداري، وعدي بن بداء، خرجا من المدينة في تجارة إلى الشام وهما نصرانيان ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه جميع ما معه من المتاع وألقاه في متاعه ولم يخبر صاحبيه بذلك فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله إذا رجعا إلى المدينة ومات بديل، ففتشا متاعه، فوجدا فيه إناء من فضة منقوشاً بالذهب فيه ثلثمائة مثقال فغيباه، ثم إنهما قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة فدفعا المتاع إلى أهل البيت ففتشوه فأصابوا الصحيفة وفيها تسمية ما كان معه فجاء أهل الميت إلى تميم وعدي فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً من متاعه قالا: لا. قالوا: فهل أتجر تجارة؟ قالا: لا. قالوا: فهل طال مرضه فأنفق شيئاً على نفسه قالا: لا. قالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا فقدنا إناء من فضة منقوشاً بالذهب فيه ثلثمائة مثقال فضة قالا: لا ندري إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه ومَا لَنا بالإناء فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار وحلفا فأنزل الله هذه الآية هذا قول المفسرين. وروى الترمذي عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت قال تميم برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام بتجارتهما قبل الإسلام فأتيا إلى الشام بتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو أعظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم: ولما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي فلما أتينا أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقد الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا ولا دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم على أهل دينه فحلف فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} إلى قوله {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي قال الترمذي: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه قال ابن عباس: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم قال وفيهم نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وأخرج هذه الرواية الأخيرة البخاري في صحيحه فأما التفسير فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} يعني ليشهد ما بينكم لأن الشهادة إنما يحتاج إليها عند وقوع التنازع والتشاجر {إذا حضر أحدكم الموت} يعني إذا قارب وقت حضور الموت {حين الوصية اثنان} لفظه خبر ومعناه الأمر يعني ليشهد اثنان منكم عند حضور الموت وأردتم الوصية {ذوا عدل منكم} يعني من أهل دينكم وملتكم يا معشر المؤمنين واختلفوا في هذين الاثنين فقيل هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي وقيل هما الوصيان لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال تعالى: {فيقسمان بالله} والشاهد لا يلزمه يمين وجعل الوصي اثنين تأكيداً فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك: شهدت وصية فلان بمعنى حضرت {أو آخران من غيركم} يعني من غير أهل دينكم وملتكم وهذا قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والشعبي وابن سيرين وابن شريح وأكثر المفسرين: وقيل: معناه من غير عشيرتكم وقبيلتكم وهم مسلمون. واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال إبراهيم النخعي وجماعة: هي منسوخة كانت شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت بقوله تعالى: {أية : واستشهدوا شهيدين من رجالكم}تفسير : [البقرة: 282] لأن إجماع الأمة على أن شهادة الفاسق لا تجوز فشهادة الكفار وأهل الذمة لا تجوز بطريق الأولى وذهب قوم إلى أنها ثابتة لم تنسخ وهو قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن جبير وابن سيرين وبه قال أحمد بن حنبل قالوا إذا لم يجد مسلمين يشهدان على وصيته وهو في أرض غربة فليشهد كافرين أو ذميين أو من أي دين كانا لأن هذا موضع ضرورة قال شريح: من كان بأرض غربة لم يجد مسلماً وصيته فليشهد كافرين على أي دين كانا من أهل الكتاب أو من عبدة الأصنام فشهادتهم جائزة في هذا الموضع ولا تجوز شهادة كافر على مسلم بحال إلا على وصيته في سفر لا يجد فيه مسلماً. عن الشعبي أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا هذه ولم يجد أحداً من المسلمين حضر يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال أبو موسى هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصيته الرجل وتركته فأمضى شهادتهما أخرجه أبو داود. وقال قوم في قوله ذوا عدل منكم يعني من عشيرتكم وحيكم أو آخران من غيركم من غير عشيرتكم وحيكم وأن الآية كلها في المسلمين وهذا قول الحسن والزهري وعكرمة وقالوا لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام وهذا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة غير أن أبا حنيفة أجاز شهادة أهل الذمة فيما بينهم بعضهم على بعض واحتج من قال بأن هذه الآية محكمة بأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً وليس فيها منسوخ واحتج من أجاز شهادة غير المسلم في هذا الموضع بأن الله تعالى قال في أول الآية: {يا أيها الذين آمنوا} فعمَّ بهذا الخطاب جميع المؤمنين ثم قال بعده {ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم} فعلم بذلك أنهما من غير المؤمنين، ولأن الآية دالة على وجوب الحلف على هذين الشاهدين وأجمع المسلمون على أن الشاهد المسلم لا يجب عليه يمين ولأن الميت إذا كان في أرض غربة ولم يجد مسلماً يشهده على وصيته ضاع ماله وربما كان عليه ديون أو عنده وديعة فيضيع ذلك كله وإذا كان ذلك كذلك احتاج إلى إشهاد من حضر من أهل الذمة وغيرهم من الكفار حتى لا يضيع ماله وتنفذ وصيته فهذا كالمضطر الذي أبيح له أكل الميتة في حال الاضطرار والضرورات قد تبيح شيئاً من المحظورات واحتج من منع ذلك بأن الله تعالى قال: {أية : ممن ترضون من الشهداء} تفسير : [البقرة: 282] والكفار ليسوا مرضيين ولا عدولاً فشهادتهم غير مقبولة في حال من الأحوال. وقوله تعالى: {إن أنتم ضربتم في الأرض} يعني: إن أنتم سافرتم في الأرض {فأصابتكم مصيبة الموت} يعني نزل بكم أسباب الموت فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما {تحبسونهما} يعني إن اتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن يوقفوهما {من بعد الصلاة} يعني من بعد صلاة العصر لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويجتنبون فيه الحلف الكاذب وقيل من بعد صلاة أهل دينهم لأنهما إذا كانا كافرين لا يحترمان صلاة العصر {فيقسمان بالله} يعني فيحلفان بالله. قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان فيحلف بعد صلاة العصر إن كان بمكة بين الركن والمقام وإن كان بالمدينة فعند المنبر وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة وفي سائر البلاد في أشرف المساجد وأعظمها بها {إن ارتبتم} يعني إن شككتم أيها الورثة في قول الشاهدين وصدقهما، فحلّفوهما وهذا إذا كانا كافرين أما إذا كانا مسلمين فلا يمين عليهما لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع {لا نشتري به ثمناً} يعني لا نبيع عهد الله بشيء من الدنيا ولا نحلف بالله كاذبين لأجل عوض نأخذه أو حق نجحده {ولو كان ذا قربى} يعني ولو كان المشهود له ذا قرابة منا وإنما خص القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من غيرهم {ولا نكتم شهادة الله} إنما أضاف الشهادة إليه لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها {إنا إذاً لمن الآثمين} يعني إن كتمنا الشهادة أو خنّا فيها ولما نزلت هذه الآية صلى صلى الله عليه وسلم العصر ودعا تميماً وعدياً وحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يخونا شيئاً مما دفع إليهما فحلفا على ذلك فخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ثم ظهر الإناء من بعد ذلك قال ابن عباس وجد الإناء بمكة، فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي. وقيل: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم، فأتوهما في ذلك، فقالا: إنا كنا اشتريناه منه. فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم به فكتمناه لذلك فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ...} الآيةَ، إلى قوله: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [المائدة:109] قال مكِّيٌّ: هذه الآياتُ عند أهْل المعانِي مِنْ أشكل ما في القرآن إعراباً، ومعنًى، وحُكْماً. قال * ع *: وهذا كلام من لم يقع له الثَّلَجُ في تفسيرها؛ وذلك بيِّن من كتابه، وباللَّه نستعين. لا نَعْلَمُ خلافاً أن سبب هذه الآيةِ أنَّ تميماً الدَّارِيَّ وعَدِيَّ بْن بَدَّاء، وكانا نصرانيَّيْنِ، سافرا إلى المدينةِ، يريدانِ الشامَ؛ لتجارتهما، وقَدِمَ المدينة أيضاً ابْنُ أَبِي مَارِية مولى عَمْرِو بنِ العاصِي، يريد الشامَ تاجِراً، قال الفخْر: وكان مُسْلماً، فخرَجُوا رفاقة، فمرض ابنُ أبي مارية في الطريقِ، وأوْصَىٰ إلى تميمٍ وعديٍّ؛ أنْ يؤدِّيَا رَحْلَهُ إلى أوليائه من بني سَهْم، وروى ابْنُ عباس عن تميمٍ الداريِّ؛ أنه قال: بَرِىءَ النَّاسُ من هذه الآيةِ غيري وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَّاء، وذكر القصَّة، إلا أنه قال: وكان معه جَامُ فِضَّةٍ، يريد به المُلْكَ، فأخذتُهُ أَنَا وعديٌّ، فبْعنَاه بألفٍ، وقَسَّمنا ثمنه، فلما أسلَمْتُ بعد قُدُومِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينةَ، تَأَثَّمْتُ من ذلك، فأتيْتُ أهْلَهُ، فأخبرتهم الخبر، وأدَّيْتُ خمسمائة، فوثَبُوا إلَىٰ عَدِيٍّ فأتوا به رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وحلَفَ عمْرُو بن العاصِي، ورجُلٌ آخر معه، ونُزِعَتْ من عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ. قال * ع *: واختلفتِ ألفاظ هذه القصَّة، وما ذكرتُهُ هو عمود الأمْر، ولم تصحَّ لعديٍّ صُحْبة فيما عَلِمْتُ، ولا ثبت إسلامه، وقد صنَّفه في الصحابة بعْضُ المتأخِّرين، ولا وجه عندي لذكْره في الصَّحابة. وأما معنى الآية مِنْ أولها إلى آخرها، فهو أن اللَّه سبحانه أخبر المؤمنين أنَّ حكمه في الشهادةِ عَلَى المُوصِي، إذا حضره الموتُ: أنْ تكونَ شهادة عَدْلَيْنِ، فإن كان في سَفَرٍ، وهو الضَّرْب في الأرض، ولم يكن معه من المؤمنين أحدٌ، فليُشْهِدْ شاهدَيْنِ ممن حَضَرَهُ مِنْ أهْل الكُفْر، فإذا قدما، وأَدَّيا الشهادةَ علَىٰ وصيَّته، حَلَفَا بعد الصَّلاة؛ أنهما ما كَذَبَا، ولا بَدَّلاَ، وأنَّ ما شهدْنَا به حقٌّ ما كتمنا فيه شهادةَ اللَّه، وحُكِمَ بشهادتهما، فإن عُثِرَ بعد ذلك علَىٰ أنهما كَذَبَا، أو خَانَا، أو نَحْوِ هذا ممَّا هو إثْم، حَلَفَ رُجلانِ مِنْ أولياء المُوصِي في السفر، وغُرِّمَ الشاهدانِ ما ظَهَرَ علَيْهما، هذا معنى الآيةِ علَىٰ مذهب أبي موسَى الأشعريِّ، وابن عبَّاس، وسعيدِ بْنِ المسيَّب، ويحيـــى بن يَعْمَرَ، وابنِ جُبَيْر، وأبي مِجْلَزٍ، وإبراهيم، وشُرَيْحٍ، وعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وابن سِيرِينَ، ومجاهدٍ وغَيْرِهم، قالوا: ومعنى قوله: {مِّنكُمْ}، أي: مِنَ المؤمنين، ومعنى: {مِنْ غَيْرِكُمْ}، أي: من الكافرين. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلَتْ، ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون في التِّجارة مع أنواع الكَفَرة، واختلفتْ هذه الجماعةُ المذْكُورة، فمذهبُ أبي مُوسَى الأشعريِّ وغيره؛ أن الآية مُحْكَمَةٌ، ومذهب جماعة منهم؛ أنها منسوخةٌ؛ بقوله: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوِيْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ } تفسير : [الطلاق:2]؛ وبما عليه إجماعُ جمهور النَّاس؛ أن شهادة الكُفَّار لا تجوزُ. قال * ع *: ولنرجع الآنَ إلى الإعراب، ولنقصِدِ القَوْل المفيدَ؛ لأن الناس خَلَطُوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذِكْرُ ذلك والرَّدُّ عليه يطولُ، وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الذي تتلَقَّاه الأذهانُ بالقَبُول مَقْنَعٌ، واللَّه المستعان. فقوله تعالَىٰ: {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ}، هي الشهادةُ التي تُحْفَظُ لتؤدَّىٰ، ورفعها بالابتداءِ، والخَبَرُ في قوله: {ٱثْنَانِ}، وقوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ}: إذا قارب الحضُورَ، والعاملُ في «إذا» المصدرُ الذي هو «شهادة»، وهذا على أنْ تجعل «إذا» بمنزلة «حِينَ»، لا تحتاج إلى جوابٍ، ولك أن تجعل «إذا» في هذه الآية المحتاجةَ إلى الجوابِ، لكن ٱستغنِيَ عن جوابها بما تقدَّم في قوله: {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ}؛ إذ المعنَىٰ: إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ، فينبغي أن يُشْهِدَ، وقوله: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ}: ظرْفُ زمانٍ، والعاملُ فيه {حَضَرَ}، وإنْ شِئْتَ، جعلته بَدَلاً مِنْ «إذا»، وقوله: {ذَوَا عَدْلٍ}: صفة لقوله: {ٱثْنَانِ}، و {مِّنكُمْ}: صفةٌ أيضاً بعد صفةٍ، وقوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ}: صفةٌ لـ {ءَاخَرَانِ} وقوله: {تَحْبِسُونَهُمَا}: صفة لـ {ءَاخَرَانِ} أيضاً، واعترض بَيْن الموصوفِ والصفةِ بقوله: {إِنْ أَنتُمْ}، إلى {ٱلْمَوْتُ}، وأفاد الاِعتراضُ أنَّ العدول إلى آخرَيْنِ من غَيْر الملَّة، إنما يكونُ مع ضَرُورة السَّفَر، وحلولِ الموتِ فيه، واستغني عن جواب «إنْ»؛ لِمَا تقدَّم من قوله: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، وقال جمهورٌ مِن العلماء: الصلاةُ هنا صلاةُ العَصْر، وقال ابنُ عباس: إنما هي صلاة الذِّمِّيِّين، وأما العصر، فلا حُرْمَة لها عنْدَهما، والفاءُ في قوله: {فَيُقْسِمَانِ}: عاطفةٌ جملةً على جملةٍ؛ لأن المعنَىٰ تَمَّ في قوله: {مِنْ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ}، وقوله: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شرطٌ لا يتَّجه تحليفُ الشاهدَيْن إلا به، والضميرُ في قول الحالِفَيْن: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ}: عائدٌ على القَسَمِ، أو على ٱسْمِ اللَّهِ، وقوله: {لاَ نَشْتَرِي} جوابٌ يقتضيه قوله: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ}؛ لأن «أقسم» ونحوه يتلقَّىٰ بما تتلقَّىٰ به الإيْمَانُ، وقوله: {ثَمَناً}، أي: ذا ثَمَنٍ، وخُصَّ ذو القربَىٰ بالذِّكْر؛ لأن العرب أمْيَلُ النَّاس إلى قراباتهم، وٱستسهالِهِمْ في جنب نفعهم ما لا يُسْتَسْهَل، وقوله: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ}، أضاف الشهادةَ إلَيْه تعالى مِنْ حيث هو الآمِرُ بإقامتها، الناهِي عن كتمانها، وروي عن الشِّعْبِيِّ وغيره: «شَهَادَةً» ـــ بالتنوين ـــ، «اللَّه» ـــ بقطع الألف دون مَدٍّ وخفضِ الهاءِ ـــ، وقال أيضاً: يقف على الهاء مِن: «شهادة» بالسكون، ثم يقطع الألفَ المكتوبَةِ منْ غير مَدٍّ؛ كما تقدَّم، ورُوِيَ عنه كان يقرأ: «آللَّهِ» ـــ بمد ألفِ الإستفهامِ في الوجْهَيْن ـــ، أعني: بسكون الهاء من «شهادة»، وتحريكها منوَّنةً منصوبةً، ورُوِيَتْ هذه التي هي تَنْوينُ «شهادة»، ومدُّ ألف الاستفهامِ بَعْدُ عن عَلِيِّ بن أبي طالب، قال أبو الفَتْح: إنما تُسَكَّن هاء «شهادة» في الوقْف عليها. وقوله سبحانه: {فَإِنْ عُثِرَ}: ٱستعارةٌ لما يُوقَعُ علَىٰ علمه بعد خَفَائه، و {ٱسْتَحَقَّا إِثْماً}: معناه: ٱستوجَبَاه مِنَ اللَّه، وكانا أهْلاً له؛ لأنهما ظَلَمَا وخَانَا. وقوله تعالى: {فَآخَرَانِ}، أي: إذا عُثِرَ علَىٰ خيانتهما، فَالأَوْلَيَانِ باليمينِ وإقامةِ القضية: آخرَانِ من القَوْم الذين هُمْ ولاة المَيِّت، واستَحَقَّ عليهم حظُّهم، أو نصيبهم، أو مالهم، أو مَا شِئْتَ من هذه التقديراتِ، وقرأ نافعٌ وغيره: «ٱسْتُحِقَّ» ـــ مضمومةَ التاءِ ـــ، «والأَوْلَيَانِ»؛ عَلَىٰ تثنية الأَوْلَىٰ، ورُوِيَ عنِ ابنِ كَثِيرٍ: «ٱسْتَحَقَّ» ـــ بفتح التاء ـــ؛ وكذلك روىٰ حَفْصٌ عن عاصم. وفي قوله: {ٱسْتَحَقَّ}: ٱستعارةٌ؛ لأنه وَجْه لهذا الٱستحقاق إلاَّ الغلبة على الحالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعَدَمه لقرابَتِه أو لأهل دِينه، فٱستحقَّ هنا كما تقول لظالمٍ يظلمُكَ: «هذا قَدِ ٱستحقَّ علَيَّ مالِي أوْ مَنْزِلِي بظلمه»، فتشبهه بالمستَحِقِّ حقيقةً؛ إذْ تصوَّر تصوُّره، وتملَّك تملُّكه؛ وهكذا هي «استحقَّ» في الآية علَىٰ كلِّ حال، وإنْ أسندتَّ إلى النصيب ونحوه. وقرأ حمزة وعاصمٌ في رواية أبي بَكْر: «ٱسْتُحِقَّ» ـــ بضم التاء ـــ، «الأَوَّلِينَ»: على جَمْعِ أوَّل؛ ومعناها: من القومِ الذين ٱسْتُحِقَّ عليهم أمْرُهُمْ؛ إذْ غُلِبُوا علَيْه، ثم وصَفَهم بأنَّهم أوَّلُون، أي: في الذِّكْر في هذه الآية، وذلك في قوله: {ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}، ثم بعد ذلك قال: {أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، وقوله: {فَيُقْسِمَانِ}، يعني: الآخَرَيْنِ اللذَيْنِ يقُومانِ مَقَامَ شاهِدَيِ الزُّورِ، وقولُهما: {لَشَهَـٰدَتُنَا}؛ أي: لَمَا أَخْبَرْنَا نَحْنُ به، وذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ القصَّة ـــ أحقُّ مما ذَكَراه أوَّلاً وحرَّفاه، {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا}؛ في قولنا هذا، وقولُهما: {إِنَّا إِذَاً لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}: تَبَرٍّ في صيغة الاِستعظامِ والاِستقباحِ للظُّلْمِ. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ...} الآية: الإشارة بـ «ذلك» هي إلى جميع مَا حَدَّ قَبْلُ؛ مِنْ حَبْسِ الشاهدَيْن من بعد الصلاة لليمينِ، ثم إنْ عثر علَىٰ جَوْرهما، رُدَّتِ اليمينُ، وغَرِمَا، فذلك كلُّه أقربُ إلى ٱعتدالِ هذا الصِّنْف فيما عسَىٰ أنْ ينزل من النوازلِ؛ لأنهم يخافُونَ الفضيحة، وردَّ اليمين؛ هذا قولُ ابنِ عبَّاس، وجُمِعَ الضميرُ في {يَأْتُواْ} أو {يَخَـٰفُواْ}؛ إذ المرادُ صِنْفٌ ونوعٌ من الناسِ، والمعنَىٰ: ذلك الحُكْم كلُّه أقربُ إلَىٰ أنْ يأتوا، وأقربُ إلى أنْ يخافوا، وباقي الآية بيِّن.
ابن عادل
تفسير : لَمَّا أمَر اللَّه تعالى بِحِفْظِ النَّفْسِ في قوله "عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ"، أمر بِحفْظِ المالِ في هذه الآية. قال القُرْطُبِي: وردَ لَفْظُ الشَّهَادة في القُرآنَ على أنْوَاع مُخْتَلِفَةٍ: الأول: بِمَعْنَى الحُضُور، قال تعالى: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} تفسير : [البقرة: 185]. الثاني: بمعنى قَضَى، أي: أعلم قال تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18]. قال أبو عُبَيْدَة: الثالث: بمعنى أقرَّ، قال تعالى: {أية : وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ} تفسير : [النساء: 166]. الرابع: شَهِدَ بمعنى حَكَم، قال تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} تفسير : [يوسف: 26]. الخامس: شَهِدَ بمعنى حَلَف، قال تعالى {أية : فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} تفسير : [النور: 6] أي: أنْ يَشْهَدَ أرْبَع شَهَادَاتٍ باللَّهِ. السادس: شَهِدَ بمعنى وصَّى، قال تعالى: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ}، وقيل مَعْنَاهَا هنا الحُضُور للوصيَّة، يقال: "شَهِدْتُ وصيَّةَ فلانٍ" أي: حَضَرْتُ، وذهَب الطَّبَري إلى أنَّ الشَّهَادةَ بِمَعْنَى اليمين، فيكُونُ المَعْنَى: يَمِينُ مَا بَيْنَكُم أنْ يَحْلِفَ اثْنَان، ويَدُلُّ على ذَلِك، أنَّهُ يُعْلَمُ للَّه حُكْم يَجِبُ فيه على الشَّاهِدِ يَمِينٌ، وهذا القَوْلُ اخْتَارَهُ القَفَّال، وسُمِّيتِ اليَمِينُ شَهَادَة؛ لأنَّها يثبت بِهَا الحُكْمُ بِمَا يَثْبُتُ بالشَّهَادَةِ، واخْتَارَ ابْنُ عَطِيَّة هُنَا أنَّهَا الشَّهَادة التي تُحْفَظُ فَتُؤدَّى. فصل في سبب نزول الآية وسبَبُ نُزُولِها مَا رُوِي: أنَّ تَمِيمَ بن أوْسٍ الدَّارِيِّ وعَدِيّ بن زَيْدٍ كَانَا نَصْرانيينِ، خرجا من المدينةِ إلى الشَّامِ للتِّجَارَة، ومَعهُمَا بديل مَوْلَى عَمْرو بن العَاص، وكان مُسْلِماً مُهَاجراً، فلمَّا قَدِمُوا إلى الشَّام مَرِضَ بَدِيل، فكَتَبَ كِتَاباً فيه جَمِيعُ ما مَعَهُ من المَتَاعِ، وألْقَاهُ في جَوَالِق، ولم يُخبِر صَاحِبَيْه بِذلِك، فلمَّا اشْتَدّ مَرَضُهُ، أوْصَى إلى تَميم وعَدِيّ، وأَمَرَهُمَا أن يَدْفَعَا مَتَاعهُ إذا رجعا إلى أهْلِهِ، ومات "بَدِيل" فَفَتَّشَا متَاعَهُ، وأخَذَا مِنْهُ إناء فضَّةٍ مَنْقُوشاً بالذَّهَبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ من فِضَّةٍ فغيَّبَاه، ثم قَضَيَا حَاجَتَهُمَا وانْصَرَفا إلى المدينةِ، فَدَفَعا المتاع إلى أهْلِ البَيْتِ، فَفَتَّشُوا وأصَابُوا الصَّحِيفَة، فيها تَسْمِيَةُ ما كان مَعَهُ، فَجَاءوا تَمِيماً وعَدِيًّا، فقالُوا: هل باع صَاحِبُنَا شَيْئاً من مَتَاعِهِ؟ قالاَ: لاَ، قالوا: فهل اتَّجَرَ تِجَارَةً؟ قَالاَ: لاَ، قالُوا: فَهَلْ طَالَ مَرَضُهُ فأنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ؟ قالاَ: لاَ، فقالُوا: إنَّا وَجَدْنَا في متاعِهِ صَحِيفَةً فيها تَسْمِيَةُ ما مَعَهُ، وإنَّا قَدْ فَقَدْنَا منها إنَاءً من فِضَّةٍ مُمَوَّهاً بالذَّهِبِ، فيه ثلاثمائَةِ مِثْقَالٍ فِضَّة فقالا: ما نَدْري، إنَّما أوْصَى لنا بِشَيْء، وأمَرَنَا أن نَدْفعه إلَيْكم فَدَفَعْنَاه، وما لنا عِلْمٌ بالإنَاء، فاخْتَصَمُوا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فأصَرَّا على الإنْكَار، وحَلَفَا فأنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية. قوله تعالى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}: هذه الآية وما بعدها من أشْكَلِ القُرآنِ حُكْماً وإعْراباً وتَفْسيراً، ولم يَزَلِ العلماءُ يستشكلُونَها حتى قال مكيُّ بنُ أبي طالبٍ في كتابه المسمَّى بـ "الكشف": "هذه الآيةُ في قراءاتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها من أصْعَب آي في القُرْآن وأشْكلِها، قال: ويحتملُ أن يُبْسَطَ ما فيها من العلوم في ثلاثينَ ورقةً أو أكثر"؛ قال: "وقد ذكرنَاهَا مشروحةً في كتاب مفردٍ"، وقال ابن عطية: "وهذا كلامُ من لم يَقَعْ له الثَّلَجُ في تَفْسيرها، وذلك بَيِّنٌ من كتابه"، وقال السَّخَاوِيُّ: "لم أر أحداً من العلماء تَخَلَّصَ كلامُه فيها من أولها إلى آخرها"، وقال الواحديُّ: "وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنًى وإعراباً وتفسيراً" قال شهاب الدين: وأنا أستعينُ الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراءاتها ومعرفةِ تأليفها مِمَّا يختصُّ بهذا الموضوع، وبالله الحول والقوة. قرأ الجمهورُ "شَهَادَة بَيْنِكُمْ" برفع "شَهَادةُ" مضافةً لـ "بَيْنِكُمْ"، وقرأ الحسنُ والأعرجُ والشَّعْبِيُّ برفعها منوَّنةً "بَيْنَكُمْ" نصباً، والسُّلَميُّ والحسنُ والأعرجُ - في رواية عنهما -: "شَهَادَةً" منونَّةً منصوبة، "بَيْنَكُمْ" نصباً، فأمَّا قراءة الجمهور، ففي تخريجها خمسةُ أوجه: أحدها: أنها مرفوعةٌ بالابتداءِ، وخبرُها "اثْنَانِ"، ولا بدَّ على هذا الوجه من حذفِ مضافٍ: إمَّا من الأوَّل، وإمَّا من الثاني، فتقديرُه من الأول: ذَوَا شَهَادَةِ بَيْنكُمُ اثنانِ، أي صَاحِبَا شهادةِ بينكم اثنانِ، وتقديرُه من الثاني: شهادةُ بينكم شهادةُ اثنين، وإنما اضطررْنا إلى حذفٍ من الأول أو الثاني ليتصادقَ المبتدأ والخبرُ على شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ الشهادة معنًى، والاثنان جُثَّتَانِ، ولا يجيء التقديران المذكورانِ في نحو: "زَيْدٌ عَدْلٌ" وهما جعله نفس المصدرِ مبالغةً أو وقوعُه موقع اسم الفاعل؛ لأنَّ المعنى يَأبَاهُمَا هنا، إلا أنَّ الواحديَّ نقل عن صاحب "النَّظْم"؛ أنه قال: "شَهَادَة" مصدرٌ وُضِع مَوْضِعَ الأسْمَاء. يريدُ بالشهادة الشهود؛ كما يقال: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضاً، ورجالٌ عَدْلٌ ورِضاً وزَوْر، وإذا قَدَّرْتها بمعنى الشُّهُود، كان على حذف المضاف، ويكون المعنى: عدَّة شهودٍ بينكم اثنانِ، واستشهد بقوله: {أية : ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ} تفسير : [البقرة: 197]، أي: وقتَ الحجِّ، ولولا ذلك لنصب أشهراً على تأويل: "الحَجُّ في أشْهُرٍ"، فعلى ظاهر هذا أنه جعل المصدر نفس الشهود مبالغةً، ولذلك مثله بـ "رِجَال عَدْل"، وفيه نظر. الثاني: أن ترتفع على أنها مبتدأ أيضاً، وخبرها محذوفٌ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلام، و"اثْنَان" على هذا مرتفعان بالمصدر الذي هو "شهادة"، والتقدير: فيما فَرَضَ عليْكُمْ أن يشهد اثْنَانِ، كذا قدَّره الزمخشريُّ وهو أحد قولي الزَّجَّاج، وهو ظاهرٌ جدًّا، و"إذَا" على هذين الوجهين ظرف لـ "شَهَادَةُ"، أي ليُشْهَد وقتُ حضورِ الموت - أي أسبابه - و"حِينَ الوصيَّةِ" على هذه الأوجه؛ فيه ثلاثة أوجه: أوجهها: أنه بدلٌ من "إذَا"، ولم يذكر الزمخشريُّ غيره، قال: "وفي إبداله منه دليلٌ على وجوب الوصية". الثاني: أنه منصوبٌ بنَفْسِ الموت، أي: يقع المَوْتُ وقْتَ الوصية، ولا بُدَّ من تأويله بأسباب الموت؛ لأنَّ وقتَ الموتِ الحقيقيِّ لا وصيةَ فيه. الثالث: أنه منصوبٌ بـ "حَضَرَ"، أي: حَضَر أسباب الموتِ حين الوصيَّة. الثالث: أنَّ "شَهَادَةُ" مبتدأ، وخبره: "إذَا حضَرَ"، أي: وقوعُ الشهادة في وقتِ حضُورِ الموتِ، و"حِينَ" على ما تقدَّم فيه من الأوجه الثلاثة آنفاً، ولا يجوزُ فيه، والحالةُ هذه: أن يكون ظرفاً للشهادة؛ لئلا يلزمَ الإخبارُ عن الموصول قبل تمامِ صلته، وهو لا يجوزُ؛ لما مرَّ، ولمَّا ذكر أبو حيَّان هذا الوجه، لم يستدركْ هذا، وهو عجيبٌ منه. الرابع: أنَّ "شَهَادَةُ" مبتدأ، وخبرُها "حِين الوصيَّةِ"، و"إذَا" على هذا منصوبٌ بالشَّهَادَةِ، ولا يجوز أن ينتصب بـ "الوصيَّة"، وإن كان المعنى عليه؛ لأنَّ المصدر المؤوَّلَ لا يَسْبقه معمولُه عند البصريِّين، ولو كان ظرفاً، وأيضاً: فإنه يلزمُ منه تقديمُ المضافِ إليه على المضافِ؛ لأن تقديم المعمول يُؤذِنُ بتقديمِ العامل، والعاملُ لا يتقدَّم، فكذا معمولُه، ولم يجوِّزوا تقديم معمُولِ المضافِ إلَيْه على المضاف إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان المضافُ لفظةَ "غَيْر"؛ وأنشدوا: [البسيط] شعر : 2061- إنَّ امْرَأ خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتَهُ عَلَى التَّنَائِي لِعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ تفسير : فـ "عِنْدِي" منصوبٌ بـ "مَكفُور"؛ قالوا: لأنَّ "غَيْر" بمنزلة "لاَ"، و"لاَ" يجوزُ تقديمُ معمولِ ما بعدها عليها، وقد ذكر الزمخشريُّ ذلك آخرَ الفاتحةِ، وذكر أنه يجوزُ "أنَا زَيْداً غَيْرُ ضَارِبٍ" دون "أنَا زَيْداً مِثْلُ ضَارِبٍ"، و"اثنان" على هذين الوجهين الأخيرين يرتفعان على أحد وجهين: إمَّا الفاعلية أي: "يَشْهَدُ اثْنَانِ" يدل عليه لفظ "شَهَادة"، وإمَّا على خبر مبتدأ محذوف مدلولٍ عليه بـ "شهادة" أيضاً أي: الشاهدان اثنان. الخامس: أنَّ "شهَادَةُ" مُبْتدأ، و"اثْنَانِ" فاعلٌ سدَّ مَسدَّ الخبَر، ذكره أبُو البقاء وغيره، وهو مذهبُ الفرَّاء، إلا أنَّ الفرَّاء قدَّر الشَّهادةَ واقِعةً موقعَ فِعْلِ الأمْر؛ كأنه قال: "لِيَشْهَدِ اثْنَانِ"، فجعلُه من باب نِيَابةِ المصْدَرِ عن فِعْل الطَّلَبِ، وهو مثل "الحَمْدُ لله" و{أية : قَالَ سَلاَمٌ} تفسير : [هود: 69]؛ من حيث المعنى، وهذا مذهبٌ لبعضهم في نحو: "ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً" يدَّعِي أن الياء فاعلٌ سدَّتْ مسدَّ الخبرِ، وهذا مذهبٌ ضعيفٌ ردَّه النَّحْوِيُّون، ويخصُّون ذلك بالوصْفِ المعتمد على نَفْيٍ أو استفهامٍ؛ نحو: "أقَائِمٌ أبَواكَ" وعلى هذا المذهب فـ "إذَا" و"حِينَ" ظرفان مَنْصُوبان على ما تقرَّر فيهمَا في غير هذا الوجه؛ وقد تَحَصَّلْنا فيما تقدَّم أنَّ رفع "شَهَادَةُ" من وجْهِ واحدٍ؛ وهو الابتداءُ، وفي خبرها خَمْسَة أوجه تقدَّم ذكرُها مُفَصَّلَةً، وأنَّ رفع "اثْنَان" من خَمْسة أوْجُه: الأول: كونه خَبَراً لـ "شَهَادَةُ" بالتَّأويل المذكُور. الثاني: أنه فاعلٌ بـ "شَهَادَةُ". الثالث: أنه فاعلٌ بـ "يَشْهَدُ" مقدَّراً. الرابع: أنه خبر مُبْتدأ، أي: الشَّاهدان اثْنَانِ. الخامس: أنه فاعلٌ سَدَّ مسدَّ الخبر، وأنَّ في "إذَا" وجهين: إمَّا النَّصْبَ على الظرفيَّة، وإمَّا الرفع على الخَبَرِيَّة لـ "شَهَادَةُ"، وكل هذا بَيِّنٌ مما لَخَّصْتُه قبلُ، وقراءةُ الحسن برفعها منونةً تتوجه بما تقدَّم في قراءة الجُمْهور من غير فَرْقٍ. وأمَّا قراءةُ النصبِ، ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - وإليه ذهب ابن جنِّي -: أنها منصوبةٌ بفعل مضمرٍ، و"اثْنَان" مرفوعٌ بذلك الفعل، والتقدير: ليُقِمْ شهادةَ بَيْنكُمُ اثْنَانِ، وتبعه الزمخشريُّ. وقد ردَّ أبو حيان هذا؛ بأن حذف الفعل وإبقاء فاعله، لم يُجِزْهُ النحويون، إلا أن يُشْعِرَ به ما قبله؛ كقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} تفسير : [النور: 36 - 37] في قراءة ابن عامر وأبي بَكْرٍ، أي: يُسَبِّحُهُ رجال؛ ومثله: [الطويل] شعر : 2062- لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ تفسير : وفيه خلافٌ: هل يَنْقاسَ أو لا؟ أو يُجَابَ به نَفْيٌ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2063- تَجَلَّدْتَ حَتَّى قِيلَ: لَمْ يَعْرُ قَلْبَهُ مِنَ الوَجْدِ شَيْءٌ قُلْتُ: بَلْ أعْظَمُ الوَجْدِ تفسير : أي: بَلْ عراه أعظمُ الوجْدِ، أو يُجاب به استفهامٌ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2064- ألاَ هَلْ أتَى أمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسِلِي نَعَمْ خَالِدٌ إنْ لَمْ تُعِقْهُ العَوَائِقُ تفسير : أي: بل أتَاهَا أو يَأتِيهَا، وما نحْنُ فيه ليس من الأشياء الثلاثة. الثاني: أن "شَهَادَةً" بدل من اللفظ بفعل، أي: إنها مصدر ناب مناب الفعلِ، فيعملُ عملَه، والتقدير: لِيَشْهد اثْنَانِ، فـ "اثْنَانِ" فاعل بالمصدر، لنيابته منابَ الفعلِ، أو بذلك الفعلِ المحذوفِ، على حسبِ الخلاف في أصل المسألة، وإنما قدَّرْتُه "لِيَشْهَدِ اثْنَانِ"، فأتيتُ به فعلاً مضارعاً مقروناً بلام الأمر، ولم أقدِّرْهُ فِعْلَ أمر بصيغة "افْعَلْ"؛ كما يُقَدِّرُه النحويُّون في نحو: "ضَرْباً زَيْداً"، أي: "اضْرِبْ" لأنَّ هذا قد رفع ظاهراً وهو "اثنانِ"، وصيغةُ "افْعَلْ" لا ترفع إلا ضميراً مستتراً إن كان المأمور واحداً؛ ومثلُه قوله: [الطويل] شعر : 2065-................................ فَنَدْلاً زُرَيْقُ المَالَ نَدْلَ الثَّعَالِبِ تفسير : فـ "زُرَيْقُ" يجوز أن يكون منادًى، أي: يا زُرَيْقُ، والثاني: أنه مرفوع بـ "نَدْلاً" على أنه واقعٌ "لِيَنْدَلْ"، وإنما حُذِف تنوينه؛ لالتقاء الساكنين؛ على حَدِّ قوله: [الطويل] شعر : 2066-................................ وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا تفسير : الثالث: أنَّ "شَهَادَةً" بدل من اللفظ بفعلٍ أيضاً، إلا أنَّ هذا الفعل خبريٌّ، وإن كان أقلَّ من الطلبيِّ، نحو: "حَمْداً وشُكْراً لا كُفْراً"، و"اثْنَانِ" أيضاً فاعلٌ به، تقديرُه: يَشْهَدُ شَهَادَةً اثنانِ، وهذا أحسنُ التخاريجِ المذكُورة في قولِ امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2067- وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ................................ تفسير : "وُقُوفاً" مصدرٌ بدلٌ من فعلٍ خبريٍّ رفع "صَحْبِي" ونصب "مَطِيَّهُمْ" تقديره: وقف صَحْبِي، وقد تقدَّم أنَّ الفرَّاء في قراءة الرفع قدَّرَ أن "شَهَادَة" واقعةٌ موقع فعلٍ، وارتفع "اثْنَان" بها، وقد تقدم أنَّ ذلك يجوز أن يكون مِمَّا سَدَّ فيه الفاعل مسدَّ الخبر، و"بَيْنَكُمْ" في قراءةِ مَنْ نوَّن "شَهَادَة" نصبٌ على الظرف، وهي واضحةٌ. وأمَّا قراءةُ الجرِّ فيها، فَمِنْ باب الاتِّساعِ في الظُّروفِ، أي: بجعل الظرفِ كأنه مفعولٌ لذلك الفعلِ، ومثله: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف: 78] وكقوله تعالى: "لَقَد تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ" [الأنعام: 94] فيمن رفع، قال أبو حيان: "وقال الماتُرِيديُّ - وتبعه الرازيُّ -: إنَّ الأصلَ "مَا بَيْنكُمْ" فحذف "مَا"، قال الرازيُّ: و"بَيْنَكُمْ" كنايةٌ عن التنازُعِ؛ لأنه إنما يُحْتَاجُ إلى الشهود عند التنازع، وحَذْفُ "مَا" جائزٌ عند ظهوره؛ ونظيرُه كقوله تعالى: {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} في قراءة مَنْ نصب" قال أبو حيان: "وحَذفُ "مَا" الموصولةِ غيرُ جائز عند البصريِّين، ومع الإضافة لا يَصِحُّ تقديرُ "مَا" ألبتة، وليس قوله {هذا فِرَاقُ بَيْنِي} نظيرَ {لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} لأن هذا مضافٌ، وذلك باقٍ على ظرفيته فيُتَخَيَّلُ فيه حَذْفُ "مَا"؛ بخلاف {هذا فِرَاقُ بَيْنِي} و{شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}؛ فإنه لا يُتَخَيَّلُ فيه تقديرُ "مَا"؛ لأنَّ الإضافة أخْرَجَتْهُ عن الظرفيَّة وصَيَّرَتْهُ مفعولاً به على السَّعَة"، قال شهاب الدين: هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو عليٍّ الجُرْجَانِيُّ بعينه، قال - رحمه الله تعالى -: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}، أي: ما بَيْنكُمْ، و"مَا بَيْنَكُمْ" كنايةٌ عن التنازُع والتشاجر، ثم أضافَ الشهادة إلى التنازعِ؛ لأن الشهودَ إنَّما يُحْتَاجُ إليهم في التنازُعِ الواقعِ فيما بين القوم، والعربُ تُضيفُ الشيْءَ إلى الشيءِ، إذا كان منه بسبب؛ كقوله تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} تفسير : [الرحمن: 46]، أي: مقامه بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، والعربُ تَحْذِفُ كثيراً ذكر "مَا" و"مَنْ" في الموضِعِ الذي يُحْتَاجُ إليهما فيه؛ كقوله: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ} تفسير : [الإنسان: 20] أي: ما ثَمَّ، وكقوله: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف: 78] و{أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 94] أي ما بَيْنِي، ومَا بَيْنَكُمْ، وقول أبي حَيَّان "لا يُتَخَيَّل فيه تقديرُ "مَا" إلى آخره" ممنوعٌ؛ لانَّ حالة الإضافة لا تَجْعَلُها صلةً للموصول المحذوف، ولا يَلْزمُ من ذلك: أنْ تُقَدِّرَها من حيث المعنى، لا من حيث الإعرابُ؛ نظراً إلى الأصْلِ، وأمَّا حَذْفُ الموصُولِ، فقد تقدَّم تحقيقُه. فصل واخْتَلَفُوا في هَاتَيْن الآيتين، فقالَ قَوْمٌ: هما الشَّاهِدِانِ يَشْهَدَان على وِصيَّةٍ. وقال غَيْرُهُم: هُمَا الوصيَّان؛ لأنَّ الآيَة نَزَلَتْ فيهما؛ ولأنَّه قال: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ}، ولا يَلْزَمُ الشَّاهِدُ يَمِين، وجَعَلَ الوَصِيَّ اثْنَيْن تَأكيداً، فعلى هذا تكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى: الحُضُور، كقولك: "شَهِدْتُ وصيَّة فُلانٍ"، بِمَعْنَى: حَضَرتُ وشَهِدْتُ العَيْن، وقوله تعالى: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2] يُريدُ الحُضُور. فصل وقوله: "ذَوا" صفةٌ لاثنين، أي: صاحِبَا عدْلٍ، وكذلك قوله "مِنْكُمْ" صفة أيضاً لاثنين، وقوله: "أوْ آخَرَانِ" نسقٌ على اثنين، و"مِنْ غَيْرِكُمْ" صفةٌ لآخَرَيْنِ، والمراد بـ "مِنْكُمْ" من قرابتكم وعترَتِكُم، ومن غيركم من المسلمين الأجانب، وقيل: "مِنْكُمْ" من أهل دينكم، و"مِنْ غَيْرِكُمْ" من أهل الذمة، ورجَّح النحَّاسُ الأولَ، فقال: "هذا يَنْبَنِي على معنًى غامضٍ في العربية، وذلك أنَّ معنى "آخَرَ" في العربية من جنْسِ الأوَّلِ تقولُ: "مَرَرْتُ بِكَرِيمٍ وكَرِيمٍ آخَرَ" ولا يجوز "وخَسِيسٍ آخَرَ" ولا: "مَرَرْتُ بِحِمَارٍ ورَجُلٍ آخَرَ"، فكذا هاهنا يجب أن يكون "أو آخَرَانِ": أو عَدْلاَن آخَرَان، والكفارُ لا يكونونَ عُدُولاً" وردَّ أبو حيان ذلك؛ فقال: أمَّا ما ذكرَهُ من المُثُلِ، فصحيحٌ؛ لأنه مثَّل بتأخير "آخَرَ"، وجعله صفةً لغير جنسِ الأوَّل، وأمَّا الآيةُ، فمن قبيل ما يُقدَّم فيه "آخَر" على الوصف، واندرج "آخَر" في الجنْس الذي قبله، ولا يُعْتَبَرُ وصْفُ جنس الأول، تقول: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وآخَرَ كَافِرٍ، واشْتَرَيْتُ فَرَساً سَابِقاً، وآخَرَ بَطِيئاً"، ولو أخَّرْتَ "آخَرَ" في هذين المثالين، فقلت: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ كَافِرٍ آخَرَ"، لم يَجُزْ، وليس الآيةُ من هذا؛ لأن تركيبها {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فـ "آخَرَانِ" من جنسِ قوله "اثْنَانِ"، ولا سيما إذا قَدَّرْته: "رَجُلانِ اثْنَانِ" فـ "آخَرَانِ" هما من جنْس قوله "رَجُلانِ اثْنَانِ"، ولا يُعْتَبَرُ وصف قوله: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}، وإن كان مغايراً لقوله "مِنْ غَيْركُمْ"، كما لا يُعتبر وصفُ الجنْسِ في قولك: "عِنْدِي رَجُلانِ اثْنَانِ مُسْلِمَانِ وآخَرَانِ كَافِرَانِ"؛ إذ ليس من شرطِ "آخَرَ" إذا تقدَّم أن يكون من جنْس الأول بقيدِ وصفه، وعلى ما ذكرته جاء لسانُ العربِ؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 2068- كَانُوا فَرِيقَيْنِ يُصْفُونَ الزِّجَاجَ عَلَى قُعْسِ الكَوَاهِلِ في أشْدَاقِهَا ضَخَمُ وآخرِينَ تَرَى المَاذِيَّ فَوْقَهُمُ مِنْ نَسْجِ دَاوُدَ أوْ مَا أوْرَثَتْ إرَمُ تفسير : التقديرُ: كانوا فريقين: فريقاً - أو ناساً - يُصْفُونَ الزجاج، ثم قال: "وآخرين تَرَى الماذِيَّ، فـ "آخَرِينَ" من جنْس قولك "فَرِيقاً"، ولم يعتبره بوصفه بقوله "يُصْفُونَ الزِّجاج"؛ لأنه قَسَّم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين بالجنْسِ"، قال: "وهذا الفرقُ قَلَّ مَنْ يَفْهَمُهُ؛ فَضْلاً عَمَّنْ يَعْرفُهُ". وقوله: "أو" الظاهرُ أنها للتخْيير، وهو واضحٌ على القول بأن معنى "مِنْ غَيْرِكُمْ": مِنْ غير أقاربِكُمْ من المسلمين، يعني: المُوصِي مُخَيَّرٌ بيْنَ أنْ يُشْهِدَ اثنَيْنِ من أقاربه، أو من الاجانب المسلمين وقيل: "أوْ" للترتيب: أي: لا يُعْدَلُ عن شاهدين منْكُمْ إلا عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وهذا لا يجيءُ إلا إذا قلنا: "مِنْ غَيْرِكُمْ": من غير أهْلِ مِلَّتِكُمْ. قوله: "إن أنْتُمْ" "أنْتُمْ" مرفوعٌ بمحذوفٍ يفسِّره ما بعده، وهي مسألة الاشتغالِ، والتقديرُ: إنْ ضَرَبْتمْ، فلما حُذِفَ الفعلُ، انفصلَ الضميرُ، وهذا مذهبُ جمهور البصريِّين، وذهب الأخْفَشُ منهم والكوفيُّون إلى جواز وقوعِ المبتدأ بعد "إن" الشرطيَّةِ؛ كما أجازوه بعد "إذَا" أيضاً، فـ "ضَرَبْتُمْ" لا محلَّ له عند الجمهور؛ لكونه مفسِّراً، ومحلُّه الرفعُ عند الكوفيين والأخفش؛ لكونه خبراً؛ ونحوه: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ} تفسير : [التوبة: 6]، {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ} تفسير : [التكوير: 1]. وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه قوله تعالى: {اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ}، ولكنَّ تقدير هذا الجوابِ يتوقَّف على خلافٍ في هذا الشرط: هل هو قيدٌ في أصْلِ الشهادة، أو قيدٌ في {آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ} فقط؟ بمعنى: أنه لا يجوزُ العدولُ في الشهادة على الوصيَّة إلى أهلِ الذمةِ، إلا بشَرْطِ الضرب في الأرض، وهو السفر، فإن قيل: هو شرطٌ في أصْلِ الشهادةِ، فتقديرُ الجواب: إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ، فليشهد اثنانِ منْكُمْ أو من غَيْرِكُمْ، وإنْ كان شرطاً في العدُولِ إلى آخَرَيْنِ من غير الملَّة، فالتقدير: فأشْهِدُوا آخَرَيْنِ من غَيْركم، أو فالشاهِدُ آخَرَانِ من غَيْرِكُمْ، فقد ظهر أنَّ الدَّالَّ على جوابِ الشرط: إمَّا مجموعُ قوله: "اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ... إلى آخره" على القولِ الأوَّل، وإمَّا {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فقط على القولِ الثاني. والفاء في "فَأصَابتكم" عاطفةٌ هذه الجملةَ على نَفْسِ الشرط، وقوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} فيه وجهان: أحدهما: أنها في محلِّ رفع صفة لـ "آخَرَانِ"؛ وعلى هذا: فالجملةُ الشرطيةُ وما عُطِفَ عليها معترضةٌ بين الصفةِ وموصوفها؛ فإنَّ قوله "تَحْبسُونَهُمَا" صفةٌ لقوله "آخَرَانِ"، وإلى هذا ذهب الفارسيُّ، ومكِّي بنُ أبِي طالبٍ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء، وابن عطيَّة، وقد أوضحَ الفارسيُّ ذلك بعبارةٍ خاصَّةٍ، فقال: "تَحْبِسُونَهُمَا" صفة لـ "آخَرَانِ" واعترض بقوله: {إِنْ أَنتُمْ ضربْتُمْ فِي الأرْض}، وأفاد الاعتراضُ: أنَّ العُدولَ إلى آخرين من غير المِلَّة، أو القرابة حَسَبَ اختلافِ العُلَمَاء فيه؛ إنما يكون مع ضرورة السَّفَر، وحلول المَوْت فيه، واستغني عن جواب "إنْ"؛ لِما تقدَّم في قوله {آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ}، فقد ظهر من كلامه: أنه يجعلُ الشرط قيداً في {آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فقط لا قيداً في أصْلِ الشهادة، فتقديرُ الجوابِ على رأيه؛ كما تقدَّم: "فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْن مِنْ غَيْرِكُمْ" أو "فالشَّاهِدَانِ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ". والثاني: أنه لا محلَّ له؛ لاستئنافهِ، وإليه ذهب الزمخشريُّ؛ قال: "فإنْ قلت: ما موقعُ قوله: "تَحْبِسُونَهُمَا"؟ قلتُ: هو استئنافُ كلامٍ، كأنه قيل بعد اشتراطِ العدالةِ فيهما: فكيفَ نَعْمَلُ، إن ارتَبْنَا فيهمَا؟ فقيل: تَحْبِسُونَهُمَا"، وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ أوفقُ للصناعة؛ لأنه يلزمُ في الأوَّل الفصْلُ بكلام طويلٍ بين الصفة وموصوفها، وقال: "بعد اشتراط العدالة"؛ بناءً على مختاره في قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ}، أي: أو عَدْلانِ آخرانِ من الأجانب. قال أبو حيان: "في قوله: "إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ" إلى آخره التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، إذ لو جرى على لفظ {إذا حَضَر أحدَكُمُ المَوْتُ}، لكان التركيب: إنْ هو ضَرَبَ في الأرْضِ، فأصابته، وإنما جاء الالتفاتُ جمعاً؛ لأنَّ "أحَدَكُمْ" معناه: إذا حضَرَ كُلَّ واحدٍ منكم المَوْتُ"، وفيه نظرٌ؛ لأن الخطاب جارٍ على أسلوب الخطابِ الأوَّل من قوله: {يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادةُ بَيْنِكُمْ} إلى آخره، وقال ابن عبَّاس: "في الكلام حذفٌ، تقديرُه: فأصابتْكُمْ مصيبةُ الموتِ، وقد أشهدتُموهُمَا على الإيصاء"، وعن سعيد بن جُبير: تقديره "وقد أُوصيتُم"، قال بعضُهُم: "هذا أوْلَى؛ لأنَّ الوَصِيَّ يَحْلِفُ، والشَّاهدَ لا يَحْلِفُ". والخطابُ في "تَحْبِسُونَهُمَا" لولاةِ الأمور لا لِمَنْ خُوطِبَ بإصابته المَوْتَ؛ لأنه يتعذَّر ذلك فيه، و"مِنْ بَعْدِ" متعلِّق بـ "تَحْبِسُونَهُمَا"، ومعنى الحَبْسِ: المنعُ، يقال: حَبَسْتُ وأحْبَسْتُ فَرَسِي في سبيلِ الله، فَهُوَ مُحْبَسٌ وحَبِيسٌ، ويقال لمصْنَعِ الماءِ: "حَبْسٌ"؛ لأنه يمنعه، ويقال: "حَبَّسْتُ" بالتشديد أيضاً بمعنى وقَفْتُ وسَبَلْتُ؛ وقد يكون التشديدُ للتكثير في الفعل؛ نحو: "حَبَّسْتُ الرِّجَالَ"، والألف واللام في "الصَّلاة" فيها قولان: أحدهما: أنها للجنْس، أي: بعد أيِّ صلاة كانت. والثاني - وهو الظاهر - أنها للعَهْد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -. فصل معنى الآية: أنَّ الإنْسَان إذا حَضَرَهُ المْوتُ، أنْ يُشهِدَ اثنين ذَوَيْ عدلٍ أي: أمَانةٍ وعَقْلٍ. ومعنى قوله: "مِنْكُم" أي: أهْل دِينكُمْ يا مَعْشَر المُؤمنين، {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكمْ}، من غَيْر دِينكُمْ قول أكثر المُفَسِّرين، قاله ابْنُ عبَّاس، وأبُو مُوسى الأشْعَرِي، وهو قَوْلُ سعيد بن المُسَيِّبِ، وإبراهيمِ النَّخْعِي، وسعيد بنِ جُبَيْرٍ [وشريح]، ومُجَاهِد، وعُبَيْدة، ثُمَّ اختلفَ هؤلاءِ في حُكْمِ الآيَةِ. فقال النَّخْعي، وجماعةٌ: هي منسوخَةٌ، وكانَتْ شَهَادةُ أهْلِ الذَمَّةِ مَقْبُولَةً في الابْتِدَاء، ثُمَّ نُسِخَتْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهَا ثَابِتَة، وقالُوا: إذا لم يَجِدْ مُسْلمَيْنِ يُشهِدُ كَافِريْنِ قَالَ شُرَيْح: مَنْ كان بِأرْض غُرْبَةٍ، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يَشْهدُ على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ كَافِرَيْنِ على أيِّ دينٍ كَانَا من أهْلِ الكتابِ، أوْ عَبَدَةِ الأوْثان، فَشَهَادَتُهُم جَائِزةٌ، ولا تَجُوزُ شَهَادَةُ كافرٍ على مُسْلمٍ إلاَّ على وَصِيَّةٍ في سَفَرٍ. وعن الشَّعْبِيِّ: أنَّ رَجُلاً من المُسْلِمين حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ بدقوقا، ولم يَجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتِهِ، فأشْهَدَ رجُلَيْنِ من أهْلِ الكِتَابِ، فقدِمَا الكوفَةَ بتَرِكَتهِ وأتَيا أبَا مُوسَى الأشْعَرِي. فقال الأشْعَرِيُّ: هذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الذي كان على عَهْد رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فأحْلَفَهُمَا باللَّه ما خَانَا ولا كَذبَا، ولا بَدَّلا، ولا غيَّرا، وأنَّها لوصيَّة الرَّجُل وتركتِهِ، وأمْضَى شَهَادتَهُمَا وقال آخرُون: قوله: {ذوا عدلٍ مِنْكُمْ} أي: من حَيّ المُوصِي، {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}، أي: من غَيْرِ حَيِّكُمْ وعَشِيرَتِكُمْ، وهو قول الحَسَن والزُّهرِي وعِكْرِمَة [وجُمْهُور الفُقَهَاء]، وقالوا: لا يجوز شَهَادةُ كَافِرٍ في شَيْءٍ من الأحْكَامِ. وقوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ}، أي: إنْ وَقَعَ المَوْتُ في السَّفَرِ، ولم يَكُنْ مَعَكَمْ أحَدٌ من المُسْلِمِين، أوْ من أقَارِبِكُمْ، فاسْتَشْهِدُوا أجْنَبِيَّيْن على الوصيَّة، إمَّا من مِلتِكُم، أو من غَيْرِ مِلَّتِكُمْ على الخِلاف. واحتَجَّ من قال: المُرَادُ بقوله: "مِنْ غَيْرِكُم": الكُفَّار؛ بأنَّه تعالى قال في أوَّل الآيةِ: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فعمَّ بهذا الخِطَابِ جَمِيعَ المُؤمنينَ، فلما قال بعده "مِنْ غَيْرِكُم" كان المُرادُ غَيْرَ المُؤمنين. وأيضاً كما شَرَطَ هذا الاسْتِشْهَاد بحَالَة السَّفَرِ عَلِمْنَا أن المُراد بالآية: الكُفَّار؛ لأنَّ جواز الاسْتِشْهَادِ بالمُسْلِمِ غير مَشْرُوطٍ بالسَّفْر. وأيضاً فالآية تَدُلُّ على وُجُوبِ تَحْلِيف الشَّاهدين بَعْد الصلاة، والإجْمَاع على أنَّ الشَّاهِد المُسْلِم، لا يَجِبُ عَلَيْه الْحَلفُ، فعَلِمْنَا أنَّ هذَيْن الشَّاهدَيْن ليسا من المُسْلِمين وأيضاً بسَببِ النُّزُول، ما ذكرنا من شَهَادَةِ النَّصْرَانِيَّيْن، وقِصَّة أبِي مُوسى الأشْعَرِي، إذ قَضَى بِشَهَادَةِ اليَهُوديَّيْن، ولَمْ يُنْكِرْ عليه أحَدٌ من الصَّحَابَة، فكان إجْماعاً، فهذه حالةُ ضَرُورَةٍ، والضَّرُورَاتُ قد تُبِيحُ المَحْظُورات، كَجَوازِ التَّيَمُّمِ، والقَصْرِ، والفِطْرِ في رمضان، وأكلِ المَيْتَةِ في حالِ الضَّرُورَة، والمُسْلِمُ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ في السَّفرِ، ولم يجِدْ مُسْلِماً يُشْهِدُه على وصِيَّتهِ، ولم تكنْ شَهَادةُ الكافِرِين مَقْبُولَةٌ، فإنَّه يُضَيِّع أكثر مُهِمَّاتِه، ورُبَّما كان عِنْدَهُ ودَائِع ودُيُونٌ في ذِمَّتِهِ. كما تُجُوزُ شَهادَةُ النِّساء فيما يتعلَّقُ بأحْوَالِهِنَّ، كالحَيْضِ والحَبَلِ والولادَةِ والاستِهْلاَلِ؛ لِعَدَم إمْكَانِ وقُوفِ الرِّجَال على هذه الأحْوَال، فاكتُفي بِشَهادةَ النِّسَاء فيها للضَّرُورة، فكَذَا هَاهُنَا، والقَوْلُ بأنَّ هذا الحُكْمَ صَارَ مَنْسُوخاً بَعِيدٌ؛ لاتِّفَاقِ أكْثَرِ الأمَّةِ على أنَّ سُورة المَائِدَةِ من آخر ما نزل من القُرْآنِ، ولَيْسَ فيها مَنْسُوخٌ، واحْتَجَّ الآخَرون بقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2]، والكَافِرُ لا يكون عَدْلاً. وأُجِيبُ بأنَّه لم لا يجُوز أنْ يكون المرادُ بالعَدْلِ مَنْ كَانَ عدْلاً في الاحْتَرازِ عَنِ الكذبِ، لا مَنْ كان عَدْلاً في الدِّين والاعتقاد؛ لإجْماعِنَا على قُبُول شَهَادِةِ أهْلِ الأهْوَاء والبِدَعِ، مع أنَّهم لَيْسُوا عُدُولاً في مَذَاهِبِهم عِنْدَنا لِكُفْرِهِم، [ولكنهم] لمَّا كانُوا عُدُولاً في الاحْتِرازِ عَنِ الكَذِبِ، قَبِلْنَا شَهَادَتَهُمْ، فكذا هَاهُنَا. سلَّمْنَا أنَّ الكَافِرَ لَيْسَ بعْدلٍ، إلاَّ أن قوله: "ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ" عامٌّ، وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} خَاصٌّ؛ فإنَّه أوْجَبَ شهادَة العَدْلِ منَّا في الحَضَرِ، واكْتَفَى بِشَهَادَةِ مَنْ لا يَكُونُ منَّا في السَّفَرِ، فَهَذِه الآيَةُ خَاصَّةٌ، والآيةُ التي ذكرُوهَا عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّم على العامِّ، لا سِيَّما إذا كان الخَاصُّ مُتَأخِّراً في النُزُولِ، والمائِدَةُ مُتَأخِرَّةٌ، فكان تَقْدِيمُ هذه الآيَةِ الخَاصَّةِ وَاجِبٌ بالاتِّفَاقِ. وقوله: "تَحْبِسُونَهُمَا" أي: تستوقفونهما مِنْ بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا. وقال عامَّةُ المُفَسِّرين: من بعدِ صلاة العَصْرِ، قالَهُ الشَّعْبِي، والنَّخْعِي، وسعيدُ بن جُبير، وقَتادَةُ وغَيْرِهم؛ لأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيَان يُعَظِّمُونَ ذلك الوَقْت، ويَجْتَنِبُون فيه الحَلفَ الكَاذِبَ. وقال الحَسَنُ: مِنْ بعد صلاة الظُّهْر. واحتَجَّ الجُمْهُور بما تقدَّم، وبأنَّه رُوِي أنَّهُ لمَّا نَزلَتِ هذه الآيَةِ، صلَّى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاة العَصْر، ودَعَا بـ "عَدِيِّ" و"تَمِيمٍ" فأسْتَحلفَهُمَا عِنْد المِنْبَر. وقال بعضهم: بَعْدَ أداءِ أيِّ صلاةٍ كانتْ؛ لأنَّ الصَّلاة تَنْهَى عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَر. قال بَعْضُ العلماء: الأيمانُ تُغَلَّظ في الدِّماءِ، والطَّلاقِ، والعِتَاقِ، والمال إذا بلغ مائَتَيْ دِرْهم بالزَّمَانِ والمكَان، فَيُحْلَفُ بعد صلاة العَصْرِ بِمَكَّةَ بين الرُّكْنِ والمقام، وفي المدينَة عند المِنْبَر، وفي بَيْتِ المقْدِسِ عند الصَّخْرَةِ، وفي سَائِر البُلْدَانِ في أشْرَف المَسَاجِد. وقال أبو حنيفة: لا يَخْتَصُّ الحَلفُ بِزَمَان ولا مكان. قوله: "فَيُقْسِمَانِ" في هذه الفاء وجهان: أظهرهما: أنها عاطفةٌ هذه الجملة على جملة قوله: "تَحْبِسُونَهُمَا"، فتكون في محلِّ رفع، أو لا محلَّ لها حَسْبَمَا تقدَّم من الخلاف. والثاني: أنها فاءُ الجزاءِ، أي: جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وقال الفارسيُّ: "وإنْ شئت، لَمْ تَجْعَلِ الفاء؛ لعطف جملة، بل تجعلُه جزاءً؛ كقول ذي الرُّمَّة: [الطويل] شعر : 2069- وإنْسَانُ عَيْنِي يَحْسِرُ المَاءُ تَارَةً فَيَبْدُو، وتَارَاتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ تفسير : تقديرُه عندهم: إذا حَسَرَ بَدَا، وكذا في الآية: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا". [وقال مكيٌّ نحوه؛ فإنه قال: "ويجوزُ أنْ تكونَ الفاءُ جواب جزاءٍ؛ لأن "تَحْبِسُونَهُمَا" معناه الأمْرُ بذلك، وهو جوابُ الأمْر الذي دَلَّ عليه الكلامُ؛ كأنه قيل: إذا حَبَسْتُمُوهُمَا أقْسَمَا"] قال شهاب الدين: ولا حاجةَ داعيةً إلى شيء من تقدير شرطٍ محذوفٍ، وأيضاً: فإنه يُحْوجُ إلى حذفِ مبتدأ قبل قوله "فَيُقْسِمَان"، أي: فهما يُقْسِمَانِ، وأيضاً فـ "إنْ تَحْبِسُوهُمَا" تقدَّم أنها صفةٌ، فكيف يَجْعَلُها بمعنى الأمر، والطَّلَبُ لا يقع وصفاً؟ وأمَّا البيتُ الذي أنشده أبو عليٍّ، فَخَرَّجَه النحويُّون على أنَّ "يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً" جملةٌ خبرية، وهي وإن لم يكنْ فيها رابطٌ، فقد عُطِفَ عليها جملةٌ فيها رابطٌ بالفاء السَّببية، وفاءُ السببية جَعَلَتِ الجملتَيْنِ شيئاً واحداً. و"بالله" متعلِّقٌ بفعل القسم، وقد تقدَّم أنه لا يجوز إظهارُ فعلِ القسمِ إلا معها؛ لأنها أمُّ الباب، وقوله: {لاَ نَشْتَرِي به} جوابُ القسم المضمرِ في "يُقْسِمَانِ"، فتُلُقِّي بما يُتَلَقَّى به، وقوله: "إن ارْتَبْتُمْ" شرطٌ، وجوابه محذوفٌ، تقديرُه: إن ارتبتُمْ فيهما، فحلِّفُوهُمَا، وهذا الشرط وجوابه المقدَّرُ معترضٌ بين القسم وجوابه. والمعنى: إن ارتْبَتْمُ في شَأنِهِمَا فَحَلِّفُوهُمَا، وهذا الشَّرطُ حُجَّةُ من يقول: الآيةُ نَازِلةٌ في إشْهَادِ الكُفَّارِ؛ لأنَّ تَحْلِيفَ الشَّاهِدِ المُسْلِم غير مَشْرُوعٍ. ومن قال: الآيةُ نازلةٌ في المُسْلِمِ قال: إنها مَنْسُوخَةٌ. وعن عَلِيٍّ - رضي الله عنه -: أنَّهُ كان يُحَلِّفُ الشَّاهِدَ والرَّاوي عند التُّهْمَةِ. وليس هذه الآيةُ مِمَّا اجتمع فيه شرطٌ وقسمٌ، فأُجيب سابقُهما، وحُذِفَ جوابُ الآخرِ؛ لدلالةِ جوابه عليه؛ لأنَّ تلك المسألةَ شرطُها أن يكون جوابُ القسمِ صالحاً لأنْ يكون جواب الشرط؛ حتَّى يَسُدَّ مسدَّ جوابه؛ نحو: "والله إنْ تَقُمْ لأكْرِمَنَّكَ"، لأنك لو قَدَّرْتَ "إن تَقُمْ أكْرَمْتُكَ"، صَحَّ، وهنا لا يُقَدَّر جوابُ الشرط ما هو جوابٌ للقسَم، بل يُقَدَّر جوابُه قِسْماً برأسِه؛ ألا ترى أنَّ تقديره هنا: "إن ارْتَبْتُمْ، حَلِّفُوهُمَا" ولو قَدَّرْتَهُ: إن ارتبتُمْ، فلا نشتَرِي، لم يَصِحَّ، فقد اتفقَ هنا أنه اجتمع شرطٌ وقسمٌ، وقد أجيب سابقهما، وحُذفَ جوابُ الآخَرِ، وليس من تيكَ القاعدةِ، وقال الجُرْجَانِيُّ: "إنَّ ثَمَّ قولاً محذوفاً، تقديرُه: يُقْسِمَانِ بالله ويقولانِ هذا القَوْلَ في أيْمَانِهمَا، والعربُ تُضْمِرُ القولَ كثيراً؛ كقوله تعالى: {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد:23-24] أي: يقولُونَ سلامٌ عَلَيْكُمْ"، قال شهاب الدين: ولا أدْرِي ما حمله على إضمارِ هذا القَوْلِ؟. قوله: "بِهِ" في هذه الهاءِ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنها تعودُ على الله تعالى. الثاني: أنها تعودُ على القسم. الثالث: وهو قول أبي عليٍّ -: أنها تعودُ على تحريفِ الشهادةِ، وهذا قوي من حيث المعنى، وقال أبو البقاء: "تعودُ على اللَّهِ، أو القَسَمِ، أو الحَلْفِ، أو اليمينِ، أو تحريفِ الشهادةِ، أو على الشهادة؛ لأنها قولٌ"، قال شهاب الدين: قوله "أو الحَلْفِ أو اليمينِ" لا فائدةَ فيه؛ إذ هما شيءٌ واحدٌ، وكذلك قولُ من قال: إنها تعودُ على الله تعالى، لا بد أن يقدِّر مضافاً محذوفاً، أي: لا نَشْتَري بيمَينِ الله أوْ قسَمِه ونَحْوه؛ لأنَّ الذاتَ المقدَّسة لا يُقالُ فيها ذلك، وقال مكي: "وقيل: الهاءُ تعودُ على الشَّهادة، لكن ذُكِّرَتْ؛ لأنها قولٌ كما قال تعالى: {أية : فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 8] فردَّ الهاءَ على المقْسُومِ؛ لدلالة القسمة على ذلك"، والاشتراءُ هنا، هَلْ هو باقٍ على حقيقته، أو يُرَاد به البيع؟ قولان، أظهرهما الأول، وبيانُ ذلك مبنيٌّ على نصْب "ثَمَناً"، وهو منصوبٌ على المفعوليَّة، قال الفارسيُّ: "وتقديره: لا نَشْتَرِي به ذا ثَمَنٍ؛ ألا ترى أنَّ الثمن لا يُشْتَرى، وإنما يُشْتَرَى ذو الثمنِ"، قال: "وليس الاشتراءُ هنا بمعنى البيع، وإنْ جاء لغةً، لأنَّ البيع إبعادٌ عن البائع، وليس المعنى عليه، إنما معناه التمسُّكُ به والإيثارُ له على الحقِّ"، وقد نقل أبو حيان هذا الكلام بعينه ولم يعْزُه لأبِي عَلِيٍّ. وقال مكيٌّ: "معناه ذا ثَمَنٍ، لأنَّ الثمن لا يُشْتَرَى، إنما يُشْتَرى ذو الثمنِ، وهو كقوله: {أية : ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً} تفسير : [التوبة: 9]، أي ذا ثَمَنٍ"، وقال غيرُه: "إنه لا يَحْتاجُ إلى حذف مضاف"، قال أبو البقاء: "ولا حَذْفَ فيه؛ لأنَّ الثمنَ يُشْتَرَى كما يُشْتَرَى به، وقيل: التقديرُ: ذا ثَمَنٍ"، وقال بعضهم: "لا نَشْتَرِي: لا نبيعُ بعَهْدِ الله بغَرَضٍ نَأخُذُه؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [آل عمران: 77]، فمعنى الآية: لا نَأخُذُ بعهد الله ثَمَناً؛ بأن نبيعَه بعَرَضٍ من الدنيا" قال الواحديُّ: "ويُسْتَغْنَى بهذا عن كثيرٍ من تكلُّفِ أبي عَلِيٍّ، وهذا معنى قول القُتَيْبِيِّ والجُرْجَانِيِّ". قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} الواوُ هنا كالتي سَبَقَتْ في قوله: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 170] من أنها يحتمل أن يقال عاطفةٌ، أو حاليةٌ، وأنَّ جملة الامتناعِ حالٌ معطوفةٌ على حالٍ مقدَّرةٍ؛ كقوله: "أعْطُوا السَّائِلَ، ولوْ عَلَى فرسٍ"، فكذا هنا تقديرُه: لا نشتري به ثمناً في كلِّ حال، ولو كان الحالُ كذا، واسمُ "كَانَ" مضمرٌ فيها يعودُ على المشهُودِ له، أي: ولو كان المشهُودُ له ذَا قَرَابَةٍ. قوله: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} الجمهورُ على رَفْعِ ميمِ "نَكْتُمُ" على أنَّ "لا" نافية، والجملةُ تحتمل وجهين: أحدهما - وهو الظاهرُ -: كونُها نسقاً على جواب القسمِ، فتكونُ أيضاً مقسماً عليها. والثاني: أنه إخبارٌ من أنفسهم بأنهم لا يكتمُون الشهادة؛ ويتأيَّدُ بقراءة الحسن والشَّعْبيِّ: "وَلاَ نَكْتُمْ" على النهْي، وهذه القراءةُ جاءتْ على القليل؛ من حيث إنَّ دخولَ "لاَ" الناهيةِ على فعلِ المتكلِّم قليلٌ؛ ومنه: [الطويل] شعر : 2070- إذا مَا خرَجْنَا مِنْ دمشْقَ فَلاَ نَعُدْ بِهَا أبَداً ما دَامَ فِيهَا الجَرَاضِمُ تفسير : والجمهورُ على "شهادةَ الله" بالإضافة، وهي مفعولٌ بها، وأضيفَتْ إليه تعالى؛ لأنه هو الآمرُ بها وبحفظها، وألاَّ تُكْتَمَ، ولا تُضَيَّعَ، وقرأ عَلِيٌّ رضي الله عنه ونعيمُ بْنُ مَيْسَرَة والشَّعْبِيُّ في رواية: "شهادةً الله" بتنوين شهادة، ونصبها، ونصب الجلالة، وهي واضحةٌ، فـ "شَهَادَةً" مفعول ثان، والجلالةُ نصبٌ على التعظيم وهي الأوَّل، والأصلُ: ولا نَكْتُمُ اللَّهَ شهادةً؛ وهو كقوله: {أية : وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 42] وإنما قُدِّمَتْ هنا للاهتمامِ بها؛ فإنها المحدَّثُ عنها، وفيها وجهٌ ثانٍ - نقله الزهراويُّ - وهو: أن تكون الجلالةُ نَصْباً على إسقاطِ حرفِ القسم، والتقديرُ: ولا نَكْتُمُ شهادةً واللَّهِ، فلمَّا حُذِف حرفُ الجر، نُصِب المُقْسَمُ به، ولا حاجةَ إليه؛ لأنه يَسْتَدْعِي حذف المفعولِ الأوَّل للكتمان، أي: ولا نَكْتُمُ أحداً شهادةً والله، وفيه تكلُّفٌ وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً قال: "على أنه منصوبٌ بفعْلِ القسم محذوفاً". ويُروَى عن أبِي جَعْفَر "شَهادةً" مُنَونةً "أَللَّهِ" بِقَطْعِ الألف وكسَرْ الهَاءِ، من غير اسْتِفْهَام على ابْتِدَاء اليَمينِ، أي: واللَّهِ {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآثمين}، أي: إنْ كَتَمْنَاها نَكُونُ من الآثمين. وقرأ عليٌّ - رضي الله عنه - والسُّلمِيُّ والحسن البصريُّ: "شَهَادَةً" بالتنوين والنصب، "آلله" بمدِّ الألفِ التي للاستفهام، دَخَلَتْ للتقرير، وتوقيف نفوسِ الخَلْق الحالفين، وهي عوضٌ عن حَرْفِ القسمِ المقدَّرِ ثمّ. وهل الجرُّ بها أم بالحَرْفِ المحذوفِ؟ خلافٌ. وقرأ الشعبيُّ في رواية وغيره: "شَهَادَهْ" بالهاء ويقف عليها، ثم يَبْتدىء "آللَّهِ" بقطع همزة الوصل وبمدِّ الهمزة على أنها للاستفهام بالمعنى المتقدِّم، وجَرِّ الجلالة، وهمزةُ القطعِ تكون عوضاً من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصة، تقول: يا زَيْدُ، أللَّهِ، لأفْعلَنَّ، والذي يُعَوَّض من حرف القسم في هذا الاسم الشريف خاصَّة ثلاثةٌ: ألفُ الاستفهام، وقطعُ همزة الوصلِ، وها التي للتنبيه؛ نحو: "ها اللَّهِ"، ويجوزُ مع "هَا" قطعُ همزةِ الجلالة ووصلُها، وهل الجرُّ بالحرف المقدَّر، أو بالعوض؟ تقدَّم أنَّ فيه خلافاً، ولو قال قائلٌ: إن قولهم "الله، لأفْعَلَنَّ" بالجرِّ وقطع الهمزة؛ بأنها همزة استفهام لم يُرَدَّ قوله، فإن قيل: همزةُ الاستفهام، إذا دخلَتْ على همزة الوصْلِ التي مع لام التعريف، أو ايْمُن في القَسَم، وجب ثبوتُ همزة الوصل، وحينئذ إمَّا: أنْ تُسَهَّلَ، وإمَّا أنْ تُبْدَلَ ألفاً، وهذه لم تَثْبُتْ بعدها همزةُ وصل، فتعيَّن أن تكونَ همزة وصْلٍ قُطِعَتْ عوضاً عن حرف القسم، فالجواب: أنهم إنما أبْدلوا ألفَ الوصْلِ أو سَهَّلوها بعد همزةِ الاستفهام؛ فرقاً بين الاستفهام والخبر، وهنا اللَّبْسُ مأمونٌ فإنَّ الجرَّ في الجلالة يؤذِنُ بذلك؛ فلا حاجة إلى بقاءِ همزةِ الوصلِ مُبْدلةً أو مُسَهَّلةً، فعلى هذا قراءة: ألله، وآلله بالقصْر والمدِّ تحتمل الاستفهام، وهو تخريجٌ حسن، قال ابن جني في هذه القراءة: "الوقفُ على "شهَاده" بسكون الهاء، واستئنافُ القسم - حسنٌ؛ لأنَّ استئنافه في أولِ الكلامِ أوْجَهُ له وأشدُّ هيبةً مِنْ أنْ يدخُلَ في عرضِ القَوْل"، ورُوِيَتْ هذه القراءةُ - أعني: "ألله" بقطع الألف من غير مدٍّ وجرِّ الجلالة - عن أبي بكرٍ عن عاصمٍ وتقدَّم أيضاً أنها رويتْ عن أبي جعفرٍ، وقرئ: "شَهَادَةً اللَّهِ" بنصب الشهادة منونة، وجرِ الجلالة موصولة الهمزة، على أن الجرَّ بحرفِ القسمِ المقدَّرِ من غير عوضٍ منه بقَطْعِ، ولا همزةِ استفهام، وهو مختصٌّ بذلك. وقوله تعالى: {إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلأَثِمِينَ} هذه الجملةُ لا محلَّ لها؛ لأنها استئنافيةٌ، أخبروا عن أنفسهم بأنهم من الآثمين، إنْ كتموا الشهادة؛ ولذلك أتوا بـ "إذَنِ" المُؤذِنَةِ بالجزاء والجواب، وقرأ الجمهور: "لَمِنَ الآثمينَ" من غير نقل، ولا إدغام، وقرأ ابن مُحَيصنٍ والأعمش: "لَمِلآّثمين" بإدغام نون "مِنْ" في لام التعريف، بَعْد أن نقل إليها حركة الهمزة في "آثمينَ"، فاعتدَّ بحركة النقل فأدغَمَ، وهي نظيرُ قراءةِ مَنْ قرأ: "عَاداً لُّولَى" [النجم: 50] بالإدغام، على ما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. فصل في معنى الآية ومعنى الآية: إنكم إذا سَافَرْتُم في الأرْض، فأصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الموت، فأوصَيْتم إلَيْهما، ودَفَعْتُم إليهمَا مالك، فاتَّهَمَهُمَا بعضُ الورثة، وادَّعَوْا عليهما خِيَانَة فما الحُكْمُ فيه؟ "أن تَحبِسُونَهُمَا" أي: تَسْتَوقِفُونَهُمَا بَعْدَ الصَّلاة. قال السُّدي: بعد صلاةِ أهْلِ دينهمَا؛ لأنَّهُمَا لا يُبَالِيَان بِصلاةِ العَصْرِ، ولا صلاةِ الظُّهْرِ على ما تقدَّم، فيَحْلِفَان {باللَّهِ إن ارْتَبْتُمْ} أي: شَكَكْتُم وَوقَعتْ لَكُم الرِّيبَةُ في قولِ الشَّاهدين وصدقهمَا، إذا كانا مِنْ غَيْرِ دينكُم، فإن كانا مُسْلِمَيْن فلا يَمِينَ عليهما {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً}، أي: لا نَحْلِفُ باللَّه كَاذِبين على عِوضٍ نأخُذُه، أو حَقٍّ نَجْحَدُهُ {ولَوْ كَانَ ذا قُرْبَى}، ولو كان المَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرابَةٍ مِنَّا. وقيل: لَوْ كان ذلك الشَّيْءُ حبوة في قُرْبى {ولا نكْتُمُ شهادَة اللَّهِ} وأضَافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنه أمَرَ بإقَامَتِها ونَهَى عن كِتْمَانها {إنَّا إذاً لَمِن الآثمين}، إن كَتَمْنَا الشَّهَادَة. رُوِي لما نَزَلت هذه الآيَةُ، صلَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ العَصْرِ، ودعا تميماً وعِدياً، فاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْدَ المِنْبَر باللَّه الذي لا إله إلاَّ هُو، أنَّهُمَا لم يَخْتَانَا شَيْئاً مما دُفع إليْهما، فَحَلَفا على ذَلِكَ، وخلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سَبِيلَهُمَا. قوله تعالى: "فإنْ عُثِرَ": مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ فاعله الجارُّ بعده، أي: فإن اطُّلِعَ على اسْتِحْقَاقِهِمَا الإثْم يقالُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُوراً: إذا هَجَمَ على شيءٍ، لم يَطَّلِعْ عليه غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُهُ على كذا أطلعتُه عليه؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} تفسير : [الكهف: 21]، قال أهلُ اللغة: وأصلُه من "عَثْرَةِ الرجْلِ" وهي الوقوعُ، وذلك أن العاثِرَ إنما يَعْثُرُ بِشَيْء كان لا يَرَاهُ، فإن عثر به، اطُّلَعَ عليه، ونظر ما هو، فقيل لكلِّ أمْرٍ كان خَفِيًّا، ثم اطُّلِعَ عليه: "عُثِرَ عَلَيْه"، وقال الليْثُ: "عَثَرَ يَعْثُرُ عُثُوراً هَجَمَ على أمرٍ لم يهجُمْ عليه غيرُه، وعَثَر يَعْثُرُ عثْرةً وقع على شيء" ففرَّقَ بين الفعلَيْنِ بمصدَرَيْهما، وفرَّق أبو البقاء بينهما بغير ذلك؛ فقال: "عَثَرَ مصْدرُه العُثُور، ومعناه اطَّلَعَ، فأمَّا "عَثَرَ" في مَشْيهِ، ومنْطِقِهِ، ورأيه، فالعِثَارُ"، والراغب جعَلَ المصدَرَيْنِ على حدٍّ سواء؛ فإنه قال: "عَثَر الرَّجل بالشيءِ يَعْثُرُ عُثُوراً وعِثَاراً: إذا سقطَ عليه، ويُتَجَوَّزُ به فيمَنْ يطَّلِعُ على أمرٍ من غيرِ طلبه، يقال: "عَثَرْتُ على كذا"، وقوله: {أية : وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ} تفسير : [الكهف: 21]، أي: وَقَّفْنَاهُمْ عليهم من غَيْرِ أنْ طَلَبُوا". قوله تعالى: "فآخَرَانِ" فيه أربعةُ أوجه: الأول: أن يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، تقديره: فالشَّاهدانِ آخرانِ، والفاء جوابُ الشرط، دخلت على الجملة الاسمية، والجملةُ من قوله: "يَقُومَانِ" في محلِّ رفعٍ صفةً لـ "آخَرَانِ". الثاني: أنه مرفوعٌ بفعلٍ مضمرٍ، تقديرُه: فَلْيَشْهَدْ آخَرَانِ، ذكره مكيٌّ وأبو البقاء، وقد تقدَّم أن الفعل لا يُحْذَفُ وحْدَهُ إلاَّ في مواضعَ ذكَرْتُها عند قوله: {أية : حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} تفسير : [المائدة: 106]. الثالث: أن خبرٌ مقدَّم، و"الأوْلَيَانِ" مبتدأٌ مؤخَّرٌ، والتقديرُ: فالأوْليانِ بأمْرِ الميِّتِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا، ذكر ذلك أبو عَلِيٍّ، قال: "ويكُونُ كقولك: تَميميٌّ أنَا". الرابع: أنه مبتدأٌ، وفي الخبر حينئذ احتمالاتٌ: أحدها: قوله: {مِنَ الَّذينَ اسْتَحَقَّ}، وجاز الابتداءُ به؛ لتخصُّصِه بالوصْفِ، وهو الجملة من "يَقُومَانِ". والثاني: أنَّ الخبر "يَقُومَانِ" و{مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ} صفةُ المبتدأ، ولا يَضُرُّ الفصْلُ بالخبر بين الصفة وموصوفها، والمسوِّغُ أيضاً للابتداء به: اعتمادُه على فاءِ الجزاء، وقال أبو البقاء، لمَّا حَكَى رفعه بالابتداء: "وجازَ الابتداءُ هنا بالنَّكِرَة؛ لحصولِ الفائدةِ"، فإن عنى أنَّ المسوِّغَ مجرَّدُ الفائدةِ من غير اعتبار مسوِّغٍ من المُسَوِّغات التي ذكرتُها، فغيرُ مُسَلَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ قوله: "الأوْلَيَانِ" نقله أبو البقاء، وقوله "يَقُومَانِ" و{مِنَ الَّذينَ اسْتَحَقَّ} كلاهما في محلِّ رفعٍ صفةً لـ "آخَرَانِ"، ويجوزُ أن يكون أحدُهما صفةً، والآخرُ حالاً، وجاءتِ الحالُ من النكرةِ؛ لتخصُّصِهَا بالوصفِ، وفي هذا الوجهِ ضَعْفٌ؛ من حيث إنه إذا اجتمع معرفةٌ ونكرةٌ، جَعَلْتَ المعرفةَ محدَّثاً عنها، والنكرةَ حديثاً، وعكسُ ذلك قليلٌ جدًّا أو ضرورةٌ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2071-............................ يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ تفسير : وكقوله: [الطويل] شعر : 2072- وَإنَّ حَرَاماً أنَّ أسُبَّ مُجَاشِعاً بَآبَائِيَ الشُّمِّ الكِرَام الْخَضَارِمِ تفسير : وقد فُهِمَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الجملة من قوله "يَقُومَانِ" والجارَّ من قوله: "مِنَ الَّذِينَ": إمَّا مرفوعُ المحلِّ صفةً لـ "آخَرَانِ" أو خبرٌ عنه، وإمَّا منصوبُهُ على الحالِ: إمَّا من نَفْسِ "آخَرَانِ"، أو مِنَ الضَّمِير المستكنِّ في "آخَرَانِ"، ويجوزُ في قوله "مِنَ الَّذِين" أنْ يكون حالاً من فاعلِ "يَقُومَانِ". قوله: "استحقّ" قرأ الجمهور "استُحِقَّ" مبنيًّا للمفعول، "الأولَيَانِ" رفعاً، وقرأ حفص عن عاصم: "اسْتَحَقَّ" مبنيًّا للفاعل، "الأوليَانِ" كالجماعة، وهي قراءة عبد الله بن عبَّاس وأمير المؤمنين عليٍّ - رضي الله عنهم - ورُوِيَتْ عن ابن كثيرٍ أيضاً، وحمزة وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: "استُحِقَّ" مبنيًّا للمفعول كالجماعة، "الأوَّلِينَ" جمع "أوَّل" جمع المذكر السَّالِم، والحسن البصريّ: "اسْتَحَقَّ" مبنيًّا للفاعل، و"الأوَّلانِ" مرفوعاً تثنية "أوَّل"، وابن سيرين كالجماعة، إلا أنه نَصَبَ الأوْلَيْينِ تثنية "أوْلَى"، وقرىء: "الأوْلَيْنَ" بسكون الواو وفتح اللام، وهو جمع "أوْلَى" كالأعْلَيْنَ في جمعِ "أعْلَى"، ولما وصل أبو إسحاق الزجاج إلى هذا الموضوع، قال: "هذا موضعٌ من أصْعَبِ ما في القرآن إعراباً". قال شهاب الدين: ولعَمْرِي، إنَّ القولَ ما قالَتْ حَذَامِ؛ فإن الناس قد دارَتْ رؤوسُهم في فَكِّ هذا التركيب، وقد اجتهدْتُ - بحمد الله تعالى - فلخَّصْتُ الكلام فيها أحسن تَلْخِيصٍ، ولا بدَّ من ذِكْرِ شَيْءٍ من معاني الآية؛ لنستعين به على الإعْراب؛ فإنه خادمٌ لها. فأمَّا قراءةُ الجُمهورِ، فرفعُ "الأوْلَيَان" فيها أوجه: أحدها: أنه مبتدأ، وخبره "آخرَانِ"، تقديره: فالأوْلَيَانِ بأمر الميِّت آخَرَانِ، وتقدَّم شرحُ هذا. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هما الأوْليانِ؛ كأنَّ سائلاً يسأل فقال: "من الآخَرَانِ"؟ فقيل: هما الأوْلَيَانِ. الثالث: أنه بدلٌ من "آخَرَان"، وهو بدلٌ في معنى البيان للمبدلِ منه؛ نحو: "جَاءَ زَيْدٌ أخُوكَ" وهذا عندهم ضعيفٌ؛ لأنَّ الإبدالَ بالمشتقَّاتِ قليلٌ. الرابع: أنه عطفُ بيان لـ "آخَرَانِ" بيَّن الآخَرَيْنِ بالأوْلَيَيْنِ، فإن قلت: شرطُ عطفِ البيانِ: أن يكون التابعُ والمتبوعُ متفقينِ في التعريفِ والتنكيرِ، على أنَّ الجمهور على عدم جريانه في النكرةِ؛ خلافاً لأبي عَليّ، و"آخَرَانِ" نكرةٌ، و"الأوْلَيَانِ" معرفةٌ، قُلْتُ: هذا سؤالٌ صحيحٌ، ولكنْ يَلْزَمُ الأخفشَ، ويلزمُ الزمخشريَّ جوازُه: أمَّا الأخفشُ فإنه يُجيزُ أنْ يكون "الأوْلَيَانِ" صفةً لـ "آخَرَانِ" بما سأقرره عنه عند تعرُّضِي لهذا الوجهِ، والنعتُ والمنعوتُ يُشترط فيهما التوافُقُ، فإذا جاز في النعْتِ، جاز فيما هو شبيهٌ به؛ إذْ لا فرق بينهما إلا اشتراطُ الاشتقاقِ في النعت، وأمَّا الزمخشريُّ، فإنه لا يشترطُ ذلك - أعني التوافُقَ - وقد نَصَّ عليه هو في سورة آل عمران على أن قوله تعالى: {أية : مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 97] عطفُ بيان؛ لقوله {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ}، و"آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ" نكرةٌ؛ لكنها لَمَّا تخصَّصَتْ بالوصفِ، قَرُبَتْ من المعرفة، كما تقدَّم عنه في موضعه، وكذا "آخَرَانِ" قد وُصِفَ بصفَتيْنِ، فقُرْبُه من المعرفة أشدُّ من "آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ"؛ من حيثُ وُصِفَتْ بصفةٍ واحدة. الخامس: أنه بدلٌ من فاعلِ "يَقُومَانِ". السادس: أنه صفةٌ لـ "آخَرَانِ"، أجازَ ذلك الأخفشُ، وقال أبو عَلِيٍّ: "وأجازَ أبو الحسنِ فيها شيئاً آخَرَ، وهو أن يكُون "الأوْلَيَانِ" صفةً لـ "آخَرَانِ"؛ لأنَّه لمَّا وُصِفَ، تخصَّصَ، فَمِنْ أجلِ وصفه وتخصيصه، وُصِفَ بوصف المعارف"، قال أبو حيان: "وهذا ضعيفٌ؛ لاستلزامِه هَدْم ما كَادُوا أن يُجْمعوا عليه؛ من أنَّ النكرة لا تُوصفُ بالمعرفةِ، ولا العَكْس"، قلتُ: لا شكَّ أن تَخَالُفَهُمَا في التعريفِ والتنْكيرِ ضعيفٌ، وقد ارتكَبُوا ذلك في مواضعَ، فمنها ما حكاه الخليلُ: "مَرَرْتُ بالرَّجُلِ خَيْرٍ مِنْكَ" في أحدِ الأوجه في هذه المسألةِ، ومنها {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفاتحة: 7] على القولِ بأنَّ "غَيْر" صفةُ {ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وقوله: [الكامل] شعر : 2073- وَلَقَدْ أمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِينِي تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 73]، على أنَّ "يَسُبُّنِي" و"نَسْلَخُ" صفتان لما قبلهما؛ فإنَّ الجمل نكراتٌ، وهذه المُثُلُ التي أوردتها عكسُ ما نحن فيه، فإنها تُؤوَّلُ فيها المعرفةُ بالنكرة، وما نحن فيه جعلنا النكرة فيه كالمعرفةِ؛ إلاَّ أنَّ الجامعَ بينهما التخالفُ، ويجوز أن يكون ما نحْنُ فيه من هذه المُثُلِ؛ فاعتبار أنَّ "الأوْلَيَيْنِ" لمَّا لم يُقْصَدْ بهما شخصان معينان، قَرُبَا من النكرةِ، فوقعا صفةً لها مع تخصُّصِها هي؛ فصار في ذلك مسوِّغان: قُرْبُ النكرةِ من المعرفة بالتخصيصِ، وقُرْبُ المعرفةِ من النكرة بالإبهام؛ ويدلُّ لِما قلته ما قال أبو البقاء: "والخَامِسُ أن يكون صفة لـ "آخَرَانِ"؛ لأنه وإنْ كان نكرةً، فقد وُصِفَ، والأوْليانِ لم يَقْصِدْ بهما قَصْدَ اثنينِ بأعيانِهما". السابع: أنه مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعله بـ "اسْتُحِقَّ"، إلاَّ أنَّ كلَّ مَنْ أعربه كذا، قَدَّر قبله مضافاً محذوفاً، واختلفتْ تقديراتُ المُعْرِبينَ، فقال مكي: "تقديرُه: استُحِقَّ عليهمْ إثْمُ الأوْلَيَيْنِ"، وكذا أبو البقاء وقد سَبقَهما إلى هذا التقدير ابنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ، وقدَّره الزَمَخْشَرِيُّ فقال: "مِنَ الَّذِينَ استُحِقَّ علَيْهِمُ انتدَابُ الأوْلَيَيْنِ منْهُمْ للشَّهادَةِ لاطِّلاعِهِمْ عَلَى حقيقةِ الحَالِ"، ومِمَّن ذهب إلى ارتفاعِ "الأوْلَيَانِ" بـ "اسْتُحِقَّ" أبو عليٍّ الفارسِيُّ، ثم منعه؛ قال: "لأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّمَا يكُونُ الوصيَّة أو شيئاً منها، وأمَّا الأوليَانِ بالمَيِّتِ، فلا يجوزُ أن يُسْتَحَقَّا، فيُسْنَدَ استُحِقَّ إليهما"، قلتُ: إنما منع أبو عليٍّ ذلك على ظاهرِ اللفظِ؛ فإنَّ الأوْلَيَيْنِ لَمْ يستحقَّهما أحدٌ كما ذَكَر، ولكن يجوز أن يُسْنَدَ "اسْتُحِقَّ" إليهما؛ بتأويلِ حذف المضافِ المتقدِّم، وهذا [الذي] منعه الفارسيُّ ظاهراً هو الذي حمل النَّاس على إضمار ذلك المُضافِ، وتقديرُ الزمخشريِّ بـ "انْتِدَاب الأوْلَيَيْنِ" أحسنُ من تقدير غيره؛ فإنَّ المعنى يُسَاعِدُهُ، وأمَّا إضمارُ "الإثْم" فلا يَظْهر إلا بتأويل بعيدٍ. وأجازَ ابن عطيَّة أن يرتفعَ "الأوْلَيَانِ" بـ "اسْتُحِقَّ" أيضاً، ولكن ظاهرُ عبارته؛ أنه لم يُقَدَّر مضافاً؛ فإنه استشعر باستشكالِ الفارسيِّ المتقدِّم، فاحتالَ في الجواب عنه، وهذا نَصُّه، قال ما ملخَّصُه: إنَّه "حُمِلَ "اسْتُحِقَّ" هنا على الاستعارةِ؛ فإنه ليس استحقاقاً حقيقةً؛ لقوله: "اسْتَحَقَّا إثْماً"، وإنما معناه أنَّهم غَلَبُوا على المالِ بحُكْمِ انفرادِ هذا المَيِّت وعدمه؛ لقرابته أو أهل دينه؛ فجعل تسوُّرَهُمْ عليه استحقاقاً - مجازَاً، والمعنى: من الجماعة التي غابت، وكان منْ حَقِّها أنْ تُحْضِرَ وليَّها، فلمَّا غابَتْ وانفرد هذا الموصِي، استحقَّت هذه الحالَ، وهذان الشاهدانِ من غير أهْل الدِّين والولاية، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ على هذه الجماعة، فبُنِيَ الفعلُ للمفعولِ على هذا المعنى إيجازاً، ويُقَوِّي هذا الفرضَ تعديِّي الفعلِ بـ "عَلَى" لمَّا كان باقتدارٍ وحَمْلٍ، هَيَّأتْهُ الحالُ، ولا يُقال: اسْتَحَقَّ منه أو فيه إلاَّ في الاسْتِحْقَاقِ الحقيقيِّ على وجههِ، وأمَّا "اسْتَحَقَّ عليْهِ" فبالحَمْلِ والغلبةِ والاستحقاقِ المُسْتَعَارِ". انتهى، فقد أسند "اسْتَحَقَّ" إلى "الأوليان" من غير تقدير مضافٍ متأوِّلاً له بما ذكر، واحتملتُ طول عبارته؛ لتتَّضِحَ. واعلم أنَّ مرفوع "اسْتُحِقَّ" في الأوجهِ المتقدِّمة - أعني غيرَ هذا الوجهِ، وهو إسنادُه إلى "الأوْليانِ" - ضميرٌ يعودُ على ما تقدَّم لفظاً أو سياقاً، واختلفت عباراتُهم فيه، فقال الفارسيُّ، والحُوفيُّ، وأبو البقاء والزمخشريُّ: إنه ضميرُ الإثْمِ، والإثمُ قد تقدَّمَ في قوله: "اسْتَحَقَّا إثْماً"، وقال الفارسيُّ والحُوفِيُّ أيضاً: "اسْتُحِقَّ هو الإيصاءُ أو الوصيَّةُ" قال شهاب الدين: إضمارُ الوصيَّة مُشْكِلٌ؛ لأنه إذا أُسْنِدَ الفعلُ إلى ضمير المؤنَّثِ مطلقاً، وَجَبَتِ التاءُ إلاَّ في ضرورة، ويُونُسُ لا يَخُصُّه بها، ولا جائزٌ أن يقال أضْمَرَا لفظ الوصيَّة؛ لأنَّ ذلك حُذِفَ، والفاعلُ عندهما لا يُحْذَفُ، وقال النحَّاس مستحْسِناً لإضمارِ الإيصَاءِ: "وهذا أحسنُ ما قِيلَ فيه؛ لأنَّه لم يُجْعَلْ حرفٌ بدلاً من حرفٍ"، يعني أنه لا يقُول: إنَّ "عَلَى" بمعنى "فِي"، ولا بمعنى "مِنْ" كما قيل بهما، وسيأتي ذلك - إن شاء الله تعالى -. وقد جمع الزمخشريُّ غالبَ ما قُلْتُه وحَكَيْتُه من الإعْرَابِ والمعنى بأوجز عبارةٍ، فقال: "فـ "آخَرَانِ"، أي: فشَاهِدَانِ آخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الذينَ اسْتُحِقَّ عليهِم، أي: استُحِقَّ عليْهِمُ الإثمُ، ومعناه: مِنَ الذين جُنِيَ عليهمْ، وهم أهلُ الميِّتِ وعشيرتُهُ والأوليانِ الأحقَّانِ بالشَّهادةِ لقَرَابتَهِمَا ومَعْرِفَتِهِمَا، وارتفاعُهُمَا على: "هُمَا الأوْلَيَانِ"؛ كأنه قيل: ومَنْ هُمَا؟ فقيل: الأوْلَيَانِ، وقيل: هما بدلٌ من الضَّمير في "يَقُومَانِ" أو من "آخَرَانِ"، ويجوزُ أنْ يرتفِعَا بـ "اسْتُحِقَّ"، أي: من الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ انتدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنْهُمْ للشهادة؛ لاطِّلاعهم على حقيقة الحَالِ". وقوله "عَلَيْهِم": في "عَلَى" ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها على بابها، قال أبو البقاء: "كقولك: وَجَبَ عليهم الإثْمُ"، وقد تقدَّم عن النحَّاس؛ أنه لمَّا أضْمَرَ الإيصاءَ، بَقَّاها على بابها، واستحْسَنَ ذلك. والثاني: أنها بمعنى "فِي" أي: استُحِقَّ فيهم الإثمُ، فوقَعَتْ "عَلَى" موقع "فِي" كما تقعُ "فِي" موقعها؛ كقوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] أي: على جُذُوعِ، وكقوله: [الكامل] شعر : 2074- بَطَلٌ كَأنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ يُحْذَى نِعَالَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْءَمِ تفسير : أي: على سَرْحةٍ، وقدَّره أبو البقاء فقال: "أي: استُحِقَّ فيهم الوصيَّةُ". والثالث: أنها بمعنى "مِنْ" أي: استُحِقَّ مِنْهُمُ الإثْمُ؛ ومثلُه قولُه تعالى: {أية : إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [المطففين: 2] أي: مِنَ الناس، وقدَّره أبو البقاء فقال: "أي: استُحِقَّ منهم الأوْليَانِ" فحينَ جعلها بمعنى "فِي" قدَّر "اسْتُحِقَّ" مُسْنَداً للوصية؛ وحين جعلها بمعنى "مِنْ"، قدَّره مُسْنِداً لـ "الأوْلَيَانِ"، وكان لَمَّا ذكر القائمَ مقامَ الفاعلِ، لم يذكر إلا ضميرَ الإثم و"الأوْلَيَانِ"، وأجاز بعضهم أنْ يُسْنَدَ "اسْتُحِقَّ" إلى ضمير المالِ، أي: اسْتُحِقَّ عليْهِمُ المالُ المَوْرُوثُ، وهو قريبٌ. فقد تقرَّر أنَّ في مرفوعِ "اسْتُحِقَّ" خمسة أوجه: أحدُها: "الأوْلَيَانِ". والثاني: ضميرُ الإيصاء. والثالث: ضميرُ الوصية، وهو في المعنى كالذي قبله وتقدَّم إشكالُه. والرابع: أنه ضميرُ الإثْمِ. والخامس: أنه ضميرُ المالِ، ولم أرَهُمْ أجازوا أن يكون "عَلَيْهِم" هو القائمَ مقامَ الفاعلِ؛ نحو: {أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} تفسير : [الفاتحة: 7] كأنهم لم يَرَوْا فيه فائدةً. وأمَّا قراءةُ حَفْص فـ "الأوْلَيَانِ" مرفوعٌ بـ "اسْتَحَقَّ" ومفعولُه محذوفٌ، قدَّره بعضهم "وصِيَّتَهُمَا"، وقدَّره الزمخشريُّ بـ "أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة"؛ فإنه قال: "معناهُ من الورثةِ الذين استَحَقَّ عليْهِمُ الأوْلَيَانِ من بينهم بالشهادة: أن يجرِّدُوهُمَا للقيامِ بالشَّهَادة، ويُظْهِرُوا بها كذب الكاذبينَ"، وقال ابنُ عطيَّة: "الأوْلَيَانِ" رفعٌ بـ "اسْتَحَقَّ"، وذلك أن يكون المعنى: مِنَ الَّذِينَ استحَقَّ عليْهِمْ مالَهُمْ وتركَتَهُمْ شَاهِدَا الزُّورِ، فَسُمِّيَا أوْلَيَيْنِ، أي: صَيَّرَهُمَا عَدَمُ الناس أوْلَيَيْنِ بالمَيِّت وتَرِكَتِهِ، فَخَانَا، وجَارَا فيها، أو يكونُ المعنى: من الذينَ حَقَّ عليهم أنْ يكون الأوليانِ منهم، فاستَحَقَّ بمعنى: حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ، أو يكون استحقَّ بمعنى: سَعَى واستوجب، فالمعنى: من القوم الذين حَضَرَ أوْلَيَانِ مِنْهُمْ، فاستَحَقَّا عليهم، أي: استحقَّا لهُمْ وسعيا فيه، واستوجَبَاهُ بأيْمَانِهِمَا وقُرْبَانِهِمَا، قال أبو حيان - بعد أنْ حكَى عن الزمخشريِّ، وأبي محمَّدٍ ما قدَّمْتُه عنهما -: "وقال بعضُهم: المفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: الذين استحقَّ عليهمُ الأوليانِ وصيَّتَهُمَا"، قال شهاب الدين: وكذا هو محذوفٌ أيضاً في قولي الزمخشريِّ وابن عطيَّة، وقد بَيِّنْتُهما ما هما، فهو عند الزمخشريِّ قوله: "أنْ يُجَرِّدُوهما للقيامِ بالشَّهادة"، وعند ابن عطيَّة هو قوله: "مالَهُمْ وتَركَتَهُمْ"، فقوله: "وقال بعضهم: المفعولُ محذوفٌ" يُوهِمُ أنه لم يَدْرِ أنَّه محذوفٌ فيما تقدَّم أيضاً، وممن ذهبَ إلى أن "اسْتَحَقَّ" بمعنى "حَقَّ" المجرَّدِ - الواحديُّ فإنه قال: "واسْتَحَقَّ هنا بمعنى حَقَّ، أي: وَجَبَ، والمعنى: فآخَرَانِ مِنَ الذين وجب عليهمُ الإيصَاءُ بتوصيتِهِ بينهم، وهم وَرَثَتُه" وهذا التفسيرُ الذي ذكره الواحديُّ أوضحُ من المعنى الذي ذكره أبو محمَّد على هذا الوجه، وهو ظاهرٌ. وأمَّا قراءةُ حمزة وأبي بَكْرٍ، فمرفوع "استُحِقَّ" ضميرُ الإيصَاءِ، أو الوصيةِ، أو المالِ، أو الإثمِ، حَسْبما تقدَّم، وأمَّا "الأوَّلَيْنِ" فجمعُ "أوَّل" المقابل لـ "آخِر"، وفيه أربعةُ أوجه: أحدها: أنه مجرورٌ صفةً لـ "الَّذين". الثاني: أنه بدلٌ منه، وهو قليلٌ؛ لكونه مشتقًّا. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ في "عَلَيْهم"، وحسَّنَه هنا، وإن كان مشتقًّا عدمُ صلاحَيةِ ما قبله للوصف، نقل هذَيْن الوجهَيْن الأخيرَيْنِ مكيٌّ. الرابع: أنه منصوبٌ على المَدْح، ذكره الزمخشريُّ، قال: "ومعنى الأوَّليَّةِ التقدُّمُ على الأجَانب في الشَّهَادة؛ لكونهم أحَقَّ بها"، وإنما فَسَّر الأوَّلِيَّةَ بالتقدُّمِ على الأجَانِب؛ جَرْياً على ما مَرَّ في تفسيره: أو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أنَّهُمَا من الأجانب لا من الكُفَّارِ وقال الواحديُّ: "وتقديرُه من الأوَّلينَ الَّذينَ اسْتُحِقَّ عليْهِمُ الإيصَاءُ أو الإثْمُ، وإنما قيل لهم "الأوَّلِينَ" من حيث كانوا أوَّلِينَ في الذِّكْرِ؛ ألا ترى أنه قد تقدَّم: {يِا أيُّهَا الذين آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} وكذلك {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ذُكِرَا في اللفظ قبل قوله: {أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْركُمْ}، وكان ابنُ عباسٍ يختارُ هذه القراءة، ويقول: "أرأيتَ إنْ كان الأوْليانِ صغيريْنِ، كيف يَقُومَانِ مقامهما"؟ أراد: أنهما إذا كانا صغيريْنِ لم يقُومَا في اليمين مقامَ الحانِثَيْنِ، ونحا ابن عطية هذا المنحَى قال: "معناه: من القوْمِ الذين استُحِقَّ عليهم أمرُهُمْ، أي: غُلِبُوا عليه، ثم وصفَهم بأنهم أوَّلون، أي: في الذكْرِ في هذه الآية". وأمَّا قراءةُ الحَسَن فالأوَّلانِ مرفُوعَانِ بـ "استَحَقَّ" فإنه يقرؤهُ مبنيًّا للفاعل، قال الزمخشريُّ: "ويَحْتَجُّ به مَنْ يَرَى ردَّ اليمينِ على المُدَّعِي"، ولم يبيِّن مَنْ هما الأوَّلاَنِ، والمرادُ بهما الاثْنَانِ المتقدِّمَانِ في الذكْرِ؛ وهذه القراءةُ كقراءةِ حَفْصٍ، فيُقَدَّرُ فيها ما ذُكِرَ، ثم مما يليقُ من تقديرِ المفْعُولِ. وأما قراءة ابن سيرينَ، فانتصابُها على المَدْحِ، ولا يجوزُ فيها الجَرُّ؛ لأنه: إمَّا على البدل، وإمَّا على الوصْف بجَمْعٍ، والأوْلَيَيْنِ في قراءته مثنًّى، فتعذر فيها ذلك، وأمَّا قراءة "الأوْلَيْنَ" كالأعلَيْنَ، فحكاها أبو البقاء قراءةً شاذَّة لم يَعْزُها، قال: "ويُقْرَأ "الأوْلَيْنَ" جمع الأوْلَى، وإعرابه كإعراب الأوَّلينَ" يعني في قراءة حمزة، وقد تقدَّم أن فيها أربعةَ أوجه، وهي جارية هنا. قوله: "فَيُقْسِمَانِ" نسقٌ على "يَقُومَانِ" والسببيَّةُ ظاهرٌة، و"لشَهَادَتُنَا أحَقُّ": هذه الجملة جوابُ القسمِ في قوله: "فَيُقْسِمَانِ". فصل في معنى الآية ومعنى الآية: فإن حصل العُثُور، والوقوف على أنَّهُمَا أتيا بِخِيَانة، استَحَقَّا الإثم بسبَبِ اليَمِينَ الكَاذِبَة، أو خِيَانَة في المَالِ، قام في اليَمِين مقَامَهُما رَجُلانِ من قرَابَة الميت، فَيَحْلِفَان باللَّهِ لقد ظَهَرْنا على خَبرِ الذِّمِّيَّين، وكذبهما وتَبْدِيلهما، وما اعْتَدَيَنْا في ذلك وما كَذبْنَا، وهو المُراد بقوله: {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم}، والمُرَادُ به موالِي الميِّتِ، قال ابنُ الخطيب: وقد أكثر النَّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصف موالِي الميِّتِ بهذا الوَصْفِ؟ والأصَحُّ عندي فيه وَجْهٌ: وهو أنَّهُمْ إنَّما وُصِفُوا بذلك؛ لأنَّهُ لمَّا أخَذَ منهم مَالَهُمْ، فَقَدْ استَحَقَّ عليهم مَالَهُمْ، فإن أخَذَ مال غيره، فقد حاولَ أن يكون تَعَلُّقُهُ بذلك المَالِ مُسْتَعْلِياً على تَعَلُّق مالكه به، فصحَّ أن يوصف المَالِكُ بأنَّه قد استَحَقَّ عليه ذلك المال، وإنما وَصَفهُمَا بأنَّهُما أولَيَان لِوَجْهَيْن: الأول: معنى الأوليان: الأقْرَبَان إلى الميِّت. الثاني: يَجُوزُ أن يكُون المَعْنَى الأوليان باليَمينِ؛ لأن الوصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ الميِّت قد باعَ الإنَاء الفِضَّة، فانْتَقَلَتِ اليَمِينُ إلى موالي الميِّت؛ لأنَّ الوَصِيَّيْن قد ادّعَيَا أنَّ مُورثَهُمَا باعَ الإنَاء، وهما أنْكَرَا ذلك، فكان اليَمِينُ حقًّا لهما؛ لأنَّ الوَصِيَّ إن أخَذَ شيئاً من مال الميِّت، وقال: إنه أوْصَى لِي به حَلَف لِلْوَارِثِ إذا أنْكَرَ ذلك، وكذا لو ادّعَى رجُلٌ سِلْعَةً في يدِ رجلٍ فاعْتَرَفَ، ثمَّ ادَّعى أنَّهُ اشْتَراها من المدَّعِي، حلف المُدَّعِي أنَّه لم يَبِعْها منه، وهذا كما لو أنَّ إنْسَاناً أقَرَّ لآخر بِدَيْنٍ، ثم ادّعى أنه قَضَاهُ، حُكِمَ بِرَدّ اليمينِ إلى الذي ادّعى الدَّيْن أوَّلاً؛ لأنَّه صارَ مُدَّعىً عليه أنه قد اسْتَوْفَاه. فصل اختلفوا في كَيْفِيَّة ظُهُور الإنَاء، فَرَوَى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ عن ابن عبَّاسٍ: أنه وُجِدَ بمَكَّةَ، فقالوا: إنَّا اشْتَرَيْنَاه من تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، وقيل: لما طَالَتِ المُدَّةُ أظهرُوهُ، فبلغ ذلك بني سَهْمٍ فَطَلَبُوهُمَا، فقالا: إنَّا كنا قد اشْتَرَيْنَاه منه، فقالُوا: ألم نَقُل لكم هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شيئاً من مَتاعِهِ، فَقُلْتُمَا: لا، قالا: لم يَكُنْ عندنا بيِّنةٌ، فكرهنا أن نُقِرَّ لَكُم بِهِ، فكَتَمْنَا لذلك، فرفَعُوهُمَا إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللَّهُ - عزَّ وجلَّ -: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانُ مَقَامَهُمَا} الآية، فقام عَمْرُو بنُ العَاصِ والمطَّلِبُ بن أبي وَداعة السَّهْمِيَّان، فحلفا باللَّهِ بعد العَصْرِ، فَرَفَع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الإنَاءَ لَهُما، وإلى أوْلِيَاء الميِّتِ، فكان تَمِيمٌ الداري يقول بعدما أسْلَمَ: صدقَ اللَّهُ ورسُولُه أنا أخَذْتُ فأنَا أتُوبُ إلى اللَّه تعالى. وعن ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أنَّهُ بقيت تلك الوَاقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أن أسْلَمَ تَمِيمٌ الدَّاري، فلما أسْلَمَ أخْبَرَ بذلك، فقال: حَلَفْتُ كاذباً أنا وصَاحِبِي، بعْنَا الإنَاءَ بألفٍ وقَسَّمْنَا الثَّمنَ، ثمَّ دَفَعَ خمسمائة دِرْهَم من نفسه، ونزعَ من صاحبه خمسمائةً أخرى، ودفع الألْفَ إلى مَوَالِي الميِّت، فكذلك قوله: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ}، أي: ذلك الذي حَكَمْنَا به من رَدِّ اليَمينِ، أجدر وأحْرَى أن يَأتِي الوَصِيَّان بالشَّهَادَة على وجهها، وأدْنَى معناه: أقْرَبُ إلى الإتيان بالشَّهَادَة على ما كانت {أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي: أقْرَبُ إلى أن يَخَافُوا رَدَّ اليمينِ بعد يَمينهمْ على المُدَّعِي، فيحلفوا على خِيَانَتِهِم وكذبهم، فَيَفْتَضِحُوا ويغرمُوا، فلا يَحْلِفُون كَاذِبين إذا خَافُوا هذا الحُكْمَ، "واتَّقُوا اللَّهَ": أنْ تَحْلِفُوا أيْماناً كَاذِبَةً، أو تَخُونُوا أمَانَةً، "واسْمَعُوا": الموعظة، {واللَّهُ لا يَهْدِي القومَ الفَاسِقين}، وهذا تَهْديدٌ ووعيدٌ لِمنْ يُخَالِفُ حُكْم اللَّهِ وأوَامِرِهِ. روى الواحدي - رحمه الله - في "البَسِيطِ"، عن عُمَر بن الخطَّابِ - رضي الله عنه - أنَّهُ قال: هذه الآية أعْضَلُ ما في هذه السُّورَةِ من الأحْكَامِ. ولنَرْجِع إلى إعرابِ بقيَّة الآيَة. قوله "ذلك أدْنَى" لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيله، أي: ما تقدَّم ذكرُه من الأحْكَامِ أقربُ إلى حصولِ إقامةِ الشَّهادة على ما ينبغي، وقيل: المشارُ إليه الحَبْسُ بعد الصلاة، وقيل: تحليفُ الشاهدين، و"أنْ يَأتُوا" أصلُه: "إلى أنْ يأتُوا"، وقدَّره أبو البقاء بـ "مِنْ" أيضاً، أي: أدْنَى من أن يأتُوا، وقدَّره مكيٌّ بالباء، أي: بِأنْ يَأتُوا، قال شهاب الدين: وليْسَا بواضحَيْنِ، ثم حذفَ حرفَ الجر، فَنَشَأ الخلافُ المشهور، و"عَلَى وَجْهِهَا" متعلِّقٌ بـ "يَأتُوا"، وقيل: في محلِّ نَصْبٍ على الحال منها، وقدَّره أبو البقاء بـ "محققة وصَحِيحَة"، وهو تفسيرُ معنًى؛ لما عرفْتَ غير مرة من أنَّ الأكوانَ المقيَّدة لا تُقَدَّر في مثله. قوله: "أوْ يَخَافُوا" في نصبه وجهان: أحدهما: أنه منصوب؛ عطفاً على "يَأتُوا"، وفي "أوْ" على هذا تأويلان: أحدهما: أنها على بابها من كونها لأحدِ الشيئين، والمعنى: ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي، أو خوفِ رَدِّ الأيمانِ إلى غيرهم، فتسقطُ أيمانهم، والتأويلُ الآخر: [أن] تكون بمعنى الواو، أي: ذلك الحُكْمُ كله أقربُ إلى أنْ يَأتُوا، وأقربُ إلى أن يَخَافُوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عبَّاسٍ. الثاني من وجهي النصب: أنه منصوبٌ بإضمار "أنْ" بعد "أوْ"، ومعناها هنا "إلاَّ"؛ كقولهم: "لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَني حَقِّي"، تقديره: إلاَّ أنْ تَقْضِيني، فـ "أوْ" حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار "أنْ" وجوباً، و"أنْ" وما في حيِّزها مُؤوَّلةٌ بمصْدرٍ، ذلك المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهَّم من الفعلِ قبله، فمعنى: "لألْزَمَنَّكَ أوْ تَقْضِيَنِي حَقِّي": لَيَكُونَنَّ منِّي لُزُومٌ لك أو قَضَاؤُكَ لِحَقِّي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادةِ على وجهها؛ وإلاَّ خَافُوا رَدَّ الإيمانِ، كذا قدَّره ابن عطية بواوٍ قبل "إلاَّ"، وهو خلافُ تقدير النحاة؛ فإنَّهمْ لا يقدِّرون "أوْ" إلا بلفظ "ألاَّ" وحدها دون واو، وكأن "إلاَّ" في عبارته على ما فهمه أبو حيان ليسَتْ "إلاَّ" الاستئنائيةَ، بل أصلُها "إنْ" شرطيةً دخلتْ على "لاَ" النافيةِ فأدْغمَتْ فيها، فإنه قال: "أو تكون "أو" بمعنى "إلاّ إنْ"، وهي التي عبَّر عنها ابن عطيَّة بتلك العبارةِ من تقديرها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاءٍ". انتهى، وفيه نظرٌ من وجهَيْن: أحدهما: أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كون "أوْ" بمعنى الشرط. والثاني: أنه بعد أنْ حَكَمَ عليْهَا بأنها بمعنى "إلاَّ إنْ" جعلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه. و"أنْ تُرَدَّ" في محلِّ نَصْبٍ على المفعُولِ به، أي: أو يَخَافُوا رَدَّ أيمانهم. و"بَعْدَ أيْمَانِهِمْ": إمَّا ظرفٌ لـ "تُرَدَّ"، أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ على أنها صفةٌ لـ "أيْمَان"، وجُمِعَ الضميرُ في قوله "يَأتُوا" وما بعده، وإنْ كان عائداً في المعنى على مثنى، وهو الشاهدان، فقيل: هو عائدٌ على صنفي الشاهدين، وقيل: بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كُلِّهِمْ، معناه: ذلك أولى وأجدرُ أنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ، فيَتَحَرَّوْا في شهادتهم؛ خَوْفَ الشناعةِ عليهم والفَضِيحةِ في رَدِّ اليمينِ على المُدَّعِي، وقوله: "واتَّقُوا الله" لم يذكر متعلَّق التقوى: إمَّا للعلْمِ به، أي: واتقوا اللَّهَ في شهادِتكُمْ وفي الموصينَ عليهم بأن لا تَخْتَلِسُوا لهم شيئاً؛ لأن القصَّةَ كانت بهذا السَّببِ، وإمَّا قَصْداً لإيقاع التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقَى منه، وكذا مفعولُ "اسْمَعُوا" إنْ شئتَ حذفته اقتصاراً أو اختصاراً، أي: اسْمَعُوا أوامِرَهُ من نَوَاهِيه من الأحكام المتقدِّمة، وما أفْصَحَ ما جيء بهاتَيْن الجملتَيْن الأمريتَيْن، فتباركَ اللَّهُ أصْدَقُ القائلِينَ.
البقاعي
تفسير : ولما خاطب سبحانه أهل ذلك الزمان بأنه نصب المصالح العامة كالبيت الحرام والشهر الحرام، وأشار بآية البحيرة وما بعدها إلى أن أسلافهم لا وفّروا عليهم مالهم ولا نصحوا لهم في دينهم، وختم ذلك بقهره للعباد بالموت وكشف الأسرار يوم العرض بالحساب على النقير والقطمير والجليل والحقير؛ عقب ذلك بآية الوصية إرشاداً منه سبحانه إلى ما يكشف سريرة مَنْ خان فيها علماً منه سبحانه أن الوفاء في مثل ذلك يقل وحثاً لهم على أن يفعلوا ما أمر سبحانه به لينصحوا لمن خلفوه بتوفير المال ويقتدي بهم فيما ختم به الآية من التقوى والسماع والبعد من الفسق والنزاع، فقال تعالى منادياً لهم بما عقدوا به العهد بينهم وبينه من الإقرار بالإيمان: {يا أيها الذين آمنوا} أي أخبروا عن أنفسهم بذلك {شهادة بينكم} هو كناية عن التنازع والتشاجر لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند ذلك، وسبب نزول الآية قد ذكره المفسرون وذكره الشافعي في الأم فقال: أخبرني أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك "أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميمي والآخر يماني، صحبهما مولى لقريش في تجارة فركبوا البحر، ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من بين آنية وبز ورِقَةٍ فمرض القرشي فجعل وصيته إلى الداريين فمات، وقبض الداريان المال فدفعاه إلى أولياء الميت، فأنكر القوم قلة المال فقالوا للداريين: إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به، فهل باع شيئاً أو اشترى فوضع فيه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا، قالوا: فإنكما خنتمانا، فقبضوا المال، ورفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] فلما نزلت أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقاما بعد الصلاة، فحلفا بالله رب السماوات: ما ترك مولاكم من المال إلا ما أتيناكم به، فلما حلفا خلي سبيلهما، ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت فأخذوا الداريين فقالا: اشتريناه منه في حياته، فكُذِّبا وكُلِّفا البينة فلم يقدرا عليها، فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل {فإن عثر} - يعني إلى آخرها" ثم ذكر وقت الشهادة وسببها فقال: {إذا حضر} وقدم المفعول تهويلاً - كما ذكر في النساء - لأن الآية نزلت لحفظ ماله فكان أهم، فقال: {أحدكم الموت} أي أخذته أسبابه الموجبة لظنه. ولما كان الإيصاء إذ ذاك أمراً متعارفاً، عرف فقال معلقاً بشهادة كما علق به {إذا} أو مبدلاً من {إذا} لأن الزمنين واحد: {حين الوصية} أي إن أوصى، ثم أخبر عن المبتدأ فقال: {اثنان} أي شهادة بينكم في ذلك الحين شهادة اثنين {ذوا عدل منكم} أي من قبيلتكم العارفين بأحوالكم {أو آخران} أي ذوا عدل {من غيركم} أي إن لم تجدوا قريبين يضبطان أمر الوصية من كل ما للوصي وعليه، وقيل: بل هما الوصيان أنفسهما احتياطاً بجعل الوصي اثنين، وقيل: آخران من غير أهل دينكم، وهو خاص بهذا الأمر الواقع في السفر للضرورة لا في غيره ولا في غير السفر؛ ثم شرط هذه الشهادة بقوله: {إن أنتم ضربتم} أي بالأرجل {في الأرض} أي بالسفر، كأن الضرب بالأرجل لا يسمى ضرباً إلا فيه لأنه موضع الجد والاجتهاد {فأصابتكم} وأشار إلى أن الإنسان هدف لسهام الحدثان بتخصيصه بقوله: {مصيبة الموت} أي أصابت الموصي المصيبةُ التي لا مفر منها ولا مندوحة عنها. ولما كان قد استشعر من التفصيل في أمر الشهود مخالفة لبقية الشهادات، فكان في معرض السؤال عن الشهود: ماذا يفعل بهم؟ قال مستأنفاً: {تحبسونهما} أي تدعونهما إليكم وتمنعونهما من التصرف لأنفسهما لإقامة ما تحملاه من هذه الواقعة وأدائه؛ ولما كان المراد إقامة اليمين ولو في أيسر زمن، لا استغراق زمن البعد بالحبس، أدخل الجار فقال: {من بعد الصلاة} أي التي هي أعظم الصلوات؛ فكانت بحيث إذا أطلقت معرفة انصرفت إليها وهي الوسطى وهي العصر، ثم ذكر الغرض من حبسهما فقال: {فيقسمان بالله} أي الملك الذي له تمام القدرة وكمال العلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا، فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره، إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كان الوصيين فلا؛ ثم شرط لهذا الحلف شرطاً فقال اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه: {إن ارتبتم} أي وقع بكم شك فيما أخبرا به عن الواقعة؛ ثم ذكر المقسم عليه بقوله: {لا نشتري به} أي هذا الذي ذكرناه {ثمناً} أي لم نذكره ليحصل لنا به عرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة، وليس قصدنا به إلا إقامة الحق {ولو كان} أي الوصي الذي أقسمنا لأجله تبرئة له {ذا قربى} أي لنا، أي إن هذا الذي فعلناه من التحري عادتنا التي أطعنا فيها {أية : كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله} تفسير : [النساء: 135] - الآية، لا أنه فعلنا في هذه الواقعة فقط {ولا نكتم شهادة الله} أي هذا الذي ذكرناه لم نبدل فيه لما أمر الله به من حفظ الشهادة وتعظيمها، ولم نكتم شيئاً وقع به الإشهاد، ولا نكتم فيما يستقبل شيئاً نشهد به لأجل الملك الأعظم المطلع على السرائر كما هو مطلع على الظواهر؛ ثم علل ذلك بما لقنهم إياه ليكون آخر كلامهم، كل ذلك تغليظاً وتنبيهاً على أن ذلك ليس كغيره من الأيمان، فقال تذكيراً لهم وتحذيراً من التغيير: {إنا إذاً} أي إذا فعلنا شيئاً من التبديل أو الكتم {لمن الآثمين * فإن} ولما كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله: {عثر} أي اطلع مطلع بقصد أو بغير قصد؛ قال البغوي: وأصله الوقوع على الشيء أي من عثرة الرجل {على أنهما} أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو الوصيين {استحقا إثماً} أي بسبب شيء خانا فيه من أمر الشهادة {فآخران} أي من الرجال الأقرباء للميت {يقومان مقامهما} أي ليفعلا حيث اشتدت الريبة من الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا {من الذين استحق} أي طلب وقوع الحق بشهادة من شهد {عليهم} هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة حفص بالبناء للفاعل، المعنى: وجد وقوع الحق عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته. ولما كان كأنه قيل: ما منزلة هذين الآخرين من الميت؟ فقيل: {الأوليان} أي الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره، وعلى قراءة أبي بكر وحمزة بالجمع، كأنه قيل: هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل الميت، فهو نعت للذين استحق {فيقسمان} أي هذان الآخران {بالله} أي الملك الذي لا يقسم إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة {لشهادتنا} أي بما يخالف شهادة الحاضرين للواقعة {أحق من شهادتهما} أي أثبت، فإن تلك إنما ثباتها في الظاهر، وشهادتنا ثابتة في نفس الأمر وساعدها الظاهر بما عثر عليه من الريبة {وما اعتدينا} أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق {إنا إذاً} أي إذا وقع منا اعتداء {لمن الظالمين *} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في الظلام، وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور مما شهدوا به، وذلك أنه لما وجد الإناء الذي فقده أهل الميت وحلف الداريان بسببه أنهما ما خانا طالبوهما، فقالا: كنا اشتريناه منه، فقالوا: ألم نقل لكما: هل باع صاحبنا شيئاً؟ فقلتما: لا، فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر لكم فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر فقام اثنان من أقارب الميت فحلفا على الإناء، فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إليهما، لأن الوصيين ادعيا على الميت البيع فصار اليمين في جانب الورثة لأنهم أنكروا، وسمي أيمان الفريقين شهادة كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة - نبه على ذلك الشافعي، وكان ذلك لما في البابين من مزيد التأكيد. ولما تم هذا على هذا الوجه الغريب، بين سبحانه سرَّه فقال: {ذلك} أي الأمر المحكم المرتب هذا الترتيب بالأيمان وغيرها {أدنى} أي أقرب {أن} أي إلى أن {يأتوا} أي الذين شهدوا أولاً {بالشهادة} أي الواقعة في نفس الأمر {على وجهها} من غير أدنى ميل بسبب أن يخافوا من الحنث عند الله بعد هذا التغليظ {أو يخافوا} إن لم يمنعهم الخوف من الله {أن ترد} أي تثنى وتعاد {أيمان} أي من الورثة {بعد أيمانهم} للعثور على ريبة فيصيروا بافتضاحهم مثلاً للناس، قال الشافعي: وليس في هذا رد اليمين، فما كانت يمين الداريين على ما ادعى الورثة من الخيانة، ويمين ورثة الميت على ما ادعى الداريان مما وجد في أيديهما وأقرا أنه مال الميت وأنه صار لهما من قِبَله، فلم تقبل دعواهما بلا بينة، فأحلف وارثاه، قال: وإذا كان هذا كما وصفت فليست الآية ناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل ومن نرضى من الشهداء، هذا ما اقتضى إيلاؤها لما قبلها، وقد نزعها إلى مجموع هذه السورة مَنازع منها ما تقدم من ذكر القتل الذي هو من أنواع الموت عند قصة بني آدم وما بعدها، ثم تعقيب ذلك بالجهاد الذي هو من أسباب الموت، وقوله تعالى: {أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} تفسير : [المائدة: 45]، ثم ذكره أيضاً في قوله تعالى: {أية : يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} تفسير : [المائدة: 54] وقد جرت السنة الإلهية بذكر الوصية عقب مثل ذلك في البقرة، ولم يذكر عقب واحدة من الآيات المذكورة لزيادتها على آية البقرة بمنازع منها الحلف، فناسب كونها بعد آية الأيمان، ومنها تغليظ الحلف والخروج به عما يشاكله من القسم على المال بكونه في زمان مخصوص بعد عبادة مخصوصة، فناسب ذكرها بعد تغليظ أمر الصيد في حال مخصوص وهو الإحرام والخروج به عن أشكاله من الأحوال وبعد تغليظ جزائه والخروج به عن أشكاله من الكفارات وتغليظ أمر المكان المخصوص وهو الكعبة والخروج بها عن أشكالها من البيوت، وكذا تغليظ الزمان المخصوص وهو الشهر الحرام والخروج به عن أشكاله من الأزمنة. وكل ذلك لقيام أمر الناس وإصلاح أحوالهم، وهكذا آية الوصية وما خرج من أحكامها عن أشكاله كله لقيام الأمور على السداد وإصلاح المعاش والمعاد، وهي ملتفتة إلى أول السورة إذا هي من أعظم العهود، والوفاءُ بها من أصعب الوفاء، وإلى قوله تعالى: {أية : وتعاونوا على البر والتقوى}تفسير : [المائدة: 2] وإلى قوله تعالى: {أية : كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} تفسير : [المائدة: 8] انظر إلى ختمها بقوله: {إن الله خبير بما تعملون} وإلى كون هذه في سياق الإعلام بأن الله عالم بالخفيات، وقوله: - عطفاً على ما تقديره: فالزموا ما أمرتكم به وأرشدتكم إليه تفلحوا: {واتقوا الله} أي ذا الجلال والإكرام إلى آخرها - ملتفت إلى قوله: {أية : وميثاقه الذي واثقكم به} تفسير : [المائدة: 7] - الأية، أي خافوا الله خوفاً عظيماً يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية لئلا تحلفوا كاذبين أو تخونوا أدنى خيانة {واسمعو} أي الموعظة سمع إجابة وقبول ذاكرين لقولكم {أية : سمعنا وأطعنا} تفسير : [البقرة: 285] فإن الله يهدي المتمسكين بالميثاق {والله} أي الذي له الكمال كله وتمام الحكمة وكمال العزة والسطوة {لا يهدي القوم} أي لا يخلق الهداية في قلوب الذين لهم قدرة على ما يحاولونه الفاسقين *} أي الذين هم خارجون، أي من عادتهم ذلك على وجه الرسوخ، فهم أبداً غير متقيدين بقيد ولا منضبطين بدائرة عقد ولا عهد.
السيوطي
تفسير : أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو النعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} قال "برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف الله {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} إلى قوله {أن ترد أيمان بعد أيمانهم} فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء". وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال "خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله: ما كتمتماها ولا اطلعتما، ثم وجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، وأخذ الجام وفيه نزلت {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم}". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال "كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حوّل متجرهما إلى المدينة، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما، فلما مات، فتحا متاعه، فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قبضنا له وَدُفِعَ إلينا، فقالوا لهما: هذا كتابه بيده! قالوا: ما كتمنا له شيئاً، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} إلى قوله {إنا إذاً لمن الآثمين} فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب، فقال أهله: هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه، ونسينا أن نذكره حين حلفنا، فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأخرى {فإن عثر على أنهما استحقا إثماً} فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، ثم قال: يا رسول الله، إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها، فهب لي قريتين من بيت لحم - وهي القرية التي ولد فيها عيسى - فكتب له بها كتاباً، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: أنا حاضر ذلك فدفعها إليه". وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {شهادة بينكم} مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} هذا لمن مات وعنده المسلمون، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين، ثم قال {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة: ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة، فذلك قوله تعالى {فإن عثر على أنهما استحقا إثماً} يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم، فتترك شهادة الكافرين، ويحكم بشهادة الأوليان، فليس على شهود المسلمين أقسام، إنما الأقسام إذا كانا كافرين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {اثنان ذوا عدل منكم} قال: من أهل الإسلام {أو آخران من غيركم} قال: من غير أهل الإسلام، وفي قوله {فيقسمان بالله} يقول: يحلفان بالله بعد الصلاة. وفي قوله {فآخران يقومان مقامهما} قال: من أولياء الميت فيحلفان {بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما} يقول: فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا وإنهما لكاذبان. وفي قوله {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم، ثم يوضع ميراثه كما أمر الله، وتبطل شهادة الكافرين. وهي منسوخة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية {اثنان ذوا عدل منكم} قال: ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي ترك الغسل يوم الجمعة، هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإن أدى فسبيل ما أدى، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة: أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئاً، فإذا حلف برئ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه، فذلك الذي يقول الله {ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم}. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} قال: أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران، لا يحضره غير اثنين منهم، فإن رضي ورثته بما غابا عنه من تركته فذلك، ويحلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن عثر قال: وجد لطخ أو لبس أو تشبيه حلف الاثنان الأوّلان من الورثة، فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله {أو آخران من غيركم} قال: من غير المسلمين من أهل الكتاب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله {اثنان ذوا عدل منكم} قال: من أهل دينكم {أو آخران من غيركم} قال: من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية، ولا تجوز في وصية إلا في سفر. وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن الشعبي. أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها وصية الرجل وتركته، فأمضى شهادتهما. وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله {شهادة بينكم} الآية. كلها قال: كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة، وكان الناس يتوارثون بينهم بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها. وأخرج ابن جرير عن الزبير قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هذه الآية منسوخة. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عكرمة {أو آخران من غيركم} قال: من المسلمين من غير حيه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ والبيهقي في سننه {إثنان ذوا عدل منكم} قال: من قبيلتكم {أو آخران من غيركم} قال: من غير قبيلتكم، ألا ترى أنه يقول {تحبسونهما من بعد الصلاة} كلهم من المسلمين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عقيل قال: سألت ابن شهاب عن هذه الآية قلت: أرأيت الاثنين اللَّذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي، أهما من المسلمين أو هما من أهل الكتاب؟ ورأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما، أتراهما من أهل المرء الموصي أم هما في غير المسلمين؟ قال ابن شهاب: لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها، وقد كنا نتذاكرها أناساً من علمائنا أحياناً فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل، ولكنه مختلف فيها رأيهم، وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون: هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية، فإن سلموا جازت وصيته، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء، حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة، وهي أن المسلمين {يقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين} فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثماً في شيء من ذلك، قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما يشهد عليه الأولان المستحلفان أول مرة، فيقسمان بالله لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله {تحبسونهما من بعد الصلاة} قال: صلاة العصر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {لا نشتري به ثمناً} قال: لا نأخذ به رشوة {ولا نكتم شهادة الله} وإن كان صاحبها بعيداً. وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أنه كان يقرأ {ولا نكتم شهادة} يعني بقطع الكلام منوّناً {الله} بقطع الألف وخفض اسم الله على القسم. وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرؤها {ولا نكتم شهادة الله} يقول هو القسم. وأخرج عن عاصم {ولا نكتم شهادة الله} مضاف بنصب شهادة، ولا ينون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فإن عثر على أنهما استحقا إثماً} أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا، أجيز شهادة الآخرين وبطلت شهادة الأولين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ {من الذين استحق عليهم الأوليان} بفتح التاء. وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {من الذين استحق عليهم الأوليان}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ {من الذين استحق عليهم الأوليان} قال عمر: كذبت. قال: أنت أكذب. فقال الرجل: تكذب أمير المؤمنين! قال: أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله. فقال عمر: صدق. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى ابن يعمر أنه قرأها {الأوليان} وقال: هما الوليان. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ "من الذين استحق عليهم الأولين" ويقول: أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما؟ وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ الأوّلين مشدّدة على الجماع. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم {من الذين استحق} برفع التاء وكسر الحاء "عليهم الأولين" مشددة على الجماع. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {الأوليان} قال: الميت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يقول: ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} يقول: وأن يخافوا العنت. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله {واتقوا الله واسمعوا} قال: يعني القضاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} قال: الكاذبين الذين يحلفون على الكذب. والله تعالى أعلم.
ابو السعود
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} استئناف مَسوقٌ لبـيان الأحكامِ المتعلقة بأمور دنياهم إثرَ بـيانِ الأحوال المتعلقةِ بأمور دينهم، وتصديرُه بحرفي النداءِ والتنبـيه لإظهار كمالِ العناية بمضمونه، وقولُه عز وجل: {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ} بالرفع والإضافة إلى الظرف توسعاً، إما باعتبار جَرَيانِها بـينهم، أو باعتبار تعلّقِها بما يجري بـينهم من الخصومات، مبتدأ، وقوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} أي شارفه وظهرت علائمُه، ظرفٌ لها، وتقديمُ المفعول لإفادة كمالِ تمكن الفاعل عند النفْس وقت ورودِه عليها، فإنه أدخلُ في تهوين أمر الموت، وقولُه تعالى: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} بدلٌ منه لا ظرف للموت كما تُوُهِّم، ولا لحضوره كما قيل، فإن في الإبدال تنبـيهاً على أن الوصية من المَهَمّات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهَلَ عنها، وقوله تعالى: {ٱثْنَانِ} خبرٌ للمبتدأ بتقدير المضاف، أي شهادةُ بـينكم حينئذ شهادةُ اثنين، أو فاعلُ (شهادةُ بـينكم) على أن خبرها محذوف، أي فيما نزل عليكم أن يشهد بـينكم اثنان، وقرىء (شهادةٌ) بالرفع والتنوين، والإعرابُ كما سبق، وقرىء (شهادةً) بالنصب والتنوين على أن عاملها المضمرَ هو العامل في اثنان أيضاً أي ليُقِمْ شهادةً بـينكم اثنان {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له، وأقرب إلى تحرِّي ما هو أصلح له. وقيل: من المسلمين وهما صفتان لاثنان. {أَوْ آخَرَان} عطف على اثنان تابع له فيما ذُكر من الخبرية والفاعلية، أي أو شهادةُ آخَرَيْن أو أن يشهد بـينكم آخران، أو ليقم (شهادةً بـينكم) آخران، وقوله تعالى: {مِنْ غَيْرِكُمْ} صفةٌ (لآخَران) أي كائنان من غيركم أي من الأجانب، وقيل: من أهل الذمة، وقد كان ذلك في بدء الإسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما في السفر، ثم نسخ. وعن مكحول أنه نسخها قوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ} تفسير : [الطلاق، الآية 2]. {إِنْ أَنتُمْ} مرفوعٌ بمُضْمرٍ يفسرُه ما بعده تقديره إن ضربتم، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير، وهذا رأيُ جمهور البَصْريـين، وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه مبتدأٌ بناءً على جواز وقوعِ المبتدأ بعد إنْ الشرطية كجواز وقوعِه بعد إذا، فقوله تعالى: {ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي سافرتم فيها، لا محل له من الإعراب عند الأولين لكونه مفسِّراً، ومرفوع على الخبرية عند الباقين. وقوله تعالى: {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} عطفٌ على الشرطية، وجوابُه محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، أي إن سافرتم فقاربَكم الأجلُ حينئذ، وما معكم من الأقارب أو من أهل الإسلام مَنْ يتولىٰ أمرَ الشهادة كما هو الغالب المعتاد في الأسفار، فليشهد آخرانِ أو فاستشهدوا آخَرَيْن أو فالشاهدانِ آخرانِ كذا قيل، والأنسب أن يقدَّر عينُ ما سبق، أي فآخرانِ على معنى شهادةُ بـينِكم شهادةُ آخَرَيْن، أو فأَنْ يشهَدَ آخران، على الوجوه المذكورة ثمَةَ، وقوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا} استئنافٌ وقعَ جواباً عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل: فكيف نصنع إنِ ارْتبْنا بالشاهدين؟ فقيل: تحبِسونهما وتَصْبِرونهما للتحليف {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} وقيل: هو صفة (لآخران)، والشرط بجوابه المحذوف اعتراضٌ فائدته الدلالة على أن اللائق إشهادُ الأقارب أو أهلِ الإسلام، وأما إشهادُ الآخَرِين فعند الضرورة المُلجئةِ إليه، وأنت خبـير بأنه يقتضي اختصاصَ الحبس بالآخرين مع شموله للأولين أيضاً قطعاً، على أن اعتبارَ اتصافهما بذلك يأباه مقامُ الأمر بإشهادهما، إذ مآلُه فآخرانِ شأنُهما الحبسُ والتحْليف، وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قَيدِ الارتياب بهما كما يفيده الاعتراضُ الآتي، والمرادُ بالصلاة صلاةُ العصر، وعدمُ تعيـينها لتعيُّنِها عندهم بالتحْليف بعدها لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادُمِ ملائكة الليل وملائكة النهار، ولأن جميع أهل الأديان يعظّمونه ويجتنبون فيه الحلِفَ الكاذب. وقد روي أن النبـي عليه الصلاةَ والسلام وقتئذ حلّف من حلف كما سيأتي، وقيل: بعد أي صلاة كانت لأنها داعيةٌ إلى النطق بالصدق، وناهيةٌ عن الكذِب والزور {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت، الآية 45]. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} عطفٌ على تحبسونهما وقوله تعالى: {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} شرطية محذوفةُ الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه، سيقت من جهته تعالى معترِضةً بـين القسمَ وجوابِه للتنبـيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب، أي إن ارتاب بهما الوارِثُ منكم بخيانةٍ وأخذِ شيءٍ من التركة فاحبِسوهما وحلِّفوهما بالله، وقولُه تعالى: {لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً} جوابٌ للقسم، وليس هذا من قبـيل ما اجتمع فيه قَسَمٌ وشرط، فاكتُفِيَ بذكر جوابِ سابقِهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالباً، فإن ذلك إنما يكون عند سدِّ جواب السابق مَسدَّ جوابِ اللاحق لاتحاد مضمونها كما في قولك: والله إن أتيتَني لأكرمنك، ولا ريب في استحالة ذلك هٰهنا لأن القسم وجوابه كلاهما [منفصل] وقد عرفت أن الشرط من جهته تعالى، والاشتراءُ هو استبدال السلعة بالثمن أي أخذُها بدلاً منه لا بذلُه لتحصيلها كما قيل، وإن كان مستلزِماً له، فإن المعتبرَ في عقد الشراء ومفهومِه هو الجلبُ دون السلب المعتبر في عقد البـيع، ثم استُعير لأخذ شيءٍ بإزالة ما عنده عيناً كان أو معنى على وجه الرغبة في المأخوذ والإعراض عن الزائل، كما هو المعتبر في المستعار منه حسبما مر تفصيلُه في تفسير قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ }تفسير : [البقرة، الآية 16. والآية 175] والضمير في (به) لله، والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من الله، أي مِنْ حُرمته عَرَضاً من الدنيا بأن نهتِكَها ونُزيلَها بالحلف الكاذب، أي لا نحلف بالله كاذبـين لأجل المال، وقيل: الضمير للقسم، فلا بد من تقدير مضافٍ البتةَ، أي لا نستبدل بصحة القسم بالله، أي لا نأخذ لأنفسنا بدلاً منها عرَضاً من الدنيا بأن نُزيلَ عنه وصفَ الصدق ونصفَه بالكذب، أي لا نحلف كاذبـين كما ذكر وإلا فلا سِدادَ للمعنى، سواءٌ أريد به القسمُ الصادقُ أو الكاذب، أما إن أريدَ به الكاذبُ فلأنه يفوِّتُ حينئذ ما هو المعتبرُ في الاستعارة من كون الزائل شيئاً مرغوباً فيه عند الحالف كحُرمة اسمِ الله تعالى ووصفِ الصحة والصدق في القسم، ولا ريب في أن القسم الكاذبَ ليس كذلك، وأما إن أريد به الصادقُ فلأنه ـ وإن أمكن أن يُتوسَّلَ باستعمالِه إلى عَرَض الدنيا كالقسم الكاذب ـ لكن لا محذور فيه، وأما التوسلُ إليه بترك استعماله فلا إمكان له هٰهنا حتى يصِحَّ التبروءُ منه، وإنما يُتوسَّلُ إليه باستعمال القسم الكاذب، وليس استعمالُه من لوازم ترْكِ استعمالِ الصادق ضرورةَ جوازِ تركِهما معاً حتى يُتصوَّرَ جعلُ ما أُخذَ باستعمالِه مأخوذاً بتركِ استعمالِ الصادق كما في صورة تقديرِ المضاف، فإن إزالةَ وصْفِ الصدق عن القسم مع بقاء الموصوفِ مستلزِمةٌ لثبوت وصفِ الكذِب له البتة فتأمل، وقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ} أي المقسَمُ له المدلولُ عليه بفحوى الكلام {ذَا قُرْبَىٰ} أي قريباً منا، تأكيدٌ لتبرُّئهم من الحلف كاذباً ومبالغةٌ في التنزه عنه، كأنهما قالا: لا نأخذُ لأنفسنا بدلاً من حُرمة اسمه تعالى مالاً ولو انضمَّ إليه رعايةُ جانبِ الأقرباء، فكيف إذا لم يكنْ كذلك، وصيانةُ أنفسِهما وإن كانت أهمَّ من رعاية الأقرباء لكنها ليست ضميمةً للمال، بل هي راجعة إليه، وجواب (لو) محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبق عليه، أي لا نشتري به ثمناً، والجملة معطوفةٌ على أخرى مثلِها، كما فُصِّل في تفسير قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَعْجَبَكَ} تفسير : [المائدة، الآية 100] الخ، وقوله عز وجل: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} أي الشهادة التي أمرَنا الله تعالى بإقامتها، معطوفٌ على (لا نشتري به) داخلٌ معه في حكم القسم، وعن الشعبـي أنه وَقَفَ على شهادة، ثم ابتدأ (آلله) بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه بغير مد، كقولهم: الله لأفعلن {إِنَّا إِذَاً لَّمِنَ ٱلآثِمِينَ} أي إن كتمناها، وقرىء (لمِلاثِمين) بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدخال النون فيها.
القشيري
تفسير : حكم هذه الآية كان ثابتاً في الشرع ونُسخ، وفي بيان التفسير تفصيلُه. والنسخُ هو الإزالة، وذلك جائزٌ في العبادات. ومعنى النسخ يوجد في سلوك المريدين؛ فهم في الابتداء فَرْضُهم القيام بالظواهر من حيث المجاهدات، فإذا لاح لهم من أحوال القلوب شيء آلت أحوالهم إلى مراعاة القلوب فتسقط عنهم أوراد الظاهر، فهو كالنسخ من حيث الصورة. قال تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}تفسير : [البقرة: 106]. واتصافهم بمراعاة القلوب أتمُّ بتأديبهم بأحكام المعاملات.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين ءآمنوا} تصديره بحرف النداء والتنبيه لاظهار كمال العناية بمضمونه ـ روى ـ ان تميم بن اوس الدارى وعدى بن زيد خرجا الى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل بن ابى مريم مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما قدما الى الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه اسماء جميع ما معه وطرحه فى درج الثياب ولم يخبرهما بذلك واوصى اليهما بان يدفعا متاعه الى اهله ومات ففتشاه فوجدا فيه اناء من فضة وزنه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه ودفعا المتاع الى اهله فاصابوا فيه الكتاب فقالوا لهما هل باع صاحبكما شيئاً من متاعه قالا لا قالوا فهل طال مرضه فانفق شيئاً على نفسه قالا لا انما مرض حين قدم البلد فلم يلبث ان مات قالوا فانا وجدنا فى متاعه صحيفة فيها تسمية متاعه وفيها اناء منقوش مموّه بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال قالا ما ندرى انما اوصى الينا بشىء وامرنا ان ندفعه اليكم ففعلنا وما لنا بالاناء من علم فرفعوهما الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنزلت {يا ايها الذين آمنوا} فاستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر بالله الذى لا اله الا هو انهما لم يخونا شيئاً مما دفع ولا كتما فحلفا على ذلك فخلى صلى الله عليه وسلم سبيلهما ثم انه وجد الاناء فى مكة فقال من بيده اشتريته من تميم وعدى وقيل لما طالت المدة اظهراه فبلغ ذلك بنى سهل اولياء بديل فطلبوه منهما فقالا كنا اشتريناه من بديل فقالوا الم نقل لكما هل باع صاحبنا من متاعه شيئاً فقلتما لا قالا ما كان لنا بينة فكرهنا ان نقر به فرفعوهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى {أية : فان عثر} تفسير : [المائدة: 107] الآية. فقام عمرو بن العاص والمطلب بن ابى وداعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر انهما كذبا وخانا فدفع الاناء اليهما. واتفق العلماء على ان هذه الآية اشكل ما فى القرآن اعرابا ونظما وحكما {شهادة بينكم} اى شهادة الخصومات الجارية بينكم فبين ظرف اضيف اليه شهادة على طريق الاتساع فى الظروف بان يجعل الظرف كأنه مفعول للفعل الواقع فيه فيضاف ذلك الفعل اليه على طريق اضافته الى المفعول نحو يا سارق الليلة اى يا سارق فى الليلة وارتفاع الشهادة على انها مبتدأ {اذا حضر احدكم الموت} اى شارفه وظهرت علائمه ظرف للشهادة {حين الوصية} بدل من الظرف وفى ابداله منه تنبيه على ان الوصية من المهمات المقررة التى لا ينبغى ان يتهاون بها المسلم ويذهل عنها {اثنان} خبر للمبتدأ بتقدير المضاف لئلا يلزم حمل العين على المعنى اى شهادة بينكم حينئذ شهادة اثنين او فاعل شهادة بينكم على ان خبرها محذوف اى فيما نزل عليكم ان يشهد بينكم اثنان. واختلفوا فى هذين الاثنين. فقال قوم هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصى. وقال آخرون هما الوصيان لان الآية نزلت فيهما ولانه قال تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان ولا يلزم الشاهدين الايصاء وان صح الى واحد الا انه ورد فى الآية الايصاء الى اثنين احتياطا واعتضادا لاحدهما بالآخر. فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور كقولك شهدت وصية فلان بمعنى حضرت والشهيد الذى حضرته الوفاة فى الغزو حتى لو مضى عليه وقت صلاة وهو حى لا يسمى شهيدا لان الوفاة لم تحضره فى الغزو {ذوا عدل منكم} هما صفتان للاثنان اى صاحبا امانة وعقل من اقاربكم لانهم اعلم باحوال الميت وانصح له واقرب الى تحرى ما هو اصلح له او من اهل دينكم يا معشر المؤمنين وهذه جملة تامة تتناول حكم الشهادة على الوصية فى الحضر والسفر {أو آخران من غيركم} عطف على اثنان او شهادة عدلين آخرين من غيركم اى من الاجانب او من غير اهل دينكم اى من اهل الذمة وقد كان ذلك فى بدء الاسلام لعزة وجود المسلمين لا سيما فى السفر ثم نسخ بقوله تعالى {أية : واشهدوا ذوى عدل منكم} تفسير : [الطلاق: 2]. فلا يقبل شهادة الذمى على المسلم لعدم ولايته عليه والشهادة من باب الولاية وتقبل شهادة الذمى على الذمى لان اهل الذمة بعضهم اولياء بعض {ان انتم ضربتم فى الارض} اى سرتم وسافرتم فيها {فاصابتكم مصيبة الموت} عطف على الشرط وجوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه اى ان سافرتم فقاربكم الاجل حينئذ وما معكم من الاقارب او من اهل الاسلام من يتولى لامر الشهادة كما هو الغالب المعتاد فى الاسفار فشهادة بينكم شهادة آخرين او فانه يشهد آخران فقوله تعالى {ان انتم ضربتم} تقييد لقوله {أو آخران من غيركم} {تحبسونهما} استئناف وقع جوابا عما نشأ من اشتراط العدالة كأنه قيل فكيف نصنع ان ارتبنا بالشاهدين فقيل تحبسوههما اى تقفونهما وتصبرونهما للتحليف {من بعد الصلوة} من صلة واللام للعهد الخارجى اى بعد صلاة العصر لتعينها عندهم للتحليف بعدها لانه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار ولان جمع اهل الايمان يعظمون ويجتنبون فيه الحلف الكاذب وقد روى ان النبى عليه السلام وقتئذ حلف من حلف. قال الشافعى الايمان تغلظ فى الدماء والطلاق والعتاق والمال اذا بلغ مائتى درهم بالزمان والمكان فيحلف بعد صلاة العصر بمكة بين الركن والمقام وفى المدينة عند المنبر وفى بيت المقدس عند الصخرة وفى سائر البلدان فى اشرف المساجد وقال ابو حنيفة لا يختص الحلف بزمان ولا مكان {فيقسمان بالله} عطف على تحبسونهما {ان ارتبتم} شرطية محذوفة الجواب لدلالة ما سبق من الحبس والاقسام عليه سيقت من جهته تعالى معترضة بين القسم وجوابه للتنبيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب اى ان ارتاب فيهما الوارث منكم بخيانة واخذ شىء من التركة فاحبسوهما وحلفوهما بالله {لا نشترى به ثمنا} جواب القسم اى مقسم عليه فان قوله فيقسمان يتضمن قسما مضمرا فيه. والاشتراء استبدال السلعة بالثمن اى اخذها بدلا منه ثم استعير لاخذ شىء بازالة ما عنده عينا كان او معنى على وجه الرغبة فى المأخوذ والاعراض عن الزائل كما هو المعتبر فى المستعار منه والضمير فى به لله. والمعنى لا نأخذ لانفسنا بدلا من الله اى من حرمته عرضا من الدنيا بان نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب اى لا نحلف بالله كاذبين لاجل المال وطمع الدنيا {ولو كان} اى المقسم له المدلول عليه بفحوى الكلام وهو الميت {ذا قربى} اى قريبا من فى الرحم تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا ومبالغة فى التنزه كأنهما قالا لا نأخذ لانفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا ولو انضم اليه رعاية جانب الاقرباء فقد انضم اليها ما هو اقوى منها وادعى الى الحلف كاذبا وهى صيانة حظ انفسهما فلا يتحقق ما قصداه من المبالغة فى التنزه عنه والتبرئ منه. قلت صيانة انفسهما وان كانت اهم من رعاية الاقرباء لكنها ليست ضميمة للمال بل راجعة اليه {ولا نكتم شهادة الله} معطوف على لا نشترى به داخل معه فى حكم القسم وشهادة الله منصوب على انها مفعول بها اضيفت اليه تعالى لانه هو الآمر بها وبحفظها وعدم كتمانها وتضييعها {انا اذا} اى اذ كتمناها {لمن الآثمين} اى العاصين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {شهادة}: مبتدأ، وخبره: {اثنان}، أي: مقيم شهادة بينكم اثنان، أو حذف الخبر، أي: فيما أمرتكم شهادة بينكم، و {اثنان} على هذا: فاعل شهادة، و {إذا}: ظرف لشهادة، و {حين الوصية}: بدل منه، ويجوز أن يكون {إذا}: شرطية حذف جوابها، أي: إذا حضر الموت فينبغي أن يشهد حين الوصية اثنان، و {ذوا عدل}: صفة لاثنان، أو {آخران}: عطف على {اثنان}، {إن أنتم}: شرط حذف جوابه، دل عليه ما تقدم، أي: إن سافرتم، فأصابتكم مصيبة الموت في السفر، فشهادة بينكم اثنان. و {تحبسونهما}: قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعترض بين الصفة والموصوف قوله: {إن أنتم} إلى قوله: {الموت}، ليفيدا العد، {آخران} من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض وحلول الموت في السفر. وقال الزمخشري: هو استئناف كلام، {إن ارتبتم}: شرطية، وجوابها محذوف، دلّ عليه {يقسمان}، و {لا نشتري} هو المقسم عليه، وجملة الشرط معترضة بين القسم والمقسم عليه، والتقدير: إن ارتبتم في صدقهما فأقسما بالله لا نشتري به، أي: بالقسم، ثمنًا قليلاً من الدنيا، و {الأوليان}: خبر، فيمن قرأ بالبناء للمفعول، أو فاعل، فيمن قرأ بالبناء للفاعل، ومن قرأ {الأولين} ـ تثنية أول ـ فبدل من الذين، أو صفة له. قال مكّي: ( هذه الآية أشكل آية في القرآن؛ إعرابًا ومعنى). وسبب نزولها: أن تميمًا الدَّاريَّ وعَدي بن بداء ـ وكانا أخوين ـ، خرجا إلى الشام للتجارة ـ وهما حينئٍذ نَصرانيّان ـ ومعهما بُدَيلٌ مولَى عمرو بن العاصَ، وكان مُسلمًا، فلمّا قَدِما الشام مَرِضَ بُديلٌ، فدون ما مَعَه في صَحيفةٍ، وطرحها في متَاعه، وشدّ عليها، ولم يُخبرهُما بها، وأوصى إليهمَا بان يَدفعا مَتَاعَه إلى أهلِه، ومات، ففتّشاه، وأخذا منه إنَاءً من فِضّة، قيمته: ثلاثُمائة مثقالٍ، مَنقُوشًا بالذَهبِ، فجنّباه ودفَعَا المتَاعَ إلى أهلِهِ، فأصَابُوا الصَّحِيفَةَ، فطَالبُوهُمَا بِالإناء، فجَحَدا، فترافعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} إلى قوله: {من الآثمين} فحلّفَهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد صلاة العصر، عند المنبر، وخلا سبيلهما. ثم عثر بعد مدة على الإناء بمكة، فقيل لمن وجد عنده: من أين لك هذا؟ قال: اشتريته من تميم الداري وعديّ بن بداء، فرفع بنو سهم الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا فآخران يقومان مقامهما}، فقام عمرو بن العاصَ والمطلب بن أبي وَداعة السهميان، فحلفا واستحقا الإناء. ومعنى الآية: يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا}، مما نأمركم به: أن تقع {شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت}، وأراد الوصية فيحضر عدلان منكم، فإن كنتم في سفر وتعذر العدلان منكم، فليشهد {آخران من غيركم} ممن ليس على دينكم، ثم إن وقع ارتياب في شهادتهما، {تحبسونهما} بعد صلاة العصر {فيقسمان بالله} ما كتمنا، ولا خُنَّا، ولا نشتري بالقسم أو بالله عرضًا قليلاً من الدنيا، ولو كان المحلوف له قريبًا منا، {ولا نكتم شهادة الله} {إنّا إذًا}، إن كتمنا، {لمن الآثمين} . فإذا حلفا خلّي سبيلهما، {فإن عُثر} بعد ذلك {على} كذبهما و {أنهما استحقا إثمًا} بسبب كذبهما، {فآخران} من رهط الميت {يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم} المال المسروق، اللذان هم {الأوليان} أي: الأحقان بالشهادة، {فيُقسمان بالله} فيقولان: والله {لشهادتنا أحق من شهادتهما}، وأصدق، وأولى بأن تقبل، {وما اعتدينا}: وما تجاوزنا فيها الحق، {إنا إذًا لمن الظالمين}، فإن حلفا غرم الشاهدان ما ظهر عليهما، وتحليف الشهود منسوخ، وهذا الحكم خاص بهذه القضية. قال البيضاوي: الحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين، فإنه لا يحلف الشاهد، ولا تُعارِضُ يمينه يمينَ الوارث، وثابت إن كانا وصيين. هـ. وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة أيضًا، واعتبار صلاة العصر للتغليظ، وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة. قاله السيوطي. قال تعالى: {ذلك} أي: تحليف الشهود، {أدنى} أي: أقرب {أن يأتوا بالشهادة على وجهها} كما تحملوها من غير تحريف ولا خيانة فيها، {أو يخافوا أن تُرَدّ أيمَانٌ بعد أيمانهم} أي: أو أقرب لأن يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، وإنما جمع الضمير، لأنه حكم يعم الشهود كلهم، {واتقوا الله واسمعوا} ما تُوصون به، فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قومًا فاسقين، {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي: لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة. الإشارة: أمر الحقّ ـ جلّ جلاله ـ في الآية المتقدمة، بالاعتناء بشأن الأنفس، بتزكيتها وتحليتها؛ وأمر في هذه الآية بالاعتناء بشأن الأموال؛ بحفظها، والأمر بالإيصاء عليها ودفعها لمستحقها؛ إذا كلاهما يقربان إلى رضوان الله، ويوصلان إلى حضرته، وقد كان في الصحابة من قربه ماله، وفيهم من قربه فقره، وكذلك الأولياء، منهم من نال الولاية من جهة المال أنفقه على شيخه فوصله من حينه، ومنهم من نال من جهة فقره أنفق نفسه في خدمة شيخه، وقد رُوِيَ أن سيدي يوسف الفاسي أنفق على شيخه قناطير من المال، قيل: أربعين، وقيل: أقل. والله تعالى أعلم. ولما أمره بالتقوى، ذكر اليوم الذي تجنى فيه ثمراتها، فقال: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ}.
الطوسي
تفسير : ذكر الواقدي وابو جعفر (ع) أن سبب نزول هذه الآية ما قال أسامة بن زيد عن أبيه قال: كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين وكان متجرهما الى مكة، فلما هاجر رسول الله (ع) الى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجراً فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى اذا كانوا ببعض الطريْق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى اليهما ودفع المال اليهما وقال أبلغنا هذا أهلي، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما مناه ثم رجعا بالمال الى الورثة، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما كان خرج به صاحبهم، ونظروا الى الوصية فوجدوا المال فيها تاماً وكلموا تميماً وصاحبه، فقالا: لا علم لنا به وما دفعه الينا أبلغناه كما هو، فرفعوا أمرهم الى النبي (صلى الله عليه وسلم) فنزلة هذه الآية. قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} قيل في معنى الشهادة - ها هنا - ثلاثة أقوال: أحدها - الشهادة التي تقام بها الحقوق عند الحكام. الثاني - شهادة الحضور لوصيين. الثالث - شهادة أيمان بالله اذا ارتاب بالوصيين من قول القائل: أشهد بالله اني لمن الصادقين. والأول أقوى واليق بالقصة. وفي كيفية الشهادة قيل قولان: أحدهما - أن يقول صحيحاً كان أو مريضاً: اذا حضرني الموت فافعلوا كذا وكذا. ذكره الزجاج. الثاني - اذا حضرت أسباب الموت من المرض. وقيل في رفع {شهادة} ثلاثة أقوال: أحدها - أن يكون رفعاً بالابتداء وتقديره شهادة بينكم: شهادة اثنين، ويرتفع {اثنان} بأنه خبر الابتداء ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه. قال أبو علي الفارسي: واتسع في (بين) وأضيف اليه المصدر، وذلك يدل على قول من يقول: ان الظرف الذي يستعمل يجوز أن يستعمل إِسماً في غير الشعر، كما قال تعالى {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : فيمن رفع. وجاء في الشعر: شعر : فصادف بين عينيه الجبوبا تفسير : الثاني - على تقدير محذوف وهو عليكم شهادة بينكم أو مما فرض عليكم شهادة بينكم، ويرتفع اثنان بالمصدر ارتفاع الفاعل بفعله. والثالث - ان يكون الخبر {إذا حضر} فعلى هذا لا يجوز أن يرتفع {اثنان} بالمصدر، لأنه خارج عن الصلة بكونه بعد الخبر، لكن على تقدير ليشهد اثنان، ولا يجوز أن يتعلق اذا حضر بالوصية لأمرين: أحدهما - ان المضاف اليه لا يعمل فيما قبل المضاف، لأنه لو عمل فيما قبله للزم أن يقدر وقوعه في موضعه فاذا قدِّر ذلك لزم تقديم المضاف عليه على المضاف، ومن ثم لم يجز (القتال زيداً) حين يأتي. والآخر ان الوصية مصدر، فلا يتعلق به ما يتقدم عليه. وقوله {إذا حضر أحدكم الموت} يعني قرب أحدكم من الموت كما قال {أية : حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن}تفسير : وقال {أية : حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا}تفسير : وقال {أية : حتى إذا جاء أحدكم الموت قال رب ارجعون}تفسير : وكل ذلك يريد به المقاربة. ولولا ذلك لما أسند اليه القول بعد الموت. وقوله {حين الوصية} فلا يجوز أن يحمل على الشهادة، لأنها اذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، ويمكن حمله على أحد ثلاثة أشياء: أحدها - أن تعلقه بالموت كان الموت في ذلك الحين بمعنى قرب منه. الثاني - على حضر أي اذا حضر: هذا الحين. الثالث - أن يحمله على البدل من {إذا} لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فيبدله منه، ويكون بدل الشيء من الشيء اذا كان إِياه. وقوله {اثنان ذوا عدل منكم} خبر المبتدإِ الذي هو {شهادة} وتقديره شهادة بينكم شهادة اثنين على ما بيناه، لان الشهادة لا تكون إِلا من اثنين وقوله {منكم} صفة لقوله {اثنان} كما ان {ذوا عدل} صفة لهما، وفي الظرف ضمير وفي معنى {منكم} قولان: أحدهما - قال سعيد بن المسيب وعبيدة ويحيى بن يعمر ومجاهد وقتادة وابن عباس: أي من المسلمين، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع). الثاني - قال سعيد بن المسيب وعبيدة - في رواية اخرى - وعكرمة: إِنهما من حي الموصي والاول أظهر وأصح، وهو اختيار الرماني، لأنه لا حذف فيه. وقوله {أو آخران من غيركم} تقديره أو شهادة آخرين من غيركم، وحذف المضاف وأقام المضاف اليه مقامه. و (من غيركم) صفة للآخرين. وقيل في معنى {من غيركم} قولان: أحدهما قال ابن عباس وأبو موسى الاشعري وسعيد بن المسيب وسعيد ابن جبير وشريح وابراهيم وابن سيرين ومجاهد وابن زيد واختاره أبو علي الجبائي، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع) أنهما من غير أهل ملتكم. الثاني - قال عكرمة وعبيدة - بخلاف عنه - وابن شهاب والحسن: يعني من غير عشيرتكم. قال الحسن لأن عشيرة الموصي أعلم بأحواله من غيرهم، وهو اختيار الزجاج. وقال: لأنه لا يجوز قبول شهادة الكفار مع كفرهم وفسقهم وكذبهم على الله. ومعنى (أو) - ها هنا - للتفصيل لا للتخيير، لأن المعنى أو آخران من غيركم إِن لم تجدوا منكم، وهو قول ابي عبيدة وشريح ويحيى بن يعمر وابن عباس وابراهيم وسعيد بن جبير والسدي، وهو قول أبي جعفر وابي عبد الله (ع). وقال قوم: هو بمعنى التخيير فيمن ائتمنه الموصي من مؤمن أو كافر. وقوله {إن أنتم ضربتم في الأرض} يعني ان انتم سافرتم كما قال {أية : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}. تفسير : وقوله {فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة} فيه محذوف، وتقديره وقد اسنتم الوصية اليهما فارتاب الورثة بهما تحبسونهما. وقوله {تحبسونهما} خطاب للورثة والهاء في (به) تعود الى القسم بالله. والصلاة المذكورة في هذه الآية قيل فيها ثلاثة أقوال: أولها - قال شريح وسعيد بن جبير وابراهيم وقتادة، وهو قول أبي جعفر (ع) أنها صلاة العصر. الثاني - قال الحسن: هي الظهر أو العصر، وكل هذا لتعظيم حرمت وقت الصلاة على غيره من الاوقات. وقيل: لكثرة اجتماع الناس كان بعد صلاة العصر. الثالث - قال: ابن عباس صلاة اهل دينهما يعني في الذميين لأنهم لا يعظمون أوقات صلاتنا. وقوله {فيقسمان بالله} الفاء دخلت لعطف جملة {إن ارتبتم} في قول الآخرين الذين ليسا من أهل ملتنا أو من غير قبيلة الميت فغلب في ظنكم خيانتهم، ولا خلاف أن الشاهد لا يلزمه اليمين إِلا أن يكونا شاهدين على وصية مستندة اليهما فيلزمهما اليمين لانهما مدعيان. وقوله {لا نشتري به ثمناً} لا نشتري جواب ما يقتضيه قوله {فيقسمان} لان (أقسم) ونحوه يتلقى بما تتلقى به الايمان. ومعنى قوله {لا نشتري به ثمناً} لا نشتري بتحريف شهادتنا ثمنا، فحذف المضاف وذكر الشهادة، لأن الشهادة قول كما قال {وإذا حضر القسمة أولوا القربى..} ثم قال {أية : فارزقوهم منه} تفسير : لما كانت القسمة يراد بها المقسوم، ألا ترى ان القسمة التي هي افراد الانصباء لا يرزق منه. وانما يرزق من التركة، وتقديره لا نشتري به ثمنا أي ذا ثمن، ألا ترى أن الثمن لا يشترى، وانما الذي يشترى المبيع دون ثمنه، وكذلك قوله {أية : اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا}تفسير : أي ذا ثمن. والمعنى انهم آثروا الشيء القليل على الحق، فاعرضوا عنه وتركوه، ولا يكون {اشتروا} في الآية بمعنى (باعوا) لأن بيع الشيء اخراج وانفاذ له من البائع، وليس المعنى - ها هنا - على الانفاذ وانما هو على التمسك به، والايثار له على الحق. وقوله {ولو كان ذا قربى} تقديره ولو كان المشهود له ذا قربى، وخصَّ ذو القربى لميل الناس الى قراباتهم، ومن يناسبونه. وقوله {ولا نكتم شهادة الله إِنا إِذاً لمن الآثمين} معناه انَّا ان كتمناها لمن الآثمين. وقال {شهادة الله} فأضاف الشهادة الى الله لأمره بها وباقامتها والنهي عن كتمانها في قوله {أية : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه}تفسير : وقوله {أية : وأقيموا الشهادة لله}.
الجنابذي
تفسير : {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} اى اسلموا فانّ الحكم الآتى من احكام الاسلام {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} من حيث التحمّل {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} اى شهادة اثنين {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} ايّها المسلمون {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} من اهل الكتاب {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} سافرتم {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ} قاربكم الاجل ولم تجدوا منكم من يتحمّل الشّهادة {تَحْبِسُونَهُمَا} وقت الاداء اى تقفونهما {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} لتغليظ اليمين بشرف الوقت ولخوفهما من الافتضاح بين النّاس ان حرّفوا لاجتماع النّاس حين الصّلوة {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} اى الاخران من غيركم وذلك الحبس والحلف {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} والاّ فلا، وهو جملة معترضة بين القسم والمقسم عليه ويجوز ان تكون من قول الحالفين ومن قبيل ترادف القسم والشّرط وان يكون الجواب للقسم لتقدّمه ولذلك لم يجزم {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً} عرضاً من الدّنيا {وَلَوْ كَانَ} المقسم له {ذَا قُرْبَىٰ} لنا {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ} اى اطّلع {عَلَىٰ أَنَّهُمَا} اى الشّاهدين من غيركم {ٱسْتَحَقَّآ} استوجبا {إِثْماً} بتحريف وخيانة {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} بامر الورثة الّذين هم المشهود عليهم وقوله تعالى {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} بيان لهذا المعنى اى من جانب الّذين جنى باستحقاق الاثم عليهم الاحقّان بالشّهادة لكونهما اوّل من شهدا {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ ذٰلِكَ} التّحليف الغليظ وقت احتمال الافتضاح باقامة آخرين مقامهما {أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} اى ترجع ايمان على شهود الورثة وتقبل ايمان شهود الورثة وتكذّب ايمانهم فيفتضحوا بتكذيب ايمانهم، ونسبة الخيانة اليهم وجمع الضّمائر ليعمّ الشّهود وقد ذكر فى تفسير الآية ونزولها اخبار فى الصّافى وغيره {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ} ايّها الشّهود فى تحريف الشّهادة والمشهود عيلهم فى ردّها بلا خيانة {وَٱسْمَعُواْ} ما توعظون به سمع اجابة وقبول {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} الخارجين من امر الله.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم} أمر بالاشهاد {إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية} الآية نزلت في ثلاثة نفر من التجار خرجوا من المدينة إلى الشام وهم: تميم بن أوس الداري، وعدي بن زيد وكانا نصرانيين، ومعهما بديل بن أبا مرية الرومي وكان مسلماً مولى لبني سهم، فلما قدموا الشام مرض بديل وكتب صحيفة فيها جميع ما معه وطرح الصحيفة بين متاعه، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي الذميين وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات بديل، فنقضا تركته وأخذا منها إناء من فضة منقوشاً بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال، فلما رجعا المدينة ودفعا المتاع إلى أهل البيت، ثم أنهم فتشوا المتاع وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه وفقدوا الإِناء وأتوهما بنو سهم فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً من متاعه؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه من ماله؟ فقالوا: لا، فقالوا: إنّ وجدنا صحيفة فيها جميع متاعه وفيها إناء قيمته ثلاثمائة مثقال ولم يدفع إلينا، فقالا: لا ندري وما لنا من علم، فرفعوهما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت الآية فصلى رسول الله العصر واستحلفهما أنهما ما خانا شيئاً، قوله تعالى: {إن أنتم ضربتم في الأرض} يعني إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من عشيرتكم فاستهشدوا أجنبيين على الوصية، وقيل: منكم من المسلمين أو من غيركم من أهل الذمة، وقيل: هو منسوخ ولا يجوز شهادة الذمي على المسلم وإنما جاز في أول الاسلام لقلة المسلمين، قوله: {تحبسونهما} أي تنفقونهما وتصرفونهما للحلف {من بعد الصلاة} يعني صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس {إن ارتبتم} في شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما، وقيل: إن أريد بهما الشاهدان فقد نسخ تحليف الشاهدين، وإن أريد الوصيان فليس منسوخاً تحليفهما، وعن علي (عليه السلام): "أنه كان يحلف الشاهد إذا اتهم" {ولو كان ذا قربى} يعني ولو كان قريباً من قوله تعالى: {أية : ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} تفسير : [النساء: 135] {ولا نكتم شهادة الله} أي الشهادة التي أمر الله بحفظها وتعظيمها {فإن عثر} اطلع {على أنهما استحقا إثماً} أي فعلا ما يوجب الاثم وذلك أنهما أظهرا الاناء، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه؟ قالا: بلى، قالوا: فما بال هذا الإِناء معكم؟ فقالوا: إنا ابتعناه منه ولم يكن معنا بينة فكرهنا أن نقرّ به فتأخذوه منا، فرفعوا أمرهما إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت {فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران} شاهدان آخران {يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان} أي من الذين استحق عليهم الإِثم ومعناه من الذين جنى عليهم الاثم وهم أهل الميت وعشيرته، قال جار الله: في قصة بديل أنه لما ظهر خيانة الرجلين حلف رجلان من ورثته أنه إلى صاحبهما وأن شهادتهما أحق من شهادة الأوليين، وقيل: أن ورثة بديل قد ادعوا على النصرانيين أنهما اختانا فحلفا فلما ظهر كذبهما ادَّعيا الشراء فيما كتماه فأنكر الورثة فكان اليمين على الورثة لإنكارهم الشراء وقد قيل: أن الآية منسوخة، قوله: {ذلك} الذي تقدم من بيان الحكم {أدنى أن يأتوا} الشهداء على تلك الحادثة {بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد ايمان بعد ايمانهم} قال جار الله: إن تكرر ايمان شهود آخرين بعد ايمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في قصة بديل {واسمعوا} سمع إجابة وقبول، قوله تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم}، قال جار الله: فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلتُ: توبيخ قومهم كما كان سؤال المودة توبيخ للموائد، فإن قلتَ: كيف يقولون لا علم لنا وقد علموا، ثم أجيبوا؟ قلتُ: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ لأعدائهم فيكون الأمر إلى علمه، وقيل: {لا علم لنا} بما كان منهم بعدنا وإنما الحكم للخاتمة، وقيل: معناه علمنا ساقط مع علمك لأنك {علاَّم الغيوب} ومن علم الخفيات لم تخف عنها الظواهر التي منها إجابة الأمم للرسل وكيف يخفي عليه أمرهم وقد رأوهم سود الوجوه زرق العيون، قال جار الله: والمعنى به توبيخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} وفي هذه الآية تقديم يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ }. قال الحسن أي: من المسلمين، من العشيرة، لأن العشيرة أعلم بالرجل وبولده وماله، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه. فإن لم يكن من العشيرة أحد، فآخران من غيركم، أي من غير العشيرة. قال: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ} فإن شهدا وهما عدلان مضت شهادتهما، وإن ارتبتم في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر. وفيها تقديم؛ ثم تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم. قال الحسن: ولو كانا من غير أهل الصلاة ما حلفا دبر الصلاة. قال: {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ} فتمضي شهادتهما. {فَإِنْ عُثِرَ} أي اطلع {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} أي شهدا بزور، ردت الأشياء على الورثةَ الشاهدين، وهو قوله: {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ} يعني من الورثة {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}. قال الله: {ذَلِكَ أَدْنَى} [أي أجدر] {أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}. قال الحسن: أراد الله أن ينكل الشهود بعضهم على بعض، ولم تكن عند الحسن منسوخة. ذكر عبد الله بن عون قال: قلت للحسن: هل نسخ من المائدة شيء. قال: لا. ذكروا عن الحسن قال: كان المسلمون أمروا أن يُشهدوا من عشائرهم، ثم رخص لهم بعدُ أن يشهدوا من غير عشائرهم. قال بعضهم: هذا رجل مات بغربة من الأرض في غير عشيرته، وأوصى بوصية، وأشهد عليها رجلين. فإن ارتيب في شهادتهما استُحْلِفا بعد العصر؛ وكان يقال: وعندها تصير الأَيْمان. {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً} قال: فإن اطُّلِعَ منهما على خائنة أنهما كذبا أو كتما، أو جاء شاهدان يشهدان بغير ما شهدا به. أجيزت شهادة الآخرين وأبطلت شهادة الأولين. قال الله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أي ذلك أحرى أن يصدقوا فيها وأن يخافوا العَقِب. ذكروا عن عطاء بن السائب في قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من أهل الكتاب. وقال الكلبي: إن رجلاً لبني سهم انطلق في تجارة ومعه تميم الداري ورجل آخر، وهما نصرانيان يومئذ. فلما حضر الرجلَ الموت كتب وصية ثم جعلها في ماله ومتاعه، ثم دفعه إليهما فقال: أبلغا هذا أهلي: فانطلقا لوجههما الذي توجها إليه. وفتّشا متاع الرجل بعد موته فأخذا ما أعجبهما فيه، ثم رجعا بالمال إلى أهل الميت. فلما فتش القوم المال افتقدوا بعض ما خرج به صاحبهم معه. ونظروا في الوصية فوجدوا المال فيها تاماً. فكلموا تميماً وصاحبه فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً أو اشترى شيئاً فوُضِعَ فيه؟ قالا: لا. فقالوا: هل مرض فطال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقالا: لا. فقالوا: إنا نفتقد بعض ما أبدى به صاحبنا، فقالا: لا علم لنا بالذي أبدى به ولا بما كان في وصيته، ولكنه دفع إلينا المال فبلّغناه كما هو. فرفعوا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. فقدما فحلفا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم دبر صلاة العصر، فخلّى سبيلهما. فاطلع على إناء من فضة منقوش مموّه بذهب عند تميم، فقالوا: هذا من آنية صاحبنا التي كانت مع صاحبنا، وقد زعمتما أنه لم يبع شيئاً ولم يشتره. قالا: لا، فإنا كنا قد اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به. فرفع أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}. فقام رجلان من أولياء الميّت، يزعمان أنهما عبد الله بن عمر والمطلب بن أبي رفاعة، فحلفا بالله إن ما في وصيته حق، وإن خيانة بتميم وصاحبه. فأخذ تميم وصاحبه بما وجد في وصيته لما اطلع عليه عندهما من الخيانة لقول الله: {ذَلِكَ أَدْنَى}، أي أجدر، {أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}... إلى آخر الآية. وبعضهم يقول: هي منسوخة. لا يحلف الشاهدان اليوم؛ إن كانا عدلين جازت شهادتهما، وإن لم يكونا عدلين لم تجز شهادتهما. قال الله في سورة البقرة:282: (أية : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ). تفسير : وقال في سورة الطلاق: 2: (أية : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) تفسير : ولم يجعل على الشاهد أن يحلف. ولا يستوجب المدَّّعي بنفسه الحق، إن شهد له شاهدان ذوا عدل قُضِيَ له، وإن لم تكن له بيّنة استحلِف له المدعى عليه. ذكروا عن ابن عباس في قوله: (أية : وَءَاتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ) تفسير : [ص:20] قال: البيّنة على المدَّعِي واليمين على المدَّعَى عليه. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : المدعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بيّنة . تفسير : ذكروا أن مجاهداً قال: هو أن يموت المؤمن فيحضر موته مؤمنان أو كافران، لا يحضر غير اثنين. فإن رضي ورثته عما غابا عليه من تركته فذاك، وإلا حلف الشاهدان أنهما صادقان، فإن عثر، أي: إن وجد لطخ أو لبس أو سبة، حلف اثنان من الأوْليين من الورثة فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين. قال: {وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} أي المشركين الذين يموتون على شركهم.
اطفيش
تفسير : {يَآ أَيًّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةٌ بَيْنِكُم}: شهادة مبتدأ خبره محذوف تقديره فيما آمركم لا يلزم به شهادة بينكم، أو خبر لمحذوف، أى الواجب شهادة بينكم، ويدل له قراءة الحسن: شهادة بينكم بنصب شهادة، أى الزموا شهادة، وهى فى قراءته منون، وبينكم فى قراءته منصوب على الظرفية كما نصب على الظرفية فى قراءة الشعبى بتنوين شهادة ورفعه، وأما قراءة الجمهور فرفع شهادة كما رأيت، واضافته لبينكم اضافة اتساع، ويجوز على قراءة أبى برفع شهادة أن يكون شهادة مبتدأ خبره اثنان على حذف مضاف، أى شهادة اثنين، واذا لم تجعل اثنان خبراً فهو فاعل لشهادة. ويجوز فى قراءة نصب شهادة أن يكون شهادة مفعولا بفعل محذوف رافع لاثنان على الفاعلية، أى ليتم اثنان شهادة بينكم، ففى هذا الوجه شهادة مصدر، وكذا اذا جعلنا اثنان فاعل شهادة، واذا جعلنا اثنان فاعلا ليشهد محذوفاً فشهادة اسم مصدر بمعنى الاشهاد. {إَذّا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ}: بأن ظهرت له أمارته، واذا متعلق بشهادة ان أجزنا خروجها عن الشرطية والصدر، أو بيقم المقدر، أو بما يتعلق به فيما آمركم، أو بلفظ الواجب، أو بالزموا بحسب ما قدرنا لقوله: شهادة، أو شرطية صدرية يقدر لها جواب يدل له ما قبلها، وان جعلنا اثنان خبراً دل على جوابها ما قبلها مع ما بعدها. {حِينَ الوَصِيَّةِ}: حين بدل من اذا أما على أنه خرجت عن الشرط فلا اشكال، والا فعلى القول بأنه لا يلزم ذكر ان الشرطية حين الابدال من اسم الشرط، أو متعلق بحضر، وفى ابداله من اذا على ما قيل تنبيه على أن الوصية مما لا ينبغى أن يتهاون بها، فان كون زمان الوصية زمان حضور الموت يدل على الحرص فيها خوف فوتها بالموت، ولو أوصى قبل حضور الموت لخيف أن يضيع كتاب الوصية، أو ينسى الشهود، أو يتبدل أمر عند الموت عما أوصى به قبله كذا ظهر لى فى توجيه ذلك. وقال غيرى: انه جعل زمان حضور الموت زمان الوصية، دل على أنه ينبغى أن يوقع الوصية فى زمان حضور الموت، لدلالته على أن الوصية كالموت وعدم التخلف عن ذلك الزمان، فان ذلك الزمان كما أنه لا بد من أن يقع فيه الموت، لا بد من أن تقع فيه الوصية. {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ}: أى من أقاربكم أو من المسلمين، وهو حال من اثنان، لأن اثنان ولو كان نكرة لكنه قد نعت بذوا، أو نعت ثان لاثنان، والاثنان يشهدان أن فلاناً أوصى بكذا، وقيل: هما الوصيان يشهدان لأنفسهما أن فلاناً جعلهما خليفة على وصيته، والقولان أيضا فى قوله تعالى: {أَو آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: أى من المشركين، أى أو عدلان من المشركين كتابيان، أو غير كتابيين ذميان، أو غير ذميين لضرورة السفر، وفقد من يشهد، ثم نسخ بعد شهادة المشرك على المؤمن بقوله تعالى: {أية : وأشهدوا ذوى عدل منكم }تفسير : وقوله: {أية : ممن ترضون من الشهداء }تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {أية : واستشهدوا شهيدين من رجالكم }تفسير : لما كثر المؤمنون، وقيل: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} ذوا عدل من أقاربكم المؤمنين أو آخران من غيركم ذوا عدل من المؤمنين الذين ليسوا بأقارب لكم، وهو قول الحسن وعكرمة، والزهرى والشافعى، ومالك وأبى حنيفة، وقد فسر أبو موسى الأشعرى، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ويحيى بن معمر، وأبو مجلز، وابراهيم، وشريح، وعبيدة السلمانى، وابن سيرين، ومجاهد: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} بعدلين من المسلمين {وَآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} بعدلين من المشركين. قال بعض: لأن الآية نزلت ولا مؤمن الا بالمدينة، وكانوا يسافرون بالتجارة مع أنواع المشركين، فقال أبو موسى، وشريح، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وهو قول ابن حنبل: ان شهادة الكافرين على المسلمين جائزة على الوصية فى السفر للضرورة غير منسوخة، وقال جماعة: منسوخة، ومعنى العدالة فى المشرك وأهل البدع والأهواء اجتناب الكذب، وما حرم عليه فى دينه، واحتج من قال غير منسوخة بأن المائدة آخر ما نزل، وأما شهادة المشركين على المشركين من جنسهم، أو ممن دونهم فجائزة لا على من فوقهم، وبسطت فى الفقه ذلك وبهذا قلنا نحن وأبو حنيفة ومنعها مالك والشافعى. {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبتُم فِى الأَرْضِ}: سافرتم فى الأرض، ولا يخفى ان أنتم فاعل لمحذوف الأصل ان سافرتم، فحذف الفعل وانفصل الضمير المتصل، وأجاز غير البصريين كون أنتم مبتدأ، ونسب للأخفش أيضاً بناء منهم على أنه يجوز كون الشرط جملة اسمية. {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْت}: أى قرب أن تموتوا. {تَحبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاةِ}: توقفونهما من بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس، واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فى الأرض، ولأنه أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاهدين فى واقعة الآية بعد صلاة العصر، ولأن أهل الأديان كلهم يعظمون ما بعد العصر، ويجتنبون فيه الحلف على الكذب. وعن الحسن: بعد الظهر أو العصر، لأن أهل الحجاز يقعدون للحكومة بعدهما، فكذا من يقعد لها بعد صلاة الفجر يوقفهما بعد صلاة الفجر، وأما الليل فلا حكم فيه الا لمسافر أو فى أمر السجن، فحينئذ يكون لضوء نار، وان كانا مشركين أوقفا بعد الصلاة التى يصليها أهل دينهما، وجملة تحبسونهما نعت لآخران، أو حال منة بنعته بقوله: {مِنْ غَيْرِكُمْ} ويقدر مثله لاثنان، وجواب ان محذوف، أى فليشهد اثنان ذوا عدل منكم وآخران من غيركم، وجملة الشر وجوابه المحذوف معترضة بين النعت والمنعوت، أو الحال وصاحبها، وقيل يقدر الجواب فليشهد اثنان من غيركم ليفيد الاعتراض أنه ينبغى أن يشهد اثنان منكم، فان تعذرا للسفر فمن غيركم، ويجوز أن يكون تحبسونهما من بعد الصلاة مستأنفا جواباً لقول القائل: كيف نفعل ان ارتبنا فى شهادة الشاهدين. {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُم}: ارتاب الوارث منكم فى شهادتهما، ودل على جواب هذا الشرط ما قبله مع ما بعده. {لا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً}: الجملة جواب القسم الذى هو يقسمان، وهاء به عائدة الى الله أو الى القسم المدلول عليه بيقسم، والثمن متاع الدنيا، ونكر لأنه قليل مستحقر أياً ما كان، ولا سيما اذا استبدل بالله عز وجل، أو بالقسم، والمعنى لا نحلف كاذبين لغرض مال نأخذه، وفصل بين القسم وجوابه بقوله: {إِنِ ارْتَبْتُم} لتقيد اختصاص القسم بحال الارتياب مع ايضاح وتأكيد باتصاله بالقسم على طريقة العرب، وتقديم بعض الأشياء على بعض للاهتمام، ولو آخر ان ارتبتم عن قوله: {لا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً} الى آخره لم يظهر كل الظهور انه قيد ليقسمان. وظاهر الآية أنهما يقولان فى يمينهما: والله لا نشترى به ثمناً الى قوله: {لَّمِنَ الآثِمِينَ}، ولعل المراد أن يقولا ما تضمنه هذا اللفظ أن يقول كل واحد منهما فى يمينه أنا صادق فى شهادتى لم أزد فيها شيئا ولم أنقص على القول أن الاثنين شاهدان على الوصية، وأنى أمين فى أمر الوصية ما كتمت وما ضيعت شيئا مما سلم الى من المال، لا على القول بأن الاثنين وصيان، ويعظهما القاضى بأن يقول لهما: اتقيا الله ولا تحلفا كاذبين لمتاع من الدنيا قليل، فان اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع، فيقولان: معاذ الله أن نتبدل بالحلف أو باسم الله ثمناً قليلا فنحرف الحق من أجله. {وَلَوْ كَانَ}: المشهود له. {ذَا قُرْبَى}: قريباً فى الرحم، وجواب لو مدلول عليه بقوله: {لا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً} وهذا يقوى أن الاثنين الشاهدان الوصيان، فلا يشهدان له زوراً بما يضر المشهود عليه، ومن قال: الاثنان الوصيان، قال: ضمير كان عائد الى الميت، والمراد ولو كان الميت ذا قرابة من الوصيين، فلا يقولان اننا ممن يكون حقيقاً بماله لقريتا فنكتم منه، والله أعلم. {وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللهِ}: أى الشهادة التى أمرنا الله باقامتها وتعظيمها، ونهانا عن كتمها وتحريفها. {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الآثِمِينَ}: المذنبين، ومعنى قوله: {إِذاً} حين الكتم أو اذا كتمنا، ويحلفان حيث كان الحكم من القاضى وان كثر المال الذى اختلف فيه، فحيث يعظم مثل ما بين الركن والمقام لمن بمكة، وعند المنبر فى المدينة لمن كان بها، وعند الصخرة لمن فى بيت المقدس، وفى سائر البلاد فى أشرف المساجد وأعظمها. قال الشافعى: ان اليمين تغلظ فى الدماء والطلاق والمال اذا بلغ مائتى درهم بالزمان والمكان، فالزمان بعد العصر، والمكان هذه المواضع المذكورة، ثم أن يمين الشاهدين منسوخ ان أريد فى الآية الشاهدان، وان أريد الوصيان فلا نسخ فيحلفان الى الآن ان اتهمهما فى الوصية أو فيما بين أيديهما. وقليل عن على: انه لم ير نسخ يمين الشاهدين والراوى، وكان يحلفهم اذا اتهمهم وقرأ الشعبى وعلى بن أبى طالب ولا نكتم شهادة بالتنوين والنصب، واذا أراد الوقف وقف عليه، وأما لفظ الجلالة فقرأه بالجر على القسم، ويبتدىء به ويمد همزته بقلبها ألفاً لادخاله همزة الاستفهام عليها تعويضاً عن حرف القسم، وروى عن الشعبى الجر بلا مد، كما ذكر سيبويه أن من العرب من يحذف حرف القسم ولا يعوض عنه الهمزة فيقول الله لقد كان بالجر، وقرىء لمن الآثمين باسقاط همزة أثم بعد نقل حركتها الى لام أل الداخلة عليها، وادغام نون من فى لام أل كما أدغم نافع فى بعض طرقه، وبه يقرأ التنوين فى لام أل من قوله: {أية : عادا الأولى }.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} أَى عليكم شهادة بينكم، أَو فيما أَمرتكم به شهادة بينكم، أَو فرضت شهادة بينكم، فاثنان بعد تقدير يشهد اثنان أَو ليشهد اثنان بلام الأَمر، أَو هو فاعل شهادة، أَو شهادة بينكم اثنان، أَى شهادة اثنين أَو أَهل شهادة بينكم اثنان، وأَضيفت الشهادة إِلى البين باعتبار جريانها بينهم، أَو باعتبار تعلقها بما يجرى بينهم من الخصومات، والمراد بالشهادة ظاهرها أَو الإِشهاد، والمعنى على الأَول إِخبار أَحد بحق على أَحد أَو حضور وصية المحتضر. وعلى الثانى إِشهاد المحتضر عدلين على ما يوصى به، أَو إِحضارهما للشهادة، وقيل الشهادة بمعنى الشهود كرجل عدل. {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموْتُ} أَى حضره مبدؤه بحسب ما يظهر فهو حضور حقوق، وإِن أُريد الموت التام فالمعنى إِذا قاربه وظهرت أَمارته، وإِذا متعلق بشهادة خارج عن الشرط والصدر. {حِينَ الوَصِيَّةِ} بدل من إِذا كما أَبدل "أية : يومئذ يتذكر الإِنسان"تفسير : [الفجر: 23] من "أية : إِذا دكت الأَرض" تفسير : [الفجر: 21] أَو متعلق بحضر أَو بالموت، وفى الإِبدال تنبيه على أَن لا يتهاون بالوصية إِذ جعل زمانها حضور الموت، والوصية كالموت لا تتخلف عن ذلك الزمان كما لا يتخلف الموت، والوصية بمعنى الإِيصاء {اثْنَانِ} وصيان اثنان أَو شاهدان اثنان وجه الأَول أَن الآية نزلت فيها، ولقوله فيقسمان، والشاهد لا يحلف إِلا أَن الأَصل أَن لا يتعدد ولكن عدد تأْكيداً وعليه تكون الشهادة بمعنى الحضور {ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ} من أقاربكم أَو منكم معشر المسلمين، كذا قيل، وفيه أَنه لم يجر للمشركين ذكر سوى مقابلته بعد قوله من غيركم، ومنكم نعت ثان لاثنان أَو حال {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} من غير أَقاربكم فلا مدخل للمشركين فى الشهادة لمسلم أَو عليه، أَو من غيركم معشر المسلمين وهم المشركون، ومعنى عدالة المشركين تحرزهم عن الكذب كما تقبل شهادة قوم غلبونا أَو غلبناهم على الصحيح إِذا كانوا عدولا في مذهبهم. ثم نسخت إِجازة شهادة المشركين لما كثر المسلمون، وسواء أَهل الكتاب وغيرهم، ولو نزلت في قصة أَهل الكتاب وإن وجدتم المسلمين فاستشهدوهم لا المشركين، قال شريح رحمه الله: وإِنما جازت قبل النسخ فى السفر لأَنه مظنه الحاجة إِليها كما قال. {إِن أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الأَرْضِ} أَى سافرتم، وقيل لم تجز شهادة المشركين على المسلم أَو له قط فضلا عن أَن تنسخ، وقيل جائز عند السفر للضرورة بلا نسخ، وعن أَبى موسى الأَشعرى أَنه حكم حين كان والياً على الكوفة بمحضر من الصحابة بشهادة ذميين بعد تحليفهما فى وصية مسلم فى السفر، وبه قال أَحمد، والأَصل إِن ضربتم فحذف ضرب الأَول وانفصل فاعله المتصل، وكذا كلما حذف العامل فى المستتر أَو المتصل وحده انفصل الضمير، وذلك قيد لقوله أَو آخران من غيركم، والقيد الآخر حضور الموت، أَو قيد للمسأَلة كلها إِرشادا للمصلحة، كما أَنه يجوز أَن يراد بغيركم غير أَقاربكم وهم مسلمون أَجانب، وجملة شهادة بينكم إِلخ إِخبار بأَن الأَمر الشرعى ما ذكر، أَو بمعنى الأَمر {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الموْتِ} قاربتم الموت، ويجوز أَن يكون إن أَنتم ضربتم كلاماً غير قيد لما قبله، وإِن أَنتم ضربتم في الأَرض فأَصابتكم مصيبة الموت فأَوصيتم إِلى اثنين عدلين في ظنكم وجمعتم إِليهم ما معكم من المال ثم متم، وذهب الاثنان إِلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أَمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم أَن تحبسوهما من بعد الصلاة استيثاقاً منهما {تَحْبِسُونَهُمَا} توقفونهما عن الذهاب حيث شاءَا، نعت لآخران، أَو جواب سؤال يفرض كأَنه قيل كيف نعمل بالشهادين إِن ارتبنا فقال تحبسونهما {مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ} صلاة العصر المعهودة للتحليف عندهم؛ لأَنه وقت اجتماع وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار، ولتكثر الشهود، ولأَن جميع الملل يعظمون هذا الوقت ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقال الحسن: صلاة الظهر أَو العصر؛ لأَن أَهل الحجاز يقعدون للحكم بعدهما، وقيل أَى صلاة لأَن الصلاة داعية إِلى الصدق ومجانبة الفحشاء والمنكر، وقيل من بعد صلاتهما على أَنهما مسلمان {فَيُقْسِمَانِ} يحلفان {بِاللهِ إِن ارْتَبْتُمْ} ارتاب الوارث، والمراد الجنس الصادق بالواحد فصاعدا، أَو خاطب المسلمين عموماً لأَن الورثة منهم ويجرى الحكم على أَيديهم، أَو إِن ارتبتم معشر الورثة الواحد فصاعدا، والارتياب يتصور بالخيانة من الشاهدين أَو بأَخذهما شيئاً من التركة، وجواب إِن أَغنى عنه تحبسونهما ويقسمان بالله وجواب يقسمان هو قوله {لا نَشْتَرِىِ بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وإِن لم ترتابوا فلا حلف، وهاء به قيل عائدة إِلى الله أَى لانشترى بيمين الله، وقيل: إِلى الإقسام أَى الحلف المعلوم من قوله يقسمان، وقال الفارسى: إِلى تحريف الشهادة، وهو أَقوى من حيث المعنى لأَنه أَليق باجابة القسم لأَنه المقام للحلف على ما بأَيديهما، والصدق فيما قالا في شأنه، قيل إِلى الشهادة والتذكير لأَن فيها معنى القول، وأَما إِذا عادت إِلى الله أَو إِلى الإِقسام فلا تكفى جملة لا نشترى جواباً بل يقدر الجواب وتكون الجملة مفعولا به لقول مقدر هكذا، فيقسمان بالله إِن ارتبتم إِنا لصادقان فيما قلنا في شأن المال أَو فى أَمر الوصية ما خنت فى المال الذى بيدى، ويقولان لا نشترى أَو قائلين لا نشترى، وحاصل ذلك أَن الجملة مستتبعة لجواب القسم لا نفس الجواب. كما عهد الحالف أَن يزيد على قسمه ما يؤكد به جوابه، والثمن العرض المأخوذ على التحريف من المال على سبيل الفرض والتقدير، والشراء على ظاهره، ويجوز أَن يكون بمعنى البيع فيكون الثمن المثمن وهو التحريف وضمير كان عائد إِلى المقسم له والمعلوم من يقسمان أَو المشهود له المعلوم من لفظ شهادة، والأَول أَولى لقربه والثانى أَولى لكونه مبنى الكلام، والقربى قرابة النسب أَى ولو كان قريباً مناسباً {وَلاَ تَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ} عطف على لا نشترى، والمراد الشهادة التى أَمرنا الله بأَدائها ولأَمره بها أُضيفت إِليه {إِنَّا إِذاً} إِذ كتمناها لو كتمناها {لَمِنَ الآثِمِينَ}.
الالوسي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم، وفيه من إظهار كمال العناية بمضمونه ما لا يخفى {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ} للشهادة معان: الإحضار والقضاء والحكم والحلف والعلم والإيصاء، والمراد بهاهنا الأخير كما نص عليه جماعة من المفسرين، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك، وقرأها الجمهور بالرفع على أنها مبتدأ و (اثنان) خبرها، والكلام على حذف مضاف / من الأول أي ذو شهادة بينكم إثنان أو من الثاني أي شهادة بينكم شهادة إثنين، والتزم ذلك ليتصادق المبتدأ والخبر، وقيل: الشهادة بمعنى الشهود كرجل عدل فلا حاجة إلى التزام الحذف، وقيل: الخبر محذوف و (اثنان) مرفوع بالمصدر الذي هو {شَهَادَةً} والتقدير فيما فرض عليكم أن يشهد إثنان وإلى هذا ذهب الزجاج والشهادة فيه على معناها المتبادر منها لا بمعنى الإشهاد، وكلام البعض يوهم ذلك وهو في الحقيقة بيان لحاصل معنى الكلام. وزعم بعضهم أنها بمعنى الإشهاد الذي هو مصدر المجهول و (اثنان) قائم مقام فاعله، وفيه أن الإتيان لمصدر الفعل المجهول بنائب فاعل وهو اسم ظاهر وإن جوزه البصريون كما في «شرح التسهيل» للمرادي فقد منعه الكوفيون وقالوا: إنه هو الصحيح لأن حذف فاعل المصدر سائغ شائع فلا يحتاج إلى ما يسد مسد فاعله كفاعل الفعل الصريح. و {إِذَا} ظرف لشهادة أي ليشهد وقت حضور الميت والمراد مشارفته وظهور أماراته، و {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} أما بدل من {إِذَا} وفيه تنبيه على أن الوصية من المهمات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها. وجوز أن يتعلق بنفس الموت أي وقوع الموت أي أسبابه حين الوصية أو يحضر، وأن يكون {شَهَادَةً} مبتدأ خبره {إِذَا حَضَرَ} أي وقوع الشهادة في وقت حضور الموت و {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} على الأوجه السابقة، ولا يجوز فيه أن يكون ظرفاً للشهادة لئلا يخبر عن الموصول قبل تمام صلته أو خبره {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ} و {إِذَا} منصوب بالشهادة ولا يجوز نصبه بالوصية وإن كان المعنى عليه لأن معمول المصدر لا يتقدمه على الصحيح مع ما يلزم من تقديم معمول المضاف إليه على المضاف وهو لا يجوز في غير ـ غير ـ لأنها بمنزلة لا و {ٱثْنَانِ} على هذين الوجهين إما فاعل يشهد مقدراً أو خبراً لشاهدان كذلك. وعن الفراء أن {شَهَادَةً} مبتدأ و {ٱثْنَانِ} فاعله سدَّ مسد الخبر وجعل المصدر بمعنى الأمر أي ليشهد، وفيه نيابة المصدر عن فعل الطلب وهو ضعيف عند غيره لأن الاكتفاء بالفاعل مخصوص بالوصف المعتمد. و {إِذَا } و {حِينٍ} عليه منصوبان على الظرفية كما مر، وإضافة {شَهَادَةً} إلى الظرف على التوسع لأنه متصرف ولذا قرىء { أية : تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94] بالرفع، وقيل: إن الأصل ما بينكم وهو كناية عن التخاصم والتنازع، وحذف ما جائز نحو { أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ } تفسير : [الإنسان: 20] أي ما ثم، وأورد عليه أن ما الموصولة لا يجوز حذفها ومنهم من جوزه. وقرأ الشعبـي {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } بالرفع والتنوين فبينكم حينئذٍ منصوب على الظرفية. وقرأ الحسن {شَهَادَةً } بالنصب والتنوين، وخرج ذلك ابن جني على أنها منصوبة بفعل مضمر {ٱثْنَانِ } فاعله أي ليقم شهادة بينكم اثنان. وأورد عليه أن حذف الفعل وإبقاء فاعله لم يجزه النحاة إلا إذا تقدم ما يشعر به كقوله تعالى: { أية : يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } تفسير : [النور: 36] في قراءة من قرأ {يُسَبّحُ } بالبناء للمفعول، وقول الشاعر: شعر : ليبك يزيد ضارع لخصومة تفسير : أو أجيب به نفي أو استفهام وذلك ظاهر، والآية ليست واحداً من هذه الثلاثة. وأجيب بأن ما ذكر من الاشتراط غير مسلم بل هو شرط الأكثرية، واختار في «البحر» وجهين للتخريج، الأول: أن تكون {شَهَادَةً} منصوبة على المصدر النائب مناب فعل الأمر و {ٱثْنَانِ} مرتفع به، والتقدير ليشهد بينكم اثنان فيكون من باب ضربا زيداً إلا أن الفاعل في ضربا يستند إلى ضمير المخاطب لأن معناه اضرب، وهذا يستند إلى الظاهر لأن معناه ما علمت، والثاني: أن تكون مصدراً لا بمعنى الأمر بل خبراً ناب مناب الفعل في الخبر وإن كان ذلك قليلاً كقوله: شعر : وقوفاً بها صحبـي على مطيهم تفسير : فارتفاع / صحبـي وانتصاب مطيهم بقوله وقوفاً فإنه بدل من اللفظ بالفعل في الخبر، والتقدير وقف صحبـي على مطيهم، والتقدير في الآية يشهد إذا حضر أحدكم الموت اثنان. {ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ} أي من المسلمين كما روي عن ابن عباس وابن مسعود والباقر رضي الله تعالى عنهم وابن المسيب عليه الرحمة، أو من أقاربكم وقبيلتكم كما روي عن الحسن وعكرمة، وهو الذي يقتضيه كلام الزهري وهما صفتان لاثنان {أَوْ ءاخَرَانِ } عطف على {ٱثْنَانِ } في سائر احتمالاته. وقوله سبحانه: {مِنْ غَيْرِكُمْ } صفة له أي كائنان من غيركم، والمراد بهم غير المسلمين من أهل الكتاب عند الأولين وغير الأقربين من الأجانب عند الآخرين. واختار الأول جماعة من المتأخرين حتى قال الجصاص: إن التفسير الثاني لا وجه له لأن الخطاب توجه أولاً إلى أهل الإيمان فالمغايرة تعتبر فيه ولم يجر للقرابة ذكر، ويدل لذلك أيضاً سبب النزول وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى. {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي سافرتم، وارتفاع {أَنتُمْ} بفعل مضمر يفسره ما بعده، والتقدير إن ضربتم فلما حذف الفعل وجب أن يفصل الضمير ليقوم بنفسه وهذا رأي جمهور البصريين، وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه مبتدأ بناءً على جواز وقوع المبتدأ بعد إن الشرطية كجواز وقوعه بعد (إذا) فجملة {ضَرَبْتُمْ } لا موضع لها على الأول للتفسير وموضعها الرفع على الخبرية على الثاني. وقوله تعالى: {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ } أي قاربتم الأجل عطف على الشرط وجوابه محذوف، فإن كان الشرط قيداً في أصل الشهادة فالتقدير إن ضربتم في الأرض الخ فليشهد اثنان منكم أو من غيركم، وإن كان شرطاً في العدول إلى آخرين بالمعنى الذي نقل عن الأولين فالتقدير فاشهدوا آخرين من غيركم أو فالشاهدان آخران من غيركم، وحينئذٍ تفيد الآية أنه لا يعدل في الشهادة إلى غير المسلمين إلا بشرط الضرب في الأرض، وروي ذلك عن شريح رضي الله تعالى عنه. وقوله سبحانه: {تَحْبِسُونَهُمَا} أي تلزمونهما وتصبرونهما للتحليف استئناف كأنه قيل كيف نعمل إذا ارتبنا بالشاهدين فقال سبحانه: تحبسونهما {مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ} أي صلاة العصر كما روي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه وقتادة وابن جبير وغيرهم، والتقييد بذلك لأنه وقت اجتماع الناس وتكاثرهم ولأن جميع أهل الأديان يعظمونه ويجتنبون الحلف الكاذب فيه ولأنه وقت تصادم ملائكة الليل والنهار وتلاقيهم، وفي ذلك تكثير للشهود منهم على صدق الحالف وكذبه فيكون أخوف، وعد ذلك بعضهم من باب التغليظ على المستحلف بالزمان. وعندنا لا يلزم التغليظ به ولا بالمكان بل يجوز للحاكم فعله. وعن الحسن أن المراد بها صلاة العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما، وجوز أن تكون اللام للجنس أي بعد أي صلاة كانت. والتقييد بذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق ناهية عن التفوه بالكذب والزور وارتكاب الفحشاء والمنكر. وجعل الحسن التقييد بذلك دليلاً على ما تقدم من تفسيره. وجوز أن تكون الجملة صفة أخرى لآخران؛ وجملة الشرط معترضة فلا يضر الفصل بها. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وتعقب بأنه يقتضي اختصاص الحبس بالآخرين مع شموله / للأولين أيضاً قطعاً على أن اعتبار اتصافهما بذلك يأباه مقام الأمر بإشهادهما إذ مآله فآخران شأنهما الحبس والتحليف وإن أمكن إتمام التقريب باعتبار قيد الارتياب بهما كما يفيده الاعتراض الآتي ولا يخفى ما فيه. والخطاب للموصى لهم وقيل: للورثة وقيل: للحكام والقضاة. وقوله عز وجل: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ } عطف على {تَحْبِسُونَهُمَا } {إِنِ ٱرْتَبْتُمْ } أي شككتم في صدقهما وعدم استبدادهما بشيء من التركة. والجملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما سبق من الحبس والإقسام عليه، والشرط مع جوابه المحذوف معترض بين القسم وجوابه أعني قوله تعالى: {لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً} وقد سيق من جهته تعالى للتنبيه على اختصاص الحبس والتحليف بحال الارتياب وليس هذا من قبيل ما اجتمع فيه قسم وشرط فاكتفى بذكر جواب سابقهما عن جواب الآخر كما هو الواقع غالباً لأن ذلك إنما يكون عند سد جواب السابق مسد جواب اللاحق لاتحاد مضمونهما كما في قولك: والله إن أتيتني لأكرمنك، ولا ريب في استحالته هٰهنا لأن القسم وجوابه كلام الشاهدين والشرطية كما علمت من جهته سبحانه وتعالى، ولا يتوهم أن إن هنا وصلية لأنها مع أن الواو لازمة لها ليس المعنى عليها كما لا يخفى. وزعم بعضهم جواز كونها شرطية و {لاَ نَشْتَرِى } دليل الجواب، والمعنى إن ارتبتم فلا ينبغي ذلك أو فقد أخطأتم لأنا لسنا ممن يشتري به ثمناً قليلاً وهو بعيد جداً وتخلو الآية عليه ظاهراً من شرط التحليف، وضمير {بِهِ } عائد إلى الله تعالى، والمعنى لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من الله سبحانه أي من حرمته تعالى عرضاً من الدنيا بأن نزيلها بالحلف الكاذب وحاصله لا نحلف بالله تعالى حلفاً كاذباً لأجل المال، وقيل: إنه عائد إلى القسم على تقدير مضاف أي لا نستبدل بصحة القسم بالله تعالى عرضاً من الدنيا بأن نزيل عنه وصف الصدق ونصفه بالكذب، وقيل: إلى الشهادة باعتبار أنها قول ولا بد من تقدير مضاف أيضاً، وتقدير مضاف في {ثَمَناً } أي ذا ثمن مما لا يدع إليه إلا قلة التأمل. {وَلَوْ كَانَ } المقسم له المدلول عليه بفحوى الكلام {ذَا قُرْبَىٰ } أي قريباً منا. وهذا تأكيد لتبريهما من الحلف الكاذب ومبالغة في التنزه عنه كأنهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلاً من ذلك مالاً ولو انضم إليه رعاية جانب الأقرباء فكيف إذا لم يكن كذلك، «وصيانة أنفسهما وإن كانت أهم من رعاية جانب الأقرباء لكنها ـ كما قال شيخ الإسلام ـ ليست ضميمة المال بل هي راجعة إليه» وقيل: الضمير للمشهود له على معنى لا نحابي أحداً بشهادتنا ولو كان قريباً منا، وجواب (لو) محذوف اعتماداً على ما سبق عليه أي لا نشتري به ثمناً، والجملة معطوفة على جملة أخرى محذوفة أي لو لم يكن ذا قربى ولو كان الخ، وجعل السمين الواو للحال، وقد تقدم لك ما ينفعك هنا. وجوز بعضهم إرجاع الضمير للشاهد وقدر جواباً للو غير ما قدرناه أي ولو كان الشاهد قريباً يقسمان، وجعل فائدة ذلك دفع توهم اختصاص الأقسام بالأجنبـي، ولا يخفى ما في التركيب حينئذ من الركاكة التي لا ينبغي أن تكون في كلام هذا البعض فضلاً عن كلام رب الكل، ونشهد بالله سبحانه وتعالى أن حمل كلامه عز وجل على مثل ذلك مما لا يليق. {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ } أي الشهادة التي أمرنا سبحانه وتعالى بإقامتها وألزمنا أداءها / فالإضافة للاختصاص أو لأدنى ملابسة، والجملة معطوفة على {لاَ نَشْتَرِى بِهِ } داخل معه في حيز القسم. وروي عن الشعبـي أنه وقف على {شَهَادَةً } بالهاء ثم ابتدأ آلله بالمد والجر على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه وليس هذا من حذف حرف الجر وإبقاء عمله وهو شاذ كقوله: شعر : أشارت كليب بالأكف الأصابع تفسير : لأن ذلك حيث لا تعويض، وفي الجلالة الكريمة تعويض همزة الاستفهام عن المحذوف، وهل الجر به أو بالعوض قولان. وروي عنه وكذا عن الحسن رضي الله تعالى عنه ويحيـى بن عمر وابن جرير وآخرين {ٱللَّهِ } بدون مد وفي ذلك احتمالان. الأول: أن الحذف من غير عوض فيكون على خلاف القياس، والثاني: أن الهمزة المذكورة همزة الاستفهام وهي همزة قطع عوضت عن الحرف ولكنها لم تمد وهذا أولى من دعوى الشذوذ ولذا اختاره في «الدر المصون»، وقرىء بتنوين الشهادة ووصل الهمزة ونصب اسم الله تعالى من غير مد وخرجه أبو البقاء على أنه منصوب بفعل القسم محذوفاً. {إِنَّا إِذَاً لَّمِنَ ٱلآثِمِينَ} أي إذا فعلنا ذلك وكتمنا، والعدول عن آثمون إلى ما ذكر للمبالغة. وقرىء {لملاثمين} بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام النون فيها.
ابن عاشور
تفسير : استؤنفت هذه الآي استئنافاً ابتدائياً لشرع أحكام التوثّق للوصية لأنّها من جملة التشريعات التي تضمّنتها هذه السورة، تحقيقاً لإكمال الدين، واستقصاء لما قد يحتاج إلى علمه المسلمون وموقعها هنا سنذكره. وقد كانت الوصية مشروعة بآية البقرة (180) {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية}تفسير : . وتقدّم القول في ابتداء مشروعيتها وفي مقدار ما نسخ من حكم تلك الآية وما أحكم في موضعه هنالك. وحرص رسول الله على الوصية وأمر بها، فكانت معروفة متداولة منذ عهد بعيد من الإسلام. وكانت معروفة في الجاهلية كما تقدّم في سورة البقرة. وكان المرء يوصي لمن يوصي له بحضرة ورثته وقرابته فلا يقع نزاع بينهم بعد موته مع ما في النفوس من حرمة الوصية والحرص على إنفاذها حفظاً لحقّ الميّت إذ لا سبيل له إلى تحقيق حقّه، فلذلك استغنى القرآن عن شرع التوثّق لها بالإشهاد، خلافاً لما تقدّم به من بيان التوثّق في التبايع بآية {أية : وأشهدوا إذا تبايعتم}تفسير : [البقرة: 282] والتوثّق في الدين بآية {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين}تفسير : [البقرة: 282] الخ فأكملت هذه الآية بيان التوثّق للوصية اهتماماً بها ولجدارة الوصية بالتوثيق لها لضعف الذياد عنها لأنّ البيوع والديون فيها جانبان عالمان بصورة ما انعقد فيها ويذُبّان عن مصالحهما فيتّضح الحقّ من خلال سعيهما في إحقاق الحقّ فيها بخلاف الوصية فإنّ فيها جانباً واحداً وهو جانب الموصى له لأنّ الموصي يكون قد ماتَ وجانب الموصى له ضعيف إذ لا علم له بما عقد الموصي ولا بما ترك، فكانت معرّضة للضياع كلّها أو بعضها. وقد كان العرب في الجاهلية يستحفظون وصاياهم عند الموت إلى أحد يثقون به من أصحابهم أو كبراء قبيلتهم أو من حضر احتضار الموصي أو من كان أودع عند الموصي خَبَرَ عزمه. فقد أوصى نزارُ بن مَعَدّ وصية موجزة وأحال أبناءه على الأفعى الجرهمي أن يبيّن لهم تفصيل مراده منها. وقد حدثت في آخر حياة الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ حادثة كانت سبباً في نزول هذه الآية. ولعلّ حدوثها كان مقارناً لنزول الآي التي قبلها فجاءت هذه الآية عقبها في هذا الموضع من السورة. ذلك أنّه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية: هي أن رجلين أحدهما تميم الداريُّ اللخمي والآخر عدي بن بدّاء، كانا من نصارى العرب تاجرين، وهما من أهل (دارِين) وكانا يتّجران بين الشام ومكةَ والمدينة. فخرج معهما من المدينة بُديل بن أبي مريم مولى بني سَهم ـــ وكان مسلماً ـــ بتجارة إلى الشام، فمرض بديل (قيل في الشام وقيل في الطريق برّاً أو بحراً) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوّص بالذهب قاصداً به ملكَ الشام، فلمّا اشتدّ مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسّها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلّغاه مواليه من بني سهم. وكان بديل مولى للعاصي بن وائل السهمي، فولاؤه بعد موته لابن عمرو بن العاصي. وبعض المفسّرين يقول: إنّ ولاء بُديل لعَمرو بن العاصي والمطلب بن وداعة. ويؤيّد قولهم أنّ المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أنّ الجام لبديل بن أبي مريم. فلمّا رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا مَا لِبديل إلى مواليه. فلمّا نشروه وجدوا الصحيفة، فقالوا لتميم وعدي: أين الجَامُ فأنكرا أن يكون دفع إليهما جاماً. ثم وُجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال: إنّه ابتاعه من تميم وعديّ. وفي رواية أنّ تميماً لما أسلم في سنة تسع تأثّم ممّا صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع له الخمسمائة الدرهم الصائرة إليه من ثمنه، وطالب عمرو عدياً ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه. وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية. وقد ساقه البخاري تعليقاً في كتاب الوصايا. ورواه الترمذي في كتاب التفسير، وقال: ليس إسناده بصحيح. وهو وإن لم يستوف شروط الصحة فقد اشتهر وتلقّى بالقبول، وقد أسنده البخاري في «تاريخه». واتّفقت الروايات على أنّ الفريقين تقاضَوا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية في ذلك، فحلف عَمرُو بن العاصي والمطّلب بن أبي وَدَاعة على أنّ تميماً وعدياً أخفيا الجام وأنّ بُديلاً صاحبه وما باعه ولا خرج من يده. ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذٍ نصراني. وعدي هذا قيل: أسلم، وعدّه ابن حبّان وابن منده في عداد الصحابة، وقيل: مات نصرانياً، ورجّح ذلك ابن عطية، وهو قول أبي نعيم، ويروى عن مقاتل، ولم يذكره ابن عبد البر في الصحابة. واحتمل أن يكون نزولها قبل الترافع بين الخصم في قضية الجام، وأن يكون نزولها بعد قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في تلك القضية لتكون تشريعاً لما يحدث من أمثال تلك القضية. و{بينكم} أصل (بين) اسم مكان مبهم متوسّط بين شيئين يبيّنه ما يضاف هو إليه، وهو هنا مجاز في الأمر المتعلّق بعدّة أشياء، وهو مجرور بإضافة {شهادةُ} إليه على الاتّساع. وأصله (شهادةٌ) بالتنوين والرفع «بينكم» بالنصب على الظرفية. فخرج (بين) عن الظرفية إلى مطلق الاسمية كما خرج عنها في قوله تعالى: {أية : لقد تقطّع بينكم}تفسير : [الأنعام: 94] في قراءة جماعة من العشرة برفع {بينكم}. وارتفع {شهادةُ} على الابتداء، وخبره {اثنان}. و{إذا حضر أحدكم الموت} ظرف زمان مستقبل. وليس في (إذا) معنى الشرط، والظرف متعلّق بــ {شهادة} لما فيه من معنى الفعل، أي ليشهدْ إذا حضر أحدكم الموتُ اثنان، يعني يجب عليه أن يشهد بذلك ويجب عليهما أن يَشهدا لقوله تعالى: {أية : ولا يأبَ الشهداءُ إذا ما دُعوا}تفسير : [البقرة: 282]. و{حين الوصية} بدَل من {إذا حضر أحدكم الموتُ} بَدَلاً مطابقاً، فإنّ حين حضور الموت هو الحين الذي يوصي فيه الناس غالباً. جيء بهذا الظرف الثاني ليتخلّص بهذا البدل إلى المقصود وهو الوصية. وقد كان العرب إذا راوا علامة الموت على المريض يقولون: أوص، وقد قالوا ذلك لعمر بن الخطاب حين أخبر الطبيب أنّ جرحه في أمعائه. ومعنى حضور الموت حضور علاماته لأن تلك حالة يتخيّل فيها المرءُ أنّ الموت قد حضر عنده ليصيّره ميتاً، وليس المراد حصول الغرغرة لأنّ ما طُلب من الموصي أن يعمله يستدعي وقتاً طويلاً، وقد تقدّم عند قوله: {أية : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً} تفسير : في سورة البقرة (180). وقوله: {اثنان} خبر عن {شهادةُ}، أي الشهادة على الوصية شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فأخذ إعرابه، والقرينة واضحة والمقصود الإيجاز. فماصْدقُ {اثنان} شاهدان، بقرينة قوله {شهادة بينكم}، وقولِه: {ذوا عدل}. وهذان الشاهدان هما وصيّان من الميّت على صفة وصيّته وإبلاغها، إلاّ أن يجعل الموصي وصياً غيرهما فيكونا شاهدين على ذلك. والعدل والعدالة متّحدان، أي صاحبا اتّصَاف بالعدالة. ومعنى {منكم} من المؤمنين، كما هو مقتضى الخطاب بقوله: {يأيّها الذين آمنوا}، لأنّ المتكلّم إذا خاطب مخاطبه بوصف ثم أتبعه بما يدلّ على بعضه كان معناه أنّه بعض أصحاب الوصف، كما قال الأنصار يوم السقيفة: مِنَّا أمير ومِنْكم أمير. فالكلام على وصية المؤمنين. وعلى هذا درج جمهور المفسّرين، وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، وقتادة، والأئمة الأربعة. وهو الذي يجب التعويل عليه، وهو ظاهر الوصف بكلمة {منكم} في مواقعها في القرآن. وقال الزهري، والحسن، وعكرمة: معنى قوله {منكم} من عشيرتكم وقرابتكم. ويترتّب على التفسير الأول أن يكون معنى مقابله وهو {من غيركم} أنّه من غير أهل ملّتكم. فذهب فريق ممّن قالوا بالتفسير الأول إلى إعمال هذا وأجازوا شهادة غير المسلم في السفر في الوصية خاصّة، وخصّوا ذلك بالذميّ، وهو قول أحمد، والثوري، وسعيد بن المسيّب، ونُسب إلى ابن عبّاس، وأبي موسى. وذهب فريق إلى أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى: {أية : وأشهدوا ذَوَيْ عدل منكم}تفسير : [الطلاق: 2]، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ونسب إلى زيد بن أسلم. وقد تمّ الكلام على الصورة الكاملة في شهادة الوصية بقوله: {ذوَا عدل منكم}. وقوله: {أو آخران من غيركم} الآيات.. تفصيل للحالة التي تعرض في السفر. و(أو) للتقسيم لا للتخيير، والتقسيمُ باعتبار اختلاف الحالين: حاللِ الحاضر وحال المسافر، ولذلك اقترن به قوله: {إنْ أنتم ضربتم في الأرض}، فهو قيد لقوله: {أو آخران من غيركم}. وجواب الشرط في قوله: {إن أنتم ضربتم في الأرض} محذوف دلّ عليه قوله: {أو آخران من غيركم}، والتقدير: إنْ أنتم ضربتم في الأرض فشهادة آخَرَيْننِ من غيركم، فالمصيرُ إلى شهادة شاهدَين من غير المسلمين عند من يراه مقيّد بشرط {إنْ أنتم ضربتم في الأرض}. والضرب في الأرض: السير فيها. والمراد به السفر، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض} تفسير : في سورة آل عمران (156). ومعنى: {فأصابتكم مصيبة الموت} حلّت بكم، والفِعْل مستعمل في معنى المشارفة والمقاربة، كما في قوله تعالى: {أية : وليَخْشَ الذين لو تركوا من خَلْفهم ذرّيَّة}تفسير : [النساء: 9]، أي لو شارفوا أن يتركوا ذرّيّة. وهذا استعمال من استعمال الأفعال. ومنه قولهم في الإقامة: قد قامت الصلاة. وعُطف قولُه {فأصابتكم} على {ضربتم في الأرض}، فكانَ من مضمون قوله قبله {إذا حضر أحدَكم الموت}. أعيد هنا لربط الكلام بعد ما فَصَل بينه من الظروف والشروط. وضمير الجمع في {أصابتكم} كضمير الجمع في {ضربتم في الأرض}. والمصيبة: الحادثة التي تحلّ بالمرء من شرّ وضرّ، وتقدّم عند قوله تعالى: {أية : فإن أصابتكم مصيبة}تفسير : في سورة النساء (72). وجملة {تحبسونهما} حال من {آخران} عند من جعل قوله {من غيركم} بمعنى من غير أهل دينكم. وأمّا عند من جعله بمعنى من غير قبيلتكم فإنّه حال من {اثنان} ومن {آخران} لأنّهما متعاطفان بــ (أو). فهما أحد قسمين، ويكون التحليف عند الاسْترابة. والتحليف على هذا التأويل بعيد إذ لا موجب للاسترابة في عدلين مسلمين. وضمير الجمع في {تحبسونهما} كضميري {ضربتم وأصابتكم}. وكلّها مستعملة في الجمع البدَلي دون الشمولي، لأنّ جميع المخاطبين صالحون لأن يعتريهم هذا الحكم وإنّما يحلّ ببعضهم. فضمائر جمع المخاطبين واقعة موقع مُقتضَى الظاهر كلُّها. وإنّما جاءت بصيغة الجمع لإفادة العموم، دفعاً لأن يتوهّم أنّ هذا التشريع خاصّ بشخصين معيّنين لأنّ قضية سبب النزول كانت في شخصين؛ أو الخطاب والجمع للمسلمين وحكّامهم. والحَبس: الإمساك، أي المنع من الانصراف. فمنه ما هو بإكراه كحبس الجاني في بيت أو إثقافه في قيد. ومنه ما يكون بمعنى الانتظار، كما في حديث عتبان بن مالك "فغدا عليّ رسول الله وأبو بكر إلى أن قال وحبسناه على خزير صنعناه"، أي أمسكناه. وهذا هو المراد في الآية، أي تمسكونهما ولا تتركونهما يغادِرَانِكم حتّى يتحمّلا الوصية. وليس المرادّ به السجن أو ما يقرب منه، لأنّ الله تعالى قال: {أية : ولا يضارّ كاتب ولا شهيد}تفسير : [البقرة: 282]. وقوله: {من بعد الصلاة} توقيت لإحضارهما وإمساكهما لأداء هذه الشهادة. والإتيانُ بــ (مِن) الابتدائية لتقريب البَعديّة، أي قرب انتهاء الصلاة. وتحتمل الآية أنّ المراد بالصلاة صلاة من صلوات المسلمين، وبذلك فسّرها جماعة من أهل العلم، فمنهم من قال: هي صلاة العصر. وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أحْلف تميماً الداري وعَدي بنَ بدّاء في قضية الجام بعد العصر، وهو قول قتادة، وسعيد، وشريح، والشعبي. ومنهم من قال: الظهر، وهو عن الحسن. وتحتمل من بعد صلاة دينهما على تأويل من غيركم بمعنى من غير أهل دينكم. ونقل عن السديّ، وابن عبّاس، أي تُحضرونهما عقب أدائهما صلاتهما لأنّ ذلك قريب من إقبالهما على خشية الله والوقوف لعبادته. وقوله: {فيقسمان بالله} عطف على {تحبسونهما} فعلم أنّ حبسهما بعد الصلاة لأجل أن يقسما بالله. وضمير {يقسمان} عائد إلى قوله {آخران}. فالحلف يحلفه شاهدا الوصية اللذان هما غير مسلمين لزيادة الثقة بشهادتهما لعدم الاعتداد بعدالة غير المسلم. وقوله {إن ارتبتم} تظافرت أقوال المفسّرين على أنّ هذا شرط متّصل بقوله {تحبسونهما} وما عطف عليه. واستغني عن جواب الشرط لدلالة ما تقدّم عليه ليتأتّى الإيجاز، لأنّه لو لم يقدّم لقيل: أو آخران من غيركم فإن ارتبتم فيهما تحبسونهما إلى آخره. فيقتضي هذا التفسير أنّه لو لم تَحصل الريبة في صدقهما لما لزم إحْضارهما من بعد الصلاة وقسمهما، فصار ذلك موكولاً لِخيَرة الولي. وجملة الشرط معترضة بين فعل القسم وجوابه. والوجه عندي أن يكون قوله {إن ارتبتم} من جملة الكلام الذي يقوله الشاهدان، ومعناه أنّ الشاهدين يقولان: إن ارتبتم في شهادتنا فنحن نقسم بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم الشهادة، أي يقولان ذلك لاطمئنان نفس المُوصي، لأنّ العدالة مظنّة الصدق مع احتمال وجود ما ينافيها ممّا لا يُطّلع عليه فأكّدت مظنّة الصدق بالحلف؛ فيكون شُرع هذا الكلام على كلّ شاهد ليسْتوي فيه جميع الأحوال بحيث لا يكون توجيه اليمين في بعض الأحوال حَرجاً على الشاهدين الذين توجّهت عليهما اليمينُ من أنّ اليمين تعريض بالشكّ في صدقهما، فكان فرض اليمين من قِبَل الشرع دافعاً للتحرّج بينهما وبين الوليّ، لأنّ في كون اليمين شرطاً من عند الله معذرة في المطالبة بها، كما قال جمهور فقهائنا في يمين القضاء التي تتوجّه على من يثبت حقّاً على ميّت أو غائب من أنّها لازمة قبل الحكم مطلقاً ولو أسقطها الوارث الرشيد. ولم أقف على مَن عرّج على هذا المعنى من المفسّرين إلاّ قول الكواشي في «تلخيص التفسير»: «وبعضُهم يقف على {يقسمان} ويبتدىء {بالله} قسماً ولا أحبّه»، وإلاّ ما حكاه الصفاقسي في «مُعربَه» عن الجرجاني «أنّ هنا قولاً محذوفاً تقديره: فيقسمان بالله ويَقُولان». ولم يظهر للصفاقسي ما الذي دعَا الجرجاني لِتقدير هذا القول. ولا أراه حمله عليه إلاّ جَعْلُ قوله {إن ارتبتم} من كلام الشاهديْن. وجوابُ الشرط محذوف يدلّ عليه جواب القسم، فإنّ القسم أولى بالجواب لأنّه مقدّم على الشرط. وقوله {لا نشتري به ثمناً} الخ، ذلك هو المقسم عليه. ومعنى {لا نشتري به ثمناً} لا نعتاض بالأمر الذي أقسمنا عليه ثمناً، أي عوضاً، فضمير به، عائد إلى القسم المفهوم من {يقسمان}. وقد أفاد تنكير {ثمناً} في سياق النفي عمومَ كلّ ثمن. والمراد بالثمن العوَض، أي لا نبدّل ما أقسمنا عليه بعوض كائناً ما كان العوضُ، ويجوز أن يكون ضمير {به} عائداً إلى المقسم عليه وهو ما استشهدا عليه من صيغة الوصي بجميع ما فيها. وقوله: {ولو كان ذا قُربى} حال من قوله {ثمناً} الذي هو بمعنى العوض، أي ولو كان العوض ذا قربى، أي ذا قربى منّا، و«لو» شرط يفيد المبالغة فإذا كان ذا القربى لا يَرْضيانه عوّضاً عن تبديل شهادتهما فأوْلى ما هو دون ذلك. وذلك أنّ أعظم ما يدفع المرء إلى الحيف في عرف القبائل هو الحميّة والنصرة للقريب، فذلك تصغر دونه الرّشى ومنافع الذات. والضمير المسْتتر في {كان} عائد إلى قوله {ثَمناً}. ومعنى كون الثمن، أي العوض، ذَا قربى أنّه إرضاء ذي القربى ونفعه فالكلام على تقدير مضاف، وهو من دلالة الاقتضاء لأنّه لا معنى لجعل العوض ذات ذي القربى، فتعيّن أنّ المراد شيء من علائقه يعيّنه المقام. ونظيره {أية : حُرِّمت عليكم أمّهاتكم}تفسير : [النساء: 23]. وقد تقدّم وجه دلالة مثل هذا الشرط بــ (لو) وتسميتها وصلية عند قوله تعالى: {أية : ولو افتدى به } تفسير : من سورة آل عمران (91). وقوله {ولا نكتم} عطف على {لا نشتري}، لأنّ المقصود من إحلافهما أن يؤدّيا الشهادة كما تلقّياها فلا يغيّرا شيئاً منها ولا يكتماها أصلاً. وإضافة الشهادة إلى اسم الجلالة تعظيم لخطرها عند الشهادة وغيره لأنّ الله لمّا أمر بأدائها كما هي وحَضّ عليها أضافها إلى اسمه حفظاً لها من التغيير، فالتصريح باسمه تعالى تذكير للشاهد به حينَ القسم. وفي قوله {ولا نكتم} دليل على أنّ المراد بالشهادة هنا معناها المتعارف، وهو الإخبار عن أمر خاصّ يعرِض في مثله الترافعُ. وليس المراد بها اليمين كما توهّمه بعض المفسّرين فلا نطيل بردّه فقد ردّه اللفظ. وجملة {إنَّا إذاً لمن الآثمين} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنّها جواب سؤال مقدّر بدليل وجود {إذنْ}، فإنّه حرفُ جواب: استشعر الشاهدان سؤالاً من الذي حَلفا له بقولهما: لا نشتري به ثمناً ولا نكتم شهادة الله، يقول في نفسه: لعلّكما لا تَبِرّان بما أقسمتما عليه، فأجابا: إنّا إذَنْ لَمِن الآثمين، أي إنّا نَعلم تبعة عدم البرّ بما أقسمنا عليه أن نكون من الآثمين، أي ولا نرضى بذلك. والآثمُ: مرتكب الإثم. وقد علم أنّ الإثم هو الحنث بوقوع الجملة استئنافاً مع «إذن» الدالّة على جواب كلام يختلج في نفس أولياء الميّت. وقوله: {فإن عُثر على أنّهما استحقّا إثماً فآخران} الآية، أي إن تبيَّنَ أنّهما كتما أو بدّلا وحنثا في يمينهما، بطلت شهادتهما، لأنّ قوله {فآخران يقومان مقامهما} فرع عن بطلان شهادتهما، فحذف ما يعبّر عن بطلان شهادتهما إيجازاً كقوله: {أية : أن اضرِبْ بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً}تفسير : [البقرة: 60] أي فضرب فانفجرت. ومعنى {عُثِر} اطُّلِع وتَبيّن ذلك، وأصل فعل عَثَر أنّه مصادفة رِجْللِ الماشي جسماً ناتئاً في الأرض لم يترقّبه ولم يَحْذر منه فيختلّ به اندفاعُ مَشْيه، فقد يسقط وقد يتزلزل. ومصدره العِثَار والعُثور، ثم استعمل في الظَفَر بشيء لم يكن مترقّباً الظفَر به على سبيل الاستعارة. وشاع ذلك حتّى صار كالحقيقة، فخصّوا في الاستعمال المعنى الحقيقي بأحد المصدرين وهو العِثار، وخصّوا المعنى المجازي بالمصدر الآخر، وهو العثور. ومعنى {استَحقَّا إثماً} ثبت أنّهما ارتكبا ما يأثمان به، فقد حقّ عليهما الإثم، أي وقع عليهما، فالسين والتاء للتأكيد. والمراد بالإثم هو الذي تبرّءا منه في قوله: {لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله}. فالإثم هو أحد هذين بأن يظهر أنّهما استبدلا بما استؤمنا عليه عوضاً لأنفسهما أو لغيرهما، أو بأن يظهر أنّهما كتما الشهادة، أي بعضها. وحاصل الإثم أن يتّضح ما يقدح في صدقهما بموجب الثبوت. وقوله {فآخران} أي رجلان آخران، لأنّ وصف آخر يطلق على المغاير بالذات أو بالوصف مع المماثلة في الجنس المتحدّث عنه، والمتحدث عنه هنا {اثنان}. فالمعنى فاثنان آخران يقومان مقامهما في إثبات الوصية. ومعنى يقومان مقامهما، أي يعوّضان تلك الشهادة. فإنّ المقام هو محلّ القيام، ثم يراد به محلّ عمل مّا، ولو لم يكن فيه قيام، ثم يراد به العمل الذي من شأنه أن يقع في محلّ يقوم فيه العامل، وذلك في العمل المهمّ. قال تعالى: {أية : إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري}تفسير : [يونس: 71]. فمقام الشاهدين هو إثبات الوصية. و{من} في قوله: {من الذين استحقّ عليهم} تبعيضية، أي شخصان آخران يكونان من الجماعة من الذين استحق عليهم. والاستحقاق كون الشيء حقيقاً بشيء آخر، فيتعدّى إلى المفعول بنفسه، كقوله: {استحقّا إثماً}، وهو الشيء المستحق. وإذا كان الاستحقاق عن نزاع يعدّى الفعل إلى المحقوق بــ{على} الدالّة على الاستعلا بمعنى اللزوم له وإن كره، كأنّهم ضمّنوه معنى وجَب كقوله تعالى: {أية : حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحق}تفسير : [الأعراف: 105]. ويقال: استحقّ زيد على عمرو كذا، أي وجب لزيد حقّ على عمرو، فأخذه منه. وقرأ الجمهور {استُحقّ عليهم} بالبناء للمجهول فالفاعل المحذوف في قوله {استُحقّ عليهم} هو مستحِقّ مّا، وهو الذي انتفع بالشهادة واليمين الباطلة، فنال من تركة الموصي ما لم يجعله له الموصي وغَلَبَ وارثَ الموصي بذلك. فالذين استُحقّ عليهم هم أولياء الموصي الذين لهم مالُه بوجه من وجوه الإرثثِ فحُرموا بَعضه. وقوله {عليهم} قائم مقام نائب فاعل {استحقّ}. وقوله: {الأوليان} تثنية أوْلَى، وهو الأجدر والأحقّ، أي الأجدران بقبول قولهما. فماصْدقه هو مَاصْدق {الآخران} ومرجعه إليه فيجوز، أن يجعل خبراً عن {آخران}، فإنّ {آخران} لمّا وصف بجملة {يقومان مقامهما} صحّ الابتداء به، أي فشخصان آخران هما الأوْلَيَان بقبول قولهما دون الشاهدين المتّهمين. وإنّما عرّف باللاّم لأنّه معهود للمخاطب ذهناً لأنّ السامع إذا سمع قوله: {فإن عثر على أنّهما استحقَّا إثماً} ترقّب أن يعرف من هو الأولى بقبول قوله في هذا الشأن، فقيل له: آخران هما الأوليان بها. ويجوز أن يكون {الأوليان} مبتدأ و{آخران يقومان} خبره. وتقديم الخبر لتعجيل الفائدة، لأنّ السامع يترقّب الحكم بعد قوله: {فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً} فإنّ ذلك العثور على كذب الشاهدين يسقط شهادتهما ويمينهما، فكيف يكون القضاء في ذلك، فعجّل الجواب. ويجوز أن يكون بدلاً من {آخران} أو من الضمير في {يقومان} أو خبر مبتدأ محذوف، أي هما الأوليان. ونكتة التعريف هيَ هي على الوجوه كلّها. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب، وخلف، {الأوّلين} ـــ بتشديد الواو مفتوحة وبكسر اللام وسكون التحتية ـــ جمع أول الذي هو مجاز بمعنى المقدّم والمبتدأ به. فالذين استحقّ عليهم هم أولياء الموصي حيث استحقّ الموصى له الوصية من مال التركة الذي كان للأولياء، أي الورثة لولا الوصية، وهو مجرور نعت (للذين استحقّ عليهم). وقرأ حفص عن عاصم {استحَقّ} ـــ بصيغة البناء للفاعل ـــ فيكون {الأوليان} هو فاعل {استحقّ}، وقوله {فيقسمان بالله} تفريع على قوله {يقومان مقامهما}. ومعنى {لشهادتنا أحقّ من شهادتهما} أنّهما أولى بأن تقبل شهادتهما من اللذيْن عثِر على أنّهما استحقّا إثماً. ومعنى {أحقّ} أنّها الحقّ، فصيغة التفضيل مسلوبة المفاضلة. وقوله {وما اعتدينا} توكيد للأحقّيّة، لأنّ الأحقّيّة راجعة إلى نفعهما بإثبات ما كتمه الشاهدان الأجنبيان، فلو لم تكن كذلك في الواقع لكانت باطلاً واعتداء منهما على مال مبلّغي الوصية. والمعنى: وما اعتدينا على الشاهدين في اتّهامهما بإخفاء بعض التركة. وقوله {إنّا إذن لمنَ الظالمين} أي لو اعتدينا لكنّا ظالمَين. والمقصود منه الإشعار بأنّهما متذكّران ما يترتّب على الاعتداء والظلم، وفي ذلك زيادة وازع. وقد تضمّن القسم على صدق خبرهما يميناً على إثبات حقّهما فهي من اليمين التي يثبت بها الحقّ مع الشاهد العرفي، وهو شاهد التهمة التي عثر عليها في الشاهدين اللذين يبلّغان الوصية. والكلام في «إذن» هنا مثل الكلام في قوله: {إنّا إذن لمن الآثمين}. والمعنى أنّه إن اختلّت شهادة شاهدي الوصية انتقل إلى يمين الموصى له سواء كان الموصى له واحداً أم متعدّداً. وإنّما جاءت الآية بصيغة الاثنين مراعاة للقضية التي نزلت فيها، وهي قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء، فإنّ ورثة صاحب التركة كانا اثنين هما: عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة، وكلاهما من بني سهم، وهما مَوْليا بُديل بن أبي مريم السهمي صاحب الجام. فبعض المفسّرين يذكر أنهما مَوْليا بُديل. وبعضهم يقول: إنّ مولاه هو عمرو بن العاصي. والظاهر من تحليف المطلب ابن أبي وداعة أنّ له ولاء من بديل، إذ لا يعرف في الإسلام أن يحلف من لا ينتفع باليمين. فإن كان صاحب الحقّ واحداً حلف وحده وإن كان أصحاب الحقّ جماعة حلفوا جميعاً واستحقّوا. ولم يقل أحد أنّه إن كان صاحب الحقّ واحداً يحلف معه من ليس بمستحقّ، ولا إن كان صاحب الحقّ ثلاثة فأكثر أن يحلف اثنان منهم ويستحقّون كلّهم. فالاقتصار على اثنين في أيمان الأوليين ناظر إلى قصّة سبب النزول، فتكون الآية على هذا خاصّة بتلك القضية. ويجري ما يخالف تلك القضية على ما هو المعروف في الشريعة في الاستحقاق والتهم. وهذا القول يقتضي أنّ الآية نزلت قبل حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في وصية بُديل بن أبي مريم. وذلك ظاهر بعض روايات الخبر، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنّ الآية نزلت بعد أن حكم الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وحينئذٍ يتعيّن أن تكون تشريعاً لأمثال تلك القضية ممّا يحدث في المستقبل، فيتعيّن المصير إلى الوجه الأول في اشتراط كون الأوليين اثنين إن أمكن. وبقيت صورة لم تشملها الآية مثل أن لا يجد المحتضَر إلاّ واحداً من المسلمين، أو واحداً من غير المسلمين، أو يجد اثنين أحدهما مسلم والآخر غير مسلم. وكلّ ذلك يجري على أحكامه المعروفة في الأحكام كلّها من يمين من قام له شاهد أو يمين المنكر. والمشار إليه في قوله: «ذلك أدنى» إلى المذكور من الحكم من قوله {تحبسونهما من بعد الصلاة} ـــ إلى قوله ـــ {إنَّا إذن لمنَ الظالمين}. و{أدنى} بمعنى أقرب، والقرب هنا مجاز في قرب العلم وهو الظنّ، أي أقوى إلى الظنّ بالصدق. وضمير {يأتوا} عائد إلى «الشهداء» وهم: الآخران من غيركم، والآخران اللذان يقومان مقامهما، أي أن يأتي كلّ واحد منهم. فجمع الضمير على إرادة التوزيع. والمعنى أنّ ما شرع الله من التوثيق والضبط، ومن ردّ الشهادة عند العثور على الريبة أرجى إلى الظنّ بحصول الصدق لكثرة ما ضبط على كلا الفريقين ممّا ينفي الغفلة والتساهل، بله الزور والجور مع توقّي سوء السمعة. ومعنى {أن يأتوا بالشهادة}: أن يؤدّوا الشهادة. جعل أداؤها والإخبار بها كالإتيان بشيء من مكان. ومعنى قوله {على وجهها}، أي على سنّتها وما هو مقوّم تمامها وكمالها، فاسم الوجه في مثل هذا مستعار لأحسن ما في الشيء وأكمله تشبيهاً بوجه الإنسان، إذ هو العضو الذي يعرف به المرء ويتميز عن غيره. ولمّا أريد منه معنى الاستعمارة لهذا المعنى، وشاع هذا المعنى في كلامهم، قالوا: جاء بالشيء الفلاني على وجهه، فجعلوا الشيء مأتيّاً به، ووصفوه بأنه أتي به متمكّناً من وجهه، أي من كمال أحواله. فحرف (على) للاستعلاء المجازي المراد منه التمكّن، مثل {أية : أولئك على هدى من ربّهم}تفسير : [البقرة: 5]. والجارّ والمجرور في موضع الحال من {الشهادة}، وصار ذلك قرينة على أنّ المراد من الوجه غير معناه الحقيقي. وسنّة الشهادة وكمالها هو صدقها والتثبّت فيها والتنبّه لما يغفل عنه من مختلف الأحوال التي قد يستخفّ بها في الحال وتكون للغفلة عنها عواقب تضيِّع الحقوق، أي ذلك يعلّمهم وجه التثبّت في التحمّل والأداء وتوخّي الصدق، وهو يدخل في قاعدة لزوم صفة اليقظة للشاهد. وفي الآية إيماء إلى حكمة مشروعية الإعذاء في الشهادة بالطعن أو المعارضة، فإنّ في ذلك ما يحمل شهود الشهادة على التثبّت في مطابقة شهادتهم، للواقع لأنّ المعارضة والإعذار يكشفان عن الحقّ. وقوله {أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم} عطف على قوله {أن يأتوا} باعتبار ما تعلّق به من المجرورات، وذلك لأنّ جملة {يأتوا بالشهادة على وجهها} أفادت الإتيان بها صادقة لا نقصان فيها بباعث من أنفس الشهود، ولذلك قدّرناه بمعنى أن يعلموا كيف تكون الشهادة الصادقة. فأفادت الجملة المعطوف عليها إيجاد وازع للشهود من أنفسهم، وأفادت الجملة المعطوفة وازعاً هو توقّع ظهور كذبهم. ومعنى {أن تردّ أيمان} أن تُرَجَّع أيمان إلى ورثة الموصي بعد أيمان الشهيدين. فالردّ هنا مجاز في الانتقال، مثل قولهم: قلب عليه اليمين، فيعيَّروا به بين الناس؛ فحرف (أوْ) للتقسيم، وهو تقسيم يفيد تفصيل ما أجمله الإشارة في قوله: {ذلك أدنى} الخ... وجمع {الأيمان} باعتبار عموم حكم الآية لسائر قضايا الوصايا التي من جنسها، على أنّ العرب تعدل عن التثنية كثيراً. ومنه قوله تعالى: {أية : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4] وذيّل هذا الحكم الجليل بموعظة جميع الأمّة فقال: {واتّقوا الله} الآية. وقوله {واسمعوا} أمر بالسمع المستعمل في الطاعة مجازاً، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : إذ قلتم سمعنا وأطعنا} تفسير : في هذه السورة (7). وقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} تحريض على التقوى والطاعة لله فيما أمر ونهى، وتحذير من مخالفة ذلك، لأنّ في اتّباع أمر الله هُدى وفي الإعراض فسقاً. {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي المعرضين عن أمر الله، فإنّ ذلك لا يستهان به لأنّه يؤدّي إلى الرين على القلب فلا ينفذ إليه الهدى من بعدُ فلا تكونُوهم وكونوا من المهتدين. هذا تفسير الآيات توخّيتُ فيه أوضح المعاني وأوفقها بالشريعة، وأطلت في بيان ذلك لإزالة ما غمض من المعاني تحت إيجازها البليغ. وقد نقل الطيبي عن الزجّاج أنّ هذه الآية من أشكل ما في القرآن من الإعراب. وقال الفخر: رَوَى الواحدي عن عمر: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام. وقال ابن عطية عن مكّي بن أبي طالب: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً. قال ابن عطية: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها. وذلك بيّن من كتابه. ولقصد استيفاء معاني الآيات متتابعة تجنّبت التعرّض لما تفيده من الأحكام واختلاف علماء الإسلام فيها في أثناء تفسيرها. وأخّرت ذلك إلى هذا الموضع حين انتهيت من تفسير معانيها. وقد اشتملت على أصلين: أحدهما الأمر بالإشهاد على الوصية، وثانيهما فصل القضاء في قضية تميم الداري وعدي بن بدّاء مع أولياء بديل بن أبي مريم. فالأصل الأول: من قوله تعالى: {شهادة بينكم} إلى قوله {ولا نكتم شهادة الله}. والأصل الثاني: من قوله: {فإن عثر على أنّهما استحقّا إثماً} إلى قوله {بعد أيمانهم}. ويحصل من ذلك معرفة وجه القضاء في أمثال تلك القضية ممّا يتّهم فيه الشهود. وقوله: {شهادة بينكم} الآية بيان لكيفية الشهادة، وهو يتضمّن الأمر بها، ولكن عدل عن ذكر الأمر لأنّ الناس معتادون باستحفاظ وصاياهم عند محلّ ثقتهم. وأهمّ الأحكام التي تؤخذ من الآية ثلاثة: أحدها: استشهاد غير المسلمين في حقوق المسلمين، على رأي من جعله المراد من قوله {أو آخران من غيركم}. وثانيها: تحليف الشاهد على أنّه صادق في شهادته. وثالثها: تغليظ اليمين بالزمان. فأمّا الحكم الأول: فقد دلّ عليه قوله تعالى: {أو آخران من غيركم}. وقد بيّنا أنّ الأظهر أنّ الغيرية غيرية في الدين. وقد اختلف في قبول شهادة غير المسلمين في القضايا الجارية بين المسلمين؛ فذهب الجمهور إلى أنّ حكم هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: {أية : وأشهدوا ذوي عدل منكم}تفسير : [الطلاق: 2] ـــ وقوله ـــ {أية : ممّن ترْضَوْن من الشهداء}تفسير : [البقرة: 282] وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي. وذهب جماعة إلى أنّ الآية محكمة، فمنهم من جعلها خاصّة بالشهادة على الوصية في السفر إذا لم يكن مع الموصي مسلمون. وهو قول أبي موسى الأشعري، وابن عباس، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري في وصية مثل هذه، أيام قضائه بالكوفة، وقال: هذا أمر لم يكن بعدَ الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن المسيّب، وابن جبير، وشريح، وابن سيرين، ومجاهد، وقتادة، والسدّي، وسفيان الثوري، وجماعة، وهم يقولون: لا منسوخ في سورة المائدة، تبعاً لابن عباس. ومنهم من تأوّل قوله {من غيركم} على أنّه من غير قبيلتكم، وهو قول الزهري، والحسن، وعكرمة. وقال أحمد بن حنبل بقياس بقية العقود المشهود فيها في السفر على شهادة الوصية، فقال بأنّ شهادة أهل الذمّة على المسلمين في السفر ماضية، وزاد فجعلها بدون يمين. والأظهر عندي أنّ حكم الآية غير منسوخ، وأنّ قبول شهادة غير المسلمين خاصّ بالوصية في السفر حيث لا يوجد مسلمون للضرورة، وأنّ وجه اختصاص الوصية بهذا الحكم أنّها تعرض في حالة لا يستعدّ لها المرء من قبلُ فكان معذوراً في إشهاد غير المسلمين في تلك الحالة خشية الفوات، بخلاف غيرها من العقود فيمكن الاستعداد لها من قبل والتوثّق لها بغير ذلك؛ فكان هذا الحكم رخصة. والحكمة التي من أجلها لم تقبل في شريعة الإسلام شهادة غير المسلمين إلاّ في الضرورة، عند من رأى إعمالها في الضرورة، أنّ قبول الشهادة تزكية وتعديل للشاهد وترفيع لمقداره إذ جعل خبره مَقطَعاً للحقوق. فقد كان بعض القضاة من السلف يقول للشهود: اتّقوا الله فينا فأنتم القضاة ونحن المنفّذون. ولمّا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم قد دعا الناس إلى اتّباع دينه فأعرض عنه أهل الكتاب لم يكونوا أهلاً لأن تزكّيهم أمّته وتسمهم بالصدق وهم كذّبوا رسولنا، ولأنّ من لم يكن دينه ديننا لا نكون عالمين بحدود ما يزعه عن الكذب في خبره، ولا لمجال التضييق والتوسّع في أعماله الناشئة عن معتقداته، إذ لعلّ في دينه ما يبيح له الكذب، وبخاصّة إذا كانت شهادته في حقّ لمن يخالفه في الدين، فإنّنا عهدنا منهم أنّهم لا يتوخّون الاحتياط في حقوق من لم يكن من أهل دينهم. قال تعالى حكاية عنهم «ذلك بأنّهم قالوا ليس علينا في الأمّيين (أي المسلمين) سبيل» فمن أجل ذلك لم يكن مظنّة للعدالة ولا كان مقدارها فيه مضبوطاً. وهذا حال الغالب منهم، وفيهم من قال الله في شأنه {أية : من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك}تفسير : [آل عمران: 75] ولكن الحكم للغالب. وأمّا حكم تحليف الشاهد على صدقه في شهادته: فلم يرد في المأثور إلاّ في هذا الموضع؛ فأمّا الذين قالوا بنسخ قبول شهادة الكافر فتحليف شاهدي الوصية الكافرين منسوخ تبعاً، وهو قول الجمهور. وأمّا الذين جعلوه محكَماً فقد اختلفوا، فمنهم من خصّ اليمين بشاهدي الوصية من غير المسلمين، ومنهم من اعتبر بعلّة مشروعية تحليف الشاهدين من غير المسلمين، فقاس عليه تحليف الشاهدين إذا تطرّقت إليهما الريبة ولو كانا مسلمين. وهذا لا وجه له إذ قد شرط الله فيهما العدالة وهي تنافي الريبة، نعم قد يقال: هذا إذا تعذّرت العدالة أو ضعفت في بعض الأوقات ووقع الاضطرار إلى استشهاد غير العدول كما هي حالة معظم بلاد الإسلام اليومَ، فلا يبعد أن يكون لتحيلف الشاهد المستور الحال وجهٌ في القضاء. والمسألة مبسوطة في كتب الفقه. وأمّا حكم تغليظ اليمين: فقد أخذ من الآية أنّ اليمين تقع بعد الصلاة، فكان ذلك أصلاً في تغليظ اليمين في نظر بعض أهل العلم، ويجيء في تغليظ اليمين أن يكون بالزمان والمكان واللفظ. وفي جميعها اختلاف بين العلماء. وليس في الآية ما يتمسّك به بواحد من هذه الثلاثة إلاّ قوله: {من بعد الصلاة} وقد بيّنتُ أنّ الأظهر أنّه خاصّ بالوصية، وأمّا التغليظ بالمكان وباللفظ فتفصيله في كتب الخلاف.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كاتم الشهادة آثم، وبين في موضع آخر أن هذا الإثم من الآثام القلبية، وهو قوله: {أية : وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} تفسير : [البقرة: 283]، ومعلوم أن منشأ الآثام والطاعات جميعاً من القلب، لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} نزلت هذه الآيات في قصّة تميمٍ وعديٍّ وبُديلٍ، خرجوا تجاراً إلى الشَّام، فمرض بُديل ودفع إليهما متاعه، وأَوصى إليهما أن يدفعاه إلى أهله إذا رجعا، فأخذا من متاعه إناءً من فِضَّة، وردَّا الباقي إلى أهله فعلموا بخيانتهما ورفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، ومعنى الآية: ليشهدكم {إذا حضر أحدكم الموت} وأردتم الوصية {اثنان ذوا عدل منكم} من أهل ملَّتكم تشهدونهما على الوصية {أو آخران من غيركم} من غير دينكم إذا {ضربتم} سافرتم {في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت} علم الله أنَّ من النَّاس مَنْ يسافر فيصحبُهُ في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، ويحضره الموت فلا يجد مَنْ يُشهده على وصيته من المسلمين، فقال: {أو آخران من غيركم} فالذِّميان في السَّفر [خاصَّة] إذا لم يوجد غيرهما [تُقبل شهادتهما في ذلك]، وقوله: {تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتُمْ لا نشتري به ثمناً} أَيْ: أن ارتبتم في شهادتهما وشككتم، وخشيتم أن يكونا قد خانا حبستموهما على اليمين بعد صلاة العصر، فيحلفان بالله ويقولان في يمينهما: لا نبيع الله بعرضٍ من الدُّنيا، ولا نُحابي أحداً في شهادتنا {ولو كان ذا قربى} ولو كان المشهود له ذا قربى {ولا نكتم شهادة الله} أَيْ: الشَّهادة التي أمر الله بإقامتها {إنا إذاً لمن الآثمين} إنْ كتمناها، ولمًّا رفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما، وذلك أنَّهما كانا نصرانيين، وبُديل كان مسلماً، فحلفا أنَّهما ما قبضا غير ما دفعا إلى الورثة، ولا كتما شيئاً، وخلَّى سبيلهما ثمَّ اطُّلِع على الإِناء في أيديهما، فقالا: اشتريناه منه، فارتفعوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فنزل قوله: {فإن عثر} أَيْ: ظهر واطلع {على أنهما استحقا إثماً} أَيْ: استوجباه بالخيانة والحنث في اليمين {فآخران يقومان مقامهما} من الورثة، وهم الذين {استحق عليهم} أَيْ: استحق عليهم الوصية، أو الإِيصاء، وذلك أنَّ الوصية تستحق على الورثة {الأوليان} بالميت، أَيْ: الأقربان إليه، والمعنى: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت، فيحلفان بالله: لقد ظهرنا على خيانة الذِّميِّيْن وكذبهما وتبديلهما، وهو قوله: {فيقسمان بالله لشهادتنا أحقٌّ من شهادتهما} أَيْ: يميننا أحقُّ من يمينهما {وما اعتدينا} فيما قلنا، فلمَّا نزلت هذه الآية قام اثنان من ورثة الميِّت فحلفا بالله أنَّهما خانا وكذبا، فدفع الإناء إلى أولياء الميت. {ذلك} أَيْ: ما حَكم به في هذه القصَّة، وبيَّنه من ردِّ اليمين {أدنى} إلى الإِتيان بالشَّهادة على ما كانت {أو يخافوا} أَيْ: أقرب إلى أن يخافوا {أن ترد أيمان} على أولياء الميِّت بعد أيمان الأوصياء، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا {واتقوا الله} أن تحلفوا أيماناً كاذبةً، أو تخونوا أمانةً {واسمعوا} الموعظة {والله لا يهدي القوم الفاسقين} لا يرشد مَنْ كان على معصيته.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: شهادة بينكم: الشهادة: قول صادر عن علم حاصل بالبصر أو البصيرة، وبينكم: أي شهادة بعضكم على بعض. إن أنتم ضربتم في الأرض: أي بأن كنتم مسافرين. من بعد الصلاة: صلاة العصر. إن ارتبتم: شككتم في سلامة قولهما وعدالته. فإن عثر: أي وقف على خيانة منهما فيما عهد به إليهما حفظه. أدنى: أقرب. على وجهها: أي صحيحة كما هي لا نقص فيما ولا زيادة. الفاسقين: الذين لم يلتزموا بطاعة الله ورسوله في الأمر والنهي. معنى الآيات: ما زال السياق في إرشاد المؤمنين وتعليمهم وهدايتهم إلى ما يكملهم ويسعدهم ففي هذه الآيات الثلاث [106]، [107]، [108] ينادي الله تعالى عباده المؤمنين فيقول: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ} أي ليشهد اثنان {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} أي من المسلمين على وصية أحدكم إذا حضرته الوفاة، أو ليشهد اثنان من غيركم أي من غير المسلمين {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي كنتم مسافرين ولم يوجد مع من حضره الموت في السفر إلا كافر، فإن ارتبتم في صدق خبرهما وصحة شهادتهما فاحبسوهما أي أوقفوهما بعد صلاة العصر في المسجد ليحلفا لكم فيقسمان بالله فيقولان والله لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً، ولو كان المقسم عليه أو المشهود عليه ذا قربى أي قرابة، {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً} أي إذا كتمنا شهادة الله {لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أي وإن وجد أن الذين حضرا الوصية وحلفا على صدقهما فيما وصاهما به من حضره الموت إن وجد عندهما خيانة أو كذب فيما حلفا عليه، {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} فيقسمان بالله قائلين والله: لشهادتنا أحق من شهادتهما أي لأيماننا أصدق وأصح من أيمانهما، {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} أي عليهما باتهام باطل، إذ لو فعلنا ذلك لكنا من الظالمين، فإذا حلفا هذه اليمين استحقا ما حلفا عليه ورد إلى ورثة الميت وما كان قد أخفاه وجحده شاهدا الوصية عند الموت، قال تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أي أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة عادلة لا حيف فيها ولا جور وقوله {أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ}، أي وأقرب إلى أن يخافوا أن ترد أيمانهم فلا يكذبوا خوف الفضيحة، وقوله تعالى: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ} أي خافوه أيها المؤمنون فلا تخرجوا عن طاعته، {وَٱسْمَعُواْ} ما تؤمرون به واستجيبوا لله فيه، فإن الله لا يهدي إلى سبيل الخير والكمال الفاسقين الخارجين عن طاعته، فاحذروا الفسق واجتنبوه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية الوصية في الحضر والسفر معاً، والحث عليها والترغيب فيها. 2- وجوب الإِشهاد على الوصية. 3- يجوز شهادة غير المسلم على الوصية إذا تعذر وجود مسلم. 4- استحباب الحلف بعد صلاة العصر تغليظاً في شأن اليمين. 5- مشروعية تحليف الشهود إذ ارتاب القاضي فيهم أو شك في صدقهم.
القطان
تفسير : الشهادة: قول صادر عن علم حصل بالمشاهدة. ضربتم في الارض: سافرتم. تحبسونهما: تمسكونهما وتمنعونهما من الهروب. ارتبتم: شككتم في صدقهما فيما يُقِرَّانِ به. يرشدنا الله تعالى هنا الى اداء الشهادة بحقها، بالوصية، حتى لا يضيع حق من الحقوق على أصحابها، فيقول: يا أيها الذين آمنوا: حينما تظهر على احد منكم علامة الموت، ويريد ان يوصي بشيء، فالشهادة بينكم على الوصية: أن يشهد اثنان عادلان من اقاربكم، أو آخران من غيركم اذا كنتم في سفر. وعليكم ان تجمعوا هذين الشاهدين بعد أداء الصلاة التي يجتمع عليها الناس، فيحلفان بالله قائلين: لا نستبدل باليمين عِوضاً ولو كان فيه نفع لنا او لأحد من أقاربنا، ولا نخفي الشهادة التي أمرنا الله بأدائها.. فاذا أخفينا الشهادة أو قلنا باطلاً حقَّ علينا عذابُ الله لأننا ظالمان. فان ظهر فيما بعد ان الشاهدين قد كذبا في شهادتهما او اخفيا شيئا، فإن اثنين من اقرب المستحقين لتركة الميت، هما أحقُّ أن يقفا مكان الشاهدَين بعد الصلاة، ليحلفا بالله أن الشاهَدين قد كذبا، وأن ذينك الرجلين لم يتّهما الشاهدين زورا وبهتاناً، ولو فعلا فإنهما يكونان من الظالمين المستحقين عقاب من يظلم غيره. ان هذا التشريع اقرب الطرق الى ضمان أن يؤدي الشهود شهاداتهم صحيحة، وذلك محافظة على حلفهم بالله، وخوفا من فضيحتهم بظهور كذبهم، حين يحلف الورثة لردِّ أيمانهم. راقبوا الله أيها المؤمنون في ايمانكم وأماناتكم، واطيعوا احكامه راضين بها، فان فيها مصالحكم، ولا تخالفوها فتكونوا من الخارجين على الله، والمطرودين من هدايته، المستحقين لعاقبه. روى القرطبي في تفسيره قال: كان تميم الداري وعديّ بن بَداء رجُلين نصرانيّين يتّجران الى مكة في الجاهلية، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم حوّلا تجارتهما الى المدينة. فخرج بُدليل مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعاً تجاراً الى الشام. حتى اذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بُديل، فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى اليهما. فلما مات فتحا متاعه، فأخذا منه جاماً من فضة عليه خيوط من ذهب، وقدِما على أهله فدفعا اليهم متاعه. ففتح اهله المتاع فوجدوا كتابه وعهده. وفقدوا الجام فسألوهما عنه فقالوا: هذا الذي قبضنا منه، فقالوا: هذا كتابه بيده. قالوا: ما كتمنا له شيئا. فترافعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية. فأمر رسول الله ان يستحلفوهما في دُبُر صلاة العصر. فحلفا، ثم بعد ذلك ظهر الجام معهما، فقال اهل بُديل: هذا من متاعه، قالا: نعم، لكنّنا اشتريناه منه ونسينا ان نذكره حين حلفْنا فكرهْنا ان نكذّب نفوسنا. فترافعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} فأمر النبي رجلَين من أهل الميت ان يحلفا على ما كتما وغيّبا ويستحقانه. قال تميم الداري: فلما أسلمتُ، تأثّمت من ذلك، فأتيت اهل بُديل وأخبرتهم الخبر، وأديتُ اليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم ان عند صاحبي مثلها. فأتوا به الى رسول الله، فسألهم البيّنةَ، فلم يجدوا. فأمَرَهم ان يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه. فحلَف، فأنزل الله عز وجلّ {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...} الآيات فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر مهم فحلّفا، فنُزعت خمسمائةُ درهمٍ من يد عدي بن بداء. وكان تميم يقول: صدق الله ورسوله، أنا اخذت الإناء. ثم قال: يا رسول الله، ان الله يُظهرك على أهل الأرض كلِّها فهَبْ لي قريةَ عَيْنون من بيت لحم. وهي القرية التي وُلد فيها عيسى، فكتب له بها كتاباً، فلمّا قدِم عمرَ الشامَ ِأتاه تميم بكتاب رسول الله. فقال عمر: أنا حاضِرٌ ذلك، فدفعها إليه. قراءات: قرأ حفص والكسائي "استحق" بفتح التاء والحاء، والباقون "استحق" بضم التاء وكسر الحاء، وقرأ حمزة وأبو بكر "الأوّلين" بفتح الواو المشدَّدة وفتح النون، والباقون "الأوليان" بالتثنية.
د. أسعد حومد
تفسير : {يِا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {شَهَادَةُ} {آخَرَانِ} {فَأَصَابَتْكُم} {ٱلصَّلاَةِ} {شَهَادَةَ} (106) - قِيلَ إنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنْسُوخٌ. وَلَكِنَّ الأَكْثَرِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أنَّهُ مُحْكَمٌ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ حُكْمَ مَنْ تُوُفّيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ - وَكَانَ ذَلِكَ فِي أوَّلِ الإِسْلامِ، وَالنَّاسُ كُفَّارٌ، وَالأَرْضُ أرْضُ حَرْبٍ - وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ، وَفُرِضَتِ الفَرَائِضُ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَا يَلِي: (خَرَجَ بَدْيِلٌ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ، مَعَ تَاجِرَينِ نَصْرَانِيَّينِ هُمَا تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَعُدِيُّ بْنُ بَدَاءَ، فِي تِجَارَةٍ إلَى الشَّامِ، وَفِي الطَّرِيقِ اشْتَكَى بَدِيلٌ فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ، وَأوْصَى إليهِما. فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ فَأخَذا مِنْهُ شَيْئاً ثُمَّ حَجَرَاهُ كَمَا كَانَ. وَقَدِمَا عَلَى أهْلِهِ فِي المَدِينَةِ فَدَفَعا مَتَاعَهُ، فَفَتَحَ أهْلُهُ المَتَاعَ فَوَجَدُوا كِتَابَهُ وَعَهْدَهُ، وَمَا خَرَجَ بِهِ، وَفَقَدُوا جَاماً مِنْ فِضَّةٍ مُطَعَّمَةٍ بِالذَّهَبِ، فَسَألْوهُمْا عَنْهُ فَقَالا: هَذا الذِي قَبَضْنَا لَهُ، وَدَفَعَ إلينا. فَقَالُوا هذا كِتَابُهُ بِيَدِهِ. قَالاَ: مَا كَتَمْنَا لَهُ شَيْئاً. فَتَرَافَعُوا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأمَرَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَحْلِفُوهُمَا، دُبُرَ صَلاةِ العَصْرِ، بِاللهِ الذِي لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ مَا قَبَضْنَا غَيْرَ هَذا وَلاَ كَتَمْنَاهُ. فَحَلفَا. ثُمَّ وَجَدَ أَهْلُهُ الجَامَ فِي مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ مَنْ وَجَدُوهُ عِنْدَهُ: إنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَدِيٍ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ. فَقَالَ هَذانِ: نَعَمْ، وَلَكِنَّا اشْتَرَينَاهُ مِنْهُ، وَنَسِينا أنْ نَذْكُرَهُ حِينَ حَلَفْنَا، فَكَرِهْنَا أنْ نَكْذِبَ فِي نُفُوسِنا. فَتَرَافَعُوا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَتْ الآيَةُ التَّالِيَةُ {أية : فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ} تفسير : فَأَمَرَ النَّبِيُّ رَجُلَينِ مِنْ أهْلِ بَيْتِ المَيِّتِ أن يَحْلِفَا عَلَى مَا كَتَمَ تِمِيمٌ وَعَدِيٌّ وَغَيَّبَاهُ وَيَسْتَحِقَّانه. ثُمَّ إنَّ تَمِيماً الدَّارِيَّ أسْلَمَ، وَبَايَعَ النَّبِيِّ، وَكَانَ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ، أنَا أخَذْتُ الإِنَاءَ. (وَيَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ أنْ يَحْلِفَ الشَّاهِدانِ، إِنْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمينِ، بَعْدَ صَلاَةِ أهْلِ دِينِهِمَا، لأَنَّهُ لاَ مَعْنَى لِتَحْلِيفِهِمَا بَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ، لأنَّهُما لا يُبَالِيَانِ بِصَلاَةِ ظُهْرٍ وَلاَ عَصْرٍ، وَلا يُؤْمِنَانِ بِهَا). وَقَدْ أضَافَ اللهُ تَعَالَى الشَّهَادَةَ لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ تَكْرِيماً لَهَا وَتَعْظِيماً. الشَّهَادَةُ - قَوْلُ مَنْ أبْصَرَ وَشَاهَدَ بِمَا شَاهَدَ. تَحْبِسُونَهُمَا - تُمْسِكُونَهُمَا وَتَمْنَعُونَهُمَا مِنَ الهَرَبِ. ارْتَبْتُمْ - شَكَكْتُمْ. ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ - سَافَرْتُمْ فِيهَا. لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً - لاَ نَأخُذُ بِقَسَمِنَا كَذِباً عَرَضاً دُنْيَوِيّاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - سبحانه - كما ساس ودبر حياة المؤمن الدنيوية، دبر وتولى - جل شأنه - حياته الأخروية ليلفته إلى أنه يجب عليه ألا ينظر إلى حياته العاجلة فقط ولكن عليه أن يدبر أمر نفسه فيما يستقبله من أمر الحياة الآخرة، ففي لحظة مواجهة الموت عليه ألا ينسى الوصية إن كان مديناً لأحد أو كان له دين عند أحد. وكذلك إن سافر الإنسان ضرباً في الأرض فعليه أن يوصي حتى لا يضيِّع على ورثته حقاً لهم. أو يسدد ما عليه من دين ليبرئ ذمته، وأن يُشْهِد على وصيته اثنين من المسلمين، أما إذا كان الإنسان يصاحب في السفر أناساً غير مسلمين فعليه أيضاً أن يُشهدهم على الوصية، ولم يترك الحق لنا في هذا الأمر أي عذر، بل لا بد من شهادة اثنين. والشهادة هي الأمر المشهود في الحاضر، ومثال قوله الحق: {أية : فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} تفسير : [البقرة: 185]. أي أن الإنسان إذا حضر الشهر وأدركه فليصم، والشهادة تأتي بمعنى الرؤية مثال ذلك قوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور: 2]. أي أن يحضر مشهد الجلد جماعة من المؤمنين. وتأتي الشهادة أيضاً بمعنى الحكم: {أية : قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 26-27]. إذن فالشهادة تأتي بمعانٍ متعددة. والأصل فيها المشهد، أي الشيء الذي تشاهده. والوصية - كما نعلم - هي إيصاء بأمر يهم الموصي بالنسبة للموصى إليه. والمؤمن يوصي بالخير. ويسمعه من لا يرث، أي الذي ليس له شرعاً نصيب في التركة، لكن قد يكون لغير الوارث سبب من أسباب المنفعة مع المورِّث. وعلى الرغم من ذلك فالسامع للوصية يبرئ ذمته فيبلغ ما سمع إلى الورثة؛ لأن الوصية هي مسألة في نفس الموصي، وقد لا يكون لها حيثية عند من يسمعها أو يتلقاها ولكنها ذات حيثية في نفس الذي يقولها؛ لذلك جعل الله الوصية قبل الدين في قوله الحق: {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} تفسير : [النساء: 12]. إن ذلك يحدث على الرغم من أن الدَّيْن مقدم على الوصية؛ لأن الدين حق والوصية تبرع. ويريد الحق ذلك؛ لأن الدين له مُطالب سيطالب به، ولكن الموصي إليه قد لا يكون صاحب حق ولكنه يتلقى تبرعاً بالوصية، أو يكون حقه لدى الموصي غير موثق بصك أو شهادة؛ لذلك يقدمه الحق سبحانه وتعالى ليجعلنا نهتم بأمر الوصية. أو يكون الذي وصى بشيء قد عاش في الحياة ويعلم مَنْ مِنَ الناس أثر في حياته علمياً أو أدبياً أو خلقياً أو اجتماعياً؛ لذلك يريد الله سبحانه وتعالى ألا يبارح الإنسان الحياة إلا بعد أن يؤدي المؤمن هذا الحق الأريحي لمن كان له عليه دين في دنياه. وهذه مسألة قد لا تشغل الورثة، بل قد يكرهونها. لكن صاحب الوصية هو الذي يعلم حيثياتها. ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يؤكد أمر الوصية حتى في الوقت الذي يعز فيه التأكيد، فأمر الإنسان أن يوصي بها إن كان بين أهله وقومه، ويؤكد الحق أهمية الوصية أيضاً إن كان الإنسان مسافراً، فإن أحس باقتراب الموت فله أن ينادي اثنين من أهل دينه ويوصيهما. وإن لم يجد أحداً من أهل دينه فليُسْمِع وصيته اثنين من غير أهل دينه، ولذلك مناسبة: فقد حدث أن رجلاً مسلماً اسمه بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهمي، كان على سفر مع غير مسلمين وحضرت له مقدمات الموت فكتب ورقة ووضعها مع كل ما معه من متاع - احتياطياً - ونادى على اثنين من غير المسلمين وهما تميم الداري وعدّي بن بدّاء، وأوصاهما أن يسلما متاعه لأهله، ومات الرجل. لكنَّ الاثنين فتحا المتاع ووجدا فيه إناءً مفضضاً ومُذَهَّبا وله قيمة، فأخذاه وباعاه بألف درهم واقتسما المبلغ، وسلما المتاع لأهل الميت الذين عثروا على الورقة المكتوب فيها كل التفاصيل بما فيها خبر الإناء الثمين. وسأل أهل الميت الشخصين اللذين سلما المتاع عن الإناء فأنكرا أي معرفة به. وأنكرا أيضاً أنها رأيا صاحب الإناء يبيعه. وبعد فترة عثر أهل الميت على الإناء معروضاً للبيع. وعرفوا أن البيع الأول كان من الشخصين اللذين حضرا موت صاحب الإناء. فذهب أهل الميت إلى رسول الله يعرضون عليه مسألة خيانة الأمانة في أمر الوصية، فنزل قوله الحق: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ} [المائدة: 106]. إنه أمر من الله لرسوله أن يحضر هذان الاثنان من بعد أن يؤديا صلوات دينهما وأن يقسما بالله، وأن يأتي أهل الميت ومعهم الورقة وليكشف الرسول الحق من الباطل. وقد أسلم تميم الداري من بعد ذلك وقص القصة وأحضر الخمسمائة درهم التي كانت في ذمته والتي أخذها ثمنا لنصف الإناء وأحضر الخمسمائة درهم الأخرى التي عند عدي ليرد ثمن الإناء كله إلى أهل الميت. ولماذا قال الله: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ}؟. إنه أمر بأن نحتجزهم من بعد الصلاة؛ لأن الإنسان عادة بعد أن يؤدي الصلاة سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم تصفو نفسه بالاستعداد للصدق بعد أن وقف بين يدي الله، ويكون في هذه الحالة أقل اجتراءً على الكذب؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ}. أي الشهادة التي يختلف فيها الناس وتختلف فيها الأقوال بين طرفين، ذلك أن كلمة "بين" تعني انفصال كائنين فيصير كل منهما طرفاً. إن هذه الشهادة تحتاج إلى الفصل بين وجهتي النظر. والذي يقوم بهذا الفصل هو من يستجوب الاثنين اللذين من ذوي العدل من المسلمين أو من غير المسلمين، ويتم الاستجواب من بعد أداء الصلاة. فإن صار الأمر الذي شهدا فيه واضحاً، كان بها. وإن لم يكن قولهما واضح الصدق وفيه شك وريبة، فعلى الشاهدين أن يقسما بالله أنهما لا يشتريان بآيات الله ثمنا حتى لا يكونا من الآثمين. ويقول الحق من بعد ذلك: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد / 20 ظ / في قوله: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ} [الآية: 106]. وهو أَن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أَو كافران. فلا يحضر غيرهما فإن رضي ورثته بما شهدوا عليه من تركته، فذلك ويحلف الشاهدان انهما لصادقان. {فَإِنْ عُثِرَ} [الآية: 107] يقول: وجد لطخ أَو ليس أَو تشبيه. حلف الاوليان من الورثة واستحقا، وأَبطلا أيمان الشاهدين الأَولين.
الأندلسي
تفسير : {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الآية روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال: حديث : كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصاً بالذهب فاستحلفهماتفسير : . وفي رواية حديث : فحلفهما بعد العصر النبي صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم فجاء الرجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا قال: فأخذوا الجام تفسير : وفيهم نزلت هذه الآية، ومناسبتها لما قبلها هو أنه لما ذكر: يا أيها الذين آمنوا، كان في ذلك تنفير عن الضلال واستبعاد عن أن ينتفع بهم في شيء من أمور المؤمنين من شهادة أو غيرها، فأخبر تعالى بمشروعية شهادتهم أو الإِيصاء إليهم في السفر على ما سيأتي بيانه. وقرأ الجمهور شهادة بالرفع بينكم بالجر، وشهادة مبتدأ، واثنان خبره على أحد تقديرين، أحدهما: أن يكون التقدير ذو شهادة بينكم اثنان. والتقدير الثاني: أن لا يحذف من الأول ويحذف من الثاني فتقدر الشهادة اثنين فيطابق المبتدأ الخبر في التقديرين إذ لو حمل على غير حذف لم يصح لأن الشهادة ليست تفسير الاثنين. وقرأ السلمي شهادة بالنصب والتنوين وقدره الزمخشري ليقم شهادة اثنان فجعل شهادة مفعولاً بإِضمار هذا الأمر، واثنان مرتفع بليقم على الفاعلية وهذا الذي قدره الزمخشري هو تقدير ابن جني بعينه، قال ابن جني: التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان. "انتهى". وهذا الذي ذكره ابن جني مخالف لما قاله أصحابنا قالوا: لا يجوز حذف الفعل وإبقاء فاعله إلا أن أشعر بالفعل ما قبله كقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ}تفسير : [النور: 36-37]، على قراءة من فتح الباء فقرأه مبنياً للمفعول وذكروا في اقتياس هذه خلافاً أي يسبحه رجال فدل يسبح على يسبحه أو أجيب به نفي كان يقال لك ما قام أحد عندك، فتقول: بلى زيد أي قام زيد، أو أجيب به استفهام كقول الشاعر: شعر : ألا هل أتى أم الحويرث مرسل بلى خالد إن لم تعقه العوائق تفسير : التقدير أتى خالد أو يأتيها خالد، وليس حذف الفعل الذي قدره ابن جني وتبعه الزمخشري واحداً من هذه الأقسام الثلاثة، والذي عندي أن هذه القراءة الشاذة تتخرج على وجهين، أحدهما: أن يكون شهادة منصوباً على المصدر الذي ناب مناب الفعل بمعنى الأمر، واثنان مرتفع به، والتقدير ليشهد بينكم اثنان. والوجه الثاني: أن يكون أيضاً مصدراً ليس بمعنى الأمر بل يكون خبر أناب مناب الفعل في الخبر وإن كان ذلك قليلاً كقولهم: افعل وكرامة ومسرة، أي أكرمك وأسرك، أي يشهد اثنان. {ذَوَا عَدْلٍ} صفة لقوله: اثنان، ومنكم صفة أخرى، ومن غيركم صفة لآخران. قال ابن عباس وغيره: أمر تعالى بإِشهاد عدلين من القرابة إذ هم أحق بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها فإِن كان الأمر في سفر ولم تنحصر قرابة أسندها إلى غيرهما من المسلمين الأجانب. وهذا القول مخالف لما ذكره الزمخشري وغيره من المفسرين حتى أن ابن عطية قال: لا نعلم خلافاً أن سبب هذه الآية أن غيماً الداري وعدياً بن زياد كانا نصرانيين، وساق الحديث المذكور أولاً. وقال أبو جعفر النحاس: ناصر القول ابن عباس أن هذا القول ينبني على معنى غامض في العربية وذلك أن معنى آخر في العربية من جنس الأول تقول: مررت بكريم وكريم آخر، فقولك: آخر، يدل على أنه من جنس الأول. ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر، ولا مررت برجل وحمار آخر، فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: أو آخران من غيركم، أي عدلان والكفار لا يكونون عدولاً. "انتهى". وما ذكره في المثل صحيح إلا أن الذي في الآية مخالف للمثل التي ذكرها النحاس في التركيب لأنه مثل بتأخير آخر وجعله صفة لغير الجنس وأما الآية فمن قبيل ما تقدم فيه آخر على الوصف والأربع واندرج آخر في الجنس الذي قبله ولا يعتبر جنس الأول تقول: جاءني رجل مسلم وآخر كافر، ومررت برجل قائم وآخر قاعد، واشتريت فرساً سابقاً وآخر مبطئاً. فلو أخرت آخر في هذه المثل لم تجز المسألة. لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر آخر، ومررت برجل قائم وقاعد آخر، واشتريت فرساً سابقاً ومبطئاً آخر، لم يجز. وليست الآية من هذا القبيل لأن التركيب فيها جاء اثنان ذوا عدل منكم وآخران من غيركم فآخران من جنس قوله: اثنان ولا سيما إذا قدرته رجلان اثنان فآخران هما من جنس قولك: رجلان اثنان، ولا يعتبر وصف قوله: ذوا عدل منكم، وإن كان مغايراً لقوله: من غيركم، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك: عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران، إذ ليس من شرط آخر إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفة وعلى ما ذكرته هو لسان العرب. قال تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ}تفسير : [آل عمران: 13]. وأخرى تأنيث آخر. وقال زهير بن أبي سلمى: كانوا فريقين يصفون الزجاج على قعسي الكواهل في أكتافهم شمم وآخرين ترى الماذى عدتهم من نسح داود أو ما أورثت ارم. قوله: يصغون أي يميلون. والزجاج عني به الأسنة. وقعس جَمع أقعس وهو الأحدب. والشمم: الارتفاع. والماذي: الدروع اللينة الصافية وارم: أمة قديمة. التقدير كانوا فريقين فريقاً أو ناساً يصغون الزجاج ثم قال: وآخرين ترى الماذي، فآخرين من جنس قولك: فريقاً، ولم يعتبره. بوصفه وهو قوله: يصغون الزجاج، لأن الشاعر قسم من ذكر إلى قسمين متباينين بالوصف متحدين في الجنس وهذا الفرق قلّ من يفهمه فضلاً عمّن يعرفه. والظاهر أن أو للتخيير، وقال به ابن عباس. فمن جعل قوله: من غيركم أي من غير عشيرتكم كان مخيراً بين أيستشهد أقاربه أو الأجانب من المسلمين. ومن زعم أن قوله: من غيركم، أي من الكفار. فاختلفوا فقيل: غيركم يعني به أهل الكتاب، وروي ذلك عن ابن عباس وقيل: أهل الكتاب والمشركون وهو ظاهر قوله: من غيركم. وقيل: أو للترتيب إذا كان قوله: من غيركم، يعني به من غير أهل ملتكم فالتقدير إن لم يوجد من ملتكم. {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ} الآية هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على لفظ إذا حضر أحدكم الموت لكان التركيب إن هو ضرب في الأرض فأصابته مصيبة الموت. وإنما جاء الالتفات جمعاً لأن قوله: أحدكم معناه إذا حضر كل واحد منكم الموت، والمعنى إذا سافرتم في الأرض لمصالحكم ومعاشكم، وظاهر الآية يقتضي أن استشهاد آخرين من غير المسلمين مشروط بالسفر في الأرض وحضور علامات الموت. {تَحْبِسُونَهُمَا} قال الفارسي والحوقي وأبو البقاء: صنفه لآخران. واعترض بين الموصوف والصفة بالشرط وما عطف عليه وأفاد الاعتراض أن العدول إلى آخرين من غير الملة أو القرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه واستغنى عن جواب إن لما تقدّم من قوله: أو آخران من غيركم. "انتهى". وقال الزمخشري: فإِن قلت ما موضع تحسبونهما؟ قلت: هو استئناف كلام كأنه قيل: بعد اشتراط العدالة فيهما فكيف إن ارتبنا فيهما. فقيل: تحسبونهما "انتهى". وما قاله الزمخشري من الاستئناف أظهر من الوصف لطول الفصل بالشرط والمعطوف عليه بين الموصوف وصفته وإنما غيركم معناه أو عدلان آخران من غير القرابة والخطاب في ذلك لمن يلي ذلك من ولاة المسلمين وضمير المفعول عائد في قوله على آخرين من غير المؤمنين، والظاهر عوده على اثنين منا أو من غيرنا سواء أكانا وصيّين أم شاهدين. وظاهر قوله: من الصلاة أن الألف واللام ليسا للجنس أي من بعد صلاة. وقد قيل بهذا الظاهر وقيل: هي صلاة العصر، ورجح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استحلف تميماً وعدياً بعدها عند المنبر. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ} الآية الظاهر تقييد حلفهما بوُجود الارتياب فمتى لم توجد الريبة فلا تحليف. {لاَ نَشْتَرِي} جواب القسم والضمير في به عائد على القسم بالله. و{ثَمَناً} على حذف مضاف تقديره مالاً ذا ثمن وفي كان ضمير يعود على من يقسم لأجله قريباً منا من حيث المعنى. {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ} معطوف على قوله: {لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً} فيكون من جملة المقسم عليه، وأضاف الشهادة إلى الله لأنه تعالى هو الآمر بإِقامتها الناهي عن كتمانها. وقرأ الأعمش وابن محيصن لملائمين بإِدغام نون من في لام الآثمين بعد حذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام وإذا هاهنا تؤدي معنى الشرط والمعنى وإنا إن اشترينا أو كتمنا لمن الآثمين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى خبرا متضمنا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية، إذا حضر الإنسان مقدماتُ الموت وعلائمه. فينبغي له أن يكتب وصيته، ويشهد عليها اثنين ذوي عدل ممن تعتبر شهادتهما. { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } أي: من غير أهل دينكم، من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين. { إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ } أي: سافرتم فيها { فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } أي: فأشهدوهما، ولم يأمر بشهادتهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول، ويؤكد عليهما، بأن يحبسا { مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ } التي يعظمونها. { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ } أنهما صدقا، وما غيرا ولا بدلا هذا { إِنِ ارْتَبْتُمْ } في شهادتهما، فإن صدقتموهما، فلا حاجة إلى القسم بذلك. ويقولان: { لا نَشْتَرِي بِهِ } أي: بأيماننا { ثَمَنًا } بأن نكذب فيها، لأجل عرض من الدنيا. { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } فلا نراعيه لأجل قربه منا { وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } بل نؤديها على ما سمعناها { إِنَّا إِذًا } أي: إن كتمناها { لَمِنَ الآثِمِينَ } . { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا } أي: الشاهدين { اسْتَحَقَّا إِثْمًا } بأن وجد من القرائن ما يدل على كذبهما وأنهما خانا { فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان } . أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب الأولياء إليه. { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } أي: أنهما كذبا، وغيرا وخانا. { وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } أي: إن ظلمنا واعتدينا، وشهدنا بغير الحق. قال الله تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها، وردها على أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: { ذَلِكَ أَدْنَى } أي: أقرب { أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات. { أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: أن لا تقبل أيمانهم، ثم ترد على أولياء الميت. { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } أي: الذين وصْفُهم الفسق، فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم. وحاصل هذا، أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين- أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين. فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين، جاز أن يوصي إليهما، ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة، أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا بدلا فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما. فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين، فإن شاء أولياء الميت، فليقم منهم اثنان، فيقسمان بالله: لشهادتهما أحق من شهادة الشاهدين الأولين، وأنهما خانا وكذبا، فيستحقون منهما ما يدعون. وهذه الآيات الكريمة نزلت في قصة "تميم الداري" و "عدي بن بداء" المشهورة حين أوصى لهما العدوي، والله أعلم. ويستدل بالآيات الكريمات على عدة أحكام: منها: أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي لمن حضره الموت أن يوصي. ومنها: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله ثابتا. ومنها: أن شهادة الوصية لا بد فيها من اثنين عدلين. ومنها: أن شهادة الكافرين في هذه الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة، وهذا مذهب الإمام أحمد. وزعم كثير من أهل العلم: أن هذا الحكم منسوخ، وهذه دعوى لا دليل عليها. ومنها: أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. ومنها: جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور. ومنها: جواز السفر للتجارة. ومنها: أن الشاهدين -إذا ارتيب منهما، ولم تبد قرينة تدل على خيانتهما، وأراد الأولياء- أن يؤكدوا عليهم اليمين، ويحبسوهما من بعد الصلاة، فيقسمان بصفة ما ذكر الله تعالى. ومنها: أنه إذا لم تحصل تهمة ولا ريب لم يكن حاجة إلى حبسهما، وتأكيد اليمين عليهما. ومنها: تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها والقيام بها بالقسط. ومنها: أنه يجوز امتحان الشاهدين عند الريبة منهما، وتفريقهما لينظر عن شهادتهما. ومنها: أنه إذا وجدت القرائن الدالة على كذب الوصيين في هذه المسألة - قام اثنان من أولياء الميت فأقسما بالله: أن أيماننا أصدق من أيمانهما، ولقد خانا وكذبا. ثم يدفع إليهما ما ادعياه، فتكون [ ص 248 ] القرينة -مع أيمانهما- قائمة مقام البينة.
همام الصنعاني
تفسير : 756- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: {ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}: [الآية: 106]، قالَ: مُسْلِمينَ {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ}: [الآية: 106]، قَالَ: مِنَ أهل الكتاب. 757- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} [الآية: 106]: قال: من ا لمسلمين. 760- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ}: [الآية: 106]، قال: خرج مولى لقريش تاجراً فأصابه قدره، معه رجلانِ من أهلِ الكتاب فدفع إليهما ماله، وكتب وصيته، فذهبا بالوصية والمال إلى أهْلِه فكَتَما بعض المال فقال أهْلُهُ: هل أتّجر صاحبنا بعدنا بتجارة؟ قالا: لا. قالوا فهل استهلك من مالِه شيئاً؟ قالا: لاَ، قالوا: فإنه قد خرج من عندنا بمال فقدنا بعضه، فاتهما عليه، فاستحلفا في دبر الصَّلاةِ. 761- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيُّوب عن ابن سيرين، عن عُبَيْدة في قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ}: [الآية: 106]، اسْتُحْلِفا بعد العصر ثم عثر بعد عليهما فوجد عندهما إناءً قال: أحْسبُهُ من فضَّةٍ كان ممّا خرج به الميت معه فأقام أهْلُهُ البينة، إنّ هذا للرجل وإنه خرج معه، وحلف رجلان من أولياء الميت على ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):