Verse. 776 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

فَاِنْ عُثِرَ عَلٰۗي اَنَّہُمَا اسْتَحَقَّاۗ اِثْمًا فَاٰخَرٰنِ يَقُوْمٰنِ مَقَامَہُمَا مِنَ الَّذِيْنَ اسْتَحَقَّ عَلَيْہِمُ الْاَوْلَيٰنِ فَيُقْسِمٰنِ بِاللہِ لَشَہَادَتُنَاۗ اَحَقُّ مِنْ شَہَادَتِہِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَاۗ ۝۰ۡۖ اِنَّاۗ اِذًا لَّمِنَ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۰۷
Fain AAuthira AAala annahuma istahaqqa ithman faakharani yaqoomani maqamahuma mina allatheena istahaqqa AAalayhimu alawlayani fayuqsimani biAllahi lashahadatuna ahaqqu min shahadatihima wama iAAtadayna inna ithan lamina alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن عُثر» اطُّلع بعد حلفهما «على أنهما استحقا إثما» أي فعلا ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندهما مثلا ما اتُّهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به «فآخران يقومان مقامهما» في توجيه اليمين عليهما «من الذين استحق عليهم» الوصية وهم الورثة ويبدل من آخران «الأوليان» بالميت أي الأقربان إليه وفي قراءة الأَوَّلينَ جمع أوَّل صفة أو بدل من الذين «فيقسمان بالله» على خيانة الشاهدين ويقولان «لشهادتنا» يمننا «أحق» أصدق «من شهادتهما» يمينهما «وما اعتدينا» تجاوزنا الحق في اليمين «إنا إذا لمن الظالمين» المعنى ليشهد المحتضر على وصيته اثنين أو يوصي إليهما من أهل دينه أو غيرهم إن فقدهم لسفر ونحو فإن ارتاب الورثة فيهما فادعوا أنهما خانا بأخذ شيء أو دفعه إلى شخص زعما أن الميت أوصي له به فليحلفا إلى آخره فإن اطلع على أمارة تكذيبهما فادعيا دافعا له حلف أقرب الورثة على كذبهما وصدق ما ادعوه والحكم ثابت في الوصيين منسوخ في الشاهدين وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة واعتبار صلاة العصر للتغليظ وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها وهي ما رواه البخاري أن رجلا من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن بداء أي وهما نصرانيان فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فرفعا إلى النبي صلىالله عليه وسلم فنزلت فأحلفهما ثم وجد الجام بمكة فقالوا ابتعناه من تميم وعدى فنزلت الآية الثانية فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا، وفي الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا وكان أقرب إليه، وفي رواية فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله فلما مات أخذا الجام ودفعا إلى أهله ما بقي.

107

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً } قال الليث رحمه الله: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره. وأعثرت فلاناً على أمري أي أطلعته عليه، وعثر الرجل يعثر عثرة إذا وقع على شيء، قال أهل اللغة: وأصل عثر بمعنى اطلع من العثرة التي هي الوقوع وذلك لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، فلما عثر به اطلع عليه ونظر ما هو، فقيل لكل من اطلع على أمر كان خفياً عليه قد عثر عليه، وأعثر غيره إذا أطلعه عليه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } تفسير : [الكهف: 21] أي اطلعنا، ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أنهما أتيا بخيانة واستحقا الإثم بسبب اليمين الكاذبة. ثم قال تعالى: {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلاْوْلَيَانِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معنى الآية فإن عثر بعدما حلف الوصيان على أنهما استحقا إثماً أي حنثاً في اليمين بكذب في قول أو خيانة في مال قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت فيحلفان بالله لقد ظهرنا على خيانة الذميين وكذبهما وتبديلهما وما اعتدينا في ذلك وما كذبنا. وروي أنه لما نزلت الآية الأولى صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ودعا بتميم وعدي فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إلۤه إلا هو أنه لم يوجد منّا خيانة في هذا المال ولما حلفا خلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما وكتما الإناء مدة ثم ظهروا واختلفوا فقيل: وجد بمكة. وقيل: لما طالت المدة أظهرا الإناء فبلغ ذلك بني سهم فطالبوهما فقالا كنا قد اشتريناه منه فقالوا ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتما لا؟ فقالا لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نعثر فكتمنا فرفعوا القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ } الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان فحلفا بالله بعد العصر فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم الإناء إليهما وإلى أولياء الميت. وكان تميم الداري يقول بعدما أسلم: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله تعالى، وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فلما أسلم أخبر بذلك وقال: حلفت كاذباً وأنا وصاحبي بعنا الإناء بألف وقسمنا الثمن. ثم دفع خمسمائة درهم من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى موالي الميت. المسألة الثانية: قوله {فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } أي مقام الشاهدين اللذين هما من غير ملتهما وقوله {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلاْوْلَيَانِ } المراد به موالي الميت، وقد أكثر الناس في أنه لم وصف موالي الميت بهذا الوصف، والأصح عندي فيه وجه واحد، وهو أنهم إنما وصفوا بذلك لأنه لما أخذ مالهم فقد استحق عليهم مالهم فإن من أخذ مال غيره فقد حاول أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال. المسألة الثالثة: أما قوله {الأوليان} ففيه وجوه: الأول: أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير: هما الأوليان وذلك لأنه لما قال { فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا } فكأنه قيل: ومن هما فقيل الأوليان: والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان والتقدير فيقوم الأوليان، والثالث: أجاز الأخفش أن يكون قوله {ٱلاْوْلَيَانِ } صفة لقوله {فَآخَرَانِ } وذلك لأن النكرة إذا تقدم ذكرها ثم أعيد عليها الذكر صارت معرفة، كقوله تعالى {أية : كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ } تفسير : [النور: 35] فمصباح نكرة قم قال {ٱلْمِصْبَاحُ } ثم قال في {زُجَاجَةٍ } ثم قال {ٱلزُّجَاجَةُ }، وهذا مثل قولك رأيت رجلاً، ثم يقول إنسان من الرجل، فصار بالعود إلى ذكره معرفة. الرابع: يجوز أن يكون قوله {ٱلاْوْلَيَانِ } بدلاً من قوله آخران، وإبدال المعرفة من النكرة كثير. المسألة الرابعة: إنما وصفهما بأنهما أوليان لوجهين: الأول: معنى الأوليان الأقربان إلى الميت. الثاني: يجوز أن يكون المعنى الأوليان باليمين، والسبب فيه أن الوصيين قد ادعيا أن الميت باع الإناء الفضة فانتقل اليمين إلى موالي الميت، لأن الوصيين قد ادعيا أن مورثهما باع الإناء وهما أنكرا ذلك، فكان اليمين حقاً لهما، وهذا كما أن إنساناً أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادعى الدين أولاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه. المسألة الخامسة: القراءة المشهورة للجمهور استحق بضم التاء وكسر الحاء، والأوليان تثنية الأولى، وقد ذكرنا وجهه وقراءة حمزة وعاصم في رواية أبي بكر الأولين بالجمع، وهو نعت لجميع الورثة المذكورين في قوله {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } وتقديره من الأولين الذين استحق عليهم مالهم وإنما قيل لهم الأولين من حيث كانوا أولين في الذكر، ألا ترى أنه قد تقدم {أية : يِـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } تفسير : [المائدة: 106] وكذلك {أية : ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ } تفسير : [المائدة: 106] ذكرا في اللفظ قبل قوله {أو آخران من غيركم } وقرأ حفص وحده بفتح التاء والحاء الأوليان على التثنية، ووجهه أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصاية ولما خانا في مال الورثة صح أن يقال إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان، وقرأ الحسن الأولان، ووجهه ظاهر مما تقدم. ثم قال تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }. والمعنى ظاهر أي وما اعتدينا في طلب هذا المال، وفي نسبتهم إلى الخيانة. وقوله {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي إنا إذا حلفنا موقنين بالكذب معتقدين الزور والباطل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِنْ عُثِرَ } اطُّلع بعد حلفهما {عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً } أي فعلاً ما يوجبه من خيانة أو كذب في الشهادة، بأن وُجِدَ عندهما - مثلاً - ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به {فَئَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } في توجه اليمين عليهما {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } الوصية وهم الورثة، ويبدل من (آخران) {ٱلأَوْلَيَـٰنِ } بالميت أي الأقربان إليه وفي قراءة «الأَوَّلِين» جمع أوّل صفة أو بدل من (الذين) {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ } على خيانة الشاهدين ويقولان {لَشَهَٰدَتُنَآ } يميننا {أَحَقُّ } أصدق {مِن شَهَٰدَتِهِمَا } يمينهما {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ } تجاوزنا الحق في اليمين {إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ } المعنى ليُشهدِ المحتضر على وصيته اثنين أو يوصي إليهما من أهل دينه أو غيرهم إن فقدهم لسفر ونحوه، فإن ارتاب الورثة فيهما فادعوا أنهما خانا بأخذ شيء أو دفعه إلى شخص زعماً أنّ الميت أوصى له به فليحلفا إلى آخره، فإن اطلع على أمارة تكذيبهما فادعيا دافعاً له حلف أقرب الورثة على كذبهما وصدق ما ادعوه والحكم ثابت في الوصيين منسوخ في الشاهِدَيْن وكذا شهادة غير أهل الملة منسوخة، واعتبار صلاة العصر للتغليظ، وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها وهي ما رواه البخاري أن رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعديّ بن بداء أي - وهما نصرانيان- فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب، فرفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت فأحلفهما، ثم وجد الجام بمكة فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فنزلت الآية الثانية، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا. وفي رواية الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا وكانا أقرب إليه. وفي رواية فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلِّغا ما ترك أهله، فلما مات أخذا الجام ودفعا إلى أهله ما بقي.

ابن عبد السلام

تفسير : {عُثِرَ} اطلع على أنهما كذبا وخانا، عبّر عنهما بالإثم لحدوثه عنهما. {اسْتَحَقَّآ} الشاهدان، أو الوصيان. {فَآخَرَانِ} من الورثة. {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} في اليمين. {الأَوْلَيَانِ} بالميت من الورثة، أو الأوليان بالشهادة من المسلمين: نزلت بسبب خروج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدَّاء فمات السهمي بأرض لا مسلم بها فلما قدما تركته فقدوا جام فضة مخوص بالذهب، فأحلفهما الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم وُجد الجام بمكة فقالوا: اشتريناه من تميم وعدي بن بداء، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت الآيتان، وهما منسوختان عند ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، قال ابن زيد: لم يكن الإسلام إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب واليوم طبق الإسلام الأرض، أو محكمة عند الحسن.

الخازن

تفسير : {فإن عثر} يعني فإن اطلع وظهر والعثور الهجوم على أمر لم يهجم عليه غيره وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه {على أنهما استحقا إثماً} يعني الوصيين ومعنى الآية فإن حصل العثور والوقوف على أن الوصيين كانا استوجبا الإثم بسبب خيانتهما وأيمانهما الكاذبة {فآخران} يعني من أولياء الميت وأقربائه {يقومان مقامهما} يعني مقام الوصيين في اليمين {من الذين استحق عليهم} يعني من الذين استحق عليهم الإثم وهم الورثة والمعنى إذا ظهرت خيانة الحالفين وبان كذبهما يقوم اثنان آخران من الذين جنى عليهم وهم أهل الميت وعشيرته {الأوليان} يعني بأمر الميت وهم أهله وعشيرته {فيقسمان بالله} يعني فيحلفان بالله {لشهادتنا أحق من شهادتهما} يعني أيماننا أحق وأصدق من أيمانهما {وما اعتدينا} يعني في أيماننا وقولنا إن شهادتنا أحق من شهادتهما {إنا إذاً لمن الظالمين} ولما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان لو وهما من أهل الميت وحلفا بالله بعد العصر ودفع الإناء إليهما وإنما ردت اليمين على أولياء الميت لأن الوصيين ادعيا أن الميت باعهما الإناء وأنكر ورثة الميت ذلك ومثل هذا أن الوصي إذا أخذ شيء من مال الميت قال: إنه أوصى له به وأنكر ذلك الورثة ردت اليمين عليه ولما أسلم تميم الداري بعد هذه القصة كان يقول صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأنا أتوب إلى الله وأستغفره. وقوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها} يعني ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين على أولياء الميت بعد أيمانهم أدنى، أي أجدر وأحرى أن يأتوا بالشهادة على وجهها يعني أن يأتي الوصيان وسائر للناس بالشهادة على وجهها فلا يخونوا فيها {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} أي وأقرب أن يخاف الوصيان أن ترد الأيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرّموا فربما لا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم {واتقوا الله} يعني وخافوا الله أن تحلفوا أيماناً كاذبة أو تخونوا أمانة {واسمعوا} يعني المواعظ والزواجر وقيل معناه واسمعوا سمع إجابة {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني: والله لا يرشد من كان على معصية وهذا تهديد وتخويف ووعيد لمن خالف حكم الله تعالى أو خان أمانته أو حلف أيماناً كاذبة وهذه الآية الكريمة من أصعب ما في القرآن من الآيات نظماً وإعراباً وحكماً والله أعلم بأسرار كتابه.

ابو السعود

تفسير : {فَإِنْ عُثِرَ} أي اطُّلع بعد التحليف {عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً} حسبما اعترفا به بقولهما: إنا إذاً لمن الآثمين، أي فعلا ما يوجبُ إثماً من تحريفٍ وكَتم بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة وادَّعيا استحقاقَهما له بوجهٍ من الوجوه كما وقع في سبب النزول حسبما سيأتي {فَآخَرَانِ} أي رجلان آخران، وهو مبتدأ خبرُه {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} ولا محذورَ في الفصل بالخبر بـين المبتدأ وبـين وَصفِه الذي هو الجارُّ والمجرور بعده، أي يقومان مَقام اللذين عُثر على خيانتهما، وليس المراد بمقامهما مقامَ أداءِ الشهادة التي تولَّياها ولم يؤدِّياها كما هي، بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لإظهار الحق وإبراز كذِبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ} على البناء للفاعل على قراءة عليَ وابنِ عباس وأُبـيَ رضي الله عنهم، أي من أهل البـيت الذين استحق {عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ} من بـينهم، أي الأقربانِ إلى الميت، الوارثانِ له، الأحقانِ بالشهادة أي باليمين كما ستعرفه، ومفعولُ (استحق) محذوفٌ أي استحقا عليهم أن يجرِّدوهما للقيام بها، لأنها حقُّهما ويُظهروا بهما كذِبَ الكاذبَـيْن، وهما في الحقيقة الآخرانِ القائمان مَقام الأوَّلَيْن على وضع المُظْهر مقام المُضْمَر، وقرىء على البناء للمفعول وهو الأظهر، أي من الذين استُحق عليهم الإثمُ أي جُنيَ عليهم، وهم أهلُ الميت وعشيرتُه، فالأَوْليان مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان، أو بدلٌ من الضمير في (يقومان) أو من (آخران) وقد جوِّز ارتفاعَه باستَحق على حذف المضاف، أي استحقّ عليهم انتدابُ الأوَّلَيْن منهم للشهادة، وقرىء (الأولِّين) على أنه صفة للذين الخ، مجرور أو منصوب على المدح، ومعنى الأولية التقدمُ على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقَّ بها، وقرىء (الأولَيْن) على التثنية وانتصابُه على المدح، وقرىء (الأولان). {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} عطف على يقومان {لَشَهَـٰدَتُنَا} المرادُ بالشهادة اليمينُ كما في قوله تعالى: {أية : فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ }تفسير : [النور، الآية 6] أي لَيَمينُنا على أنهما كاذبان فيما ادَّعيا من الاستحقاق مع كونِها حقةً صادقةً في نفسها {أَحَقُّ} بالقبول {مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} أي من يمينهما مع كونها كاذبةً في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقُهما للإثم، ويمينُنا منزهةٌ عن الرَّيْب والرِّيبة، فصيغةُ التفضيلِ مع أنه لا حقيةَ في يمينهما رأساً إنما هي لإمكان قَبولِها في الجُملة باعتبار احتمالِ صدقِهما في ادعاء تملُّكِهما لما ظهر في أيديهما {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا} عطف على جواب القسم أي ما تجاوزنا فيها الحقَّ أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما {أَنَاْ إِذِنَ لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} استئنافٌ مقرَّرٌ لما قبله، أي إنا إنِ اعتدَيْنا في يميننا لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى، أو لمن الواضعين الحقَّ في غير موضعه، ومعنى النظم الكريم أن المُحتَضَرَ ينبغي أن يُشهدَ على وصيته عدلين من ذوِي نسبِه أو دينه، فإن لم يجدْهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع ارتيابٌ بهما أقسما على أنهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئاً بالتغليظ في الوقت، فإنِ اطُّلعَ بعد ذلك على كذبهما بأن ظهر بأيديهما شيءٌ من التركة، وادعيا تملُّكه من جهة الميت حلفَ الورثةُ وعُمل بأيْمانهم. ولعل تخصصَ الاثنين لخصوص الواقعة، فإنه رُوي (أن تميمَ بنَ أوسٍ الداري وعديَّ بنَ بدَّاء خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصْرانيـين ومعهما بديلُ بنُ أبـي مريم مولى عمْرو بنِ العاص وكان مسلماً مهاجراً، فلما قدِموا الشامَ مرضَ بديلٌ فكتب كتاباً فيه جميعُ ما معه وطرحه في متاعِه ولم يخبرْهما بذلك، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعَه إلى أهله، ومات، ففتشاه، فوجدوا فيه إناءً من فضة وزْنُه ثلثمائةِ مثقالٍ منقوشاً بالذهب، فغيَّباه ودفعا المتاعَ إلى أهله، فأصابوا فيه الكتاب، فطلبوا منهما الإناءَ فقالا: ما ندري، إنما أوصىٰ إلينا بشيءٍ وأمرَنا أن ندفعَه إليكم ففعلنا، وما لنا بالإناء من علم، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [المائدة، الآية 106] الآية، فاستحلَفَهما بعد صلاة العصر عند المِنْبر بالله الذي لا إلٰه إلا هو أنهما لم يخْتانا شيئاً مما دَفَع ولا كتما فحلَفا على ذلك فخلَّى عليه الصلاة والسلام سبـيلهما، ثم إن الإناءَ وُجد بمكةَ فقال مَنْ بـيده: اشتريتُه من تميم وعدي، وقيل: لما طالت المدةُ أظهراه فبلغ ذلك بني سهمٍ فطلبوه منهما فقالا: كنا اشتريناه من بديل، فقالوا: ألم نقلْ لكما: هل باع صاحبُنا من متاعه شيئاً، فقلتما: لا؟ قالا: ما كان لنا بـينةٌ فكرِهنا أن نُقِرَّ به، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله عز وجل: {فَإِنْ عُثِرَ} [المائدة، الآية 107] الآية، فقام عمروُ بنُ العاص والمطَّلِبُ بنُ أبـي وداعةَ السَّهْميان فحلفا بالله بعد العصر أنهما كَذَبا وخانا، فدفع الإناءَ إليهما). وفي رواية إلى أولياء الميت. واعلم أنهما إن كانا وارثين (لبديل) فلا نسخ إلا في وصف اليمين، فإن الوارثَ لا يُحَلَّفُ على البَتات، وإلا فهو منسوخ.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان عثر} اى اطلع بعد التحليف {على انهما استحقا اثما} اى فعلا ما يوجب اثما من تحريف وكتم بان ظهر بايديهما شىء من التركة وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه {فآخران} اى رجلان آخران وهو مبتدأ خبره {يقومان مقامهما} اى مقام اللذين عثر على خيانتهما وليس المراد بمقامهما مقام اداء الشهادة التى تولياها ولم يؤدياها كما هى بل هو مقام الحبس والتحليف على الوجه المذكور لاظهار الحق {من الذين} حال من فاعل يقومان اى من اهل الميت الذين {استحق عليهم الأوليان} من بينهم اى الاقربان الى الميت الوارثان له الاحقان بالشهادة اى باليمين ومفعول استحق محذوف اى استحق عليهم ان يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين وهما فى الحقيقة الآخران القائمان مقام الاولين على وضع المظهر مقام المضمر فاستحق مبنى للفاعل والاوليان فاعله وهو تثنيه الاولى بالفتح بمعنى الاقرب. وقرىء على البناء للمفعول وهو الاظهر اى من الذين استحق عليهم الاثم اى جنى عليهم وهم اهل الميت وعشيرته فالاوليان مرفوع على انه خبر لمحذوف كأنه قيل ومن هم فقيل الاوليان {فيقسمان بالله} عطف على يقومان {لشهادتنا} المراد بالشهادة اليمين كما فى قوله تعالى {أية : فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} تفسير : [النور: 6]. اى ليميننا على انهما كاذبان فيما ادعيا من الاستحقاق مع كونها حقة صادقة فى نفسها {أحق} بالقبول {من شهادتهما} اى من يمينهما مع كونها كاذبة فى نفسها لما انه قد ظهر للناس استحقاقهما للاثم ويميننا منزهة عن الريب والريبة فصيغة التفضيل مع انه لا حقيقة فى يمينهما رأسا انما هى لا مكان قبولها فى الجملة باعتبار احتمال صدقها فى ادعاء تملكهما لما ظهر فى ايديهما {وما اعتدينا} عطف على جواب القسم اى ما تجاوزنا فيها شهادة الحق وما اعتدينا عليهما بابطال حقهما {إنا اذا} اى اذا اعتدينا فى يميننا {لمن الظالمين} انفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى او لمن الواضعين الحق فى غير موضعه ومعنى النظم الكريم ان المحتضر ينبغى ان يشهد على وصيته عدلين من ذوى نسبه او دينه فان لم يجدهما بان كان فى سفر فآخرين من غيرهم ثم ان وقع ارتياب بهما اقسما على انهما ما كتما من الشهادة ولا من التركة شيئاً بالتغليظ فى الوقت فان اطلع بعد ذلك على كذبهما بان ظهر بايديهما شىء من التركه وادعيا تملكه من جهة الميت حلف الورثة وعمل بايمانهم وانما انتقل اليمين الى الاولياء لان الوصيين ادعيا انهما ابتاعاه والوصى اذا اخذ شيئاً من مال الميت وقال انه اوصى به حلف الوارث اذا انكر ذلك وتحليف المنكر ليس بمنسوخ.

الطوسي

تفسير : قرأ حفص والاعشى الا النفار والكسائي عن ابي بكر {استحق} بفتح التاء والحاء. الباقون - بضم التاء وكسر الحاء - والابتداء على الاول بكسر الهمزة. وقرأ حمزة وأبو بكر إِلا الاعشى - في غير رواية النفار - ويعقوب، وخلف {الأوَّلين} بتشديد الواو، وكسر اللام وفتح النون على الجمع. والباقون بسكون الواو، وفتح اللام وكسر النون على التثنية. وقد ذكرنا سبب نزول الآية عمن رويناه عنه فذكروا أنها نزلت في أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ان يستحلفوهما (والله ما قبضنا له غير هذا ولا كتمناه) ثم ظهر على إِناء من فضة منقوش مذهب معهما، فقالوا: هذا من متاعه، فقالا: اشتريناه منه، فارتفعوا إلى رسول الله فنزلت قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق..} فامر رسول الله رجلين من أهل البيت أن يحلفا على ما كتما وغيبا، وفحلف عبد الله ابن عمر والمطلب بن أبي وداعة فاستحقا. ثم ان تميما اسلم وتابع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكان يقول: صدق الله، وبلغ رسول الله، أنا أخذت الاناء. ومعنى {عثر} ظهر على، تقول: عثرت على خيانته وأعثرت غيري على خيانته أي أطلعته. ومنه قوله {أية : وكذلك أعثرنا عليهم}تفسير : أي أطلعنا عليهم وأصله الوقوع بالشيء من قولهم: عثر الرجل يعثر عثوراً اذا وقع اصبعه بشيء صدمته، وعثر الفرس عثاراً قال الشاعر: شعر : بذات لوث عفرناة اذا عثرت فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا تفسير : وأعثر الرجل يعثر عثراً اذا أطلع على أمر كان خافياً عنه، لأنه وقع عليه بعد خفائه، والعثير الغبار الساطع، لانه يقع على الوجه وغيره، والعثير الاثر الخفي، لأنه يوقع عليه من خفاء. وقوله: {على أنهما} يعني على أن الوصيين المذكورين أولا في قوله {اثنان} في قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس: على أن الشاهدين استحقا اثما يعني خانا وظهر وعلم منهما ذلك {فآخران يقومان مقامهما} يعني من الورثة - في قول سعيد بن جبير وغيره - و {من الذين استحق عليهم الأوليان} قيل في قوله {الأوليان} ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير وابن زيد: الاوليان بالميت. الثاني قال ابن عباس وشريح: الاوليان بالشهادة وهي شهادة الايمان. الثالث قال الزجاج: الاوليان أن يحلفا غيرهما وهما النصرانيان. ويقال هو الاولى بفلان ثم يحذف بفلان فيقال: هو الاولى، وهذان الاوليان كما يقال هو الاكبر بمعنى الكبير وهذان الاكبران. وفي رفع الاوليان ثلاثة أقوال: أحدها - بانه اسم ما لم يسم فاعله والمعنى استحق عليهم اثم الاولين أي استحق منهم، فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه. الثاني - بانه بدل من الضمير {في يقومان} على معنى فليقم الاوليان من الذين استحق عليه الوصية وهو اختيار الزجاج. الثالث - بدل من قوله {فآخران}. وزعم بعض الكوفيين انه لا يجوز إِبداله من "آخرين" لتأخر العطف في {فيقسمان}، لانه يصير بمنزلة (مررت برجل قام زيد وقعد) قال الرماني: يجوز على العطف بالفاء جملة على جملة. وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون رفعاً بالابتداء وقد أخر. وتقديره فالاوليان بأمر الميت آخران من أهله أو من أهل دينه يقومان مقام الخائنين اللذين عثر عليهما كقولك: تميمي أنا. ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، وتقديره فآخران يقومان مقامهما هما الاوليان. واختار أبو الحسن الاخفش أن يكون الاوليان صفة لقوله {فآخران} لانه لما وصف اختص. فوصف لأجل الاختصاص بما توصف به المعارف. واما الجمع فعلى اتباع {الذين} وموضعه الجر وتقديره من الاولين الذين استحق عليهم الايصاء والاثم. وانما قيل لهم الاولين من حيث كانوا أولين في الذكر ألا ترى أنه تقدم {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} وكذلك {اثنان ذوا عدل منكم} ذكرا في اللفظ، قيل قوله {أو آخران من غيركم} وحجتهم في ذلك أن قالوا: أرأيت ان كان الاوليان صغيرين أراد انهما اذا كانا صغيرين لم يقوما مقام الكبيرين في الشهادة ولم يكونا لصغرهما اولى بالميت، وان كانا لو كانا كبيرين كانا أولى به. وانما قال {استحقا إثماً} لان آخذه انما يأخذه آثم فسمي {إثماً} كما يسمى ما يؤخذ منك بغير حق مظلمة. قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك قهراً، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. وقيل: معناه استحقا عذاب إِثم وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه كما قال {أية : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك}تفسير : بعقاب اثمي وعقاب اثمك. وقيل في معنى {عليهم} ثلاثة أقوال: أحدها - ان تكون (على) بمعنى (من) كأنه. قال من الذين استحق منهم الاثم كما قال {أية : إذا اكتالوا على الناس}تفسير : أي من الناس. الثاني - ان يكون المعنى كما تقول: استحق على زيد مال بالشهادة أي لزمه ووجب عليه الخروج منه، لان الشاهدين لما عثر على خيانتهما استحق عليهما ما ولياه من أمر الشهادة والقيام بها ووجب عليهما الخروج منها وترك الولاية لها فصار اخراجهما منها مستحقا عليهما كما يستحق على المحكوم عليه الخروج مما وجب عليه. الثالث - أن يكون (على) بمنزلة (في) كأنه استحق فيهم، وقام (على) مقام (في) كما قام (في) مقام (على) في قوله {أية : ولأصلبنكم في جذوع النخل}تفسير : والمعنى من الذين استحق عليهم بشهادة الآخرين اللذين هما من غيرنا. فان قيل: هل يجوز أن يسند (استحق فيه) إلى الاوليان؟ قلنا لا يجوز ذلك لأن المستحق انما يكون الوصية أو شيء منها، ولا يجوز أن يستحق الاوليان وهما الاوليان بالميت، والاوليان بالميت لا يجوز أن يستحقا فيسند {استحق} اليهما. وقوله {فيقسمان بالله} أي يحلفان بالله. وقوله {لشهادتنا أحق من شهادتهما} جواب القسم في قوله {فيقسمان بالله} وقوله {وما اعتدينا} يعني فيما قلنا من أن شهادتنا أحق من شهادتهما {إِنا إذا لمن الظالمين} تقديره إِنا ان اعتدينا لمن الظالمين لنفوسنا. قال الزجاج: هذه الآية أصعب آية في القرآن اعراباً. فان قيل: كيف يجوز أن يقف أولياء الميت على كذب الشاهدين أو خيانتهما حتى حل لهما أن يحلفا؟ قيل: يجوز ذلك بوجوه: أحدها - أن يسمعا اقرارهما بالخيانة من حيث لا يعلمان أو يشهد عندهم شهود عدول بأنهم سمعوهما يقرَّ - ان بأنهما كذبا أو خانا؟ أو تقوم البينة عندهما على أنه أوصى بغير ذلك أو على أن هذين لم يحضرا الوصية أو يعرفان بغير ذلك من الاسباب.

الحبري

تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ الدار قطنيّ: نا أَحْمَد بن إسْحاق بن بهلول: نا الحُسَيْن بن الحَكَم بن مُسْلِم الوشَّاء: نا الحَسَن بن الحُسَيْن العُرَنيّ: حَدَّثَنا أَبو كدينة بن المهلب، عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبَّاس قالَ: كان تميم الداري وعدي يختلفان الى مَكَّة فخرجَ معهما فتىً من بني سَهْم، فتُوفّيَ بأَرضٍ لَيْسَ بها مُسْلِمٌ، فَاَوْصَى إليهما فدفَعا تركَته الى أَهْله، وحَبَسا جاماً من فِضَّةٍ مُخَوَّصاً بالذَهَب فاسْتَحْلَفَهما رسولُ الله صَلَّى الله عليه وآلِهِ وَسَلَّم بأَنَّه ما كَتَمْتُما ولا اطَّلعْتُما، ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بمكَّة. قالوا: اشترينا من عدي وتميم، فجاءَ رجلان من وَرَثَة السَهْميّ فَحَلَفَا أَنَّ هذا الجامَ للسَهْميّ ولشهادَتُهما أَحَقُّ من شهادَتِهِما {...وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ}. فأَخذُوا الجامَ، وفيهم نَزَلَتْ هذه الآيةُ.

اطفيش

تفسير : (فَإِنْ عُثِرَ): اطلع وهو مبنى للمفعول ولا ضمير فيه، به نائب الفاعل هو قوله: {عَلَى أَنَهُمَا اسْتَحَقَآ إِثْماً}: استوجبا نسبة الاثم أى الذنب اليهما لفعلهما ما هو ذنب كالتحريف والكتم، كذا ظهر لى، وأعجب من قول القاضى فعلا ما أوجب اثماً، وتأوله بأنه أراد تفسير الاثم بلازمه وهو العقاب، ثم رأيت ما ذكرته وجهاً ثانياً فى الكشاف، لكن ذكر أولا ما ذكره القاضى، فيحتاج لهذا التأويل الذى أولت به كلام القاضى والضميران فى أنهما استحقا للاثنين أو آخران. {فَآخَرَانِ}: مبتدأ أى فشاهدان آخران، فمسوغ الابتداء بالنكرة كونها بعد فاء الجواب، وكونها نعتاً لمحذوف، وكونها منعوتة بقوله: {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِم} وساغ الفصل بالخبر، لأن مجزوم الجزاء أزال كون الخبر أجنبياً من الموصوف، والخبر هو قوله: {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا}: أو آخران فاعل لمحذوف أى فليقم الشهادة شاهدان آخران، وجملة يقومان مقامهما نعت لآخران، أو حال من منعوته المحذوف. {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِم}:أى من الذين أخذ غيرهم ما لهم من الحق فيما يقولون، وادعاه غيرهم أنه حق له وهم الورثة. {الأَوْلَيَانِ}: تثنية أولى بفتح الهمزة واسكان الواو، بمعنى أقرب أو أحق، فالمعنى الأقربان الى الميت بالرحم والنسب أو الأحقان بالميت لقرب الرحم والنسب، أو الأحقان بالشهادة، وذلك أن الأقرب أعرف بمال الميت، وأمره والأوليان بدل من آخران أو من ألف يقومان، أو خبر لمحذوف أى هما الأوليان، أو مبتدأ خبره آخران، ويقومان صفة آخران وكذا من الذين، أو من الذين حال من ألف يقومان، أو آخران مبتدأ والأوليان خبره لجواز الأخبار بالمعرفة عن النكرة المخصصة. قرأ حفص، وعلى، وأبى وابن عباس، استحق بالبناء للفاعل، فيكون الأوليان فاعل استحق، ومفعول استحق فى هذه القراءة محذوف تقديره استحق الأوليان التخصيص بالشهادة، أى من الورثة الذين استحق عليهم الرجلان اللذان هما أقرب الورثة التخصيص بالشهادة، أى استحقا على سائر الورثة أن يخصوهما بأن يشهد المزيد قربهما. وقرأ حمزة، ويعقوب، وعاصم فى رواية أبى بكر: الأولين بفتح الهمزة واسكان اللام قبلها وفتح الواو مشددة وكسر اللام بعدها وفتح النون على أنه نعت الذين، أو بدل الذين، وقرىء الأولين بهذا الضبط الا اللام بعد الواو فمفتوحة، والياء فسكونها حى، والنون فمكسورة تثنية، والقراءة التى قبل هذه جمع، ونصبه فى هذه على المدح. وقرأ الحسن ببناء استحق للفاعل والأولان بهذا الضبط الا أنه بالألف مكان الياء على أنه فاعل استحق، ومعنى الأولية فى القراءات الثلاث بتشديد الواو تقدمهم على الأجانب فى الشهادة، لأنهم أعلم بأحوال الميت. {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَادِتهِمَا}: أولى بأن تقبل اللام لام جواب القسم، أو لام الابتداء، والجملة جواب يقسمان، وأحق اسم تفضيل على بابه لاحتمال أن يكون شهادة لكن استحقا اثماً حقاً، ولأن من الناس من يميل اليها ويقول: انها حق لكونها نفعاً له. {وَمَا اعْتَدَيْنَا}: ما جاوزنا الحق فيها، ولا فى اقسامنا عليها. {إِنَّآ إِذاً}: اذا اعتدينا، لو اعتدينا، او اذا اعتدينا لو كنا ممن يعتدى. {لَمِنَ الظَّالِمِينَ}: الواضعين الشىء فى غير موضعه، بأن وضعنا الباطل موضع الحق، أو الناقصين حظ أنفسهم وحق غيرهم، روى أن تميم بن أوس الدارى، وعدى بن زيد خرجا فى تجارة من المدينة الشام وهما نصرانيان، ومعهما بديل بن أبى مريم، قيل: هو من بنى سهم، أى هو مولى فيهم، وكان مسلماً مولى عمرو بن العاص، قيل: كان من المهاجرين، ولما وصلوا الشام مرض بديل، فكتب كتاباً فيه جميع ما معه من المتاع، وألقاه فى متاعه ولم يخبرهما بالكتاب، ولما اشتد وجعه أوصى اليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه الى أهله اذا رجعا الى المدينة. وفى رواية ابن عباس أنهما خرجا الى الشام قبله بتجارة، وقدم عليهما وهما فى الشام بتجارته، وكان تميم بعد اسلامه يقول: يرى الناس كلهم من هذه الآية الا اياى، وعدى بن زيد، ثم انه لما اشتد وجعه وأوصاهما مات، ففتشا متاعه فوجدا فيه اناء من فضة منقوشاً بالذهب فى وسطه ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه وباعاه بألف درهم، وقسماها لكل واحد خمسمائة، وهو أعظم تجارته قصد به الملك، كان تميم يخبر بذلك كما رواه ابن عباس. ولما قضيا حاجتهما من الشام انصرفا الى المدينة، فدفعا المتاع الى أهله ففتشوه، فوجدوا فيه الكتاب، وفى الكتاب ذكر الاناء والمثاقيل وماله كله، فجاءوا اليهما فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً من متاعه؟ قالا: لا. قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا: لا. قالوا: فهل طال مرضه فأنفق شيئاً على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: انا وجدنا فى متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه، وانا فقدنا اناء من فضة مموهاً بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا: لا ندرى انما أوصى الينا بما وصلكم، وما لنا علم بالأناء، وفى رواية: ما ترك غير هذا، ولا دفع علينا غيره، فخاصموهما الى النبى صلى الله عليه وسلم فأصرا على الانكار، فنزلت الآية: {أية : يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم }تفسير : الى آخرها فحلفهما رسول الله صلى الله عليه سلم بعد صلاة العصر عند المنبر، فخلى سبيلهما، ثم وجدوا الاناء بمكة، وقال من وجدوه عنده: اشتريناه من عدى بن زيد، وتميم بن أوس. وفى رواية ثم وجد الاناء بأيديهما بعد حلفهما، فأتاهما بنو سهم قبيلة بديل، فقالا: قد اشتريناه منه، ولكن لم يكن لنا عليه بينة فكرهنا أن نقر لكم به، وقيل: وجدوه بعد التحليف عند تميم، فقال: اشتريته ونسيت أن أذكره لكم، وعلى كل حال فرفعوهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل: {فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَهُمَا اسْتَحَقَآ إِثْماً} الى آخره فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبى رفاعة وهما من بنى سهم، وحلفا وهما الآخران الأوليان اللذان ممن استحقا، وعدى وتميم اللذان عثر على أنهما استحقا اثما اذ قال أهل مكة: اشترينا الاناء منهما، فهذه أمارة يتهمان بها، أو أقرا أنا اشتريناه من بديل، فهذا اقرار والشراء دعوى. وفى رواية: كان تميم بن أوس بعد اسلامه يقر على نفسه أنى لما أسلمت بعد قدوم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة، تأثمت من ذلك فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر، وأديت اليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبى مثلها، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه سلم، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم على أهل دينه، فحلف فأنزل الله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم }تفسير : الى قوله: {أية : أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم }تفسير : فقام عمرو بن العاص، ورجل آخر يعنى المطلب بن أبى رفاعة فحلفا، فنزعت خمسمائة درهم من عدى، وذلك أنه مات بديل بأرض ليس فيها حينئذ اسلام، ولا يلزم أن يجعل المحتضر وصيين، وانما ذكر الله اثنين ان قلنا انهما وصيان لأن ذلك واقعة حال بديل.

اطفيش

تفسير : {فإِنْ عُثِرَ} اطلع، يستعمل في الاطلاع على ما يخفى مأخوذ من عثر إِذا كبا لأَن العاثر ينظر إِلى موضع عثارة فيعرفه وذلك مجاز بحسب الأَصل ثم صار حقيقة عرفية عامة، وذلك إِذا قلنا مصدرها واحد {عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثماْ} أَى على استحقاقهما إِثماً وذلك نائب فاعل عثر، وقيل مصدره العثور ومصدر عثر بمعنى سقط أَو كاد يسقط العثرة والعثار فلا مجاز، لأَن معنى الاطلاع من مصدر ومعنى السقوط من وزن مصدر آخر، واستحقاق الإِثم فعل ما يثبته كتحريف وخيانة وكذب فى الشهادة بأَن وجد عندهما ما اتهما به وادعيا أَنهما اشترياه من الميت أَو أَعطاهما إِياه أَو أوصى لهما به، أَو وجد شخص آخر باعه له أَو أَعطياه إِياه أَو نحو ذلك، أَو وجد عند شخص ادعيا أَن الميت أَوصى له به أَو أَعطاه إياه أَو نحو ذلك، وقدر بعض عقوبة الإِثم والهاء للشاهدين الحالفين أَو الوصيين على ما مر أَن الاثنين المذكورين في الآية شاهدان أَو وصيان {فآخَرَانِ} فالواجب شاهدان آخران، أَو فعليكم شاهدان آخران أَو مبتدأَ خبره قوله {يَقُومَانِ} أَو هذا نعته والخبر الأوليان، أَو من الذين، ولا يحتاج لمسوغ لأَنه وصف لمحذوف وما لم يجعل خبره فهو نعته أَو حاله إلا الأَوليان فلا يصح حالا لأَنه مرفوع وصح نعت النكرة به لأَن الـ فيه للجنس، وإِذا جعل هو الخبر ففيه الإِخبار بالمعرفة عن النكرة وهو مرجوح، ولكنها هنا كالنكرة لأَن الـ فيه للجنس، وإِذا جعل نعتاً ويقومان خبراً ففيه الفصل بين المبتدأ ونعته بالخبر، وكذا إِذا جعل من الذين نعتا ويقومان خبراً وهو مرجوح فالأُولى فى من الذين جعله حالا من أَلف يقومان لكن فاءَ الجزاء أَجازت كون الخبر أَجنبياً من الموصوف بناء على أَنها جعلت مضمون الجملة الجزائية، لأَن ما للعثور على خيانتهما، والمعنى فإِن عثر على أَن الاثنين منكم أَو من غيركم استحقا إِثما بخيانتهما فآخران من أَولياءِ الميت يقومان {مَقَامَهُمَا} في توجه اليمين عليهما {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ} من الورثة الذين استحق عليهم، أَى جنى عليهم، فإِن الشاهدين أَو الوصيين لما جنيا أَو استحقا إِثماً بسبب جنايتهما على الورثة كانت الورثة مجنياً عليهم متضررين بجنايتهما واستحقاق الإِثم كناية عن هذا المعنى؛ لأَن معنى استحق الشئَ لاق به أَن ينسب إِليه فالجانى لاق أَن ينسب إِليه الإِثم، واستحقاق الإِثم ارتكابه، وعليهم نائب الفاعل أَو استحق الإِيصاء عليهم أَى لهم، أَى لأَجلهم برد التركة إِليهم وهم الورثة، أَو استحق الإِثم عند الجمهور، أَو الضمير للإيصاء، وقيل للمال وقيل للوصية، وعليه فالتذكير بتأويل ما ذكر {الأَوليان} الأقربان إِلى الميت نسباً الوارثان له، وأيضاً هما أَحق بالشهادة لقربهما ومعرفتهما، والمفرد أَولى أَقرب قلبت الألف ياء وتقدم إِعرابه، ويجوز جعله خبر المحذوف أَى هما الأَوليان، أَو خبراً آخر لآخران، أَو مبتدأ خبره آخران أَو بدلا من أَلف يقومان {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ} على خيانة الشاهدين أَو الوصيين ويقولان فى حلفهما {لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادِتِهِمَا} والله لشهادتنا إِلخ، فيقسمان في الآية قائم مقام والله. فكان قوله تعالى لشهادتنا إِلخ جوابا لقوله يقسمان، والشهادة في الموضعين بمعنى اليمين عند ابن عباس والجمهور، كقوله تعالى {أية : فشهادة أَحدهم أَربع شهادات} تفسير : [النور: 6] إِلخ، واليمين كالشهادة على ما يحلف عليه إِنه كذلك أَو على ظاهرها إِلا أَنها تقرن باليمين، كما أَن اليمين يقرن بها {وَمَا اعْتَدَيْنَا} ما جاوزنا الحق باليمين بل صدقنا فيها {إنَّا إِذاً} إذا اعتدينا {لَمِنَ الظَّالِمِينَ} لصاحب الحق ولأَنفسنا بوضع الباطل موضع الحق، ومعنى الآيتين أَنه يشهد المحتضر على وصيته اثنين أَو يوصى إِليهما بدفع تركته إِلى ورثته، وهما مسلمان أَو كافران إِن فقد المسلمين لسفر أَو نحوه، والأُولى أَن يكونا مسلمين من قرابته، وإِن لم يجد من قرابته فمن غيرهم، والإِصاء إلى الاثنين احتياط فإنَ رابهما الورثة بالخيانة بأَحد أَوجهها السابقة حلفا على صدق ما قالا بالتغليظ في الوقت، وإِن اطلع الورثة بامارة فادعيا الإِعطاءَ لهما أَو لمن انتقل منهما إِليه حلف اثنان من الورثة على صدق ما قالا وعلى كذب ما قال الشاهدان أو الوصيان، والحكم منسوخ إِن كان الاثنان في الآية الشاهدين والحكم اليمين، والشاهد لا يحلف ولا يعارض يمينه بيمين الورثة، وإن كان الاثنان الوصيين فالحكم منسوخ أَيضاً وهو حلف المدعى إِذا عجز عن البينة رضى المنكر بحلفه أَو لم يرض، وإِنما الثابت حلفه برضى المنكر، وقيل أَيضا لا يجوز، وعن علي أَنه كان يحلف الشاهد والراوى إِذا اتهمهما، وفى بعض كتب الحنفية أَن الشاهد إِن لم يجد من تزكيه يجوز تحليفه احتياطاً، وروى أَن المائدة لا منسوخ فيها، روى أَن رجلا من بنى سهم خرج مع تميم الدارى وعدى بن بداء - وروى ابن نداء بالنون - وهما نصرانيان فمات السهمى بأَرض ليس فيها مسلم، ولما قدما بتركته فقد الورثة جاما من فضة مخوصاً بالذهب فرفعا إِليه صلى الله عليه وسلم فنزلت فحلفهم، ثم وجد الجام بمكة فقال المكى: ابتعناه من تميم وعدى فنزلت الآية الثانية: فإِن عثر إِلخ، فقام رجلان من أَولياء الميت السهمى فحلفا، وفى رواية الترمذى فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم - أَى وهو المطلب بن أَبى وداعة وكانا أَقرب إِليه - وفى رواية فمرض فأَوصى إِليهما وأَمرهما أَن يبلغا ما ترك لآله، ولما مات أَخذا الجام ودفعا إِلى أَهله ما بقى، ورد اليمين إِلى الورثة إِما لظهور خيانة الوصيين وتصديق الوصيين لأَمانته، وإِما لتغير الدعوى بأَن صار الوصيان مدعيين للملك والورثة منكرين، فليس ذلك من رد اليمين. وأَسلم تميم الدارى وعدى بن بداء بعد ذلك، وروى أَن تميماً وعدياً المذكورين خرجا في تجر وهما نصرانيان ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص مسلماً إِلى الشام ومرض بديل فيه فدونَّ ما معه فى صحيفة وطرحها فى متاعه ولم يخبرهما بها وأَوصى إِليهما أَن يدفعا متاعه إِلى أَهله، ومات ففتشاه وأَخذا منه إِناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشاً بالذهب فغيباه فوجد أَهله الصحيفة فطالبوهما بالإِناء فجحدا، فترافعوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت فإِن عثر.. إِلخ. فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أَبى وداعة السهميان وحلفا أَن الجام للميت، ولا يخفى أَن الوصى الواحد يكفى شأن الميت إِجماعاً وإِنما عدد الوصيين في الآية على أَنهما المراد بالاثنين لهذه الواقعة الحالية المتعددين هما فيها والسهمى بديل بن أَبى مارية بدال مهملة وهو من تميم، وليس بديل ابن ورقاءَ لأَن هذا خزاعى، ويروى بزاى بدل الدال وكلاهما مصغر، وعدى بن ابن بداء بالفتح والشد والمد والصرف، قال الذهبى لم يبلغنا إِسلامه. وروى أَنهما جحدا أَشياءَ من متاع السهمى المكتوب منها الجام، وروى أَن بديلا أَراد بذلك الجام ملك الشام. وروى أَن أَهله وجدوا الصحيفة فقالوا لهما: هل باع صاحبنا شيئاً؟ قالا: لا. قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا: لا. قالوا: فهل طال مرضه فأَنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنا وجدنا فى متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإِنا فقدنا منها إِناء من فضة مموها بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال من فضة. قالا: ما ندرى إِنما أَوصى لنا بشئ وأَمرنا أَن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإِناء فاختصموا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأَنكروا وحلفا ونزلت الآية الأُولى وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعاهما وحلفهما عند المنبر بالله الذى لا إِله إِلا هو أَنهما لم يختانا شيئاً مما دفع إِليهما إِلخ ما مر.

الالوسي

تفسير : {فَإِنْ عُثِرَ} أي اطلع يقال عثر الرجل على الشيء عثوراً إذا اطلع عليه. وقال الغوري: تقول عثرت إذا اطلعت على ما كان خفياً وهو مجاز بحسب الأصل من قولهم: عثر إذا كبا وذلك أن العاثر ينظر إلى موضع عثاره فيعرفه ويطلع عليه، وقال الليث: إن مصدر عثر بمعنى اطلع العثور وبمعنى كبا العثار وحينئذ يخفى القول بالمجاز لأن اختلاف المصدر ينافيه فلا تتأتى تلك الدعوى إلا على ما قاله الراغب من اتحاد المصدرين، وفي «القاموس» «عثر كضرب ونصر وعِلم وكُرم عَثْراً وعَثِيراً وعِثاراً كبا. والعثور الإطلاع كالعثر» وظاهر هذا أن لا مجاز. ويفهم منه أيضاً الاتحاد في بعض المصادر فافهم، والمراد فإن عثر بعد التحليف. {عَلَىٰ أَنَّهُمَا} أي الشاهدين الحالفين {ٱسْتَحَقَّا إِثْماً} أي فعلاً ما يوجبه من تحريف وكتم بأن ظهر بأيديهما شيء من التركة وادعيا استحقاقهما له بوجه من الوجوه، وقال الجبائي: الكلام على حذف مضاف أي استحقا عقوبة إثم {فَآخَرَانِ} أي فرجلان آخران. وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: {يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا} والفاء جزائية وهي إحدى مصوغات الإبتداء بالنكرة. ولا محذور في الفصل بالخبر بين المبتدأ وصفته وهو قوله سبحانه: {مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوْلَيَانِ}، وقيل: هو خبر مبتدأ محذوف أي فالشاهدان آخران، وجملة {يِقُومَانُ} صفته والجار والمجرور صفة أخرى؛ وجوز أبو البقاء أن يكون حالاً من ضمير {يِقُومَانُ}، وقيل: هو فاعل فعل محذوف أي فليشهد آخران وما بعده صفة له، وقيل: مبتدأ خبره الجار والمجرور، والجملة الفعلية صفته وضمير {مَقَامَهُمَا} في جميع هذه الأوجه مستحق للذين استحقا. وليس المراد بمقامهما مقام أداء الشهادة التي تولياها ولم يؤدياها كما هي بل هو مقام الحبس والتحليف، و {ٱسْتَحَقَّ } بالبناء للفاعل قراءة عاصم في رواية حفص عنه وبها قرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن عباس وأبـي رضي الله تعالى عنهم وفاعله {ٱلأَوْلَيَانِ}، والمراد من الموصول أهل الميت ومن الأوليين الأقربان إليه الوارثان له الأحقان بالشهادة لقربهما واطلاعهما وهما في الحقيقة الآخران القائمان مقام اللذين استحقا إثماً إلا أنه أقيم المظهر مقام ضميرهما للتنبيه على وصفهما بهذا الوصف. / ومفعول {ٱسْتَحَقَّ } محذوف واختلفوا في تقديره فقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة ليظهروا بهما كذب الكاذبين، وقدره أبو البقاء وصيتهما، وقدره ابن عطية مالهم وتركتهم. وقال الإمام: إن المراد بالأوليان الوصيان اللذان ظهرت خيانتهما. وسبب أولويتهما أن الميت عينهما للوصية فمعنى {ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلاْوْلَيَانِ} خان في مالهم وجنى عليهم الوصيان اللذان عثر على خيانتهما. وعلى هذا لا ضرورة إلى القول بحذف المفعول، وقرأ الجمهور {ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلاْوْلَيَانِ } ببناء استحق للمفعول. واختلفوا في مرجع ضميره والأكثرون أنه الإثم، والمراد من الموصول الورثة لأن استحقاق الإثم عليهم كناية عن الجناية عليهم ولا شك أن الذين جنى عليهم وارتكب الذنب بالقياس إليهم هم الورثة، وقيل: إنه الإيصاء، وقيل: الوصية لتأويلها بما ذكر، وقيل: المال، وقيل: إن الفعل مسند إلى الجار والمجرور، وكذا اختلفوا في توجيه رفع {ٱلاْوْلَيَانِ } فقيل: إنه مبتدأ خبره آخران أي الأوليان بأمر بالميت آخران، وقيل: بالعكس، واعترض بأن فيه الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو مما اتفق على منعه في مثله، وقيل: خبر مبتدأ مقدر أي هما الآخران على الاستئناف البياني، وقيل: بدل من (آخران)، وقيل: عطف بيان عليه، ويلزمه عدم اتفاق البيان والمبين في التعريف والتنكير مع أنهما شرطوه فيه حتى من جوز تنكيره، نعم نقل عن نزر عدم الاشتراط، وقيل: هو بدل من فاعل {يِقُومَانُ }. وكون المبدل منه في حكم الطرح ليس من كل الوجوه حتى يلزم خلو تلك الجملة الواقعة خبراً أو صفة عن الضمير، على أنه لو طرح وقام هذا مقامه كان من وضع الظاهر موضع الضمير فيكون رابطاً. وقيل: هو صفة (آخران) وفيه وصف النكرة بالمعرفة. والأخفش أجازه هنا لأن النكرة بالوصف قربت من المعرفة. قيل: وهذا على عكس: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني تفسير : فإنه يؤول فيه المعرفة بالنكرة وهذا أول فيه النكرة بالمعرفة أو جعلت في حكمها للوصف، ويمكن ـ كما قال بعض المحققين ـ أن يكون منه بأن يجعل الأوليان لعدم تعينهما كالنكرة. وعن أبـي علي الفارسي أنه نائب فاعل {ٱسْتَحَقَّ} والمراد على هذا استحق عليهم انتداب الأوليين منهم للشهادة كما قال الزمخشري أو إثم الأوليين كما قيل وهو تثنية الأولى قلبت ألفه ياء عندها، وفي ـ على ـ في {عَلَيْهِمْ} أوجه الأول: أنها على بابها. والثاني: أنها بمعنى في. والثالث: أنها بمعنى من وفسر {ٱسْتَحَقَّ} بطلب الحق وبحق وغلب وقرأ يعقوب وخلف وحمزة وعاصم في رواية أبـي بكر عنه {ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلأَوَّلِينَ} ببناء استحق للمفعول، والأولين جمع أول المقابل للآخر وهو مجرور على أنه صفة {ٱلَّذِينَ} أو بدل منه أو من ضمير {عَلَيْهِمْ} أو منصوب على المدح، ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة. وقيل: التقدم في الذكر لدخولهم في {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وقرأ الحسن {الأولان} بالرفع وهو كما قدمنا في الأوليان؛ وقرىء «الأولين» بالتثنية والنصب، وقرأ ابن سيرين {الأوليين} بياءين تثنية أولى منصوباً، وقرىء {ٱلأَوَّلِينَ} بسكون الواو وفتح اللام جمع أولى كأعلين وإعراب ذلك ظاهر. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ} عطف على {يِقُومَانِ} والسببية ظاهرة. وقوله سبحانه {لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا} جواب القسم. والمراد بالشهادة عند الكثير ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اليمين كما في قوله عز وجل: { أية : فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ بِٱللَّهِ } تفسير : [النور: 6] وسميت اليمين شهادة على ما قال الطبرسي «لأن اليمين كالشهادة على ما يحلف عليه أنه كذلك» أي ليميننا على أنهما كاذبان فيما ادعيا من الاستحقاق مع كونها حقة صادقة في نفسها أولى بالقبول من يمينهما مع كونها كاذبة في نفسها لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم ويميننا منزهة عن الريب والريبة / وصيغة التفضيل إنما هي لإمكان قبول يمينهما في الجملة باعتبار صدقهما في ادعاء تملكهما لما ظهر في أيديهما، وقيل: إن الشهادة على معناها المتبادر عند الإطلاق، وسيأتي إن شاء الله تعالى عن بعض المحققين غير ذلك. وقوله عز شأنه: {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا} عطف على الجواب أي ما تجاوزنا في شهادتنا الحق أو ما اعتدينا عليهما بإبطال حقهما. وقوله تعالى: {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} استئناف مقرر لما قبله أي إنا إذا اعتدينا فيما ذكر لمن الظالمين أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه أو لمن الواضعين الحق في غير موضعه، ومعنى الآيتين عند غير واحد من المفسرين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي دينه أو نسبه فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم، ثم إن وقع ارتياب في صدقهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت فإن اطلع على كذبهما بأمارة حلف آخران من أهل الميت. وادعى أن الحكم منسوخ إذا كان الإثنان شاهدين فإنه لا يحلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث، وقيل: إن التحليف لم ينسخ لكنه مشروط بالريبة. وقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وفي بعض «كتب الحنفية» أن الشاهد إن لم يجد من يزكيه يجوز تحليفه احتياطاً وهذا خلاف المفتى به كما بسط في محله. وكذا ادعى البعض النسخ أيضاً على تقدير أن يكون المراد بالشاهدين في السفر غير مسلمين لأن شهادة الكافر على المسلم لا تقبل مطلقاً، وروى حديث النسخ ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال بعضهم: لا نسخ وأجاز شهادة الذمي على المسلم في هذه الصورة. وروي عن أبـي موسى الأشعري أنه حكم لما كان والياً على الكوفة بمحضر من الصحابة بشهادة ذميين بعد تحليفهما في وصية مسلم في السفر وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقال آخرون: الإثنان وصيان وحكم تحليفهما إذا ارتاب الورثة غير منسوخ، وما أفادته الآية من رد اليمين على الورثة ليس من حيث إنهم مدعون وقد ظهرت خيانة الوصيين فردت اليمين عليهما خلافاً للشافعي بل من حيث إنهم صاروا مدعى عليهم لانقلاب الدعوى فإن الوصي المدعى عليه أولاً صار مدعياً للملك والورثة ينكرون ذلك، ويدل عليه ما أخرجه البخاري في «التاريخ» والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وخلق آخرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، وقيل: نداء بالنون فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله تعالى ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله سبحانه لشهادتهما أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذ الجام وفيهم نزلت {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الخ، هذا وادعى بعض المحققين أن الشهادة هٰهنا لا يمكن أن تكون بمعناها المتبادر بوجه ولا تتصور لأن شهادتهما إما على الميت ولا وجه لها بعد موته وانتقال الحق إلى الورثة وحضورهم أو على الوارث المخاصم وكيف يشهد الخصم على خصمه فلا بد من التأويل، وذكر أن الظاهر أن تحمل في قوله سبحانه {شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ } على الحضور أو الإحضار أي إذا حضر الموت المسافر فليحضر من يوصي إليه بإيصال ماله لوارثه مسلماً فإن لم يجد فكافراً، والاحتياط أن يكونا اثنين فإذا جاءا بما عندهما وحصل ريبة في كتم بعضه فليحلفا لأنهما مودعان مصدقان بيمينهما فإن وجد ما خانا فيه وادعيا أنهما تملكاه منه / بشراء ونحوه ولا بينة لهما على ذلك يحلف المدعى عليه على عدم العلم بما ادعياه من التملك وأنه ملك لمورثهما لا نعلم انتقاله عن ملكه، والشهادة الثانية: بمعنى العلم المشاهد أو ما هو بمنزلته لأن الشهادة المعاينة فالتجوز بها عن العلم صحيح قريب، والشهادة الثالثة: إما بهذا المعنى أو بمعنى اليمين، وعلى هذا وهو مما أفاضه الله تعالى عليَّ ببركة كلامه سبحانه فلا نسخ في الآية ولا إشكال، وما ذكروه كله تكلف لم يصف من الكدر لذوق ذائق، وسبب النزول وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم مبين لما ذكر انتهى. ولعل تخصيص الإثنين اللذين يحلفان بأحقية شهادتهما على ما قيل لخصوص الواقعة وإلا فإن كان الوارث واحداً حلف وإن تعدد حلف المتعدد كما بين في «الكتب الفقهية»، وما ذكر من أن سبب النزول الخ مبين لما قرره فيه بعض خفاء إذ ليس في الخبر أن الوارثين حلفا على عدم العلم، وفي غيره ما هو نص في الحلف على الثبات، فقد روي في خبر أطول مما تقدم أن عمرو بن العاص والمطلب بن أبـي وداعة السهميين قاما فحلفا بالله سبحانه بعد العصر أنهما أي تميماً وعديا كذبا وخانا، نعم قال الترمذي في «الجامع» بعد روايته لذلك الخبر: إنه حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأيضاً في حمل الشهادة على شيء مما ذكره في قوله سبحانه: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَـٰدَةَ ٱللَّهِ} خفاء، وادعى هو نفسه أن حمل الشهادة على اليمين بعيد لأنها إذا أطلقت فهي المتعارفة فتأمل، فقد قال الزجاج: إن هذه الآية من أشكل ما في القرآن، وقال الواحدي: روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، وقال الإمام: اتفق المفسرون على أن هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً، وقال المحقق التفتازاني: اتفقوا على أن هذه الآية أصعب ما في القرءان حكماً وإعراباً ونظماً. وقال الشهاب: اعلم أنهم قالوا: ليس في القرآن أعظم إشكالاً وحكماً وإعراباً وتفسيراً من هذه الآية والتي بعدها يعني {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الخ وقوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ } الخ حتى صنفوا فيها تصانيف مفردة قالوا: ومع ذلك لم يخرج أحد من عهدتها. وذكر الطبرسي أن الآيتين من أعوص القرآن حكماً ومعنى وإعراباً وافتخر بما أتى فيهما ولم يأت بشيء إلى غير ذلك من أقوالهم وسبحان الخبير بحقائق كلامه.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَآخَرَانِ} {ٱلأَوْلَيَانِ} {لَشَهَادَتُنَا} {شَهَادَتِهِمَا} {ٱلظَّالِمِينَ} (107) - فَإِذَا ظَهَرَ أنَّ الشَّاهِدَينِ قَدْ خَانَا الأمَانَةَ، أوْ غَلاَّ شَيْئاً مِنَ المَالِ المُوصَى بِهِ إلَيْهِمَا، فَلْيَقُمِ اثْنَانِ مِنَ الوَرَثَةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلتَّركَةِ، وَلْيَكُونَا مِنْ أوْلَى مَنْ يَرِثُ ذَلِكَ المَالَ، فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ بِالقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الآخَرَيْنِ، وَإنَّ قَوْلَنَا إنَّهُمَا خَانَا أحَقُّ بِالقُبُولِ، وَأصَحُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا المُتَقَدِّمَةِ، وَمَا اعْتَدَيْنَا فِيمَا قُلْنَا فِيهِمَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَإنْ كُنَّا كَذَبْنَا عَلَيْهِما وَافْتَرَيْنَا إذَاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ. عُثِرَ - وُجِدَ. أنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْماً - تَعْبِيرٌ يُرَادُ بِهِ خِيَانَةُ الأَمَانَةِ وَالكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ. الأوْلَيَانِ - الأقْرَبَانِ إلَى المَيِّتِ الوَارِثَانِ لَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فإن ظهر أن الشاهدين قد حرفا وصية الميت أو أخفيا بالكذب بعضاً من تفاصيلها، فلنا أن نستدعي اثنين من أقرب الناس للميت فيقسمان بالله أن الشاهدين السابقين قد كذبا في الشهادة، وأن هذا الاتهام بالكذب ليس افتراءً ولكنه قائم على الحقيقة، ولو ظهر أن شهادتهما فيها كذب فهما المستحقان لعقاب من يظلم غيره. وبذلك يفسح الحق لنا المجال أمام إقامة العدل بأن نستقصي الصدق، فإن ظهر لنا بدليل ما كذب الشاهدين اللذين حضرا موت صاحب الوصية، فلنأت بشاهدين من أولياء الميت بدلا منهما. وكلمة "عثر" تعني الوقوع على شيء على غير قصد. فإن عرفنا أن الإثم ظاهر من شهادة هذين الشاهدين، فلنا أن نستقصي الصدق في شهادة اثنين غيرهما من أهل الميت. وفي الواقعة التي نزلت فيها الآية، قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهمي فأقسما بالله أن الشاهدين السابقين قد كذبا وأن الشهادة التي يقدمانها هي شهادة الحق لا اعتداء ولا جور فيها على أصحاب الشهادة الأولى. ولماذا كل ذلك؟ لأن الهدف هو أن تأتي الشهادة على الوجه الصحيح لها، فيقول الحق: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَإِنْ عُثِرَ} معناهُ فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيهِ.

الأندلسي

تفسير : {فَإِنْ عُثِرَ} أي فإِن اطلع بعد حلفهما. {عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} أي ذنباً بحنثهما في اليمين بأنها ليست مطابقة للواقع. {فَآخَرَانِ} أي رجلان آخران. {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} أي مقام ذينك الرجلين اللذين استحقا إثماً بما ظهر عليهما من خيانتهما في الجام يقومان مقامهما في الإِيمان أنهما يستحقان ذلك الجام ويكونان من الورثة لمال الميت الذي كان مسافراً. وقرىء استحق عليهم مبني للمفعول أي استحق عليهم أي أخذ الجام الذي كان الأولان خانا فيه وكتماه عن الورثة. وقرىء استحق مبنياً للفاعل أي استحق الأولان أخذه بخيانتها. وقرىء الأولين صفة للذين ويريد به الوارث لأنهم أوّلون باعتبار استحقاق المال والآخران المعثور على خيانتهما آخران. وقرىء الأوْليان على إضمار مبتدأ محذوف أي الآخران القائمان مقام الأولين اللذين كتما الجام تقديره هما الأوليان. {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا} أي لإِيماننا أن الجام مما نستحقه أحق من شهادة ذينك الأولين ويريد بالشهادة الإِيمان لأن الإِيمان تثبت بها الحقوق كما تثبت بالشهادة لشهادتنا جواب القسم. {وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} معطوف عليه كما جاء قسم الآخرين له جوابان لا نشتري ولا نكتم كذلك جاء هاهنا جوابان لشهادتنا وما اعتدينا. {إِنَّا إِذاً} أي إن زللنا في الشهادة واعتدينا. {لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} وهذه الآية نزلت في قضية معيّنة على ما دل عليه سبب النزول في صحيح البخاري ولم تقيد شهادة العدلين بالسفر وقيدت به شهادة آخرين من غير المسلمين بقوله تعالى: {أية : إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [المائدة: 106]. وثم محذوف تقديره ووضعتما أيديكما على جميع ما خلفه الميت ثم أديا ذلك للورثة فإِن ارتيب فيهما حلفا اليمين المذكور بعد الصلاة فإِن اطلع على خيانة منهما في شيء معيّن حلف الآخران على استحقاق ذلك وأخذاه وذكر في البحر تقادير من الإِعراب تطالع فيه. {ذٰلِكَ} الإِشارة إلى الحكم السابق. ولما كان الشاهدان لهما حالتان حالة يرتاب فيها إذا شهدا فإِذ ذاك يحبسان بعد الصلاة ويحلفان اليمين المشروعة في الآية وحالة يطلع فيها إذا شهدا على إثمهما بالشهادة وكذبهما في الحلف فإِذ ذاك لا يلتفت إلى إيمانكم وترد على شهود آخرين فيعمل بإِيمانهم، فقوبلت كل حالة بما يناسبها وكان العطف بأولانها لأخذ الشيئين والإِشارة بالفاسقين إلى من حرف الشهادة. {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} الآية، مناسبتها لما قبلها أنه لما أخبر تعالى بالحكم في شاهدي الوصية ذكر بهذا اليوم المخوف وهو يوم القيامة فجمع بذلك بين فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة لمن حرف الشهادة ومن لم يتق الله تعالى. وقوله: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} سؤال توبيخ لأمهم لتقوم الحجة عليهم وانتصاب ماذا بأجبتم انتصاب مصدره على معنى أيّ إجابة أجبتم. كما تقول: ماذا يقوم زيد، تريد أي قيام يقوم. {قَالُواْ} هو الناصب لقوله: يوم يجمع، والسؤال عن الإِجابة متضمن المجاب به. ونفيهم العلم عنهم بقوله: {لاَ عِلْمَ لَنَآ} قال ابن عباس: معناه لا علم لنا إلا علما أنت أعلم به منا. وقرىء علام بالنصب وهو على حذف الخبر لفهم المعنى، فيتم الكلام بالمقدر في قوله: إنك أنت، أي إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره. قال الزمخشري: ثم نصب علام الغيوب على الاختصاص أو على النداء وهو صفة لإِسم إنّ. "انتهى". وهذا الوجه الأخير لا يجوز لأنهم أجمعوا على أن ضمير المتكلم وضمير المخاطب لا يجوز أن يوصف وإنما ضمير الغائب ففيه خلاف شاذ للكسائي. {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} إذ بدل من قوله: يوم يجمع. {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} وصف عيسى بقوله: ابن مريم. واحتمل عيسى أن يكون مضموماً ومفتوحاً في التقدير كما كانتا ظاهرتين في قولك: يا زيد بن عمرو، ويا زيد بن عمرو، والنعمة هنا جنس ويدل على ذلك ما عدده بعد هذا التوحيد اللفظي من النعم وأضافها إليه تنبيهاً على عظمها ونعمته عليه قد عددها هنا وفي البقرة وآل عمران ومريم وفي مواضع من القرآن ونعمته على أمة براءتها مما نسب إليها وتكفيلها لزكريا وتقبلها بقبول حسن، وما ذكر في سورة التحريم ومريم ابنة عمران إلى آخر السورة وغير ذلك. وأمر يذكر نعمة أمه لأنها نعمة صائرة إليه. و{أَيَّدتُّكَ} معناه قويتك، مشتقاً من الأيد وأيد وزنه فعل مضارعه يؤيد. قال الزمخشري: يكون على أفعَلتك. وقال ابن عطية: على وزن فاعلتك، ويظهر أن الأصل في القراءتين أأيدتك على وزن أفعلتك. ثم اختلف الاعلال والمعنى فيهما قويتك من الأيد. "انتهى". ولو كان أفعل لكان المضارع يؤيد كمضارع آمن يؤمن. وأما من قرأ أآيد فيحتاج إلى نقل مضارعه من كلام العرب فإِن كان يؤايد فهو فاعل، وإن كان يؤيد فهو أفعل وأما قول ابن عطية في القراءتين يظهر أن وزنه أفعلتك، ثم اختلف الإِعلال فلا أفهم ما أراد بذلك. {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} تقدم تفسير نظير هذه الجمل والقراءات التي فيها والإِعراب وما لم يتقدم ذكره نذكره فنقول: جاء هنا كهيئة الطير فتنفخ فيها فتكون طائراً. قال مكي: هو في آل عمران عائد على الطائر، وفي المادة عائد على الهيئة، قال: ويصح عكس هذا. وقال غيره: الضمير المذكر عائد على الطين، قال ابن عطية: ولا يصح عود هذا الضمير لا على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة، لأن الطير أو الطائر الذي يجيء الطين على هيئته لا نفخ فيه ألبتة وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة به. وكذلك الطين إنما هو الطين العام ولا نفخ في ذلك انتهى. وقال الزمخشري: ولا يرجع يعني الضمير إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء وكذلك الضمير في فتكون."انتهى". والذي ينبغي أن يحمل عليه كلام مكي أنه لا يريد به ما فهم عند بل يكون قوله: عائد على الطائر، لا يريد به الطائر المضاف إليه لهيئة بل الطائر الذي صوره عيسى ويكون التقدير وإذ تخلق من الطين طائراً صورته مثل صورة الطائر الحقيقي فتفنخ فيه فيكون طائراً حقيقة بإِذن الله ويكون قوله: عائد على الهيئة، لا يريد به الهيئة المضافة إلى الطائر بل الهيئة التي تكون الكاف صفة لها، ويكون التقدير وإذ تخلق من الطين هيئة مثل هيئة الطير فتنفخ فيها أي في الهيئة الموصوف بالكاف المنسوب خلقها إلى عيسى. {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ} أي تحيي الموتى. فعبّر بالإِخراج عن الإِحياء كقوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}تفسير : [ق: 11]، بعد قوله: {أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً}تفسير : [ق: 11]، أو يكون التقدير وإذ تخرج الموتى من قبورهم أحياء. {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ} أي منعتهم من قتلك حين هموا بك وأحاطوا بالبيت الذي أنت فيه. {بِٱلْبَيِّنَاتِ} والبينات هنا هي المعجزات التي تقدم ذكرها وظهرت على يديه ولما فصل تعالى نعمته ذكر ذلك منسوباً لعيسى عليه السلام دون أمّه لأن من هذه النعم نعمة النبوة وظهور هذه الخوارق فنعمته عليه أعظم منها على أمة فخص بالذكر أعظم النعمتين ولأن جميع ما وصف به عيسى هو فخر لأمه إذ ولدت مثل هذا النبي الكريم. وقال الشاعر: شعر : شهد العوالم أنها لنجيبة بدليل ما ولدت من النجباء. تفسير : {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} قرىء ساحر بالألف هنا وفي هود، والصق، فهذا إشارة إلى عيسى. وقرىء سحر فهذا إشارة إلى ما جاء به عيسى من البينات. ويجوز أن يكون قوله: هذا، إشارة إلى عيسى. ويكون قوله: سحر، أي ذو سحر فيكون على حذف مضاف أو جعلوا عيسى سحراً على سبيل المبالغة.

الجيلاني

تفسير : {فَإِنْ عُثِرَ} أي: أشعر واطلع {عَلَىٰ أَنَّهُمَا} أي: الشاهدان {ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً} بواسطة تحريفهما وكتمانها {فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ} أي: من الورثة وهما {ٱلأَوْلَيَانِ} الأحقان التحليف من الشاهدين {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ} وأصدق {مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ} وتجاوزونا في هذه الشهادة عن الحق، وإن اعتدينا {إِنَّا إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [المائدة: 107] الخارجين عن الاعتدال الإلهي الذي وضعه الحق بين عباده. {ذٰلِكَ} التحليف والتغليظ {أَدْنَىٰ} أقرب إلى الاحتياط {أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ} ويؤدوها {عَلَىٰ وَجْهِهَآ} أي: على وجه تحملونها من غير تحريف وخيانة فيها {أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ} على المدعين {بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} الكاذبة، فيفتضحوا بظهور الخيانة على رءوس الملأ {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ} أيها الشهود عن الكتمان والتحريف {وَٱسْمَعُواْ} ما يقول المحتضر وأدوه على وجهه {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {لاَ يَهْدِي} إلى توحيده {ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 108] الخارجين عن مقتضى أوامره ومنهياته، واذكروا، وتذكروا خطاب الله وعتابه لرسله من أجلكم. {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} في يوم العرض الأكبر {فَيَقُولُ} لهم على وجه التوبيخ: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أي: بأي شيء أجبتم لهؤلاء العصاة المتجاوزين عن الحد؟ {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} بحالهم، ولا عذر لنا نعتذر عنهم {إِنَّكَ} بذاتك وأسمائك وأوصافك {أَنتَ} بخصوصيتك؛ إذ لا غير معك {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [المائدة: 109] التي غابت عن عقولنا وأبصارنا وأسماعنا، فلك الحكم الأمر، نفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد.