Verse. 777 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

ذٰلِكَ اَدْنٰۗي اَنْ يَّاْتُوْا بِالشَّہَادَۃِ عَلٰي وَجْہِہَاۗ اَوْ يَخَافُوْۗا اَنْ تُرَدَّ اَيْمَانٌۢ بَعْدَ اَيْمَانِہِمْ۝۰ۭ وَاتَّقُوا اللہَ وَاسْمَعُوْا۝۰ۭ وَاللہُ لَا يَہْدِي الْقَوْمَ الْفٰسِقِيْنَ۝۱۰۸ۧ
Thalika adna an yatoo bialshshahadati AAala wajhiha aw yakhafoo an turadda aymanun baAAda aymanihim waittaqoo Allaha waismaAAoo waAllahu la yahdee alqawma alfasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ذلك» الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة «أدنى» أقرب إلى «أن يأتوا» أي الشهود أو الأوصياء «بالشهادة على وجهها» الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة «أو» أقرب إلى أن «يخافوا أن تُرد أيمان بعد أيْمانهم» على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا «واتقوا الله» بترك الخيانة والكذب «واسمعوا» ما تؤمرون به سماع قبول «والله لا يهدي القوم الفاسقين» الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير.

108

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ }. والمعنى ذلك الحكم الذي ذكرناه والطريق الذي شرعناه أقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، وأن يأتوا بالشهادة لا على وجهها، ولكنهم يخافون أن يحلفوا على ما ذكروه لخوفهم من أن ترد أيمان على الورثة بعد أيمانهم، فيظهر كذبهم ويفتضحون فيما بين الناس. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } والمعنى اتقوا الله أن تخونوا في الأمانات واسمعوا مواعظ الله أي اعملوا بها وأطيعوا الله فيها والله لا يهدي القوم الفاسقين، وهو تهديد ووعيد لمن خالف حكم الله وأوامره فهذا هو القول في تفسير هذه الآية التي اتفق المفسرون على أنها في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً، وروى الواحدي رحمه الله في «البسيط» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام. والحكم الذي ذكرناه في هذه الآية منسوخ عند أكثر الفقهاء والله أعلم بأسرار كلامه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ذٰلِكَ } الحكم المذكور من ردّ اليمين على الورثة {أَدْنَىٰ } أقرب إلى {أَن يَأْتُواْ } أي الشهود أو الأوصياء {بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ } الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة {أَوْ } أقرب إلى أن {يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ } على الورثة المدّعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك الخيانة والكذب {وَٱسْمَعُواْ } ما تؤمرون به سماع قبول {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ } الخارجين عن طاعته إلى سبيل الخير.

ابن عطية

تفسير : الإشارة بـ {ذلك} هي إلى جميع ما حد الله قبل من حبس الشاهدين من بعد الصلاة لليمين، ثم إن عثر على جورهما ردت اليمين وغرما. فذلك كله يقرب اعتدال هذا الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل، لأنهم يخافون التحليف المغلظ بعقب الصلاة ثم يخافون الفضيحة ورد اليمين، هذا قول ابن عباس رحمه الله، ويظهر من كلام السدي أن الإشارة بـ {ذلك} إنما هي إلى الحبس من بعد الصلاة فقط، ثم يجيء قوله تعالى: {أو يخافون أن ترد أيمان} بإزاء {أية : فإن عثر} تفسير : [المائدة:107] الآية، وجمع الضمير في {يأتوا... أويخافوا} إذ المراد صنف ونوع من الناس، و {أو} في هذه الآية على تأويل السدي بمنزلة قولك تجيئي يا زيداً أو تسخطني كأنك تريد وإلا أسخطتني فكذلك معنى الآية، ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها وإلا خافوا رد الإيمان، وأما على مذهب ابن عباس فالمعنى ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا وأقرب إلى أن يخافوا، وقوله تعالى: {على وجهها} معناه على جهتها القويمة التي لم تبدل ولا حرفت، ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام بالله وبالسمع لهذه الأمور المنجية، وأخبر أنه لا يهدي القوم الفاسقين، من حيث هم فاسقون، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا، ويحتمل أن يكون لفظ {الفاسقين} عاماً والمراد الخصوص فيمن لا يتوب. وقوله تعالى: {ويوم يجمع الله الرسل} ذهب قوم من المفسرين إلى أن العامل في {يوم} ما تقدم من قوله {لا يهدي} ، وذلك ضعيف، ورصف الآية وبراعتها، إنما هو أن يكون هذا الكلام مستأنفاً، والعامل مقدر إما اذكروا وإما تذكروا وإما احذروا ونحو هذا مما حسن اختصاره لعلم السامع، والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق، وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق وهم المكلمون أولاً و {ماذا أجبتم} معناه ماذا أجابت به الأمم من إيمان أو كفر وطاعة أو عصيان، وهذا السؤال للأنبياء الرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور، واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام {لا علم لنا} فقال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع، وذكر عن الحسن أنه قال: لا علم لنا من هول ذلك اليوم. وعن السدي أنه قال: نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول فقالوا لا علم لنا. ثم نزلوا منزلاً آخر شهدوا على قومهم، وعن مجاهد أنه قال: يفزعون فيقولون لا علم لنا. قال القاضي أبو محمد: وضعّف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى: {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : [الأنبياء:103] والأنبياء في أشد أهوال يوم القيامة وحالة جواز الصراط يقولون سلم سلم وحالهم أعظم وفضل الله عليهم أكثر من أن تذهل عقولهم حتى يقولوا ما ليس بحق في نفسه، وقال ابن عباس رضي الله عنه: معنى الآية لا علم لنا إلا علماً أنت أعلم به منا. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، كأن المعنى لا علم لنا يكفي وينتهي إلى الغاية، وقال ابن جريج: معنى ماذا أجبتم؟ ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا؟ فلذلك قالوا لا علم لنا. قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى حسن في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: {إنك أنت علام الغيوب} لكن لفظة {أجبتم} لا تساعد قول ابن جريج إلا على كره، وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر إليه، إذ قوله {ماذا أجبتم} لا علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال. فرأوا التسليم له والخضوع لعلمه المحيط وقرأ أبو حيوة "ماذا أَجبتم" بفتح الهمزة.

النسفي

تفسير : {فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع {عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّا إِثْماً } فعل ما أوجب إثماً واستوجبا أن يقال إنهما لمن الآثمين {فئاخران} فشاهدان آخران { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ } أي من الذين استحق عليهم الإثم، ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته، وفي قصة بديل أنه لما ظهرت خيانة الرجلين حلف رجلان من ورثته إنه إناء صاحبهما وإن شهادتهما أحق من شهادتهما {ٱلأَوَّلِٰينَ } الأحقان بالشهادة لقرابتهما أو معرفتهما. وارتفاعهما على «هما الأوليان» كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو هما بدل من الضمير في «يقومان» أو من ««آخران». «استحق عليهم الأوليان». حفص أي من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين. «الأوَّلين»: حمزة وأبو بكر على أنه وصف للذين استحق عليهم مجرور أو منصوب على المدح. وسموا أولين لأنهم كانوا أولين في الذكر في قوله «شهادة بينكم» {فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَـٰدَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَـٰدَتِهِمَا } أي ليميننا أحق بالقبول من يمين هذين الوصيين الخائنين {وَمَا ٱعْتَدَيْنَا } وما تجاوزنا الحق في يميننا {إِنَّآ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي إن حلفنا كاذبين {ذٰلِكَ } الذي مر ذكره من بيان الحكم {أَدْنَىٰ } أقرب {أَن يَأْتُواْ } أي الشهداء على نحو تلك الحادثة {بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا } كما حملوها بلا خيانة فيها {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } أي تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور كذبهم {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الخيانة واليمين الكاذبة {وَٱسْمَعُواْ } سمع قبول وإجابة {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } الخارجين عن الطاعة. فإن قلت: ما معنى «أو» هنا؟ قلت: معناه ذلك أقرب من أن يؤدّوا الشهادة بالحق والصدق، إما لله أو لخوف العار والافتضاح برد الأيمان، وقد احتج به من يرى ردّ اليمين على المدعي، والجواب أن الورثة قد ادّعوا على النصرانيين أنهما قد اختانا فحلفا، فلما ظهر كذبهما ادعيا الشراء فيما كتما فأنكرت الورثة فكانت اليمين على الورثة لإنكارهما الشراء. {يَوْمَ } منصوب بـ «اذكروا» أو احذروا {يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } ما الذي أجابتكم به أممكم حين دعوتموهم إلى الإيمان؟ وهذا السؤال توبيخ لمن أنكرهم. «وماذا» منصوب بـ «أجبتم» نصب المصدر على معنى أيَّ إجابة أجبتم {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } بإخلاص قومنا دليله {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } أو بما أحدثوا بعدنا دليله «كنت أنت الرقيب عليهم» أو قالوا ذلك تأدباً أي علمنا ساقط مع علمك ومغمور به فكأنه لا علم لنا {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ } بدل من «يوم يجمع» {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين. والعامل في {إِذْ أَيَّدتُّكَ } أي قويتك «نعمتي» {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } جبريل عليه السلام أيد به لتثبت الحجة عليهم، أو بالكلام الذي يحيا به الدين، وأضافه إلى القدس لأنه سبب الطهر من أو ضارم الآثام دليله {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } حال أي تكلمهم طفلاً إعجازاً {وَكَهْلاً } تبليغاً {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ } معطوف على «إذ أيدتك» ونحوه «وإذ تخلق». «وإذ تخرج». «وإذ كففت». «وإذ أوحيت» {ٱلْكِتَـٰبِ } الخط {وَٱلْحِكْــمَةَ} الكلام المحكم الصواب {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ } تقدر {مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } هيئة مثل هيئة الطير {بِإِذْنِى } بتسهيلي {فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه، وكذا الضمير في {فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي } وعطف {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي } على «تخلق» {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } من القبور أحياء {بِإِذْنِي} قيل: أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية. {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرٰءِيلَ عَنكَ } أي اليهود حين هموا بقتله {إِذْ جِئْتَهُمْ } ظرف لـ «كففت» {بِٱلْبَيّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ساحر حمزة وعلي {وَإِذْ أَوْحَيْتُ } ألهمت {إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } الخواص أو الأصفياء {أن آمنوا} أي آمنوا {بي وبرسولي قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون} أي اشهد بأننا مخلصون من أسلم وجهه {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } أي اذكروا إذ {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } «عيسى» نصب على اتباع حركته حركة الابن نحو «يا زيد بن عمرو» {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } هل يفعل أو هل يطيعك ربك إن سألته، فاستطاع وأطاع بمعنى كاستجاب وأجاب. هل تستطيع ربك على أي هل تستطيع سؤال ربك فحذف المضاف، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا } «ينزول»: مكي وبصري {مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } هي الخوان إذا كان عليه الطعام من مادَه إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليها {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في اقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إذ الإيمان يوجب التقوى. {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } تبركاً {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } ونزداد يقيناً كقول إبراهيم عليه السلام {أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } تفسير : [البقرة: 260] {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } أي نعلم صدقك عياناً كما علمناه استدلالاً {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } بما عاينا لمن بعدنا. ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ } أصله «يا الله» فحذف «يَا» وعوض منه «الميم» {رَبَّنَا } نداء ثانٍ {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً } أي يكون يوم نزولها عيداً. قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيداً، والعيد: السرور العائد ولذا يقال «يوم عيد» فكان معناه: تكون لنا سروراً وفرحاً {لأَِوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا } بدل من «لنا» بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم، أو للمتقدمين منا والأتباع {وآيةً مِنكَ} على صحة نبوّتي ثم أكد ذلك بقوله {وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } وأعطنا ما سألناك وأنت خير المعطين {قَالَ ٱللَّهُ إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } بالتشديد: مدني وشامي وعاصم. وعد الإنزال وشرط عليهم شرطاً بقوله {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } بعد إنزالها منكم {فَإِنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً } أي تعذيباً كالسلام بمعنى التسليم. والضمير في {لآَّ أُعَذِّبُهُ } للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء {أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } عن الحسن أن المائدة لم تنزل ولو نزلت لكانت عيداً إلى يوم القيامة لقوله: «وآخرنا». والصحيح أنها نزلت. فعن وهب نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة عليها كل طعام إلا اللحم. وقيل: كانوا يجدون عليها ما شاءُوا. وقيل: كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشياً.

ابو السعود

تفسير : {ذٰلِكَ} كلام مستأنف سيق لبـيان أن ما ذُكر مستتبِعٌ للمنافع واردٌ على مقتضىٰ الحِكمة والمصلحة، أي الحُكم الذي تقدم تفصيلُه {أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا} أي أقربُ أن يؤدِّيَ الشهودُ الشهادةَ عن وجهها الذي تحمَّلوها عليه من غير تحريفٍ ولا خيانة خوفاً من العذاب الأخروي، وهذه كما ترى حكمةُ شَرْعيةِ التحليفِ بالتغليظ المذكور، وقوله تعالى: {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ بَعْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ} بـيانٌ لحِكمة شرعيةِ ردِّ اليمين على الورثة، معطوفٌ على مقدَّرٍ يْنبىء عنه المقامُ كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذابَ الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاحِ على رؤوس الأشهاد بإبطال أيمانهم والعملِ بأَيْمان الورثة فينزجروا عن الخيانة المؤدية إليه، فأيُّ الخوفين وقع حصل المقصِدُ الذي هو الإتيانُ بالشهادة على وجهها. وقيل: هو عطفٌ على (يأتوا) على معنى أن ذلك أقربُ إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو إلى أن يخافوا الافتضاحَ برد اليمين على الورثة فلا يحلِفوا على موجَب شهادتِهم إنْ لم يأتوا بها على وجهها، فيظهرُ كذبُهم بنكولهم، وأما ما قيل من أن المعنى أن ذلك أقربُ إلى أحد الأمرين اللذين أيُّهما وقع كان فيه الصلاحُ، وهو أداءُ الشهادة على الصدق، والامتناعُ عن أدائها على الكذب، فيأباه المقام، إذ لا تعلّق له بالحادثة أصلاً ضرورةَ أن الشاهدَ مضطرٌّ فيها إلى الجواب، فالامتناعُ عن الشهادة الكاذبة مستلزمٌ للإتيان بالصادقة قطعاً، فليس هناك أمران أيُّهما وقع كان فيه الصلاحُ حتى يَتوسَّطَ بـينهما كلمةُ (أو) وإنما يتأتى ذلك في شهودٍ لم يُتَّهموا بخيانة، على أن إضافةَ الامتناع عن الشهادة الكاذبة إلى خوف رد اليمين على الورثة ونِسبةَ الإتيانِ بالصادقة إلى غيره مع أن ما يقتضي أحدُهما يقتضي الآخَرُ لا محالة تحكُّمٌ بحْتٌ فتأمل {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفة أحكامه التي من جملتها هذا الحكمُ {وَٱسْمَعُواْ} ما تؤمرون به كائناً ما كان سمعَ طاعةٍ وقَبول {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} الخارجين عن الطاعة، أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين (والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ذلك} اى الحكم الذى تقدم تفصيله {ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها} اى اقرب الى ان تؤدى الشهود الشهادة على وجهها الذى تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة خوفا من العذاب الاخروى هذا كما ترى حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور {او يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} بيان لحكمة شرعية رد اليمين على الورثة معطوف على مقدر ينبىء عنه المقام كأنه قيل ذلك ادنى ان يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة او يخافوا الافتضاح على رؤس الاشهاد بابطال ايمانهم والعمل بايمان الورثة فينزجروا عن الخيانة المؤدية اليه فأى الخوفين وقع حصل المقصود الذى هو الاتيان بالشهادة على وجهها {واتقوا الله} فى شهادتكم فلا تحرفوها وفى ايمانكم فلا تحلفوا ايمانا كاذبة وفى اماناتكم فلا تخونوها وفيما بينه الله من الاحكام فلا تخالفوا حكمه {واسمعوا} ما توعظون به كائنا ما كان سمع طاعة وقبول {والله لا يهدى القوم الفاسقين} الخارجين عن الطاعة اى فان لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم فاسقين والله لا يهدى القوم الفاسقين اى الى طريق الجنة او الى ما فيه نفعهم. واعلم ان الشهادة فى الشرع الاخبار عن امر حضره الشهود وشاهدوه اما معاينة كالافعال نحو القتل والزنى او سماعا كالعقود والاقرارات فلا يجوز له ان يشهد الا بما حضره وعلمه وسمعه ولهذا لا يجوز له اداء الشهادة حتى تذكر الحادثة وفى الحديث "حديث : اذا علمت مثل الشمس فاشهد والا فدع " .تفسير : وفى الشهادة احياء حقوق الناس وصون العقود عن التجاحد وحفظ الاموال على اربابها وفى الحديث "حديث : اكرموا شهودكم فان الله يستخرج بهم الحقوق " .تفسير : ومن تعين للتحمل لا يسعه ان يمتنع اذا طلب لما فيه من تضييع الحقوق الا ان يقوم الحق بغيره بان يكون فى الصك سواه ممن يقوم الحق به فيجوز له الامتناع لان الحق لا يضيع بامتناعه وهو مخير فى الحدود بين الشهادة والستر لان اقامة الحدود حسبة والستر على المسلم حسبة والستر افضل وفى الحديث "حديث : من ستر على مسلم ستره الله عليه فى الدنيا والآخرة " .تفسير : ثم اعلم ان اليمين الفاجرة تبقى الديار بلاقع فينبغى لطالب الآخرة ان يجتنب عن الكذب لطمع الدنيا وان يختار الصدق فى كل قول وفعل: قال الحافظ شعر : طريق صدق بياموز ازآب صافىدل براستى طلب آزادكى جو سروجمن تفسير : والامانة من الاوصاف الجميلة والله تعالى يأمر باداء الامانات وان قل اصحابها فى هذا الزمان ولله درالقائل شعر : امين مجوى ومكوبا كسى امانت عشق درين مكرجبرئيل امين باشد تفسير : وعاقبة الخيانة الافتضاح: كما قال الصائب شعر : خيانتهاى بنهان ميكشد آخر برسوايى كه دزدخانكىرا شحنه دربازار ميكردد تفسير : فلا بد من التقوى وسماع الاحكام الازلية والله لا يهدى الى حضرته القوم الفاسقين يعنى الذين كانوا خارجين عند رشاش النور واصابته كما قال عليه السلام "حديث : فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل " .تفسير : عصمنا الله واياكم من مخالفة امره ولا يجعلنا ممن ضاع انفاس عمره انه هو الموفق والمرشد والوهاب.

الطوسي

تفسير : قوله {ذلك أدنى} معناه ذلك الاحلاف والاقسام او ذلك الحكم أقرب الى ان يأتوا بالشهادة على وجهها أي حقها وصدقها، لان اليمين يردع عن أمور كثيرة لا يرتدع عنها مع عدم اليمين. واختلفوا في ان اليمين هل تجب على كل شاهدين أم لا؟ فقال ابن عباس: انما هي على الكافر خاصة وهو الصحيح. وقال غيره: هي على كل شاهدين وصيين اذا ارتيب بهما. واختلفوا في نسخ حكم الآيتين المتقدمتين مع هذه على قولين: فقال ابن عباس وابراهيم وأبو علي الجبائي: هي منسوخة الحكم. وقال الحسن وغيره: هي غير منسوخة. وهو الذي يقتضيه مذهبنا واخبارنا. وقال البلخي: أكثر أهل العلم على أنه غير منسوخ، لانه لم ينسخ من سورة المائدة شيء، لانها آخر ما نزلت. ووجه قول من قال: هي منسوخة أن اليمين لا يجب اليوم على الشاهدين بالحقوق. وانما كان قبل الامر باشهاد العدول في قوله {أية : وأشهدوا ذوي عدل منكم}تفسير : فنسخت هذه الآية ودلت على أن شهادة الذمي لا تقبل إِلا على الذمي اذا ارتفعا الى حكام المسلمين لان الذمي ليس بعدل ولا ممن يرضى من الشهداء، وهو قول أبي علي الجبائي. ومن ذهب الى انها منسوخة جعلها بمعنى شهادة الايمان على الوصيين فاذا ظهروا على خيانة منهما مما وجد في أيديهما صارا مدعيين وصار الورثة في معنى المنكر فوجبت عليهما اليمين من حيث صارا مدعيين. وقوله {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} يعني أهل الذمة يخافوا أن ترد أيمان على أولياء الميت فيحلفوا على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا وينكشف بذلك للناس بطلان شهادتهم ويسترد منهم ما أخذوه بغير حق، حينئذ يؤدوا الشهادة على وجهها ويحذروا من الكذب. وقوله {واتقوا الله واسمعوا} يعني اجتنبوا معاصيه واحذروا ان تحلفوا ايمانا كاذبة أو تخونوا أمانة واسمعوا مواعظ الله {والله لا يهدي القوم الفاسقين} يعني لا يهدي الفاسقين - الذين خرجوا من طاعة الله إلى معصيته - إلى الجنة. وقيل ان معنى {لا يهدي} لا يحكم للفاسقين بانهم مهتدين ولا يجري عليهم مثل هذه الصفة لانها صفة مدح.

اطفيش

تفسير : {ذّلِكَ}: الحكم المذكور كله، أو تحليف الشاهد. {أّدْنَى أَن يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا}: أقرب الى الاتيان بها صحيحة. {أو يَخَافُوا}: أى الأوصياء أو الشهود. {أَن تُرَدَّ أَيْمَانُ}: الى أولياء الميت، ويحلفوا على ما يخالف شهادتهم كما قال. {بَعْدَ أَيْمَاهِهِم}: بأن يحلف الوصيان أو الشاهدان، فترد اليمين الى الورثة فيحلفوا بما يخالفهما فيفتضحا، ويغرما، وذلك الرد لخيانة لاحت فيكون ذلك أدعى لها الى أن لا يحلفا ويغرما بلا فضيحة الكذب اليمين الفاجرة، وانما جمع الضمير فى يأتوا ويخافوا، وأيمانهم ولم يثنيه لأنه أريد جنس اللذين شهدا، أو جنس اللذين أوصى اليهما. {وَاتَقُوا اللهَ}: فى جميع ما يجب تركه ككتم الشهادة وتحريفها، والكذب واليمين على الكذب. {وَاسْمَعُوا}: جميع ما كلفكم به كحفظ الأمانة والصدق سمع قبول. {واللهُ لا يَهْدِى القَوْمَ الفَاسِقِينَ}: من سبقت له الشقاوة، فاحذروا أسباب الشقاوة كخيانة الأمانة والكذب، وكتم الشهادة، ومعنى لا يهديهم لا يوفقهم الى ما يكون لهم حجة عند الله، وطريقاً للجنة، وهو أداء الفرض واجتناب الكبائر، أو لا يهديهم يوم القيامة سبيلا يدخلون منه الجنة، وانما يمد ممشاهم الى النار، وعلى هذا الوجه يتعلق قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ}

اطفيش

تفسير : {ذَلِكَ} الحكم المذكور من رد اليمين على الورثة والتحليف والحبس بعد الصلاة وسائر ما ذكر من الأَحكام بتفاصيلها فى هذه القصة {أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا} إِلى أَن يأْتوا {بِالشَّهَادةِ عَلى وَجْهِهَا} بنفسها بلا تغيير خوفاً من عذاب الآخرة {أَوْ يَخَافُوا} أَو أَدنآ أَن يخافوا {أَنْ تُرَدَّ} مفعول يخاف، أَو يراد يخافوا من أَن ترد {أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} كما ردت إِلى الورثة في القصة فيؤخذ الحق لهم فيفتضح الشهود بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، والعطف على محذوف هكذا، ذلك أَدنى أَن يأتوا بالشهادة محققة ويخافوا عذاب الآخرة بالكذب، أَو يخافوا أَن ترد الأَيمان إِلى الورثة فيحلفوا فيأْخذوا ما بأَيديهم فيخجلوا على رءُوس الأَشهاد، وأَو لأَحد الشيئين إِما أَداء الشهادة صدقاً أَو الامتناع عن أَدائها كذباً، وربما لا يحلفون كاذبين إِن خانوا، وهذا أَولى من كون أَو بمعنى الواو أَو بل، ولم يقل أَن يأْتيا أَو يخافا وأَيمانهما لأَن المراد عموم القصة فيشمل كل الشهود {وَاتَّقُوا اللهَ} حذف المتعلق للعموم بحيث يذهب فهم السامع إِلى ترك كل ما نهى عنه ومنه الخيانة والكذب، والعطف على محذوف أَى احفظوا أَحكام الله واتقوا {وَاسْمَعُواْ} امتثلوا وانتهوا، أَو الاتقاء فى المعاصى والسمع فى الطاعة {واللهُ لا يهدى القَوْمَ الفَاسِقِينَ} لا يهدى إِلى الخير أَو الجنة أَو الحجة المصرين على الفسق وهو الخروج عن الطاعة، فإِن لم تسمعوا وتتقوا كنتم فاسقين، والفاسقون لا حجة لهم، ولا يمشون بعد بعثهم فى أَرض توصلهم إِلى الجنة، وأَما الهداية بمعنى البيان فلا بد فى حكمة الله منها خلافاً للأَشعرية، وليس من الحكمة إِهمال العاقل ولا قطع العذر بلا بيان.

الالوسي

تفسير : {ذٰلِكَ} كلام مستأنف سيق لبيان أن ما ذكر مستتبع للمنافع وارد على مقتضى الحكمة و (الإشارة إلى) الحكم السابق تفصيله. وقيل: إلى تحليف الشاهدين، وقيل: إلى الحبس بعد الصلاة {أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَـٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا } أي أقرب إلى أن يؤدي الشهود الشهادة على حقيقتها من غير تغيير لها خوفاً من العذاب الأخروي، وهذه حكمة التحليف الذي تقدم أولاً، والجار الأول متعلق بيأتوا والثاني محذوف وقع حالاً من الشهادة، وقوله تعالى: {أَوْ يَخَـٰفُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَـٰنٌ } أي إلى الورثة فيحلفوا {بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ } التي حلفوها عطف على مقدر ينبىء عنه المقام كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة محققة ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة المحرمة في سائر الأديان أو يخافوا أن ترد الأيمان إلى الورثة فيحلفوا ويأخذوا ما في أيديهم فيخجلوا من ذلك على رؤس الأشهاد فينزجروا عن الخيانة، وهو بيان لحكمة شرعية قيام الآخرين فأي هذين الخوفين وقع حصل المقصد الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها، وقيل: إنه عطف على {يَأْتُواْ } أي ذلك الحكم الذي ذكرناه أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها مما كنتم تفعلونه وأقرب إلى خوف الفضيحة، وجعل الشهاب هذا العطف على / حد قوله: شعر : علفتها تبناً وماءً بارداً تفسير : وجوز السمين كون (أو) بمعنى الواو كما جوز جعلها لأحد الشيئين على ما هو الأصل فيها فتدبر وجمع ضمير {يَأْتُواْ } و {يَخَـٰفُواْ } على ما قيل لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين وغيرهما من بقية الناس، والظرف بعد متعلق بترد كما هو الظاهر. وجوز السمين ـ وهو ضعيف ـ أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع صفة لأيمان. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفة أحكامه التي من جملتها ما ذكر. والجملة على ما قيل عطف على مقدر أي احفظوا أحكام الله سبحانه واتقوا {وَٱسْمَعُواْ } سمع إجابة وقبول جميع ما تؤمرون به {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تذييل لما تقدم، والمراد فإن لم تتقوا وتسمعوا كنتم فاسقين خارجين عن الطاعة والله تعالى لا يهدي القوم الخارجين عن طاعته إلى ما ينفعهم أو إلى طريق الجنة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 108- هذا التشريع أقرب الطرق إلى أن يؤدى الشهداء شهادتهم صحيحة محافظة على حلفهم بالله، أو خوفاً من فضيحتهم بظهور كذبهم، إذا حلف الورثة أيماناً لرد أيمانهم. وراقبوا الله فى أيمانكم وأماناتكم، وأطيعوا أحكامه راضين بها. فإن فيها مصالحكم، ولا تخالفوها فتكونوا من الخارجين على الله، فإن الله لا ينفع بإرشاده من خرج على طاعته. 109- وتذكروا يوم القيامة حين يجمع الله أمامه كلَّ الرسل ويسألهم قائلا لهم: ماذا أجابتكم به أممكم الذين أرسلتكم إليها، أبالإيمان أم بالإنكار؟ والأمم حينئذ حاضرة لتقوم عليهم الحُجة بشهادة رسلهم، بأننا لا نعلم ما كان بعدنا من أمر من أرسلنا إليهم، وأنت - وحدك - الذى تعلم ذلك، لانك الذى أحاط علمه بالخفايا كما أحاط بالظواهر. 110- وفى ذلك الوقت ينادى الله عيسى ابن مريم من بين الرسل فيقول له: اذكر ما أنعمت به عليك وعلى أمك فى الدنيا، حينما ثَبَّتُك بالوحى وأنطقتك وأنت رضيع بما يُبَرِّئُ أمك مما اتُّهمت به، كما أنطقتك وأنت كبير بما قد أوحيت إليك، وحينما أنعمت عليك بتعليمك الكتاب، ووفقتك للصواب من القول والعمل، وعلمتك كتاب موسى والإنجيل الذى أنزلته عليك، وأقدرتك على معجزات تخرج عن طوق البشر، حيث تتخذ من الطين صورة الطير بإذن الله، فتنفخ فيها فتصبح طائراً حَياً بقدرة الله لا بقدرتك، وتشفى من العمى من وُلِدَ أعمى، وتشفى الأبرص من برصه بإذن الله وقدرته، وحينما يجرى على يديك إحياء الموتى بإذن الله وقدرته، وحينما منعت اليهود من قتلك وصلبك عندما أتيتهم بالمعجزات ليؤمنوا، فأعرض فريق منهم، وادعوا أن ما أظهرته من المعجزات ما هو إلا من قبيل السحر الواضح.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلشَّهَادَةِ} {أَيْمَانٌ} {أَيْمَانِهِمْ} {ٱلْفَاسِقِينَ} (108) - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ رَجُلاً تُوُفِّي وَأوْصَى بِتَرْكَتِهِ إلَى ذِمِّيَّيْنِ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، وَلَمَّا سَلَّمَا المَالَ إلَى أهْلِ المَيِّتِ أنْكَرَ أهْلُ المَيِّتِ، وَرَفَعُوا أمْرَهُمْ إلى أَبِي مُوسَى الأشْعَريِّ، فَأرَاد أبُو مُوسَى أنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُمَا لاَ يُبَالِيَانِ صَلاَةَ العَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلِفْهُمَا بَعْدَ صَلاَتِهِمَا المُقَرَّرَةٍ فِي دِينِهِمَا. وَيَقُولُ الإِمَامُ قَبْلَ أنْ يُحَلِّفَهُمَا: (إنْ كَتَمْتُمَا أوْ حَنَثْتُمَا فَضَحْتُكُمَا فِي قَوْمِكُمَا، وَلَمْ نُجِزْ لَكُمَا شَهَادَةً، وَعَاقَبْتُكُمَا) ثُمَّ يُحَلِّفُهُمَا. فَإذَا قَالَ الإِمَامُ لَهُمَا ذَلِكَ، وَحَمَلَهُمَا عَلَى الحَلْفِ أمَامَ النَّاسِ بِالأَيْمَانِ المُغْلَّظَةِ، كَانَ ذَلِكَ أقْرَبَ السُّبُلِ إلى أنْ يُؤَدِّيا الشَّهَادَةَ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ (أدْنَى أنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا). كَمَا أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَامِلَ لَهُمَا عَلَى الإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، هُوَ تَعْظِيمُ الحَلْفِ بِاللهِ، وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَإِجْلاَلُهُ، وَالخَوْفُ مِنَ الفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ، إنْ رُدَّتِ اليَمِينُ عَلَى الوَرَثَةِ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ مَا يَدَّعُونَ. (أَوْ يَخَافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمَانٌ بَعْدَ أيْمَانِهِمْ). ثُمَّ يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ أمُورِهِمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَبِأنْ لاَ يَحْلِفُوا أيْمَاناً كَاذِبَةً. وَيَقُولُ تَعَالَى:إنَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ. أدْنَى أنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِها - أقْرَبُ إلَى قَوْلِ الحَقِّ وَالصِّدْقِ فِي الشَّهَادَةِ. الفَاسِقِينَ - الخَارِجِينَ عَنِ الطًّاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الشهود الأُول الذين قدموا الشهادة لأنهم حضروا لحظة الوصية عندما قالها الميت يقدمون شهادتهم بعد أن يؤدوا الصلاة وبعد أن يقسموا أن ما يقولونه هو الحق. ولا بد لهم أن يحرصوا على صدق القول بدلاً من أن يفتضح أمر كذبهم. والشهادة كما نعرف تطلق على أي أمر نحضره. والشهادة - كما نعلم - تُطلق على متلازمات متعددة يجمعها كلها "الحضور" كقوله الحق: {أية : وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ} تفسير : [الحج: 27-28]. أي أن نداء الحج يسمعه الناس فيأتون من كل مكان وعلى كل وسائل النقل وقد تكون صعبة حتى يشهدوا منافع لهم. وسبحانه وتعالى يقول: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18]. وشهادة الله هي حكم من الله. والملائكة أيضاً تشهد، وشهادتهم هي شهادة الإقرار. وكل ذلك ناشئ من أمر حاضر يستقرئه الشاهد. ونحن نرى الشاهد يقف أمام المحكمة، فتسأله النيابة فيقول ما رأى، ويسأله محامي الخصم فيقول ما رأى، ويسأله محامي الدفاع فيقول ما رأى. وما دام الشاهد صادقا فلن يخشى محاورة أي طرف يسأله. والأطراف التي تسأل الشاهد تطلب منه أن يأتي بالواقعة على أساليب مختلفة. وما دامت الواقعة صادقة تظل كما هي مهما تنوعت الأسئلة وتغيرت الأساليب؛ لأن الشاهد الصادق يستوحي واقعاً لا يتغير، أما الشاهد الكاذب فهو يلف ويدور ويغير من أقواله. ولهذا نرى وكيل النيابة اللبق الحاذق يبحث في ذاكرة الشاهد عن أدق الخفايا. وهكذا نعرف أن الشهادة تطلق على الحضور. أما إذا كان الشاهد هو الذي يملك الحكم فشهادته حكم. ومثال ذلك قول الحق سبحانه: {شَهِدَ ٱللَّهُ}. إن الله يشهد أي يحكم. وفي قصة سيدنا يوسف عليه السلام نرى كيف أوقع الحق بإخوة يوسف عندما أخذوا أخا يوسف الصغير معهم في الرحلة إلى مصر. وكيف دبر يوسف لهم أمراً ليحتجز أخاه معه. وكيف كان الصراع بين إخوة يوسف خوفاً على أبيهم بعد حجز الأخ الصغير. فيقول لهم شقيقهم الأكبر كما أخبر القرآن الكريم: {أية : ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ * وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} تفسير : [يوسف: 81-82]. ونعرف أن إخوة يوسف كذبوا في المرة الأولى عندما فعلوا فعلتهم الشنعاء ضد يوسف لكنهم صدقوا في المرة الثانية التي احتجز فيها شقيق يوسف. ولذلك طلبوا أن يسأل والدهم إما أهل القرية التي كانوا بها وإما رفاقهم في القافلة. لقد أُخبروا أن أخاهم قد استخرج من وعائه بعض من أدوات الملك وهو الصواع الذي يكال به ولهذا جاءت شهادتهم هذه المرة مطابقة للواقع، وهو ما أخبروا به. إذن فالشهادة هي الفيصل في التنازع. ولذلك يوصي النبي صلى الله عليه وسلم ألا يشهد الرجل على أمرٍ إلا بعد أن يكون قد رآه رأي العين، كما يرى الشمس: "حديث : على مثلها فاشهد أو فدعْ ". تفسير : الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} تفسير : [آل عمران: 70]. وهكذا نعلم أن الشهادة كلها تدور حول الحضور والشهود. ولهذا تأتي الشهادة في لوازم متعددة، فهي مرة تعني الحضور، وهي مرة تأتي بمعنى الحكم، وثالثة بمعنى الإقرار. وكلها معانٍ ملتقية. والشهادة تتطلب أمرين: الأول هو حضور الشاهد لحظة وقوع المشهود به، والثاني هو أمانة النقل، ولذلك جعل الله في بعض الأحكام شهادة اثنتين من النساء تعدل شهادة رجل واحد. وقد يقول قائل: كيف يساوي الإسلام بين شهادة رجل جاهل أو أمي وشهادة امرأتين قد تكون كل منهما على درجة عالية من الثقافة والعلم؟ ونقول: إن المسألة في الشهادة ليست عمل عقلٍ، ولكنها أمانة نقل، وأمانة النقل لا شأن لها بالثقافة، فالشهادة تحتاج إلى حضور الحادثة، ثم إن المرأة يكون دائماً أمرها مبنياً على الستر وعدم التهجم على الرجال. فقد تقع حادثة وتوجد امرأة بجانب هذه الحادثة، وبطبيعة الحال لن تتجاسر وتتقدم وتسأل لمعرفة كل التفاصيل، على العكس من الرجل الذي يرى الحادثة، فيحاول أن يعرف كل ما جرى. وحين أراد الحق الشهادة من امرأتين، لم يطلب ذلك لضعف الثقة في المرأة أو زيادة الثقة في الرجل، ولكن لأن الشهادة ليست ابتكار عقل ولكنها حضور مشهد وأمانة نقل. إن البعض يحاول أن يروج لمثل هذه القضايا وكأنها وسيلة للتهجم على بعض الداعين لله، ولذلك أقول لهم: يجب أن يفهم الإنسان منكم الفارق بين عداوته مع بعض الداعين إلى الله وأن يتعدى حدوده إلى أن يحاد الله؛ لأن الإنسان منهم لا يرد الحكم على الداعية، وإنما يرد الحكم على الله. وأمر الحق سبحانه في شهادة اثنين من الرجال أن يؤديا الصلاة، ثم يتم حبسهما لفترة، وبعد ذلك يتم استدعاؤهما للشهادة، فإن رد أهل الميت شهادتهما في أمر الوصية فيتم استدعاء اثنين من أولياء الميت لأداء الشهادة في شأن الوصية، كل ذلك لماذا؟ من أجل أن تأتي الشهادة على وجهها الصحيح الذي يُظهر كلَّ الحقيقة. ويذيل الحق القول الكريم: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱسْمَعُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} وذلك بلاغ للمؤمنين كافة وإلى الناس عامة؛ لأن الله لا يهدي إلا من تطامن إلى منهج الله، أما من يفسق فلن يعينه الله، ذلك أن الله لا يعين كافراً ولا ظالماً ولا فاسقاً. أما من آمن بالله، فالحق سبحانه وتعالى يعينه على هذا المنهج ويهديه إلى الصراط المستقيم. ولماذا أنزل الله هذه الآيات بعد أن أجرى الأحداث التي تتطلبها؟ نعرف أن الحكم إن نزل في ظرف يتطلبه، تكون النفس إليه أشوق وبه أعلق، مثال ذلك: كوب الماء الذي يتناوله العطشان، إنه يتناوله بشوق ولهفة. عكس الإنسان الذي يتناول كوب الماء وهو غير عطشان، فقد يضعه في مكان قريب منه دون أن يشربه، وكذلك الدواء الذي يُؤتى به للمريض لحظة معاناته القصوى من المرض، إنه يقبل عليه بلهفة مهما كان مر الطعم، وهكذا جاءت بعض أحكام القرآن مناسبة لأحداث وقعت لتكون اللهفة على التطبيق موجودة في النفوس المؤمنة. ويقول الحق تعالى بعد ذلك: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ} [المائدة: 108]؛ يعني: العقل والسر إن كانا ثابتين في بدء الأمر بأداء الحقوق في استعمال صفات النفس للشعارات الأخروية؛ لكان أولى وأخرى {أَوْ يَخَافُوۤاْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 108]؛ يعني: أو يخافا عواقب الأمور بأن يتنزل على أنفسهم باستمهال وتضييع الوقت وفوات القرش وإفساد الاستعداد، ثم بالتذكر والتفكر برد الأمر إليهم فيحتاجون إلى كثرة الرياضة والمجاهدة الزكية والتصفية، ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ} [المائدة: 108]، أي: اتقوا بالله عما سواه {وَٱسْمَعُواْ} [المائدة: 108]، وأطيعوا أحكام الأزل { وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي} [المائدة: 108]، إلى حضرته اليوم {ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} [المائدة: 108]؛ يعني: الذين كانوا خارجين عند رشاش النور على الأرواح عن قبول النور وإصابته كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل ". تفسير : ثم أخبر عن إصابة أهل الإصابة بقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109]. إشارة إن القيامة هي يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القاهرية يوم يكشف عن ساق، يوم يجمع الله الرسل في حظائر القدس دون العالمين، فيكاشفهم بنقم الجلال فيقول لهم عند احتباس قومهم: ماذا أجبتم لما دعوتم الأمم إلي وإلى معرفتي وهم مستغرقون في بحر الشهود الغائبون عن أوصاف الوجود {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} [المائدة: 109]، فأنطقهم الله بالبراءة عن التحقيق بباطن الأمور وحقيقتها حتى نفوا العلم عن أنفسهم وأثبتوا لحضرة جلاله فقالوا: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [المائدة: 109]؛ أي: إنك تعلم ما غاب عنا وغبنا عنه، فإنك ما تغيب عن شيء، ولا يغيب عنك شيء كما قال صلى الله عليه وسلم نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. ثم أخبر عن الآية ونعمائه مع نبي من أنبيائه بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} [المائدة: 110]، والإشارة فيها أن في قوله تعالى إذا قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إشارة إلى نعمة خاصة مع عيسى ووالدته دون سائر الخلق، وذلك أن حمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وإنما كان بروح منه كما قال تعالى: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}تفسير : [التحريم: 12]، وكذلك ولادة عيسى عليه السلام وخلقه ما كان من قطعة الرجال إنما كانت كلمة ألقاها إلى مريم وروح منه، ومن نعم الله عليها ما قال: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} [المائدة: 110]، يعني: تكلمك في الطفولية وفي الكهولية وبقية المعجزات التي ظهرت منك كما أنها نعمة في حقك، فكذلك هي نعمة في حق أمك بأنها تدل على براءة ساحتها فما نسبوها إليه واتهموها به.