٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
109
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعاً كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة ليصير ذلك مؤكداً لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع فلا جرم لما ذكر فيما تقدم أنواعاً كثيرة من الشرائع أتبعها بوصف أحوال القيامة أولاً، ثم ذكر أحوال عيسى. أما وصف أحوال القيامة فهو قوله {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها متصلة بما قبلها وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: قال الزجاج تقديره: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، ولا يجوز أن ينصب على الظرف لهذا الفعل لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول له. الثاني: قال القفال رحمه الله: يجوز أن يكون التقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل، أي لا يهديهم إلى الجنة كما قال {أية : وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } تفسير : [النساء: 168، 169] والقول الثاني: أنها منقطعة عما قبلها، وعلى هذا التقدير ففيه أيضاً وجهان: الأول: أن التقدير: اذكر يوم يجمع الله الرسل. والثاني: أن يكون التقدير: يوم يجمع الله الرسل كان كيت وكيت. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قوله ماذا منتصب بأجبتم انتصاب مصدره على معنى أي أجابه أجبتم إجابة إنكار أم إجابة إقرار. ولو أريد الجواب لقيل بماذا أجبتم. فإن قيل: وأي فائدة في هذا السؤال؟ قلنا: توبيخ قومهم كما أن قوله {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءودَةُ سُئِلَتْ بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } تفسير : [التكوير: 8، 9] المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل. المسألة الثالثة: ظاهر قوله تعالى: {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم. والجمع بين هذا وبين قوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] مشكل. وأيضاً قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143] فإذا كانت أمتنا تشهد لسائر الناس فالأنبياء أولى بأن يشهدوا لأممهم بذلك. والجواب عنه من وجوه: الأول: قال جمع من المفسرين إن للقيامة زلازل وأهوالاً بحيث تزول القلوب عن مواضعها عند مشاهدتها. فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام عند مشاهدة تلك الأهوال ينسون أكثر الأمور، فهنالك يقولون لا علم لنا، فإذا عادت قلوبهم إليهم فعند ذلك يشهدون للأمم. وهذا الجواب وإن ذهب إليه جمع عظيم من الأكابر فهو عندي ضعيف، لأنه تعالى قال في صفة أهل الثواب {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلاْكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] وقال أيضاً {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } تفسير : [عبس: 38، 39] بل إنه تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوفٌ وَلا هُم يَحزَنُونَ } تفسير : [البقرة: 62] فكيف يكون حال الأنبياء والرسل أقل من ذلك، ومعلوم أنهم لو خافوا لكانوا أقل منزلة من هؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يخافون ألبتة. والوجه الثاني: أن المراد منه المبالغة في تحقيق فضيحتهم كمن يقول لغيره ما تقول في فلان؟ فيقول: أنت أعلم به مني، كأنه قيل: لا يحتاج فيه إلى الشهادة لظهوره، وهذا أيضاً ليس بقوي لأن السؤال إنما وقع عن كل الأمة وكل الأمة ما كانوا كافرين حتى تريد الرسل بالنفي تبكيتهم وفضيحتهم. والوجه الثالث: في الجواب وهو الأصح وهو الذي اختاره ابن عباس أنهم إنما قالوا لا علم لنا لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا. فلهذا المعنى نفوا العلم عن أنفسهم لأن علمهم عند الله كلا علم. والوجه الرابع: في الجواب أنهم قالوا: لا علم لنا، إلا أن علمنا جوابهم لنا وقت حياتنا، ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا. والجزاء والثواب إنما يحصلان على الخاتمة وذلك غير معلوم لنا. فلهذا المعنى قالوا لا علم لنا وقوله {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } يشهد بصحة هذين الجوابين. الوجه الخامس: وهو الذي خطر ببالي وقت الكتابة، أنه قد ثبت في علم الأصول أن العلم غير والظن غير والحاصل عند كل أحد من حال الغير إنما هو الظن لا العلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السّرائر» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنكم لتختصمون لدي ولعلّ بعضَكم ألحنُ بحجَّته، فمن حكمت له بغير حقه فكأنما قطعت له قِطْعةً من النار» تفسير : أو لفظ هذا معناه. فالأنبياء قالوا: لا علم لنا ألبتة بأحوالهم، إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، والظن كان معتبراً في الدنيا، لأن الأحكام في الدنيا كانت مبنية على الظن، وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء، وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } ولم يذكروا ألبتة ما معهم من الظن لأن الظن لا عبرة به في القيامة. الوجه السادس: أنهم لما علموا أنه سبحانه وتعالى عالم لا يجهل، حكيم لا يسفه، عادل لا يظلم، علموا أن قولهم لا يفيد خيراً، ولا يدفع شراً فرأوا أن الأدب في السكوت، وفي تفويض الأمر إلى عدل الحي القيوم الذي لا يموت. المسألة الرابعة: قريء {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } بالنصب. قال صاحب «الكشاف» والتقدير أن الكلام قد تمّ بقوله {إِنَّكَ أَنتَ } أي أنت الموصوف بأوصافك المعروفة، من العلم وغيره. ثم نصب {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } على الاختصاص، أو على النداء، أو وصفاً لاسم إن. المسألة الخامسة: دلّت الآية على جواز إطلاق لفظ العلام عليه، كما جاز إطلاق لفظ الخلاق عليه. أما العلاّمة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقها في حقه ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} يُقال: ما وجه ٱتصال هذه الآية بما قبلها؟ فالجواب ـ أنه ٱتصال الزجر عن الإظهار خلاف الإبطان في وصية أو غيرها مما ينبىء أن المجازِي عليه عالمٌ به. و «يَوْمَ» ظرف زمان والعامل فيه «وٱسْمَعُوا» أي واسمعوا خبر يوم. وقيل: التقدير وٱتقوا يوم يجمع الله الرسل؛ عن الزجاج. وقيل: التقدير ٱذكروا أو ٱحذروا يوم القيامة حين يجمع الله الرسل، والمعنى متقارب؛ والمراد التهديد والتخويف. {فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أي ما الذي أجابتكم به أُممكم؟ وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي؟. {قَالُواْ} أي فيقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}. واختلف أهل التأويل في المعنى المراد بقولهم: «لاَ عِلْمَ لَنَا» فقيل: معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أُممنا؛ لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء؛ وهذا مرويّ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا، فحذف؛ عن ٱبن عباس ومجاهد بخلاف. وقال ٱبن عباس أيضاً: معناه لا علم لنا إلاَّ علم أنت أعلم به منا. وقيل: إنهم يَذْهَلُونَ من هول ذلك ويفزعون من الجواب، ثم يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم فيقولون: «لاَ عِلْمَ لَنَا»؛ قاله الحسن ومجاهد والسدي. قال النحاس: وهذا لا يصح؛ لأن الرسل صلوات الله عليهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. قلت: هذا في أكثر مواطن القيامة؛ ففي الخبر « حديث : إن جهنم إذا جِيءَ بها زَفَرت زفرة فلا يبقى نبيّ ولا صِدّيق إلاَّ جَثَا لركبتيه » تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : خوّفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبرائيل ألم يغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخر؟ فقال لي يا محمد لتشهدنّ من هَوْل ذلك اليوم ما يُنسيك المغفرة ». تفسير : قلت: فإن كان السؤال عند زفرة جهنم ـ كما قاله بعضهم ـ فقول مجاهد والحسن صحيح؛ والله أعلم. قال النحاس: والصحيح في هذا أن المعنى: ماذا أجِبتم في السر والعلانية ليكون هذا توبيخاً للكفار؛ فيقولون: لا علم لنا؛ فيكون هذا تكذيباً لمن ٱتخذ المسيح إلهاً. وقال ابن جريح: معنى قوله: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}. قال أبو عبيد: ويشبه هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يرد عليّ أقوام الحوض فيختلجون فأقول أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » تفسير : . وكسر الغين من الغيوب حمزة والكسائي وأبو بكر، وضم الباقون. قال الماورديّ فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعنه جوابان: أحدهما ـ أنه سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. الثاني ـ أنه أراد أن يفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد ليكون ذلك نوعاً من العقوبة لهم.
ابن كثير
تفسير : هذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: {أية : فَلَنَسْـأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 6]، وقال تعالى: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْـأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الحجر:92-93]، وقول الرسل: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}، قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم. قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} فيفزعون فيقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة قال: سمعت شيخاً يقول: سمعت الحسن يقول في قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} الآية، قال: من هول ذلك اليوم. وقال أسباط عن السدي: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}، ثم نزلوا منزلاً آخر، فشهدوا على قومهم، رواه ابن جرير، ثم قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أي: ماذا عملوا بعدكم، وماذا أحدثوا بعدكم؟ قالوا: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} يقولون للرب عز وجل: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، رواه ابن جرير، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب جل جلاله، أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنما نطلع على ظاهره، لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك {أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } هو يوم القيامة {فَيَقُولُ } لهم توبيخاً لقومهم {مَاذآ } أي الذي {أُجِبْتُمْ } به حين دعوتم إلى التوحيد {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنآ } بذلك {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ } ما غاب عن العباد وذهب عنهم علمه لشدّة هول يوم القيامة وفزعهم ثم يشهدون على أُممهم لما يسكنون.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } العامل في الظرف فعل مقدّر، أي اسمعوا، أو اذكروا، أو احذروا. وقال الزجاج: هو منصوب بقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [المائدة: 108] المذكور في الآية الأولى. وقيل بدل من مفعول {ٱتَّقَوْاْ } بدل اشتمال. وقيل ظرف لقوله: {لاَّ يَهِدِّى } المذكور قبله. وقيل منصوب بفعل مقدّر متأخر تقديره: يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ يكون من الأحوال كذا وكذا. قوله: {مَاذَا أَجَبْتُمُ } أي أيّ إجابة أجابتكم به أممكم الذين بعثكم الله إليهم؟ أو أيّ جواب أجابوكم به؟ وعلى الوجهين تكون "ما" منصوبة بالفعل المذكور بعدها، وتوجيه السؤال إلى الرسل لقصد توبيخ قومهم، وجوابهم بقولهم {لاَ عِلْمَ لَنَا } مع أنهم عالمون بما أجابوا به عليهم تفويض منهم، وإظهار للعجز، وعدم القدرة، ولا سيما مع علمهم بأن السؤال سؤال توبيخ فإن تفويض الجواب إلى الله أبلغ في حصول ذلك، وقيل المعنى: لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا. وقيل لا علم لنا بما اشتملت عليه بواطنهم. وقيل المعنى: لا علم لنا إلا علم ما أنت أعلم به منا. وقيل: إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر. قوله: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } "إذ" بدل، من {يوم يجمع}، وهو تخصيص بعد التعميم وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطاً وتفريطاً، هذه تجعله إلهاً، وهذه تجعله كاذباً. وقيل هو منصوب بتقدير اذكر، قوله: {ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه، مع كونه ذاكراً لها عالماً بتفضل الله سبحانه بها، لقصد تعريف الأمم بما خصهما الله به من الكرامة وميزهما به من علوّ المقام، أو لتأكيد الحجة، وتبكيت الجاحد، بأن منزلتهما عند الله هذه المنزلة، وتوبيخ من اتخذهما إلهين، ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله سبحانه، وأنهما عبدان من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه، ليس لهما من الأمر شيء. قوله: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } "إذ" ظرف للنعمة؛ لأنها بمعنى المصدر، أي اذكر إنعامي عليك وقت تأييدي لك، أو حال من النعمة: أي كائنة ذلك الوقت {أَيَّدتُّكَ } قوّيتك مأخوذ من الأيد، وهو القوّة. وفي روح القدس وجهان: أحدهما أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها، وقيل: إنه جبريل عليه السلام، وقيل إنه الكلام الذي يحيى به الأرواح. والقدس: الطهر، وإضافته إليه لكونه سببه، وجملة {تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ } مبينة لمعنى التأييد، و{فِى ٱلْمَهْدِ } في محل نصب على الحال، أي تكلم الناس حال كونك صبياً وكهلاً لا يتفاوت كلامك في الحالتين مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما تفاوتاً بيناً. وقوله: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ } معطوف على {إِذْ أَيَّدتُّكَ } أي واذكر نعمتي عليك وقت تعليمي لك الكتاب أي جنس الكتاب، أو المراد بالكتاب الخط، وعلى الأوّل يكون ذكر التوراة والإنجيل من عطف الخاص على العام، وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما. أما التوراة فقد كان يحتج بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال كما هو مصرح بذلك في الإنجيل، وأما الإنجيل فلكونه نازلاً عليه من عند الله سبحانه، والمراد بالحكمة جنس الحكمة. وقيل هي الكلام المحكم {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } أي تصوّر تصويراً مثل صورة الطير {بِإِذْنِى } لك بذلك وتيسيري له {فَتَنفُخُ } في الهيئة المصوّرة {فَتَكُونُ } هذه الهيئة "طائراً" متحركاً حياً كسائر الطيور {وَتُبْرِىء ٱلأكْمَهَ وَٱلأبْرَصَ بِإِذْنِى } لك وتسهيله عليك وتيسيره لك. وقد تقدّم تفسير هذا مطوّلاً في البقرة، فلا نعيده {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ } من قبورهم، فيكون ذلك آية لك عظيمة {بِإِذْنِى }، وتكرير بإذني في المواضع الأربعة؛ للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله سبحانه. قوله: {وَإِذْ كَفَفْتُ } معطوف على {إذ تخرج} كففت معناه: دفعت وصرفت {بَنِى إِسْرٰءيلَ عَنكَ } حين هموا بقتلك {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } بالمعجزات الواضحات {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين، لما عظم ذلك في صدورهم وانبهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية، بل نسبوه إلى السحر. قوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ أَنْ ءامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى } هو معطوف على ما قبله. وقد تقدّم تفسير ذلك. والوحي في كلام العرب معناه الإلهام، أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم. وقيل معناه: أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة رسولي. قوله: {قَالُواْ ءامَنَّا } جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا؟ فقال: قالوا آمنا {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } أي مخلصون للإيمان أي واشهد يا رب، أو واشهد يا عيسى. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } فيفزعون فيقولون {لاَ عِلْمَ لَنَا } فتردّ إليهم أفئدتهم فيعلمون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في الآية قال: ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: لا علم لنا، ثم نزلوا منزلاً آخر فشهدوا على قومهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: قالوا لا علم لنا فرقاً يذهل عقولهم، ثم يردّ الله إليهم عقولهم، فيكونون هم الذين يسألون بقول الله: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ }تفسير : [الأعراف: 6]. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا كان يوم القيامة يدعى بالأنبياء وأممها ثم يدعى بعيسى فيذكره نعمته عليه فيقرّ بها، فيقول: {يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} الآية، ثم يقول ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون، فيقولون نعم هو أمرنا بذلك، فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام حتى يوقع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرٰءيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي بالآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } يقول قذفت في قلوبهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنآ}. في قوله: {لاَ عِلْمَ لَنآ} خمسة تأويلات: أحدها: لم يكن ذلك إنكاراً لِمَا علموه ولكن ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم ثم أجابوا بعدما ثابت عقولهم، قاله الحسن، والسدي. والثاني: لا علم لنا إلا ما علمتنا، قاله مجاهد. والثالث: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، قاله ابن عباس. والرابع: لا علم لنا بما أجاب به أممنا، لأن ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء، وهو مروي عن الحسن أيضاً. والخامس: أن معنى قوله: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} أي ماذا عملوا بعدكم {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوْبِ} قاله ابن جريج. وفي قوله: {عَلاَّمُ الْغُيُوْبِ} تأويلان: أحدهما: أنه مبالغة. والثاني: أنه لكثير المعلومات. فإن قيل: فلم سألهم عما هو أعلم به منهم؟ فعليه جوابان: أحدهما: أنه إنما سألهم ليعلمهم ما لم يعلموا من كفر أممهم ونفاقهم وكذبهم عليهم من بعدهم. والثاني: أنه أراد أن يفضحهم بذلك على الأشهاد ليكون ذلك نوعاً من العقوبة لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا عِلْمَ لَنَآ} ذهلوا عن الجواب للهول ثم أجابوا لما ثابت عقولهم، أو لا علم لنا إلا ما علمتنا، أو لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا، أو لا علم لنا ببواطن أُممنا فإن الجزاء على ذلك يقع قاله الحسن، أو {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} بمعنى ماذا عملوا بعدكم. {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} للمبالغة، أو لتكثير المعلوم، وسؤاله بذلك مع علمه إنما كان ليعلمهم ما لم يعلموه من كفر أممهم، ونفاقهم، وكذبهم عليهم من بعدهم أو ليفضحهم بذلك على رؤوس الأشهاد.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يوم يجمع الله الرسل} قال الزجاج هي متصلة بما قبلها تقديرها: واتقوا الله يوم يجمع الله الرسل، وقيل: تقدير: والله لا يهدي القوم الفاسقين يوم يجمع الله الرسل. أي لا يهديهم إلى الجنة في ذلك اليوم وهو يوم القيامة وقيل إنها منقطعة عما قبلها وتقديره اذكر يا محمد يوم يجمع الله الرسل ذلك يوم القيامة {فيقول ماذا أجبتم} يعني فيقول الله تبارك وتعالى للرسل ماذا أجابكم أممكم وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي وفائدة هذا السؤال توبيخ أمم الأنبياء الذين كذبوهم {قالوا} يعني الرسل {لا علم لنا} قال ابن عباس: معناه لا علم لنا كعلمك فيهم لأنك تعلم ما أضمروا وما أظهروا ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ من علمنا وأبلغ. فعلى هذا القول، إنما نفوا العلم عن أنفسهم وإن كانوا علماء لأن علمهم صار كلاعلم عند علم الله. وقال في رواية أخرى: معناه لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا وهذا القول قريب من الأول. وقيل: معناه لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا. وقيل: معناه لا حقيقة لعلمنا بعاقبة أمرهم لأنا كنا نعلم ما كان من أفعالهم وأقوالهم وقت حياتنا ولا نعلم ما كان منهم بعد وفاتنا ولا نعلم ما أحدثوا من بعدنا ومنه ما أخبر الله عن عيسى عليه السلام بقوله:{أية : وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم}تفسير : [المائدة: 117] ومنه ما روي عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا دوني فلأقولن أي رب أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"تفسير : زاد في رواية "حديث : فأقول سحقاً لمن بدل بعدي"تفسير : أخرجاه في الصحيحين وقال جمع من المفسرين إن للقيامة أهوالاً وزلازل تزول فيها القلوب عن مواضعها فيفزعون من هول ذلك ويذهلون عن الجواب ثم إذا ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم بالتبليغ. وهذا فيه ضعف ونظر لأن الله تعالى قال في حق الأنبياء:{أية : لا يحزنهم الفزغ الأكبر}تفسير : ،[الأَنبياء: 103] وذكر الإمام فخر الدين الرازي وجهاً آخر وهو أن الرسل عليهم السلام لما علموا أن الله تعالى عالم لا يجهل وحليم لا يسفه وعادل لا يظلم علموا أن قولهم لا يفيد خيراً ولا يدفع شراً فرأوا أن الأدب في السكوت وفي تفويض الأمر إلى الله تعالى وعدله فقالوا لا علم لنا {إنك أنت علام الغيوب} يعني إنك تعلم ما غاب عنا من بواطن الأمور ونحن نعلم ما نشاهد ولا نعلم ما في البواطن. وقيل معناه إنك لا يخفى عليك ما عندنا من العلوم وأن الذي سألتنا عنه ليس بخاف عليك لأنك أنت علام الغيوب ومعناه العالم بأصناف المعلومات على تفاوتها ليس تخفى عليه خافية وبناء فعال بتاء التكثير ودلت الآية على جواز إطلاق العلام على الله تعالى كما يجوز إطلاق الخلافة عليه. قوله عز وجل: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} قال بعضهم: إن إذ قال الله تعالى: يا عيسى صلة لماذا أجبتم ولما كان المراد بقوله للرسل ما أجبتم توبيخ الأمم ومن تمرد منهم على الله وكان أشد الأمم احتياجاً وافتقاراً إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام ووجه ذلك أن جميع الأمم إنما كان طعنهم في أنبيائهم بالتكذيب لهم وطعن هؤلاء النصارى تعدي إلى جلال الله تعالى حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الزوجة والولد. ذكر الله في هذه الآية أنواع نعمه على عيسى عليه السلام التي تدل على أنه عبد وليس بإله والفائدة في ذكر هذه الحكاية تنبيه النصارى على قبح مقالتهم وفساد اعتقادهم وتوكيد الحجة عليهم. وقيل: فائدة ذلك إسماع الأمم يوم القيامة ما خص الله عيسى عليه السلام به من الكرامة، وقيل: موضع إذا رفع بالابتداء على القطع ومعناه اذكر إذ قال الله: يا عيسى وإنما خرج قوله: إذ قال الله على لفظ الماضي دون المستقبل لأنه ورد على سبيل حكاية الحال. وقيل: تقديره إذ يقول الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعتمي عليك لفظه واحد والمراد به الجمع لأن الله تعالى عدد نعمه عليه في هذه الآية والمراد من ذكرها شكرها {وعلى والدتك} يعني بنعمته على مريم عليها السلام أنه تعالى: {أنبتها نباتاً حسناً وطهرها واصطفاها على نساء العالمين}. ثم ذكر نعمه على عيسى عليه السلام فقال تعالى: {إذ أيدتك بروح القدس} يعني بجبريل عليه السلام لأن القدس هو الله تعالى وأضافه إليه على سبيل التشريف والتعظيم كإضافة بيت الله وناقة الله. وقيل: أراد بروح القدس الروح المطهرة لأن الأرواح تختلف باختلاف الماهية فمنها روح طاهرة مقدسة نورانية ومنها روح خبيثة كدرة ظلمانية فخضَّ الله عيسى بالروح المقدسة الطاهرة النورانية المشرفة {تكلم الناس في المهد} يعني تكلمهم طفلاً في حال الصغر {وكهلاً} يعني وفي حالة الكهولة من غير أن يتفاوت كلامك في هذين الوقتين وهذه معجزة عظيمة وخاصة شريفة ليست لأحد قبله. قال ابن عباس: أرسل الله عيسى عليه السلام وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله إليه {وإذ علمتك الكتاب والحكمة} يعني الكتابة وهي الخط والحكمة الفهم والاطلاع على أسرار العلوم {والتوراة والإنجيل} أي وعلمتك التوراة التي أنزلتها على موسى والإنجيل الذي أنزلته عليك {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني} يعني وإذ تجعل وتصور من الطين كصورة {الطير بإذني} {فتنفخ فيها} ذكر هنا فيها سورة آل عمران فيه يعني بالضمير في قوله فيها يعود إلى الهيئة بجعلها مصدراً كما يقع اسم الخلق على المخلوق وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة إنما يكون في المهيأ وذي الهيئة ويجوز أن يعود الضمير إلى الطير لأنها مؤنثة قال الله تعالى:{أية : أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات}تفسير : [الملك: 19]. وأما الضمير المذكور في آل عمران في قوله فيه فيعود إلى الكاف يعني في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير {فتكون طيراً بإذني} وإنما كرر قوله بإذني تأكيداً لكون ذلك الخلق واقعاً بقدرة الله وتخليقه لا بقدرة عيسى عليه السلام وتخليقه لأن المخلوق لا يخلق شيئاً إنما خالق الأشياء كلها هو الله تعالى لا خالق لها سواه وإنما كان الخلق لهذا الطير معجزة لعيسى عليه السلام أكرمه الله بها وكذا قوله تعالى: {وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني} يعني وتشفي الأكمه وهو الأعمى المطموس البصر والأبرص معروف ظاهر {وإذ تخرج الموتى} يعني من قبورهم أحياء {بإذني} تفعل ذلك كله بدعائك والفاعل لهذه الأشياء كلها في الحقيقة هو الله تعالى لأنه هو المبرئ للأكمه والأبرص وهو محيي الموتى وهو على كل شيء قدير وإنما كانت هذه الأشياء معجزات لعيسى عليه السلام ووقعت بإذن الله تعالى وقدرته. وقوله تعالى: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} يعني واذكر نعمتي عليك إذ كففت وصرفت عنك اليهود ومنعتك منهم حين أرادوا قتلك {إذ جئتهم بالبينات} يعني بالدلالات الواضحات والمعجزات الباهرات التي ذكرت في هذه الآية وذلك أن عيسى عليه السلام لما أتى بهذه المعجزات العجيبة الباهرة قصد اليهود قتله فخلصه الله منهم ورفعه إلى السماء {فقال الذين كفروا منهم} يعني فقال الذين استمروا على كفرهم من اليهود ولم يؤمنوا بهذه المعجزات {إن هذا إلا سحر مبين} يعني ما جاءهم به عيسى عليه السلام من المعجزات.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ}؛ ذهب قومٌ إلى أن العاملَ في {يَوْمٍ}: ما تقدَّم مِنْ قوله تعالى: {لاَّ يَهِدِّي}، وذلك ضعيفٌ، ورصْفُ الآيةِ وبراعَتُها إنما هو أنْ يكونَ هذا الكلامُ مستأنَفاً، والعاملُ مقدَّر، إما «اذكر»، أو: «تَذَكَّرُوا»، أو «ٱحْذَرُوا»، ونحو هذا ممَّا حَسُنَ ٱختصاره؛ لعِلْم السامعِ به، والإشارة بهذا اليوم إلى يومِ القيامةِ، وخُصَّ الرسلُ بالذكْر؛ لأنهم قادةُ الخَلْق، وهم المكلَّمون أوَّلاً، و {مَاذَا أَجَبْتُمُ}: معناه: ماذا أجابَتْكُمْ الأُمَمُ، وهذا السؤالُ للرُّسُل إنما هو لتقُومَ الحجة على الأممِ، واختلف الناسُ في معنى قولهم ـــ عليهم السلام ـــ: {لاَ عِلْمَ لَنَا}: قال الطبريُّ: ذُهِلُوا عن الجوابِ، لهولِ المَطْلَع؛ وقاله الحسنُ، وعن مجاهدٍ؛ أنه قال: يَفْزَعُون، فيقولُون: لا علْمَ لنا، وضعَّف بعضُ النَّاس هذا المنْزَع؛ بقوله تعالَىٰ: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ}تفسير : [الأنبياء:103]، وقال ابنُ عبَّاس: معنى الآية: لاَ عِلْمَ لنا إلا ما علَّمتنا؛ أنْتَ أعلم به منَّا، وقولُ ابنِ عباس حَسَن، وهو أصوبُ هذه المناحِي؛ لأنه يتخرَّج على التسليم للَّه تعالَىٰ، وردِّ الأمر إلَيْه؛ إذ هو العالِمُ بجميعِ ذلك؛ على التَّفْصيل والكمالِ، فرأَوُا التسليمَ والخضوعَ لعلْمه المحيطِ سبحانه، قال مكِّيٌّ: قال ابنُ عباس: المعنَىٰ: لا علم لنا إلاَّ عِلمٌ أنت أعلَمُ به منَّا، وهو اختيار الطبريِّ، وقيل: لما كان السؤالُ عامًّا يقتضي بعمومه سؤالَهُم عَنْ سِرِّ الأمم وعلانِيَتِها، رَدُّوا الأمر إلَيْهِ؛ إذ ليس عندهم إلاَّ علْمُ الظاهر؛ قال مكِّيٌّ: وهذا القولُ أحبُّ الأقوالِ إلَيَّ، قال: ومعنى مسألة اللَّه الرُسلَ عمَّا أَجِيبُوا، إنما هو لمعنَى التوبيخِ لمَنْ أُرْسِلُوا إلَيْه؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} تفسير : [التكوير:8]، انتهى من «الهداية». وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ...} الآية: {قَالَ} هنا بمعنى يَقُولُ؛ لأن ظاهر هذا القولِ أنه في القيامة؛ تقدمة لقوله سبحانه: {أية : ءَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة:116]. وقوله سبحانه: {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ}، أي: من قبورهم، وكفُّ بني إسرائيل عنه ـــ عليه السلام ـــ هو رَفْعُهُ حِينَ أحاطوا به في الَبيْتِ مع الحواريِّين، وكذلك مَنْعُه منْهم قَبْل ذلك إلَىٰ تلك النازلةِ الأخيرةِ، فهناك ظَهَر عِظَمُ الكَفِّ. وقوله سبحانه: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ}، هو مِنْ جملة تعديدِ النِّعمِ علَىٰ عيسَى ـــ عليه السلام ـــ: و {أَوْحَيْتُ}؛ في هذا الموضع: إما أن يكون وحْيَ إلهامٍ أَو وحْيَ أمْرٍ، وبالجملةِ فهو إلقاءُ معنًى في خفاءٍ، أوْصَلَهُ سبحانه إلَىٰ نفوسهم، كيف شاء، والرسولُ في هذه الآية: عيسَىٰ، وقولُ الحواريِّين: {وَٱشْهَدْ}: يحتملُ أن يكون مخاطبةً منهم للَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون لعيسَىٰ.
ابن عادل
تفسير : اعلم: أنَّ عادةَ اللَّهِ تعالى في هذا الكِتَابِ الكَرِيم، أنَّه إذا ذَكَرَ أنْوَاعاً من الشَّرَائع والتَّكَالِيفِ والأحْكَام، أتْبَعها إمَّا بالإلهِيَّات، وإمَّا بشَرْح أحوَال الأنْبِيَاء، وإمَّا بِشَرْح أحوَال القِيامَةِ، ليصير ذلك مُؤكداً لما ذكَرَهُ من التَّكَاليفِ والشَّرائع، فلا جَرَمَ ذكر هنا بعد ما تقدَّم من الشَّرائع أحْوالَ القِيامَةِ، ثمَّ ذكر أحْوالَ عيسى - عليه السلام -. فأمَّا أحْوالُ القِيَامَةِ، فَهُو قَوْلُه: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ}: في نصب "يَوْمَ" أحدَ عشرَ وجهاً: أحدها: أنه منصوبٌ بـ "اتَّقُوا"، أي: اتَّقُوا اللَّهَ في يومِ جمعِهِ الرُّسُلَ، قاله الحُوفِيُّ، وهذا ينبغي ألاَّ يجوزَ؛ لأنَّ أمرهم بالتقوى في يوم القيامةِ لا يكون؛ إذ ليس بيومِ تَكْليفٍ وابتلاءٍ، ولذلك قال الواحديُّ: ولم يُنْصَبِ اليومُ على الظرْفِ للاتِّقاء؛ لأنَّهم لم يُؤمَرُوا بالتقوَى في ذلك اليوم، ولكنْ على المفعول به؛ كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً} تفسير : [البقرة: 48]. الثاني: أنه منصوب بـ "اتَّقُوا" مضْمَراً يدلُّ عليه "واتَّقُوا الله"، قال الزَّجَّاج: "وهو محمولٌ على قوله: "واتَّقُوا الله"، ثم قال: "يَوْمَ يَجْمَعُ"، أي: واتقوا ذلك اليومَ"، فدلَّ ذِكْرُ الاتقاءِ في الأوَّل على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكونُ منصوباً على الظَّرْف للاتقاء؛ لأنهم لم يُؤمَرُوا بالاتقاء في ذلك اليَوْم، ولكنْ على المفعول به؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 48]. الثالث: أنه منصوب بإضمار "اذْكُرُوا". الرابع: بإضمار "احْذَرُوا". الخامس: أنه بدلُ اشتمالٍ من الجلالة، قال الزمخشريُّ: "يَوْمَ يَجْمَعُ" بدلٌ من المنصوب في "واتَّقُوا الله"، وهو من بدلِ الاشتمال، كأنه قيل: "واتقُوا الله يَوْمَ جَمْعِهِ". انتهى، ولا بد من حذفِ مضافٍ على هذا الوجهِ؛ حتى تَصِحَّ له هذه العبارةُ التي ظاهرها ليْسَ بجيدٍ؛ لأنَّ الاشتمالَ لا يُوصَفُ به الباري تعالى على أيِّ مذهبٍ فَسَّرنَاهُ من مذاهب النحويين في الاشتمالِ، والتقديرُ: واتقوا - عقاب الله - يَوْمَ يَجْمَعُ رُسُلَهُ، فإنَّ العقابَ مشتملٌ على زمانِه، أو زمانُه مشتملٌ عليه، أو عامِلُهُمَا مشتملٌ عليهما على حسب الخلاف في تفسير البدلِ الاشتماليِّ، فقد تبيَّن لك امتناعُ هذه العباراتِ بالنسبةِ إلى الجلالةِ الشريفة، واستبعد أبو حيان هذا الوجه بطُولِ الفصْلِ بجملتين، ولا بُعْدَ؛ فإنَّ هاتين الجملتَيْنِ من تمامِ معنى الجملة الأولى. السادسُ: أنه منصوبٌ بـ "لا يَهْدِي" قاله الزمخشريُّ وأبو البقاء؛ قال الزمخشريُّ: "أي: لا يهديهمْ طريقَ الجنَّة يومئذٍ كما يُفْعَلُ بغَيْرهِمْ"، وقال أبو البقاء: "أي: لا يهدِيِهمْ في ذلك اليَوْمِ إلى حُجَّةٍ، أو إلى طريقِ الجنَّة". السابع: أنه مفعولٌ به، وناصبُه "اسْمَعُوا"، ولا بد من حذف مضاف حينئذٍ، لأنَّ الزمان لا يُسْمَعُ، فقدَّره أبو البقاء: "واسمعوا خَبَرَ يَوْمِ يُجْمَعُ"، ولم يذكر أبو البقاء غير هذين الوجهَيْن، وبدأ بأولهما، وفي نصبه بـ "لا يَهْدِي" نظرٌ؛ من حيث إنه لا يهديهم مطلقاً، لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحْكُوم عليهم بالفسْقِ، وفي تقدير الزمخشريِّ "لا يَهْدِيهِمْ إلى طريقِ الجنَّة" نُحُوٌّ إلى مذهبه من أنَّ نَفْي الهداية المطلقة لا يجوزُ على الله تعالى؛ ولذلك خَصَّصَ المُهْدَى إليه، ولم يذكر غيره، والذي سَهَّلَ ذلك عنده أيضاً كونُه في يومٍ لا تَكْلِيفَ فيه، وأما في دار التكليفِ فلا يُجيزُ المعتزليُّ أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى نَفْيُ الهدايةِ مطلقاً ألبتة. الثامن: أنه منصوبٌ بـ "اسْمَعُوا" قاله الحُوفِيُّ، وفيه نظرٌ؛ لأنهم ليسوا مكلَّفين بالسَّماعِ في ذلك اليومِ؛ إذ المُرادُ بالسماعِ السماعُ التكليفيُّ. التاسع: أنه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ متأخِّرٍ، أي: يوم يَجْمَعُ اللَّهُ الرسلَ كان كيتَ وكَيْتَ، قاله الزمخشريُّ. العاشر: قال شهاب الدين: يجوز أن تكونَ المسألة من باب الإعْمَال؛ فإنَّ كُلاًّ من هذه العوامِلِ الثلاثةِ المتقدِّمة يَصِحُّ تسلُّطُه عليه؛ بدليل أنَّ العلماء جَوَّزوا فيه ذلك، وتكون المسألةُ مِمَّا تنازع فيها ثلاثةُ عوامل، وهي "اتَّقُوا"، و"اسْمَعُوا"، و"لا يَهْدِي"، ويكونُ من إعمال الأخير؛ لأنه قد حُذِفَ من الأوَّلِينَ ولا مانعَ يمنع من الصناعة، وأمَّا المعنى فقد قَدَّمْتُ أنه لا يظهرُ نصْبُ "يَوْمَ" بشيء [من الثلاثة]؛ لأنَّ المعنى يأباه، وإنما أجَزْتُ ذلك؛ جَرْياً على ما قالوه وجَوَّزوه، وكذا الحُوفِيُّ جَوَّز أن ينتصب بـ "اتَّقُوا" وبـ "اسْمَعُوا" أو بـ "لاَ يَهْدِي"، وكذا الحُوفِيُّ جَوَّز أن ينتصب بـ "اتَّقُوا" وبـ "اسْمَعُوا". الحادي عشر: أنه منصوبٌ بـ "قَالُوا: لا عِلْمَ لَنَا" أي: قال الرسُلُ يوم جمْعِهِمْ، وقول الله لهم ماذا أجِبْتُمْ، واختاره أبو حيان على جميع ما تقدَّم، قال: وهو نظيرُ ما قلناه في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ} تفسير : [البقرة: 30]، وهو وجه حسنٌ. قوله: "مَاذَا أجِبْتُمْ" فيه أربعةُ أقوال: أحدها: أنَّ "مَاذَا" بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، فغلب فيه جانبُ الاستفهام، ومحلُّه النصبُ على المصدرِ بما بعده، والتقديرُ: أيَّ إجابةٍ أجِبْتُم [قال الزمخشريُّ: "مَاذَا أجِبْتُمْ" منتصبٌ انتصابَ مصدره على معنى: أيَّ إجابةٍ أجِبْتُمْ]، ولو أُريدَ الجوابُ، لقيل: "بمَاذا أُجِبْتُمْ"، أي: لو أُريدَ الكلامُ المجابُ، لقيل: بماذا، ومِنْ مجيء "مَاذَا" كلِّه مصدراً قوله: [البسيط] شعر : 2075- مَاذَا يَغِيرُ ابنَتَيْ رَبْعٍ عَوِيلُهُمَا لاتَرْقُدانِ وَلاَ بُؤسَى لِمَنْ رَقَدَا تفسير : الثاني: أن "مَا" استفهاميةٌ في محلِّ رفع بالابتداء، و"ذَا" خبره، وهي موصولةٌ بمعنى "الَّذي"؛ لاستكمال الشرطَيْن المذكورَيْن، و"أُجِبْتُمْ" صلتُها، والعائدُ محذوفٌ، أي: ما الَّذي أجِبْتُمْ به، فحذفَ العائد، قاله الحُوفِيُّ، وهذا لا يجوزُ؛ لأنه لا يجوزُ حذفُ العائدِ المجرورِ، إلا إذا جُرَّ الموصولُ بحرف مثلِ ذلك الحرفِ الجارِّ للعائد، وأنْ يَتَّحِدَ متعلَّقاهُمَا؛ نحو: "مَرَرْتُ بالَّذي مَرَرْتَ"، أي: به: وهذا الموصولُ غير مَجْرُورٍ، لو قلتَ: "رَأيْتُ الذي مَرَرْتَ"، أي: مررتَ به، لم يجُزْ، اللهم إلا أنْ يُدَّعى حَذْفُهُ على التدريج بأن يُحْذَفَ حرفُ الجرِّ، فيصلَ الفعلُ إلى الضمير، فيحذفَ؛ كقوله: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69]، أي: في أحدِ أوجهه، وقوله: {أية : فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} تفسير : [الحجر: 94] في أحد وجهيه، وعلى الجملةِ فهو ضيعف. الثالث: أنَّ "مَا" مجرورةٌ بحرفِ جَرٍّ مقدَّرٍ، لمَّا حُذِفَ بقيتْ في محلِّ نصبٍ، ذكره أبو البقاء وضعَّف الوجه الذي قبله - أي كون ذا موصولةً - فإنه قال: "مَاذَا في موضعِ نصْبٍ بـ "أُجبْتُمْ"، وحرفُ الجرِّ محذوفٌ، و"مَا" و"ذَا" هنا بمنزلةِ اسْمٍ واحدٍ، ويَضْعُفُ أنْ تُجْعَلَ "مَا" بمعنى "الَّذِي"؛ لأنه لا عائد هنا، وحذفُ العائدِ مع حرفِ الجَرِّ ضعيفٌ". قال شهاب الدين أمَّا جَعْلُه حذفَ العائدِ المجرورِ ضعيفاً، فصحيحٌ تقدَّم شرحُه والتنبيهُ عليه، وأمَّا حذفُ حرفِ الجر وانتصابُ مجرورِه، فهو ضيعفٌ أيضاً، لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2076- فَبِتُّ كَأنَّ العَائِدَاتِ فَرَشْنَنِي .......................... تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2077-.......................... وأُخْفِي الَّذِي لَوْلاَ الأسَى لَقَضَانِي تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 2078- تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا .......................... تفسير : وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، واستثناءُ المطَّرِد منه، فقد فرَّ من ضعيفٍ، ووقع في أضْعَفَ منه. الرابع: قال ابن عطيَّة - رحمه الله -: "معناه: ماذا أجابَتْ به الأممُ"، فجعل "مَاذَا" كنايةً عن المُجَابِ به، لا المصدرِ، وبعد ذلك، فهذا الكلامُ منه محتملٌ أنْ يكونَ مثل ما تقدَّمَ حكايتُهُ عن الحُوفِيِّ في جعله "مَا" مبتدأ استفهاميةً، و"ذَا" خبره؛ على أنها موصولةٌ، وقد تقدَّم التنبيهُ على ضعفه، ويُحْتملُ أن يكون "مَاذَا" كلُّه بمنزلةِ اسمِ استفهامٍ في محلِّ رفع بالابتداء، و"أُجِبْتُمْ" خبرُه، والعائدُ محذوفٌ؛ كما قدَّره هو، وهو أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه لا يُحْذَفُ عائدُ المبتدأ، وهو مجرورٌ إلا في مواضعَ ليس هذا منها، لو قلت: "زَيْدٌ مَرَرْتُ" لم يَجُزْ، وإذا تبيَّن ضعفُ هذه الأوجهِ، رُجِّح الأول. والجمهورُ على "أُجِبْتُمْ" مبنيًّا للمفعول، وفي حذفِ الفاعل هنا ما لا يُبْلَغُ كُنهُهُ من الفصاحة والبلاغة؛ حيث اقتصرَ على خطاب رسله غيرَ مذكورٍ معَهُم غيرُهم؛ رفْعاً من شأنهم وتشريفاً واختصاصاً، وقرأ ابن عبَّاس وأبو حيوة "أجَبْتُمْ" مبنيًّا للفاعل، والمفعول محذوف، أي: ماذا أجَبْتُمْ أمَمَكُمْ حين كَذَّبُوكُمْ وآذَوْكُمْ، وفيه توبيخٌ للأمَمِ، وليستْ في البلاغةِ كالأولى. فإن قيل: أيُّ فائِدَةٍ في هذا السُّؤال، فالجوابُ: توبيخُ قَوْلِهم كقوله: {أية : وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} تفسير : [التكوير: 8، 9]، المَقْصُودُ مِنْهُ تَوْبِيخُ من فعل ذَلِك الفِعْلَ. وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}، كقوله: {أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : في [البقرة: 32]. والجمهورُ على رفع "عَلاَّمُ الغُيُوبِ"، وقرىء بنصبه، وفيه أوجهٌ ذكرها الزمخشريُّ وهي: الاختصاصُ، والنداءُ، وصفةٌ لاسم "إنَّ"؛ قال: وقُرىء بالنصْب على أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند قوله "إنَّكَ أنْتَ"، أي: إنَّكَ الموصوفُ بأوصَافِكَ المعرُوفة من العلمِ وغيره، ثم انتصَبَ "علاَّمَ الغُيُوبِ" على الاختصاصِ، أو على النداء، أو هو صفةٌ لاسْمِ "إنَّ"، قال أبو حيان: "وهو على حذفِ الخبر لفهم المعنى، فَتَمَّ الكلامُ بالمقدَّرِ في قوله "إنَّك أنْتَ"، أي: إنَّك الموصوفُ بأوصافِكَ المعروفةِ من العلمِ وغيره"، ثم قال:"قال الزمخشريُّ: ثم انتصبَ، فذكره إلى آخره" فزعمَ أنَّ الزمخشريَّ قدَّر لـ "إنَّكَ" خبراً محذوفاً، والزمخشريُّ لا يريد ذلك ألبتة ولا يَرْتضيه، وإنما يريدُ أنَّ هذا الضمير بكونه لله تعالى هو الدالُّ على تلك الصفات المذكورة، لا انفكاكَ لها عنه، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه البلاغةُ، والذي غاصَ [عليه] الزمخشريُّ - رحمه الله - لا ما قدَّره أبو حيان مُوهِماً أنه أتى به من عنده، ويعني بالاختصاص النَّصْبَ على المدْحِ، لا الاختصاصَ الذي هو شبيه بالنداء؛ فإنَّ شرطه أن يكون حَشْواً، ولكنَّ أبا حيَّان قد ردَّ على أبي القاسمِ قوله "إنه يجوزُ أن يكون صفةً لاسم إنَّ" بأنَّ اسمها هنا ضميرُ مخاطبٍ، والضمير لا يوصفُ مطلقاً عند البصريِّين، ولا يوصَف منه عند الكسائيِّ إلا ضميرُ الغائبِ؛ لإبهامه في قولهم "مَرَرْتُ بِهِ المِسْكِينِ"، مع إمكان تأويله بالبدلِ، وهو ردٌّ واضحٌ، على أنه يمكن أن يقال: أراد بالصفةِ البدل، وهي عبارةُ سيبويه، [يُطْلِقُ الصفةَ ويريد البدل، فله أسْوَةٌ بإمامه، واللازمُ مشترك، فما كان جواباً عن سيبويه]، كان جواباً له، لكن يَبْقَى فيه البدلُ بالمشتقِّ، وهو أسهلُ من الأول، ولم أرَهُمْ خرَّجُوها على لغةِ مَنْ ينصِبُ الجزأيْنِ بـ "إنَّ" وأخواتِها؛ كقوله في ذلك: [الرجز] شعر : 2079- إنَّ الْعَجُوزَ خَبَّةً جَرُوزَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2080-.......................... .............. إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا تفسير : وقوله: [الكامل] شعر : 2081- لَيْتَ الشَّبَابَ هُوَ الرَّجِيعَ عَلَى الْفَتَى .............................. تفسير : وقول الآخر: [الرجز] شعر : 2082- كَأنَّ أُذْنَيْه إذَا تَشَوَّفَا قَادمَةً أوْ قَلَماً مُحَرَّفَا تفسير : ولو قيل به لكان صواباً. و"علاَّمُ" مثالُ مبالغة، فهو ناصب لما بعده تقديراً، وبهذا أيضاً يُرَدُّ على الزمخشريِّ على تقدير تسليم صحَّة وصف الضمير من حيث إنه نكرةٌ؛ لأن إضافته غيرُ محضَةٍ وموصوفهُ مَعْرفةٌ. والجمهورُ على ضمِّ العينِ من "الغُيُوب" وهو الأصلُ، وقرأ حمزة وأبو بكر بكسرها، والخلافُ جارٍ في ألفاظٍ أُخَرَ نحو: "البُيُوت والجُيُوب والعُيُون والشُّيُوخ" وقد تقدَّم تحرير هذا كله في البقرة عند ذكر {أية : ٱلْبُيُوتَ} تفسير : [البقرة: 189]، وستأتي كلُّ لفظةٍ من هذه الألفاظِ مَعْزُوَّةً لقارئِها في سُورِهَا - إن شاء الله تعالى - وجُمِعَ الغيبُ هنا، وإنْ كان مصدراً لاختلافِ أنواعه، وإن اريدَ به الشيءُ الغائب، أو قلنا: إنه مخفَّفٌ من فَيْعِل؛ كما تقدم تحقيقه في البقرة [الآية 3]، فواضح. فصل في معنى الآية مَعْنَى الآية الكَرِيمة: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ}، وهو يَوْمُ القِيَامَةِ {فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أممكم، وما الذي رَدَّ عليكم قومكم حين دَعوْتُمُوهم إلى تَوْحِيدِي وطَاعَتِي؟ فَيَقُولُون: {لا عِلْمَ لنا} بوجْهٍ من الحِكْمَةِ عن سُؤالِكَ إيَّانَا عن أمْرٍ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنَّا. قال ابنُ جُرَيْج - رحمه الله -: لا عِلْمَ لنا بِعَاقِبَةِ أمْرِهِمْ، وبما أحدثوا من بعد يدلُّ عليه قولهم: {إنَّكَ أَنْتَ علام الغُيُوب} أيْ: أنْتَ الذي تَعْلَمُ ما غَابَ، ونحن لا نَعْلَمُ ما غابَ إلاَّ ما نُشَاهِدُ. فإن قيل: ظَاهِرُ قولهم: {لا عِلْمَ لَنَا إنَّك أنْتَ علاَّمُ الغُيُوبِ} يَدُلُّ على أنَّ الأنْبِيَاء لا يَشْهَدُون لأمَمِهِمْ، والجمعُ بَيْن هذا وبين قوله تعالى {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41] مشكل، وأيضاً قوله تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]، فإذا كانت أمَّتُنَا تَشْهَدُ لسَائِر الأمَمِ، فالأنْبِيَاءُ أوْلَى بأنْ يَشْهَدُوا لأمَمِهِم. فالجواب من وجوه: أحدها: قال ابنُ عباسٍ، والحسن، ومُجَاهد، والسدِّيُّ: إنَّ القِيَامَة زَلاَزِل وأهوالٌ، بحيث تَزُولُ القُلُوبُ عن مواضِعِهَا عند مُشاهَدَتِهَا، والأنْبِيَاءُ - عليهم الصلاة والسلام - عند مُشَاهَدَةِ تلك الأهوال يَنْسُون أكْثَرَ الأمُور، فَهُنَالِكَ يَقُولُون: لا عِلْمَ لَنَا، فإن عادَتْ قلوبُهُمْ إلَيْهِم، فعند ذلك يَشْهَدُون للأمَمِ. قال ابنُ الخَطِيبِ: وهذا الجوابُ وإن ذَهَبَ إليه جَمْعٌ عَظِيمٌ من الأكَابِرِ فهو عندي ضعيف؛ لأنه تبارك وتعالى قال في صِفَةِ أهْلِ الثَّوَاب: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103]، وقال: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} تفسير : [عبس: 38، 39]، بل إنَّه تبارك وتعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة: 62]، فكيف يَكُون حَالُ الأنْبِيَاء والرُّسُل أقَلّ من ذلك، ومَعْلُومٌ أنَّهُم لو خَافُوا لكَانُوا أقَلَّ من مَنْزِلَةِ هؤلاءِ الَّذِين أخْبَرَ اللَّهُ عنْهُم أنَّهُم لا يَخَافُون ألْبَتَّةَ. وثانيها: أنَّ المُرَاد مِنْه المُبَالغة في تَحِقيقِ فَضِيحَتِهِمْ، كمنْ يقول لِغَيْرِه: ما تقولُ في فُلانٍ؟ فَيَقُولُ: أنْتَ أعْلَمُ به مِنِّي، كأنَّه قيل: لا يَحْتَاجُ فيه إلى الشَّهادَة لِظُهُوره، وهذا أيضاً ليس بِقَوِيٍّ؛ لأنَّ السُّؤال إنَّما وقَع على كُلِّ الأمَّةِ، وكُلُّ الأمَّة ما كانوا كَافِرِين حتَّى يريدَ الرَّسُول بالنفي تَبْكِيتَهُمْ وفَضِيحَتهُم. وثالثها: وهو الأصَحُّ، وهو اخْتِيَارُ ابن عبَّاسٍ: أنَّهم إنَّما قَالُوا: لا عِلْمَ لَنَا؛ لأنَّك تَعْلَمُ ما أظْهَرُوا وما أضْمَرُوا، ونحنُ لا نَعْلَمُ إلاَّ ما أظْهَرُوا، فَعِلْمُك فيهم أقْوَى من عِلْمِنَا؛ فلهذا المَعْنَى نَفوا العِلْمَ عن أنْفُسِهِم؛ لأنَّ عِلْمهم عند الله تعالى كلا عِلْمٍ، وهذا يُرْوَى عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. ورابعها: ما تقدَّم أنَّ قولَهُم: لا عِلْمَ لنا إلا أنَّا عَلِمْنَا جوابهم لَنَا وَقْتَ حَيَاتِنَا، ولا نَعْلَم ما كان منهم بَعْدَ وَفَاتِنَا. وخامسها: قال ابن الخطيب: ثَبَتَ في عِلْمِ الأصُول أنَّ العِلْمَ غير، والظَّنَّ غَيْر، فالحَاصِلُ أنَّ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ من حالِ الغَيْرِ إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْم، وكذلك قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إليَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ حَكَمْتُ لَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ فَكأنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"تفسير : ، والأنْبِيَاءُ - عليهم الصلاة والسلام - قالُوا: لا عِلْمَ لَنَا ألْبَتَّة بأحْوالِهِم، إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا من أحوالهم هو الظَّنُّ، والظَّنُّ كانَ مُعْتَبراً في الدُّنيا لا في الآخِرَةِ، لأنَّ الأحْكَام في الدُّنْيَا كانت مَبْنِيَّةً على الظَّنِّ، أمَّا فِي الآخِرَة فلا التِفاتَ فيها إلى الظَّنِّ؛ لأنَّ الأحْكَام في الآخِرَة مَبْنِيَّةٌ على حَقائِقِ الأشْيَاء وَبَواطِنِ الأمُورِ، فلهذا السَّبَب قالوا:{لا عِلْمَ لَنَا إلا ما علمتنا} ولم يَذْكُرُوا ألْبَتَّة ما عندهم من الظَّنِّ؛ لأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَة به في القِيَامَةِ. وسادسها: أنهم لمَّا عَلِمُوا أنَّهُ تعالى عالمٌ لا يَجْهَل، حكيمٌ لا يَسْفَهُ، عَادِلٌ لا يَظْلِم، عَلِمُوا أنَّ قولهم لا يفيد خَيْراً ولا يدفعُ شراً، فرأوْا أنَّ الأدَبَ في السكوت، وفي تَفْويضِ الأمْرِ إلى العَدْل الحَي الذي لا يَمُوتُ. وسابعها: معناه: لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنَا فحذف، وهذا مَرْويٌّ عن ابن عبَّاسٍ، ومُجَاهد. فصل دَلَّت الآيَةُ الكَرِيمَةُ على جوازِ إطلاقِ لفظ العلاَّم عليه، كما جاز إطلاقُ لفظ الخلاَّقِ عليْه، وأمَّا العلاَّمة بالتاء فإنهم أجْمَعُوا على أنَّهُ لا يجوز إطلاقُها في حَقِّهِ، ولعلَّ السَّبَب ما فيه من لفظ التَّأنِيثِ.
البقاعي
تفسير : ولما كان فيها إقامة الشهود وحبسهم عن مقاصدهم حتى يفرغوا من هذه الواقعة المبحوث فيها عن خفايا متعلقة بالموت والتغليظ بالتحليف بعد صلاة العصر، وكانت ساعة يجتمع فيها الناس وفريقا الملائكة المتعاقبين فينا ليلاً ونهاراً مع أنها ساعة الأصيل المؤذنة بهجوم الليل وتقوّض النهار حتى كأنه لم يكن ورجوع الناس إلى منازلهم وتركهم لمعايشهم، وكانت عادته سبحانه بأنه يذكر أنواعاً من الشرائع والتكاليف، ثم يتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء وإما بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكداً لما تقدم من التكاليف، ولا ينتقل من فن إلى آخر إلا بغاية الإحكام في الربط، عقبها تعالى بقوله: {يوم يجمع الله} أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة {الرسل} أي الذين أرسلهم إلى عباده بأوامره ونواهيه إشارة إلى تذكر انصرام هذه الدار وسرعة هجوم ذلك بمشاهدة هذه الأحوال المؤذنة به وبأنه يوم يقوم فيه الأشهاد، ويجتمع فيه العباد، ويفتضح فيه أهل الفساد - إلى غير ذلك من الإشارات لأرباب البصائر والقلوب، والظاهر أن "يوم" ظرف للمضاف المحذوف الدال عليه الكلام، فإن من المعلوم أنك إذا قلت: خف من فلان، فإن المعنى: خَف من عقابه ونحو ذلك، فيكون المراد هنا: واتقوا غضب الله الواقع في ذلك اليوم، أي اجعلوا بينكم وبين سطواته في ذلك اليوم وقايةً، أو يكون المعنى: اذكروا هذه الواقعة وهذا الوقت الذي يجمع فيه الشهود ويحبس المعترف والجحود يوم الجمع الأكبر بين يدي الله تعالى ليسألهم عن العباد ويسأل العباد عنهم {فيقول} أي للرسل تشريعاً لهم وبياناً لفضلهم وتشريفاً للمحق من أممهم وتبكيتاً للمبطل وتوبيخاً للمُفْرط منهم والمفرّط. ولما كان مما لا يخفى أصلاً أنهم أجيبوا، ولا يقع فيه نزاع ولا يتعلق بالسؤال عنه غرض، تجاوز السؤال إلى الاستفهام من نوع الإجابة فقال: {ماذا أجبتم} أي أيّ إجابة أجابكم من أرسلتم إليهم؟ إجابة طاعة أو إجابة معصية. ولما كان المقصود من قولهم بيان الناجي من غيره، وكانت الشهادة في تلك الدار لا تنفع إلا فيما وافق فيه الإضمار الإظهار، فكانت شهادتهم لا تنفع المشهود له بحسن الإجابة إلا أن يطابق ما قاله بلسانه اعتقاده بقلبه {قالوا} نافين لعلمهم أصلاً ورأساً إذا كان موقوفاً على شرط هو من علم ما غاب ولا علم لهم به {لا علم لنا} أي على الحقيقة لأنا لا نعلم إلا ما شهدناه، وما غاب عنا أكثر، وإذا كان الغائب قد يكون مخالفاً للمشهود، فما شهد ليس بعلم، لأنه غير مطابق للواقع، ولهذا عللوا بقولهم: {إنك أنت} أي وحدك {علام الغيوب *} أي كلها، تعلمها علماً تاماً فكيف بما غاب عنا من أحوال قومنا! فكيف بالشهادة! فكيف بما شهدنا من ذلك! وهذا في موضع قولهم: أنت أعلم، لكن هذا أحسن أدباً، فإنهم محوا أنفسهم من ديوان العلم بالكلية، لأن كل علم يتلاشى إذا نسب إلى علمه ويضمحل مهما قرن بصفته أو اسمه. ولما كان سؤاله سبحانه للرسل عن الإجابة متضمناً لتبكيت المبطلين وتوبيخهم، وكان أشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ أهل الكتاب، لأن تمردهم تعدى إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به من اتخاذ الصاحبة والولد، ومن ادعاء الإلهية لعيسى عليه السلام لما أظهر من الخوارق التي دعا بها إلى الله مع اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته لئلا يهتضم حقه أو يُغلى فيه، مع مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسل عليهم السلام بالتكذيب وغيره، وكان في الآية السالفة ذكر الآباء وما آثروا للأبناء، ذكر أمر عيسى عليه السلام بقوله مبدلاً من قوله: {يوم يجمع الله} معبراً بالماضي تذكيراً بما لذلك اليوم من تحتم الوقوع، وتصويراً لعظيم تحققه، وتنبيهاً على أنه لقوة قربه كأنه قد وقع ومضى: {إذ قال الله} أي المستجمع لصفات الكمال {يا عيسى} ثم بينه بما هو الحق من نسبه فقال: {ابن مريم}. ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر والإحاطة بجميع الخلائق وأحوالهم في حركاتهم وسكناتهم، وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال، أمره بذكر حمده سبحانه على نعمته عنده فقال: {اذكر نعمتي عليك} أي في خاصة نفسك، وذكر ما يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال: {وعلى والدتك} إلى آخره مشيراً إلى أنه أوجده من غير أب فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق وما يورثون أبناءهم من اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه، فأقدره - وهو في المهد - على الشهادة لها بالبراءة والحصانة والعفاف، وكل نعمة أنعمها سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم فهي نعمة أمه ديناً ودنيا. ولما ذكر سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه عليهم في أول السورة بقوله: {أية : اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه} تفسير : [المائدة: 7]، {أية : واذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم} تفسير : [المائدة: 11]، وكانت هذه الآيات من عند {أية : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}تفسير : [المائدة: 87] كلها في النعم، أخبرهم أنه يذكّر عيسى عليه السلام بنعمه في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم يذكروا نعمه في هذه الدار دار العمل بالشكر، ذكروها حين يذكّرهم بها في ذلك اليوم قسراً بالكفر، ويا لها فضيحةً في ذلك الجمع الأكبر والموقف الأهول! وليتبصّر أهل الكتاب فيرجعوا عن كفرهم بعيسى عليه السلام: اليهودُ بالتقصير في أمره، والنصارى بالغلو في شأنه وقدره. ولما كان أعظم الأمور التنزيه، بدأ به كما فعل بنفسه الشريفة في كلمة الدخول إلى الإسلام، ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه عليها السلام وتصحيح ما خرق لها من العادة في ولادته، وكان أحكم ما يكون ذلك بتقوية روحه حتى يكون كلامه طفلاً ككلامه كهلاً، قدمه فقال معلقاً قارناً بكل نعمة ما يدل على عبوديته ورسالته، ليخزي من غلا في أمره أو قصّر في وصفه وقدره: {إذ أيدتك} أي قويتك تقوية عظيمة {بروح القدس} أي الطهر الذي يحيي القلوب ويطهرها من أوضار الآثام، ومنه جبرئيل عليه السلام، فكان له منه في الصغر حظ لم يكن لغيره؛ قال الحرالي: وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعاً إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام ثم استأنف تفسير هذا التأييد فقال: {تكلم الناس} أي من أردت من عاليهم وسافلهم {في المهد} أي بما برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك وفضلك. ولما ذكر هذا الفضل العظيم، أتبعه خارقاً آخر، وهو إحياؤه نفسه وحفظُه جسدَه أكثر من ألف سنة لم يدركه الهرم؛ فإنه رفع شاباً وينزل على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير كهلاً، وتسويةُ كلامه في المهد بكلامه في حال بلوغ الأشدّ وكمال العقل خرقاً لما جرت به العوائد فقال: {وكهلاً} ولما ذكر هذه الخارقة، أتبعها روح العلم الرباني فقال: {وإذ علمتك الكتاب} أي الخط الذي هو مبدأ العلم وتلقيح لروح الفهم {والحكمة} أي الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم {والتوراة} أي المنزلة على موسى عليه السلام {والإنجيل} أي المنزل عليك. ولما ذكر تأييده بروح الروح، أتبعه تأييده بإفاضة الروح على جسد لا أصل له فيها فقال: {وإذ تخلق من الطين} أي هذا الجنس {كهيئة الطير بإذني} ثم سبب عن ذلك قوله: {فتنفخ فيها} أي في الصورة المهيأة {فتكون} أي تلك الصورة التي هيأتها {طيراً بإذني} ثم بإفاضة روح ما على بعض جسد، إما ابتداء في الأكمة كما في الذي قبله، وإما إعادة كما في الحادث العمى والبرص بقوله: {وتبرئ الأكمه والأبرص}. ولما كان من أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله: {بإذني} ثم برد روح كامل إلى جسدها بقوله: {وإذ تخرج الموتى} أي من القبور فعلاً أو قوة حتى يكونوا كما كانوا من سكان البيوت {بإذني} ثم بعصمة روحه ممن أراد قتله بقوله: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} أي اليهود لما هموا بقتلك؛ ولما كان ذلك ربما أوهم نقصاً استحلوا قصده به، بين أنه قصد ذلك كعادة الناس مع الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان فقال: {إذ جئتهم بالبينات} أي كلها، بعضها بالفعل والباقي بالقوة لدلالة ما وجد عليه من الآيات الدالة على رسالتك الموجبة لتعظيمك {فقال الذين كفروا} أي غطوا تلك البينات عناداً {منهم إن} أي ما {هذا إلا سحر مبين *} ثم بتأييده بالأنصار الذين أحيى أرواحهم بالإيمان وأجسادهم باختراع المأكل الذي من شأنه في العادة حفظ الروح، وذلك في قصة المائدة وغيرها فقال: {وإذ أوحيت} أي بإلهام باطناً وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهراً {إلى الحواريين} أي الأنصار {أن آمنوا بي وبرسولي} أي الذي أمرته بالإبلاغ يعني إبلاغ الناس ما آمرهم به، ثم استأنف مبيناً لسرعة أجابتهم لجعله محبباً إليهم مطاعاً فيهم بقوله: {قالوا آمنا}. ولما كان الإيمان باطناً فلا بد في إثباته من دليل ظاهر، وكان في سياق عدّ النعم والطواعية لوحي الملك الأعظم دلوا عليه بتمام الانقياد، ناسب المقام زيادة التأكيد بإثبات النون الثالثة في قولهم: {واشهد بأننا} بخلاف آل عمران {مسلمون *} أي منقادون أتم انقياد، فلا اختيار لنا إلا ما تأمرنا به، وانظر ما أنسب إعادة "إذ" عند التذكير بروح كامل حساً أو معنى وحذفها عند الناقص، فأثبتها عند التأييد بها في أصل الخلق وفي الكمال الموجب للحياة الأبدية وفي تعليم الكتاب وما بعده المفيض لحياة الأبد على كل من تخلّق بأخلاقه وفي خلق الطير وهو ظاهر وهكذا إلى الآخر. ذكرُ شيء مما عزي إليه من الحكمة في الإنجيل: قال متى: وكان يسوع يطوف المدن والقرى ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل الأمراض والأوجاع، ثم قال: فلما سمع يوحنا في السجن بأعمال المسيح أرسل إليه اثنين من تلاميذه قائلاً: أنت هو الآتي أم نترجى آخر؟ قال لوقا: وفي تلك الساعة أبرأ كثيراً من الأمراض والأوجاع والأرواح الشريرة ووهب النظر لعميان كثيرين، فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأعلما يوحنا بما رأيتما وسمعتما، العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يتطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون، فطوبى لمن لا يشك فيّ! فلما ذهب تلميذا يوحنا بدأ يسوع يقول للجمع من أجل يوحنا: لماذا خرجتم إلى البرية تنظرون - قال لوقا: قصبة تحركها الريح - أم لماذا خرجتم تنظرون؟ إنساناً لابساً لباساً ناعماً؟ إن اللباس الناعم يكون في بيوت الملوك، قال لوقا: فإن الذين عليهم لباس المجد والتنعم هم في بيوت الملوك - انتهى. لكن لماذا خرجتم تنظرون؟ نبياً؟ نعم، أقول لكم: إنه أفضل من هذا الذي كتب من أجله: هوذا أنا مرسل ملكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك، الحق أقول لكم! إنه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمد، والصغير في ملكوت السماء أعظم منه، وجميع الشعب الذي سمع والعشارون شكروا الله حيث اعتمدوا من معمودية يوحنا، فأما الفريسيون والكتاب فعلموا أنهم رفضوا أمر الله لهم إذ لم يعتمدوا منه؛ قال متى: ثم قال: من له أذنان سامعتان فليسمع! بماذا أشبه هذا الجيل؟ يشبه صبياناً جلوساً في الأسواق، يصيحون إلى أصحابهم قائلين: زمّرنا لكم فلم ترقصوا، ونحنا لكم فلم تبكوا، جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب، فقالوا: معه جنون، جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقالوا: هذا إنسان أكول شرّيب خليل العشارين والخطأة، فتبررت الحكمة من بنيها، حينئذ بدأ يعيّر المدن التي كان فيها أكثر قواته، لأنهم لم يتوبوا، ويقول: الويل لك يا كورزين! والويل لك يا بيت صيدا! لأن القوات اللاتي كنّ فيكما قديماً لو كنّ في صور وصيدا لتابوا بالمسوح والرماد، لكن أقول لكم: إن لصور وصيدا راحة في يوم الدين أكثر منكن، وأنت يا كفرناحوم لو ارتفعت إلى السماء ستهبطين إلى الجحيم، لأنه لو كان في سدوم هذه القوات التي كانت فيك إذن لثبتت إلى اليوم، وأقول لكم أيضاً: إن أرض سدوم تجد راحة يوم الدين أكثر منك. ثم قال: وانتقل يسوع من هناك ودخل إلى مجمعهم وإذا رجل هناك يده يابسة - وقال لوقا: يده اليمنى يابسة - فسألوه قائلين: هل يحل أن يشفى في السبت؟ فقال لهم: أي إنسان منكم يكون له خروف، يسقط في حفرة في السبت، ولا يمسكه ويقيمه؟ فبكم أحزي الإنسان أفضل من الخروف، فإذن جيد هو فعل الخير في السبت؛ وقال لوقا: فقال للرجل اليابس اليد: قف في الوسط، فقام، وقال لهم يسوع: أسألكم ماذا يحل أن يعمل في السبت؟ خير أم شر؟ نفس تخلص أم تهلك؟ فسكتوا؛ قال متى: حينئذ قال للإنسان: أمدد يدك، فمدها فصحت مثل الأخرى، فخرج الفريسيون - قال مرقس: مع أصحاب هيرودس - متوامرين في إهلاكه، فعلم يسوع وانتقل من هناك وتبعه جمع كثير، فشقى جميعهم، وأمرهم أن لا يظهروا ذلك لكي يتم ما قيل في أشعيا النبي القائل: ها هوذا فتاي الذي هويت، وحبيبي الذي به سررت، أضع روحي عليه ويخبر الأمم بالحكم، لا يماري ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في الشوارع، قصبة مرضوضة لا تكسر، وسراج مطفطف لا يطفأ حتى يخرج الحكم في الغلبة، وعلى اسمه تتكل الأمم؛ ثم قال: وفي ذلك اليوم خرج يسوع من البيت وجلس جانب البحر، فاجتمع إليه جمع كبير حتى أنه صعد إلى السفينة وجلس، وكان الجمع كله قياماً على الشطّ، وكلهم بأمثال كثيرة قائلاً: ها هو ذا خرج الزارع ليزرع، وفيما هو يزرع سقط البعض على الطريق، فأتى الطير وأكله - وقال لوقا: فديس وأكله طائر السماء - وبعض سقط على الصخرة حيث لم يكن له أرض كثيرة، وللوقت شرق إذ ليس له عمق أرض، ولما أشرقت الشمس احترق، وحيث لم يكن له أصل يبس، وبعض سقط في الشوك فطلع الشوك وخنقه؛ وقال مرقس: فخنقه بعلوه عليه فلم يأتي بثمرة؛ وقال متى: وبعض سقط في الأرض الجيدة فأعطى ثمره، للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين - قال لوقا: فلما قال هذا نادى: من له أذنان سامعتان فليسمع - فتقدم إليه تلاميذه وقالوا له: لماذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجابهم وقال: أنتم أعطيتم معرفة سرائر ملكوت السماوات - وقال لوقا: فقال لهم: لكم أعطي علم سرائر ملكوت الله - وأولئك لم يعطوا، ومن كان له يعطي ويزاد، ومن ليس له فالذي له يؤخذ منه - وقال لوقا: والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه له - فلهذا أكلمهم بالأمثال، لأنهم يبصرون فلا يبصرون، ويسمعون فلا يسمعون ولا يفهمون، لكي تتم فيهم نبوة أشعيا لقائل: سمعاً يسمعون فلا يفهمون، ونظراً ينظرون فلا يبصرون، لقد غلظ قلب هذا الشعب، وثقلت آذانهم عن السماع، وغمضوا أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم، فأما أنتم فطوبى لعيونكم! لأنها تنظر، ولآذانكم! لأنها تسمع؛ وقال لوقا: ومثل الزرع هذا هو كلام الله؛ وقال متى: كل من يسمع كلام الملكوت ولا يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في قلبه، هذا الذي زرع على الطريق، والذي زرع على الصخرة هو الذي يسمع الكلام وللوقت يقبله بفرح، وليس له فيه أصل، لكن في زمان يسير، إذا حدث ضيق أو طرد فللوقت يشك - وقال مرقس: بسبب الكلمة فيشكون للوقت: وقال لوقا: وهم إنما يؤمنون إلى زمان التجربة، وفي زمان التجربة يشكون - والذي يزرع في الشوك فهو الذي يسمع الكلام فيخنق الكلام فيه؛ وقال لوقا: فتغلب عليهم هموم هذا الدهر وطلب الغنى؛ وقال مرقس: ومحبة الغنى وسائر الشهوات التي يسلكونها، فتخنق الكلمة فلا تثمر فيهم؛ وقال متى: فيكون بغير ثمرة، والذي زرع في الأرض الجيدة هو الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره؛ وقال لوقا: وأما الذي وقع في الأرض الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد فيحفظونها ويثمرون بالصبر؛ قال متى: للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين. وضرب لهم مثلاً آخر قائلاً: يشبه ملكوت السماوات إنساناً زرع زرعاً جيداً في حقله، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع زواناً في وسط القمح ومضى، فلما نبت القمح ظهر الزوان، فجاء عبيد رب البيت فقالوا له: يا سيد! أليس زرعاً جيداً زرعت في حقلك! فمن أين صار فيه زوان؟ فقال لهم: عدو فعل هذا، فقال عبيده: تريد أن نذهب فنجمعه؟ فقال لهم: لا، لئلا تنقلع معه الحنطة، دعوهما ينبتان جميعاً إلى زمان الحصاد، وأقول للحصادين: أولاً اجمعوا الزوان فشدوه حزماً ليحرق، فأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي. وضرب لهم مثلاً آخر قائلاً: يشب ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله، لأنها أصغر الزراريع كلها - وقال مرقس: وهي أصغر الحبوب التي على الأرض - فإذا طالت صارت أكبر من جميع البقول وتصير شجرة - وقال مرقس: وصنعت أغصاناً عظاماً؛ وقال لوقا: فنمت وصارت شجرة عظيمة - حتى أن طائر السماء يستظل تحت أغصانها. وكلمهم بمثل آخر وقال لهم: يشبه ملكوت السماوات خميراً أخذته امرأة وعجنته في ثلاثة أكيال دقيق فاختمر الجميع؛ وقال مرقس: وكان يقول لهم: هل يوقد سراج فيوضع تحت مكيال أو سرير، لكن على منارة؛ وقال لوقا: ليس أحد يوقد سراجاً فيغطيه، ولا يجعله تحت سرير، لكن يضعه على منارة فيرى نوره كل من يدخل؛ قال مرقس: كذلك ليس خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن؛ وقال لوقا: سراج الجسد العين، فإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله نير، وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلماً أحرص أن لا يكون النور الذي فيك ظلاماً، فإن كان جسدك كله نيراً وليس فيه جزء مظلم فإنه يكون كاملاً نيراً، كما أن السراج ينير لك بلمع ضيائه؛ وقال مرقس: من له أذنان سامعتان فليسمع، وقال لهم: انظروا ماذا تسمعون، فبالكيل الذي تكيلون يكال لكم - وتزادون أيها السامعون لأن الذي له يعطي ومن ليس عنده فالذي عنده يؤخذ منه، وقال: يشبه ملكوت الله إنساناً يلقي زرعه على الأرض وينام، ويقوم ليلاً ونهاراً والزرع ينمو ويطول وهو لا يعلم، أولاً أعشب وبعد ذلك سَنُبل، ثم يمتلئ السنبل حتى إذا انتهت الثمرة حينئذ يضع المنجل إذ قد دنا الحصاد؛ قال متى: هذا كله قاله يسوع للجموع ليتم ما قيل في النبي القائل: أفتح فاي بالأمثال وأنطق بالخفيات من قبل أساس العالم. حينئذ ترك الجمع وجاء إلى البيت فجاء إليه تلاميذه وقالوا: فسر لنا مثل زوال الحقل، أجاب: الذي زرع الزرع الجيد هو ابن الإنسان، والحقل هو العالم، والزرع الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشر، والعدو الذي زرعه هو الشيطان، والحصاد هو منتهى الدهر، والحصادون هم الملائكة، فكما أنهم يجمعون الزوان أولاً، وبالنار يحرق، هكذا يكون منتهى هذا الدهر، يرسل ملائكته ويجمعون من مملكته كل الشوك وفاعلي الإثم، فيلقونهم في أتون النار، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان، حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس في ملكوت أبيهم، من له أذنان سامعتان فليسمع. ويشبه ملكوت السماوات كنزاً مُخفىّ في حقل وجده إنسان فخبأه، ومِن فرحه مضى وباع كل شيء واشترى ذلك الحقل. وأيضاً يشبه ملكوت السماوات إنساناً تاجراً بطلب الجوهر الفاخر الحسن. فوجد درة كثيرة الثمن فمضى وباع كل ماله واشتراها. وأيضاً يشبه ملكوت السماوات شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس، فلما امتلأت أطلعوها إلى الشّط فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية، والرديء رموه خارجاً، هكذا يكون في انقضاء هذا الزمان، تخرج الملائكة ويميزون الأشرار من وسط الصديقين. ويلقونهم في أتون النار. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. فلما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك وجاء إلى بلدته وكان يُعلِّم في مجامعهم حتى أنهم بهتوا وقالوا: من أين له هذه الحكمة والقوة! وقال مرقس: من أين له هذا التعليم وهذه الحكمة التي أعطيها والقوات التي تكون على يديه - انتهى. أليس هذا ابن النجار؟ وقال لوقا: وكان جميعهم يشهدون له ويتعجبون من كلام النعمة الذي كان يخرج من فمه، وكانوا يقولون: أليس هذا ابن يوسف؟ انتهى. أليس أمه تسمى مريم وإخوته يعقوب ويوسا وسمعان ويهودا؟ أليس هو وأخواته عندنا جميعاً؟ فمن أين له هذا كله؟ وكانوا يشكون فيه، فإن يسوع قال لهم: لا يهان نبي إلا في بلدته وبيته؛ وقال مرقس: ليس يهان نبي إلا في بلدته وعند أنسابه وبيته؛ وقال لوقا: فقال لهم: لعلكم تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب! اشف نفسك والذي سمعنا أنك صنعته في كفرناحوم افعله أيضاً ههنا في مدينتك، فقال لهم: الحق أقول لكم، إنه لا يقبل نبي في مدينته، الحق أقول لكم، إن الأرامل كثيرة كنّ في إسرائيل في أيام إليا إذ أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر، وصار جوع عظيم في الأرض كلها، ولم يرسل إلياء إلى واحدة منهن إلا أرملة في صارفة صيدا، وبرص كثيرون كانوا في إسرائيل على عهد اليشع النبي ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان الشامي، فامتلأ جميعهم غضباً عندما سمعوا هذا وأخرجوه خارج المدينة، وجاؤوا به إلى أعلى الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه إلى أسفل، فأما هو فجاز وسطهم ومضى، ونزل إلى كفرناحوم مدينة في الجليل، وكان يعلمهم في السبت وبهتوا من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان. وقال في موضع آخر: وجاء إليه ناس من الفريسيين وقالوا له: اخرج فاذهب من ههنا فإن ثيرودس يريد ليقتلك، فقال لهم: امضوا وقولوا لهذا الثعلب: إني هوذا أخرج الشياطين وأتم الشفاء اليوم وغداً وفي اليوم الثالث أكمل، وينبغي أن أقيم اليوم وغداً، وفي اليوم الآتي أذهب، لأنه ليس يهلك نبي خارجاً عن يروشليم، أيا يروشليم! أيا يروشليم! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم من مرة أردت أن أجمع بنيك مثل الدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا، هوذا أترك بيتكم خراباً، فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان فتحير، لأن كثيراً كانوا يقولون: إن يوحنا قام من الأموات، وآخرون يقولون: إن إليا ظهر، وآخرون يقولون: نبي من الأولين قام، فقال هيرودس: أنا قطعت رأس يوحنا فمن هو الذي نسمع عنه هذا، وطلب أن يبصره؛ وفي إنجيل متى: وفي ذلك الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه: هذا هو يوحنا المعمدان، وهو قام من الأموات من أجل هذه القوات التي يعمل بها. قوله: المعمد، من أعمده - إذا غسله في ماء المعمودية، قوله: تبررت، أي صارت برية بالنسبة إليهم، قوله: يعيّر المدن، أي يذكر ما أوجب لها العار، قوله: القوات جمع قوة وهي المعجزات هنا، قول: الذي هويت، يعني أحببت حباً شديداً، ولفظ الهوى الظاهر أنه يفهم نقصاً فلا يحل في شرعنا إطلاقه على الله تعالى، قوله: مطفطف، أي مملوء إلى رأسه، لا يزال كذلك، قوله: شرق - وزن: فرح، أي ضعف، من: شرق بريقه، وشرقت الشمس - إذا ضعف ضوءها، قوله: أتون وهو وزن تنور وقد يخفف: أخدود الجيار والجصاص، قوله: بسيطة، أي على الفطرة الأولى، قوله: يروشليم - بتحتانية ومهملة وشين معجمة: بيت المقدس، قوله: ملكوت أبيهم، تقدم ما فيه غير مرة.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} فيفزعون فيقول: ماذا أجبتم فيقولون: لا علم لنا، فيرد إليهم أفئدتهم فيعلمون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} قال: ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: لا علم لنا، ثم نزلوا منزلاً آخر فشهدوا على قومهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} فيقولون للرب تبارك وتعالى: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} قال: فرقا تذهل عقولهم، ثم يرد الله عقولهم إليهم، فيكونون هم الذين يسألون يقول الله {أية : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} تفسير : [الأعراف: 6]. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} قال: من هول ذلك اليوم. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: يأتي على الخلق ساعة يذهل فيها عقل كل ذي عقل، {يوم يجمع الله الرسل}. وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال: والذي نفسي بيده لتفسرن لي آياً من كتاب الله عز وجل أو لأكفرن به، فقال ابن عباس: ويحك..! أنا لها اليوم، أي آي؟ قال: أخبرني عن قوله عز وجل {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} وقال في آية أخرى {أية : ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله} تفسير : [القصص: 75] فكيف علموا وقد قالوا لا علم لنا؟ وأخبرني عن قول الله {أية : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} تفسير : [الزمر: 31] وقال في آية أخرى {أية : لا تختصموا لديَّ} تفسير : [ق: 28] فكيف يختصمون وقد قال: لا تختصموا لديَّ؟ وأخبرني عن قول الله {أية : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} تفسير : [يس: 65] فكيف شهدوا وقد ختم على الأفواه؟ فقال ابن عباس: ثكلتك أمك يا ابن الأزرق، إن للقيامة أحوالاً وأهوالاً وفظائع وزلازل، فإذا تشققت السموات، وتناثرت النجوم، وذهب ضوء الشمس والقمر، وذهلت الأمهات عن الأولاد، وقذفت الحوامل ما في البطون، وسجرت البحار، ودكدكت الجبال، ولم يلتفت والد إلى ولد، ولا ولد إلى والد، وجيء بالجنة تلوح فيها قباب الدر والياقوت حتى تنصب على يمين العرش، ثم جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد ممسك بكل زمام سبعون ألف ملك، لها عينان زرقاوان، تجر الشفة السفلى أربعين عاماً، تخطر كما يخطر الفحل، لو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر، ثم يؤتى بها حتى تنصب عن يسار العرش، فتستأذن ربها في السجود فيأذن لها، فتحمده بمحامد لم يسمع الخلائق بمثلها تقول: لك الحمد إلهي إذ جعلتني أنتقم من أعدائك ولم تجعل لي شيئاً مما خلقت تنتقم به مني إلى أهلي، فلهي أعرف بأهلها من الطير بالحب على وجه الأرض، حتى إذا كانت من الموقف على مسيرة مائة عام، وهو قول الله تعالى {أية : إذا رأتهم من مكان بعيد} تفسير : [الفرقان: 12] زفرت زفرة فلا يبقي ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صديق منتخب، ولا شهيد مما هنالك الآخر جاثياً على ركبتيه، ثم تزفر الثانية زفرة فلا يبقى قطرة من الدموع إلا بدرت، فلو كان لكل آدمي يومئذ عمل اثنين وسبعين نبياً لظن أنه سيواقعها، ثم تزفر الثالثة زفرة فتنقطع القلوب من أماكنها، فتصير بين اللهوات والحناجر، ويعلو سواد العيون بياضها، ينادي كل آدمي يومئذ يا رب نفسي نفسي، لا أسألك غيرها، حتى أن إبراهيم ليتعلق بساق العرش ينادي: يا رب نفسي نفسي، لا أسألك غيرها، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: يا رب أمتي أمتي، لا همة له غيركم، فعند ذلك يدعى بالأنبياء والرسل فيقال لهم {ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} طاشت الأحلام وذهلت العقول، فإذا رجعت القلوب إلى أماكنها {أية : ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله} تفسير : [القصص: 75] وأما قوله تعالى {أية : ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} تفسير : [الزمر: 31] فيؤخذ للمظلوم من الظالم، وللمملوك من المالك، وللضعيف من الشديد، وللجماء من القرناء حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه، فإذا أدى إلى كل ذي حق حقه أمر بأهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، اختصموا فقالوا: ربنا هؤلاء أضلونا {أية : ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار} تفسير : [ص: 61] فيقول الله تعالى {أية : لا تختصموا لديَّ وقد قدمت إليكم بالوعيد} تفسير : [ق: 28] إنما الخصومة بالموقف، وقد قضيت بينكم بالموقف، فلا تختصموا لدي. وأما قوله {أية : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} تفسير : [يس: 65] فهذا يوم القيامة، حيث يرى الكفار ما يعطي الله أهل التوحيد من الفضائل والخير. يقولون: تعالوا حتى نحلف بالله ما كنا مشركين، فتتكلم الأيدي بخلاف ما قالت الألسن: وتشهد الأرجل تصديقاً للأيدي، ثم يأذن الله للأفواه فتنطق {أية : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} تفسير : [فصلت: 21].
ابو السعود
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} نُصب على أنه بدل اشتمال من مفعول اتقوا لما بـينهما من الملابسة، فإن مدارَ البداية ليس ملابسةَ الظرفية والمظروفية ونحوِها فقط، بل هو تعلّقٌ ما، مُصحِّحٌ لانتقال الذهن من المُبدلَ منه إلى البَدَل بوجه إجماليَ كما فيما نحن فيه، فإن كونَه تعالى خالقَ الأشياء كافةً مالكَ يومِ الدين خاصةً كافٍ في الباب، مع أن الأمرَ بتقوى الله تعالى يتبادر منه إلى الذهن أن المُتقَّىٰ أيُّ شأنٍ من شؤونه وأيُّ فعلٍ من أفعاله. وقيل: هناك مضافٌ محذوفٌ به يتحقق الاشتمال، أي اتقوا عذابَ الله فحينئذ يجوزُ انتصابُه منه بطريق الظرفية، وقيل: منصوب بمُضْمر معطوفٍ على (اتقوا) وما عُطف عليه، أي واحذروا أو اذكروا يوم الخ، فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يُضْطرُّهم إلى تقوى الله عز وجل وتلقِّي أمره بسمع الإجابة والطاعة، وقيل: هو ظرف لقوله تعالى: {لاَّ يَهِدِّى}، أي لا يهديهم يومئذ إلى طريق الجنة كما يهدي إليه المؤمنين، وقيل: منصوب بقوله تعالى: {وَٱسْمَعُواْ} بحذف مضاف، أي اسمعوا خبرَ ذلك اليوم، وقيل: منصوب بفعل مؤخر قد حُذف للدلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبـيانِه لكمال فظاعة ما يقع فيه من الطامّة التامة والدواهي العامة، كأنه قيل: (يوم يجمع الله الرسل فيقول) الخ، يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببـيانه نطاقُ المقال، وإظهارُ الاسمِ الجليل في موضع الإضمار لتربـية المهابة وتشديد التهويل، وتخصيصُ الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم، كيف لا و{أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } تفسير : [هود، الآية: 103] وقد قال الله تعالى: {أية : يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـٰمِهِمْ }تفسير : [الإسراء، الآية: 71] بل لإبانة شرفهم وأصالتهم، والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمعِ غيرِهم بناءً على ظهور كونهم أتباعاً لهم، ولإظهار سقوطِ منزلتهم وعدم لياقتهم بالانتظام في سلك جمع الرسل، كيف لا وهم عليهم السلام يُجمعون على وجه الإجلال، وأولئك يسحبون على وجوههم بالأغلال! {فَيَقُولُ} لهم مشيراً إلى خروجهم عن عُهدة الرسالة كما ينبغي حسبما يُعربُ عنه تخصيصُ السؤال بجواب الأمم إعراباً واضحاً، وإلا لصدر الخطاب بأن يقال: هل بلغتم رسالاتي؟ وماذا في قوله عز وجل: {مَاذَا أُجَبْتُمُ} عبارةٌ عن مصدر الفعل، فهو نصْبٌ على المصدرية أيْ أيَّ إجابةٍ أُجبتم من جهة أُممِكم إجابةَ قَبول أو إجابةَ رد؟ وقيل: عبارة عن الجواب فهو في محل النصب بعد حذف الجارِّ عنه أيْ بأيِّ جوابٍ أجبتم؟ وعلى التقديرين ففي توجيه السؤال عما صدرَ عنهم وهم شهودٌ إلى الرسل عليهم السلام كسؤال الموؤودة بمَحْضرٍ من الوائد، والعدولِ عن إسناد الجواب إليهم بأن يقال: ماذا أجابوا؟ من الأنباء عن كمال تحقيرِ شأنهم وشدة الغيظ والسُّخط عليهم ما لا يخفى {قَالُواْ} استئناف مبني على سؤال نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل: فماذا يقول الرسل عليهم السلام هنالك؟ فقيل: يقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَا} وصيغةُ الماضي للدلالة على التقرر والتحقق كما في قوله تعالى: {أية : وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ }تفسير : [الأعراف، الآية: 44] {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ } تفسير : [الأعراف، الآية: 48] ونظائرِهما، وإنما يقولون ذلك تفويضاً للأمر إلى علمه تعالى وإحاطتِه بما اعتراهم من جهتهم من مقاساة الأهوال ومعاناة الهموم والأوجال وعَرْضاً لعجزهم عن بـيانه لكثرته وفظاعتِه {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تعليل لذلك، أي فتعلَمُ ما أجابوا وأظهروا لنا وما لم نعلمْه مما أضمَروه في قلوبهم، وفيه إظهارٌ للشَّكاةِ وردّ للأمر إلى علمه تعالى بما لَقُوا من قبلهم من الخطوب، وكابدوا من الكروب، والتجاءٌ إلى ربهم في الانتقام منهم، وقيل: المعنى لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة ورُدَّ ذلك بأنهم يعرفونهم بسيماهم فكيف يخفى عليهم أمرُهم؟ وأنت خبـير بأن مُرادهم حينئذ أن بعضهم كانوا في زمانهم على الحق ثم صاروا كَفَرة، وعن ابن عباس ومجاهد والسُدّي رضي الله عنهم أنهم يفزَعون من أول الأمر ويذهَلون عن الجواب ثم يُجيبون بعدما ثابت إليهم عقولُهم بالشهادة على أممهم، ولا يلائمه التعليل المذكور. وقيل: المرادُ به المبالغةُ في تحقيق فضيحتهم، وقرىء (علامَ الغيوب) بالنصب على النداء أو الاختصاص بالمدح، على أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: {أَنتَ} أي إنك أنت المنعوتُ بنعوتِ كمالِك المعروفُ بذلك.
التستري
تفسير : وقوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ}[109] يعني لا علم لنا بما كان في قلوبهم من الإيمان بك وغيره، إنما علمنا بما أظهروه من الإقرار باللسان {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}[109] فقيل له: يطالبهم بحقيقة ما في قلوب الأمة؟ فقال: لا، وإنما وقع السؤال بنفسه إياهم عن حقيقة الظاهر الذي لا يظهر إلاَّ بحقيقة الباطن، فأجابوا بالإشارة إلى رد العلم إليه. ويحتمل أن يكون معناه: لا علم لنا بمعنى سؤالك، مع علمك بما أجبنا: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}[109].
السلمي
تفسير : قوله تعالى وتقدس: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} [الآية: 109]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أظهر ما منه إليهم كلهم من توليه فقالوا كيف نقول فعلت الأمم - أو فعلنا عندها - كلَّت إلا عن العبادة عن الحقيقة. وقال بعضهم: لا علم لنا بسؤال عن الحقيقة. وقال: خاطبهم لعلمه بأنهم يحملون ثقل الخطاب وأشد ما ورد على الأنبياء فى نبوتهم حمل الخطاب على المشاهدة، لذلك لم يظهروا الجواب ولم ينطقوا بالجواب إلا على لسان العجز، لا علم لنا مع ما كشفت لنا من جبروتك. وقال الجنيد رحمة الله عليه: رفق بهم ولو فقهوا أو علموا لماتوا هيبة لورود الجواب للخطاب. وقال بعضهم: لولا أن الله تعالى أيدهم بخطابه بالوسائط، لذابوا حين فجِئَهم خطاب المشاهدة. وقال بعضهم: طاشت عقولهم وذهلت ألبابهم لهيبة ورود الخطاب عليهم. وقال ابن عطاء: لا علم لنا بسؤالك ولا جواب لنا عنه. وقال سهل بن عبد الله: لا عقل لنا وكانت مخاطبتهم فى أصل العقل. وقال بعضهم: لما ظهر لهم الحق بعلمه وسبقه ثم سألهم جحدوا علومهم ونسوها فى قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} [الآية: 109]. وذلك من إقامة الأدب لأجلها بما أجابوا. وحكى الواسطى رحمة الله عليه عن الجنيد رحمه الله أنه قال عن غفلة: قالوا لا علم لنا ولو فقهوا لماتوا، ولو لحظت الرسل ما تحت خطابه لذابوا. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا عمرو محمد بن الأشعث يقول: فى قوله: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ}؟ قالوا: لا علم لنا كعلمك، فإنك تعلم ما أظهروا وما أعلنوا وأضمروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا فعلمك فيهم أنفذ. وقال الواسطى رحمة الله عليه: خاطبهم بشاهدهم فثبتوا وأجابوا وسعوا فى أمره ونهيه، ثم خاطبهم بشاهده فى الآخرة وبالحقيقة فجحدوا أمرهم وأنكروا ذلك حقهم، لأن ما ستر عنهم لو أظهره لهم فى الدنيا لما أبدوا رسالة ولا قاموا بحق، وكأنهم قالوا: ما دعونا إلىالذى ظهر ولا قمنا بحق ما أظهرت لنا {لاَ عِلْمَ لَنَآ}. وقال سهل بن عبد الله فى قوله {لاَ عِلْمَ لَنَآ} أى: لا علم لنا بمرادك فى سؤالك وأنت علام الغيوب، وتلقى الخطاب بالجواب صعب ولا يتلقى خطابه إلا بالجهل والاستكانة والفقر والذلة والخضوع. سمعت محمد بن شاذان يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول: فى هذه الآية {لاَ عِلْمَ لَنَآ} أى: لا علم لنا بجواب ما يصلح لهذا السؤال. وقال أيضًا: {لاَ عِلْمَ لَنَآ} إلا علمنا بأنك أنت أعلم بهم منا وليس علمنا كعلمك يا ربنا. وقال بعضهم فى هذه الآية: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ}؟ أى كيف شكركم عن عبادى قالوا: {لاَ عِلْمَ لَنَآ} بالإجابة، إن شكرنا كذبنا وإن صدقنا شكوا ولا تحتمل قلوبنا أن نشكوا من ضعفاء إلى متكبر جبار، إنك أنت علام الغيوب، يستعفون من ذلك بالسؤال قوله: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}. قال بعضهم: قطعهم بذلك عن الشفاعات حتى يستأذنوا فيأذن لمن يشاء بقوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255].
القشيري
تفسير : يكاشفهم بنعت الجلال فتنخنس فهومُهم وعلومُهم حتى ينطقوا بالبراءة عن التحقيق ويقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}، وهكذا تكون الحالة غداً: مَنْ قال لشيءٍ، أو مَالَ لشيءٍ مما يكون نعتاً بمخلوق فعند ظهور وابل التعزُّز تتلاشى الجملة، فالملائكة يقولون: "ما عبدناك حق عبادتك" والأنبياء يقولن: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}.
البقلي
تفسير : ان الله سبحانه اياما وساعات لظهور جبروته وكشف ملكوته وبروز انوار عزة قدمه وشروق بروق لمعات وحدانية ابديته وخص لها خطاب العظمة وسياسية السلطنة واظهرها لقواطب اهل جلاله ورؤية عظائم قدرته واجراء مشيئةه وهناك مجامر عطر صفاته وتذوع نفحة مسك سبحات ذاته قال اهل جلاله ورؤية عظئام قدرته واجراء مشيئته وهناك تفوح مجامر عطر صفاته وتذروع نفحة مسك سحبات ذاته قال سيد اهل الاشارة عليه الصلاة والسلام ان لربكم فى أيام درهركم لنفحات الا فترعضوا لها فلما اراد كشف الكلى واجراء خطاب الازلى بجمع اكابر اهل القرب من المرسلين والنبيين والملائكة والمقربين وذلك يوم القيامة يوم العرض الاكبر حيث تمتع العارفون بجمال الحق وجلاله وقربه ووصلاه والقيامة بلد احياء الله هناك يستانوسن به ابدا ويحولون على مراكب النور فى ميادين السر وهناك مقامات ففى مقام لهم بقاء وذلك من بسط الله بساط عطا فى المشاهدة وفى مقام لهم فناء وذلك من تراكم عساكر سطوات العظمة حيث يظهر رداء الكبرياء وازار العظمة فى ذلك المقام الحدثان وما فيها فى عزة القدم فيفنيهم ساعة بالجلال ويبقيهم ساعة بالجمال ويخاطبهم ساعة بالجمال ويخاطبهم ساعة باللطف وساعة القهر لتعرفهم طرائق كشوف الالوهية بنعت المباشر ومن ذلك الخطاب قوله لمن الملك اليوم له الواحد القهار وايضا قوله سبحانه يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا احببتم عرفهم بخاطبه معهم عجز العبودية فى الربوبية وفناء الحدث فى القدم عينانا بعد الخير خاطبهم بعد احاطته بجميع ذرات الكون وبعد علمه الشامل يجريان الحدثان من الازل الى الايد ومقصوده تعالى منزه من الجهل بشئ من العرش الى الثرى ومعنى قول سيد المرسلين لا علم نا بما تريده منا وبما تريد منهم ولا علم لنا بما اجريت فى الازل علينا ولا علم لنا بما فى انفسنا فضلا بما فى نفسك ولا علم لنا الا علما مخلوقا مستفاد من علمك وتعليمك ايانا واذا بهتوا تاهوا وتحيروا وتلاشو فى كشف عظمته طاشت اشباحهم وطابت ارواحهم ولم يطليقوا ان يتكلموا بما فى ضمائرهم من صولة الخطاب وايضا استحيوا من اظهاره ما اجابهم قومهم عند جلاله وعظمته وايضا اى لا علم نا فيما وضعت فى اسرارهم فانك تعلم الغيب وذلك قوله انك انت علام الغيوب قال الواسطى ظهر ما منه اليهم كلهم من تحلية فقالوا كيف يقول فعلت الامم اوفعلنا عندها كلت الانس الا عن العبادة عن الحقيقة وقال خاطبهم لعلمه بانهم يحملون ثقل الخطاب واشد ما ورد على الانبياء فى ثبوتهم حمل الخطاب على المشاهدة لذلك لم يظهروا الجواب ولم ينطقوا بالجواب الا على لسان العجز لا علم لنا مع ما كشفت لنا من جبروتك وقالا لجنيد رفق بهم فلم يفقهوا ولو فققهوا وعلموا لما تواهيبة لورود جواب الخطاب قال ابن عطا لا علم لنا بسوالك ولا جواب لنا عنه قال بعضهم لما ظهر عليهم الحق بعلمه وسبقه ثم سالهم حجدا واعلومهم ونسوها فى قوله يوم يجمع الله الرسل الى قوله لا علم لنا وذلك من اقامة الاداب لا جهلا بما اجابوا قال محمد بن فضل لا علم لنا اى لا علم لنا بجواب ما يصلح لهذا السؤال.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يجمع الله الرسل} اى اذكروا يوم يجمع الله الرسل وهو يوم القيامة والمراد جمعهم وجمع اممهم وانما لم يذكر الامم لانهم اتباع لهم {فيقول} اى الله تعالى للرسل {ماذا اجبتم} اى أى اجابة اجبتم من جهة الامم حين دعوتموهم الى توحيدى وطاعتى أاجابة اقرار وتصديق ام اجابة انكار وتكذيب فماذا فى محل النصب على انه مفعول مطلق للفعل المذكور بعده. وفيه اشارة الى خروجهم من عهدة الرسالة كما ينبغى والا لصدر الخطاب بان يقال هل بلغتم رسالتى ولم يقل ماذا اجابوا بناء على كمال تحقير شأنهم وشدة الغيظ والسخط عليهم. فان قلت ما وجه السؤال مع انه تعالى لا يخفى عليه شىء. قلت توبيخ القوم كما ان قوله تعالى {أية : وإذا الموؤدة سُئلت بأى ذنب قتلت} تفسير : [التكوير: 8-9]. المقصود منه توبيخ من فعل ذلك الفعل بها {قالوا} كأنه قيل فماذا يقول الرسل هنالك فقيل يقولون {لا علم لنا} بما كنت انت تعلم {إنك أنت علام الغيوب} تعليل لذلك اى لانك تعلم ما اضمروه وما اظهروه ونحن لا نعلم الا ما اظهروه فعلمنا فى علمك كالمعدوم وهذا الجواب يتضمن التشكى من الامم كأنه قيل علمك محيط بجميع المعلومات فتعلم بما ابتلينا من قبلهم وكابدنا من سوء اجابتهم فنلتجىء اليك فى الانتقام منهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذا الجواب انما يكون فى بعض مواطن القيامة وذلك عند زفرة جهنم وجثوّ الامم على الركب لا يبقى ملك مقرب ولا نبى مرسل الا قال نفسى نفسى فعند ذلك تطير القلوب من اماكنها فيقول الرسل من شدة هول المسألة وهول الموطن {لا علم لنا انك انت علام الغيوب} وترجع اليهم عقولهم فيشهدون على قومهم انهم بلغوهم الرسالة وان قومهم كيف ردوا عليهم فان قيل كيف يصح ذهول العقل مع قوله تعالى {أية : لا يحزنهم الفزع الاكبر} تفسير : [الأنبياء: 103]. قيل ان الفزع الاكبر دخول جهنم: قال السعدى قدس سره شعر : دران روزكز فعل برسندوقول اولوا العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبياء توعذر كنه را جه دارى بيا برادر زكار بدان شرم دار كه درروى نيكان شوى شر مسار سراز جيب غفلت بر آور كنون كه فردا نماند بخجلت نكون تفسير : وقيل قولهم {لا علم لنا} ليس المقصود منه نفى العلم بجوابهم حال التبليغ ولا وقت حياة الانبياء بل المقصود نفى علمهم بما كان من الامم بعد وفاة الانبياء فى العاقبة وآخر الامر الذى به الاعتبار لان الثواب والعقاب انما يدوران على الخاتمة وذلك غير معلوم لهم فلهذا المعنى قالوا {لا علم لنا} وفى الحديث "حديث : انى على الحوض انظر من يرد علىّ منكم والله ليقطعن دونى رجال فلأقولن اى ربى منى ومن امتى فيقول انك لا تدرى ما احدثوا بعدك ما زالوا يرجعون على اعقابهم " .تفسير : وهو عبارة عن ارتدادهم اعم من ان يكون من الاعمال الصالحة الى السيئة او من الاسلام الى الكفر وفى الحديث "حديث : يدعى نوح يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما اتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وامته فيشهدون انه قد بلغ " .تفسير : فذلك قوله تعالى {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة: 143]. انما شهد محمد وامته بذلك مع انهم بعد نوح لعلمهم بالقرآن ان الانبياء كلهم قد بلغوا اممهم ما ارسلوا به وقد جاء فى الرواية "حديث : ثم يؤتى بمحمد فيسأل عن حال امته فيزكيهم ويشهد بصدقهم ". تفسير : فذلك قوله تعالى {أية : ويكون الرسول عليكم شهيدا} تفسير : [البقرة: 143]. فعلى العاقل ان يجيب الى دعوة الحق وينتصح بنصيحة الناصح الصدق شعر : امروز قدر بند عزيزان شناختم يارب روان ناصح ما ازتو شادباد تفسير : واعلم ان القيامة يوم يتجلى الحق فيه بالصفة القهارية قال تعالى {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : [غافر: 16]. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة هذا ترتيب انيق فان الذات الاحدى يدفع بوحدته الكثرة وبقهره الآثار فيضمحل الكل فلا يبقى سواه تعالى وقيامة العارفين دائمة لانهم يكاشفون الامور ويشاهدون الاحوال فى كل موطن على ما هى عليه وهى القيامة الكبرى وحشر الخواص بل الاخص اللهم اجعلنا ممن مات بالاختيار قبل الموت بالاضطرار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {يوم}: بدل من {الله}، بدل اشتمال، أي: اتقوا يوم الجمع، أو ظرف لاذكُر، و {ماذا}: منصوب على المصدر، أي: أيّ إجابة أُجبتم. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {يوم يجمع الله الرسل} والأمم يوم القيامة {فيقول} للرسل: {ماذا أُجبتم}؟ أي: ما الذي أجابكم به قومكم، هل هو كفر أو إيمان، طاعة أو عصيان؟ والمراد بهذا السؤال توبيخ من كفر من الأمم، وإقامة الحجة عليهم، فيقولون له في الجواب: {لا علم لنا} مع علمك، تأدبوا فوكلوا العلم إليه، أو علمنا ساقط في جنب علمك؛ {إنك أنت علاّم الغيوب}؛ لأن من علم الخفيات لا تخفي عليه الظواهر والبواطن، وقرىء بنصب علام، على أن الكلام قد تم بقوله: {إنك أنت} أي: إنك الموصوف بصفاتك المعروفة، وعلام نصب على الاختصاص أو النداء. قاله البيضاوي. الإشارة: من حجة الله على عباده، أن بعث في كل أمة نذيرًا يدعوا إلى الله، إما عارفًا يعرف بالله، أو عالمًا يعلم أحكام الله، ثم يجمعهم يوم القيامة فيسألهم: ماذا أجيبوا، وهل قوبلوا بالتصديق والإقرار، أو قوبلوا بالتكذيب والإنكار؟ فتقوم الحجة على العوام بالعلماء، وعلى الخواص بالعارفين الكُبراء، أهل التربية النبوية، فلا ينجو من العتاب إلا من ارتفع عنه الحجاب، بصحبة العارفين وتعظيمهم وخدمتهم، إذ لا يتخلص من العيوب إلا من صحبهم وأحبهم وملّك نفسه إليهم. والله تعالى أعلم. ثم خصَّ عيسى عليه السلام بتذكير النعم يوم الجمع توطئة لتوبيخ من عبده من دون الله، فقال: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ}.
الطوسي
تفسير : في ما ينتصب به قوله {يوم}؟ قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - انه انتصب بمحذوف تقديره احذروا {يوم يجمع الله الرسل}. الثاني - اذكروا يوم يجمع الله. الثالث - قال الزجاج: ينتصب بقوله {اتقوا الله}. وقال المغربي: يتعلق بقوله {لا يهدي القوم الفاسقين} إلى الجنة {يوم يجمع الله} ولا يجوز أن ينتصب على الظرف بهذا الفعل، لانهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم، لكن انتصب على انه مفعول به. واليوم لا يتقى ولا يحذر، وانما يتقى ما يكون فيه من العقاب والمحاسبة والمناقشة كأنه قال اتقوا عقاب يوم، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه. وقوله {ماذا أجبتم} تقرير للرسل في صورة الاستفهام على وجه التوبيخ للمنافقين عند اظهار فضيحتهم وهتك أستارهم على رؤوس الاشهاد. وقول الرسل {لا علم لنا} قيل فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن والسدي ومجاهد أنهم قالوا ذلك لذهولهم من هول ذلك المقام. فان قيل كيف يجوز ذهولهم مع انهم آمنون لا يخافون؟ كما قال {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر}تفسير : وقال {أية : لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}تفسير : قيل ان الفزع الاكبر دخول جهنم. وقوله {ولا خوف عليهم} هو كقولك للمريض لا خوف عليك، ولا بأس عليك، مما يدل على النجاة من تلك الحال، وخالف أبو علي في هذا ولم يجز الا ما نحكيه عنه. الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد - في رواية أخرى - ان معناه لا علم لنا إِلا ما علمتنا فحذف لدلالة الكلام عليه. الثالث - قال الحسن في رواية أخرى وابو علي الجبائي: ان معناه لا علم لنا بباطن ما أجاب به أممنا لان ذلك هو الذي يقع عليه الجزاء. وقال بعضهم معناه لا علم لنا مع علمك أي ليس عندنا شيء مما نعلمه الا وانت عالم به وبكل ما غاب وحضر بدلالة قوله {إنك أنت علام الغيوب} وقيل في معنى قوله {إنك أنت علام الغيوب} انه قال علام للبالغة ها هنا لا للتكثير المعلوم.
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} ظرف لقوله لا يهدى اولا ذكر او ذكّر مقدّر او المقصود التّعريض بمن لم يجب محمّداً (ص) فى ولاية امير المؤمنين (ع) {فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} فى دعوتكم العامّة او فى دعوتكم الخاصّة الى خلفائكم وفسّرت فى الخبر به، فعن الباقر (ع) انّ لهذا تأويلاً يقول: ماذا اجبتم فى اوصيائكم الّذين خلّفتموهم على اممكم فيقولون لا علم لنا بما فعلوا من بعدنا وقوله تعالى {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} يشير الى هذا لانّ نفى العلم بعد رحلتهم صحيح وفى زمان حيوتهم علموا من اجاب ومن لم يجب وكيف اجابوا.
الهواري
تفسير : قوله: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} ذكروا عن مجاهد قال: تنزع أفئدتهم فلا يعلمون [ثم ترد إليهم فيعلمون] وقال الحسن: يعنون أنهم لا علم لهم بباطن أمورهم، إنما علمنا الظاهر ولم نعلم الباطن. قوله: {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ} قال الحسن: يقوله يوم القيامة. كقوله: (أية : وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ) تفسير : [غافر:49] أي إنهم سيقولون ذلك، وكقوله: (أية : وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) تفسير : [سبأ:33] وأشباه ذلك من كتاب الله. قال: {إِذْ أََيَّدتُّكَ بِرُوحِ القُدُسِ} أي إذ أعنتك بروح القدس، والقدس: الله، والروح جبريل، له اسمان: جبريل والروح. {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ} أي في حجر أمك. {وَكَهْلاً} أي كبيراً. {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي}. قال الحسن: الأكمه الأعمى. وقال غيره هو الأعمى الذي ولدته أمه مطموس العينين. {وَإِذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي} قال: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. وقد فسّرناه في سورة آل عمران.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُولَ}: بيهدى، وهو يوم القيامة، وقال الزجاج: تعلق باتقوا قبل، وهو ضعيف، وقيل: بدل اشتمال من لفظ الجلالة، ولا اشكال فيه، لكون المعنى اتقوا الله يوم جمعه، فهو كقولك فنفعنى زيد علمه الا على قول من اشترط فى بدل الاشتمال فيهم البدل لو أسقط، وقائل هذا بعد أعجبنى زيد أبوه من بدل الاضراب، أو بدل من مفعول اسمعوا المحذوف على حذف مضاف فى البدل، أى خير يوم يجمع الله الرسل، أو مفعول لا ذكر محذوفاً، أو متعلق بمحذوف أى يكون كيت وكيت يوم يجمع الله الرسل، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق وهم المكلمون أولا. {فَيَقُولُ}: أو احذروا أو تذكروا. {مَاذَا أُجِبْتُمْ}: والاستفهام توبيخى بالنظر الى أقوام الرسل، تقريرى بالنظر الى الرسل، وماذا اسم واحد مركب مفعول مطلق واقع على الاجابة، بمعنى أى اجابة أجابكم لقوامكم حتى دعوتموهم للتوحيد والطاعة، أو ما مبتدأ واذ خبره بمعنى الذى، أى ما الجواب الذى أجبتموه، فعائد الموصول محذوف هو الهاء مفعول مطلق، أو ماذا اسم مركب مقدر بالياء متعلقة بأى، أى أجبتم بماذا أجبتم. {قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا}: نسوا عليهم السلام ما أجابهم به أقوامهم للدهشة من هول الحشر، قاله الحسن، ومثله قول مجاهد: يفزعون فيقولون لا علم لنا، واعترض بقوله تعالى: {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر }تفسير : ويجاب بأنهم دهشوا عند السؤال ولم يحزنوا، وليس الدهش يوجب الحزن ويزول بعد ذلك دهشهم فيشهدوا بالتبليغ وأولى من ذلك أن يقال: الفزع عند الخروج من القبر بدليل: {حديث : وتتلقاهم الملائكة }. تفسير : وقال ابن عباس: لا علم لنا كعلمك فيهم، لأنك تعلم ما أظهروا وما أضمروا، وقيل لا علم لنا بعاقبة أمرهم اذ لا ندرى ما أحدثوا بعدنا، واعترض بأن هذا جواب لا يطابق السؤال، ولا دليل على أن المراد لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، ولو علمنا بما كان على عهدنا. ويناسب هذا القول ما روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليردن على الحوض رجال من أصحابى حتى اذ رفعوا الى اختلجوا دونى فلأقولن أى رب أصحابى فيقال: انك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقاً لمن بدل بعدى "تفسير : وفى رواية فأقول: "حديث : فسحقاً فسحقاً "تفسير : وقيل: لا علم لنا بوجه الحكمة عند سؤالك ايانا عن أمر أنت أعلم به منا، وفى هذا القول ضعف لأنه خلاف ظاهر بلا دليل، ولعدم مطابقة السؤال ولم تظهر حكمة فى مخالفة فى هذا، والقول قبله، وأولى الأقوال ما فسرت به أولا ولو ضعفوه، ويليه ما ظهر لى الآن وهو أن يكون المعنى لا علم لنا حقيق بالأشياء، لوحوا أنهم ولو علموا ما أجيبوا به، ولكن لا يعلمون كلى شىء، ولا يعلمون ما علموا على الحقيقة كما هو عند الله، ويناسب هذا والقول الثانى والثالث قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ}: ما غاب عنا البتة، وما غاب باطنه وعلمنا ظاهره وقيل: تعلم ما فى قلوبنا من علمنا بما جبنا به، ووجه آخر أن يكون المعنى نتصف بالعلم، ولا علم غيب لنا، وانما العالم أنت لعلمك الغيب، فعلمنا كلام علم، ووجه آخر: لا علم لنا بما كان بعدنا الا أنا رأيناهم سود الوجوه، زرق العيون، فهم على غير رضاك، ولا نعلم موجب ذلك تفصيلا، وذلك اما اصرار على الشرك، أو ارتداد اليه بعدنا، وقرىء بنصب علام النداء والاختصاص والنعت اسم ان، ففى هذه القراءة يكون أنت خبر ان أى انك الموصوف بأوصافك الكاملة من العلم وغيره.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ} متعلق بيهدى كما رأَيت، أَو مفعول لمحذوف أَى اذكر، وهو يوم القيامة، وقيل بدل اشتمال من لفظ الجلالة فى قوله واتقوا الله، وبدل الاشتمال ما بينه وبين المبدل منه ملابسة بغير الكلية والجزئية، وقيل متعلق بمضاف محذوف أَى اتقوا عقاب الله يوم {فَيَقُولُ} قول توبيخ لأَقوام الرسل، وهو عالم بما أُجيب به الرسل {مَاذَا أُجِبْتُمْ} ماذا مفعول مطلق واقع على الرد المفسر به أُجبتم، أَىُّ رد رد عليكم أَقوامكم فى الدنيا حين بلغتم الرسالة؟ أَو اسم استفهام وذا خبر، أَو بالعكس، وذا موصول أَى ما الذى أُجبتم، أَى ما الرد الذي عليكم، أَو ما الذى أَجبتم به بناء على جواز حذف الرابط إِذا علم بلا شرط، ويضعف جعل ماذا مجروراً بحرف مقدر أَى بماذا أجبتم، وعلى كل حال المراد ماذا أَجابكم أَقوامكم فى التوحيد وغيره من أمر الله ونهيه جل وعلا في الدنيا، والاستفهام توبيخ لأَقوام الرسل بلا خطاب لهم، وإِنما كان بلا خطاب لتحقيرهم وشدة السخط حتى أَنه لذلك لم يذكرهم إِذ لم يقل ماذا أَجابكم أَممكم {قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا} بماذا أَجابونا، نسوا لدهش القيامة ثم ترجع إِليهم عقولهم فيقولون لأَن يوم القيامة مواطن فتارة يذهلون وتارة يجيبون، ثم رأَيت لابن عباس مثل هذا مجيباً به لابن الأَزرق فلا يرد على قوله تعالى "أية : لا يحزنهم الفزع الأَكبر" تفسير : [الأَنبياء: 103] ولا يصح أَن يقال لا علم لنا بما كنت تعلمه من الغيب مما فى قلوبهم أَو غيرها فى أَقوامنا ومن تحقيق الأَمر أَو من الخاتمة أَو يحال من جاءَ بعدنا لأَن سؤال الله لهم ليس لذلك ولأَنهم قد رأوا أَثر الشقوة، ولا يصح أَنه رد للأَمر إِلى الله عز وجل لأنه إِذ ذلك كذب، لا يقولون ما علمنا وهم علموا، وكذا يوجب الكذب ما قيل أَنهم علموا أَن الله عالم لا يظلم وأَن قولهم لا يدفع شرا فردوا العلم إِلى الله بنفيه عنهم تأدبا، ولا ما قيل أَنهم جعلوا علمهم كلا علم بالنسبة إِلى علم الله، وذلك أَنهم نفوا العلم عن أَنفسهم بلا النافية للجنس فلم تصح تلك الدعاوى، ولا يخفى تكلف ما قيل أَن نفى العلم كناية عن التشكك من أَقوامهم والالتجاء إِلى الله، وقالوا بمعنى يقولون لكنه لوجوب وقوع القول صاروا كأَنهم قد قالوا {إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ} ما غاب عن خلقك أَلبتة أَو غاب عنه بعد علمهم به، وجمع الغيب مع أَنه مصدر صالح للكثير لأَن المراد الدلالة على أَنواع الغيب، وذلك بمعنى أَنه يعلم غيب ما غاب وذلك علم للغائب، وأَما إِن قلنا: الغيب نفس ما غاب أَو الغيوب جمع غيب مخفف غيب فلا إِشكال في الجمع.
الالوسي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } قيل ظرف لقوله عز وجل: { أية : لاَّ يَهِدِّى } تفسير : [المائدة: 108]، ونظر فيه الحلبـي من حيث إنه سبحانه لا يهديهم مطلقاً لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا وهذا احتمال ذكره الزمخشري، ونقل عن المغربـي أيضاً وهو ظاهر على تقدير أن يكون المراد لا يهديهم إلى طريق الجنة، وفيه مراعاة لمذهب الاعتزال من نفي الهداية المطلقة لا يجوز على الله جل وعلا ولذلك خصص المهدي إليه، وقيل: إنه بدل من مفعول { أية : وَٱتَّقَوْاْ } تفسير : [المائدة: 108] فهو حينئذ مفعول لا ظرف. وتعقبه أبو حيان بأن فيه بعداً لطول الفصل بالجملتين، وقال الحلبـي: لا بعد فإن هاتين الجملتين من تمام معنى الجملة الأولى وهو عند القائلين بالبدلية بدل اشتمال. وتعقب ذلك العلم العراقي بأن الانصاف أن بدل الاشتمال هٰهنا ممتنع لأنه لا بد فيه من اشتمال البدل على المبدل منه أو بالعكس وهنا يستحيل ذلك ولهذا قال الحلبـي: لا بد في هذا الوجه من تقدير مضاف ليصح. والمراد اتقوا عقاب الله يوم وحينئذ يصح انتصاب اليوم على الظرفية، وقال المحقق التفتازاني: وجه بدل الاشتمال ما بينهما من الملابسة بغير الكلية والبعضية بطريق اشتمال المبدل منه على البدل لا كاشتمال الظرف على المظروف بل بمعنى أن ينتقل الذهن إليه في الجملة ويقتضيه بوجه إجمالي مثلاً إذا قيل اتقوا الله يتبادر الذهن منه إلى أنه من أي أمر من أموره وأي يوم من أيام أفعاله يجب الاتقاء أيوم جمعه سبحانه للرسل أم غير ذلك، واعترض بأنه اشترط في ذلك أن لا يكون ظرفية وهذا ظرف زمان لو أبدل منه لأوهم ذلك، وقيل: إنه منصوب بمضمر معطوف على {ٱتَّقَوْاْ } الخ واحذروا أو واذكروا يوم الخ فإن تذكير ذلك اليوم الهائل مما يضطرهم إلى تقوى الله تعالى وتلقي أمره بسمع الإجابة، وقيل: منصوب بقوله سبحانه: { أية : وَٱسْمَعُواْ } تفسير : [المائدة: 108] بحذف مضاف أي واسمعوا خبر ذلك اليوم. وقيل: منصوب بفعل مؤخر قد حذف للدلالة على ضيق العبارة عن شرحه وبيانه لكمال فظاعة ما يقع فيه كأنه قيل: يوم يجمع الله الرسل الخ يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي ببيانه نطاق المقال، وتخصيص الرسل بالذكر مع أن ذلك يوم مجموع له الناس لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم بناء على ظهور كونهم أتباعاً لهم. وقيل: ولا يخفى لطفه على بعض الاحتمالات الآتية في الآية لأن المقام مقام ذكر الشهداء والرسل عليهم الصلاة والسلام هم الشهداء على أممهم كما يدل على ذلك قوله تعالى: { أية : وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً } تفسير : [القصص: 75] ففي بيان حالهم وما يقع لهم يوم القيامة وهم هم من وعظ الشهداء الذين البحث فيهم ما لا يخفى، وبهذا تتصل الآية بما قبلها أتم اتصال. وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتربية / المهابة وتشديد التهويل. {فَيَقُولُ } لهم {مَاذَا أُجبْتُمْ} أي في الدنيا حين بلغتم الرسالة وخرجتم عن العهدة كما ينبىء عن ذلك العدول عن تصدير الخطاب بهل بلغتم، وفي العدول عن ماذا أجاب أممكم ما لا يخفى من الإنباء عن كمال تحقير شأنهم وشدة السخط والغيط عليهم، والسؤال لتوبيخ أولئك أيضاً وإلا فهو سبحانه علام الغيوب. و {مَاذَا} متعلق بأجبتم على أنه مفعول مطلق له أي أي إجابة أجبتم من قبل أممكم إجابة قبول أو إجابة رد. وقيل: التقدير بماذا أجبتم أي بأي شيء أجبتم على أن يكون السؤال عن الجواب لا الإجابة فحذف حرف الجر وانتصب المجرور. وضعف بأن حذف حرف الجر وانتصاب مجروره لا يجوز إلا في الضرورة كقوله: شعر : تمرون الديار ولم تعوجوا تفسير : وكذا تقديره مجروراً. وقال العوفي: إن {مَا } اسم استفهام مبتدأ و {ذَا} بمعنى الذي خبره و {أجبتم} صلته والعائد محذوف أي ما الذي أجبتم به. واعترض بأنه لا يجوز حذف العائد المجرور إلا إذا جر الموصول بمثل ذلك الحرف الجار واتحد متعلقاهما، وغاية ما أجابوا به عن ذلك أن الحذف وقع على التدريج وهو كما ترى. {قَالُواْ } استئناف مبني على سؤال نشأ من سوق الكلام كأنه قيل: فماذا يقول الرسل عليهم الصلاة والسلام حينئذ؟ فقيل: يقولون {لاَ عِلْمَ لَنَا } والتعبير بالماضي للدلالة على التقرر والتحقق كـ { أية : نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ } تفسير : [الحاقة: 13] وغيره، ونفي العلم عن أنفسهم مع علمهم بماذا أجيبوا كما تدل عليه شهادتهم عليهم الصلاة والسلام على أممهم هنالك حسبما نطقت به بعض الآيات ليس على حقيقته بل هو كناية عن إظهار التشكي والالتجاء إلى الله تعالى بتفويض الأمر كله إليه عز شأنه. وقال ابن الأنباري: إنه على حقيقته لكنه ليس لنفي العلم بماذا أجيبوا عند التبليغ ومدة حياتهم عليهم الصلاة والسلام بل بما كان في عاقبة الأمر وءاخره الذي به الاعتبار. واعترض بأنهم يرون آثار سوء الخاتمة عليهم فلا يصح أيضاً نفي العلم بحالهم وبما كان منهم بعد مفارقتهم لهم. وأجيب بأن ذلك إنما يدل على سوء الخاتمة وظهور الشقاوة في العاقبة لا على حقيقة الجواب بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلعلهم أجابوا إجابة قبول ثم غلبت عليهم الشقوة. وتعقب بأنه من المعلوم أن ليس المراد بماذا أجبتم نفس الجواب الذي يقولونه أو الإجابة التي تحدث منهم بل ما كانوا عليه في أمر الشريعة من الامتثال والانقياد أو عكس ذلك. وفي رواية عن الحسن أن المراد لا علم لنا كعلمك لأنك تعلم باطنهم ولسنا نعلم ذلك وعليه مدار فلك الجزاء، وقيل: المراد من ذلك النفي تحقيق فضيحة أممهم أي أنت أعلم بحالهم منا ولا يحتاج إلى شهادتنا. وأخرج الخطيب في «تاريخه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد نفي العلم نظراً إلى خصوص الزمان وهو أول الأمر حين تزفر جهنم فتجثو الخلائق على الركب وتنهمل الدموع وتبلغ القلوب الحناجر وتطيش الأحلام وتذهل العقول ثم إنهم يجيبون في ثاني الحال وبعد سكون الروع واجتماع الحواس وذلك وقت شهادتهم على الأمم، وبهذا أجاب رضي الله تعالى عنه نافع بن الأرزق حين سأله عن المنافاة بين هذه الآية وما أثبت الله تعالى لهم من الشهادة على أممهم في ءاية أخرى. وروي أيضاً عن السدي والكلبـي ومجاهد وهو اختيار الفراء وأنكره الجبائي، وقال: كيف يجوز القول بذهولهم من هول يوم القيامة مع قوله سبحانه: { أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } تفسير : [الأنبياء: 103] وقوله عز وجل: { أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] وقد نقل ذلك عنه الطبرسي ثم قال: «ويمكن أن يجاب عنه بأن الفزع الأكبر دخول النار. وقوله سبحانه: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } إنما هو كالبشارة بالنجاة من أهوال ذلك اليوم مثل ما يقال للمريض لا بأس عليك ولا خوف» وقيل: إن ذلك الذهول لم يكن لخوف ولا حزن وإنما هو من باب العوم في بحار الإجلال لظهور ءاثار تجلي الجلال. واعترض شيخ الإسلام على ما تقدم بأن قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } في موضع التعليل ولا يلائم ما ذكر. و {علام} صيغة مبالغة والمراد الكامل في العلم. و الغيوب جمع غيب وجمع وإن كان مصدراً على ما قال السمين لاختلاف أنواعه وإن أريد به الشيء الغائب أو قلنا إنه مخفف غيب فالأمر واضح. وقرىء {علام} بالنصب على أن الكلام قد تم عند {إِنَّكَ أَنتَ } ونصب الوصف على المدح أو النداء أو على أنه بدل من اسم إن، ومعنى {إِنَّكَ أَنتَ } إنك الموصوف بصفاتك المعروفة، والكلام على طريقة: شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : وقرأ أبو بكر وحمزة {ٱلْغُيُوبِ} بكسر الغين حيث وقع وقد سمع في كل جمع على وزن فعول كبيوت كسر أوله لئلا يتوالى ضمتان وواو.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس بطوله بقية في تصحيح العقيدة؛ وتقويم ما دخل عليها عند النصارى من انحرافات أخرجتها عن أصلها السماوي عند قاعدتها الأساسية. إذ أخرجتها من التوحيد المطلق الذي جاء به عيسى - عليه السلام - كما جاء به كل رسول قبله، إلى ألوان من الشرك، لا علاقة لها أصلاً بدين الله. ومن ثم فإن هذا الدرس كذلك يستهدف تقرير حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية - كما هي في التصور الإسلامي - تقرير هذه الحقيقة من خلال هذا المشهد العظيم الذي يعرضه؛ والذي يقرر فيه عيسى - عليه السلام - على ملأ من الرسل، ومن البشر جميعاً، أنه لم يقل لقومه شيئا مما زعموه من ألوهيته ومن تأليه أمه؛ وأنه ما كان له أن يقول من هذا الشرك كله شيئاً! والسياق القرآني يعرض هذه الحقيقة في مشهد تصويري من "مشاهد القيامة" التي يعرضها القرآن الكريم عرضاً حياً ناطقاً، موحياً مؤثراً، عميق التأثير، يهتز له الكيان البشري وهو يتلقاه كأنما يشهده اللحظة في الواقع المنظور. الواقع الذي تراه العين، وتسمعه الأذن. وتتجلى فيه الانفعالات والسمات النابضة بالحياة فها نحن أولاء أمام المشهد العظيم: {يوم يجمع الله الرسل، فيقول ماذا أجبتم؟ قالوا: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب}: يوم يجمع الله الرسل الذين فرقهم في الزمان فتتابعوا على مداره؛ وفرقهم في المكان فذهب كل إلى قريته؛ وفرقهم في الأجناس فمضى كل إلى قومه.. يدعون كلهم بدعوة واحدة على اختلاف الزمان والمكان والأقوام؛ حتى جاء خاتمهم - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة الواحدة لكل زمان ومكان وللناس كافة من جميع الأجناس والألوان.. هؤلاء الرسل إلى شتى الأقوام، في شتى الأمكنة والأزمان.. ها هو ذا مرسلهم فرادى، يجمعهم جميعاً؛ ويجمع فيهم شتى الاستجابات، وشتى الاتجاهات. وها هم أولاء.. نقباء البشرية في حياتها الدنيا؛ ومعهم رسالات الله إلى البشرية في شتى أرجائها، ووراءهم استجابات البشرية في شتى أعصارها. هؤلاء هم أمام الله.. رب البشرية - سبحانه - في مشهد يوم عظيم. وها هو ذا المشهد ينبض بالحياة: {يوم يجمع الله الرسل. فيقول: ماذا أجبتم؟}. {ماذا أجبتم؟}.. فاليوم تجمع الحصيلة، ويضم الشتات، ويقدم الرسل حساب الرسالات، وتعلن النتائج على رؤوس الأشهاد. {ماذا أجبتم؟}.. والرسل بشر من البشر؛ لهم علم ما حضر، وليس لديهم علم ما استتر. لقد دعوا أقوامهم إلى الهدى؛ فاستجاب منهم من استجاب، وتولى منهم من تولى.. وما يعلم الرسول حقيقة من استجاب إن كان يعرف حقيقة من تولى. فإنما له ظاهر الأمر وعلم ما بطن لله وحده.. وهم في حضرة الله الذي يعرفونه خير من يعرف؛ والذي يهابونه أشد من يهاب؛ والذي يستحيون أن يدلوا بحضرته بشيء من العلم وهم يعلمون أنه العليم الخبير.. إنه الاستجواب المرهوب في يوم الحشر العظيم، على مشهد من الملأ الأعلى، وعلى مشهد من الناس أجمعين. الاستجواب الذي يراد به المواجهة.. مواجهة البشرية برسلها؛ ومواجهة المكذبين من هذه البشرية خاصة برسلهم الذين كانوا يكذبونهم. ليعلن في موقف الإعلان، أن هؤلاء الرسل الكرام إنما جاءوهم من عند الله بدين الله؛ وها هم أولاء مسؤولون بين يديه - سبحانه - عن رسالاتهم وعن أقوامهم الذين كانوا من قبل يكذبون. أما الرسل فهم يعلنون أن العلم الحق لله وحده؛ وأن ما لديهم من علم لا ينبغي أن يدلوا به في حضرة صاحب العلم، تأدباً وحياء، ومعرفة بقدرهم في حضرة الله: فأما سائر الرسل - غير عيسى عليه السلام - فقد صدق بهم من صدق، وقد كفر بهم من كفر؛ ولقد انتهى أمرهم بهذا الجواب الكامل الشامل، الذي يدع العلم كله لله، ويدع الأمر كله بين يديه. سبحانه.. فما يزيد السياق شيئاً في هذا المشهد عنهم.. إنما يلتفت بالخطاب إلى عيسى بن مريم وحده، لأن عيسى بن مريم هو الذي فتن قومه فيه، وهو الذي غام الجو حوله بالشبهات، وهو الذي خاض ناس في الأوهام والأساطير حول ذاته، وحول صفاته، وحول نشأته ومنتهاه. يلتفت الخطاب إلى عيسى بن مريم - على الملأ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه - مريم - التهاويل.. يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه وعلى والدته؛ ويستعرض المعجزات التي آتاها الله إياه ليصدق الناس برسالته، فكذبه من كذبه منهم أشد التكذيب وأقبحه؛ وفتن به وبالآيات التي جاءت معه من فتن؛ وألهوه مع الله من أجل هذه الآيات، وهي كلها من صنع الله الذي خلقه وأرسله وأيده بالمعجزات: {إذ قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك. إذ أيدتك بروح القدس، تكلم الناس في المهد وكهلا. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل. وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني، فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني، وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني. وإذ تخرج الموتى بإذني. وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم: إن هذا إلا سحر مبين. وإذا أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي، قالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون}.. إنها المواجهة بما كان من نعم الله على عيسى بن مريم وأمه.. من تأييده بروح القدس في مهده، وهو يكلم الناس في غير موعد الكلام؛ يبرئ أمه من الشبهة التي أثارتها ولادته على غير مثال؛ ثم وهو يكلمهم في الكهولة يدعوهم إلى الله.. وروح القدس جبريل - عليه السلام - يؤيده هنا وهناك.. ومن تعليمه الكتاب والحكمة؛ وقد جاء إلى هذه الأرض لا يعلم شيئاً، فعلمه الكتابة وعلمه كيف يحسن تصريف الأمور، كما علّمه التوراة التي جاء فوجدها في بني إسرائيل، والإنجيل الذي آتاه إياه مصدقاً لما بين يديه من التوراة. ثم من إيتائه خارق المعجزات التي لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله. فإذا هو يصور من الطين كهيئة الطير بإذن الله؛ فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله - لا ندري كيف لأننا لا ندري إلى اليوم كيف خلق الله الحياة، وكيف يبث الحياة في الأحياء - وإذا هو يبرىء المولود أعمى - بإذن الله - حيث لا يعرف الطب كيف يرد إليه البصر - ولكن الله الذي يهب البصر أصلاً قادر على أن يفتح عينيه للنور - ويبرىء الأبرص بإذن الله، لا بدواء - والدواء وسيلة لتحقيق إذن الله في الشفاء، وصاحب الإذن قادر على تغيير الوسيلة، وعلى تحقيق الغاية بلا وسيلة - وإذا هو يحيي الموتى بإذن الله - وواهب الحياة أول مرة قادر على رجعها حين يشاء - ثم يذكره بنعمة الله عليه في حمايته من بني إسرائيل إذ جاءهم بهذه البينات كلها فكذبوه وزعموا أن معجزاته هذه الخارقة سحر مبين! ذلك أنهم لم يستطيعوا إنكار وقوعها - وقد شهدتها الألوف - ولم يريدوا التسليم بدلالتها عناداً وكبراً.. حمايته منهم فلم يقتلوه - كما أرادوا ولم يصلبوه. بل توفاه الله ورفعه إليه.. كذلك يذكره بنعمة الله عليه في إلهام الحواريين أن يؤمنوا بالله وبرسوله؛ فإذا هم ملبون مستسلمون، يشهدونه على إيمانهم وإسلامهم أنفسهم كاملة لله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي. قالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون}.. إنها النعم التي آتاها الله عيسى بن مريم، لتكون له شهادة وبينة. فإذا كثرة من أتباعه تتخذ منها مادة للزيغ؛ وتصوغ منها وحولها الأضاليل - فها هو ذا عيسى يواجه بها على مشهد من الملأ الأعلى، ومن الناس جميعاً، ومنهم قومه الغالون فيه.. ها هو ذا يواجه بها ليسمع قومه ويروا؛ وليكون الخزي أوجع وأفضح على مشهد من العالمين! ويستطرد السياق في معرض النعم على عيسى بن مريم وأمه، إلى شيء من نعمة الله على قومه، ومن معجزاته التي أيده الله بها وشهدها بها الحواريون: {إذ قال الحواريون: يا عيسى ابن مريم، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين. قالوا: نريد أن نأكل منها، وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا، ونكون عليها من الشاهدين. قال عيسى ابن مريم: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، وآية منك، وارزقنا وأنت خير الرازقين. قال الله: إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين}.. ويكشف لنا هذا الحوار عن طبيعة قوم عيسى.. المستخلصين منهم وهم الحواريون.. فإذا بينهم وبين أصحاب رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فرق بعيد.. إنهم الحواريون الذين ألهمهم الله الإيمان به وبرسوله عيسى. فآمنوا. وأشهدوا عيسى على إسلامهم.. ومع هذا فهم بعدما رأوا من معجزات عيسى ما رأوا، يطلبون خارقة جديدة. تطمئن بها نفوسهم. ويعلمون منها أنه صدقهم. ويشهدون بها له لمن وراءهم. فأما أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم يطلبوا منه خارقة واحدة بعد إسلامهم.. لقد آمنت قلوبهم واطمأنت منذ أن خالطتها بشاشة الإيمان. ولقد صدقوا رسولهم فلم يعودوا يطلبون على صدقه بعد ذلك البرهان. ولقد شهدوا له بلا معجزة إلا هذا القرآن.. هذا هو الفارق الكبير بين حواريي عيسى عليه السلام - وحواريي محمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك مستوى، وهذا مستوى.. وهؤلاء مسلمون وأولئك مسلمون.. وهؤلاء مقبولون عند الله وهؤلاء مقبولون.. ولكن تبقى المستويات متباعدة كما أرادها الله.. وقصة المائدة - كما أوردها القرآن الكريم - لم ترد في كتب النصارى. ولم تذكر في هذه الأناجيل التي كتبت متأخرة بعد عيسى - عليه السلام - بفترة طويلة، لا يؤمن معها على الحقيقة التي تنزلت من عند الله. وهذه الأناجيل ليست إلا رواية بعض القديسين عن قصة عيسى - عليه السلام - وليست هي ما أنزله الله عليه وسماه الإنجيل الذي آتاه.. ولكن ورد في هذه الأناجيل خبر عن المائدة في صورة أخرى: فورد في إنجيل متى في نهاية الإصحاح الخامس عشر: "وأما يسوع فدعا تلاميذه، وقال: إني أشفق على الجميع، لأن لهم الآن ثلاثة أيام يمشون معي، وليس لهم ما يأكلون. ولست أريد أن أصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق. فقال له تلاميذه: من أين لنا في البرية خبز بهذا المقدار حتى يشبع جمعاً هذا عدده؟ فقال لهم يسوع: كم عندكم من الخبز؟ فقالوا: سبعة وقليل من صغار السمك. فأمر الجموع أن يتكئوا على الأرض؛ وأخذ السبع خبزات والسمك، وشكر وكسر، وأعطى تلاميذه، والتلاميذ أعطوا الجمع، فأكل الجمع وشبعوا، ثم رفعوا ما فضل من الكسر سبعة سلال مملوءة، والآكلون كانوا أربعة الآف، ما عدا النساء والأولاد"... وورد مثل هذه الرواية في سائر الأناجيل.. وبعض التابعين - رضوان الله عليهم - كمجاهد والحسن - يريان أن المائدة لم تنزل. لأن الحواريين حينما سمعوا قول الله سبحانه: {إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين}.. خافوا وكفوا عن طلب نزولها: قال ابن كثير في التفسير: "روى الليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: "هو مثل ضربة الله ولم ينزل شيء" (رواه ابن أبي حاتم وابن جرير). ثم قال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم - هو ابن سلام - حدثنا حجاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم.. وقال أيضا؛ حدثناً أبو المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل.. وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل". ولكن أكثر آراء السلف على أنها نزلت. لأن الله تعالى قال: {إني منزلها عليكم}. ووعد الله حق. وما أورده القرآن الكريم عن المائدة هو الذي نعتمده في أمرها دون سواه.. إن الله - سبحانه - يذكر عيسى بن مريم - في مواجهة قومه يوم الحشر وعلى مشهد من العالمين - بفضله عليه: {إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟}.. لقد كان الحواريون - وهم تلاميذ المسيح وأقرب أصحابه إليه وأعرفهم به - يعرفون أنه بشر.. ابن مريم.. وينادونه بما يعرفونه عنه حق المعرفة. وكانوا يعرفون أنه ليس ربا وإنما هو عبد مربوب لله. وأنه ليس ابن الله، إنما هو ابن مريم ومن عبيدالله؛ وكانوا يعرفون كذلك أن ربه هو الذي يصنع تلك المعجزات الخوارق على يديه، وليس هو الذي يصنعها من عند نفسه بقدرته الخاصة.. لذلك حين طلبوا إليه، أن تنزل عليهم مائدة من السماء، لم يطلبوها منه، فهم يعرفون أنه بذاته لا يقدر على هذه الخارقة. وإنما سألوه: {يا عيسى ابن مريم، هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟}.. واختلفت التأويلات في قولهم: {هل يستطيع ربك}.. كيف سألوا بهذه الصيغة بعد إيمانهم بالله وإشهاد عيسى - عليه السلام - على إسلامهم له. وقيل إن معنى يستطيع ليس (يقدر) ولكن المقصود هو لازم الاستطاعة وهو أن ينزلها عليهم. وقيل: إن معناها: هل يستجيب لك إذا طلبت. وقرئت: {هل تستطيع ربك}. بمعنى هل تملك أنت أن تدعو ربك لينزل علينا مائدة من السماء.. وعلى أية حال فقد رد عليهم عيسى - عليه السلام - محذراً إياهم من طلب هذه الخارقة.. لأن المؤمنين لا يطلبون الخوارق، ولا يقترحون على الله. {قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}.. ولكن الحواريين كرروا الطلب، معلنين عن علته وأسبابه وما يرجون من ورائه: {قالوا: نريد أن نأكل منها، وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد صدقتنا، ونكون عليها من الشاهدين}. فهم يريدون أن يأكلوا من هذا الطعام الفريد الذي لا نظير له عند أهل الأرض. وتطمئن قلوبهم برؤية هذه الخارقة وهي تتحقق أمام أعينهم؛ ويستيقنوا أن عيسى عليه السلام قد صدقهم، ثم يكونوا شهوداً لدى بقية قومهم على وقوع هذه المعجزة. وكلها أسباب كما قلنا تصور مستوى معيناً دون مستوى أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فهؤلاء طراز آخر بالموازنة مع هذا الطراز! عندئذ اتجه عيسى - عليه السلام - إلى ربه يدعوه: {قال عيسى ابن مريم: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، وآية منك، وارزقنا وأنت خير الرازقين}.. وفي دعاء عيسى - بن مريم - كما يكرر السياق القرآني هذه النسبة - أدب العبد المجتبى مع إلهه ومعرفته بربه. فهو يناديه: يا الله. يا ربنا. إنني أدعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء، تعمنا بالخير والفرحة كالعيد، فتكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا؛ وأن هذا من رزقك فارزقنا وأنت خير الرازقين.. فهو إذن يعرف أنه عبد؛ وأن الله ربه. وهذا الاعتراف يعرض على مشهد من العالمين، في مواجهة قومه، يوم المشهد العظيم! واستجاب الله دعاء عبده الصالح عيسى بن مريم؛ ولكن بالجد اللائق بجلاله سبحانه.. لقد طلبوا خارقة. واستجاب الله. على أن يعذب من يكفر منهم بعد هذه الخارقة عذاباً شديداً بالغاً في شدته لا يعذبه أحداً من العالمين: {قال الله: إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم، فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين}.. فهذا هو الجد اللائق بجلال الله؛ حتى لا يصبح طلب الخوارق تسلية ولهواً. وحتى لا يمضي الذين يكفرون بعد البرهان المفحم دون جزاء رادع! وقد مضت سنة الله من قبل بهلاك من يكذبون بالرسل بعد المعجزة.. فأما هنا فإن النص يحتمل أن يكون هذا العذاب في الدنيا، أو أن يكون في الآخرة. ويسكت السياق بعد وعد الله وتهديده.. ليمضي إلى القضية الأساسية.. قضية الألوهية والربوبية.. وهي القضية الواضحة في الدرس كله.. فلنعد إلى المشهد العظيم فهو ما يزال معروضاً على أنظار العالمين. لنعد إليه فنسمع استجواباً مباشراً في هذه المرة في مسألة الألوهية المدعاة لعيسى بن مريم وأمه. استجواباً يوجه إلى عيسى - عليه السلام - في مواجهة الذين عبدوه. ليسمعوه وهو يتبرأ إلى ربه في دهش وفزع من هذه الكبيرة التي افتروها عليه وهو منها بريء: {وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}.. وإن الله - سبحانه - ليعلم ماذا قال عيسى للناس. ولكنه الاستجواب الهائل الرهيب في اليوم العظيم المرهوب: الاستجواب الذي يقصد به إلى غير المسؤول؛ ولكن في صورته هذه وفي الإجابة عليه ما يزيد من بشاعة موقف المؤلهين لهذا العبد الصالح الكريم.. إنها الكبيرة التي لا يطيق بشر عادي أن يقذف بها.. أن يدعي الألوهية وهو يعلم أنه عبد.. فكيف برسول من أولي العزم؟ كيف بعيسى بن مريم؛ وقد أسلف الله له هذه النعم كلها بعد ما اصطفاه بالرسالة وقبل ما اصطفاه؟ كيف به يواجه استجواباً عن ادعاء الألوهية، وهو العبد الصالح المستقيم؟ من أجل ذلك كان الجواب الواجف الراجف الخاشع المنيب.. يبدأ بالتسبيح والتنزيه: {قال: سبحانك!}. ويسرع إلى التبرؤ المطلق من أن يكون من شأنه هذا القول أصلاً: {ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق}. ويستشهد بذات الله سبحانه على براءته؛ مع التصاغر أمام الله وبيان خصائص عبوديته وخصائص ألوهية ربه: {إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. إنك أنت علام الغيوب}.. وعندئذ فقط، وبعد هذه التسبيحة الطويلة يجرؤ على الإثبات والتقرير فيما قاله وفيما لم يقله، فيثبت أنه لم يقل لهم إلا أن يعلن عبوديته وعبوديتهم لله ويدعوهم إلى عبادته: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم}. ثم يخلي يده منهم بعد وفاته.. وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله - سبحانه - قد توفى عيسى بن مريم ثم رفعه إليه. وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله. وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يثير أي استشكال بين أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض، وأن يكون حياً عنده. فالشهداء كذلك يموتون في الأرض وهم أحياء عند الله. أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندري لها كيفاً. وكذلك صورة حياة عيسى - عليه السلام - وهو هنا يقول لربه: إنني لا أدري ماذا كان منهم بعد وفاتي: {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد}.. وينتهي إلى التفويض المطلق في أمرهم؛ مع تقرير عبوديتهم لله وحده. وتقرير قوة الله على المغفرة لهم أو عذابهم؛ وحكمته فيما يقسم لهم من جزاء سواء كان هو المغفرة أو العذاب: {إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}.. فيا لله للعبد الصالح في موقفه الرهيب! وأين أولئك الذين أطلقوا هذه الفرية الكبيرة؛ التي يتبرأ منها العبد الطاهر البريء ذلك التبرؤ الواجف، ويبتهل من أجلها إلى ربه هذا الابتهال المنيب؟ أين هم في هذا الموقف، في هذا المشهد؟.. إن السياق لا يلقي إليهم التفاته واحدة. فلعلهم يتذاوبون خزياً وندماً. فلندعهم حيث تركهم السياق! لنشهد ختام المشهد العجيب: {قال الله: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم}.. .. هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم.. إنه التعقيب المناسب على كذب الكاذبين؛ الذين أطلقوا تلك الفرية الضخمة على ذلك النبي الكريم. في أعظم القضايا كافة.. قضية الألوهية والعبودية، التي يقوم على أساس الحق فيها هذا الوجود كله وما فيه ومن فيه.. .. هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم.. إنها كلمة رب العالمين، في ختام الاستجواب الهائل على مشهد من العالمين.. وهي الكلمة الأخيرة في المشهد. وهي الكلمة الحاسمة في القضية. ومعها ذلك الجزاء الذي يليق بالصدق والصادقين: {لهم جنات تجري من تحتها الأنهار}.. {خالدين فيها أبداً}.. {رضي الله عنهم}.. {ورضوا عنه}.. درجات بعد درجات.. الجنات والخلود ورضا الله ورضاهم بما لقوا من ربهم من التكريم: {ذلك الفوز العظيم}.. ولقد شهدنا المشهد - من خلال العرض القرآني له بطريقة القرآن الفريدة - وسمعنا الكلمة الأخيرة.. شهدنا وسمعنا لأن طريقة التصوير القرآنية لم تدعه وعداً يوعد، ولا مستقبلاً ينتظر؛ ولم تدعه عبارات تسمعها الآذان أو تقرؤها العيون. إنما حركت به المشاعر، وجسمته واقعاً اللحظة تسمعه الآذان وتراه العيون.. على أنه إن كان بالقياس إلينا - نحن البشر المحجوبين - مستقبلاً ننتظره يوم الدين، فهو بالقياس إلى علم الله المطلق، واقع حاضر. فالزمن وحجابه إنما هما من تصوراتنا نحن البشر الفانين.. وفي نهاية هذا الدرس؛ وفي مواجهة الفرية الكبرى التي لم يفتر أضخم منها قط أتباع رسول! في مواجهة الفرية الكبرى التي أطلقها أتباع المسيح عيسى بن مريم - عليه السلام - فرية ألوهيته؛ الفرية التي تبرأ منها هذا التبرؤ، وفوض ربه في أمر قومه بشأنها هذا التفويض.. في مواجهة هذه الفرية، وفي نهاية الدرس الذي عرض ذلك الاستجواب الرهيب عنها، في ذلك المشهد العظيم.. يجيء الإيقاع الأخير في السورة؛ يعلن تفرد الله - سبحانه - بملك السماوات والأرض وما فيهن؛ وقدرته - سبحانه - على كل شيء بلا حدود: {لله ملك السماوات والارض وما فيهن، وهو على كل شيء قدير}.. ختام يتناسق مع تلك القضية الكبرى التي أطلقت حولها تلك الفرية الضخمة، ومع ذلك المشهد العظيم الذي يتفرد الله فيه بالعلم، ويتفرد بالألوهية، ويتفرد بالقدرة، وينيب إليه الرسل؛ ويفوضون إليه الأمر كله؛ ويفوض فيه عيسى بن مريم أمره وأمر قومه إلى العزيز الحكيم. الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن، وهو على كل شيء قدير.. وختام يتناسق مع السورة التي تتحدث عن "الدين" وتعرضه ممثلاً في اتباع شريعة الله وحده، والتلقي منه وحده، والحكم بما أنزله دون سواه.. إنه المالك الذي له ملك السماوات والأرض وما فيهن، والمالك هو الذي يحكم: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }.. تفسير : إنها قضية واحدة.. قضية الألوهية.. قضية التوحيد.. وقضية الحكم بما أنزل الله.. لتتوحد الألوهية، ويتحقق التوحيد..
ابن عاشور
تفسير : جملة {يوم يجمع الله الرّسُلَ} استئناف ابتدائي متّصل بقوله: {أية : فأثابهم الله بما قالوا} تفسير : [المائدة: 85] إلى قوله {أية : وذلك جزاء المحسنين}تفسير : [المائدة: 85]. وما بينهما جمل معترضة نشأ بعضها عن بعض، فعاد الكلام الآن إلى أحوال الذين اتّبعوا عيسى ـــ عليه السلام ـــ، فبدّل كثير منهم تبديلاً بلغ بهم إلى الكفر ومضاهاة المشركين، للتذكير بهول عظيم من أهوال يوم القيامة تكون فيه شهادة الرسل على الأمم وبراءتهم ممّا أحدثه أممهم بعدهم في الدين ممّا لم يأذن به الله، والتخلّص من ذلك إلى شهادة عيسى على النصارى بأنّه لم يأمرهم بتأليهه وعبادته. وهذا متّصل في الغرض بما تقدّم من قوله تعالى: {أية : ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى}تفسير : [المائدة: 82]. فإنّ في تلك الآيات ترغيباً وترهيباً، وإبعاداً وتقريباً، وقع الانتقال منها إلى أحكام تشريعية ناسبت ما ابتدعه اليهود والنصارى، وذلك من قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}تفسير : [المائدة: 87] وتفنّن الانتقال إلى هذا المبلغ، فهذا عود إلى بيان تمام نهوض الحجّة على النصارى في مشهد يوم القيامة. ولقد جاء هذا مناسباً للتذكير العامّ بقوله تعالى: {أية : واتّقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين}تفسير : [المائدة: 108]. ولمناسبة هذا المقام التزم وصف عيسى بابن مريم كلّما تكرّر ذكره في هذه الآيات أربع مرات تعريضاً بإبطال دعوى أنّه ابن لله تعالى. ولأنّه لمّا تمّ الكلام على الاستشهاد على وصايا المخلوقين ناسب الانتقال إلى شهادة الرسل على وصايا الخالق تعالى، فإنّ الأديان وصايا الله إلى خلقه. قال تعالى: {أية : شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى}تفسير : [الشورى: 13]. وقد سمّاهم الله تعالى شهداء في قوله: {أية : فكيف إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41]. فقوله: {يوم يجمع} ظرف، والأظهر أنه معمول لعاملٍ محذوف يقدّر بنحو: اذكر يوم يجمع الله الرسل، أو يقدّر له عامل يكون بمنزلة الجواب للظرف، لأنّ الظرف إذا تقدّم يعامل معاملة الشرط في إعطائه جواباً. وقد حذف هذا العامل لتذهب نفس السامع كلّ مذهب ممكن من التهويل، تقديره يوم يجمع الله الرسل يكون هول عظيم لا يبلغه طُولُ التعبير فينبغي طيّه. ويجوز أن يكون متعلّقاً بفعل {قالوا لا علم لنا...} الخ، أي أنّ ذلك الفعل هو المقصود من الجملة المستأنفة. وأصل نظم الكلام: يجمع الله الرسل يوم القيامة فيقول الخ. فغيّر نظم الكلام إلى الأسلوب الذي وقع في الآية للاهتمام بالخبر، فيفتتح بهذا الظرف المهول وليوردَ الاستشهاد في صورة المقاولة بين الله والرسل. والمقصود من الكلام هو ما يأتي بقوله: {أية : وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس}تفسير : [المائدة: 116] وما بينهما اعتراض. ومن البعيد أن يكون الظرف متعلّقاً بقوله: {أية : لا يهدي القوم الفاسقين}تفسير : [المائدة: 108] لأنّه لا جدوى في نفي الهداية في يوم القيامة، ولأنّ جزالة الكلام تناسب استئنافه، ولأنّ تعلّقه به غير واسع المعنى. ومثله قول الزجّاج: إنّه متعلّق بقوله: {أية : واتّقوا الله}تفسير : [المائدة: 108] على أنّ {يوم} مفعول لأجله، وقيل: بدل اشتمال من اسم الجلالة في قوله: {أية : واتّقوا الله}تفسير : [المائدة: 108] لأنّ جمع الرسل ممّا يشمل عليه شأن الله، فالاستفهام في قوله: {ماذا أجبتم} مستعمل في الاستشهاد. ينتقل منه إلى لازمه، وهو توبيخ الذين كذّبوا الرسل في حياتهم أو بدّلوا وارتدّوا بعد مماتهم. وظاهر حقيقة الإجابة أنّ المعنى: ماذا أجابكم الأقوام الذين أرسلتم إليهم، أي ماذا تلقّوا به دعواتكم، حملاً على ما هو بمعناه في نحو قوله تعالى: {أية : فما كان جواب قومه}تفسير : [النمل: 56]. ويحمل قول الرسل: {لا علم لنا} على معنى لا علم لنا بما يضمرون حين أجابوا فأنت أعلم به منّا. أو هو تأدّب مع الله تعالى لأنّ ما عدا ذلك ممّا أجابت به الأمم يعلمه رسلهم؛ فلا بدّ من تأويل نفي الرسل العلم عن أنفسهم وتفويضهم إلى علم الله تعالى بهذا المعنى. فأجمع الرسل في الجواب على تفويض العلم إلى الله، أي أنّ علمك سبحانك أعلى من كلّ علم وشهادتك أعدل من كلّ شهادة، فكان جواب الرسل متضمّناً أموراً: أحدها: الشهادة على الكافرين من أممهم بأنّ ما عاملهم الله به هو الحقّ. الثاني: تسفيه أولئك الكافرين في إنكارهم الذي لا يجديهم. الثالث: تذكير أممهم بما عاملوا به رسلهم لأنّ في قولهم: {إنّك أنت علاّم الغيوب}، تعميماً للتذكير بكلّ ما صدر من أممهم من تكذيب وأذى وعناد. ويقال لمن يَسأل عن شيء لا أزيدك علماً بذلك، أو أنت تعرف ما جرى. وإيراد الضمير المنفصل بعد الضمير المتّصل لزيادة تقرير الخبر وتأكيده. وعن ابن الأنباري تأويل قول الرسل {لا علم لنا} بأنّهم نفوا أن يكونوا يعلمون ما كان من آخر أمر الأمم بعد موت رسلهم من دوام على إقامة الشرائع أو التفريط فيها وتبديلها فيكون قول الرسل {لا علم لنا} محمولاً على حقيقته ويكون محمل {ماذا} على قوله: {ماذا أجبتم} هو ما أجيبوا به من تصديق وتكذيب ومن دوام المصدّقين على تصديقهم أو نقض ذلك، ويعضّد هذا التأويل ما جاء بعد هذا الكلام من قوله تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله}، وقولُ عيسى عليه السلام {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} الآية ـــ فإنّ المحاورة مع عيسى بعض من المحاورة مع بقية الرسل. وهو تأويل حسن. وعبّر في جواب الرسل بــ {قالوا} المفيد للمضي مع أنّ الجواب لم يقع، للدلالة على تحقيق أنّه سيقع حتى صار المستقبل من قوة التحقّق بمنزلة الماضي في التحقّق. على أنّ القول الذي تحكى به المحاورات لا يلتزم فيه مراعاة صيغته لزمان وقوعه لأنّ زمان الوقوع يكون قد تعيّن بقرينة سياق المحاورة. وقرأ الجمهور {الغيُوب} ـــ بضم الغين ـــ. وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم ـــ بكسر الغين ـــ وهي لغة لدفع ثقل الانتقال من الضمّة إلى الباء، كما تقدّم في بيوت في قوله تعالى {أية : فأمسكوهنّ في البيوت} تفسير : من سورة النساء (15). وفصل {قالوا} جرياً على طريقة حكاية المحاورات، كما تقدّم في قوله {أية : وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة} تفسير : في سورة البقرة (30). وقوله: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم} ظرف، هو بدل من {يومَ يجمع الله الرسل} بدل اشتمال، فإنّ يوم الجمع مشتمل على زمن هذا الخطاب لعيسى، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على التي قبلها. والمقصود من ذكر ما يقال لعيسى يومئذٍ هو تقريع اليهود. والنصارى الذين ضلّوا في شأن عيسى بين طرفي إفراط بغض وإفراط حبّ. فقوله {اذكر نعمتي عليك} ـــ إلى قوله ـــ {أية : لا أعذّبه أحداً من العالمين}تفسير : [المائدة: 115] استئناس لعيسى لئلاّ يفزعه السؤال الوارد بعده بقوله: {أية : أأنت قلت للناس}تفسير : الخ... [المائدة: 116] وهذا تقريع لليهود، وما بعدها تقريع للنصارى. والمراد من {اذكر نعمتي} الذُّكر ـــ بضمّ الذال ـــ وهو استحضار الأمر في الذهن. والأمر في قوله {اذكر} للامتنان، إذ ليس عيسى بناس لنعم الله عليه وعلى والدته. ومن لازمه خزي اليهود الذين زعموا أنّه ساحر مفسد إذ ليس السحر والفساد بنعمة يعدّها الله على عبده. ووجه ذكر والدته هنا الزيادة من تبكيت اليهود وكمدهم لأنّهم تنقّصوها بأقذع ممّا تنقّصوه. والظرف في قوله {إذْ أيّدتك بروح القدس} متعلّق بـــ {نعمتي} لما فيها من معنى المصدر، أي النعمة الحاصلة في ذلك الوقت، وهو وقت التأييد بروح القدس. وروح القدس هنا جبريل على الأظهر. والتأييد وروح القدس تقدّماً في سورة البقرة (87) عند قوله:{أية : وآتينا عيسى ابن مريم البيِّنات وأيّدناه بروح القدس}.تفسير : وجملة {تكلّم} حال من الضمير المنصوب بِــ {أيّدتك} وذلك أنّ الله ألقى الكلام من الملَك على لسان عيسى وهو في المهد، وفي ذلك تأييد له لإثبات نزاهة تكوّنه، وفي ذلك نعمة عليه، وعلى والدته إذ ثبتت براءتها ممّا اتّهمت به. والجارّ والمجرور في قوله {في المهد} حال من ضمير {تُكلّم}. و{كَهْلاً} معطوف على {في المهد} لأنّه حال أيضاً، كقوله تعالى: {أية : دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً}تفسير : [يونس: 12]. والمهد والكهل تقدّماً في تفسير سورة آل عمران. وتكليمه كهلاً أريد به الدعوة إلى الدين فهو من التأييد بروح القدس، لأنّه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره الله بتبليغه. وقوله: {وإذْ علّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} تقدّم القول في نظيره في سورة آل عمران، وكذلك قوله {وإذ تخلق من الطين} ـــ إلى قوله ـــ {وإذ تخرج الموتى بإذني} تقدّم القول في نظيره هنالك. إلاّ أنّه قال هنا {فتنفخ فيها} وقال في سورة آل عمران (49) {أية : فانفخ فيه}تفسير : فعن مكّي بن أبي طالب أنّ الضمير في سورة آل عمران عادَ إلى الطير، والضمير في هذه السورة عاد إلى الهيئة. واختار ابن عطية أن يكون الضمير هنا عائداً إلى ما تقتضيه الآية ضرورة. أي بدلالة الاقتضاء. وذلك أنّ قوله: {وإذْ تَخْلُق من الطين كهيئة الطير} يقتضي صوراً أو أجساماً أو أشكالاً، وكذلك الضمير المذكّر في سورة آل عمران (49) يعود على المخلوق الذي يقتضيه {أية : أخْلُق}.تفسير : وجعله في الكشاف عائداً إلى الكاف باعتبار كونها صفة للفظ هيئة المحذوف الدّال عليه لفظ هيئة المدخول للكاف وكلّ ذلك ناظر إلى أنّ الهيئة لا تصلح لأن تكون متعلّق {تنفخ}، إذ الهيئة معنى لا ينفخ فيها ولا تكون طائراً. وقرأ نافع وحده {فتكون طائراً} بالإفراد كما قرأ في سورة آل عمران. وتوجيهها هنا أنّ الضمير جرى على التأنيث فتعيّن أن يكون المراد وإذ تخلق، أي تقدّر هيئة كهيئة الطير فتكون الهيئة طائراً، أي كلّ هيئة تقدّرها تكون واحداً من الطير. وقرأ البقية «طيراً» ـــ بصيغة اسم الجمع ـــ باعتبار تعدّد ما يقدّره من هيئات كهيئة الطير. وقال هنا {وإذا تخرج الموتى} ولم يقل: {أية : وأحي الموتى}،تفسير : كما قال في سورة آل عمران (49)، أي تخرجهم من قبورهم أحياء، فأطلق الإخراج وأريد به لازمه وهو الإحياء، لأنّ الميّت وضع في القبر لأجل كونه ميّتاً فكان إخراجه من القبر ملزوماً الانعكاس السبب الذي لأجله وضع في القبر. وقد سمّى الله الإحياء خروجاً في قوله: {أية : وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج}تفسير : [ق: 11] وقال: {أية : إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون}تفسير : [المؤمنون: 35]. وقوله: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} عطف على {إذْ أيّدتك} وما عطف عليه. وهذا من أعظم النعم، وهي نعمة العصمة من الإهانة؛ فقد كفّ الله عنه بني إسرائيل سنين، وهو يدعو إلى الدين بين ظهرانيهم مع حقدهم وقلّة أنصاره، فصرفهم الله عن ضرّه حتى أدّى الرسالة، ثمّ لمّا استفاقوا وأجمعوا أمرهم على قتله عصمه الله منهم فرفعه إليه ولم يظفروا به، وماتت نفوسهم بغيظها. وقد دلّ على جميع هذه المدّة الظرف في قوله: {إذ جئتم بالبيّنات} فإنّ تلك المدّة كلّها مدّة ظهور معجزاته بينهم. وقوله: {فقال الذين كفروا منهم} تخلّص من تنهية تقريع مكذّبيه إلى كرامة المصدّقين به. واقتصر من دعاوي تكذيبهم إيّاه على قولهم {إنْ هذا إلاّ سحر مبين}، لأنّ ذلك الادّعاء قصدوا به التوسّل إلى قتله، لأنّ حكم الساحر في شريعة اليهود القتل إذ السحر عندهم كفر، إذ كان من صناعة عبدة الأصنام، فقد قرنت التوراة السحر وعِرافةَ الجانّ بالشرك، كما جاء في سفر اللاويّيين في الإصحاح العشرين. وقرأ الجمهور: {إنْ هذا إلاّ سحر}، والإشارة بِــ {هذا} إلى مجموع ما شاهدوه من البيّنات. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف {إلاّ ساحر}. والإشارة إلى عيسى المفهوم من قوله: {إذْ جئتهم بالبيّنات}. ولا شك أنّ اليهود قالوا لعيسى كلتا المقالتين على التفريق أو على اختلاف جماعات القائلين وأوقات القول.
الواحدي
تفسير : {يوم يجمع الله الرسل} أَيْ: اذكروا ذلك اليوم {فيقول} لهم: {ماذا أُجِبْتُمْ} ما أجابكم قومكم في التَّوحيد؟ {قالوا لا علم لنا} من هول ذلك اليوم يذهلون عن الجواب، ثمَّ يجيبون بعدما تثوب إليهم عقولهم، فيشهدون لمن صدَّقهم، وعلى مَنْ كذَّبهم. {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم} مضى تفسير الآية إلى قوله: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} أَيْ: عن قتلك. {وإذ أوحيت إلى الحواريين} أَيْ: ألهمتهم. {إذ قال الحواريون يا عيسى ابنَ مريم هل يستطيع ربك} لم يشكُّوا في قدرته، ولكنْ معناه، هل يقبل ربُّك دعاءَك، وهل يسهل لك إنزال مائدة علينا من السَّماء، عَلَماً لك ودلالةً على صدقك؟ فقال عيسى: {اتقوا الله} أن تسألوه شيئاً لم تسأله الأمم من قبلكم. {قالوا: نريد أن نأكل منها} أَيْ: نريد السُّؤال من أجل هذا {وتطمئن قلوبنا} نزداد يقيناً بصدقك {ونكون عليها من الشاهدين} لله بالتَّوحيد، ولك بالنُّبوة. وقوله: {تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا} أَيْ: نتّخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً نُعظِّمه نحن ومَنْ يأتي بعدنا {وآيةً منك} دلالةً على توحيدك وصدق نبيِّك {وارزقنا} عليها طعاماً نأكله، وقوله: {فمن يكفر بعد منكم} أَيْ: بعد إنزال المائدة {فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} أراد: جنساً من العذاب لا يُعذَّب به غيرهم من عالمي زمانهم. {وإذْ قال الله يا عيسى ابن مريم} واذكر يا مُحمَّدُ حين يقول الله تعالى يوم القيامة لعيسى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمِّي إلهين من دون الله} هذا استفهامٌ معناه التُّوبيخ لمن ادَّعى ذلك على المسيح؛ ليكِّذبهم المسيح، فتقوم عليهم الحجَّة {قال سبحانك} أَيْ: براءتك من السُّوء. {تعلم ما في نفسي} أَيْ: ما في سرِّي وما أضمره {ولا علم ما في نفسك} أَيْ: ما تخفيه أنت، وما عندك علمه ولم تُطلعنا عليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يوم يجمع الله الرسل: أي اذكر يوم يجمع الله الرسل وذلك ليوم القيامة. الغيوب: جمع غيب: وهو ما غاب عن العيون فلا يدرك بالحواس. أيدتك: قويتك ونصرتك. بروح القدس: جبريل عليه السلام. المهد: سرير الطفل الرضيع. الكهل: من تجاوز سن الشباب أي ثلاثين سنة. الكتاب: الخط والكتابة. والحكمة: فهم أسرار الشرع، والإِصابة في الأمور كلها. تخلق كهيئة الطير: أي توجد وتقدر هيئة كصور الطير. الأكمه والأبرص: الأكمه: من ولد أعمى، والأبرص: من به مرض البرص. تخرج الموتى: أي أحياء من قبورهم. كففت: أي منعت. الحواريون: جمع حواري: وهو صادق الحب في السر والعلن. معنى الآيات: يحذر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين من أهوال البعث الآخر يوم يجمع الرسل عليهم السلام ويسألهم وهو أعلم بهم: {فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}؟ أطاعتكم أممكم أم عصتكم؟ فيرتج عليهم ويذهلون ويفوضون الأمر إليه تعالى ويقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}، إذا كان هذا حال الرسل فكيف بمن دونهم من الناس ويخص عيسى عليه السلام من بين الرسل بالكلام في هذا الموقف العظيم، لأن أمتين كبيرتين غوت فيه وضلت اليهود ادعوا أنه ساحر وابن زنى، والنصارى ادعوا أنه الله وابن الله، فخاطبه الله تعالى وهم يسمعون: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} فأنت عبدي ورسولي وأمك أمتي، وذكر له أنواع نعمه عليه فقال: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}، جبريل عليه السلام {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ} وأنت طفل. إذ قال وهو في مهده {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 30-33] وقوله {وَكَهْلاً} أي وتكلمهم وأنت كهل أيضاً وفيه بشرى لمريم أن ولدها يكبر ولا يموت صغيراً وقد كلم الناس وهو شاب وسيعود إلى الأرض ويكلم الناس وهو كهل ويعدد نعمه عليه فيقول: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}، فكنت تكتب الخط وتقول وتعمل بالحكمة، وعلمتك التوراة كتاب موسى عليه السلام والإِنجيل الذي أوحاه إليه {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي} فيكون طيراً بإذني أي اذكر لما طالبك بنو إسرائيل بآية على نبوتك فقالوا لك اخلق لنا طيراً فأخذت طيناً وجعلته على صورة طائر وذلك بإذني لك ونفخت فيه بإذني فكان طائراً، واذكر أيضاً {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ} وهو الأعمى الذي لا عينين له، {وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي} أي بعوني لك وإقداري لك على ذلك {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ} من قبورهم أحياء فقد أحيا عليه السلام عدداً من الأموات بإذن الله تعالى ثم قال بنو إسرائيل أحيي لنا سام بن نوح فوقف على قبره وناداه فقام حياً من قبره وهم ينظرون، واذكر {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} فكذبوك وهموا بقتلك وصلبك، {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، واذكر {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} على لسانك {أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} أي بك يا عيسى {قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي منقادون مطيعون لما تأمرنا به من طاعة ربنا وطاعتك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- شدة هول يوم القيامة وصعوبة الموقف حتى إن الرسل ليذهلون. 2- وجوب الاستعداد لذلك اليوم بتقوى الله تعالى. 3- توبيخ اليهود والنصارى بتفريط اليهود في عيسى وغلو النصارى فيه. 4- بيان إكرام الله تعالى لعيسى وما حباه به من الفضل والإِنعام. 5- ثبوت معجزات عيسى عليه السلام وتقريرها.
القطان
تفسير : وتذكَّروا يوم القيامة حين يجمع الله أمامه كلَّ الرسُل ويسألهم قائلا لهم: ماذا أجابتكم أُممكُم الّذين أرسلتُكم إليهم؟ والناسُ في ذلك اليوم من كل الأمم واقفون بين يدي الله يسمعون، لتقوم عليهم الحجّة بشهادة رسلهم، اذا يقولون لا نعلم ما كان بعدَنا من أمر الأمم الذين بلّغناهم رسالتك، أنت وحدك علاّم الغيوب.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَلاَّمُ} (109) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ سَيَسْألُ المُرْسَلِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا أجَابَتْهُمْ بِهِ الأمَمُ التِي أرْسَلَهُمُ اللهُ إِلَيْهَا فَيَقُولُونَ: لاَ عِلْمَ لَنَا يَارَبَّنا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِكَ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، وَأنْتَ تَعْلَمُ ظَاهِرَ النَّاسِ وَبَاطِنَهُمْ، وَأنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ. الغَيْبُ - مَا غَابَ عَنِ الحِسِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وينبهنا الحق سبحانه هنا إلى ضرورة أن نستعد لليوم الذي يجمع الله فيه الرسل يوم الحساب، أي أننا علينا أن نراعي الالتزام في تكاليف المكلف الأعلى في كل عمل من أعمال الحياة؛ لأنه سبحانه سوف يسأل الرسل في ذلك اليوم: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ}؟ أي كيف استجاب الناس إلى المنهج الذي دعوتم إليه؟ وفي هذا تقريع لمن خالف الرسل. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. ونعلم - كذلك - أن يوم المشهد الأعظم سيأتي رسولنا - صلى الله عليه وسلم - شهيداً على أمته وعلى كل الرسل السابقين عليه، ومثال ذلك في حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد الأهل ينتظرون الابن على باب لجنة الامتحان ويسألونه: كيف أجبت. إن الأهل يطلبون من الابن أن يعطيهم تقدير الموقف إجمالياً. أما إن سألوه بماذا أجبت؟ فمعنى هذا أنهم يطلبون منه أن يحكي لهم ماذا أجاب تفصيلياً عن كل سؤال. وسؤال الحق لرسله: {مَاذَآ أُجِبْتُمْ} في الظاهر هذا سؤال للرسل، وفي الحق إنه للمخالفين، وكأن هذا تقريع لمن لم يؤمنوا برسالات الرسل، ذلك أن مهمة الرسل هي البلاغ عن الله. وبماذا يجيب الرسل يؤمئذ عن الله؟ هم يجيبون الإجابة الدقيقة المتضمنة لكل أدب الإيمان: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} ونجد من يتساءل: كيف - إذن - يقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ} على الرغم من أن هناك من استجاب لدعوتهم ومن لم يستجب لها؟ ونقول: لأن الآخرة فيها حساب على نوايا القلوب والسرائر، لقد علم الرسل بالأمور العلنية من أقوال وسلوك، ولكن الحق يحاسب على حسب النية والسلوك، وهو سبحانه الأعلم بالسرائر وما تخفي الضمائر، وأيضاً فالأنبياء قد علموا الذين آمنوا بالمنهج وكانوا معاصرين لهم، ولكن ليس لهم علم بمن كفر أو آمن بعد أزمنتهم، وإجابة الرسل هي قمة الأدب مع الله، ذلك لأن كلا منهم قد علم أن معرفة الله شاملة وعلمه قد وسع كل شيء، ولذلك جاء قولهم: {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ}. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى الوصية عند دنوّ الأجل وأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، أعقبه بذكر اليوم المهول المخيف وهو يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين للجزاء والحساب، ثم ذكر المعجزات التي أيّد بها عبده ورسوله "عيسى" ومنها المائدة من السماء، وختم السورة الكريمة ببراءة السيد المسيح من دعوى الألوهية. اللغَة: {كَفَفْتُ} منعتُ وصرفتُ ومنه الكفيف لأنه منع الرؤية {أَيَّدتُّكَ} قوّيتك مأخوذ من الأيْد وهو القوة {أَوْحَيْتُ} الوحي: إِلقاء المعنى الى النفس خفية وهو على أقسام: وحيٌ بمعنى الإِلهام ووحيٌ بمعنى الإِعلام في اليقظة والمنام، ووحيٌ بمعنى إِرسال جبريلَ إِلى الرسل عليهم السلام {مائدة} المائدة: الخُوان الذي عليه الطعام أي السُّفرة فإِن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة {الرَّقِيبَ} المراقب الشاهد على الأفعال {أَبَداً} أي بلا انقطاع. التفسِير: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ} أي اذكروا أيها الناس ذلك اليوم الرهيب يوم القيامة حين يجمع الله الرسل والخلائق للحساب والجزاء {فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} أي ما الذي أجابتكم به أممكم؟ وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إِلى الإِيمان والتوحيد؟ {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ} أي لا علم لنا إِلى جنب علمك قال ابن عباس: أي لا علم لنا إِلا علم أنت أعلم به منا {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} أي تعلم ما لا نعلم ممّا ظهر وبطن قال أبو السعود: وفيه إِظهارٌ للشكوى وردٌ للأمر إِلى علمه تعالى بما لقوا من قومهم من الخطوب وكابدوا من الكروب والتجاءٌ إِلى ربهم في الانتقام منهم {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} قال ابن كثير: يذكر تعالى ما منَّ به على عبده ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام بما أجراه على يديه من المعجزات وخوارق العادات أي اذكر نعمتي عليك في خلقي إِياك من أمّ بلا ذكر وجعلي إِيّاك آية قاطعة على كمال قدرتي، وعلى والدتك حيث جعلتك برهاناً على براءتها ممّا اتهمها به الظالمون من الفاحشة وقال القرطبي: هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال: اذكر يوم يجمع الله الرسل وإِذ يقول لعيسى كذا وذكر بلفظ الماضي {إِذْ قَالَ} تقريباً للقيامة لأن ما هو آتٍ قريب {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} أي حين قوّيتك بالروح الطاهرة المقدسة "جبريل" عليه السلام {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} أي تكلّم الناس في المهد صبيّاً وفي الكهولة نبياً {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} أي واذكر نعمتي عليك حين علمتك الكتابة والحكمة وهي العلم النافع مع التوراة والإِنجيل {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي} أي واذكر أيضاً حين كنت تصوّر الطين كصورة الطير بتيسيري وأمري {فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} أي فتنفخ في تلك الصورة والهيئة فتصبح طيراً بأمر الله ومشيئته {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي} أي تشفي الأعمى الذي لا يبصر والأبرص الذي استعصى شفاؤه بأمري ومشيئتي {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ} أي تحيي الموتى بأمري ومشيئتي، وكرر لفظ { بِإِذْنِي} مع كل معجزة رداً على من نسب الربوبية إِلى عيسى ولبيان أن تلك الخوارق من جهته سبحانه أظهرها على يديه معجزة له {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي واذكر حين منعتُ اليهود من قتلك لمّا همّوا وعزموا على الفتك بك حين جئتهم بالحجج والمعجزات {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي قال الذين جحدوا نبوتك ولم يؤمنوا بك ما هذه الخوارق إِلا سحرٌ ظاهر واضح {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} وهذا أيضاً من الامتنان على عيسى أي واذكر حين أمرتُ الحواريين وقذفت في قلوبهم أن صدّقوا بي وبرسولي عيسى بن مريم {قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي قال الحواريون صدّقنا يا رب بما أمرتنا واشهد بأننا مخلصون في هذا الإِيمان خاضعون لأمر الرحمن {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي واذكر حين قال الحواريون يا عيسى هل يقدر ربك على إِنزال مائدة من السماء علينا؟ قال القرطبي: وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل ويجوز أن يكون ذلك صدر ممن كان معهم من الجهال كما قال بعض قوم موسى {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] وقال أبو حيان: وهذا اللفظ يقتضي ظاهره الشك في قدرة الله تعالى على أن ينزّل مائدة من السماء وهذا ما ذهب إِليه الزمخشري وأما غيره من أهل التفسير فأطبقوا على أن الحواريين كانوا مؤمنين وهم خواص عيسى وأنهم لم يشكّوا في ذلك حتى قال الحسن: لم يشكوا في قدرة الله وإِنما سألوه سؤال مستخبر هل ينزّل أم لا؟ فإِن كان ينزّل فاسأله لنا فسؤالهم كان للاطمئنان والتثبت {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي اتقوا الله في أمثال هذه الأسئلة إِن كنتم مصدقين بكمال قدرته تعالى {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} أي قال الحواريون نريد بسؤالنا المائدة أن نأكل منها تبركاً وتسكن نفوسنا بزيادة اليقين {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} أي ونعلم علماً يقيناً لا يحوم حوله شائبة من الشك بصدقك في دعوى النبوة {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أجابهم عيسى إِلى سؤال المائدة لإِلزامهم بالحجة الدامغة وروي أنه لما أراد الدعاء لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويدعو ربه ويبكي قال أبو السعود: نادى عيسى ربه مرتين: مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات، ومرة بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إِظهاراً لغاية التضرع {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} أي يكون يوم فرح وسرور لنا ولمن يأتي بعدنا {وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي ودلالة وحجة شاهدة على صدق رسولك وارزقنا يا ألله فإِنك خير من يعطي ويرزق لأنك الغني الحميد {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} أي أجاب الله دعاءه فقال إِني سأُنزل عليكم هذه المائدة من السماء {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} أي من كفر بعد تلك الآية الباهرة فسوف أعذبه عذاباً شديداً لا أُعذّب مثل ذلك التعذيب أحداً من البشر وفي الحديث "حديث : أُنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً وأُمروا ألا يدّخروا لغدٍ ولا يخونوا فخانوا وادخروا ورفعوا لغدٍ فمسخوا قردة وخنازير" تفسير : قال في التسهيل: جرت عادة الله عز وجل بعقاب من كفر بعد اقتراح آية فأُعطيها، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} هذا عطف قصة على قصة {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى} قال ابن عباس: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رءوس الخلائق ليعلم الكفار أنهم كانوا على باطل والمعنى: اذكر للناس يوم يخاطب الله عبده ورسوله عيسى بن مريم في الآخرة توبيخاً للكفرة وتبكيتاً لهم قائلاً: يا عيسى أأنت دعوت الناس إِلى عبادتك والاعتقاد بألوهيتك وألوهية أمك؟! قال القرطبي: إِنما سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادّعى ذلك عليه ليكون إِنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب وأشد في التوبيخ والتقريع {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي أنزهك عما لا يليق بك يا رب فما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} أي إِن كان ذلك صدر مني فإِنك لا يخفى عليك شيء وأنت العالم بأني لم أقله، وهذا اعتذارٌ وبراءة من ذلك القول ومبالغةٌ في الأدب وإِظهار الذلّة والمسكنة في حضرة ذي الجلال {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} أي تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه ولا أعلم حقيقة ذاتك وما احتوت عليه من صفات الكمال إِنك أنت العالم بالخفايا والنوايا وعلمك محيط بما كان وما يكون {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ} أي ما أمرتهم إِلا بما أمرتني به قال الرازي: وضع القول موضع الأمر نزولاً على موجب الأدب لئلا يجعل نفسه وربه آمرين معاً {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} أي قلت لهم اعبدوا الله خالقي وخالقكم فأنا عبد مثلكم {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} أي كنت شاهداً على أعمالهم حين كنتُ بين أظهرهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي فلما قبضتني إِليك بالرفع إِلى السماء كنت يا ألله الحفيظ لأعمالهم، والشاهد على أفعالهم {وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي وأنت المطّلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} أي إِن تعذبهم فأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وإِن تغفر لمن تاب منهم فإِنك أنت الغالب على أمره الحكيم في صنعه {قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} أي يوم القيامة ينفع الصادقين في الدنيا صدقُهم لأنه يوم الجزاء {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي لهم جنات تجري من تحت غرفها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها لا يخرجون منها أبداً {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي نالوا رضوان الله لصدقهم ورضوا عن الله فيما أثابهم وجازاهم ذلك هو الظفر والفوز الكبير بجنات النعيم {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي الجميع ملكه وتحت قهره ومشيئته وهو القادر على كل شيء. تنبيه: روى الإِمام مسلم في صحيحه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقول عيسى {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} فرفع يديه وقال: اللّهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى يا جبريل: اذهب إِلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله يا جبريل: اذهب إِلى محمد فقل له إِنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ."
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن يوم القيامة وما فيه من الأهوال العظام، وأن الله يجمع به جميع الرسل فيسألهم: { مَاذَا أُجِبْتُمْ } أي: ماذا أجابتكم به أممكم. فـ { قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا } وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم منا. { إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ } أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة. { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ } أي: اذكرها بقلبك ولسانك، وقم بواجبها شكرا لربك، حيث أنعم عليك نعما ما أنعم بها على غيرك. { إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ } أي: إذ قويتك بالروح والوحي، الذي طهرك وزكاك، وصار لك قوة على القيام بأمر الله والدعوة إلى سبيله. وقيل: إن المراد "بروح القدس" جبريل عليه السلام، وأن الله أعانه به وبملازمته له، وتثبيته في المواطن المشقة. { تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا } المراد بالتكليم هنا، غير التكليم المعهود الذي هو مجرد الكلام، وإنما المراد بذلك التكليم الذي ينتفع به المتكلم والمخاطب، وهو الدعوة إلى الله. ولعيسى عليه السلام من ذلك، ما لإخوانه من أولي العزم من المرسلين، من التكليم في حال الكهولة، بالرسالة والدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، وامتاز عنهم بأنه كلم الناس في المهد، فقال: {أية : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا } تفسير : الآيات. { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } فالكتاب يشمل الكتب السابقة وخصوصا التوراة فإنه من أعلم أنبياء بني إسرائيل -بعد موسى- بها ويشمل الإنجيل الذي أنزله الله عليه. والحكمة هي معرفة أسرار الشرع وفوائده وحكمه وحسن الدعوة والتعليم ومراعاة ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي. { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } أي طيرا مصورا لا روح فيه فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وتبرئ الأكمه الذي لا بصر له ولا عين { وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي } فهذه آيات بيِّنَات ومعجزات باهرات يعجز عنها الأطباء وغيرهم أيد الله بها عيسى وقوى بها دعوته { وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ } لما جاءهم الحق مؤيدا بالبينات الموجبة للإيمان به { إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } وهموا بعيسى أن يقتلوه وسعوا في ذلك فكفَّ الله أيديهم عنه وحفظه منهم وعصمه. فهذه مِنَنٌ امتَنَّ الله بها على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ودعاه إلى شكرها والقيام بها فقام بها عليه السلام أتم القيام وصبر كما صبر إخوانه من أولي العزم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 261 : 30 : 26 - سفين عن الأعمش عن مجاهد {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ} قال، فيفرعون، فيقولون {لاَ عِلْمَ لَنَآ}. [الآية 109].
همام الصنعاني
تفسير : 765- عبد الرزاق، عن الثّوري، عن الأعمش، عن مُجَاهد في قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}: [الآية: 109]، فيَفْزَعُون فيقولون: {لاَ عِلْمَ لَنَآ}: [الآية: 109].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):