Verse. 779 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِذْ قَالَ اللہُ يٰعِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِيْ عَلَيْكَ وَعَلٰي وَالِدَتِكَ۝۰ۘ اِذْ اَيَّدْتُّكَ بِرُوْحِ الْقُدُسِ۝۰ۣ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَہْدِ وَكَہْلًا۝۰ۚ وَاِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَۃَ وَالتَّوْرٰىۃَ وَالْاِنْجِيْلَ۝۰ۚ وَاِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّيْنِ كَہَيْئَۃِ الطَّيْرِ بِـاِذْنِيْ فَتَنْفُخُ فِيْہَا فَتَكُوْنُ طَيْرًۢا بِـاِذْنِيْ وَ تُبْرِئُ الْاَكْـمَہَ وَالْاَبْرَصَ بِـاِذْنِيْ۝۰ۚ وَاِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتٰى بِـاِذْنِيْ۝۰ۚ وَاِذْ كَفَفْتُ بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ عَنْكَ اِذْ جِئْتَہُمْ بِالْبَيِّنٰتِ فَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْہُمْ اِنْ ہٰذَاۗ اِلَّا سِحْرٌ مُّبِيْنٌ۝۱۱۰
Ith qala Allahu ya AAeesa ibna maryama othkur niAAmatee AAalayka waAAala walidatika ith ayyadtuka biroohi alqudusi tukallimu alnnasa fee almahdi wakahlan waith AAallamtuka alkitaba waalhikmata waalttawrata waalinjeela waith takhluqu mina altteeni kahayati alttayri biithnee fatanfukhu feeha fatakoonu tayran biithnee watubrio alakmaha waalabrasa biithnee waith tukhriju almawta biithnee waith kafaftu banee israeela AAanka ith jitahum bialbayyinati faqala allatheena kafaroo minhum in hatha illa sihrun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك» بشكرها «إذ أيَّدتك» قويتك «بروح القدس» جبريل «تكلِّم الناس» حال من الكاف في أيدتك «في المهد» أي طفلا «وكهلا» يفيد نزوله قبل الساعة لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق آل عمران «وإذ علَّمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة» كصورة «الطير» والكافُ اسم بمعنى مثل مفعول «بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني» بإرادتي «وتُبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموت» من قبورهم أحياء «بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك» حين هموا بقتلك «إذ جئتهم بالبيانات» المعجزات «فقال الذين كفروا منهم إن» ما «هذا» الذي جئت به «إلا سحر مبين» وفي قراءة ساحر أي عيسى.

110

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل {أية : مَاذَا أَجَبْتُمُ }تفسير : [المائدة: 109] توبيخ من تمرد من أممهم، وأشد الأمم افتقاراً إلى التوبيخ والملامة النصارى الذين يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء وطعن هؤلاء الملاعين تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق بعاقل أن يصف الإلۤه به، وهو اتخاذ الزوجة والولد، فلا جرَم ذكر الله تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة، والمقصود منه توبيخ النصارى وتقريعهم على سوء مقالتهم فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة على عيسى تدل على أنه عبد وليس بإله. والفائدة في هذه الحكاية تنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول هذه الآية على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم. المسألة الثانية: موضع {إِذْ} يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله، ويجوز أن يكون المعنى اذكر إذ قال الله. المسألة الثالثة: خرج قوله {إِذ قَالَ ٱللَّهُ } على لفظ الماضي دون المستقبل وفيه وجوه: الأول: الدلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت وكل آت قريب ويقال: الجيش قد أتى، إذا قرب إتيانهم. قال الله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 1] الثاني: أنه ورد على حكاية الحال،ونظيرُه قولُ الرجل لصاحبه كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا، فصنعنا فيها كذا، إذ صاح صائح؛ فتركتني وأجبته. ونظيره من القرآن قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ } تفسير : [سبأ: 51] {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتوفى الذين كفروا الملائكة} تفسير : [الأنفال: 50] {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [سبأ: 31] والوجه في كل هذه الآيات ما ذكرناه، من أنه خرج على سبيل الحكاية عن الحال. المسألة الرابعة: {عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } يجوز أن يكون {عِيسَى } في محل الرفع لأنه منادى مفرد وصف بمضاف ويجوز أن يكون في محل النصب لأنه في نية الإضافة ثم جعل الابن توكيداً وكل ما كان مثل هذا جاز فيه وجهان نحو يا زيد بن عمرو، ويا زيد بن عمرو، وأنشد النحويون:شعر : يا حكم بن المنذر بن الجارود تفسير : برفع الأول ونصبه على ما بيناه. المسألة الخامسة: قوله {نِعْمَتِى عَلَيْكَ } أراد الجمع كقوله {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18] وإنما جاز ذلك لأن مضاف يصلح للجنس. واعلم أن الله تعالى فسّر نعمته عليه بأمور: أولها: قوله {إِذَ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } وفيه وجهان: الأول: روح القدس هو جبريل عليه السلام، الروح جبريل والقدس هو الله تعالى، كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له. الثاني: أن الأرواح مختلفة بالماهية فمنها طاهرة نورانية ومنها خبيثة ظلمانية، ومنها مشرقة، ومنها كدرة، ومنها خيرة، ومنها نذلة ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الأرواح جنود مجندة»تفسير : فالله تعالى خصّ عيسى بالروح الطاهرة النورانية المُشْرِقة العلوية الخَيّرة. ولقائل أن يقول: لما دلّت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق الرسل، لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا وما لم تعرف نبوّة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل، فيلزم الدور وجوابه: ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله وبه يندفع هذا السؤال. وثانيها: قوله تعالى: {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } أما كلام عيسى في المهد فهو قوله {أية : إِنّى عبد الله ءاتَانِىَ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [مريم: 30] وقوله {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } في موضع الحال. والمعنى: يكلمهم طفلاً وكهلاً من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده. وثالثها: قوله تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ } وفي {ٱلْكِتَـٰبِ } قولان: أحدهما: المراد به الكتابة وهي الخط. والثاني: المراد منه جنس الكتب. فإن الإنسان يتعلم أولاً كتباً سهلة مختصرة، ثم يترقى منها إلى الكتب الشريفة. وأما {ٱلْحِكْمَةَ } فهي عبارة عن العلوم النظرية، والعلوم العملية. ثم ذكر بعده {ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } وفيه وجهان: الأول: أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله {أية : حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ } تفسير : [البقرة: 238] وقوله {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } تفسير : [الأحزاب: 7] والثاني: وهو الأقوى أن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية، لا يحصل إلا لمن صار بانياً في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء. فقوله {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ورابعها: قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع {فَتَكُونُ طائراً} والباقون {طَيْراً} بغير ألف وطير جمع طائر كضأن وضائن وركب وراكب. المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر ههنا {فَتَنفُخُ فِيهَا } وذكر في آل عمران {أية : فَأَنفُخُ فِيهِ } تفسير : [آل عمران: 49]. والجواب: أن قوله {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله {فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء. إذا عرفت هذا فنقول: الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر. وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث. المسألة الثالثة: أنه تعالى اعتبر الإذن في خلق الطين كهيئة الطير، وفي صيرورته ذلك الشيء طيراً. وإنما أعاد قوله {بِإِذْنِى } تأكيداً لكون ذلك واقعاً بقدرة الله تعالى وتخليقه لا بقدرة عيسى وإيجاده. وخامسها: قوله تعالى: {وَتُبْرِىء ٱلاْكْمَهَ وَٱلاْبْرَصَ بِإِذْنِى } وإبراء الأكمه والأبرص معروف وقال الخليلي: الأكمه من ولد أعمى والأعمى من ولد بصيرا ثم عمي. وسادسها: قوله تعالى: {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِى } أي وإذ تخرج الموتى من قبورهم أحياء باذني أي بفعلي ذلك عند دعائك، وعند قولك للميت أخرج بإذن الله من قبرك، وذكر الإذن في هذه الأفاعيل إنما هو على معنى إضافة حقيقة الفعل إلى الله تعالى كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } تفسير : [آل عمران: 145] أي إلا بخلق الله الموت فيها. وسابعها: قوله تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرئيل عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } يحتمل أن يكون المراد منه هذه البيّنات التي تقدم ذكرها، وعلى هذا التقدير فالألف واللام للعهد. ويحتمل أن يكون المراد منه جنس البينات. المسألة الثانية: روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهودُ قتلَه فخلصه الله تعالى منهم حيث رفعه إلى السماء. ثم قال تعالى: {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكَسائي {سَـٰحِرٌ} بالألف وكذلك في يونس وهود والصّف، وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس بالألف فقط والباقون { سِحر} فمن قرأ {سَـٰحِرٌ } أشار إلى الرجل ومن قرأ {سِحر } أشار به إلى ما جاء به. وكلاهما حسن لأن كل واحد منهما قد تقدم ذكره. قال الواحديّ - رحمه الله-: والاختيار {سِحر} لجواز وقوعه على الحدث والشخص، أما وقوعه على الحدث فظاهر وأما وقوعه على الشخص، فتقول: هذا سحر وتريد به ذو سحر كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ } تفسير : [البقرة: 177] أي ذا البر قال الشاعر:شعر : فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : المسألة الثانية: فإن قيل: إنه تعالى شرع ههنا في تعديد نعمه على عيسى عليه السلام وقول الكفار في حقه {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ليس من النعم، فكيف ذكره ههنا؟ والجواب: أن من الأمثال المشهورة ـ أن كل ذي نعمة محسود ـ وطعن الكفار في عيسى عليه السلام بهذا الكلام، يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة فَحُسن ذكره عند تعديد النعم للوجه الذي ذكرناه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} هذا من صفة يوم القيامة كأنه قال: ٱذكر يوم يجمع الله الرسل وإذ يقول الله لعيسى كذا؛ قاله المهدويّ. و«عيسى» يجوز أن يكون في موضع رفع على أن يكون «ابن مريم» نداء ثانيا، ويجوز أن يكون في موضع نصب؛ لأنه نداء منصوب كما قال: شعر : يـا حَكَـمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجَارُود تفسير : ولا يجوز الرفع في الثاني إذا كان مضافاً إلا عند الطُّوَال. قوله تعالى: {ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} إنما ذكّر الله تعالى عيسى نعمته عليه وعلى والدته وإن كان لهما ذاكراً لأمرين: أحدهما ـ ليتلو على الأمم ما خصهما به من الكرامة، وميّزهما به من علوّ المنزلة. الثاني ـ ليؤكد به حجته، ويردّ به جاحده. ثم أخذ في تعديد نعمه فقال: {إِذْ أَيَّدتُّكَ} يعني قوّيتك؛ مأخوذ من الأيد وهو القوّة، وقد تقدّم. وفي «رُوح القُدُسِ» وجهان: أحدهما ـ أنها الروح الطاهرة التي خصه الله بها كما تقدّم في قوله: { أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ }. تفسير : [النساء:171] الثاني: أنه جبريل عليه السلام وهو الأصح، كما تقدّم في «البقرة». {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ} يعني وتكلم الناس في المهد صبيا، وفي الكهولة نبياً، وقد تقدّم ما في هذا في «آل عمران» فلا معنى لإعادته. {كَفَفْتُ} معناه دفعت وصرفت {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ} حين هموا بقتلك {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي الدلالات والمعجزات، وهي المذكورة في الآية. {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني الذين لم يؤمنوا بك وجحدوا نبوّتك. {إِنْ هَـٰذَا} أي المعجزات. {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. وقرأ حمزة والكسائيّ «ساحر» أي إن هذا الرجل إلا ساحر قويّ على السحر.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ} بدل من يوم يجمع وهو على طريقة {وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ} والمعنى أنه سبحانه وتعالى يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما أظهر عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة، وغلا آخرون فاتخذوهم آلهة. أو نصب بإضمار اذكر. {إِذْ أَيَّدتُّكَ} قويتك وهو ظرف لنعمتي أو حال منه وقرىء «آيدتك». {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} بجبريل عليه الصلاة والسلام، أو بالكلام الذي يحيا به الدين، أو النفس حياة أبدية ويطهر من الآثام ويؤيده قوله: {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً } أي كائناً في المهد وكهلاً، والمعنى تكلمهم في الطفولة والكهولة على سواء، والمعنى إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهولية في كمال العقل والتكلم، وبه استدل على أنه سينزل فإنه رفع قبل أن يكتهل. {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى وَتُبْرِىءُ الأَكْمَه وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي} سبق تفسيره في سورة «آل عمران». وقرأ نافع ويعقوب «طائراً» ويحتمل الإِفراد والجمع كالباقر. {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرٰءيلَ عَنكَ} يعني اليهود حين هموا بقتله. {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ} ظرف لكففت. {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر مبين. وقرأ حمزة والكسائي إلا «ساحر» فالإِشارة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى ما امتنّ به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام؛ مما أجراه على يديه من المعجزات الباهرات وخوارق العادات، فقال: {ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ} أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء، {وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ} حيث جعلتك لها برهاناً على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة، {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} وهو جبريل عليه السلام، وجعلتك نبياً داعياً إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيراً، فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك، ودعوت إلى عبادتي، ولهذا قال: {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك، وضمّن تكلم: تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. وقوله: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي: الخط والفهم {وَٱلتَّوْرَاةَ} وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث، ويراد به ما هو أعم من ذلك. وقوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى} أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر بإذني لك في ذلك، فتكون طيراً بإذني، أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون طيراً ذا روح تطير بإذن الله وخلقه. وقوله تعالى: {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِى} قد تقدم الكلام عليه في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِى} أي: تدعوهم، فيقومون من قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنامحمد بن طلحة، يعني: ابن مصرف، عن أبي بشر، عن أبي الهذيل، قال: كان عيسى بن مريم عليه السلام إذا أراد أن يحيي الموتى، صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: {تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ}، وفي الثانية: {الۤـمۤ تَنزِيلُ} السجدة، فإذا فرغ منهما، مدح الله وأثنى عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، وكان إذا أصابته شديدة دعا بسبعة أخر: يا حي، يا قيوم، يا ألله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم، يا رب. وهذا أثر عجيب جداً. وقوله تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوتك ورسالتك من الله إليهم، فكذبوك، واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم، ورفعتك إلي، وطهرتك من دنسهم، وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان واقعاً يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم. وقوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى} وهذا أيضاً من الامتنان عليه، عليه السلام؛ بأن جعل له أصحاباً وأنصاراً، ثم قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} تفسير : [القصص: 7] الآية، وهو وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} {أية : ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} تفسير : [النحل: 68-69] الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي: ألهموا ذلك، فامتثلوا ما ألهموا. قال الحسن البصري: ألهمهم الله عز وجل ذلك. وقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك، ويحتمل أن يكون المراد: وإذ أوحيت إليهم بواسطتك، فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك، وانقادوا وتابعوك، فقالوا: {ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر. {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } بشكرها {إِذْ أَيَّدتُّكَ } قوّيتك {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } جبريل {تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ } حال من الكاف في «أيدتك» {فِى ٱلْمَهْدِ } أي طفلاً {وَكَهْلاً } يفيد نزوله قبل الساعة لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في (آل عمران) [55:3] {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرٰةَ وَٱلإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ } كصورة {ٱلطَّيْرِ } والكاف اسم بمعنى (مثل) مفعول {بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى } بإرادتي {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ } من قبورهم أحياء {بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرٰءِيلَ عَنكَ } حين هموا بقتلك {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ } المعجزات {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ } ما {هَٰذَا } الذي جئت به {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وفي قراءة «ساحر» أي عيسى.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ...} وإنما ذكَّر الله عيسى عليه السلام نعمته عليه على والدته، وإن كان لهما ذاكراً لأمرين: أحدهما: ليتلو على الأمم ما خصه به من الكرامة ومَيّزَه به من علو المنزلة. والثاني: ليؤكد به حجته ويرد به جاحده. ثم أخذ تعالى في تعديد نعمه فقال: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ} يعني قويتك، مأخوذ من الأيد وهو القوة، وروح القدس جبريل، والقدس هو الله تعالى تقدست أسماؤه. وتأييده له من وجهين: أحدهما: تقويته على أمر دينه. والثاني: معونته على دفع ظلم اليهود والكافرين له. {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً} أما كلامه لهم في المهد إنما اختص بتعريفهم حال نبوته، {أية : قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيَّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكَاً أَيَنَمَا كُنتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَياً} تفسير : [مريم: 30-31]. وكلامه لهم كهلاً دعاؤهم إلى ما أمر الله به من الصلاة والزكاة، وذلك حين صار ابن ثلاثين سنة وإن كان مبعوثاً حين ولد، فمكث فيهم ثلاثين سنة ثم رفعه الله، ولم يبعث الله نبياً حين ولد غيره ولذلك خصه الله بالكلام في المهد صبياً. ثم قال تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُك الكِتَابَ} وفيه تأويلان: أحدهما: يريد الخط. والثاني: يريد الكتب فعبر عنها بالكتاب إرادة للجنس. ثم فصل فقال تعالى: {وَالْحِكْمَةَ} وفيها تأويلان: أحدهما: أنها العلم بما في تلك الكتب. والثاني: أنها جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه. ثم قال تعالى: {وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} يريد تلاوتهما وتأويلهما. ثم قال تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونَ طَيْرَاً بِإِذنِي} يعني بقوله: {تَخْلُقُ} أي تفعل وتصور من الطين مثل صورة الطير، لأن الخلق فعل لكن على سبيل القصد والتقدير من غير سهو ولا مجازفة ولذلك وُصِفَتْ أفعال الله تعالى بأنها مخلوقة لأنها لا تكون إلا عن قصد وتقدير ووصفت بعض أفعال العباد بأنها مخلوقة إذا كانت مقدرة مقصودة ولم توصف جميعها بهذه الصفة لجواز كون بعضها سهواً أو مجازفة. وقوله تعالى: {فَتَنفُخُ فِيهَا} يعني الروح، والروح جسم. وفي المُتَوَلِّي لنفخها وجهان: أحدهما: أنه المسيح ينفخ الروح في الجسم الذي صوره من الطين كصورة الطير. والثاني: أنه جبريل. وقوله تعالى: {فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} يعني أن الله تعالى يقلبها بعد نفخ الروح فيها لحماً ودماً، ويخلق فيها الحياة، فتصير طيراً بإذن الله تعالى وأمره، لا بفعل المسيح. ثم قال تعالى: {وَتُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي} أي تدعوني أن أبرىء الأكمه والأبرص، فأجيب دعاءك وأبرئهما، وهو فعل الله تعالى، وإنما نَسَبَهُ إلى المسيح مجازاً لأن فعله لأجل دعائه. ثم قال تعالى: {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} يعني واذكر نعمتي عليك، إذ تدعوني أن أحيي الموتى، فأجيب دعاءك، حتى تخرجهم من القبور أحياء، ونسب إليه ذلك توسعاً أيضاً لأجل دعائه، ويجوز أن ينسب إخراجهم إليه حقيقة، لأن إخراجهم من قبورهم بعد إحياء الله لهم يجوز أن يكون من فعل المسيح. قال الكلبي: والذين أحياهم من الموتى رجلان وامرأة. قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّيِنَ أَنْ ءَامِنُوا بِي...} في وحيه إلى الحواريين وجهان: أحدهما: معناه أَلْهَمْتُهُم أن يؤمنوا بي، ويصدقوا أنك رسولي، كما قال تعالى: {أية : وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68]. والثاني: يعني ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم أن يؤمنوا بي وبك. وفي التذكير بهذه النعمة قولان: أحدهما: أنها نعمة على الحواريين أن آمنوا، فذكر الله تعالى به عيسى لأنهم أنصاره. الثاني: أنها نعمة على عيسى، لأنه جعل له أنصاراً من الحواريين قد آمنوا به. والحواريون: هم خواص عيسى عليه السلام الذين استخلفهم من جملة الناس. {قَالُوا ءَامَنَّا} يعني بالله تعالى ربك. {وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلامهم بالله تعالى وبه. والثاني: أنهم أشهدوا الله تعالى بذلك على أنفسهم.

ابن عطية

تفسير : يحتمل أن يكون العامل في {إذ} فعلاً مضمراً تقديره اذكر يا محمد إذ جئتهم بالبينات و {قال} هنا بمعنى يقول، لأن ظاهر هذا القول أنه في القيامة تقدمة لقوله أنت قلت للناس، وذلك كله أحكام لتوبيخ الذين يتحصلون كافرين بالله في ادعائهم ألوهية عيسى، ويحتمل أن تكون {إذ} بدلاً من قوله {أية : يوم يجمع الله} تفسير : [المائدة:109] ونعمة الله على عيسى هي بالنبوءة وسائر ما ذكر وما علم مما لا يحصى، وعددت عليه النعمة على أن أمه إذ هي نعمة صائرة إليه وبسببه كانت، وقرأ جمهور الناس "أيّدتك" بتشديد الياء، وقرأ مجاهد وابن محيصن "آيدتك" على وزن فاعلتك ويظهر أن الأصل في القراءتين "أيدتك" على وزن أفعلتك، ثم اختلف الإعلال، والمعنى فيهما قويتك من الأيد، وقال عبد المطلب: شعر : الحمد لله الأعز الأكرم أيدنا يوم زحوف الأشرم تفسير : و "روح القدس" هو جبريل عليه السلام، وقوله {في المهد} حال كأنه قال صغيراً {وكهلاً} حال أيضاً معطوفة على الأول. ومثله قوله تعالى: {أية : دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً} تفسير : [يونس:12] والكهولة من الأربعين إلى الخمسين. وقيل هي من ثلاثة وثلاثين، و {الكتاب} في هذه الآية: مصدر كتب يكتب أي علمتك الخط. ويحتمل أن يريد اسم جنس في صحف إبراهيم وغير ذلك. ثم خص بعد ذلك التوراة {والإنجيل} بالذكر تشريفاً، و {الحكمة} : هي الفهم والإدراك في أمور الشرع، وقد وهب الله الأنبياء منها ما هم به مختصون معصومون لا ينطقون عن هوى. قوله تعالى: {وإذ} في هذه الآية حيث ما تكررت فهي عطف على الأولى التي عملت فيها نعمتي، و {تخلق} معناه: تقدر وتهيىء تقديره مستوياً، ومنه قول الشاعر: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : أي يهيىء ويقدر ليعمل ويكمل ثم لا يفعل، ومنه قول الآخر: شعر : من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليله تفسير : وكان عيسى عليه السلام يصور من الطين أمثال الخفافيش ثم ينفخ فيها أمام الناس فتحيا وتطير بإذن الله. وقد تقدم هذا القصص في آل عمران. وقرأ جمهور الناس "كهيئة" بالهمز، وهو مصدر من قولهم هاء الشيء يهاء إذا ثبت واستقر على أمر حسن، قال اللحياني: ويقال "يهيء" وقرأ الزهري "كهيّة" بتشديد الياء من غير همز وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "كهيئة الطائر". والإذن في هذه الآية كيف تكرر معناه التمكين مع العلم بما يصنع وما يقصد من دعاء الناس إلى الإيمان. وقوله تعالى: {فتنفخ فيها} هو النفخ المعروف من البشر وإن جعل الله الأمر هكذا ليظهر تلبس عيسى بالمعجزة وصدورها عنه. وهذا كطرح موسى العصا. وكإيراد محمد عليه السلام القرآن. وهذا أحد شروط المعجزات. وقوله {فيها} بضمير مؤنث مع مجيء ذلك في آل عمران {أية : فأنفخ فيه} تفسير : [آل عمران:49] بضمير مذكر موضع قد اضطرب المفسرون فيه قال مكي: هو في آل عمران عائد على الطائر وفي المائدة عائد على الهيئة، قال ويصح عكس هذا، قال غيره الضمير المذكر عائد على الطين. قال القاضي أبو محمد: ولا يصح عود هذا الضمير لا على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة لأن الطين والطائر الذين يجيء على الطين على هيئة لا نفخ فيه البتة، وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة بجسده وهي المذكورة في الآية, وكذلك {الطين} المذكور في الآية إنما هو الطين العام ولا نفخ في ذلك. وإنما النفخ في الصور المخصوصة منه التي رتبتها يد عيسى عليه السلام، فالوجه أن يقال في عود الضمير المؤنث إنه عائد على ما تقتضيه الآية ضرورة، وذلك أن قوله {وإذ تخلق من الطين كهئية الطير} يقتضي صوراً أو أجساماً أو أشكالاً، وكذلك الضمير المذكر يعود على المخلوق الذي يقتضيه {تخلق} ، ولك أن تعيده على ما تدل عليه الكاف في معنى المثل لأن المعنى وإذ تخلق من الطين مثل هيئة، ولك أن تعيد الضمير على الكاف نفسه فيمن يجوِّز أن يكون اسماً في غير الشعر، وتكون الكاف في موضع نصب صفة للمصدر المراد تقديره وإذ تخلق خلقاً من الطين كهيئة الطير وقرأ عبد الله بن عباس كهيئة الطير فتنفخها فيكون وقرأ الجمهور "فتكون" بالتاء من فوق وقرأ عيسى ابن عمر فيها "فيكون" بالياء من تحت، وقرأ نافع وحده "فتكون طائراً" وقرأ الباقون "طيراً" بغير ألف والقراءتان مستفيضتان في الناس. فالطير جمع طائر كتاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب. والطائر اسم مفرد والمعنى على قراءة نافع فتكون كل قطعة من تلك المخلوقات طائراً قال أبو علي: ولو قال قائل إن الطائر قد يكون جمعاً كالجامل والباقر فيكون على هذا معنى القراءتين واحداً لكان قياساً، ويقوي ذلك ما حكاه أبو الحسن من قولهم طائرة فيكون من باب شعيرة وشعير، وتمرة وتمر وقد تقدم القول في الأكمه والأبرص وفي قصص إحيائه الموتى في آل عمران، و {تخرج الموتى} معناه من قبورهم، وكف بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رفعه حين أحاطوا به في البيت مع الحواريين ومن أول ما منعه الله منهم هو الكف إلى تلك النازلة الآخرة فهنالك ظهر عظم الكف و "البينات" هي معجزاته وإنجيله وجميع ماجاء به، وقرأ ابن كثير وعاصم هنا وفي هود والصف "إلا سحر" بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي في المواضع الأربعة "ساحر" بألف فمن قرأ سحراً جعل الإشارة إلى البينات والحديث وما جاء به، ومن قرأ ساحراً جعل الإشارة إلى الشخص إذ هو ذو سحر عندهم وهذا مطرد في القرآن كله حيثما ورد هذا الخلاف.

ابن عبد السلام

تفسير : {اذْكُرْ نِعْمَتِى} ذكره بها وإن كان لها ذاكراً ليتلو على الأمم ما خصه به من الكرامات والمعجزات، أو ليؤكد حجته، ويرد به جاحده. {أَيَّدتُّكَ} قويتك من الأيد، ليدفع عنه ظلم اليهود والكافرين به، أو قوّاه على أمر دينه. {بِرُوحِ الْقُدُسِ} جبريل ـ عليه السلام ـ والقدس هو الله ـ تعالى ـ {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ} تعرفهم بنبوتك، ولم يتكلم في المهد من الأنبياء غيره، وبعث إليهم لما ولد وكان كلامه معجزة له، وكلمهم كهلاً بالدعاء إلى الله ـ تعالى ـ وإلى الصلاة، والزكاة، وذلك لما صار ابن ثلاثين سنة ثم رفع. {الْكِتَابَ} الخط، أو جنس الكتب. {وَالْحِكْمَةَ} العلم بما في تلك الكتب، أو جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه {تَخْلُقُ} تصور. {فَتَنفُخُ فِيهَا} الروح، والروح: جسم تولى نفخها في الجسم المسيح، أو جبريل ـ عليهما السلام ـ {فَتَكُونُ طَيْراً} تصير بعد النفخ لحماً ودماً، ويحيا بإذن الله لا بفعل المسيح. {وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ} تدعو بإبرائهما، وبإحياء الموتى فأُجيب دعاءك، نسبه إليه لحصوله بدعائه، ويجوز أن يكون إخراجهم من قبورهم فعلاً للمسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعد إحياء الله ـ تعالى ـ لهم، قال ابن الكلبي: والذين أحياهم رجلان وامرأة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إذ قال الله} فيها أوجه: أحدها: أنه بدل من "يَوْمَ يَجْمَعُ" قال الزمخشريُّ: "والمعنى: أنه يوبِّخ الكافرين يومئذ بسؤال الرسُلِ عن إجابَتِهِمْ، وبتعديدِ ما أظْهَرَ على أيديهم من الآياتِ العظامِ، فكذَّبهم بعضُهم وسمَّوْهُم سحَرةً، وتجاوزَ بعضُهُمُ الحَدَّ، فجعله وأمَّهُ إلَهَيْنِ"، ولمَّا ذكَر أبو البقاء هذا الوجه، تأوَّلَ فيه "قَالَ" بـ "يَقُولُ"، وأنَّ "إذْ"، وإنْ كانت للماضي، فإنما وقعتْ هنا [على] حكاية الحال. يقولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِه: "كَأنَّكَ بِنَا وقد دخَلْنَا بلْدة كذا، وصَنَعْنَا فيه كذا"، قال - تبارك وتعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ} تفسير : [سبأ: 51]، وقال غيْرُهُ: معناه الدَّلالة على قُرْبِ القِيَامَةِ كأنَّها قَدْ قَامَتْ، وكُلُّ ما هو آتٍ آتٍ، كما يُقالُ: الجَيْشُ قد أتَى، إذا قَرُبَ إتْيَانهم قال - تبارك وتعالى -: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1]. الثاني: أنه منصوبٌ بـ "اذْكُرْ" مقدَّراً، قال أبو البقاء - رحمه الله تعالى -: "ويجوزُ أن يكون التقديرُ: اذْكُرْ إذْ يَقُولُ"، يعني أنه لا بد من تأويلِ الماضي بالمستقبلِ، وهذا كما تقرَّر له في الوجْهِ قبله، وكذا ابنُ عطيَّة تأوَّله بـ "يَقُولُ"؛ فإنه قال: "تقديرُه: اذْكُرْ يا محمَّد إذْ"، و"قَالَ" هنا بمعنى "يَقُولُ"؛ لأنَّ ظاهر هذا القولِ، إنما هو في يوم القيامة؛ لقوله بعده {أأنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ}. الثالث: أنه في محلِّ رفع خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي: ذلك إذْ قَالَ، ذكره الواحديُّ، وهذا ضعيفٌ؛ لأن "إذْ" لا يُتَصَرَّفُ فيها، وكذلك القولُ بأنها مفعولٌ بها بإضمار "اذْكُرْ"، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، اللهم إلا أنْ يريد الواحديُّ بكون خبراً؛ أنه ظرفٌ قائمٌ مقام خبرٍ، نحو: "زَيْدٌ عِنْدَكَ" فيجوز. قوله: {يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها، و"ابْنَ مَرْيَمَ" صفة لـ "عِيسَى" نُصِب؛ لأنه مضاف، وهذه قاعدةٌ كلية مفيدة، وذلك أنَّ المنادى المفردَ المعرفةَ الظاهرَ الضَّمَّةِ، إذا وُصِفَ بـ "ابْن" أو "ابْنَة"، ووقع الابنُ أو الابنةُ بين علمَيْنِ أو اسمَيْنِ متفقَيْنِ في اللفظِ، ولم يُفْصَل بين الابْنِ وبيْنَ موصوفه بشيء، تثبت له أحكامٌ منها: أنه يجوزُ إتْبَاعُ المنادى المضمومِ لحركةِ نُونِ "ابْن"؛ فيُفتح؛ نحو: "يَا زَيْدَ [زَيْدُ] ابْنَ عَمْرٍو، ويَا هِنْدَ [هِنْدُ] ابْنَةَ بَكْرٍ" بفتح الدال من "زَيْد" و"هِنْد" وضمِّها، فلو كانت الضمةُ مقدَّرةً نحو ما نحن فيه، فإنَّ الضمة مقدَّرة على ألفِ "عيسَى" فهل يُقَدَّر بناؤُه على الفتْحِ إتباعاً كما في الضمَّة الظاهرة؟ فيه خلاف: الجمهورُ على عدمِ جوازه؛ إذْ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع، وهذا المعنى مفقودٌ في الضمَّة المقدرة، وأجاز الفراء ذلك؛ إجراءً للمقدَّر مُجْرَى الظاهرِ، وتبعه أبو البقاء؛ فإنه قال: "يَجُوزُ أن يكون على الألِفِ من "عيسَى" فتحةٌ؛ لأنه قد وُصِفَ بـ "ابْن" وهو بين عَلَمَيْنِ، وأن يكونَ عليها ضمَّةٌ، وهو مثلُ قولك: "يَا زَيْدَ [زَيْدُ] بْنَ عَمْرٍو" بفتح الدال وضمِّها"، وهذا الذي قالاه غيرُ بعيدِ، ويَشْهَدُ له مسألةٌ عند الجميع: وهو ما إذا كان المنادَى مبنيًّا على الكسرِ مثلاً؛ نحو: "يَا هَؤلاءِ"، فإنهم أجازوا في صفته الوجهيْن: الرفع والنصب، فيقولون: "يا هَؤلاءِ العُقلاَءِ والعُقَلاءُ" بنصب العقلاء ورفعها، قالوا: والرفعُ مراعاةً لتلك الضمة المقدَّرة على "هؤلاءِ"، فإنه مفردٌ معرفة، والنصب على محلِّه، فقد اعتبروا الضمة المقدَّرة في الإتباع، وإنْ كان ذلك فائتاً في اللفظ، وقد يُفَرَّقُ بأنَّ "هؤلاءِ" نحن مضطُّرون فيه إلى تقدير تلْكَ الحركةِ؛ لأنه مفرد معرفةٌ، فكأنها ملفوظٌ بها بخلافِ تقديرِ الفتحة هنا. وقال الواحديُّ في "يَا عيسَى" ويجوزُ أن [يكونَ] في محلِّ النصب؛ لأنه في نية الإضافة، ثم جعل الابن توكيداً له، وكل ما كان مثل هذا؛ جَازَ فيه الوجهانِ؛ نحو: "يَا زَيْدَ [زَيْدُ] بْنَ عَمْرٍو"؛ وأنشد: [الرجز] شعر : 2083- يَا حَكَمَ بنَ المُنْذِرِ بْنِ الجَارُودْ أنْتَ الجَوادُ ابْنُ الجَوَادِ ابْنُ الْجُودْ سُرَادِقُ المَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ تفسير : بنصب الأول ورفعه على ما بَيَّنَّا، وقال التبريزيُّ: الأظهرُ عندي أنَّ موضع "عِيسَى" نصب؛ لأنك تجعلُ الاسم مع نعتِه إذا أضفته إلى العلمِ كالشيء الواحد المضافِ، وهذا الذي قالاه لا يُشْبِهُ كلام النحاة أصلاً، بل يقولون: الفتحةُ للإتباعِ، ولم يُعْتَدَّ بالساكنِ؛ لأنه حاجزٌ غيرُ حَصِينٍ، كذا قال أبو حيان: قال شهاب الدين: الذي قد قاله الزمخشريُّ - وكونه ليس من النحاة مُكَابَرَةٌ في الضَّرُوريَّاتِ - عند قوله: {إذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيم}: "عِيسَى في محل النصب على إتباع حركته حركة الابْنِ؛ كقولك: "يَا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو"، وهي اللغة الفاشيةُ، ويجوزُ أن يكون مضموماً؛ كقولك "يَا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو"، والدليل عليه قوله: [المتقارب] شعر : 2084- أحَارُ بنَ عَمْرٍو كأنِّي خَمِرْ ............................ تفسير : لأنَّ الترخيم لا يكونُ إلا في المضموم". انتهى، فاحتاج إلى الاعتذار عن تقديرِ الضمة، واستشهد لها بالبيتِ؛ لمخالفتِها اللغة الشهيرة. وقولنا: "المُفْرَد" تحرُّزٌ من المُطَوَّل، وقولنا "المَعْرِفَة" تحرُّز من النكرة؛ نحو: ["يا رَجُلاً ابْنَ رَجُلٍ" إذا لم تَقْصِدْ به واحداً بعينه، وقولنا: "الظاهر الضَّمَّةِ" تحرُّزٌ من نحو:] "يَا مُوسَى بْنَ فُلانٍ"، وكالآية الكريمة، وقولنا بـ "ابْن" تحرُّزٌ من الوصف بغيره؛ نحو: "يا زَيْدُ صَاحِبَنَا"، وقولنا: "بين عَلَميْنِ أو اسمَيْن متفقين لفظاً" تحرُّزٌ من نحو: "يَا زَيْدُ [بْنَ أخِينَا"]، وقولنا: "غيرَ مَفْصُولٍ" تحرُّزٌ من نحو: "يَا زَيْدُ العَاقِلُ ابْنَ عَمْرٍو"؛ فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضَّمُّ، وقولنا ["وَصْفٌ"] تحرُّزٌ من أن يكون الابْنُ خبراً، لا صفة؛ نحو: "زَيْدٌ ابْنُ عَمْرٍو"، وهل يجوزُ إتباعُ "ابن" له فيُضمُّ نحو: "يا زيد بنُ عمرو" بضم "ابن"؟ فيه خلافٌ. وقولنا: "أحْكَام"، وقد تقدَّم منها ما ذكرنَاه من جوازِ فتحهِ إتباعاً، ومنها: حَذْفُ ألفه خَطًّا، ومنها: حَذْفُ تنوينه في غير النداء؛ لأنَّ المنادى لا تنوينَ فيه وفي قوله: "ابْنَ مريمَ" ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه صفةٌ؛ كما تقدَّم، والثاني: أنه بدلٌ، والثالث: أنه بيانٌ؛ وعلى الوجهين الأخيرَيْن: لا يجوزُ تقديرُ الفتحة إتباعاً؛ إجماعاً، لأنَّ الابنَ لم يَقَعْ صفةً، وقد تقدَّم أنَّ ذلك شرطٌ. وأرَادَ بالنِّعْمَة: الجَمْع كقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} تفسير : [النحل: 18]، وإنَّمَا جاز ذلك؛ لأنَّهُ مضافٌ يَصْلُح للجِنْسِ. فصل قال القُرْطُبِي: إنما ذَكَّرَ الله - تبارك وتعالى - عيسَى - عليه الصلاة والسلام - نِعْمَته عليه وعلى وَالِدَتِهِ، وإن كان لَهُمَا ذاكراً لأمرين: أحدهما: ليتلو على الأمَمِ بما خَصَّصَهَا به من الكرامةِ، ومَيَّزها به من عُلُوِّ المَنْزِلَة. والثاني: ليُؤكِّد به حُجَّتَه، ويردّ به جَاحِدَهُ، وفَسَّرَ نِعْمَتَهُ عليه بأمور: أوَّلُها: قوله تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} في "إذْ" أربعةُ أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ بـ "نِعْمَتِي"؛ كأنه قيل: اذكُرْ إذْ أنعمْتُ عليْكَ وعلى أمِّكَ في وقت تأييدي لك. والثاني: أنه بدلٌ من "نِعْمَتِي" بدلُ اشتمال، وكأنه في المعنى يفسِّر النعمة. والثالث: أنه حالٌ من "نِعْمَتِي"، قاله أبو البقاء. والرابع: أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، قاله أبو البقاء - رحمه الله تعالى - أيضاً قال شهاب الدين: هذا هو الوجهُ الثاني - أعني البدليةَ -، وقرأ الجمهور "أيَّدتُّكَ" بتشديد الياء، وغيرهم "آيدتُّكَ" وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في سورة البقرة مُشْبَعاً، ومعنى الآية الكريمة: أي: قَوْمَك بِمَا يَجُوزُ من الأَيْدِ، وهو القُوَّة. فصل المرادُ بِرُوحِ القُدُسِ: جبريل - عليه الصلاة والسلام -، والقُدُس: هو اللَّهُ تعالى، كأنَّه أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيماً، وقيل: إنَّ الأرْوَاحَ مُخْتَلِفَةٌ بالماهِيَّةِ: فمنها طَاهِرَةٌ نُورَانيَّةٌ، ومنها خَبِيثة ظُلْمانيَّة، ومنها: مُشْرِقَة ومنها كَدِرة، ومنها خَيِّرَةٌ ومنها نَذِلَةٌ؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام -: "حديث : الأرْواح جُنُودُ مُجَنَّدةٌ"تفسير : ، فاللَّهُ تعالى خصَّ عيسى - عليه الصلاة والسلام - بالرُّوح الطَّاهِرة النُّورَانِيَّة المُشْرقَة العُلويَّة الخيِّرةِ، ولقائل أن يقول: لما دلَّت هذه الآيَةُ على أنَّ تأييد عيسى إنَّما حَصَلَ من جِبْرِيل، أو بسبَبِ رُوحِهِ المُخْتَصَّةِ، وهذا يَقْدَحُ في دلالةِ المُعْجِزَات على صِدْقِ الرُّسُلِ - عليهم الصلاة والسلام -، ولم تُعْرفُ عِصْمَة الرُّسُل - عليهم السلام - قَبْلَ العِلْمِ بعصْمَةِ جبريل - عليه الصلاة والسلام - فيلزم الدَّوْر. فالجواب: قال ابن الخطيب: ثبت من أصْلِنَا أنَّ الخَالِقَ ليْسَ إلاَّ اللَّهُ، وبه يَنْدَفِعُ السُّؤال. قوله: {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} معناه: يُكَلِّمُ النَّاس في المَهْدِ صَبِيًّا، وكَهْلاً نبياً. قال ابن عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: أرسلهُ اللَّهُ وهو ابنُ ثلاثينَ فَمَكَث في رسالته ثلاثين شَهْراً، ثُمَّ إنَّ الله رَفَعَهُ إلَيْهِ. قال المُفَسِّرُون: يُكَلِّم النَّاسَ في المَهْد وكَهْلاً، في مَوْضِع الحال، والمعنى: يُكلِّمُ النَّاسَ طِفْلاً وكَهْلاً من غير أن يتفاوت كلامُهُ في هذين الوقْتَيْن، وهذه خَاصَّةٌ شَرِيفَةٌ لم تَحْصُلْ لأحدٍ من الأنْبِيَاء، وقد تقدَّم الكلام في [الآية 46] آل عمران، ما فائدة قوله: {فِي المهد وكَهْلاً}. قوله: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} قيل: الكِتَابُ، الشَّريعةُ، وقيل: الخَطُّ، وأمَّا الكَلِمَةُ فقيل: هي العِلْمُ والفَهْمُ، وذكر التَّوْراة والإنجيلَ بعد الكِتَاب على سَبيلِ التَّشْرِيف، كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7]، وقوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة: 98]، فإنَّما ذكر التَّوراة والإنجيلَ بعد ذِكْرِ الكتابِ؛ لأنَّ الاطِّلاع على أسْرَار الكُتُبِ الإلهِيَّة لا يحصلُ إلاَّ لمن كانَ ثَابِتاً في أصْنَافِ العُلُوم الشَّرْعِيَّةِ والفِعْلِيَّة. فقوله: "التَّوْراة والإنْجِيلَ": إشارةٌ إلى الأسْرَار التي لا يطَّلِعُ عليْهَا أحدٌ إلاَّ الأكَابِرَ من الأنْبِيَاء. قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي}. قرأ ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "فَتَنْفُخُهَا" بحذف حرف الجر اتساعاً وقرأ الجمهور: "فتكونُ" بالتاء منقوطةً فوقُ، وأبو جعفر منقوطةً تحتُ، أي: فيكونُ المنفوخُ فيه، والضمير في "فِيهَا" قال ابن عطيَّة - رحمه الله -: "اضطربَتْ فيه أقوال المفسِّرين"؛ قال مكيٌّ: "هو في آل عمران [الآية 49] عائدٌ على الطائِرِ، وفي المائدةِ عائدٌ على الهَيْئَة"، قال: "وَيَصِحُّ عكْسُ هذا"، وقال غيرُ مكيٍّ: "الضميرُ المذكُور عائدٌ على الطِّين"، قال ابن عطية: " ولا يَصِحُّ عودُ هذا الضَّمير على الطَّيْر، ولا على الطين، ولا على الهيئة؛ لأنَّ الطير أو الطائر الذي يَجِيء الطِّين على هيئته، لا يُنْفَخُ فيه ألبتة، وكذلك لا نفخَ في هيئته الخاصَّة به، وكذلك الطينُ إنَّما هو الطينُ العامُّ، ولا نفخَ في ذلك"، وقال الزمخشريُّ رحمه الله: "ولا يرجِعُ الضميرُ إلى الهيئةِ المضافِ إليها؛ لأنها ليست من خَلْقِه، ولا مِنْ نفخه في شيء، وكذلك الضميرُ في فَتَكُون"، ثم قال ابنُ عطيَّة - رحمه الله -: "والوجهُ عودُ ضميرِ المؤنَّث على ما تقتضيه الآيةُ ضرورةً، أي: صُوَراً، أو أشكالاً، أو أجْساماً، وعودُ الضمير المذكَّر على المخلوقِ المدلولِ عليه بـ "تَخْلُقُ"، ثم قال: ولَكَ أن تعيدَهُ على ما تَدُلُّ عليه الكافُ من معنى المثل؛ لأنَّ المعنى: وإذ تَخْلُقُ من الطِّينِ مثل هيئته، ولك أن تعيده على الكاف نَفْسِهَا، فتكون اسماً في غيرِ الشِّعْر". انتهى، وهذا القولُ هو عينُ ما قبله، فإنَّ الكافَ أيضاً بمعنى مثل، وكونُها اسماً في غير الشعرِ، لم يَقُلْ به غيرُ الأخفَشِ. واستشكل الناسُ قولَ مكيٍّ المتقدِّمَ؛ كما قدَّمْتُ حكايته عن ابن عطية رضي الله عنه. ويمكنُ أن يُجابَ عنه بأنَّ قوله "عائدٌ على الطَّائِرِ" لا يريدُ به الطائِرَ الذي أُضيفَتْ إليه الهيئةُ، بل الطائرُ المُصَوَّرُ، والتقدير: وإذ تخلُقُ من الطِّينِ طائراً صورةَ الطائرِ الحقيقيِّ، فتنفخُ فيه، فيكونُ طائراً حقيقيًّا، وأنَّ قوله "عائدٌ على الهيئة" لا يريدُ الهيئةَ المجرورةَ بالكاف، بل الموصوفة بالكاف، والتقدير: وإذ تخلُقُ من الطِّينِ هيئةً مِثْلَ هيئةِ الطَّائر، فتنفخُ فيها، أي: في الموصُوفَة بالكاف الَّتِي نُسِبَ خَلْقُهَا إلى عيسى - عليه السلام - وأمَّا كونُه كيف يعودُ ضميرٌ مذكَّر على هيئةٍ، وضميرٌ مؤنثٌ على الطائرِ [لأنَّ قوله: "ويجُوزُ عكْسُ هذا" يؤدي إلى ذلك؟ فجوابُه أنه جازَ بالتأويل؛ لأنه تُؤوَّلُ الهيئةُ بالشكْل، ويُؤوَّل الطائرُ] بالهيئةِ؛ فاستقام، وهو موضعُ تَأمُّلٍ، وقال هنا "بإذْنِي" أربعَ مراتٍ عَقِيبَ أربع جمل، وفي آل عمران "بإذْنِ الله" مرتَيْن؛ لأنَّ هناك موضعَ إخبارٍ، فناسَبَ الإيجازَ، وهنا مقامُ تذكيرٍ بالنعمةِ والامتنانِ، فناسبَ الإسهابَ؛ وقوله "بإذْنِي" حالٌ: إمَّا من الفاعلِ، أو من المفعول. قوله: {وَتُبْرِئُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي} قال الخَلِيلِيُّ: من وُلِدَ أعْمَى، ومَنْ وُلِدَ بصيراً ثُمَّ أعْمِي. قوله تعالى: {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ}: من قُبُورِهِم أحْيَاء "بإذْنِي"، أي: بفِعْلي ذلك عند دُعائِك، أي: عند قولِكَ للميِّت: اخْرُجْ بإذْنِ اللَّهِ، وذلك الإذْنُ في هذه الأفاعِيلِ، إنَّما هُو على مَعْنَى إضافَةِ حَقيقَةِ الفِعْلِ إلى الله - تبارك وتعالى - كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} تفسير : [آل عمران: 145] أي: إلاَّ بِخَلْقِ اللَّهِ الموْتَ فيها. قوله تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني: الوَاضِحَة والمُعْجِزَات الظَّاهِرَة، وقيل: المُرادُ بالبَيِّنات الظَّاهِرَةِ هذه البَيِّناتُ التي تقدَّم ذكرُها، فيكون الألفُ واللاَّمُ لِلْمَعْهُود. رُوِي أنَّهُ - عليه الصلاة والسلام - لمَّا أظْهَرَ هذه المُعْجِزات العَجِيبَة، قَصَدَ اليهُود قَتْلَه، فخلَّصَهُ اللَّهُ تعالى مِنْهم، حَيْثُ رفَعَهُ إلى السَّمَاء. قوله: {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قرأ الأخوانِ هنا وفي هودٍ [الآية 7] وفي الصَّف [الآية 6] "إلاَّ سَاحِرٌ" اسم فاعل، والباقون: "إلاَّ سِحْرٌ" مصدراً في الجميع، والرسمُ يحتمل القراءتَيْنِ، فأمَّا قراءةُ الجماعةِ، فتحتملُ أن تكون الإشارةُ إلى ما جاءَ به من البيِّنات، أي: ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارِق إلا سِحْرٌ، ويُحْتمل أن تكون الإشارةُ إلى عيسى - عليه الصلاة والسلام - جَعَلُوه نفس السحْر مبالغةً؛ نحو: "رَجُلٌ عَدْلٌ"، أو على حذفِ مضافٍ، أي: إلاَّ ذُو سِحْرٍ، وخَصَّ مكي - رحمه الله تعالى - هذا الوجه بكون المرادِ بالمشار إليه محمداً صلى الله عليه وسلم فقال: "ويجوزُ أن تكونَ إشارةً إلى النبيِّ محمد صلى الله عليه وسلم على تقدير حَذْفِ مضافٍ، أي: إنْ هذا إلاَّ ذُو سِحْرٍ". قال شهاب الدين: وهذا غَيْرُ جائزٍ، والمرادُ بالمشار إليه عيسى عليه السلام، وكيف يكونُ المرادُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو لَمْ يكن في زَمَنِ عيسى - عليه الصلاة والسلام - والحواريِّين؛ حتى يشيروا إليه إلا بتأويلٍ بعيدٍ؟ وأمَّا قراءةُ الأخوَيْن، فتحتمل أن يكون "سَاحِرٌ" اسم فاعلٍ، والمشارُ إليه "عيسى"، ويُحتمل أن يكونَ المرادُ به المصدرَ؛ كقولهم: عَائِذاً بِكَ وعَائِذاً بالله مِنْ شَرِّهَا، والمشارُ إليه ما جاء به عيسَى من البيِّنات والإنجيلِ، ذكر ذلك مَكي، وتبعَهُ أبو البقاء، إلا أنَّ الواحديَّ مَنَعَ مِنْ ذلك؛ فقال - بعد أنْ حَكَى القراءتَيْنِ -: وكلاهُمَا حَسَنٌ؛ لاستواءِ كلِّ واحدٍ منهما في أنَّ ذِكْرَهُ قد تقدَّم، غير أنَّ الاختيار "سِحْر"؛ لجوازِ وقوعه على الحَدَثِ والشَّخْص، أمَّا وقُوعه على الحدث، فسهلٌ كثير، ووقُوعه على الشخْصِ يريدُ ذُو سحْرٍ؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ} تفسير : [البقرة: 177]، وقالوا: "إنما أنت سيرٌ" و"ما أنت إلا سيرٌ"، و[البسيط] شعر : 2085-................................. فَإنَّما هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ تفسير : قلتُ: وهذا يرجِّحُ ما قدَّمْتُه من أنه أطْلَقَ المصْدر على الشخص؛ مبالغةً؛ نحو: "رَجُلٌ عَدْلٌ"، ثم قال: "ولا يجوزُ أنْ يُرادَ بساحرٍ السِّحْرُ، وقد جاء فاعل يراد به المصدرُ في حروفٍ ليست بالكثير، نحو: "عَائِذاً بالله من شَرِّهِ"، أي: عِيَاذاً، ونحو "العافية" ولم تَصِرْ هذه الحروفُ من الكثرة بحيثُ يسوغُ القياس عليها". وإن قيل: إنَّهُ - تعالى - عدَّدَ هُنَا نِعمَ اللَّه تعالى على عيسى - عليه السلام -، وقولُ الكُفَّار في حقه {إن هذا إلاَّ سِحْرٌ مبينٌ}، ليس من النِّعَمِ، فكيف ذكره هنا؟. فالجوابُ إنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ، فَطَعْن الكُفَّار في عيسى - عليه السلام - بهذا الكلام، يَدُلُّ على أنّ نِعْمَةِ الله كانت في حقِّه عَظِيمَة، فَحَسُنَ ذِكْرُه عند تعديد النِّعم من هذا الوجه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إذا كان يوم القيامة دعى بالأنبياء وأممها، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقربها، يقول ‏{‏يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ثم يقول ‏{‏أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلٰهين من دون الله‏}‏ ‏[‏المائدة: 116‏]‏ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتي بالنصارى فيسألون‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، هو أمرنا بذلك‏.‏ فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام، حتى يوقع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عياش عن ابن وهب عن أبيه قال‏:‏ قدم رجل من أهل الكتاب اليمن فقال أبي‏:‏ ائته واسمع منه‏.‏ فقلت‏:‏ تحيلني على رجل نصراني‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ائته واسمع منه‏.‏ فأتيته فقال‏:‏ لما رفع الله عيسى عليه السلام أقامه بين يدي جبريل وميكائيل فقال له ‏{‏اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك‏} ‏ فعلت بك وفعلت بك، ثم أخرجتك من بطن أمك، ففعلت بك وفعلت بك، ستكون أمة بعدك ينتجلونك وينتجلون ربوبيتك، ويشهدون أنك قدمت وكيف يكون رب يموت‏؟‏ فبعزتي حلفت لأناصبنهم الحساب يوم القيامة، ولأقيمنهم مقام الخصم من الخصم حتى ينفذوا ما قالوا ولن ينفذوه أبداً، ثم أسلم وجاء من الأحاديث بشيء لم أسمع مثلها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات‏} ‏ أي الآيات التي وضع على يديه من احياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير‏.‏ ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم، وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه، ثم ذكر كفرهم بذلك كله‏.

ابو السعود

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} شروعٌ في بـيان ما جرى بـينه تعالى وبـين واحد من الرسل المجموعين من المفاوضة على التفصيلِ إثرَ بـيانِ ما جرى بـينه تعالى وبـين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأُنموذج لتفاصيلِ أحوال الباقين، وتخصيصُ شأن عيسى عليه السلام بالبـيان تفصيلاً من بـين شؤون سائر الرسل عليهم السلام مع دلالتها على كمال هَوْل ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبـين بالرسل لما أن شأنه عليه السلامُ متعلِّقٌ بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذين نُعِيتْ عليهم في السورة الكريمة جناياتُهم، فتفصيلُه أعظمُ عليهم وأجلبُ لحسرتهم وندامتِهم وأفتُّ في أعضادهم وأدخَلُ في صرفهم عن غيّهم وعنادهم، و(إذ) بدلٌ من (يومَ يجمع الله) الخ، وصيغة الماضي لما ذكر من الدلالة على تحقق الوقوع، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لما مر من المبالغة في التهويل [وتربـية المهابة]. وكلمة على في قوله تعالى: {ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ} متعلقة بنفس النعمة إن جُعلت مصدراً، أي اذكر إنعامي عليكما، أو بمحذوفٍ هو حالٌ منها إن جُعلت اسماً، أي اذكر نعمتي كائنة عليكما، وليس المرادُ بأمره عليه السلام يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفَه عليه السلام شكرَها والقيامَ بمواجبها ولاتَ حينَ تكليف، مع خروجه عليه السلام عن عهدة الشكر في أوله أيَّ خروج، بل إظهارَ أمره عليه السلام بتعداد تلك النعم حسبما بـينه الله تعالى اعتداداً بها وتلذذاً بذكرها على رؤوس الأشهاد، لتكون حكايةُ ذلك على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبـيخاً ومزجرةً للكفرة المختلفين في شأنه عليه السلام إفراطاً وتفريطاً وإبطالاً لقولهما جميعاً. {إِذْ أَيَّدتُّكَ} ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأيـيدي لك أو حال منها، أي اذكرها كائنة وقت تأيـيدي لك، وقرىء (آيدتُك) والمعنى واحد أي قويتك {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} بجبريلَ عليه السلام لتثبـيت الحجة أو بالكلام الذي يَحيـىٰ به الدين وإضافته إلى القدس لأنه سبب الطهر عن أوضار الآثام، أو يَحيـىٰ به الموتى أو النفوسُ حياةً أبدية، وقيل: الأرواحُ مختلفةُ الحقائق، فمنها طاهرةٌ نورانية، ومنها خبـيثةٌ ظُلمانية، ومنها مشرقةٌ، ومنها كَدِرةٌ، ومنها حُرة، ومنها نذْلة، وكان روحُه عليه الصلاة والسلام طاهرةً مشرقةً نورانية عُلوية، وأياً ما كان فهو نعمة عليهما {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} استئناف مبـين لتأيـيده عليه السلام أو حال من الكاف، وذكر تكليمه عليه السلام في حال الكهولة لبـيان أن كلامه عليه السلام في تينك الحالتين كان على نسق واحد بديعٍ صادراً عن كمال العقل مقارِناً لرزانة الرأي والتدبـير، وبه استُدل على أنه عليه السلام سينزِل من السماء لِما أنه عليه السلامُ رفع قبل التكهُّل، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسله الله تعالى وهو ابن ثلاثين سنةً، ومكث في رسالته ثلاثين شهراً، ثم رفعه الله تعالى إليه {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ} عطف على قوله تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ} منصوب بما نصبه، أي اذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك الكتاب {وَٱلْحِكْــمَةِ} أي جنسهما {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ} خُصا بالذكر مما تناوله الكتابُ والحكمةُ إظهاراً لشرفهما، وقيل: الخطُّ والحكمةُ الكلامُ المُحكَم الصواب. {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} أي تُصوَّر منه هيئةً مماثلة لهيئة الطير {بِإِذْنِى} بتسهيلي وتيسيري، لا على أن يكون الخلقُ صادراً عنه عليه السلام حقيقة، بل على أن يظهر ذلك على يده عليه السلام عند مباشرةِ الأسباب مع كون الخلق حقيقةً لله تعالى كما ينبىء عنه قوله تعالى: {فَتَنفُخُ فِيهَا} أي في الهيئة المصوَّرة {فَتَكُونُ} أي تلك الهيئة {طَيْراً بِإِذْنِى} فإن إذنه تعالى لو لم يكن عبارةً عن تكوينه تعالى للطير بل عن محضِ تيسيره مع صدور الفعل حقيقةً عما أُسند إليه لكان هذا تكوّناً من جهة الهيئة، وتكريرُ قوله: {بِإِذْنِى} في الطير مع كونه شيئاً واحداً، للتنبـيه على أن كلاًّ من التصوير والنفخ أمرٌ معظّم بديعٌ لا يتسنى ولا يترتب عليه شيء إلا بإذنه تعالى {وَتُبْرِىء ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي} عطف على (تخلُق). {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِى} عطف على (إذ تخلق) أعيد فيه إذْ، لكون إخراج الموتى من قبورهم لا سيما بعد ما صارت رميماً، معجزةً باهرةً ونعمةً جليلة حقيقةً بتذكير وقتها صريحاً، قيل: أخرج سامَ بنَ نوح ورجلين وامرأةً وجاريةً، وتكرير قوله: {بِإِذْنِى} في المواضع الأربعة للاعتناء بتحقيق الحق ببـيان أن تلك الخوارقَ ليست من قبل عيسى عليه الصلاة والسلام بل من جهته سبحانه قد أظهرها على يديه معجزةً له ونعمةً خصَّها به، وأما ذكرُه في سورة آلِ عِمرانَ مرتين لما أن ذلك موضعُ الإخبار، وهذا موضعُ تعداد النعم {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرٰءيلَ عَنكَ} عطف على (إذ تخرج) أي منعتُ اليهودَ الذين أرادوا بك السوء عن التعرُّض لك {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ} بالمعجزات الواضحة مما ذُكر وما لم يُذكر، كالإخبار بما يأكلون وما يدّخِرون في بـيوتهم ونحوِ ذلك، وهو ظرفٌ لكففت، لكن لا باعتبار المجيء بها فقط بل باعتبار ما يعقبُه من قوله تعالى: {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} فإن قولهم ذلك مما يدل على أنهم قصدوا اغتيالَه عليه السلام المُحوِجَ إلى الكف، أي كففتُهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئِك إياهم بالبـينات، وإنما وُضع موضعَ ضميرِهم الموصولُ لذمهم بما في حيِّز الصلة، فكلمة (من) بـيانية، وهذا إشارة إلى ما جاء به، والتذكير لأن إشارتهم إلى ما رأَوْه من نفس المسمّى من حيث هو، أو من حيث هو سحر لا من حيث هو مسمى بالبـينات، وقرىء (إن هذا إلا ساحر مبـين) فهذا حينئذ إشارة إلى عيسى عليه السلام.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} [الآية: 110]. قال بعضهم: منهم من ألقى إليه روح النبوة، ومنهم من ألقى إليه روح الصديقية، ومنهم من ألقى إليه روح المشاهدة، ومنهم من ألقى إليه روح الإصلاح والحرمة، وأسر إليهم بما لا يترحم، ولا يُعبّر علم ربانى غاب وصفه وبقى حقه. قال الواسطى رحمة الله عليه: لا تصح الصحبة مع الله إلا بصحبة الروح فى صحبة القِدم. قال الله تعالى: {أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} [الآية: 110]. بالعقل فمن صحت صحبة روحه فى القدم صحت صحبته مع الله. وقال فى قوله أيدتك بروح القدس: ذكر الروح فى هذا الموضع لطف بالقربة من المستترات. قال بعضهم: قدست روحك أن تمازج شيئًا من هيكلك وطبعك، بل طهرته لئلا يرى غيرى ولا يشاهد سواى، وأسكنته قالب جسمك، سكون عارية كإسكان آدم صلى الله عليه وسلم الجنة لأطهر به جسدك عن أدناس الكون حتى أقدسهما جميعًا وأخرجهما إلى مجد القدس.

القشيري

تفسير : التذكيرُ بوجوه النعم يستخرج خلاصة الحُب والهيمان في المذكور وكلُّ وقتٍ للأحباب يمضي يصير لهم حديثاً يتلى من بعدهم: إما عليهم وإمَّا عنهم.

البقلي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} اى اذكر لخواص احبائى والمريدين ما انعمت عليك من كشف جمالى لك واظهار علومى عليك وتجلائى منك للعالمين والقاء كلمتى الى امك اذ برزت منها انوارها تظهرك ملتبسا بلبسا نور الالوهية وذلك حين {أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} اى بروح المعرفة التي اشرقت من صبح الازل وذلك النفخ الاول الذي نفخت فى أدم من روح بتجلى جلالى وظهور جمالى الا ترى الى قوله ان مثل عيسى عند الله كمثال أدم كشف عن قدسه لصورة عيسى فصار حيا بكشف ومقدسا بروح قدسه عن تهمة مزج الاهويته بنالسوتية فصار جميع وجوده روحا قدسيا الا ترى كيف كان يتحى الموتى باذن الله اى بتائيد اله وجلال نور روح قدسه وايضا ايدتك بجبرئيل عليه السلام ليعرفك مكان العبودية والشريعة ويلزمك فى مهد البشرية فانك صدرت من نور الربوبية لولا ذلك ما سكنت فى الكون قال بعضهم منهم من القى اليه روح النبوة ومنهم من القى روح الصديقية ومنهم من القى اليه روح المشاهدة ومنهم القى اليه روح الصلاح والحرمة واسراليهم مما لا يترجم ولا يغير علم ربانى غاب وصفه حقه وقال الواسطى لا يصح الصحبة مع الله الا بصحبة الروح فى صبحة القدم قال الله ايدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلا الا بالعقل فمن صحت صحبة روحه فى القدم صحت صبحته مع الله وقال فى قوله ايدتك بروح القدس ذكر الروح فى هذا الموضع لطفا لقربه من المستترات قال بعضهم قدست روحك ان يمازج شيئا من هيكلك وطبعك بل ظهرته لئلا ترى غيرى ولا تشاهد سواى واسكنته قالب جرمك سكون عارية كاسكان أدما الجنة لا طهر به جسدك عن ادناس الكون حتى قدسهما جميعا واخرجهما الى محل القدس ومن تمام نعمة الله عليه صيرورة جسمه بنعت روحه فى المهد مثابه القدرة فيه فى كهلولته حتى عرف عباد الله تنزيه الله وقدس صفات الله وحسن جلال الله وهذا معنى قوله تعالى {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} وزاد فى وصفه بقوله تعالى {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ} تجلى بقدرته ليده حتى تحظ بغير تعلم {وَٱلْحِكْمَةَ} اى حكمة معارف الشعق وطريق كواشف الملكوت وبطون الافعاليات بنعت ماهيتها {وَٱلتَّوْرَاةَ} علمه ما علم موسى بنعت تجلاله له من نورا لتوارة ليعلم شرايع المعرفة وحكم الربوبية {وَٱلإِنْجِيلَ} عرفه اناجيل القدمية بظهور صفات الابدية وزاد وصفه على وصف باتصافه بالقدرة القامئة ولاقوة الالهية فى خلق الطير حين نفخا من نفخ روح القدس التى فيه وذلك امارة ظهور ربوبية الله منه ولذلك كان قادرا على ابراء الاكمه والابرص واحياء الموتى والاستشراف على مكنون الغيب بقوله بما وصف فى موضع أخر وانبئكم بما تاكلون وما تدخرون فى بيوتكم قال ابو على الرد بارى فى قوله وتبرئ الاكمه والابرص غاية الربوبية فى غاية العبودية لما استقام على بساط العبودية اظهر عليه اشياء من اوصاف الربوبية بقاضائه وقدره.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ قال الله يا عيسى ابن مريم} اى اذكروا ايها المؤمنون وقت قول الله تعالى لعيسى ابن مريم وهو يوم القيامة {اذكر نعمتى} اى انعامى {عليك وعلى والدتك} وليس المراد بامره عليه السلام يومئذ بذكر النعم تكليف الشكر اذ قد مضى وقته فى الدنيا بل ليكون حجة على من كفر حيث اظهر الله على يده معجزات كثيرة فكذبته طائفة وسموه ساحرا وغلا آخرون فاتخذوه الٰه فيكون ذلك حسرة وندامة عليهم يوم القيامة والفائدة فى ذكر امه ان الناس تكلموا فيها ما تكلموا ثم عد الله تعالى عليه نعمة نعمة فقال {اذ ايدتك} ظرف لنعمتى اى اذكر انعامى عليكم وقت تأييدى لك {بروح القدس} اى بجبريل الطاهر على ان القدس الطهور واضيف اليه الروح مدحا له بكمال اختصاصه بالطهر كما فى رجل صدق ومعنى تأييده به ان جبريل عليه السلام يجعل حجته ثابتة مقررة {تكلم الناس فى المهد وكهلا} استئناف مبين لتأييده عليه السلام والمعنى تكلمهم فى الطفولة والكهولة على سواء اى من غير ان يوجد تفاوت بين كلامه طفلا وبين كلامه كهلا فى كونه صادرا عن كمال العقل وموافقا لكمال الانبياء والحكماء فانه تكلم حال كونه فى المهد اى فى حجر الام او الذى يربى فيه الطفل بقوله {أية : إنى عبد الله ءآتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلٰوة والزكٰوة ما دمت حيا} تفسير : [مريم: 30-31]. وتكلم كهلا بالوحى والنبوة فتكلمه فى تينك الحالتين على حد واحد وصفة واحدة من غير تفاوت معجزة عظيمة حصلت له وما حصلت لاحد من الانبياء قبله ولا بعده وكل معجزة ظهرت منه كما انها نعمة فى حقه فكذلك هى نعمة فى حق امه لانها تدل على براءة ساحتها مما نسبوها اليه واتهموها به وحمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء وانما كان بروح منه كما قال تعالى {أية : ومريم ابنة عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} تفسير : [التحريم: 12]. فهذه نعمة خاصة بمريم وكذلك ولادة عيسى وخلفته ما كانت من نطف الرجال وانما كانت كلمته ألقاها الى مريم وروح منه فهذه نعمة خاصة بعيسى. والكهل من الرجال الذى جاوز الثلاثين ووخطه الشيب اى خالطه وقيل المراد بتكلمه كهلا ان يكلم الناس بعد ان ينزل من السماء فى آخر الزمان بناء على انه رفع قبل ان اكهل فيكون قوله تعالى {وكهلا} دليلا على نزوله ـ وروى ـ ان الله تعالى ارسله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث فى رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله تعالى اليه وينزل على هذا السن ثم يكهل {واذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} اى اذكر نعمتى عليكما وقت تعليمى لك جنس الكتب المنزلة وخص الكتابان بالذكر مع دخولهما فى الجنس اظهارا لشرفهما والمراد بالحكمة العلم والفهم لمعانى الكتب المنزلة واسرارها وقيل هى استكمال النفس بالعلم بها وبالعمل بمقتضاها {وإذ تخلقُ من الطين كهيئةِ الطير} اى تصور منه هيئة مماثلة لهيئة الطير {باذنى} ان بتسهيلى وتيسيرى {فتنفخ فيها} اى فى الهيئة المصورة {فتكون} اى تلك الهيئة {طيرا باذنى} فالخلق حقيقة لله تعالى ظاهر على يده عليه السلام عند مباشرة الاسباب كما ان النفخ فى مريم كان من جبريل والخلق من الله تعالى سألوا منه عليه السلام على وجه التعنت فقالوا له اخلق لنا خفاشا واجعل فيه روحا ان كنت صادقا فى مقالتك فاخذ طينا وجعل منه خفاشا ثم نفخ فيه فاذا هو يطير بين السماء والارض وانما طلبوا منه خلق خفاش لانه اعجب من سائر الخلق ومن عجائبه انه لحم ودم يطير بغير ريش ويلد كما يلد الحيوان ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور وله ضرع يخرج منه اللبن ولا يبصر فى ضوء النهار ولا فى ظلمة الليل وانما يرى فى ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل ان يسفر جدا ويضحك كما يضحك الانسان ويحيض كما تحيض المرأة فلما رأوا ذلك منه ضحكوا وقالوا هذا سحر {وتبرىء الاكمه والابرص باذنى} الاكمه الذى ولد اعمى والابرص هو الذى به برص اى بياض فى الجلد ولو كان بحيث اذا غرز بابرة لا يخرج منه الدم لا يقبل العلاج ولذا خصا بالذكر وكلاهما مما اعيى الاطباء: وفى المثنوى شعر : صومعه عيسى است خوان اهل دل هان وهان اى مبتلا اين درمهل جمع كشتندى زهر اطراف خلق ازضرير وشل ولنك واهل دلق اوجوفارغ كشتى از اوراد خويش جا كشتكه بيرون شدى آن خوب كيش بس دعا كردى وكفتى ازخدا حاجت ومقصود جمله شدروا خوش روان وشادمانه سوى خان از دعاى او شدندى باروان آز مودى توبسى آفات خويش يافتى صحت ازين شاهان كيش جند آن لنكىء تورهوار شد جند جانت بى عم و آزار شد تفسير : {واذ تخرج الموتى باذنى} اى تحيى الموتى وتخرجهم من قبورهم احياء قيل اخرج سام ابن نوح ورجلين وجارية كما سبق تفصيله فى سورة آل عمران. قال الكلى كان عيسى عليه السلام يحيى الموتى بيا حى ويا قيوم وهو الاسم الاعظم عند العلماء المحققين {واذ كففت بنى اسرائيل عنك} اى منعت اليهود الذين ارادوا لك السوء عن التعرض لك {اذ جئتهم بالبينات} بالمعجزات الواضحة ظرف لكففت {فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} اى ما هذا الذى جئت به الا سحر ظاهر ردا وانكارا فبقوا على مرض الكفر ولم يعالجوا بعلاج الايمان على يد الحكيم الالهى الحاذق ـ حكى ـ عن الشبلى انه اعتل فحمل الى البيمارستان وكتب على بن عيسى الوزير الى الخليفة فى ذلك فارسل الخليفة اليه مقدم الاطباء ليداويه فما انجحت مداواته قال الطبيب للشبلى والله لو علمت ان مداواتك فى قطعة لحم من جسدى ما عسر على ذلك قال الشبلى دوائى فيما دون ذلك قال الطبيب وما هو قال بقطعك الزنار فقال الطبيب اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا رسول الله فاخبر الخليفة بذلك فبكى وقال نفذنا طبيبا الى مريض وما علمنا انا نفذنا مريضا الى طبيب. قال اليافعى هذا هو الطبيب الحاذق وحكمته من الحكمة التى بها العلل تزول وفيه اقول شعر : اذا ما طبيب القلب اصبح جسمه عليلا فمن ذا للطبيب طبيب فقل هم اولوا علم لدنى وحكمة آلهية يشفى بذاك قلوب تفسير : وكل مرشد كامل فهو عيسى وقته. فان قلت ان اولياء الله هم الاطباء حقيقة ومن شأن الطبيب ان يعالج ويبرىء دون ان يهلك ويمرض فما شأن ابراهيم الخواص اشار باصبعيه الى عينى رجل فى برية اراد ان يسلب منه ثيابه فسقطتا. قلت انما دعا ابراهيم على اللص بالعمى ودعا ابراهيم بن ادهم على الذى ضربه بالجنة لان الخواص شهد من اللص انه لا يتوب الا بعد العقوبة فرأى العقوبة اصلح له وابن ادهم لم يشهد توبة الظالم فى عقوبته فتفضل عليه بالدعاء فتوة منه وكرما فحصلت البركة والخير بدعائه للظالم فجاءه مستغفرا معتذرا فقال له ابراهيم الرأس الذى يحتاج الى الاعتذار تركته ببلخ وقد كان الانبياء يدعون مطلقا بحسب الاحوال والمصالح وكل ذلك باذن الله تعالى فهم فى دعائهم فانون عن انانيات وجودهم لا يصدر من لسانهم الا حق مطابق للواقع والحكمة والاولياء تلو لهم فى ذلك ولكن الناس لا يعلمون: وفى المثنوى شعر : جون بباطن بنكرى دعوى كجاست اوو دعوى بيش آن سلطان فناست مات زيد زيد اكر فاعل بود ليك فاعل نيست كوعاطل بود اوزروى لفظ نحوى فاعلست ورنه او مفعول وموتش قاتلست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ}: بدل من {يوم يجمع}، أو باذكر، وجملة {تكلم}: حال من مفعول {أيدتك}. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {إذ} يقول الله ـ جل وعز ـ يوم القيامة: {يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} بالنبوة والرسالة، وعلى أمك بالاصطفائية والصديقية، وذلك حين {أيدتك} أي: قويتك {بروح القدس}، وهو جبريل عليه السلام كان لا يفارقك في سفر ولا حضر، أو بالكلام الذي تحيا به الأنفس والأرواح، الحياة الأبدية. كنت {تكلم الناس في المهد} أي: كائنًا في المهد {وكهلاً} أي: تكلم في الطفولة والكهولة بكلام يكون سببًا في حياة القلوب، وبه استدل أنه ينزل، لأنه رفع قبل أن يكتهل، {و} اذكر {إذ علّمتك الكتاب} أي: الكتابة، {والحكمة}: النبوة {والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني} وتقدم تفسيرها في آل عمران. وكرر {بإذني} مع كل معجزة؛ إبطالاً لدعوى الربوبية فيه، إذ قد عزله عن قدرته ومشيئته مع كل معجزة. قال ابن جزي: الضمير المؤنث ـ يعنيه في "فيها" ـ يعود على الكاف، لأنها صفة الهيئة، وكذلك المذكور في آل عمران. {فأنفخ فيه} يعود على الكاف، لأنها بمعنى مثل، وإن شئت قلت: هو في الموضعين يعود على الموصوف المحذوف الذي وصف به كهيئة، فتقديره في التأنيث: صورة، وفي التذكير: شخصًا، أو خلقًا وشبه ذلك. هـ. {و} اذكر أيضًا {إذ كففت بني إسرائيل عنك} حين هموا بقتلك، {إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحرًا، أو: قالوا في شأنك حين جئتهم: ما هذا إلا ساحر مبين، {و} اذكر أيضًا {إذ أوحيت إلى الحواريين} أي: ألهمتهم، أو أمرتهم بأن {آمنوا بي وبرسولي} عيسى، فامتثلوا، {وقالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} أي: منقادون ومخلصون. الإشارة: قال الورتجبي: من تمام نعمة الله ـ تعالى ـ عليه صيرورة جسمه بنعت روحه في المهد على شبابه بالقوة الإلهية، بأن نطق بوصف تنزيه الله وقدسه وجلاله، وربويته وفناء العبودية فيه، وبقيت تلك القدرة فيه إلى كهولته، حتى عرّف عباد الله تنزيه الله وقدس صفات الله وحسن جلال الله، وهذا معنى قوله تعالى: {تُكلم الناس في المهد وكهلاً}، وزاد في وصفه بقوله: {وإذ علمتك الكتاب}، تجلى بقدرته بيده حتى يخط بغير تعلم. هـ. فانظره، مع ما ورد في التاريخ أنه كان يذهب مع الصبيان للمكتب. ثم ذكر معجزة المائدة، فقال: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف "ساحر" بألف ها هنا وفي أول سورة يونس، وفي هود، وفي الصف. وأفقهم ابن عامر وعاصم في يونس. وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه من صفة يوم القيامة كما ان ما قبله من صفتها ومن خطاب الرسل بالمسألة والتذكير بالنعمة لتوبيخ من يستحق التوبيخ من اممهم وتبشير من يستحق البشارة منهم. العامل في {إِذ} يحتمل أحد أمرين: أحدهما - الابتداء عطفاً على قوله {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} قال وذلك {إذ قال} فيكون موضعه رفعاً كما يقول القائل كأنك بنا قد وردنا بلد كذا فصنعنا فيه وفعلنا اذ صاح بك صائح فاجبته وتركتني. الثاني - اذكر اذ قال الله. وقال بعضهم ان معناه ماذا أجبتم على عهد عيسى. قال الرماني: هذا غلط، لانه من صفة (يوم القيامة) وعندي لا يمتنع أن يكون المراد بذلك اخبار النبي (صلى الله عليه وسلم) اذ قال الله لعيسى بن مريم إِذكر، أي أخبر قومك ما أنعمت به عليك وعلى أمك، واشكر ذلك اذ أيدتك بروح القدس. وروح القدس هو جبرائيل وحسن قوله {إذ قال} ولم يقل (يقول) لانه عطف على ما قبله لانه قدم ذكر الوقت. وتأييد الله هو ما قواه به وأعانه على أمور دينه، وعلى رفع ظلم اليهود والكافرين عنه. ووزن {أيدتك} فعلتك من الايد على وزن قربتك. وقال الزجاج: يجوز أن يكون فاعلتك من الايد. وقرأ مجاهد: أيدتك على وزن أفعلتك من الايد. وروح القدس جبرائيل قال الحسن والقدس هو الله. وقوله {تكلم الناس في المهد} أي انك تكلم الناس في حال ما كنت صبياً في المهد - والمهد حجر أمه، في قول الحسن - وفي حال ما كنت كهلا. قال أبو علي فكان كلم الناس في هذين الوقتين بتبليغه إياهم ما أرسله الله به إلى عباده، وما يدعوهم اليه من طاعة الله وتصديق رسله، لانه كان بين لهم عند كلامه في المهد {أية : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً}تفسير : فبين لهم في هذا وفي وقت ما صار كهلا ان الله بعثه نبيا ولم يتكلم أحد من الانبياء في المهد سواه ولم يبعث أحد عندما ولد غيره، فذكره هذه النعمة التي خصه بها ليشكره على ذلك. ونصب قوله {كهلا} يحتمل أمرين: أحدهما - على ان يكون عطفا على موضع تكلم أي أيدتك صغيراً وكهلا. الثاني - أن يكون عطفاً على موضع في المهد، أي وتكلمهم كهلا بالرسالة. وقوله {وإذ علمتك الكتاب} يعني واذكر {إذ}. وقيل في معنى {الكتاب} قولان: أحدهما - انه اراد الخط الكتابة. الثاني - الكتب فيكون على طريق الجنس ثم فصله بذكر التوراة والانجيل. وقوله {والحكمة} يعني العلم بما في تلك الكتب. وقوله {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} أي واذكر ذلك أيضا كل ذلك تذكير له بنعمه عليه والخلق هو الفعل المقدر على مقدار يعرفه الفاعل، فعلى هذا جميع أفعاله تعالى توصف بأنها مخلوقة، لانه ليس فيها شيء على وجه السهو والغفلة، ولا على سبيل المجازفة. ومعنى ذلك أنه خلق من الطين كهيئة الطير أي تصور الطين بصورة الطير الذي تريد. وسماه خلقاً لانه كان يقدره. وقوله {بإذني} أي تفعل ذلك باذني وأمري. وقوله {فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني} معناه انه نفخ فيها الروح، لأن الروح جسم ويجوز أن ينفخها المسيح بامر الله. والطير يؤنث ويذكر فمن أنث أراد الجمع ومن ذكر فعلى اللفظ. والطير واحده طائر مثل ضائن وضأن وراكب وركب. وقد قالوا (أطيار) مثل صاحب وأصحاب وشاهد وأشهاد، ويمكن أن يكون (أطيار) جمع طير مثل ثبت واثبات وبيت وابيات. قال أبو علي وقد ينفخها في الجسم على ما أخبر الله به جبرائيل، وعلى ما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يبعث اليه ملكا عند تمام مئة وعشرين يوما فينفخ فيه الروح ويكتب أجله ورزقه وشقي هو أم سعيد، وبين بقوله {فيكون طيراً بإذني} أنه اذا نفخ المسيح (ع) فيها الروح قلبها الله لحماً ودماً، وخلق فيها الحياة فصارت طائراً باذن الله وإِرادته لا بفعل المسيح (ع) فلذلك قال {فيكون طيراً بإذني}. وقوله {وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني} معناه إِنك تدعوني حتى أبرىء الاكمه، وهوالذي خلق أعمى. وقال الخليل: يكون الذي عمي بعد ان كان بصيراً والأصل الاول. والأبرص معروف ونسب ذلك الى المسيح لما كان بدعائه وسؤاله. وقوله {وإِذ تخرج الموتى بإذني} أي اذكر اذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك وأخرجهم من القبور حتى يشادهم الناس أحياء. وانما نسبه إلى عيسى لما بينا من أنه كان بدعائه. وقوله {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات} أي اذكر إِذ كففت هؤلاء عن قتلك وإِذ أيدتك حين جئتهم بالبينات مع كفرهم وعتوهم مع قولهم ان ما جئت به من الآيات سحر مبين. ويجوز أن يكون كفهم بألطافه التي لا يقدر عليها غيره، ويجوز أن يكون كفهم بالمنع والقهر كما منع من أراد قتل نبينا (صلى الله عليه وسلم) وقيل لأنه ألقى شبهه على غيره حتى قتلوه ونجا. ومن قرأ (ساحر) أراد أن عيسى ساحر مبين أي ظاهر بين. والسحر هو الباطل المموه بالحق. وقوله في أول الآية {اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك} أي اخبر بها قومك الذين كذبوا عليك ليكون حجة عليهم، لانهم ادعوا عليه أنه إِله وأنه لم يكن عبداً منعما عليه، ثم عدد النعم نعمة نعمة على ما بينا. وقال الطبري: انما عدد الله تعالى هذه النعم على عيسى (ع) حين رفعه اليه فلذلك قال {إِذ قال الله}.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} اذكر او ذكّر او هو بدل من يوم يجمع الله {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} يعنى فى جميع احوالك {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ} اى النّبوّة {وَٱلْحِكْمَةَ} اى الولاية {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} صورتى النّبوّة {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ} تكرار باذنى لرفع توهّم الآلهة فانّ ذلك ليس الاّ من جهة الآلهيّة {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ} وحى الهام لا وحى ارسال {إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} لمّا كان المقصود تنبيه الامّة على ما لا ينبغى لهم من مطالبة الآيات من الرّسول (ص) او من امير المؤمنين (ع) وكان ما ذكر سابقاً من نعم عيسى (ع) توطئة لهذا المقصد واشارة الى انّهم محض هوى النّفس سألوا المائدة والاّ كان فيما انعم الله به على عيسى (ع) غنية عن غيرها من الآيات غيّر الاسلوب واتى به من غير عطف حتّى لا يتوهّم انّه كسابقه من النّعم وقد سألوا رسول الله (ص) الآيات وبعد ما أتاهم بها كفروا وسألوا عليّاً (ع) وكفروا بها بعد الاتيان بها كما فى التّواريخ والاخبار {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} كأنّ السّؤال كان قبل ان يعرفوا معرفة تامّة او المقصود الاستطاعة المطابقة للحكمة وقرئ هل تستطيع بالخطاب اى هل تستطيع سؤال ربّك {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} المائدة الخوان عليه الطّعام من ماد اذا تحرّك او من مادة اذا اعطاه {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} من الاقتراح على الله {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} به وبقدرته.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} وما أظهره عليك من الآيات العظام {وعلى والدتك إذ أيدتك} أي قويتك {بروح القدس}، قيل: هو جبريل، وقيل: الاسم الأعظم الذي كان يحيي به الموتى {تكلم الناس في المهد} وهو طفل {وكهلاً} وهو عند كمال العقل وبلوغ الأشد والوقت الذي تستنبأ فيه الأنبياء، قال جار الله: فإن قلتَ: ما معنى قوله: {في المهد وكهلاً}؟ قلتُ: معناه كلمهم في هاتين الحالتين من غير أن يتفاوت كلامه في حال الطفولية وحال الكهولية، قوله تعالى: {وإذ علمتك الكتاب} الخط {والحكمة} الكلام المحكم الصواب، قوله تعالى: {كهيئة الطير} أي هيئة مثل هيئة الطير {بإذني} بتسهيلي {فتنفخ فيها} قال جار الله: الضمير للكاف لأنها صفة للهيئة التي كان يخلقها عيسى (عليه السلام) وينفخ فيها فلا يرجع إلى الهيئة المضاف اليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء وكذلك الضمير في فيكون {وتبرئ الأكمه والأبرص}، قيل: الذي يخرج أعمى، وقيل: الأعمش {وإذ كففت بني إسرائيل عنك} هم اليهود حين همّوا بقتله {وإذ تخرج الموتى بإذني} تخرجهم من القبور وتبعثهم قيل: اخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية {وإذ أوحيت إلى الحواريِّين} أمرتهم على ألسنة الرسل {واشهد بأننا مسلمون}، من قوله: {من أسلم وجهه لله}، وقوله: {مسلمون} مخصلون والحواريون خواص أصحاب عيسى (عليه السلام) قال الحسن: كانوا قصارين، وقال مجاهد: كانوا صيادين، قوله تعالى: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} قال جار الله: فإن قلتَ: كيف قالوا: {هل يستطيع} بعد إيمانهم وإخلاصهم؟ قلتُ: ما وصفهم الله بالايمان والاخلاص وإنما حكى ادعاءهم لذلك، وقوله: {هل يستطيع ربك} كلام لا يرد مثله عن مؤمنين مطيعين لربهم، ولذلك قال (عليه السلام): {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}، ولا تشكّوا في اقتداره واستطاعته ولا تقترحوا عليه الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها {إن كنتم مؤمنين} أي كانت دعواكم للإِيمان صادقة {قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا}، قال جار الله: من الشاهدين نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل {ونكون عليها من الشاهدين} لله تعالى بالوحدانية ولك بالنبوة عاكفين عليها وكانت دعواهم لارادة ما ذكروا كدعواهم للإِيمان والإِخلاص وإنما سأل عيسى (عليه السلام) وأجيب ليلتزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا {قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء} قال جار الله: أصله يا الله فحذف حرف النداء {تكون لنا عيداً} أي يكون يوم نزولها عيداً، قيل: هو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيداً، وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيد فكان معناه يكون لنا سروراً وفرحاً {لأولنا وآخرنا} أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل منها أولهم، قال الله مجيباً لعيسى (عليه السلام): {إني منزلها عليكم} يعني المائدة {فمن يكفر بعد منكم} أي بعد نزولها {فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} عالمي زمانهم، فجحد القوم، وكفروا بعد نزول المائدة، فمسخوا قردة وخنازير، وروي أن عيسى (عليه السلام) لما أراد الدعاء لبس صوفاً ثم قال: {اللهم انزل علينا مائدة من السماء} والمائدة الخوان عليها الطعام، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى (عليه السلام) وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، فقال لهم: ليقم أحسنكم عملاً فيكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، قال شمعون كبير الحواريين: أنت أولى بذلك يا روح الله، فقام عيسى (عليه السلام) فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل فقال: بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، قال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيء منهما، ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم، واشكروا الله يمددكم ويزدكم من فضله، قال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال عيسى (عليه السلام): يا سمكة أحيي بإذن الله تعالى، فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية، ثم طارت المائدة، روي ذلك في الكشاف المتقدم، وقيل: تنزل كل يوم مرة، وقيل: كانت بكرة وعشياً، وقيل: كانت غبَّاً تنزل يوم دون يوم، قيل: أقامت أربعين يوم يأكل منها خمسة آلاف نفس كل يوم فخانوا وادخروا فرفعت، وقيل: كانت فيها جبن وسكر، وقيل: ثمار من ثمار الجنة، وقيل: كان عليها من كل الطعام إلا اللحم، وقيل: كان في السمكة طعم كل شيء، وروي: أن ما أحد أكل منها من أهل العلل إلا برئ ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير، وروي: أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله: {فمن يكفر بعد منكم} قالوا: لا نريد فلم تنزل، وعن الحسن: والله ما نزلت ولو نزلت لكانت عيد إلى يوم القيامة، لقوله: {وآخرنا}، قال جار الله: والصحيح أنها نزلت، وروى الثعلبي: أنها أقبلت الملائكة بمائدة يحملونها عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم أكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم، وروي فيه أيضاً: كانت المائدة إذا وضعت بين يدي بني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلا اللحم، وروي: أن ما أحد أكل منها من أهل العلل إلاَّ برئ، ولا فقير إلا استغنى، وروي أنها كانت إذا نزلت اجتمع اليها الناس الكبار والصغار والفقراء والأغنياء والرجال والنساء، فأوحى الله تعالى إلى عيسى (عليه السلام) أن اجعل رزقي ومائدتي للفقراء لا الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا فقال لهم عيسى (عليه السلام): هلكتم فشمروا لعذاب الله تعالى، وروي أنه مسخ منهم ثلاثمائة وثلاثون رجلاً أصبحوا خنازير يسعون في الكناسات، وقيل: كانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم من امرأة ولا صبي، فلما نظرت الخنازير إلى عيسى (عليه السلام) بكت وجعل عيسى (عليه السلام) يدعوهم بأسمائهم واحداً واحداً فيبكون ولا يقدرون على الكلام، روى ذلك الثعلبي.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعلَى وَالِدَتِكَ}: أى اذكر يا محمد فى الدنيا قول الله جل جلاله لعيسى ابن مريم فى الدنيا يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتى الخ، أو اذ بدل من يوم يجمع الله الرسل فيكون قول الله له: يا عيسى ابن مريم الخ فى الآخرة، ولكن لتحقيق وقوعه يوم القيامة كان اللفظ باذ الموضوعة للزمان الماضى كأنه وقع ومضى، وقيل: استعمل اذ وقال للاستقبال، ولا يصح تعليق اذ بأجبتم كما قيل، وصح تعلقه بيقول على أن المعنى المراد لعيسى اذكر نعمتى، انما هو فى الآخرة، والمراد بقول الله للرسل {أية : ماذا أجبتم }تفسير : وبقوله لعيسى هذا فى الآخرة توبيخ أممهم بتفريط المفرط منهم كالمكذبين لهم، وغلو من غلا كقول النصارى: عيسى اله أو ابن الله، وقيل: المراد اسماع الله عز وجل الأمم بما أكرم الله عيسى عليه السلام به. {إِذ أَيَّدتُّكَ}: قويتك وداود بالأيد، فالأيد قوة، واذ بدل من اذ التى قبلها أو تعلق بنعمتى بمعنى انعامى، ولكونه بمعنى انعامى تعليق به أيضا عليك، ويجوز تعليق اذ بمحذوف حال من نعمتى، وقرىء أيدتك بزيادة همزة التعدية، فالثلاثى أيد أيداً بمعنى قوى قوة، وأيدتك بالتشديد معدى به، وأيدتك بهمزة وألف معدى بالهمزة أى قويتك تقوية. {بِرُوحِ القُدُسِ}: بجبريل، وتقدم الكلام عليه فى سورة البقرة، ويؤيد تفسيره بالكلام الذى يحيى به الدين النفس حياة أبدية وتطهر من الآثام بقوله: {تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى المَهْدِ}: فان ظاهره أنه بيان لتأييده بروح القدس، وفى المهد حال من ضمير تكلم، والمهد القماط. {وَكَهْلاً}: معطوف على الحال، أى ثابتاً فى المهد، وكهلا أى مجاوزاً للثلاثين، ووخطه الشيب، وتقدم الكلام فى ذلك، والمعنى أنه يكلم الناس فى المهد وكهلا بالحق والعلم والحكمة على حد سواء، فعقله كمل من الطفولية، وفيه دليل قيل على أنه سينزل من السماء لأنه رفع وهو دون الكهل، فيعيش فيكون كهلا، وليس كذلك، بل رفع وهو كهل ابن ثلاثين سنة، ومكث فى رسالته ثلاثين شهراً، وتقدم فى سورة آل عمران تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيرِ بِإِذنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونَ طَيْراً بِإِذنِى وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذنِى وإِذ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذنِى}: ذلك قراءة نافع ويعقوب، وقرأ غيرهما فتكون طيراً. {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَنْكَ}: يعنى اليهود حين هموا بقتله. {إِذْ جِئْتَهُم}: متعلق بكففت لأنهم قصدوا قتله حين جاءهم بالبينات، فحين اذ كفهم عنه. {بِالبَيِّنَاتِ}: المراد جنس البينات، وقيل: ما ذكر فى الآية من المعجزات فتكون للعهد الذكرى. {فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا}: أى ما الذى جئت به. {إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ}: وقرأ حمزة والكسائى الا ساحر مبين، فالاشارة فى قراءتها الى عيسى عليه السلام، ولما أوحى الله الى عيسى عليه السلام: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى} الخ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر، ولا يدخر لغد، ويقول: مع كل يوم رزقه، ولا بيت له يخرب، ولا ولد يموت، أين ما أمسى بات.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَ اللهُ} إِذ يقول الله وصيغتا الماضى للتحقق كما مر، وإِذ بدل من يوم أَو مفعول لا ذكر، وصح الإِبدال لأَن يوم جمع الرسل وقوله لعيسى. {يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ} إِلخ يوم واحد يجمع توبيخ الأَقوام على تكذيبهم للأَنبياء حتى قالوا سحرة ومجانين وأَساطير الأَولين وأَكاذيب، وعلى غلو من غلا حتى قال أَن عزيراً ابن الله وحتى قال إِن عيسى إِله أَو ابن الله، والآية رد لتفريط اليهود فى عيسى عليه السلام وإِفراط النصارى فيه، إِذا جعلنا ابن نعت عيسى جاز فى الجملة تقدير الضمة على الأَلف كما هو الأَصل وتقدير الفتحة كما هو القاعدة فى مثل قولك يا زيد بن سعيد ولكن لا داعى إِلى تقدير خلاف الأَصل ولا دليل عليه يترك به الأَصل {اذْكُرْ نِعْمَتِى} إِنعامى بكسر الهمزة {عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ} متعلق بنعمتى كعلى لأَنه بمعنى إِنعامى، النعمة بمعنى ما أَنعم به عليه فعلى متعلق بمحذوف حال من نعمة، والإِضافة للجنس لأَن نعمة عليه متعددة وأَمره بذكر النعم تشريفاً له بها على رءُوس الأَشهاد والأَعداء وتلذيذاً أَو توبيخاً لليهود والنصارى المخطئين في شأنه، وإِذا جعلنا نعمة بمعنى ما أَنعم به فإِذا متعلق بمحذوف حال من نعمة أَو بدل من إِذ {أَيَّدْتُكَ} قويتك من الأَيد مفرداً بمعنى القوة {بِرُوحِ القُدُسِ} هو جبريل لا يفارقه من حين ولد إِلى أَن رفع، والقدس، أَو روح القدس الكلام الذى يحيا به الدين أَو النفس حياة أَبدية، ويطهر من الآثام ويقوى تفسيره بالكلام قوله عز وجل {تُكَلِّمُ النَّاسَ فى المهْدِ} متعلق بمحذوف حال عطف عليه حال آخر فى قوله {وَكَهْلاَ} أَى ثابتاً فى المهد وكهلا، المعجزة التكلم فى المهد لا التكلم في الكهولة، ولكن ذكر الكهولة إِيذاناً بأَن كلامه فى المهد وكلامه في الكهولة وما بينهما سواء فى الحكمة ومطابقة كلام كتب الله وأَنبيائه وكاملى العقول، ومما قال فى المهد: {أية : إِنى عبد الله آتانى الكتاب} تفسير : [مريم: 30]، الآية، وتكلم فى الكهولة بما أَوصى الله، والكهل من جاوز الثلاثين ووخطه الشيب، وإِن جعلنا نعمى بمعنى ما أَنعم به فعليك حال وإِذا بدل منها بدل اشتمال، أَو متعلق بعليك، أَو بمتعلقه أَو حال من ضمير الحال الاستقرارى، ويجوز تعليق فى المهد بتكلم فيقدر وتكلمهم كهلا، وقد عدد عليه من النعم سبعاً: إِذ أَيدتك وإِذ علمتك وإِذ تخلق وإِذ تبرئ وإِذ تخرج الموتى وإِذ كففت، وإِذ أوحيت. واستدل بعض بقوله وكهلا على أَنه سينزل لأَنه رفع غير بالغ سن الكهولة وليس كذلك؛ لأَنه أَرسل ابن ثلاثين سنة، ومكث فى رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله إليه، هكذا روى عن ابن عباس، ويروى ابن ثلاث وثلاثين سنة، وقيل وثلاثة أَشهر وثلاثة أَيام، وقيل ابن أَربع وثلاثين وما صح أَنه وخطه شيب وتكلف من قال المراد وشبه كهل {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَ} أَى الخط تكتب وتقرأ ما كتب، أَو علمتك الكتب المنزلة كالمصحف والزبور والتوراة والإِنجيل، وخصهما بالذكر فى قوله والتوراة والإِنجيل تفضيلا لهما على الكتب التى قبلهما {والحِكْمَةَ} العلم وفهم معانى الكتب وأَسرارها واستكمال النفس بالعلم والعمل والصواب فى السيرة {وَالتَّوْرَاةَ} هو الكتاب المنزل على موسى {والإِنْجِيلَ} المنزل على عيسى على نبينا وعليهما أَفضل الصلاة والسلام {وَإِذْ تَخْلُقُ} تصور {مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى} أَى بأَمرى، الكاف اسم مضاف لهيئة مفعول لتخلق أَى تخلق مثل هيئة الطير أَى كصورة الطير {فَتَنْفُخُ} بفيك {فِيهَا} أَى فى مثل هيئة الطير، ورجع ضمير المؤنث إِلى الكاف وهو مذكر إِذ هو بمعنى مثل لأَن المعنى صورة أَو هيئة مثل هيئة الطير، والطير اسم جمع لطائر أَو جمع له كما له فى راكب وركب أَى كصورة الطيور، واستعمال الطير مفردا مرجوح، كان الناس يقولون له على وجه التعنت خلق لنا خفاشاً واجعل فيه روحاً إِن كنت صادقاً فيفعل بإِذن الله، كما قال الله عز وجل {فَتَكُونُ طَيْراً بإِذْنى} إِنى خالق فيها حياة وروحاً لا أَنت ولا غيرك فذلك نعمة منى إِليك إِذ نصرتك بالحجة على أَعدائك، والمراد حيواناً طائراً وهو الخفاش أَو خفاشاً طائراً {وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ} من ولدلا يبصر أَو زال بصره {والأَبْرَصَ بِإِذْنِى، وإِذْ تُخْرِجُ الموْتَى} من قبورهم أحياء كسام {بإِذْنِى} أَى بقدرتى؛ لأَنى قادر على كل شئ، ومن تقدم فى آل عمران يكرر إِذ أَول كل نوع مخالف لما قبله فيما مر وما يأتى، ولا سيما إِخراج الموتى من القبور فإِنه معجزة عظيمة إِذا كانوا رماما فيحييهم بإِذن الله عز وجل؛ ولذلك لم يكتف عن إِذ فيها بإِذ التى قبلها مع أَنهما معاً فى إِحياء مالا حياة فيه، ومن هذا الإِحياء إِبراء الأَكمه والأَبرص، وأَما بالمقابلة فاحياء الطين أَشد إِعجازاً لأَن الطين لم تتقدم فيه بخلاف إِخراج الموتى، نعم إِخراج الموتى أَبلغ من التعبير باحياء الموتى {وَإِذ كَفَفْتُ} منعت {بَنِى إِسرائِيلَ} اليهود {عَنْكَ} إِذ قصدوك للقتل خداعاً، وقصدوك به مجاهرة {إِذْ جِئْتَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ} المعجزات المحسات فلم يقتلوك، ولكن قتلوا الشبه، وإِذ متعلق بكففت قبله {فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَى هؤلاء الذين قصدوا قتلك بعد البينات فصرفتهم، فمقتضى الظاهر فقالوا إن هذا إِلا سحر مبين، ولكن أَظهر ليصفهم بالكفر بك الموجب للعذاب والذم {مِنْهُمْ} من للبينات فبنو إِسرائيل المكفوفون هم الذين قالوا إِن هذا إِلا سحر مبين، ومن للتبعيض فبنو إِسرائيل كل لا كلية، والحكم الإِيقاعي على المجموع {إِنْ} ما {هَذَا} أَى الذى جئت به مما تدعيه معجزات {إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} أَو الإِشارة لعيسى، أَى ما عيسى إِلا سحر وذلك مبالغة إِذ جعلوا نفس السحر، أَو يقدر مضاف أَى ما شأن هذا إِلا سحر، وما هذا إِلا ذو سحر مبين {وَإِذْا أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوارِيِّينَ} بواسطة رسلى الماضين أَو عيسى أَو بواسطة عيسى، أَو أَوحيت بمعنى أَلهمت كقوله تعالى "أية : وأَوحينا إِلى أُم موسى" تفسير : [القصص: 7] "أية : وأَوحى ربك إِلى النحل" تفسير : [النحل: 68] إِذ ليس الحواريون وأُم موسى والنحل أَنبياءَ، والحواريون أَصحاب عيسى وخواصه، ويجوز تفسيره بأَمرت، ومن استعماله بمعنى الأَمر ما رواه الزجاج: "الحمد لله الذى استقلت بإِذنه السماء واطمأَنت، أَوحى لها القرار فاستقرت" إِلا أَنى أَظنه مصنوعاً أَلا ترى إِلى جعله الروى تاءَ لا حرفاً مكرراً قبله {آَنْ آمِنُوا بِى وبِرَسُولِى} عيسى أَن مفسرة لتقدم جملة فيها معنى القول لا حروفه لا مصدرية لدخولها على الأَمر والأَمر لا خارج له بوحى، والمصدر غير الصريح لا يدل على الأَمر {قَالُوا آمَنَّا} بك وبرسولك {وَاشْهَدْ بأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} متبعون الإِيمان بالإِسلام، أَى بانقياد الجوارح للعمل به، وذلك إِخلاص، وقدموا الإِيمان لأَنه المأْمور به ولو كان المراد الإِيمان التام المتبوع إِذ قال أَن آمنوا ولا عبرة بإِذعان الجوارح بلا تحقيق إِيمان فقدم الإِيمان لذلك، ولو كان الإِسلام أَى الإِذعان بالجوارح لا عبرة به بلا إِيمان لأَن الإِيمان على كل حال هو الأَصل..

الالوسي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} بدل من { أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ } تفسير : [المائدة: 109] وقد نصب بإضمار اذكر، وقيل: في محل رفع على معنى ذاك إذ وليس بشيء، وصيغة الماضي لما مر آنفاً من الدلالة على تحقق الوقوع، والمراد بيان ما جرى بينه تعالى وبين فرد من الرسل المجموعين [من المفاوضة] على التفصيل إثر بيان ما جرى بينه عز وجل وبين الكل على وجه الإجمال ليكون ذلك كالأنموذج على تفاصيل أحوال الباقين، وتخصيص عيسى عليه السلام بالذكر لما أن شأنه عليه الصلاة والسلام متعلق بكلا فريقي أهل الكتاب المفرطين والمفرطين الذين نعت هذه السورة الكريمة جناياتهم فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسراتهم، وإظهار الاسم الجليل [في مقام الإضمار] لما مر [من المبالغة في التهويل]. و عيسى مبني عند الفراء ومتابعيه إما على ضمة مقدرة أو على فتحة كذلك إجراء له مجرى يا زيد بن عمرو في جواز ضم المنادى وفتحه عند الجمهور، وهذا إذا أعرب (ابن) صفة لعيسى، أما إذا أعرب بدلاً أو بياناً فلا يجوز تقدير الفتحة إجماعاً كما بين في «كتب النحو». و (على) في قوله تعالى: {ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } متعلقة بنعمتي جعل مصدراً أي اذكر إنعامي أو بمحذوف وقع حالاً من نعمة إن جعل اسماً أي اذكر نعمتى كائنة عليك الخ، وعلى التقديرين يراد بالنعمة ما هو في ضمن المتعدد «وليس المراد كما قال شيخ الإسلام بأمره عليه السلام يومئذ بذكر النعمة المنتظمة في سلك التعديد تكليفه عليه السلام بشكرها والقيام بمواجبها ولات حين تكليف مع خروجه عليه السلام عن عهدة الشكر في أوانه أي خروج بل إظهار أمره عليه السلام بتعداد تلك النعم حسبما بينه الله تعالى اعتداداً بها وتلذذاً بذكرها على رؤوس الأشهاد ويكون حكاية ذلك على ما أنبأ عنه النظم الكريم توبيخاً للكفرة من الفريقين المختلفين في شأنه عليه السلام إفراطاً وتفريطاً وإبطالاً لقولهما جميعاً». {إِذْ أَيَّدتُّكَ } ظرف لنعمتي أي اذكر إنعامي عليكما وقت تأييدي لكما أو حال منها أي اذكرها كائنة وقت ذلك، وقيل: بدل اشتمال منها وهو في المعنى تفسير لها. وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به على السعة. وقرىء «آيدتك» بالمد ووزنه عند الزمخشري أفعلتك وعند ابن عطية فاعلتك، قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل مضارعه من كلام العرب فإن كان يؤايد فهو فاعل / وإن كان يؤيد فهو أفعل» ومعناه ومعنى أيد واحد، وقيل: معناه بالمد القوة وبالتشديد النصر وهما ـ كما قيل ـ متقاربان لأن النصر قوة. {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} أي جبريل عليه السلام أو الكلام الذي يحيـى به الدين ويكون سبباً للطهر عن أوضار الآثام أو تحيـى بها الموتى أو النفوس حياة أبدية أو نفس روحه عليه السلام حيث أظهرها سبحانه وتعالى روحاً مقدسة طاهرة مشرقة نورانية علوية، وكون هذا التأييد نعمة عليه عليه الصلاة والسلام مما لا خفاء فيه، وأما كونه نعمة على والدته فلما ترتب عليه من براءتها مما نسب إليها وحاشاها وغير ذلك. {تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ } أي طفلاً صغيراً، وما في النظم الكريم أبلغ من التصريح بالطفولية وأولى لأن الصغير يسمى طفلاً إلى أن يبلغ الحلم فلذا عدل عنه، والظرف في موضع الحال من ضمير {تُكَلّمَ }. وجوز أن يكون ظرفاً للفعل. والجملة إما استئناف مبين لتأييده عليه الصلاة والسلام أو في موضع الحال من الضمير المنصوب في {أَيَّدتُّكَ } كما قال أبو البقاء. والمهد معروف. وعن الحسن أن المراد به حجر أمه عليهما السلام، وأنكر النصارى كلامه عليه الصلاة والسلام في المهد وقالوا إنما تكلم عليه السلام أوان ما يتكلم الصبيان وقد تقدم مع جوابه. وقوله تعالى: {وَكَهْلاً } للإيذان على ما قيل بعدم تفاوت كلامه عليه الصلاة والسلام طفولية وكهولة لا لأن كلا منهما آية فإن التكلم في الكهولة معهود من كل أحد. وقال الإمام: إن الثاني أيضاً معجزة مستقلة لأن المراد تكلم الناس في الطفولية وفي الكهولة حين تنزل من السماء لأنه عليه الصلاة والسلام حين رفع لم يكن كهلاً. وهذا مبني على تفسير الكهل بمن وخطه الشيب ورأيت له بجالة أو من جاوز أربعاً وثلاثين سنة إلى إحدى وخمسين وعيسى عليه الصلاة والسلام رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين قيل وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. وقيل: رفع وهو ابن أربع وثلاثين وما صح أنه عليه الصلاة والسلام وخطه الشيب، وأما لو فسر بمن جاوز الثلاثين فلا يتأتى هذا القول كما لا يخفى. وقال بعض: الأولى أن يجعل {وَكَهْلاً } تشبيهاً بليغاً أي تكلمهم كائناً في المهد وكائناً كالكهل. وأنت تعلم أن أخذ التشبيه من العطف لا وجه له وتقدير الكاف تكلف. {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ} عطف على {إِذْ أَيَّدتُّكَ } أي واذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك من غير معلم {ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي جنسهما، وقيل: الكتاب الخط والحكمة الكلام المحكم الصواب {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } خصا بالذكر إظهاراً لشرفهما على الأول. {وَإِذْ تَخْلُقُ } أي تصور {مِنَ ٱلطّينِ } أي جنسه {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } أي هيئة مثل هيئته {بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا } أي في تلك الهيئة المشبهة {فَتَكُونُ} بعد نفخك من غير تراخ {طَيْراً بِإِذْنِى} أي حيواناً يطير كسائر الطيور وقرأ نافع ويعقوب {طائراً} وهو إما اسم مفرد وإما اسم جمع كباقر وسامر. {وَتُبْرِىء ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِى} عطف على {تَخْلُقُ } وقوله سبحانه: {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِى } عطف على {إِذْ تَخْلُقُ } أعيدت فيه «إذ» كما قيل لكون إخراج الموتى من قبورهم لا سيما بعد ما صاروا رميماً معجزة / باهرة حرية بتذكير وقتها صريحاً. وما في النظم الكريم أبلغ من تحيي الموتى فلذا عدل عنه إليه. وقد تقدم الكلام في بيان من أحياهم عليه الصلاة والسلام مع بيان ما ينفعك في هذه الآية في سورة آل عمران [49] وذكر «بإذني» هنا أربع مرات وثمة مرتين قالوا: لأنه هنا للامتنان وهناك للإخبار فناسب هذا التكرار هنا. {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرٰءيلَ عَنكَ } يعني اليهود حين هموا بقتله ولم يتمكنوا منه. {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي المعجزات الواضحة مما ذكر وما لم يذكر وهو ظرف لكففت مع اعتبار قوله تعالى: {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وهو مما يدل على أنهم قصدوا اغتياله عليه الصلاة والسلام المحوج إلى الكف أي كففتهم عنك حين قالوا ذلك عند مجيئك إياهم بالبينات، ووضع الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة. فكلمة من بيانية وهذا إشارة إلى ما جاء به. وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» فالإشارة إلى عيسى عليه الصلاة والسلام، وجعل الإشارة إليه على القراءة الأولى وتأويل السحر بساحر لتتوافق القراءتان لا حاجة إليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ}. معناه إخراجهم من قبورهم أحياء بمشيئة الله، وقدرته كما أوضحه بقوله: {أية : وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 49]. قوله تعالى: {وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} الآية. لم يذكر هنا كيفية كفه إياهم عنه، ولكنه بينه في مواضع أخر، كقوله {أية : وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} تفسير : [النساء: 157]، وقوله: {أية : وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ} تفسير : [النساء: 157-158] الآية، وقوله: {أية : وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [آل عمران: 55]، إلى غير ذلك من الآيات.

القطان

تفسير : روح القدس: هو جبريل ملَك الوحي. الكتاب: كل ما يُكتب. الحكمة: العلم الصحيح الذي يبعث الإنسانَ على العمل النافع مع معرفة لأسرار ما يعمل. الاكمه: الذي وُلد أعمى. البرص: داء بشكل بياضٍ يظهر على الجلد. السِّحر: تمويه وتخييل يرى الانسان به الشيء على غير حقيقته. الحواريون: انصار سيدنا عيسى. الوحي: الإشارة الخفيّة السريعة، والإلهام، {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ}، {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}. بعد أن وجّه السؤال الى جميع الرسل، واعلنوا ان العلم الحقيقي لله وحده، {قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} يلتفت الخطاب الى عيسى ابن مريم ويذكّره بنعمة الله عليه وعلى والدته، وبالمعجزات التي أيّده بها، فيناديه من بين الرسل، ويقول له: اذكر ما أنعمتُ به عليك وعلى أمك في الدنيا، حينما ثبتُّك بالوحي، وأنطقتُك في المهد بما يبرّىء أمَّك مما اتُّهمتْ به، كما انطقتك وانت كبير بما قد أوحيتُ اليك. لقد علّمتُك الكتابة، وآتَيْتُك الحكمة وعلّمتُك توراة موسى، والإنجيلَ الذي انزلته عليك. كما أيّدتُك بمعجزات تخرج عن طوق البشر، فصرتَ تتخذ من الطين صورةَ الطير، فتنفخ فتصبح طائراً حياً بقدرة الله لا بقُدرتِك. كذلك تشفي من وُلِد أعمى، وتبرىء الأبرصَ من برصه بإذن الله. كذلك تمّ لك إحياء الموتى بقدرته تعالى. ففي انجيل يوحنا ان عازر مات في بيت عنيا ووُضع في مغارة، فجاء المسيح وكان للميت أربعة أيام. فرفع المسيح عينيه الى فوق وقال: "أيها الأب، أشكرك لانك سمعت لي، وانا علمت انك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا انك ارسلتَني" ولما قال هذا: صرخ بصوت عظيم لعازر هلّم خارجاً، فخرج الميت الخ.. وفي هذا النص يصرح المسيح أنه رسول وليس إلهاً، ويطلب من الله ان يعينه. واذكر ايضاً يا عيسى.. حينما منعتُ اليهود من قَتْلِك وصَلْبك عندما أتيتَهم بهذه المعجزات ليؤمنوا بالله، فأعرضَ فريق منهم، وادّعوا ان ما أظهرتَه من المعجزات ما هو الا من قبيل السحر الواضح. قراءات قرأ حمزة والكسائي "ساحر مبين". وقرأ الباقون "سحر مبين" كما هو هنا في المصحف.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰعِيسَى ٱ} {وَالِدَتِكَ} {ٱلْكِتَابَ} {وَٱلتَّوْرَاةَ} {ۤ إِسْرَائِيلَ} {بِٱلْبَيِّنَاتِ} (110) - وَفِي ذَلِكَ المَوْقِفِ يُنَادِي اللهُ تَعَالَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، مِنْ بَيْنِ الرُّسُلِ، فَيُذَكِّرُهُ تَعَالَى بِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيهِ، مِمَّا أجْرَاهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزَاتِ، وَيَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بِخَلْقِي إيَّاكَ مِنْ أمٍّ بِدُونِ أبٍ، وَجَعْلِي إيَّاكَ آيةً وَبُرْهَاناً عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِي عَلَى خَلْقِ الأَشْيَاءِ. وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَى وَالِدَتِكَ، إذْ جَعَلْتُكَ لَهَا بُرْهَاناً عَلَى بَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهُ الظَّالِمُونَ الجَاهِلُونَ إلَيها مِنَ الفَاحِشَةِ، إذْ أيَّدْتُكَ بِجِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، (رُوحِ القُدُسِ)، وَجَعَلْتُكَ نَبِيّاً دَاعِياً إلَى اللهِ فِي صِغَرِكَ وَفِي كِبَرِكَ، فَأنْطَقْتُكَ وَأنْتَ فِي المَهْدِ صَغِيرٌ، فَشَهِدْتَ بِبَراءَةِ أمِّكَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَاعْتَرَفْتَ بِالعُبُودِيَّةِ لِي، وَأَخْبَرْتَ عَنْ رِسَالَتِي إليكَ، وَدَعَوْتَ إلى عِبَادَتِي، وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَةَ، وَالعِلْمَ النَّافِعَ، وَالتَّوْرَاةَ المُنَزَّلَةَ عَلَى مُوسَى، وَأَنْزَلْتُ عَلَيكَ الإِنْجِيلَ، وَإِذْ تُصَوِّرُ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ فَتَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً ذَا رُوحٍ بِإذْنِي، وَتَشْفِي بِإذْنِي الأكَمَه (وَهُوَ الأعْمَى مُنْذُ الوِلاَدَةِ) وَالأبْرَصَ (وَهُوَ المُصَابُ بِدَاءِ البَرَصِ غَيْرِ القَابِلِ لِلشِّفَاءِ)، وَإِذْ تَدْعُو المَوْتَى فَيَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ بِإذْنِي وَقُدْرَتِي. وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ إذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ حِينَمَا جِئْتَهُمْ بِالبَرَاهِينِ وَالحِجَجِ الفَاصِلَةِ، عَلَى نُبُوَّتِكَ وَرِسَالَتِكَ مِنَ اللهِ، فَكَذَّبُوكَ وَاتَّهَمُوكَ بِأنَّكَ سَاحِرٌ، وَسَعَوْا فِي قَتْلِكَ وَصَلْبِكَ، فَنَجَّيْتُكَ مِنْهُمْ، وَرَفَعْتُكَ إليَّ، وَطَهَّرْتُكَ مِنْ دَنَسِهِمْ، وَكَفْيتُكَ شَرَّهُمْ. السِّحْرُ - تَمْويهٌ وَتَخْيِيلٌ يَرَى فِيهِ الإِنْسَانُ الشَّيءَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ. الأَكْمَهَ - الأعْمَى مُنْذُ خِلْقَتِهِ. كَفَفْتُ - مَنَعْتُ مِنَ الوُصُولِ إلَيكَ - وَمِنْهُ كَفَّ الثَّوْبَ ثَنَاهُ. رُوحُ القُدُسِ - جِبْرِيلُ.

الثعلبي

تفسير : قوله {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} يعني حين قال اللّه يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحداً، فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يابن مريم. نظيره قوله: شعر : يا حكم بن المنذر بن الجارود أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود تفسير : ذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب {ٱذْكُرْ نِعْمَتِي} قال الحسن: ذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] أراد نعم اللّه لأن العدد لا ينفع على الواحد {عَلَيْكَ} يا عيسى {وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} مريم، ثم ذكر النعم {إِذْ أَيَّدتُّكَ} قويّتك وأعنتك {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} يعني جبرئيل {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ} صبياً {وَكَهْلاً} نبياً {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ} قال ابن عباس: أرسله اللّه وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه اللّه إليه. {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ} يعني الخط {وَٱلْحِكْمَةَ} يعني العلم والقيم {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ} وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14] أي المصورين من الطين {كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} كصورة الطير. {بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} حياً يطير بإذني {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ} تصح وتشفي {وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ} من قبورهم أحياء {بِإِذْنِيِ} فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية {وَإِذْ كَفَفْتُ} منعت وصرفت {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يعني اليهود {عَنكَ} حين همّوا بقتلك {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا} ما هذا {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (عليه السلام). محمد بن عبد اللّه بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد اللّه ابن عمير قال: لما قال اللّه لعيسى {ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات. {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام. قال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر: شعر : ومن لها القرار فاستقرت وشدها بالراسيات الثبت تفسير : يعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال اللّه {أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 5]. قال العجاج: أوحى لها القرار فاستقرّت. أي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى. قال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين. وقال السدي: كانوا ملاحين. وقال قتادة: الحواريون الوزراء. وقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا إثني عشر رجلاً، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس، { أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} عيسى {قَالُوۤاْ} حين لقيتهم ورفقتهم {آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ}. قرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربك بنصب الباء، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة اللّه تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يستطيع ربك برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة اللّه تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا، وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاماً لقولهم: هل يستطيع ربك {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي أن تشكوا في قدرة اللّه تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد إفتعل ومنه قول روبة: شعر : تهدى رؤس المترفين الأنداد إلى أمير المؤمنين الممتاد تفسير : أي المستعطي. قال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضاً مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى. وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل: 15]. قال الشاعر: شعر : وأقلقني قتل الكناني بعده وكادت بي الأرض الفضاء تميد تفسير : فقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عيشة راضية أي مرضية، قال عيسى مجيباً لهم {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} فلا تشكوا في قدرته. وقيل: إتقوا اللّه أن تسألوه شيئاً لم يسأله الأمم قبلكم {قَالُواْ} إنما سألنا لأنا {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} نستيقن قدرته {وَتَطْمَئِنَّ} تسكن {قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} بإنك رسول اللّه. {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} للّه بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون عليها من الشاهدين لك عند بني اسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قال عيسى عند ذلك {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ} حال ردّ إلى الإستقبال أي كائنة وذلك كقوله {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي} تفسير : [مريم: 5-6] يعني يصدقني في قراءة من رفع. وقرأ عبد اللّه والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء. {عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} أي عائداً من علينا وحجة وبرهاناً والعيد إسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة. ويقال: لطيف الخيال عيد. قال الشاعر: شعر : يا عيد مالك من شوق وإيراق ومرّ طيف على الأهوال طراق تفسير : فقال آخر: شعر : إعتاد قلبك من جبينك عود شق عناك فأنت عنه تذود تفسير : وأنشد الفراء: شعر : فوا كبدي من لاعج الحب والهوى إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها تفسير : وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد. قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا. وقال سفيان: نصلي فيه. وقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيداً للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب، وقيل: سمي عيداً لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيهاً بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية. قال الراعي: شعر : عيد به طويت على زفراتها طي القناطر قد نزلن نزولا تفسير : وقوله {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا. وقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع. وقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. {وَآيَةً مِّنْكَ} دلالة وحجة {وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ قَالَ ٱللَّهُ} مجيباً لعيسى {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} يعني المائدة. وقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: منزلها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله ونزلناه تنزيلاً. وقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أنزل علينا {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير. وقال عبد اللّه بن عمران: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. وإختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا ؟ فقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه اللّه. وقال الحسن: واللّه ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} الآية إستغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت. الأخبار عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيداً. وإختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها. فروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نزلت المائدة خبزاً ولحماً وذلك أنهم سألوا عيسى طعاماً يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا ". تفسير : وقال إسحاق بن عبد اللّه: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبداً فرفعت ومسخوا قردة وخنازير. وقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوماً ثم سلوا اللّه ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوماً فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاماً ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا اللّه أن ينزل علينا مائدة من السماء فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل إختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلاّ اللحم. وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلاّ الخبز واللحم. قال عطاء: نزل عليها كل شيء إلاّ السمك واللحم. قال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء. وقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة. وقال وهب بن منبه: أنزل اللّه أقرصة من شعير وحيتاناً، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن اللّه أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل. وقال الكلبي ومقاتل: إستجاب اللّه لعيسى (عليه السلام) فقال إني منزلها عليكم كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلاً، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعاً صغاراً، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقاً كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا اللّه فاستجاب اللّه له ونزل فيها البركة فصار خبزاً صحاحاً وسمكاً صحاحاً، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم اللّه فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء اللّه وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف. وقال الناس جميعاً: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (عليه السلام) فأنزل اللّه خبزاً وسمكاً وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثَّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا إمرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ. وقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلاّ اللحم. وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل. فقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاؤا. وروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: واللّه ما اتبع عيسى (عليه السلام) شيئاً من المآذي قط ولا انتهر شيئاً ولا قهقه ضحكاً ولا ذبّ ذباباً عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفاً وبكى، وقال: اللهم أنزل علينا مائدة من السماء الآية وارزقنا عليها طعاماً نأكله وأنت خير الرازقين فنزل اللّه سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم إجعلني من الشاكرين، اللهم إجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة. واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحاً أطيب من ريحه، فقال عيسى: أيكم أحسنكم عملاً فيكشف عنها ويذكر إسم اللّه ويأكل منها؟ فقال شمعون رئيس الحواريين: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيراً ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم اللّه خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلاً من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: يا روح اللّه أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله اللّه بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة. وقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد. وقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس. قال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} ما كان وما يكون {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئاً {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ} أقمت فيهم {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} قبضتني إليك. قال الحسن: الوفاة في كتاب اللّه على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام: 60] يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله {أية : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ} تفسير : [آل عمران: 55]. {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم {فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }. وقال السدي: إن تعذبهم وتميتهم بنصرانيتهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فإنك الرب العزيز الحكيم في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك. قال اللّه {هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} في الآخرة. قال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص اللّه عليكم وعدو اللّه إبليس وهو قوله {أية : وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ} تفسير : [إبراهيم: 22] الأمر فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقاً في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه. وقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويوم رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وقرأ الحسن: هذا يوم بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال {للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لماذا إذن يجمع الله كل الرسل ويسألهم سؤالاً على الإجمال، ثم لماذا يأتي بعيسى ابن مريم ليسأله سؤالاً خاصاً عن حادثة مخصوصة؟ أراد الحق بذلك أن يعلمنا أنه سيسأل الرسل سؤالاً يوضح لنا أدب الرسل مع الحق، ويبين لنا تقريع الحق لمن كفروا بالمنهج، أما سؤاله سبحانه وتعالى لعيسى ابن مريم، ذلك السؤال الخاص عن الحادثة المخصوصة، فمرد ذلك إلى أن بعض الذين آمنوا به قد وضعوه في موضع الألوهية أو بنوّة الألوهية، وفي ذلك تعدٍِ على التنزيه المطلق للحق سبحانه وتعالى. ونعلم أن قصارى ما صنعت الأمم السابقة أن بعضهم كفر بالرسل، وبعضهم كذب الرسل، لكن لم يدع أحد من هذه الأمم أن الرسول الذي جاء هو إله، لم يقل ذلك أحد وإن كان بعض فرق اليهود قد قالوا: إن عزيرا هو ابن الله وهذه الفرقة قد انقرضت ولم يبق يهودي يقول ذلك، وسبحانه قد جعل الشرك به قمة الكفر الذي لا غفران له. [النساء: 48]. فكأن عيسى عليه السلام سيواجه السؤال ضمن الرسل، ثم يسأله الحق سؤالاً خاصاً به. ويقدم الحق السؤال لعيسى ابن مريم بعد أن ذكِّره بعدد من النعم التي أنعم بها سبحانه وتعالى عليه وعلى أمه مريم عليه وعليها السلام: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 110]. ونجد هنا أن الحق سبحانه وتعالى يعدد بعضاً من نعمه على سيدنا عيسى وهي: التأييد بروح القدس وهو سيدنا جبريل عليه السلام، والكلام في المهد بما يبرئ أم عيسى السيدة مريم عليها السلام مما ألصقوه بها من اتهامات، وتعليم الحق له الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل. وأنه سبحانه قد أقدره على أن يصنع من الطين كصورة الطير بإذن منه سبحانه وأن ينفخ فيه فيصير طيراً بإذنه سبحانه، وكذلك أقدره الحق سبحانه أن يبرئ الأعمى من العمى. وأن يعيد إلى الأبرص لون جلده الطبيعي ويشفيه، وأجرى على يديه تجربة إعادة الموتى إلى الحياة بإذن منه سبحانه، وكذلك منع الحق عن عيسى ابن مريم كيد اليهود وكف أيدي الذين أرادوا صلبه وقتله على الرغم من أنه جاء لهم بالمعجزات السابقة حتى يؤمنوا فآمن بعض منهم وكفر الذي قال: عن تلك المعجزات: إنها مجرد سحر. وعندما نتأمل بالخواطر أمراً واحداً من تلك الأمور نجد أن قدرة الحق سبحانه وتعالى لها تمام الوضوح الظاهر، فمجرد كلام عيسى في المهد هو معجزة؛ والمهد - كما نعلم - هو الفراش المريح للطفل يعده له الأهل ساعة أن يولد؛ لأن الطفل لا قدرة له على أن يتزحزح من مكانه إن كان هناك شيء بارز في مهده يضايقه؛ لأن الطفل يملك الحس ولكن لا قدرة له على مدافعة ما يتطلبه الحس. إن الطفل المولود لا يستطيع مثلا أن يمد يده ليزيل الحصوة الناتئةمن الأرض تحت المهد لذا يمهدون فراشه ويوطئونه له. إنه مجرد روح في جسد صغير لا حول ولا قوة له إلا استبقاء الحياة بالتعلق بثدي الأم، فإن تكلم طفل في المهد، فمعنى ذلك أنه امتلك إرادة يسيطر بها على كل جسمه إلى الدرجة التي يمكنه أن ينطق بها الكلام، وهذا لا يحدث أبداً. ونجد الأهل يمهدون الفراش للطفل، لأنهم يعلمون أن أقصى تعبير عن الانفعال هو أن يبكي. وإذا ما تمكنت حشرة صغيرة من لدغ الطفل كالبرغوث أو البعوضة فالطفل لا يملك إلا البكاء. وقد تكلم عيسى في المهد بعد أن أقدره الحق على ذلك. ثم جاء الحق بحقيقة هي المقابل للمهد وهي الكلام في الكهولة. فإن كان قد تكلم في المهد إعجازاً ليبرئ أمه البتول فإنه سوف يتكلم كهلاً مبلغاً عن الله. ولم يتكلم عيسى ابن مريم وهو في المهد إلا بما قاله الحق في القرآن الكريم: {أية : قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 30-33]. قال عيسى عليه السلام في المهد هذه الكلمات ليبرئ أمه الصدِّيقة، ذلك أنهم اتهموها في أعز شيء لديها، ولذلك لم يكن ليجدي أي كلام منها. وإنقاذاً لها أبلغها الحق عن طريق جبريل أو عيسى عليهما السلام أن تقول: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} تفسير : [مريم: 26]. وسبحانه وتعالى يعلم أن ميلاد عيسى من أم لم يمسسها رجل هو خرق لناموس الكون في الحمل، وكذلك أراد الحق أن يكون هناك خرق للناموس في الكلام فيتكلم عيسى في المهد بكلام معجز له معنى. وعلمه الحق الكتاب: {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ} أي علمه الله الكتابة، وعلمه التوراة، وأنزل عليه الإنجيل، وألهمه الحكمة وهي الكلام المحكم الصواب بإلهامات الله ومقابلها في الإسلام أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وجاءت دقة الأداء القرآني لتمنع أي تصور لتدخل من ذات عيسى فيما أجراه الله على يديه وذلك منعاً للفتنة فقال الحق: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} إذن فعيسى لا يخلق الطير ولكن يصنع من الطين مثل هيئة الطير، فالحق وحده هو الذي يخلق الطير؛ فلأنه الإله فهو الذي يخلق خلقاً عاماً، أما البشر فبإمكانهم أن يخلقوا أشياء ويشكلوها كمثل المخلوقات، لكنها ليست مخلوقات. إننا نرى ذلك في التماثيل التي ينحتها المثَّال من الصخر أو يشكلها من الطين كهيئة الجمل أو العصفور، لكنه لا يملك أن ينفخ فيه الروح، وقد يخترع الإنسان أشياء مثل الكوب من الرمل المصهور المنقى، لكننا لم نسمع عن خلق كوب ذكر وكوب أنثى ليتوالد من الاثنين نسل من الأكواب! إننا نرى دائماً أن خلق الإنسان لشيء إنما يظل معقوداً على حاله فلا ينسل ولا ينمو ولا يحس، والخالق الأعظم يخلق من عدم، أما أنت أيها الإنسان فتصنع أشياء مما وهبك الله من أشياء موجودة مطمورة في الأرض أو ظاهرة. ولم يضن سبحانه عليك بل أطلق عليك بأنك خلقت، ولكن لتنتبه إلى أنه سبحانه وتعالى أحسن الخالقين. إذن فعيسى صَنَع من الطين مثل هيئة الطير، وكان ذلك بإذن من الله، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله. والفارق بين قدرة الحادث وهو العبد، وقدرة الباقي القدير وهو الرب أمران. الأول: أن الحق سبحانه وتعالى حينما يقدر أمرا فهو يستطيعه بطلاقة قدرته أن يُقدر بعضًا من خلقه على أن يفعل الشيء، لكن العبد لا يستطيع أن يقدر عبدًا آخر أن يصنع شيئاً مثل الذي يصنعه. والمثال على ذلك: نجد الطفل إن أراد أن يحمل كرسياً فهو لا يقدر، ويأتي شاب قوي ليحملَ الكرسي للطفل، هذا الشاب إنما يعدي أثر قوته إلى الطفل ولم يُعَدِّ لَهُ قوته ولم ينقلها له، ويبقى الطفل ضعيفاً كما هو، أما الحق سبحانه وتعالى فهو يُقْدرُ من يريد على ما يريد. فبعظمته سبحانه يعدي من قدرته إلى من لا يقدر ليَقْدر. والعظمة إذن فيما فعل المسيح هي أن الحق سبحانه أراد له أن يحيى فنفخ في الطين فصار طيراً بإذن الله. وقد سبق سيدنا إبراهيم سيدنا عيسى في ذلك عندما سأل الله: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة: 260]. فسأله الله: {أية : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن} تفسير : [البقرة: 260]. فقال إبراهيم: "بلى" أي أنه آمن، وأضاف: {أية : بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} تفسير : [البقرة: 260]. والكلام هنا جهته منفكة، فإبراهيم قد آمن، والإيمان اطمئنان القلب إلى عقيدة ما، وما جرى زاد إبراهيم تيقناً. ولم يسأل إبراهيم ربه: أتحيى الموتى ولكن إبراهيم أقر أولاً بقدرة الحق على الإحياء وتساءل عن الكيفية. وطلب الكيفية لا شأن له بالإيمان؛ لأن الكيفية تتطلب تجربة. فأمره الحق أن يأتي بأربعة من الطير وضمها إليه ليتعرف عليها جيداً. وأن يقطعها إبراهيم بيديه ويضع كل قطعة على جبل ويناديها، فتأتي القطع بنداء إبراهيم وقد صارت هي الطير نَفْسَهَا التي كانت من قبل. وهكذا أراد الله لعيسى عليه السلام أن يصنع من الطين مثل هيئة الطير بإذن الله وأن ينفخ فيها بإذن الله فيصير الطين طيراً. وأراد الله لعيسى أن يبرئ الأكمه أي الذي ولد أعمى. وقد يقول قائل: إن في عصرنا يتم ترقيع القرنية ويمكن أن يَرَى ويبصر بعض من الذين ولدوا بلا قدرة على الإبصار. ونقول: إن ما يحدث في عصرنا هو سبق وتقدم على بناء على تجارب، أما ما حدث مع عيسى فكان خرقاً للناموس وأراده الله معجزة. وكذلك أراد الله أن يجري على عيسى شفاء الأبرص أي الذي أصابه بياض كالرقع في بشرته. وكذلك كف بني إسرائيل عنه عندما أرادوا إيذاءه وقتله. وعندما رأوا كل ذلك آمن بعضهم، وكفر البعض واتهموا عيسى عليه السلام بأنه ساحر. وكان ذلك منهم كذبا وافتراء عليه؛ لأنه نبي مرسل بمعجزات واضحة. وفي هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق سبحانه وتعالى يسرد نعمه على سيدنا عيسى عليه السلام. وسرد النعمة على الرسول ليس المقصود منه تنبيه الرسول إلى النعمة، فالرسول يعلم النعم جيداً لأنها جرت عليه، ولكنه تقريع لمن رأى هذه الأحداث والنعم ولم يلتزم الإيمان بالله بعدها، وقد أجرى سبحانه كل هذه النعم على عيسى عليه السلام وأيده الله بما يقوي ويزكي رسالته إلى قومه. فكانت نعمة أولا عليه، لأنه مصطفى، مختار، مؤيد. ونلحظ أن هذه الآيات والنعم تنقسم إلى قسمين: قسم يقنع أصحاب العقول والألباب والفكر والمواجيد النفسية. وقسم يقنع القوم الماديين الذين لا يؤمنون بملكوت الله في غيب الله. والقسم الأول الذي يقنع أصحاب العقول والألباب هو تعليم الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل. والقسم الثاني الذي يقنع الماديين هو الأمور المادية الحسية التي يتعرف من يراها على أنها لا يمكن أن تجري على يد بشر، كأن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً. وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. وهذه الآيات خرق للناموس المادي، ولذلك يتبع الحق كل واحدة منها بذكر كلمة: {بِإِذْنِي} أي أن هذه المعجزات لم تكن لتحدث لو لم يأذن بها الله. ولم يذكر الحق ذلك بالنسبة للآيات الأخرى لأنها أمر ظاهر ومعروف، حتى يكون الأمر واضحاً أمام كل إنسان ممن يحبون عيسى ويرتفعون به إلى مقام أعلى من مقام النبوة المؤيدة ممن أرسله. وحتى لا يخدع قوم عيسى في هذه الآيات ويظنوها مزية مطلقة له، ولكنها مجرد آيات معجزات لإثبات صدق الرسالة عن الله. إن عيسى عليه السلام حينما أخذ كل قطعة من الطين ليصور منها طيراً وينفخ فيها فتكون طيراً لم يفعل ذلك بقدرته وإرادته، وإنما حدث ذلك بإذن من الله، ولم يحترف عيسى تلك المسألة، وكذلك كان إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وكل ذلك خرق لناموس المادة، لذلك كرر الحق القول بأن هذا الخرق كان بإذن منه سبحانه حتى نعرف أن عيسى لم يأخذ من قدرة الله طلاقة له بل انحصر الأمر في هذه المسائل التي أذن الله فيها فقط. إننا نجد أن كل خرق لناموس الغيب عند الأنبياء أو الأولياء، أو من يعطيهم الله هذه الإشراقية، هذا الخرق إنما هو لتكريم النبي أو الولي أو الذي تشرق عليه فيوضات الله، وعلينا أن نعرف أن الله لم يعط إنساناً واحداً القدرة على العلم بالغيب. مطلقاً إنما يطلع الحق بعضاً من خلقه بهبة من تجلياته على شيء جزئي. فالخلق سبحانه وتعالى هو مالك الغيب: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59]. ولم نر إنساناً علاماً للغيب ولكن يُعْلِمُهُ الله بغيب من بعض غيبه، حتى نعلم أنها أحداث وقتية يتجلى الله فيها بفضله، ليثبت حالة من الحالات، ثم يظل الإنسان مع الناموس العام في كون الله. والناموس الكوني هو الأمور والقوانين التي أطلقها الله في الكون لتعمل لخدمة المؤمن والكافر والطائع والعاصي. ومثال ذلك شروق الشمس وغروبها، وحركة السحاب حاملاً المطر، ووجود الأرض بعناصرها القابلة للزراعة. وخرق الناموس يكون بإذن من الله للرسل والأنبياء والأولياء؛ إننا نجد كل ذلك آيات من الحق لإثبات صدق الرسول في البلاغ عنه، وهذا الإثبات مشروط بشروط: أولها أن يكون النبوغ قد بلغ درجة قصوى في هذا المجال الذي تحدث فيه تلك المعجزة، والمثال على ذلك: خرق الحق سبحانه لناموس العصا وهي فرع من شجرة وجعل موسى عليه السلام يلقيها فإذا هي حية تسعى. وما أجراه الله على عصا موسى لم يكن سحراً ولكنه نقلها من جنس إلى جنس في عصر نبغ فيه الناس في السحر، ونعلم أن موسى أنس إلى ربه فقال وأطنب وأسهب وأطال: {أية : هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي} تفسير : [طه: 18]. وعرف موسى من بعد مقام الأنس والانجذاب مقام الخشية فأوجز قائلاً: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]. لقد عرف موسى عليه السلام أنه يخاطب مولاه فأطال الأنس به وعرف أيضاً مراعاة المقامات وانتقل من الانجذاب والأنس إلى مقام الرهبة فقال: (ولي فيها مآرب أخرى). وجاء الأمر بإلقاء العصا: {أية : أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 19]. وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام فلم تعد للتوكؤ والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حيّة: {أية : فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 20]. ولذلك كان لا بد أن تُدهش المسألة موسى عليه السلام، لذلك أوجس خيفة. ولكن موسى عندما عرف سرّ عصاه لم يوجس خيفة بل تحدى السحرة الذين جاء بهم فرعون في يوم الزينة، وعرف موسى أنه ليس بساحر مثلهم ولكن الله أتاه معجزة ستبهر حتى السحرة، فالسحرة يعلمون أن عملهم تخييل وليس تغييراً للأشياء، أما الحق فهو يغير الأشياء نفسها. لقد جاء السحرة بناء على امر فرعون إلى يوم الزينة، ويعلمنا القرآن بلمحات جانبية أن نظام السحرة كان موجوداً، ولذلك طالب السحرة بأجرهم إن هم غلبوا موسى: {أية : قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ} تفسير : [الأعراف: 113]. وعلى الرغم من اختلاف مواهب هؤلاء السحرة ورقي كل منهم في فرع من فروع السحر، إلا أنهم جميعاً سجدوا للحقيقة عندما ألقى موسى عصاه وقالوا: {أية : قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الشعراء: 47-48]. وهكذا عرفوا أن ما فعله موسى ليس قدرة بشرية ولكنه قدرة فوق قدرة البشر. إنها المعجزة التي يجريها الله على يد الرسل لإثبات صدقهم في إدعائهم أنهم رسل من الله. وكذلك نبغ قوم عيسى عليه السلام في الطب. ولم يجرؤ أحدهم على أن يشفي بكلمة واحدة الأكمه والأبرص أو أن يخرج الميت من موته إلى الحياة. وعلى الرغم من تقدمهم في الطب لم يستطع أحدهم أن يفعل ذلك. والحق سبحانه يسهل المعجزات على رسله، والمثال في الإسلام هو الإسراء برسولنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، وحَدَثَ الإسراء في لمح البصر، ونحن في زماننا نرى التقدم الآلي والفني قد اخترع الصواريخ التي يمكن أن تختصر الوقت لمثل الرحلة من مكة إلى القدس ولكنها تمت بوساطة آلة تعمل وبأجهزة أعدت بنظام دقيق بعد تجارب مضنية، ولكن الحق عندما أراد لم يكن الأمر سوى كلمة منه تصير معجزة في التو واللحظة. ولنحفظ ذلك جيداً. إن المعجزة خرق اقتدار لا سبق ابتكار أي أنها خرق لنواميس الكون حادث من اقتدار المقتدر - سبحانه - ولم يحدث ذلك من ابتكار واختراع واكتشاف مكتشف. ويُسلّي سبحانه عيسى عليه السلام بذكر هذه البيانات، لكنَّ الكافرين من قوم عيسى عليه السلام قالوا إنها سحر: {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. ونعلم أن الحق خلق الخلق وجعل الإيمان أمراً فطرياً فيهم، ثم تأتي الغفلة فتبهت جزئية من جزئيات الإيمان، وتتلوها غفلة أخرى فتبهت جزئية أخرى، وتأتي غفلة ثالثة فتصير إلى الران وهو ما يعطي القلب فلا تنفذ إليه الهداية، وذلك بسبب ما كسبوا وفعلوا من الذنوب: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. ولنستمع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه حذيفة: "حديث : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوَكْت (أي الأثر اليسير من الشيء) ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المَجْل (أي أكثر العمل في الكف) كَجَمْرٍ دحرجته على رجلك فنَفِط فتراه مُنْتَبِراً (أي متورّماً) وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاةً فدحرجها على رجله، فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلاً أميناً حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيَّكم بايعت، لئن كان مسلماً ليردنّه على دينه، ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنّه على ساعيه، وأمَّا اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً ". تفسير : وها هوذا الحديث الثاني الذي حدثنا به حذيفة عن رفع الأمانة والفتنة. قال حذيفة: "حديث : كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره: قالوا أجل. قال: تلك تكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نُكِت فيه نكتة سوادء، وأي قلب أنكرها نكت. فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرْبادّاً كالكور مُجَخِّياً - أي مقلوباً - لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه ". تفسير : قال حذيفة: وحدثت أن بينك وبينها باباً مغلقاً يوشك أن يكسر. قال عمر: "أكَسْراً لا أبا لك، فلو أنه فُتح لعله كان يُعاد". هكذا كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة وضياع المناعة الإيمانية من النفس البشرية. وأراد سبحانه للمناعة الإيمانية أن تبقى في عباده، لذلك تدخل بالرسل حتى تتكون المناعة ويكبح المجتمع جماح كل فرد. تحدثه نفسه بفتنة. وعندما كان يتم الفساد في الأرض. نجد الحق يرسل الرسول ليعيد البريق إلى النفس اللوامة، ويحيي في المجتمع القدرة على أن يتناسق السلوك فيه على ضوء منهج الله. ولذلك نجد أن المقاومة التي تحدث للرسل إنما تحدث من الذين يستمتعون بالفساد وبآثار الفساد. وحين يأتي منهج الهداية فهو يأخذ بأيدي المظلومين ويغضب منه الظالمون الأقوياء الجبابرة، ولذلك يهاجمون الرسل والمنهج القادم من الله؛ لأن هذا المنهج سيقطع عليهم سبل الفساد الذي يدر عليهم عائداً هو في نظرهم كبير. لقد رأينا صناديد قريش وقد تصدوا للدعوة، فمحمد صلى الله عليه وسلم جاء بالمساواة بين كل البشر. لقد كانوا يعرفون أن مجرد النطق بـ"لا إله إلا الله محمد رسول الله" يعني فقدانهم لسلطان إرهاب الناس والقبائل. ولو كانت المسألة مجرد كلمة تقال، ويبقى الأمر على ما كان عليه لقالوها، ولكنها كانت كلمة تغير من الأمر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ولا يبقى من جبروت لأحد، فكل الناس سواسية. لذلك تصدى صناديد قريش لدعوة الإسلام. وهكذا نجد أن كل رسول يأتي يبرز له من يعاديه من أصحاب الفساد والجبابرة في الأرض، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112]. والمثال على ذلك هو إرادة الحق في أن يجعل صيحة الإيمان في الجاهلية تأتي أولاً إلى أذن سادة العرب جميعاً وهم قريش الذين لا يجرؤ أحد على التعرض لهم، لكن النصر لا يأتي لمحمد وهو في مكة حيث كانت مقام السيادة؛ لأن النصر لو حدث في أول الدعوة ومحمد صلى الله عليه وسلم يحيا بين قومه في مكة لقال قائل: لقد حدث النصر من قوم ألفوا السيادة وأرادوا أن يسودوا العالم كله لا الجزيرة العربية وحدها، وأن قريشاً قد ساندت محمداً لاستبقاء هذه السيادة وبسطها على غيرهم، ولكنه - سبحانه - جعل مقام النصر ينبع من المدينة المنورة. إنّ الصرخة أولاً جاءت في أذن السادة ثم التف حولها المستضعفون في الأرض الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم، ثم هاجروا وقوّاهم الله من بعد ذلك على الأقوياء. إننا نجد كل داع إلى الله يأتي إنما يريد استبقاء خير النبوات حتى لا يأتي الران على القلوب، وإن استبقاء هذا الخير يغضب منه الجبابرة والمنحرفون الذين يريدون السيادة على العالم بفكرهم. والداعية إلى الله الذي لا تجد له عدواً يصيبه بالسوء حظه من ميراث النبوة ضعيف، والداعية الذي له أعداء له من ميراث النبوة الشيء الكثير. والكافرون بعيسى عليه السلام عندما رأوا قوة الآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام. قالوا: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} وهذا يعني أن معجزات عيسى عليه السلام قد أحفظتهم وأغضبتهم وأحنقتهم وملأت مشاعرهم بالخيبة. إنه قول من قوم يكرهون منهج الحق، وعلى ذلك يكون كفر الكافر نعمةَ يدعم بها الحق الداعي إليه؛ لأن ذلك يحفزه ويدفعه إلى الدفاع عن دين الله، فمقاومة الإيمان تظهر قوة المؤمن بالعقيدة التي يؤمن بها. ويقول سبحانه وتعالى من بعد ذلك: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} معناهُ قَوّيتُكَ.

الجيلاني

تفسير : اذكر وقت {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} امتناناً عليه {ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} وأقم شكرها {إِذْ أَيَّدتُّكَ} قويتك، وخصصتك {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} أي: بالنفس القدسية اللاهوتية المطهرة عن شوب القوى الناسوتية، لذلك {تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً} على السوية؛ أي: جعلت لك جميع كمالاتك بالفعل، في جميع أوقات وجودك بلا تفاوت بين طفوليتك وكهوليتك {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ} أي: التدبيرات المتعلقة لظواهر الشرع {وَٱلْحِكْمَةَ} المتعقلة لبواطنها {وَٱلتَّوْرَاةَ} الجامع بينهما {وَٱلإِنْجِيلَ} الغالب فيه ما يتعلق بالباطن. {وَإِذْ تَخْلُقُ} تصور وتقدر {مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي} أي: بأمري وتعليمي {فَتَنفُخُ فِيهَا} من روحي التي أبديتك به {فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} وتُبصِر {وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ} المكفوف العين {وَ} تشفي {ٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ} من قبورهم أحياء بِإِذْنِيِ {وَإِذْ كَفَفْتُ} ومنعت شر {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ} وقت {إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحات المعجزات الباهرات {فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} من حيث باطنهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 110] وما هو إلا ساحر عليم.