Verse. 780 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

وَ اِذْ اَوْحَيْتُ اِلَى الْحَوَارِيِّيْنَ اَنْ ٰاٰمِنُوْا بِيْ وَبِرَسُوْلِيْ۝۰ۚ قَالُـوْۗا اٰمَنَّا وَاشْهَدْ بِاَنَّنَا مُسْلِمُوْنَ۝۱۱۱
Waith awhaytu ila alhawariyyeena an aminoo bee wabirasoolee qaloo amanna waishhad biannana muslimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ أوحيت إلى الحواريين» أمرتهم على لسانه «أن» أي بأن «آمنوا بي وبرسولي» عيسى «قالوا آمنا» بهما «واشهد بأننا مسلمون».

111

Tafseer

الرازي

تفسير : وثامنها: قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ أَنْ ءامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى } وقد تقدم تفسير الوَحْي. فمن قال إنهم كانوا أنبياء قال ذلك الوحي هو الوحي الذي يوحى إلى الأنبياء. ومن قال إنهم ما كانوا أنبياء، قال: المراد بذلك الوحي الإلهام والالقاء في القلب كما في قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ } تفسير : [القصص: 7] وقوله {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان. وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم، آمنوا وأسلموا وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام، لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في الظاهر، يعني آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم. فإن قيل: إنه تعالى قال في أول الآية {أية : ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وٰلِدَتِكَ } تفسير : [المائدة: 110] ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام، وليس لأمه بشيء منها تعلق. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية فهو حاصل على سبيل الضمن والتبع للأم. ولذلك قال تعالى:{أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية}تفسير : [المؤمنون:50] فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر.وروي أنه تعالى لما قال لعيس {أية : اذكر نعمتي عليك}تفسير : [المائدة: 110] كان يلبس الشعر ويأكل الشجر، ولا يدخر شيئاً لغد ويقول مع كل يوم رزقه، ومن لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} قد تقدّم القول في معاني هذه الآية. والوحي في كلام العرب معناه الإلهام ويكون على أقسام: وحي بمعنى إرسال جبريل إلى الرسل عليهم السلام. ووحي بمعنى الإلهام كما في هذه الآية؛ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] { أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 7] ووحى بمعنى الإعلام في اليقظة والمنام. قال أبو عبيدة: أوحيت بمعنى أمرت، «وإلى» صلة؛ يقال: وحى وأوحى بمعنى؛ قال الله تعالى: { أية : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا } تفسير : [الزلزلة: 5] وقال العجاج: شعر : وَحَـى لها القرار فاستقرّت تفسير : أي أمرها بالقرار فاستقرّت. وقيل: «أوْحَيْتُ» هنا بمعنى أمرتهم. وقيل: بينت لهم. {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} على الأصل؛ ومن العرب من يحذف إحدى النونين؛ أي واشهد يا رب. وقيل: يا عيسى بأننا مسلمون لله.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ} أي أمرتهم على ألسنة رسلي. {أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} يجوز أن تكون أن مصدرية وأن تكون مفسرة. {قَالُواْ ءامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} مخلصون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَاريِّـنَ } أمرتهم على لسانه {أن} أي بأن {ءَامِنُوا بِى وَبِرَسُولِى } عيسى {قَالُواْ ءَامَنَّا } بك وبرسولك {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }.

ابن عطية

تفسير : قوله تعالى: {وإذ أوحيت} هو من جملة تعديد النعمة على عيسى و {أوحيت} في هذا الموضع إما أن يكون وحي إلهام أو وحي أمر كما قال الشاعر: شعر : أوحى لها القرار فاستقرت تفسير : وبالجملة فهو إلقاء معنى في خفاء أوصله تعالى إلى نفوسهم كيف شاء والرسول في هذه الآية عيسى عليه السلام، وقول الحواريين {واشهد} يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله تعالى ويحتمل أن يكون لعيسى عليه السلام، وقد تقدم تفسير لفظة الحواريين في آل عمران. وقوله تعالى: {إذ قال الحواريون}.. الآية اعتراض أثناء وصف حال قول الله لعيسى يوم القيامة، مضمن الاعتراض إخبار محمد عليه السلام وأمته بنازلة الحواريين في المائدة. إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها يقتدى بمحاسنه ويزدجر عم ينقد منه من طلب الآيات ونحوه، وقرأ جمهور الناس "هل يستطيع ربُّك" بالياء ورفع الباء من ربك. وهي قراءة السبعة حاشا الكسائي، وهذا ليس لأنهم شكوا في قدرة الله على هذا الأمر كامنة بمعنى هل يفعل تعالى هذا وهل تقع منه إجابة إليه؟ وهذا كما قال لعبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فالمعنى هل يخف عليك وهل تفعله؟ أما أن في اللفظة بشاعة بسببها قال عيسى {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} وبسببها مال فريق من الصحابة وغيرهم إلى غير هذه القراءة فقرأ علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير "هل تستطيع ربَّك" بالتاء ونصب الباء من ربك. المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ قالت عائشة رضي الله عنها: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك. قال القاضي ابو محمد: نزهتهم عائشة عن بشاعة اللفظ وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى على ما قد تبين آنفاً. وبمثل هذه القراءة قرأ الكسائي وزاد أنه أدغم اللام في التاء. قال أبو علي: وذلك حسن، و {أن} في قوله {أن ينزل} على هذه القراءة متعلقة بالمصدر المحذوف الذي هو سؤال. و {أن} مفعول به إذ هو في حكم المذكور في اللفظ وإن كان محذوفاً منه إذ لا يتم المعنى إلا به. قال القاضي أبو محمد: وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير سؤال على أن يكون المعنى هل يستطيع أن ينزل ربك بدعائك أو بأثرتك عنده ونحوه هذا، فيردك المعنى ولا بد إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ، و "المائدة" فاعلة من ماد إذا تحرك، هذا قول الزجّاج أو من ماد إذا ماد وأطعم كما قال رؤبة: شعر : تهدى رؤوس المترفين الأنداد إلى أمير المؤمنين الممتاد تفسير : أي الذي يستطعم ويمتاد منه، وقول عيسى عليه السلام {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} تقرير لهم كما تقول افعل كذا وكذا إن كنت رجلاً، ولا خلاف احفظه في أن الحواريين كانوا مؤمنين، وهذا هو ظاهر الآية، وقال قوم قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويظهر من قوله عليه السلام {اتقوا الله} إنكار لقولهم ذلك، وذلك على قراءة من قرأ "يستطيع" بالياء من أسفل متوجه على أمرين: أحدهما: بشاعة اللفظ، والآخر إنكار طلب الآيات والتعرض إلى سخط الله بها والنبوات ليست مبنية على أن تتعنت وأما على القراءة الأخرى فلم ينكر عليهم إلا الاقتراح وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر من آياته. فلما خاطبهم عليه السلام بهذه المقالة صرحوا بالمذاهب التي حملتهم على طلب المائدة، فقالوا: نريد أن نأكل منها فنشرف في العالم. قال القاضي أبو محمد: لأن هذا الأكل ليس الغرض منه شبع البطن. {وتطمئن قلوبنا} معناه يسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل من السماء بأعيننا {ونعلم} على الضرورة والمشاهدة أن قد صدقتنا فلا تعترضنا الشبه التي تعرض في علم الاستدلال. قال القاضي أبو محمد: وبهذا يترجح قول من قال كان هذا قبل علمهم بآياته. ويدل أيضاً على ذلك أن وحي الله إليهم أن آمنوا إنما كان في صدر الأمر وعند ذلك قالوا هذه المقالة ثم آمنوا ورأوا الآيات واستمروا وصبروا. وهلك من كفر وقرأ سعيد بن جبير و "يعلم" بالياء مضمومة على ما لم يسم فاعله، وقولهم {ونكون عليها من الشاهدين} معناه من الشاهدين بهذه الآية الناقلين لها إلى غيرنا الداعين إلى هذا الشرع بسببها. قال القاضي أبو محمد: وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن عيسى عليه السلام قال لهم مرة هل لكم في صيام ثلاثين يوماً لله، ثم إن سألتموه حاجة قضاها؟ فلما صاموها قالوا: يا معلم الخير إن حق من عمل عملاً أن يطعم، فهل يستطيع ربك؟ فأرادوا أن تكون المائدة عند ذلك الصوم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ} ألهمتهم كالوحي إلى النحل، أو ألقيت إليهم بما أريتهم من آياتي أن يؤمنوا بي وبك فكان إيمانهم إنعاماً عليهم وعليه لكونهم أنصاره.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} يعني ألهمتهم وقذفت في قلوبهم فهو وحي إلهام كما أوحى إلى أم موسى وإلى النحل والحواريون هم أصحاب عيسى وخواصه {أن آمنوا بي وبرسولي} يعني عيسى عليه السلام {قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون} لما وفقهم الله للإيمان، قالوا: آمنا. وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام، لأن الإيمان من أعمال القلوب والإسلام هو الانقياد والخضوع في الظاهر والمعنى أنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم. قوله تعالى: {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} قال المفسرون: هذا على المجاز ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكَّوا في قدرة الله تعالى لكنه كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام وإنما قصد بقوله هل تستطيع هل يسهل عليك وهل يخف أن تقوم معي فكذلك. معنى الآية: لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل ومعترفين بكمال قدرته وإنما قالوا ذلك ليحصل لهم مزيد الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي. ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا وقال بعضهم هو على ظاهره. وقال: غلط القوم وقالوا ذلك قبل استحكام الإيمان والمعرفة في قلوبهم وكانوا بشراً فقالوا هذه المقالة فرد الله عليهم عند غلطهم بقوله: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} يعني اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله أن تشكوا في قدرة الله عز وجل والقول الأول أصح وقيل في معنى الآية: هل يقبل ربك دعاءك ويعطيك بإجابة دعائك وسؤالك إنزال المائدة، فقد ورد في الآثار: من أطاع الله أطاعه كل شيء {أن ينزل علينا مائدة من السماء} المائدة الخوان الذي عليه الطعام ولا يسمى مائدة إن لم يكن عليه طعام إنما يقال خوان أو طبق وأصلها من ماد يميد إذا تحرك كأنها تميد بما عليها من الطعام {قال} يعني عيسى مجيباً للحواريين {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} يعني اتقوا الله في هذا السؤال إن كنتم مؤمنين لأنه سؤال تعنت وقيل: أمرهم بالتقوى ليحصل لهم هذا السؤال ومعنى إن كنتم مؤمنين مصدقين فلا تشكوا في قدرة الله تعالى وقيل معناه اتقوا الله أن تسألوا شيئاً لم يسأله أحد من الأمم قبلكم فنهاهم عن اقتراح الآية بعد الإيمان.

ابن عادل

تفسير : من قال: إنهم كانُوا أنْبِيَاء، قال: المُرَادُ هذا الوَحْيُ الذي يُوحَى إلى الأنبياء، ومن قال: إنَّهُمْ ما كانوا أنْبِيَاء، قال: المُرَادُ بذلك: الوَحْيُ والإلْهَام، كقوله: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 7] وقوله: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68]، وإنما ذُكِرَ هذا في مَعْرضِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ؛ لأنَّ صَيْرُورة الإنْسَان مقبُولَ القَوْل عِنْدَ النَّاسِ، محبوباً في قُلوبِهِم من أعْظَمِ نِعَمِ اللَّه - تبارك وتعالى - على الإنسان، وذكر - تبارك وتعالى - إنَّما ألْقَى ذلك الوحي في قلوبهم فآمَنُوا وأسْلَمُوا، وإنَّما قدَّم ذِكْرَ الإيمان على الإسْلام؛ لأنَّ الإيمان صِفَةُ القَلْبِ والإسلام عبارةٌ عن الانْقِيادِ والخُضُوع في الظَّاهِرِ، يعني: آمَنُوا بِقُلُوبِهِم وانْقَادُوا بِظَواهِرِهِم. فإن قيل: إنَّه تعالى ذكر في الآية: {أية : ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} تفسير : [المائدة: 110] أنَّ جميعَ ما ذكر اللَّهُ - تعالى - من النِّعَمِ مُخْتَصٌّ بعيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وليس لأمِّهِ بشيء منها تَعَلُّقٌ. فالجوابُ: كُلّ ما حَصَلَ لِلْوَلَدِ من النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، والدَّرَجَات العالِيةَ، فهو حَاصِلٌ للأمِّ على سبيلِ التضمّنِ والتَّبع، قال - تبارك وتعالى -: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تفسير : [المؤمنون: 50]، فجعلهما معاً آيَةً واحِدَةً؛ لشِدَّةِ اتِّصَال كُلِّ واحدٍ مِنْهُما بالآخر. رُوِي أنَّهُ - تعالى - لمَّا قال لعيسى: {أية : ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ} تفسير : [المائدة: 110] من لِبْسِ الشَّعْرِ وأكْلِ الشَّجَرِ، لم يَدَّخِرْ شَيْئاً لِغَد، ويقول مع كل يومٍ رِزْقُهُ، ولم يَكُنْ له بَيْتٌ فَيُخَرَّب، ولا وَلدٌ فَيَمُوت، أيْنَمَا أمْسَى باتَ. قوله تعالى: {أَنْ آمِنُواْ بِي}: في "أنْ" وجهان: أظهرهما: أنها تفسيرية؛ لأنها وردت بعد ما هو بمعنى القولِ، لا حروفه. والثاني: أنها مصدريَّةٌ بتأويلٍ متكلَّف، أي: أوْجَبْتُ إليهم الأمر بالإيمان، وهنا قالوا "آمَنَّا" ولم يُذْكَر المُؤمنُ به، وهناك {أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 52] فذكره، والفرق أنَّ هناك تقدَّم ذكرُ الله تعالى فقط، فأُعيدَ المؤمَنُ به، فقيل: "بالله" وهنا ذُكِرَ شيئان قبل ذلك، وهما: {أَنْ آمنُوا بِي وَبِرَسُولِي}، فلم يُذْكَر؛ ليشمل المذكورين، وفيه نظرٌ، وهنا قال "بأنَّنَا" وهناك قال "بِأنَّا" بحذف "نَا"، وقد تقدَّم غيره مرة: أنَّ هذا هو الأصل، وإنما جِيءَ هنا بالأصل؛ لأنَّ المُؤمنَ به متعدِّدٌ، فناسَبَه التأكيد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏وإذ أوحيت إلى الحواريين‏} ‏ يقول‏:‏ قذفت في قلوبهم‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏{‏وإذ أوحيت إلى الحواريين‏}‏ قال‏:‏ وحي قذف في قلوبهم ليس بوحي نبوّة، والوحي وحيان‏:‏ وحي تجيء به الملائكة، ووحي يقذف في قلب العبد‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ} عطف على ما قبله من أخواتها الواقعةِ ظروفاً للنعمة التي أُمر بذكرها، وهي وإن كانت في الحقيقة عينُ ما يُفيده الجملُ التي أُضيفت إليها تلك الظروفُ من التأيـيد بروح القدس وتعليم الكتاب والحكمة وسائرِ الخوارق المعدودة، لكنها لمغايَرَتها لها بعنوانٍ منْبىءٍ عن غاية الإحسان أُمر بذكرها من تلك الحيثية، وجُعلت عاملةً في تلك الظروف لكفاية المغايَرَة الاعتبارية في تحقيق ما اعتُبر في مدلول كلمةِ (إذ) من تعدد النسبة، فإنه ظرف موضوعٌ لزمان نسبتين ماضيتين واقعتين فيه إحداهما معلومةُ الوقوعِ فيه للمخاطَب دون الأخرى، فيُراد إفادةُ وقوعها أيضاً له، فيضاف إلى الجملة المفيدة للنسبة الأولى، ويجعل ظرفاً معمولاً للنسبة الثانية، ثم قد تكون المغايَرةُ بـين النسبتين بالذات كما في قولك: اذكُرْ إحساني إليك إذ أحسنتَ إليّ. تريد تنبـيهَ المخاطَب على وقوع إحسانه إليك وهما نسبتان متغايرتان بالذات، وقد تكون بالاعتبار كما في قولك: اذكر إحساني إليك إذ منعتُك من المعصية، تريد تنبـيهه على كون منعه منها إحساناً إليه لا على إحسانٍ آخرَ واقعٍ حينئذ، ومن هذا القبـيل عامةُ ما وقع في التنزيل من قوله تعالى: {أية : يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً }تفسير : [المائدة، الآية 20] الآية، وقولِه تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } تفسير : [المائدة، الآية 11] إلى غير ذلك من النظائر. ومعنى إيحائه تعالى إليهم أمرُه تعالى إياهم في الإنجيل على لسانه عليه السلام. وقيل: إلهامُه تعالى إياهم كما في قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص، الآية 7] و(أنْ) في قوله تعالى: {أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} مفسِّرة لما في الإيحاء من معنى القول، وقيل: مصدرية، وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة للتنبـيه على كيفية الإيمان به عليه السلام كأنه قيل: آمنوا بوحدانيتي في الألوهية والربوبـية وبرسالة رسولي ولا تُزيِّلوه عن حيِّزه حطّاً ولا رفعاً، وقوله تعالى: {قَالُواْ} استئناف مبنيٌّ على سؤال نشأ من سَوْق الكلام كأنه قيل: فماذا قالوا حين أوحِيَ إليهم ذلك؟ فقيل: قالوا: {آمنّا} أي بما ذُكر من وحدانيته تعالى وبرسالة رسولِه كما يُؤذِنُ به قولهم: {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي مخلِصون في إيماننا، من أسلم وجهَه لله، وهذا القولُ منهم ـ بمقتضىٰ وحيه تعالى وأمرِه لهم بذلك ـ نعمةٌ جليلة كسائر النعم الفائضة عليه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك نعمةٌ على والدته أيضاً. رُوي أنه عليه السلام لما علم أنه سيُؤمر بذكر هاتيك النعم العِظامِ جعل يلبَسُ الشَّعْرَ ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد، يقول: لكل يوم رزقُه، لم يكن له بـيت فيخرَبَ ولا ولد فيموتَ، أينما أمسى بات. {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان بعض ما جرى بـينه عليه السلام وبـين قومه، منقطعٌ عما قبله كما ينبىء عنه الإظهارُ في موقع الإضمار و(إذ) منصوب بمُضمر خوطب به النبـي عليه الصلاة والسلام بطريق تلوين الخطاب والالتفات، لكن لا لأن الخطاب السابقَ لعيسى عليه السلام فإنه ليس بخطاب وإنما هو حكايةُ خطاب، بل لأن الخطابَ لمن خوطب بقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [المائدة، الآية 108] الآية، فتأمل، كأنه قيل للنبـي صلى الله عليه وسلم عَقيبَ حكايةِ ما صدر عن الحواريـين من المقالة المعدودة من نعم الله تعالى الفائضة على عيسى عليه السلام: اذكُر للناس وقت قولهم الخ، وقيل: هو ظرف لقالوا، أريد به التنبـيهُ على أن ادعاءَهم الإيمانَ والإخلاصَ لم يكن عن تحقيقٍ وإيقان، ولا يساعده النظم الكريم {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء} اختلف في أنهم هل كانوا مؤمنين أو لا؟ فقيل: كانوا كافرين شاكّين في قدرة الله تعالى على ما ذَكَروا، وفي صدْقِ عيسى عليه السلام، كاذبـين في دعوى الإيمان والإخلاص، وقيل: كانوا مؤمنين وسؤالُهم للاطمئنان والتثبّت لا لإزاحة الشك، و(هل يستطيع) سؤال عن الفعل دون القدرة عليه تعبـيراً عنه بلازمه، وقيل: الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة، لا على ما تقتضيه القدرة، وقيل: المعنى هل يطيع ربك؟ بمعنى هل يجيبك؟ واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب، وقرىء (هل تستطيعُ ربَّك) أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف يصرِفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشةَ وابن عباس ومعاذٍ رضي الله عنهم، وسعيدِ بن جبـير في آخرين، والمائدة الخِوانُ الذي عليه الطعام، من مادَه إذا أعطاه ورفدَه، كأنها تَميدُ مَنْ تُقدَّم إليه، ونظيرُه قولهم: شجرة مطعمة، وقال أبو عبـيد: هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ناشىءٍ مما قبله، كأنه قيل: فماذا قال لهم عيسى عليه السلام حين قالوا ذلك؟ فقيل: قال: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي من أمثال هذا السؤال {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي بكمال قدرته تعالى وبصِحّة نبوتي أو إن صَدَقتم في ادّعاء الإيمانِ والإسلام فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات وقيل أمرهم بالتقوى ليصير ذلك ذريعةً لحُصول المسؤول، كقوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق، الآية 2] وقولِه تعالى: {أية : يَـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ }تفسير : [المائدة، الآية 35].

القشيري

تفسير : وإنما خصَّهم بالوحي إلهاماً وإكراماً لانبساط ضياء عيسى عليهم، وفي الأثر:"حديث : هُمُ القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُ ".

البقلي

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} وحى الله الى المرسلين يكون خاصا ويكون عاما الخاص بغير واسطة والعام بوساطة جبرئيل عليه السلام وللوحى الخاص مراتب وحى بالفعل ووحى بالصفة ووحى بالذات وحى الذات يكون فى مقام التوحيد عن رؤية العظمة والكبرياء وهناك محل الفناء ووحى الصفات يكون فى مقام المعرفة عند تجلى الجلال وهناك محل الفقاء ووحى الفعل يكون فى مقام العشق والمحبة وهناك منازل الانس والانبساط وههنا للانبياء والاولياء نصيب وليس لهم فى الوحى برسالة الملك نصيب وحى منزل التوحيد بالكلام ووحى منزل المعرفة الحديثة ووحى منزل العشف الالهام ومقام الالهام منقسم على الالهام الذاتى والصفاتى والفعلى وربما يكون الالهام الفعلى بواسطة الملط والروح والقلب والعقل والسر ورحكمة الفطرة ربما يرد على السمع قرع هواتف الغيب ظاهر وربما يكون بلسان الخلق -- الاكوان ولا يعرف هذه المقامات الاذ ومنصب فى معرفة الخواطر وحقائق علومها وحقائق علومها وههنا وحى الصفاتى الذى -- ولد منه الايمان والمعرفة الا ترى الى قوله سبحانه واذا وحيت الى الحواريين ان أمنوا بى اى اعرفونى وصدقونى بما شكفت لكم من انوار الغيب فى قلوبكم وبرسولى فيما ارسلت اليه من انباء الغيب وبيان شرائط الشرع فى --- العبودية قوله منوا بى مقام لجمع وبرسولى مقام التفرقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ اوحيت الى الحواريين} جمع حوارى يقال فلان حوارى فلان اى صفوته وخالصته من الحور وهو البياض الخالص سمى به اصحاب عيسى عليه السلام لخلوص نياتهم ونقاء سرائرهم وكان بعضهم من الملوك وبعضهم من صيادى السمك وبعضهم من القصارين وبعضهم من الصباغين اذكر يا محمد وقت ان امرتهم على ألسنة رسلى او الهمت اياهم والقيت فى قلوبهم {ان} مفسرة لما فى الايحاء من معنى القول {آمنوا بى} اى بوحدانيتى فى الربوبية والالوهية {وبرسولى} اى وبرسالة رسولى ولا تزيلوه عن حيزه حطا ولا رفعا {قالوا} كأنه قيل فماذا قالوا حين اوحى اليهم ذلك فقيل قالوا {آمنا واشهد باننا مسلمون} اى مخلصون فى ايماننا من اسلم وجهه لله اى اخلص.

الطوسي

تفسير : التقدير واذكر إِذ أوحيت الى الحواريين. وفي معنى {أوحيت} قولان: أحدهما - أن معناه الهمتهم كما قال {أية : وأوحى ربك إلى النحل}تفسير : أي ألهمها. وقيل أمرتهم. الثاني - القيت اليهم بالآيات التي أريتهم إِياها كما قال الشاعر: شعر : الحمد لله الذي استقلت باذنه السماء واطمأنت أوحى لها القرار فاستقرت تفسير : أي القى اليها ويروى وحى لها. والفرق بين أوحى ووحى من وجهين: أحدهما - أن أوحى بمعنى جعلها على صفة كقولك جعلها مستقرة، ووحى جعل فيها معنى الصفة، لأن أفعل أصله التعدية. وقال قوم: هما لغتان. وقال البلخي معنى {أوحيت إلى الحواريين} أي أوحيت اليك أن تبلغهم أو الى رسول متقدم. وقوله (أوحيت اليهم) يعني أوحيت الى الرسول الذي جاءهم. وفي معنى الآية قولان: أحدهما - قال أبو علي إِذكر نعمتي عليك اذ أوحيت إلى الحواريين الذين هم أنصارك. الثاني - اذكر نعمتي على الحواريين لما في ذلك من العلم بنعم الله خاصة وعامة. وانما حسن الحذف في التذكير بالنعمة للشهرة وعظم المنزلة باجلال النعمة ولذلك يحسن الحذف في الافتخار كقول الأعشى: شعر : إِن محلا وان مرتحلا وإِن في السفر اذ مضوا مهلا تفسير : أي لنا محلا. و (الحواريون) قال الحسن هم أنصار عيسى. وقيل: هم وزراؤه على أمره. وقيل: هم خاصة الرجل وخلصائه. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله للزبير أنه حواري، ومعناه خالصتي من الناس، والرفيق الحواري، لانه أخلص اليه من كل ما يشوبه، وأصله الخلوص، ومنه حار يحور أي رجع الى حال الخلوص، ثم كثر حتى قيل صار لكل راجع وقيل: انهم كانوا قصارين.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} والحواريون أنصار عيسى {أَنْ ءَامِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} يعني وحيه إلى الحواريين يأمرهم أن يتبعوه {قَالُوا ءَامَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}. قوله: {إِذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ} قال الحسن: يقولون: هل ربك فاعل ذلك؟ وهو كلام من كلام العرب؛ ما استطيع ذلك، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو معروف في اللغة. ذكروا عن عائشة قالت: هم كانوا أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك، ولكن قالوا: هل يستطيع ربك، أي هل تقدر على هذا منه. قوله: {قَالَ اتَّقُوا اللهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي لما سمع عيسى ذلك منهم قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلىَ الحَوَارِينَ}: أصحاب عيسى، أى ألهمتهم، أوحيت فى الانجيل، أو وحياً ما الى عيسى عليه السلام، والوحى الى رسول وحى الى قومه، أو أوحيت الى الرسل قبل عيسى، فان الايمان بالله ورسوله ومنهم رسوله عيسى موحى اليهم، وما أوحى الى الرسل وحى الى الناس. {أَنْ آمَنُوا بِى وَبِرَسُولِى}: عيسى أو جنس رسلى، وأن مفسرة، لأن الجملة قبلها معنى القول دون حروفه، وهذا أولى ويجوز جعلها مصدرية أى أوحيت اليهم الايمان، أى أوحيت اليهم وجوب الايمان أو الأمر بالايمان. {قَالُوا آمَنَا}: بك وبرسولك، والرسول فى هذه الآية عيسى عند الجمهور، أى صدقنا بك وبرسولك عيسى فى قلوبنا. {وَأشْهَدْ}: يا ربنا. {بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}: منقادون لعمل الصالحات، وترك المحرمات، بجوارحنا ومنها اللسان ينطق بالتوحيد وغيره من الشرع، قدموا الايمان لأنه الأصل، والعمل لله والترك له مبنيان عليه لا ينفعان بدونه، ولأنه غيرهما ويدعوا اليهما، ولأنه بالقلب وهو ملك الأعضاء الذى ان صلح صلحت، أو فسد فسدت، وقيل: مسلمون بمعنى مخلصين فِى ايماننا، والاخلاص فى الايمان موجب للعمل والترك لله، وليس هذا بأولى من الوجه الأول كما قيل: انه لا يحسن أن يقولوا: انا منقادون بجوارحنا، لأنا نقول: المعنى آمنا بقلوبنا وليست جوارحنا مخالفة لألسنتنا.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيّينَ } أي أمرتهم في الإنجيل على لسانك أو أمرتهم على ألسنة رسلي. وجاء استعمال الوحي بمعنى الأمر في كلام العرب كما قال الزجاج وأنشد: شعر : الحمد لله الذي استقلت باذنه السماء واطمأنت أوحى لها القرار فاستقرت تفسير : أي أمرها أن تقر فامتثلت، وقيل: المراد بالوحي إليهم إلهامه تعالى إياهم كما في قوله تعالى: { أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } تفسير : [النحل: 68] { أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمّ مُوسَىٰ } تفسير : [القصص: 7] وروي ذلك عن السدي وقتادة وإنما لم يترك الوحي على ظاهره لأنه مخصوص بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام والحواريون ليسوا كذلك، وقد تقدم المراد بالحواريين [في سورة آل عمران: 52]. وأن قوله تعالى: {أَنْ ءامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى } مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول، وقيل: مصدرية أي بأن ءامنوا الخ. وتقدم الكلام في دخولها على الأمر، والتعرض لعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه الصلاة والسلام والرمز إلى عدم إخراجه عليه الصلاة والسلام عن حده حطاً ورفعاً {قَالُواْ ءامَنَّا } طبق ما أمرنا به {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } مخلصون في إيماننا أو منقادون لما أمرنا به.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون عطفاً على جملة {أية : إذْ أيَّدتك بروح القدس}تفسير : [المائدة: 110]، فيكون من جملة ما يقوله الله لعيسى يوم يجمع الرسل. فإنّ إيمان الحواريّين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتّبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدّد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام. والمراد بالوحي إلى الحواريّين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة بتصديقه، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى. ويجوز أن يكون الوحيَ الذي أوحي به إلى عيسى ليدعو بني إسرائيل إلى دينه. وخُصّ الحواريّون به هنا تنويهاً بهم حتّى كأنّ الوحي بالدعوة لم يكن إلاّ لأجلهم، لأنّ ذلك حصل لجميع بني إسرائيل فكفر أكثرهم على نحو قوله تعالى: {أية : كما قال عيسى ابنُ مريم للحواريّين من أنصاري إلى الله قالَ الحواريّون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة}تفسير : [الصف: 14]؛ فكان الحواريّون سابقين إلى الإيمان لم يتردّدوا في صدق عيسى. و{أنْ} تفسيرية للوحي الذي ألقاه الله في قلوب الحواريّين. وفَصْل جملة {قالوا آمنَّا} لأنّها جوابُ ما فيه معنى القول، وهو «أوحينا»، على طريقة الفصل في المحاورة كما تقدّم في سورة البقرة، وهو قول نفسي حصل حين ألقى الله في قلوبهم تصديق عيسى فكأنّه خاطبهم فأجابوه. والخطاب في قولهم: {واشهَدْ} لله تعالى وإنّما قالوا ذلك بكلام نفسي من لغتهم، فحكى الله معناه بما يؤدّيه قوله: {واشهد بأنّنا مسلمون}. وسمّى إيمانهم إسلاماً لأنّه كان تصديقاً راسخاً قد ارتفعوا به عن مرتبة إيمان عامّة من آمن بالمسيح غيرهم، فكانوا مماثلين لإيمان عيسى، وهو إيمان الأنبياء والصدّيقيين، وقد قدّمت بيانه في تفسير قوله تعالى: {أية : ولكن كان حنيفاً مسلماً} تفسير : في سورة آل عمران (67)، وفي تفسير قوله {أية : فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون} تفسير : في سورة البقرة (132) فارجع إليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} الآية. قال بعض أهل العلم: المراد بالإيحاء إلى الحواريين الإلهام، ويدل له ورود الإيحاء في القرآن بمعنى الإلهام كقوله: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ} تفسير : [النحل: 68] الآية يعني ألهمها، قال بعض العلماء: ومنه {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ} تفسير : [القصص: 7]، وقال بعض العلماء معناه: أوحيت إلى الحواريين إيحاء حقيقياً بواسطة عيسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 111- واذكر - أيها الرسول - لأمتك ما حدث فى الماضى حين ألهمنا جماعة ممن دعوناهم أن يؤمنوا بالله وبرسوله عيسى فاستجابوا له، وصاروا من خاصة أصحابه، وقالوا: آمنا واشهد يا ربنا بأننا مخلصون منقادون لأوامرك. 112- اذكر - أيها النبى - ما حدث حين قال أتباع عيسى المخلصون: يا عيسى ابن مريم، هل يجيبك ربك إذا طلبت منه أن ينزل علينا طعاماً من السماء؟ قال لهم عيسى رداً عليهم: إن كنتم مؤمنين بالله فخافوه، وأطيعوا أوامره ونواهيه، ولا تطلبوا حُججاً غير التى قدمتها. 113- قالوا: إننا نريد أن نأكل من هذه المائدة لتطمئن قلوبنا بما نؤمن به من قدرة الله، ونعلم عن معاينة أنك قد صدقتنا فيما أخبرتنا عنه سبحانه، ونشهد لك بهذه المعجزة عند من لم يشاهدها. 114- فاستجاب لهم عيسى وقال: يا ربنا ومالك أمرنا، أنزل علينا مائدة من السماء يكون يوم نزولها عيداً للمؤمنين منا، المتقدمين والمتأخرين، ولتكون معجزة تؤيد بها دعوتك، وارزقنا رزقاً طيباً، وأنت خير الرازقين. 115- قال الله له: إنى سأنزل المائدة عليكم من السماء، فأى امرئ منكم يجحد هذه النعمة بعد إنزالها، فإنى أعاقبه عقاباً لا أعاقب بمثله أحداً من الناس، لأنه كفر بعدما شاهد دليل الإيمان الذى اقترحه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْحَوَارِيِّينَ} {آمِنُواْ} {ۤاْ آمَنَّا} (111) - وَاذْكُرْ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ نِعْمَتِي عَلَيْكَ حِينَ أَلْهَمْتُ الحَوَارِيِّينَ الإِيمَانَ بِرَبِّهِمْ، وَالتَّصْدِيقَ بِأنَّكَ رَسُولُهُ، حِينَما كَذَّبَكَ جُمْهُورُ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَجَعَلْتُ الحَوَارِيِّينَ أنْصَاراً لَكَ يُؤَيِّدُونَكَ، وَيُؤَيِّدُونَ دَعْوَتَكَ، وَيَنْشُرُونَ شَريَعَتَكَ، فَقَالُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى، وَأشْهَدُوا اللهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، مُخْلِصُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، مُذْعِنُونَ لأَوَامِرِهِ، تَارِكُونَ لِنَواهِيهِ. الحَوَارِيُّونَ - الأَنْصَارُ وَأُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَى أَنْصَارِ المَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة الحَوَارِيّ مأخوذة من المحسات. فالحُوَّارَي تطلق على الدقيق النقي الخالص. وأطلقت على كل شيء نقي بصفاء خالص، و "الحَوَاري" هنا تعني المخلص والمحب لمنهج الخير. وسبحانه يقول: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ} والوحي بمعناه العام هو الإعلام بخفاء؛ أي أن الحق ألهمهم أن يؤمنوا برسالة عيسى المبلغ عن الله، أي أعلمهم بخواطر القلب التي أعلم بها أُمَّ موسى ان تلقى ابنها في اليم ليلقيه اليم إلى الساحل، وهو غير الوحي للرسول، فالوحي للرسول هو الوحي الشرعي بواسطة رسول مبلغ عن الله هو سيدنا جبريل عليه السلام، أما وحي الله إلى أم موسى أو إلى الحواريين فهو استقرار خاطر إيماني يلتفت بعده الموحى إليه ليجد الواقع يؤيد ذلك. وعندما لا يصادم إلهام القلب أمراً واقعاً ولا يجد الإلهام ما يصادمه في نفس الإنسان، فهذا لون من الوحي، أي هو إعلام بخفاء، كأن يتوقع الرجل مَقْدَم صديق من سفر، أو لوناً من الطعام يشتهيه فيجده على المائدة. إذن فالإلهام وارد من الله لخلق الله مادام لا يصادم شيئاً في النفس أو في الواقع؛ لأن الإلهام الذي يقابل صداماً ليس من الله. فالشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. إن الله أوحى للحواريين أن يؤمنوا به وبرسالة عيسى عليه السلام. وبمجرد مجيء عيسى وسماعهم أنه رسول من الله أعلنوا الإيمان به وصاروا من خلصائه. وساعة نرى: "إذ" فلنفهم أن معناها تذكر وقت الحدث الذي قال فيه الحواريون: نحن آمنا بعيسى نبياً من عند الله وأشهدوه أنهم مسلمون. ومن بعد ذلك يقول الحق: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} معناهُ أَلقيتُ فِي قلوبِهِم

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} الظاهر أن الوحي على ألسنة الرسل والرسول هنا هو عيسى عليه السلام وهذا الإِيحاء هو إلى الحواريين هو من نعم الله تعالى على عيسى بأن جعل له أتباعاً يصدّقونه ويعملون بما جاء به. {أَنْ آمِنُواْ} أن تفسيرية بمعنى أي، ويجوز أن تكون مصدرية أي بالإِيمان. {قَالُوۤاْ آمَنَّا} أي بك وبرسولك. و{مُسْلِمُونَ} أي منقادون لأمرك. {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} ظاهر اللفظ أن قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ}تفسير : [المائدة: 110]، إلى آخر قصة المائدة، كان ذلك في الدنيا ذكر تعالى عيسى بنعمته وبما أجراه على يده من المعجزات وباختلاف بني إسرائيل عليه وانقسامهم إلى كافر ومؤمن وهم الحواريون وغيرهم ثم استطرد إلى قصة المائدة إعلاماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما صدر من الحواريين في قصة المائدة بعد إقرارهم بالإِيمان بالله وبعيسى عليه السلام إذ في سؤال المائدة بعض تعنت من الحواريين، وفي قولهم: السلام إذ في سؤال المائدة بعض تعنت من الحواريين، وفي قولهم: يا عيسى ابن مريم سوء أدب، إذ لم يقولوا: يا روح الله، أو يا رسول الله. وفي قولهم: هل يستطيع ربك سوء أدب، وقرأ الجمهور: هل يستطيع ربك بالياء وربك بالرفع. وقرأ الكسائي: هل تستطيع بالتاء، وربك بالنصب وهو على حذف مضاف تقديره سؤال ربك، فالمعنى هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل، وهذه القراءة أحسن من المحاورة من قراءة الجمهور. {عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} والمائدة الخوان الذي عليه طعام فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة. {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيه إنكار عليهم. واقتراح هذه الآية وبشاعة اللفظ في قولهم: هل يستطيع ربك، بعد قولهم: امنا بك وبرسولك، ويدل على اضطرابهم الآية التي تأتي بعدها. روي أن عيسى عليه السلام لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي ويدعو. والآية قولهم: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} أي مما على المائدة. {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} وإن هذه هي المخففة من الثقيلة تقديره أنك قد صدقتنا. {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} قال الزمخشري: عاكفين عليها على أن عليها في موضع الحال. "انتهى". وهذا التقدير ليس بجيد لأن حرف الجر لا يحذف عامله وجوباً إلا إذا كان كوناً مطلقاً لا كوناً مقيداً والعكوف كون مقيد ولأن المجرور إذا كان في موضع الحال كان العامل فيها عاكفين المقدر، وقد ذكرنا أنه ليس بجيد. ثم ان قول الزمخشري مضطرب لأن عليها إذا كان ما يتعلق به هو عاكفين كانت في موضع نصب على المفعول الذي تعدى إليه العامل بحرف الجر، وإذا كانت في موضع الحال كان العامل فيها كوناً مطلقاً واجب الحذف فظهر التنافي بينهما والله أعلم. ثم أن عيسى عليه السلام دعا الله تعالى باسمه العلم الذي لا شركة فيه وهو: اللهم، وربنا، أي مصلحنا ومالك أمرنا. {تَكُونُ لَنَا عِيداً} المعنى تكون يوم نزولها عيداً. قيل: وهو يوم الأحد، ومن أجل ذلك اتخذه النصارى عيداً، والعيد السرور والفرح، ولذلك يقال: يوم عيد، والمعنى أن تكون لنا سروراً وفرحاً، والعيد المجتمع للقوم المشهور وعرفه أن يقال فيما يستدير بالسنة أو بالشهر أو بالجمعة ونحوه. {لأَوَّلِنَا} لأهل زماننا. {وَآخِرِنَا} من يجيء بعدنا. ولأولنا بدل من ضمير المتكلم في قوله: لنا، وأعيد فيه حرف الجر وجاز ذلك لأن معنى قوله: لأوّلنا وآخرنا، كلنا. كقولك: مررت بكم صغيركم وكبيركم، أي كلكم. وضمير المتكلم والمخاطب لا يبدل منهما إلا بتوكيد نحو: قمت أنا نفسي قمت، وأنت نفسك، إلا أن كان البدل يفيد معنى التوكيد فيجوز كهذه الآية. {وَآيَةً مِّنْكَ} أي علامة شاهدة على صدق عبدك. {وَٱرْزُقْنَا} عام في طلب الرزق من المائدة وغيرها. {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} الآية اختلفوا في كيفية نزولها، وفيما كان عليها، وعدد من أكل منها، وفيما آل إليه حال من أكل منها اختلافاً مضطرباً معارضاً ذكره المفسرون واضربت عنه صفحاً إذ ليس فيه شيء يدل عليه لفظ الآية وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازيرتفسير : . {فَمَن يَكْفُرْ} جملة شرطية جوابها فأنى أعذبه الآية. قال الحسن ومجاهد: لما سمعوا هذا الشرط أشفقوا فلم تنزل. {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى} الآية، قال ابن عباس وقتادة والجمهور: هذا القول إنما هو من عند الله يوم القيامة يقول له على رؤوس الأشهاد فيعلم الكفار أن ما كانوا فيه باطل فيكون هذا من تمام قوله: اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك المقول في الآخرة، وفصل بينهما بآية المائدة تنبيهاً على ما صدر من بني إسرائيل وإن كانوا أظهروا الإِيمان بالله وبعيسى عليه السلام لينبه المؤمنين على أن سؤال الاقتراح ينبغي أن يتحرز منه وكثيراً اقترح بنوا إسرائيل ما لا يجوز كقولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]، وكقولهم: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153]، وفي إيلاء الاستفهام الاسم ومجيء الفعل بعده دلالة على صدور الفعل في الوجود لكن وقع الاستفهام عن النسبة. أكان هذا الفعل الواقع صادراً عن المخاطب أم ليس بصادر عن بيان ذلك انك تقول: أضربت زيداً، فهذا الاستفهام هل صدر منك ضرب لزيد أم لا، ولا اشعار فيه بأن ضرب زيد وقع فإِذا أفلت أنت ضربت زيداً، كان الضرب قد وقع بزيد لكنك استفهمت عن إسناده للمخاطب وهذه مسألة بيانية نحوية نص على ذلك أبو الحسن الأخفش. وذكر المفسرون أنه لم يقل أحد من النصارى بآلهية مريم فكيف قيل: إلهن، وأجابوا بأنهم لما قالوا: لم تلد بشراً وإنما ولدت إلهاً لزمهم أن يقولوا من حيث البعضية بإِلهية من ولدته فصاروا بمثابة من قاله. "انتهى". والظاهر صدور القول في الوجود لا من عيسى عليه السلام ولا يلزم من صدور القول وجود الاتخاذ. {قَالَ سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك عن أن يقال هذا وينطق به أو أن يكون لك شريك بدأ أولاً بتنزيه الله تعالى. ثم ثانياً بإِنكار ذلك القول بقوله: {مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ}. ثم ثالثاً بقوله: {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} علق مستحيلاً على مستحيل وهو نفيه علمه تعالى بذلك القول فانتفى ذلك القول. ثم رابعاً بإِحاطة علمه تعالى بما في نفس عيسى عليه السلام بقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي}. وقوله: {وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} من باب المقابلة، ولا يقال أن لله نفساً وإن كان قد جاء قوله تعالى: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران: 28] قالوا: معناه: عقابه. ونظيره في المقابلة قوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 54].

الجيلاني

تفسير : {وَإِذْ أَوْحَيْتُ} وألهمت {إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} عيسى بن مريم {قَالُوۤاْ} عن صميم فؤادهم: {آمَنَّا} بك وبرسولك {وَٱشْهَدْ} يا بنا {بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] منقادون بدينك ونبيك، نستوعدك هذه الشهادة إلى قوت الحاجة، اذكر {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} لك حين أرادوا الترقي في مرتبة العلم إلى العين: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} اضافوه إليه؛ لتحققه في مرتبة العلم والحق {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً} رزقاً معنوياً حقيقاً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: من جانب العلو الذي هو مرتبة العين والحق، فلمَّا سمع منهم ما سمع آيس منهم، وأفظع أمرهم، وأوجس في نفسه خيفة من الله الغيور؛ لأنهم ليسوا في تلك الحالة مستعدين الكشف والشهود، لذلك {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن أمثال هذه الأسئلة {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 112] موقنين بكمال قدرته وإرادته واختياره، واستقلاله بالتصرف في ملكه وملكوته. {قَالُواْ} معتذرين، ملتجئين: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ} نذوق ونستفيد {مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} وتتمكن أقدامنا في جادة التوحيد {وَنَعْلَمَ} يقيناً عينياً {أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} في جميع ما أرشدتنا وأهديتنا {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [المائدة: 113] أي: من أهل الشهود والكشف بلا حجاب العلم. فلمَّا أحس عيسى ابتلاء الله، وفتنته إياهم بادر إلى المناجاة، حيث {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً} فرحاً وسروراً {لأَوَّلِنَا} متقدمينا {وَآخِرِنَا} متأخيرنا {وَآيَةً مِّنْكَ} تنكشف بها بتوحيدك {وَٱرْزُقْنَا} من لدنك حظاً يخلصنا من ظلام أظلالنا، وغيوم هوياتنا {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [المائدة: 114] على من سبقت غايته له.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نعمة أخرى بقوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111]، الإشارة فيها وإذا أوحيت إلى الحواريين يعني: في عالم الأرواح يوم الميثاق إذا خاطبت الأرواح المستعدة لقبول الإيمان {أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111]؛ إذ كانوا جنود مجندة وكان بين أرواح كل أمة وروح رسولها تعارف ومناسبة فبذلك التعارف {قَالُوۤاْ آمَنَّا} [المائدة: 111] ثم في عالم الصورة عند الملامات تتشاهد الأرواح فيعرف بعضها بعضاً فما أتلف بذلك التعارف ويقذف الله في طلبه؛ إذ يجدوا الإيمان فيؤمن برسوله فقذف الله تعالى في قلوب الحواريين لحسن استعدادهم أن آمنوا بي بأني واحد بلا شبهة، ولا ولد كما آمنتم بوحدانيتي يوم الميثاق وبرسولي عيسى عليه السلام أو عبدي، وليس بولدي فلا تقولوا كما قالت النصارى المسيح ابن الله فإنهم ما خطبوا يوم الميثاق أن آمنوا على الحقيقة لعدم الاستعداد بل قالوا آمنا بوحدانيتك وبعبوديتك رسالتك {وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111]، منقادون في يوم الميثاق لأوامرك ونواهيك في إبداء الإباء. ثم أخبر عمن خوطب بإيمان حقيقة ومن لم يخاطب بقوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} [المائدة: 112]، إشارة إن الله تعالى لما أراد أن يميز الخبيث من الطيب والمؤمن المقلد من المؤمن الحقيقي، ويظهر بعض الحقائق المخفية والسرائر المخبية في الدنيا مما سيظهره في الآخرة؛ ليكون بحرة لأهل الخبرة فلا تغيروا بالصورة الإنسانية ولا تغفلوا عن الصفة الحيوانية، فيكونوا كالأنعام بل هم أضل فبالحكمة البالغة استخرج من بعض النفوس الخبيثة آثار خبائثها المخفية بعبارات الشهادة وحركات جوارحها كما استخرج من بعض الحواريين المقلدين في الإيمان غير المحققين قولهم؛ إذ قال الحواريون {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [المائدة: 112]، فأول الخذلان أنهم ما وقعوا في الخطاب مع رسولهم أن يقولوا: يا رسول الله ويا روح الله خاطبوه باسمه ونسوا الحالة ولو وقعوا للصواب لقالوا: يا روح الله ونسبوه إلى الله، ثم رفضوا الأدب مع الله تعالى وقالوا: هل يستطيع ربك كالمتشكك في استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم تظهروا دناءة فمنهم وحساسة تهمتهم إذ طلبوا بواسطة مثل عيسى عليه السلام من الله تعالى فائدة دنيا، وهي فانية وما رغبوا في فائدة دينية كقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ}تفسير : [الشورى: 20]، فلما طلبوا المائدة الدنيا وبه وجدوا منها أياماً فلا بد وقد ضيعوا نصيب السعادة الآخروية كما قال تعالى: {أية : وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ}تفسير : [الشورى: 20]، ثم من إجادة تقوتهم أنهم ما اتعظوا بموعظة نبيهم {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [المائدة: 112]؛ أي: اتقوه ولا تسألوا عنه هذا الخسيس الدنيوي {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 112]، إيماناً حقيقياً؛ فإن المؤمن من اختار الدين على الدنيا والباقي على الفاني فما قبلوا نصيحته وما اهتدوا بهدايته، وأظهروا كمال حسنهم {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} [المائدة: 113]، {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 114]، ولو كانوا أهل السعادة وأهل الإيمان الحقيقي لكان اطمئنان قلوبهم بذكر الله كقوله تعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]، ولعلموا صدق رسولهم بنور الإيمان فإن المؤمن ينظر بنور الله، وكانوا لله شاهدين بالوحدانية وما احتاجوا إلى هذا التساؤل وكانوا مؤمنين مسلمين لأحكام الله تعالى وأوامر رسوله كما كان الحواريون الذين، قالوا: آمنا إيماناً حقيقياً، وقالوا: واشهدوا بأننا مسلمون فلما علم عيسى عليه السلام أن الله تعالى في إنزال المائدة حكمة بالغة وألحوا عليه بسؤالها قال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [المائدة: 114]، أي: مائدة الأسرار والحقائق التي تنزلها من سماء العناية عليها أطعمة الهداية {تَكُونُ لَنَا} [المائدة: 114]؛ يعني: لأهل الحق {عِيداً} [المائدة: 114]، ففرح بها {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} [المائدة: 114]؛ أي: الأزل أنفاسنا وآخرها بالتصعد مع الله وتهوي مع الله ففي صعود النفس مع الله يكون عبداً له وفي هوية مع الله يكون عبداً له، وقال تعالى: {وَآيَةً مِّنْكَ} [المائدة: 114]؛ أي: تلك المائدة تكون تجلي صفة من الصفات {وَٱرْزُقْنَا} [المائدة: 114]، من فضلك الخاص {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [المائدة: 114]؛ لأن رزقك الذي ترزق به خواص عبادك رزق منك ورزق غيرك لا يكون منه. ثم قال الله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة: 115]، يا أرباب الطلب مائدة الأسرار والحقائق {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} [المائدة: 115]، بأن لا يقوم بحقها ولا يؤدي شكرها ويجعلها شبكة يصطاد بها الحطام الدنيوي ويصرفها في تحصيل الشهوات البهيمية والحيوانية {فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} [المائدة: 115]، بأن أرده من مراتب الروحاني إلى مهالك الحيواني، وهذا هو المنح الحقيقي وفيه إشارة أخرى إن ذلك القوم من الحواريين الذين سألوا المائدة لما كان الإيمان تقليدياً لا تحقيقياً تنفعهم الآيات ولا المعجزات، ولما أراد الله تعالى أن يكشف عن بعض حقائق الأمور الأخروية تبنها للخلق وجعل المائدة محك نقود جواهر ذلك القوم، فلما كان الغالب عليهم حسه الحيواني وشهوته النفساني التمسوا المائدة وضيعوا الفائدة، وأكلوا منها وأسرفوا وتصرفوا فيها؛ فخابوا فلما أظهروا ما أظهروا من صفات الخنازير سلخ الله تعالى صورة الإنساني عن حقائق صفات الحيواني وألبسهم صورة من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم أن الناس يحشرون على صور صفاتهم التي ماتوا عليها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا } إلى آخر الآيات أي: واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعوانا. فأوحيت إلى الحواريين أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي، أو أوحيت إليهم على لسانك، أي: أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا، وقالوا: آمنا بالله، واشهد بأننا مسلمون، فجمعوا بين الإسلام الظاهر، والانقياد بالأعمال الصالحة، والإيمان الباطن المخرج لصاحبه من النفاق ومن ضعف الإيمان. والحواريون هم: الأنصار، كما قال تعالى كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ } . { إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ } أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم. ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئا. فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك فـ { قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا } وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين. كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى {أية : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } تفسير : فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: { وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا } أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك. فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم في ذلك، فقال: { اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ } أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين. كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم. { وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ } أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى عليه السلام نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقا. { قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد. واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك، ويدل على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى، ولا له وجود. ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه. أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلا وإنما ذلك كان متوارثا بينهم، ينقله الخلف عن السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله: { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } والله أعلم بحقيقة الحال. { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } وهذا توبيخ للنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فيقول الله هذا الكلام لعيسى. فيتبرأ عيسى ويقول: { سُبْحَانَكَ } عن هذا الكلام القبيح، وعمّا لا يليق بك. { مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } أي: ما ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنه ليس أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد، مدبرون، وخلق مسخرون، وفقراء عاجزون { إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } فأنت أعلم بما صدر مني و { إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ } وهذا من كمال أدب المسيح عليه الصلاة والسلام في خطابه لربه، فلم يقل عليه السلام: "لم أقل شيئا من ذلك" وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة. ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل، فقال: { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ } فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } أي: ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي. { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ } أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به. { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم. { وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } علما وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر. { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } وأنت أرحم بهم من أنفسهم وأعلم بأحوالهم، فلولا أنهم عباد متمردون لم تعذبهم. { وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } أي: فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة، لا كمن يغفر ويعفو عن عجز وعدم قدرة. الحكيم حيث كان من مقتضى حكمتك أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة. { قَالَ اللَّهُ } مبينا لحال عباده يوم القيامة، ومَن الفائز منهم ومَن الهالك، ومَن الشقي ومَن السعيد، { هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدْي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، ولهذا قال: { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } والكاذبون بضدهم، سيجدون ضرر كذبهم وافترائهم، وثمرة أعمالهم الفاسدة. { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي، ولهذا قال: { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فلا يعجزه شيء، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته، ومسخرة بأمره. تم تفسير سورة المائدة بفضل من الله وإحسان، والحمد لله رب العالمين.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [111] 178- أنا عمران بن يزيد، نا مروان، نا عثمان بن حكيم حدثني سعيد بن يسار، أن ابن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية إلى قوله {أية : آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} تفسير : [المائدة: 59] إلى آخر الآية، وفي الأخرى {آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ}. الحواريون 179- أنا القاسم بن زكريا، نا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، وسفيان، عن محمد بن المُنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكلِّ نبيٍّ حواريا، وحواريَّ الزُّبير ".

همام الصنعاني

تفسير : 762- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ}: [الآية: 111]، قال: قذف في قلوبهم. 763- عبد الرزاق، قال معمر وقال قتادة: الحواري: الوزير.