Verse. 781 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

اِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّوْنَ يٰعِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ ہَلْ يَسْتَطِيْعُ رَبُّكَ اَنْ يُّنَزِّلَ عَلَيْنَا مَاۗىِٕدَۃً مِّنَ السَّمَاۗءِ۝۰ۭ قَالَ اتَّقُوا اللہَ اِنْ كُنْتُمْ ￁مِنِيْنَ۝۱۱۲
Ith qala alhawariyyoona ya AAeesa ibna maryama hal yastateeAAu rabbuka an yunazzila AAalayna maidatan mina alssamai qala ittaqoo Allaha in kuntum mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع» أي يفعل «ربك» وفي قراءة بالفوقانية ونصب ما بعده أي تقدر أن تسأله «أن ينزل علينا مائدة من السماء قال» لهم عيسى «اتقوا الله» في اقتراح الآيات «إن كنتم مؤمنين».

112

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله {إِذَ قَالَ } وجهان: الأول: أوحيت إلى الحواريين إذ قال الحواريون الثاني: اذكر إذ قال الحواريون. المسألة الثانية: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } قرأ الكسائي {هَلُ تَسْتَطِيعَ } بالتاء {رَبَّكَ } بالنصب وبإدغام اللام في التاء، وسبب الادغام أن اللام قريب المخرج من التاء لأنهما من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا وبحسب قرب الحرف من الحرف يحسن الإدغام، وهذه القراءة مروية عن علي وابن عباس. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانوا أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع وإنما قالوا هل تستطيع أن تسأل ربك. وعن معاذ بن جبل: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم {هَلُ تَسْتَطِيعَ } بالتاء {رَبَّكَ } بالنصب والباقون يستطيع بالياء ربك برفع الباء وبالإظهار فأما القراءة الأولى فمعناها: هل تسطيع سؤال ربك؟ قالوا وهذه القراءة أولى من الثانية لأن هذه القراءة توجب شكهم في استطاعة عيسى، والثانية توجب شكهم في استطاعة الله، ولا شك أن الأولى أولى، وأما القراءة الثانية ففيها إشكال، وهو أنه تعالى حكى عنهم أنهم {أية : قَالُواْ ءامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } تفسير : [المائدة: 111] وبعد الإيمان كيف يجوز أن يقال إنهم بقوا شاكين في اقتدار الله تعالى على ذلك؟ والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى ما وصفهم بالإيمان والإسلام بل حكى عنهم ادعاءهم لهما ثم أتبع ذلك بقوله حكاية عنهم {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } فدل ذلك على أنهم كانوا شاكين متوقفين فإن هذا القول لا يصدر عمن كان كاملاً في الإيمان وقالوا: ونعلم أن قد صدقتنا وهذا يدل على مرض في القلب وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يدل على أنهم ما كانوا كاملين في الإيمان. والوجه الثاني: في الجواب أنهم كانوا مؤمنين إلا أنهم طلبوا هذه الآية ليحصل لهم مزيد الطُّمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام {أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } تفسير : [البقرة: 260] فإن مشاهدة مثل هذه الآية لا شك أنها تورث الطمأنينة ولهذا السبب قالوا وتطمئن قلوبنا. والوجه الثالث: في الجواب أن المراد من هذا الكلام استفهام أن ذلك هل هو جائز في الحكمة أم لا وذلك لأن أفعال الله تعالى لما كانت موقوفة على رعاية وجوه الحكمة ففي الموضع الذي لا يحصل فيه شيء من وجوه الحكمة يكون الفعل ممتنعاً فإن المنافي من جهة الحكمة كالمنافي من جهة القدرة، وهذا الجواب يتمشى على قول المعتزلة، وأما على قولنا فهو محمول على أن الله تعالى هل قضى بذلك وهل علم وقوعه فإنه إن لم يقض به ولم يعلم وقوعه كان ذلك محالاً غير مقدور لأن خلاف المعلوم غير مقدور. الوجه الرابع: قال السدي: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } أي هل يطيعك ربك إن سألته، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة. الوجه الخامس: لعلّ المراد بالرب: هو جبريل عليه السلام، لأنه كان يربيه ويخصه بأنواع الإعانة، ولذلك قال تعالى في أول الآية {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [المائدة: 110] يعني أنك تدعي أنه يريبك ويخصك بأنواع الكرامة، فهل يقدر على إنزال مائدة من السماء عليك. والوجه السادس: أنه ليس المقصود من هذا السؤال كونهم شاكين فيه بل المقصود تقرير أن ذلك في غاية الظهور كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول هل يقدر السلطان على إشباع هذا ويكون غرضه منه أن ذلك أمر جلي واضح، لا يجوز لعاقل أن يشك فيه، فكذا ههنا. المسألة الثالثة: قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد، إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها وقال ابن الأنباري سميت مائدة لأنها عطية من قول العرب: ماد فلان فلانا يميده ميداً إذا أحسن إليه، فالمائدة على هذا القول، فاعلة من الميد بمعنى معطية، وقال أبو عبيدة: المائدة فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية، وأصلها مميدة ميد بها صاحبها، أي أعطيها وتفضل عليه بها، والعرب تقول مادني فلان يميدني إذا أحسن إليه. ثم قال تعالى: {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وفيه وجهان: الأول: قال عيسى اتقوا الله في تعيين المعجزة، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم، ولأنه أيضاً اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة، وهو جرم عظيم. الثاني: أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سبباً لحصول هذا المطلوب، كما قال: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2، 3] وقال: {أية : يَٰـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } تفسير : [المائدة: 35] وقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يعني إن كنتم مؤمنين بكونه سبحانه وتعالى قادراً على إنزال المائدة فاتقوا الله لتصير تقواكم وسيلة إلى حصول هذا المطلوب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} على ما تقدّم من الإعراب. {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}. قراءة الكسائيّ وعليّ وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «هل تستطيع» بالتاء «ربَّك» بالنصب. وأدغم الكسائيّ اللام من «هل» في التاء. وقرأ الباقون بالياء، «رَبُّك» بالرفع، وهذه القراءة أشكل من الأولى؛ فقال السدي: المعنى هل يطيعك ربك إن سألته {أَن يُنَزِّلَ} فيستطيع بمعنى يطيع؛ كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكذلك استطاع بمعنى أطاع. وقيل المعنى: هل يقدر ربك، وكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله عز وجل؛ ولهذا قال عيسى في الجواب عند غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي لا تشكوا في قدرة الله تعالى. قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن الحواريين خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم كما قال: { أية : مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ } تفسير : [الصف: 14]. وقال عليه السلام: « حديث : لكل نبيّ حواري وحواري الزبير » تفسير : . ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بمعرفة الله تعالى وما يجب له وما يجوز وما يستحيل عليه وأن يبلغوا ذلك أممهم؛ فكيف يخفى ذلك على من باطنهم وٱختص بهم حتى يجهلوا قدرة الله تعالى؟ إلا أنه يجوز أن يقال: إن ذلك صدر ممن كان معهم، كما قال بعض جهال الأعراب للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ٱجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، وكما قال من قال من قوم موسى: { أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138] على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. وقيل: إن القوم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه لأنهم كانوا مؤمنين عارفين عالمين، وإنما هو كقولك للرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي وقد علمت أنه يستطيع، فالمعنى: هل يفعل ذلك؟ وهل يجيبني إلى ذلك أم لا؟ وقد كانوا عالمين باستطاعة الله تعالى لذلك ولغيره علم دلالة وخبر ونظر فأرادوا علم معاينة كذلك؛ كما قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم: { أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] على ما تقدّم، وقد كان إبراهيم علم لذلك علم خبر ونظر، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة، لأن علم النظر والخبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} كما قال إبراهيم: {وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}. قلت: وهذا تأويل حسن، وأحسن منه أن ذلك كان من قول من كان مع الحواريين؛ على ما يأتي بيانه. وقد أدخل ٱبن العربيّ المستطيع في أسماء الله تعالى، وقال: لم يرد به كتاب ولا سنة ٱسما وقد ورد فعلا، وذكر قول الحواريين: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}. ورده عليه ٱبن الحصّار في كتاب شرح السنة له وغيره؛ قال ابن الحصار: وقوله سبحانه مخبرا عن الحواريين لعيسى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} ليس بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطف في السؤال، وأدب مع الله تعالى؛ إذ ليس كل ممكن سبق في علمه وقوعه ولا لكل أحد، والحواريون هم كانوا خيرة من آمن بعيسى، فكيف يظنّ بهم الجهل باقتدار الله تعالى على كل شيء ممكن؟! وأما قراءة «التاء» فقيل: المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك، هذا قول عائشة ومجاهد ـ رضي الله عنهما؛ قالت عائشة رضي الله عنها: كان القوم أعلم بالله عز وجل من أن يقولوا {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} قالت: ولكن «هل تستطيع ربّك». وروي عنها أيضاً أنها قالت: كان الحواريون لا يشكون أن الله يقدر على إنزال مائدة ولكن قالوا: «هل تستطيع ربك». وعن معاذ بن جبل قال: أقرأنا النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : هل تستطيع ربك » تفسير : قال معاذ: وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم مراراً يقرأ بالتاء « حديث : هل تستطيع ربك » تفسير : . وقال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله. وقيل: هل تستطيع أن تدعو ربك أو تسأله؛ والمعنى متقارب، ولا بد من محذوف؛ كما قال: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} وعلى قراءة الياء لا يحتاج حذف. {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي اتقوا معاصيه وكثرة السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عند ٱقتراح الآيات؛ إذ كان الله عز وجل إنما يفعل الأصلح لعباده. {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم مؤمنين به وبما جئت به، فقد جاءكم من الآيات ما فيه غِنًى.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} منصوب بالذكر، أو ظرف لقالوا فيكون تنبيهاً على أن ادعاءهم الإِخلاص مع قولهم. {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء} لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة. وقيل هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإِرادة لا على ما تقتضيه القدرة. وقيل المعنى هل يطيع ربك أي هل يجيبك، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب. وقرأ الكسائي «تستطيع ربك» أي سؤال ربك، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف. والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام، من مادة الماء يميد إذا تحرك، أو من مادة إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليه ونظيرها قولهم شجرة مطعمة. {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} من أمثال هذا السؤال. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بكمال قدرته وصحة نبوتي، أو صدقتم في ادعائكم الإِيمان.

ابن كثير

تفسير : هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة، فيقال: سورة المائدة، وهي مما امتنّ الله به على عبده ورسوله عيسى لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزل الله آية باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصتها ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم، فقوله تعالى: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ} وهم أتباع عيسى عليه السلام: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون {هل تستطيع ربك} أي: هل تستطيع أن تسأل ربك {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} والمائدة: هي الخوان عليه الطعام، وذكر بعضهم: أنهم إنما سألوا ذلك؛ لحاجتهم وفقرهم، فسألوه أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها على العبادة {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: فأجابهم المسيح عليه السلام قائلاً لهم: اتقوا الله، ولا تسألوا هذا، فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين، {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها، {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} إذا شاهدنا نزولها رزقاً لنا من السماء، {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} أي: ونزداد إيماناً بك، وعلماً برسالتك {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} أي: ونشهد أنها الآية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوتك وصدق ما جئت به. {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا} قال السدي: أي: نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان الثوري: يعني: يوماً نصلي فيه. وقال قتادة: أرادوا أن يكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا. وقيل: كافية لأولنا وآخرنا {وَءَايَةً مِّنْكَ} أي: دليلاً تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، {وَٱرْزُقْنَا} أي: من عندك رزقاً هنيئاً بلا كلفة ولا تعب {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} أي: فمن كذب بها من أمتك يا عيسى، وعاندها، {فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي من عالمي زمانكم؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ} تفسير : [غافر: 46]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء: 145]، وقد روى ابن جرير من طريق عوف الأعرابي عن أبي المغيرة القّواس، عن عبد الله ابن عمرو قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثني حجاج عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى: أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه، فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا، ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً، ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا حين نفرغ طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل منها أولهم، كذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: كان ابن عباس يحدث، فذكر نحوه. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، حدثنا عقيل بن خالد: أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس: أن عيسى بن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل منها أولهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن جلاس، عن عمار بن ياسر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير» تفسير : وكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن قزعة، ثم رواه ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار قال: نزلت المائدة، وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبؤوا ولا يدخروا، قال: فخان القوم، وخبؤوا، وادخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير. وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود عن سماك بن حرب، عن رجل من بني عجل، قال: صليت إلى جانب عمار بن ياسر، فلما فرغ، قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى بن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد، قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبؤوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم، فإني معذبكم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. قال: فما مضى يومهم حتى خبؤوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذاباً لم يعذبه أحد من العالمين. وإنكم يا معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولاً من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكنزوا الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما، ويعذبكم الله عذاباً أليماً. وقال: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج عن أبي معشر، عن إسحاق بن عبد الله: أن المائدة، نزلت على عيسى بن مريم، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات، يأكلون منها، ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غداً، فرفعت. وقال العوفي عن ابن عباس: نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا. وقال خصيف، عن عكرمة ومقسم، عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأرغفة، وقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبزاً وسمكاً. وقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء. وقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل. وقال وهب بن منبه: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم وأفضلوا. وقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم. وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة وجرير، عن عطاء، عن ميسرة، قال: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل، اختلفت عليها الأيدي بكل طعام، إلا اللحم. وعن عكرمة: كان خبز المائدة من الأرز، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى بني عبد الدار، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الخير، أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى بن مريم المائدة، كره ذلك جداً، فقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم، كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} الآية، فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام، فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته، قام قائماً مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك، دعا الله فقال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضّة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفاً من أجل الشروط التي أخذها الله عليهم فيها، أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة لهم، ولا تجعلها عذاباً، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، اللهم إني أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة. فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجداً؛ شكراً له لما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون، فرأوا أمراً عجيباً أورثهم كمداً وغماً، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى، فقال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه، فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها، فقام عيسى عليه السلام واستأنف وضوءاً جديداً، ثم دخل مصلاه، فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلاً، ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً، ثم انصرف وجلس إلى السفرة، وتناول المنديل، وقال: باسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها بسمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، ليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلاً، قد نُضِّدَ بها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالاً يا بن الصديقة، فقال عيسى عليه السلام: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له: كن، فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله، واحمدوا عليه ربكم، يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر، فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية، فقال عيسى: سبحان الله أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى عليه السلام على السمكة، فقال: يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها، لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها، وانحازوا، فلما رأى عيسى منهم ذلك قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول، فقالوا: يا عيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد، فقال عيسى: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل من طلبها، فلما رأى الحواريون وأصحابه امتناع عيسى منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة، وفي أكلها مثلة، فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى منهم دعا لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون، فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء، لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرىء كل زمن أكل منها، فلم يزالوا أغنياء أصحاء حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال: وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك، أقبل بنو إسرائيل إليها يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضاً، الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضاً، فلما رأى ذلك، جعلها نوباً بينهم، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، فلبثوا على ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحىٰ، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قاموا، ارتفعت عنهم إلى جو السماء بإذن الله، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى تتوارى عنهم. قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى عليه السلام: أن اجعل رزقي في المائدة للفقراء، واليتامى، والزمنى، دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك، ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغمطوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق؟ فإنه قد ارتاب بها منا بشر كثير، فقال عيسى عليه السلام: هلكتم وإله المسيح طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل، وأنزلها عليكم رحمة لكم ورزقاً، وأراكم فيها الآيات والعبر، كذبتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم، إلا أن يرحمكم الله، فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي؛ فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. قال: فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل، مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات. هذا أثر غريب جداً، قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم وأكمل، والله سبحانه وتعالى أعلم. وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابن مريم؛ إجابة من الله لدعوته، كما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} الآية. وقد قال قائلون: إنها لم تنزل، فروى ليث بن أبي سليم عن مجاهد في قوله: {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}، قال: هو مثل ضربه الله، ولم ينزل شيء، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم قال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا القاسم هو ابن سلام، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل عليهم، وقال أيضاً: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور بن زاذان عن الحسن أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل. وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل، وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا يعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت، لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجوداً في كتابهم متواتراً، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم، ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى: {إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق، وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلىء وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس، فتعجبوا منها كثيراً؛ لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة، ويقال: إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود عليهما السلام، فالله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً، ونؤمن بك. قال: «حديث : وتفعلون؟» تفسير : قالوا: نعم. قال: فدعا، فأتاه جبريل، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر منهم بعد ذلك، عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن شئت، فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: «حديث : بل باب التوبة والرحمة» تفسير : ثم رواه أحمد وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ } أي يفعل {رَبَّكَ } وفي قراءة بالفوقانية ونصب ما بعده [هل يستطيع ربك] أي تقدر أن تسأله {أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ قَالَ } لهم عيسى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في اقتراح الآيات {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ } الظرف منصوب بفعل مقدر، أي، اذكر أو نحوه كما تقدّم، قيل والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم. قرأ الكسائي "هَل تَسْتَطِيعَ" بالفوقية، ونصب "ربك"، وبه قرأ عليّ وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد. وقرأ الباقون بالتحتية ورفع "ربك" واستشكلت القراءة الثانية بأنه قد وصف سبحانه الحواريين بأنهم قالوا: {أية : آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} تفسير : [المائدة: 111] والسؤال عن استطاعته لذلك ينافي ما حكوه عن أنفسهم. وأجيب بأن هذا كان في أوّل معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله، ولهذا قال عيسى في الجواب عن هذا الاستفهام الصادر منهم، {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي لا تشكوا في قدرة الله. وقيل: إنهم ادّعوا الإيمان والإسلام دعوى باطلة، ويردّه أن الحواريين هم خلصاء عيسى وأنصاره، كما قال: {أية : مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 52] وقيل: إن ذلك صدر ممن كان معهم، وقيل: إنهم لم يشكوا في استطاعة البارىء سبحانه، فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك، وإنما هو كقول الرجل: هل يستطيع فلان أن يأتي؟ مع علمه بأنه يستطيع ذلك ويقدر عليه، فالمعنى: هل يفعل ذلك وهل يجيب إليه؟ وقيل إنهم طلبوا الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : الآية [البقرة: 260]. ويدل على هذا قولهم من بعد {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } وأما على القراءة الأولى، فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ قال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله؟ فهو من باب: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82]، والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، من ماده: إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه قاله قطرب وغيره. وقيل هي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة، فأجابهم عيسى عليه السلام بقوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي اتقوه من هذا السؤال، وأمثاله إن كنتم صادقين في إيمانكم، فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه الصفة؛ وقيل: إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبوه. قوله: {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } بينوا به الغرض من سؤالهم نزول المائدة، وكذا ما عطف عليه من قولهم: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ } والمعنى: تطمئن قلوبنا بكمال قدرة الله، أو بأنك مرسل إلينا من عنده، أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه، ونعلم علماً يقيناً بأنك قد صدقتنا في نبوّتك، ونكون عليها من الشاهدين عند من لم يحضرها من بني إسرائيل، أو من سائر الناس، أو من الشاهدين لله بالوحدانية، أو من الشاهدين، أي الحاضرين دون السامعين. ولما رأى عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة قال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } أي كائنة أو نازلة من السماء، وأصل اللهمّ عند سيبويه وأتباعه: ياالله، فجعلت الميم بدلاً من حرف النداء، وربنا نداء ثان، وليس بوصف، و{تَكُونُ لَنَا عِيداً } وصف لمائدة. وقرأ الأعمش «يكون لنا عيدا» أي يكون يوم نزولها لنا عيداً. وقد كان نزولها يوم الأحد، وهو يوم عيد لهم والعيد واحد الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد. وقيل للفرق بينه وبين أعواد جمع عود، ذكر معناه الجوهري. وقيل أصله من عاد يعود أي رجع، فهو عود بالواو، وتقلب ياء لانكسار ما قبلها، مثل الميزان والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان، لأنهما يعودان في كل سنة. وقال الخليل: العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه. قوله: {لأِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } بدل من الضمير في {لنا} بتكرير العامل أي لمن في عصرنا ولمن يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم. قوله: {وَآيَةً مِّنْك} عطف على {عيداً}: أي دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك، وصحة إرسالك من أرسلته {وَٱرْزُقْنَا } أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة، أو ارزقنا رزقاً نستعين به على عبادتك {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطى سواك، فأجاب الله سبحانه سؤال عيسى عليه السلام فقال: {إِنّى مُنَزّلُهَا } أي المائدة {عَلَيْكُمْ }. وقد اختلف أهل العلم هل نزلت عليهم المائدة أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأوّل وهو الحق، لقوله سبحانه {إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } ووعده الحق وهولا يخلف الميعاد. وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله لخلقه نهياً لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه، وقال الحسن: وعدهم بالإجابة، فلما قال: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } استغفروا الله وقالوا لا نريدها. قوله: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أي بعد تنزيلها {فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً } أي تعذيباً {لاَّ أُعَذّبُهُ } صفة لـ {عذاباً}، والضمير عائد إلى العذاب بمعنى التعذيب، أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب {أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } قيل: المراد عالمي زمانهم. وقيل جميع العالمين، وفي هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عائشة قالت: كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } إنما قالوا: هل تستطيع أنت ربك أن تدعوه، ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه، والطبراني وابن مردويه، عن معاذ بن جبل أنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم "هَلُ تَسْتَطِيعَ رَبَّكَ" بالتاء يعني الفوقية. وأخرج أبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، أنه قرأها كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال: المائدة الخوان، وتطمئن: توقن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في قوله: {تَكُونُ لَنَا عِيداً } يقول: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن، ومن بعدنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس: أنه كان يحدّث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟ فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا {فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً } إلى قوله: {أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات، وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا لغد، فخافوا وادّخروا، ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير» تفسير : وقد روي موقوفاً على عمار. قال الترمذي: والوقف أصح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المائدة سمكة وأرغفة. وأخرج ابن جرير من طريق العوفيّ عنه قال: نزلت على عيسى ابن مريم، والحواريين، خوان عليه سمك وخبز، يأكلون منه أينما تولوا إذا شاءوا. وأخرج ابن جرير نحوه عنه من طريق عكرمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة، والمنافقون، وآل فرعون.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحوَارِيُّونَ يَا عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ}، قرأ الكسائي وحده {هل تَّستطيع ربَّك} بالتاء والإِدغام، وربك بالنصب، وفيها وجهان: أحدهما: معناه هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، قاله الزجاج. والثاني: هل تستطيع أن تسأل ربك، قاله مجاهد، وعائشة. وقرأ الباقون {هل يستطيع ربك} بالياء والإِظهار، وفي ذلك التأويل ثلاثة أوجه: أحدها: هل يقدر ربك، فكان هذا السؤال في ابتداء أمرهم قبل استحكام معرفتهم بالله تعالى. والثاني: معناه هل يفعل ربك، قاله الحسن، لأنهم سموا بالحواريين بعد إيمانهم. والثالث: معناه هل يستجيب لك ربك ويطيعك. {أَن يُنَزِّلَ عَلَينَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ} قاله السدي، قال قطرب: والمائدة لا تكون مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل: خِوان، وفي تسميتها مائدة وجهان: أحدهما: لأنها تميد ما عليها أي تعطي، قال رؤبة: شعر : ................................ إلى أمير المؤمنين الممتاد تفسير : أي المستعطي. والثاني: لحركتها بما عليها من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرك، قال الشاعر: شعر : لعلك باك إن تغنت حمامة يميد غصن من الأيك مائل تفسير : {قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فيه قولان: أحدهما: يعني اتقوا معاصي الله إن كنتم مؤمنين به، وإنما أمرهم بذلك لأنه أولى من سؤالهم. والثاني: يعني اتقوا الله فى سؤال الأنبياء إما طلباً لِعَنَتِهِم وإما استزادة للآيات منهم، إن كنتم مؤمنين بهم ومصدقين لهم لأن ما قامت به دلائل صدقهم يغنيكم عن استزادة الآيات منهم. قوله تعالى: {قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا} وهذا اعتذار منهم بَيَّنُوا به سبب سؤالهم حين نهوا عنه فقالوا: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا}. يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم أرادوا الأكل منها للحاجة الداعية إليها. والثاني:أنهم أرادوه تبركاً بها لا لحاجة دعتهم إليها، وهذا أشبه لأنهم لو احتاجوا لم ينهوا عن السؤال. {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: تطمئن إلى أن الله تعالى قد بعثك إلينا نبياً. والثاني: تطمئن إلى أن الله تعالى قد اختارنا لك أعواناً. والثالث: تطمئن إلى أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا. {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} في أنك نبي إلينا، وذلك على الوجه الأول. وعلى الوجه الثاني: صدقتنا في أننا أعوان لك. وعلى الوجه الثالث: أن الله قد أجابنا إلى ما سألنا. وفي قولهم {وَنَعْلَمَ} وجهان: أحدهما: أنه علم مستحدث لهم بهذه الآية بعد أن لم يكن، وهذا قول من زعم أن السؤال كان قبل استحكام المعرفة. والثاني: أنهم استزادوا بذلك علماً إلى علمهم ويقيناً إلى يقينهم، وهذا قول من زعم أن السؤال كان بعد التصديق والمعرفة. {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} يحتمل وجهين. أحدهما: من الشاهدين لك عند الله بأنك قد أديت ما بعثك به إلينا. والثاني: من الشاهدين عند من يأتي من قومنا بما شاهدناه من الآيات الدالة على أنك نبي إليهم وإلينا. قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ} إنما زيدت الميم في آخر اللهم مثقلة عوضاً عن حرف النداء، فلم يجز أن يدخل عليه حرف النداء فلا يقال يا اللهم لأن الميم المُعَوِّضة منه أغنت عنه، فأما قول الشاعر: شعر : وما عليك أن تقولي كلما سبحت أو هللت يا اللهم أردد علينا شيخنا مسلما فإننا من خيره لن نعْدَما تفسير : فلأن ضرورة الشعر جوزته. سأل عيسى ربه، أن ينزل عليهم المائدة التي سألوه، وفي سؤاله وجهان: أحدهما: أنه تفضل عليهم بالسؤال، وهذا قول من زعم أن السؤال بعد استحكام المعرفة. والثاني: أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم، وهذا قول من زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة. {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة والسدي. وقيل: إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية، ولذلك جعلوا الأحد عيداً. والثاني: معناه عائدة من الله تعالى علينا، وبرهاناً لنا ولمن بعدنا. والثالث: يعني نأكل منها جميعاً، أولنا وآخرنا، قاله ابن عباس. {وَءَايَةً مِّنكَ} يعني علامة الإِعجاز الدالة على توحيدك وقيل التي تدل على صدق أنبيائك. الشكر على ما أنعمت به علينا من إجابتك، وقيل: أرزقنا ذلك من عندك. قوله تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} وهذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين. واختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه، ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه، قاله مجاهد. والثاني: أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة، فلما قال لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} استعفوا منها فلم تنزل عليهم، قاله الحسن. والثالث: أنهم سألوا فأجابهم، ولم يستعفوا، لأنه ما حكى الاستعفاء عنهم، ثم أنزلها عليهم، لأنه قد وعدهم، ولا يجوز أن يخلف وعده. ومن قال بهذا اختلفوا في الذي كان عليها حين نزلت على ستة أقاويل: أحدها: أنه كان عليها ثمار الجنة، قاله قتادة. والثاني: أنه كان عيها خبز ولحم، قاله عمار بن ياسر. والثالث: أنه كان عليها سبعة أرغفة، قاله إسحاق بن عبد الله. والرابع: كان عليها سمكة فيها طعم كل الطعام، قاله عطاء، وعطية. والخامس: كان عليها كل طعام إلا اللحم، قاله ميسرة. والسادس: رغيفان وحوتان، أكلو منها أربعين يوماً في سفرة، وكانوا ومن معهم نحو خمسة آلاف، قاله جويبر. وأُمِرُوا أن يأكلوا منها ولا يخونوا ولا يدخروا، فخانوا وادخروا فَرُفِعَتْ. وفي قوله تعالى: {... عَذَاباً لاَّأُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} قولان: أحدهما: يعني من عالمي زمانهم. والثاني: من سائر العالمين كلهم. وفيهم قولان: أحدهما: هو أن يمسخهم قردة، قاله قتادة. والثاني: أنه جنس من العذاب لا يعذب به غيرهم لأنهم كفروا بعد أن رأوا من الآيات ما لم يره غيرهم، فكانوا أعظم كفراً فصاروا أعظم عذاباً. وهل هذا العذاب في الدنيا أو في الآخرة؟ قولان: وفي الحواريين قولان: أحدهما: أنهم خواص الأنبياء. والثاني: أنهم المندوبون لحفظ شرائعهم إما بجهاد أو علم. وفي تسميتهم بذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: لبياض ثيابهم، وهذا قول ابن عباس، تشبيهاً بما هم عليه من نقاء سرائرهم، قاله الضحاك، وهو بلغة القبط حواري. والثاني: لنظافة ثيابهم وطهارتها بطهارة قلوبهم. والثالث: بجهادهم عن أنبيائهم، قال الشاعر: شعر : ونحن أناس نملأ البيد مأمنا ونحن حواريون حين نزاحف

ابن عبد السلام

تفسير : {يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله أو هل تستطيع سؤال ربك {يَسْتَطِيعُ} يقدر، أو يفعل، أو يجيبك ويطيعك. (المائدة) ما عليها طعام فإن لم يكن فهي خوان سميت مائدة، لأنها تميد ما عليها أي تعطيه. {اتَّقُواْ اللَّهَ} معاصيه، أو أن تسألوا الأنبياء الآيات عنتاً، أو طلباً لاستزادتها. {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي مصدقين بهم أغناكم دلائل صدقهم عن آيات أُخر.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ...} الآية: اعتراضٌ أثناء وَصْفِ حالِ قول اللَّه لعيسَىٰ يوم القيامة، مضمَّن الاعتراضِ إخبارُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأمته بنازلةِ الحواريِّين في المائدة، إذ هي مثالٌ نافعٌ لكلِّ أُمَّة مع نبيِّها تقتدِي بمحاسِنِهِ، وتزدجرُ عمَّا ينفُر منه مِنْ طلب الآياتِ ونحوه، وقرأ الجمهورُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ ربُّك» ـــ بالياءِ ورَفْعِ الباءِ ـــ من «رَبُّكَ»، والمعنى: هلْ يفعلُ ربُّك هذا، وهلْ تَقَعُ منه إجابةٌ إليه، ولم يكُنْ منهم هذا شَكًّا في قدرة اللَّه سبحَانَهُ؛ إذ هم أعرفُ باللَّه مِنْ أنْ يشكُّوا في قُدْرته، وقرأ الكسائيُّ: «هلْ تسْتَطِيعُ رَبَّكَ» ـــ بالتاء ونصبِ الباءِ مِنْ «رَبَّكَ» ـــ، والمعنى: هل تَسْتطيعُ سؤَالَ ربِّك، وأدغم اللام في التاء، أعني الكسائيَّ، وقال قومٌ: قال الحواريُّون هذه المقالةَ فِي صَدْر الأمر قبل عِلْمهم بأنه يُبْرِىءُ الأكمه والأبْرَصَ، ويُحْيِـــي الموتَىٰ، ويظهر من قوله ـــ عليه السلام ـــ: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: إنكارٌ لقولهم، وٱقتراحِهِمُ الآياتِ، والتعرُّضِ لسَخطِ اللَّه بها، وقلَّةِ طُمَأْنينتهم إلَىٰ ما قد ظهر، ولمَّا خاطبهم ـــ عليه السلام ـــ بهذه المخاطَبَة، صرَّحوا بمقاصدهم الَّتي حملَتْهم علَىٰ طَلَب المائدةِ، فقالوا: {نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا}؛ فنَشْرُفَ في العالَم، {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا}، أي: تسكُنَ فِكرُنَا في أمرك بالمعايَنَةِ لأَمْرٍ نازلٍ من السماء بأعيننا، {وَنَعْلَمَ} علْمَ الضرورةِ والمشاهدةِ؛ {أَن قَدْ صَدَقْتَنَا}؛ فلا تَعْرِضُنا الشُّبَهُ التي تَعْرِضُ في عِلْم الاستدلالِ؛ وهذا يؤيِّد أنَّ مقالتهم كانَتْ في مبدأ أَمْرهم، ثم ٱستمرُّوا على إيمانهم، وصَبَرُوا، وهَلَكَ مَنْ كَفَر، وقولهم: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، أي: من الشاهدينَ بهذه النازلةِ، النَّاقلين لها إلى غيرنا الدَّاعين إلى هذا الشَّرْع؛ بسببها، ورُوِيَ أن الذي نَحَا بهم هذا المنحَىٰ مِنَ الٱقتراحِ هو أنَّ عيسَىٰ قال لهم مرَّةً: «هَلْ لَكُمْ فِي صِيَامِ ثَلاَثِينَ يَوْماً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، ثُمَّ إنْ سَأَلْتُمُوهُ حَاجَةً، قَضَاهَا»، فَلَمَّا صَامُوهَا، قَالُوا: يا معلِّم الخَيْر، إنَّ حقَّ مَنْ عمل عملاً أنْ يُطْعَمَ، فَهَلْ يستطيعُ ربُّكَ، فأرادوا أنْ تكون المائدةُ عِيدَ ذلك الصَّوْم.

ابن عادل

تفسير : في "إذ" وجهان: أحدهما: أوحيتُ إلى الحواريِّين، إذ قال الحَوَارِيُّونَ. الثاني: اذكر إذْ قال الحوارِيُّون. قرأ الجمهورُ "يَسْتَطِيعُ" بياء الغيبة "رَبُّكَ" مرفوعاً بالفاعلية، والكسائيُّ: "تَسْتَطِيعُ" بتاء الخطاب لعيسى، و"رَبَّكَ" بالنصب على التعظيم، وقاعدتُه أنه يُدْغِمُ لام "هلْ" [في أحرف منها هذا المكان، وبقراءة الكسائيِّ قرأتْ عائشةُ، وكانت تقول: "الحواريُّونَ أعْرَفُ بالله] مِنْ أن يقولوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبُّكَ" وإنما قالوا: هَلْ تستطيعُ أن تَسْأل رَبَّكَ؛ كأنها - رضي الله عنها - نَزهَتْهُمْ عن هذه المقالةِ الشنيعة أنْ تُنْسَبَ إليهم، وبها قرأ معاذٌ أيضاً وعليٌّ وابن عبَّاس وسعيدُ بنُ جُبَيْر قال معاذ رضي الله تعالى عنه: أقرأنِي رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "هل تَسْتَطِيعُ رَبكَ" بالتَّاء. وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة: هل تحتاجُ إلى حَذْفِ مضافٍ أم لا؟ فجمهور المُعْربين يقدِّرونَ: هل تستطيع سُؤال رَبِّكَ، وقال الفارسيُّ: "وقد يُمْكِنُ أنْ يُسْتغنَى عن تقدير "سُؤالَ" على أن يكون المعنى: هَلْ تستطيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بدُعَائِكَ، فيردُّ المعنى - ولا بد - إلى مقدَّر يدلُّ عليه ما ذُكِر من اللفظ"، قال أبو حيان: "وما قاله غيرُ ظاهرٍ؛ لأنَّ فعله تعالى، وإنْ كان مسبَّباً عن الدعاءِ، فهو غيرُ مقدورٍ لعيسى". واختار أبو عُبَيْد هذه القراءةَ، قال: "لأنَّ القراءة الأخرى تُشْبِهُ أن يكونَ الحواريُّون شَاكِّينَ، وهذه لا تُوهِمُ ذلك"، قال شهاب الدين: وهذا بناء من الناسِ على أنهم كانوا مؤمِنينَ، وهذا هو الحَقُّ. قال ابن الأنباري: "لا يجوزُ لأحد أن يتوَهَّم على الحواريِّين؛ أنهم شَكُّوا في قُدْرة الله تعالى"، وبهذا يَظْهَرُ أنَّ قول الزمخشريِّ أنهم ليسوا مؤمنينَ ليس بجيِّدٍ، وكأنه خارقٌ للإجْماعِ، قال ابن عطية: "ولا خلاف أحفظُه أنَّهم كانوا مُؤمِنِينَ"، فأمَّا القراءةُ الأولى، فلا تَدُلُّ له؛ لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبةٍ، منها: أنَّ معناه: هل يَسْهُلُ عليكَ أن تَسْألَ رَبَّكَ؛ كقولك لآخر: هَلْ تستطيعُ أن تَقُومَ؟ وأنت تعلمُ استطاعته لذلك، ومنها: أنهم سألُوهُ سؤال مستَخْبِرٍ: هل يُنَزِّلُ أم لا، فإن كان يُنَزِّلُ فاسأله لنا، ومنها: أنَّ المعنى هل يفعلُ ذلك، وهل يقع منه إجابةٌ لذلك؟ ومنه ما قيل لعبد الله بن زَيْدٍ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيني كيف كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَتَوضَّأُ؟ أي: هل تُحِبُّ ذلك؟ وقيل المعنى: هل يَطْلُب ربُّكَ الطاعةَ من نُزُولِ المائدةِ؟ قال أبو شَامَة: مثلُ ذلك في الإشْكال ما رواه الهَيْثَمُ - وإن كان ضعيفاً - عن ثابتٍ عن أنس - رضي الله عنهما - "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عادَ أبا طالبٍ في مرض، فقال: يَا ابْنَ أخِي، ادعُ رَبَّكَ الذي تَعْبُدُهُ فَيُعَافيني، فقال: اللهُمَّ اشْفِ عَمِّي، فقام أبو طالبٍ، كأنما نَشِطَ من عقالٍ، فقال: يا ابْنَ أخِي، إنَّ ربَّكَ الذي تَعْبُدُ ليُطِيعُكَ، قال: وأنْتَ يا عَمَّاه، لو أطَعْتَهُ، أو: لَئِنْ أطَعْتَ اللَّهَ، لَيُطِيعَنَّكَ"تفسير : ، أي: لَيجيبَنَّكَ إلى مقْصُودك، قال شهاب الدين: والذي حَسَّنَ ذلك المقابلةُ منه صلى الله عليه وسلم للفْظِ عَمِّهِ، كقوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54] وقيل: التقدير: هَلْ يُطِيعُ؟ فالسينُ زائدة؛ كقولهم: اسْتَجَابَ وأجَابَ، قال: [الطويل] شعر : 2086- وَدَاعٍ دَعَا يا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ تفسير : وبهذه الأجوبةِ يُستغنى عن قولِ من قال: "إنَّ "يَسْتَطِيع" زائدةٌ"، والمعنى: هل يُنَزِّلُ رَبُّكَ؛ لأنَّه لا يُزادُ من الأفعال إلاَّ ["كَانَ" بشرطَيْنِ، وشَذَّ زيادةُ غيرها في مواضعَ عَدَدْتُها في غيرِ هذا الكتاب، على أنَّ الكوفيِّين يُجيزُون زيادةَ بعض الأفعال] مطلقاً، حَكَوْا: "قَعَدَ فلانٌ يَتَهَكَّمُ بِي"؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 2087- عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ تفسير : وحكى البصريُّون على وجْه الشُّذُوذِ: "مَا أصْبَحَ أبْرَدَهَا، ومَا أمْسَى أدْفَأهَا" يعنون الدُّنْيَا. قال ابنُ الخطيبِ: وأمَّا القراءَةُ الثَّانِيَةُ ففيها إشْكَالٌ، وهو أنَّهُ تعالى حَكَى عنهُم أنَّهم قالُوا: "آمنَّا واشهدْ بأنَّا مُسْلمُون"، وبعد الإيمانِ كَيْفَ يَجُوزُ أن يقال: إنهم بقوا شاكِّين في اقتدار اللَّهِ على ذلك؟. والجوابُ عنه من وُجُوهٍ: الأول: أنَّهُ - تبارك وتعالى - ما وَصَفَهُم بالإيمان والإسلام بل حَكَى عنهم ادِّعَاءَهم لَهُمَا، ثمَّ تَبعَ ذلك بقوله - حِكَايةً عَنْهُم - {هَلْ يسْتَطيعُ ربُّكَ أَن يُنَزِّلَ علَيْنَا مَائِدَةً من السَّماءِ}؟ فدلَّ ذلك على أنَّهُم كَانُوا شاكِّين مُتَوقِّفِين، فإنَّ هذا اللَّفْظَ لا يَصْدُر مِمَّنْ كان كَامِلاً في الإيمان. وقالوا:{وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا}، وهذا يَدُلُّ على مَرَضٍ في القَلْب، وكذا قَوْلُ عيسى - عليه الصلاة والسلام - لهم: {اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤمنين}، يَدُلُّ على أنَّهُم ما كانوا كامِلِين في الإيمان. الثاني: أنَّهُم كانوا مُؤمِنين إلاَّ أنَّهُم طَلَبُوا هذه الآية لِيحْصُلَ لهم مَزِيد الطمأنينة، فلهذا السَّبِب قالوا: "وتَطْمئنَّ قُلُوبنا". الثالث: أنَّ مُرادَهُمُ استفهام أن ذلك هل هو كافٍ في الحِكْمةِ أم لا؟ وذلك لأنَّ أفْعَال اللَّهِ تعالى لمَّا كَانَتْ مَوْقُوفَةً على رِعايَةِ وجُوهِ الحكمة، فَفِي الموْضِع الَّذِي لا يَحْصُل فيه شَيْءٌ من وُجُوهِ الحِكْمَةِ يكونُ الفِعْلُ مُمْتَنِعاً، فإنَّ المُنَافيَ من جِهَةِ الحكمة كالمنافي جِهَة القُدْرَةِ، وهذا الجوابُ يَتَمَشَّى على قَوْلِ المُعْتَزِلَة. وأمَّا على قَوْلِنا فهو مَحْمُولٌ على أنَّه تَبارك وتعالى هل قَضَى بذلك؟ وهل عَلِمَ وُقُوعه؟ فإن لَمْ يَقْضِ به، ولَمْ يعلم وُقُوعه كان ذلك محالاً غيْرَ مَقْدُورٍ؛ لأن خلافَ المَعْلُوم غَيْرُ مَقْدُورٍ. الرابع: قال السديُّ: إن السِّين زَائِدةٌ، على أنَّ اسْتَطَاع بمعنى أطاعَ كما تقدَّم. الخامس: لعل المُرادَ بالرَّبِّ جِبْرِيل؛ لأنَّهُ كان يُرَبِّيهِ ويَخُصُّهُ بأنْوَاع الإعَانَةِ، لقوله - تبارك وتعالى - في أوَّلِ الآية {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} تفسير : [المائدة: 110]، والمعنى: أنَّك تَدَّعِي أنه يُرَبِّيك، ويَخُصُّكَ بأنْوَاع الكَرَامَةِ، فهل يقدر على إنْزَالِ مَائِدَةٍ من السَّمَاءِ عَلَيْك؟. السادس: ليْسَ المَقْصُود من هذا السُّؤال كونَهُم شاكِّين فيه، بل المَقْصُود تَقْرِير أن ذلك في غاية الظُّهُور، كمن يَأخُذُ بِيَدِ ضعيفٍ، ويقول: هل يَقْدِر السُّلْطَان على إشْبَاع هذا، وبكون غَرَضُه أنَّ ذلكَ أمْرٌ واضِحٌ لا يجُوزُ للعَاقِل أن يَشُكَّ فيه. قوله "أن يُنَزِّلَ" في قراءةِ الجماعة في محلِّ نصب مفعولاً به، أي: الإنْزالَ، وقال أبو البقاء - رحمه الله تعالى -: والتقدير: على أن يُنَزِّلَ، أو في أن يُنَزِّلَ، ويجوزُ ألاَّ يحتاج إلى حرف جرٍّ على أن يكون "يَسْتَطِيع" بمعنى "يُطِيقُ" [قلت: إنما احتاج إلى تقدير حَرْفي الجَرِّ في الأول؛ لأنه حمل الاستطاعة على الإجابة، وأمَّا قوله أخيراً: إنَّ "يَسْتَطيعُ" بمعنى "يُطِيقُ"] فإنما يَظْهرُ كلَّ الظهورِ على رأي الزمخشريِّ من كونهم ليسوا بمؤمنين، وأمَّا على قراءةِ الكسائيِّ، فقالوا: هي في محلِّ نصْبٍ على المفعولية بالسؤالِ المقدَّر، أي: هلْ تستطيعُ أنت أن تسألَ ربَّكَ الإنْزالَ، فيكون المصدرُ المقدَّرُ مضافاً لمفعوله الأوَّل، وهو "رَبُّكَ"، فلمَّا حُذِفَ المصدرُ، انتصب، وفيه نظرٌ؛ من أنهم أعمَلُوا المصدر مضمراً، وهو لا يجوزُ عند البصريِّين، يُؤوِّلُونَ ما وردَ ظاهرُه ذلك، ويجوز أن يكون "أنْ يُنَزِّلَ" بدلاً من "رَبُّكَ" بدل اشتمالٍ، والتقديرُ: هل تستطيعُ، أي: هل تُطِيقُ إنزال الله تعالى مائدةً بسببِ دعائِكَ؟ وهو وجهٌ حسن. و"مَائِدَةً" مفعول "يُنَزِّلُ"، والمائدة: الخِوانُ عليه طعامٌ، فإن لم يكن عليه طعامٌ فليست بمائدةٍ، هذا هو المشهور، إلا أن الراغب قال: "والمائدةُ: الطبقُ الذي عليه طعامٌ، ويقال لكلِّ واحدٍ منها مائدةٌ"، وهو مخالفٌ لما عليه المعظمُ، وهذه المسألة لها نظائرُ في اللغة، لا يقال للخوانِ مائدةٌ إلا وعليه طعامٌ، وإلا فهو خوانٌ، ولا يقال كأسٌ إلا وفيها خَمْرٌ، وإلا فهي قدحٌ، ولا يقال ذنُوبٌ وسَجْلٌ إلا وفيه ماء، وإلا فهو دَلْو، ولا يقال جرابٌ إلا وهو مدبوعٌ وإلا فهو إهابٌ، ولا قَلَمٌ إلاَّ وهو مَبْريٌّ وإلا فهو أنْبُوبٌ، واختلف اللغويون في اشتقاقها، فقال الزجَّاج - رحمه الله تعالى -: "هي من مَادَ يَمِيدُ إذا تحرَّك، ومنه قوله: {أية : رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ} تفسير : [الأنبياء: 31] ومنه: مَيْدُ البَحْرِ"، وهو ما يُصِيبُ راكبَه، فكأنها تميدُ بما عليها من الطعام. وقال أهلُ الكوفة: لأنها تميدُ بالآكِلِينَ، قال الزجَّاج - رحمه الله تعالى -: "وهي فاعِلةٌ على الأصلِ"، وقال أبو عُبَيْدٍ: "هي فَاعِلَةٌ بمعنى مفعُولَة مشتقَّةٌ من مادهُ بمعنى أعْطَاهُ، وامتادَهُ بمعنى اسْتَعْطَاهُ، فهي بمعنى مَفْعُولَة"، قال: "كَعِيشَةٍ راضيةٍ" وأصلُها أنها ميدَ بها صاحبُها، أي: أعْطِيَهَا، والعربُ تقول: مَادَنِي فلانٌ يَمِيدُنِي، إذا أدَّى إليَّ وأعْطَانِي وقال أبو بَكْرِ بنُ الأنباريِّ: "سُمِّيتْ مائدةً؛ لأنها غياثٌ وعطاءٌ، من قول العرب: مَادَ فلانٌ فُلاناً إذا أحْسَنَ إلَيْه" وأنشد: [السريع] شعر : 2088- إلى أميرِ المُؤمِنِينَ المُمْتَادْ تفسير : أي: المُحْسنِ لرعيَّته، وهي فاعلةٌ من المَيْدِ بمعنى مُعْطِيَةٍ، فهو قريبٌ من قولِ أبِي عُبَيْدٍ في الاشتقاقِ، إلا أنَّها عنده بمعنى فاعلةٍ على بابها، وابنُ قتيبة وافق أبا عُبَيْدٍ في كونها بمعنى مَفْعُولَة، قال: "لأنَّها يُمَادُ بها الآكلُونَ أي يُعْطَوْنَهَا"، وقيل: هي من المَيْدِ، وهو الميلُ، وهذا هو معنى قول الزجَّاج. قوله تعالى: "مِنَ السَّماءِ" يجوز أنْ يتعلَّق بالفعلِ قبله، وأنْ يتعلَّق بمحذوف؛ على أنه صفةٌ لـ "مَائِدَة"، أي: مائدةً كَائِنَةً من السَّماءِ، أي: نازلةً منها. قوله تعالى: {قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}: فلا تَشكُّوا في قُدْرَة الله - تعالى -. وقيل: اتَّقُوا الله أن تَسْألُوه شَيْئاً لَمْ تسْأله الأمَمُ السَّابِقَة من قَبْلِكُم، فَنَهَاهم عن اقْتِراحِ الآيَات بَعْدَ الإيمان. وقيل: أمَرَهُمْ بالتَّقْوى سَبَباً لِحُصُول هذا المَطْلُوب، كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [المائدة: 35].

البقاعي

تفسير : ولما كان من المقصود بذكر معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن، والمؤمن ليزداد إيماناً، وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ اليهود المدعين أنهم أبناء وأحباء - إلى غير ذلك مما أراد الله، قرعت به الأسماع، ولم يتعلق بما يجيب به يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي؛ ولما كان أجلّ المقاصد تأديب هذه الأمة لنبيها عليه السلام لتجلّه عن أن تبدأه بسؤال أو تقترح عليه شيئاً في حال من الأحوال، ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من امتداحهم بِعَدِّهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان امتثالاً للأمر ثم إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار، فقال معلقاً بـ "قالوا آمنا" مقرباً لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم، مذكراً لهذه الأمة بحفظها على الطاعة، ومبكتاً لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعاداً لهم عن درجة المحبة فضلاً عن البنوة، وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم فتكون "إذ" هذه ظرفاً لتلك، فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت سؤالهم هذه بعد ابتدائه، ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما سألوا هذه بعدما رأوا منه صلى الله عليه وسلم من الآيات: {إذ قال} وأعاد وصفهم ولم يضمره تنصيصاً عليهم لبُعد ما يذكر من حالهم هذا من حالهم الأول فقال: {الحواريون} وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا: {يا عيسى ابن مريم} ولم يقولوا: يا رسول الله ولا يا روح الله، ونحو هذا من التبجيل أو التعظيم {هل يستطيع ربك} بالياء مسنداً إلى الرب وبالتاء الفوقانية مسنداً إلى عيسى عليه السلام ونصب الرب، ومعناهما واحد يرجع إلى التهييج والإلهاب بسبب الاجتهاد في الدعاء بحيث تحصل الإجابة، وتكون هذه العبارة أيضاً للتلطف كما يقول الإنسان لمن يعظمه: هل تقدر أن تذهب معي إلى كذا؟ وهو يعلم أنه قادر، ولكنه يكنى بذلك عن أن السائل يحب ذلك ولا يريد المشقة على المسؤول {أن ينزل} أي الرب المحسن إليك {علينا مائدة} وهي الطعام، ويقال أيضاً: الخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان شيء يوضع عليه الطعام للأكل، هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص، وهي من ماده - إذا أعطاه وأطعمه. ولما كان هذا ظاهراً في أنها سماوية، صرحوا به احترازاً عما عوَّدهم به صلى الله عليه وسلم من أنه يدعو بالقليل من الطعام فيبارك فيه فيمده الله فيكفي فيه القيام من الناس فقالوا: {من السماء} أي لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدمنا من الأمم. ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم شيئاً، اكتفاء بما يرحمنا به ربنا الذي رحمنا بابتدائنا بإرساله إلينا لإيصالنا إليه سبحانه، وتخويفاً من أن نكون مثل من مضى من المقترحين الذين كان اقتراحهم سببَ هلاكهم؛ دل على ذلك بالنزوع من أسلوب الخطاب إلى الغيبة فقال مستأنفاً إرشاداً إلى السؤال من جوابهم: {قال} ولم يقل: فقلت {اتقوا الله} أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم الذي له الكمال وقاية تمنعكم عن الاجتراء على الاقتراح {إن كنتم مؤمنين *} أي بأنه قادر وإني رسوله، فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه على رؤية ما يقترح من الآيات. ولما كانت المعجزات إنما تطلب لإيمان من لم يكن آمن، وكان في هذا الجواب أتم زجر لهم، تشوف السامع إلى جوابهم فقيل: لم ينتهوا بل {قالوا} إنا لا نريدها لأجل إزالة شك عندنا بل {نريد} مجموع أمور: {أن نأكل منها} فإنا جياع؛ ولما كان التقدير: فتحصل لنا بركتها، عطف عليه: {وتطمئن قلوبنا} أي بضم ما رأينا منها إلى ما سبق من معجزاتك من غير سؤالنا فيه {ونعلم} أي بعين اليقين وحقه {أن قد صدقتنا} أي في كل ما أخبرتنا به {ونكون عليها} وأشاروا إلى عمومها بالتبعيض فقالوا: {من الشاهدين *} أي شهادة رؤية مستعلية عليها بأنها وقعت، لا شهادة إيمان بأنها جائزة الوقوع {قال عيسى} ونسبه زيادة في التصريح به تحقيقاً ولأنه لا أب له وتسفيهاً لمن أطراه أو وضع من قدره فقال: {ابن مريم اللهم} فافتتح دعاءه بالاسم الأعظم ثم بوصف الإحسان فقال: {ربنا} أي أيها المحسن إلينا {أنزل علينا} وقدم المقصود فقال: {مائدة} وحقق موضع الإنزال بقوله: {من السماء} ثم وصفها بما تكون به بالغة العجب عالية الرتب فقال: {تكون} أي هي أو يوم نزولها {لنا عيداً} وأصل العيد كل يوم فيه جمع، ثم قيد بالسرور فالمعنى: نعود إليها مرة بعد مرة سروراً بها، ولعل منها ما يأتي من البركات حين ترد له عليه السلام - كما في الأحاديث الصادقة، ويؤيد ذلك قوله مبدلاً من "لنا": {لأولنا وآخرنا}. ولما ذكر الأمر الدنيوي، أتبعه الأمر الديني فقال: {وآية منك} أي علامة على صدقي {وارزقنا} أي رزقاً مطلقاً غير مقيد بها؛ ولما كان التقدير: فأنت خير المسؤولين، عطف عليه قوله: {وأنت خير الرّازقين *} أي فإنك تغني من تعطيه وتزيده عما يؤمله ويرتجيه بما لا ينقص شيئاً مما عندك، ولا تطلب منه شيئاً غير أن ينفع نفسه بما قويته عليه من طاعتك بذلك الرزق {قال الله} أي الملك المحيط علماً وقدرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك، إنما قالوا‏:‏ هل تستطيع أنت، ربك هل تستطيع أن تدعوه‏. وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال‏:‏ سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين ‏ {‏هل يستطيع ربك‏} ‏ أو تستطيع ربك‏؟‏ فقال‏؟‏ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {هل تستطيع ربك‏} بالتاء‏. وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها "‏هل تستطيع ربك‏" بالتاء ونصب ربك‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قرأها ‏"‏هل تستطيع ربك‏"‏ قال‏:‏ هل تستطيع أن تسأل ربك. وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أن علياً كان يقرأها ‏ {هل يستطيع ربك‏} قال‏:‏ هل يعطيك ربك‏. وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب وأبي رجاء أنهما قرآ ‏ {‏هل يستطيع ربك‏} بالياء والرفع‏. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏{‏هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء‏}‏ قال‏:‏ قالوا‏:‏ هل يطيعك ربك إن سألته، فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم، فأكلوا منها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏مائدة‏} ‏ قال‏:‏ المائدة الخوان‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وتطمئن‏}‏ قال‏:‏ توقن‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا‏} ‏ يقول‏:‏ نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا‏} ‏ قال‏:‏ أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم‏. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة بالغيلانيات عن سلمان الفارسي قال‏:‏ لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جداً، وقال‏:‏ اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ‏{‏قالوا‏‏ نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين‏}. فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب، وحاذي الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال ‏ {‏اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا‏}‏ تكون عظة منك لنا ‏{‏وآية منك‏} ‏ أي علامة منك تكون بيننا وبينك، وارزقنا عليها طعاماً نأكله ‏ {‏وأنت خير الرازقين‏}‏‏. فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفاً للشروط التي اتخذ الله فيها عليهم، إنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول‏:‏ إلهي اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذاباً، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً، إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومثلة، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى، والحواريون وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجداً شكراً له بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة‏. وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمراً عجباً أورثهم كمداً وغماً، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليه منديل مغطى قال عيسى‏:‏ من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا، فقال الحواريون‏:‏ يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها‏. فقام عيسى‏:‏ فاستأنف وضوءاً جديداً، ثم دخل مصلاه فصلى بذلك ركعات، ثم بكى طويلاً ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً، ثم انصرف وجلس إلى السفرة، وتناول المنديل وقال‏:‏ بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل منها السمن سيلاً، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى‏:‏ يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة‏؟‏ فقال‏:‏ أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب هذه الآية‏.‏ فقال شمعون‏:‏ لا وإله إسرائيل ما أردت بها سوءاً يا ابن الصديقة‏.‏ فقال عيسى‏:‏ ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم بسم الله، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر‏.‏ فقال يا روح الله وكلمته إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية‏.‏ فقال عيسى‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏!‏ أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى‏!‏ ثم أقبل عيسى على السمكة فقال‏:‏ يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحاسوا، فلما رأى عيسى ذلك منهم قال‏:‏ ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون‏!‏ يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول. فقالوا لعيسى‏:‏ كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد‏.‏ فقال‏:‏ معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل كل من طلبها‏.‏ فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى وقال‏:‏ كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، يكون مهناها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا، فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ‏. ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئة إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها، وبريء كل زمن منهم أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صحاحاً حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سألت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات‏.‏ قال‏:‏ فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضاً، الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضاً، فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوباً بينهم، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم بإذن الله إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم‏. فأوحى الله إلى عيسى أن اجعل رزقي في المائدة لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل الله ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى‏:‏ أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق فإنه ارتاب بها بشر منا كثير‏.‏ قال عيسى‏:‏ كذبتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها الله عليكم رحمة ورزقاً وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله، وأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة من نسائهم آمنين، فلما كان من آخر الليل مسخهم الله خنازير، وأصبحوا يتتبعون الأقذار في الكناسات‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس‏.‏ أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل‏:‏ هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً‏؟‏ ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا‏:‏ يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا، ‏ {‏هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏أحداً من العالمين‏} ‏ فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم‏. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عمار بن ياسر موقوفاً مثله‏.‏ قال الترمذي‏:‏ والوقف أصح‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال‏:‏ نزلت المائدة عليها ثمر من ثمر الجنة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ المائدة سمكة وأريغفة. وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة‏.‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لولا بنو إسرائيل ما خنز الخبز ولا أنتن اللحم، ولكن خَبَّأوه لغد فأُنتن اللحم وخنز الخبز ". تفسير : وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن أبي عبد الرحمن السلمي في قوله ‏ {‏أنزل علينا مائدة من السماء‏} ‏ قال‏:‏ خبزاً وسمكاً. وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير قال‏:‏ نزلت المائدة وهي طعام يفور، فكانوا يأكلون منها قعوداً، فأحدثوا فرفعت شيئاً فأكلوا على الركب، ثم أحدثوا فرفعت البتة‏. وأخرج ابن الأنباري عن وهب بن منبه قال‏:‏ كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف فقالوا لقوم من وضعائهم‏:‏ إن هؤلاء يلطخون ثيابنا علينا فلو بنينا لها دكاناً يرفعها، فبنوا لها دكاناً فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله عز وجل رفعها عنهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ عن عطية العوفي قال‏:‏ المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة‏.‏ أن الخبز الذي أنزل مع المائدة كان من أرز‏. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال‏:‏ نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما تولوا إذا شاؤوا‏. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد من طريق عكرمة عن ابن عباس في المائدة قال‏:‏ كان طعاماً ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا‏. وأخرج ابن جرير عن إسحاق بن عبد الله‏.‏ أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات يأكلون منها ما شاؤوا، فسرق بعضهم منها وقال‏:‏ لعلها لا تنزل غداً فرفعت‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمر من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد بلاء أبلاهم الله به، وكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبأوا وادَّخَروا لِغدٍ‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ أنزل على المائدة كل شيء إلا اللحم‏.‏ والمائدة الخوان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ميسرة وزاذان قالا‏:‏ كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت الأيدي فيها بكل طعام‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن المائدة التي أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل‏؟‏ قال‏:‏ كان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكانت يقعد عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك بمثله، فلبثوا بذلك ما شاء الله‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏أنزل علينا مائدة من السماء‏} ‏ قال‏:‏ هو مثل ضرب ولم ينزل عليهم شيء‏. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن ينزل عليهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن الحسن قال‏:‏ لما قيل لهم ‏ {‏فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا‏ً} ‏ قالوا‏:‏ لا حاجة لنا فيها فلم تنزل عليهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنهم لما صنعوا في المائدة ما صنعوا حوِّلوا خنازير‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فمن يكفر بعد منكم‏} ‏ بعد ما جاءته المائدة ‏ {‏فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين‏} ‏ يقول‏:‏ أعذبه بعذاب لا أعذبه أحداً غير أهل المائدة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏إني منزلها‏} ‏ مثقلة‏.‏

القشيري

تفسير : طلبوا المائدةَ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة، فعُذِرُوا وأجيبوا إليها؛ إذ كان مرادُهم حصولَ اليقين وزيادةَ البصيرة. ويقال كلٌ يطلب سُؤْله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في (فائدة) من الموارد يَرِدُها، وعزيز منهم من يجد الفناء عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.

البقلي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفحص القوم مكانتهم من عند الله سبحانه بتاييد الظاهر ومشاهدة المعجزة جهر الانهم موقنون --- يشاهدون بالقلوب والارواح والاسرار حقائق الغيب وراوا منازلهم فى محل القرب والخطاب عند كشف --- الحق لابصار قلوبهم لكن القوم ليسوا بمتمكنين فى شهود الغيب يجرى عليهم احكام اهل التلوين من معارضة --- والعدو فى رؤية لاغيب ولطبوا ايات الله لدفع المعارضة وطمانية القلوب الا ترى الى الخليل فى بداية-- كيف قال ارنى كيف تحيى الموتى فاجابه الله قال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى فاحوجه الى رؤية القدرة --- بقوله فخذ اربعة من الطير وليس فى الوصفين شك من جانب النبوة ومن جانب الولاية فلما سمع -- منهم اشتد عليه امرهم وعجب منهم ذلك بعد ايقائهم واجابهم بقوله تعالى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} اى خافوا الله فيما يجرى عليكم من معارضة النفس اى الزموا اشتغالكم --- الخطرات كيلا تحتجبوا عنه بغيره وان من وصل اليه ينعنت المعرفة ورؤية الغيب لا يستحسن منه -- الأيات لتصديق الباطن فانه صفة اهل البداية فاظهر القوم عجزهم من ادارك مقامات التمكين بقوله تعالى {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} اى نريد ان تربى -- بماكول الجنة كما تربى قلوبنا وارواحنا بمايد المشاهدة ويزيد فى قلوبنا تصديقك ومحبتك -- لا يبقى فينا معارضة الطبيعة وكيون من شهداء رؤية المعجزة الصادقين باثارنا عند --- المقتدين ولانك قلت لنا انتم اصفياءالله واولياؤه واذا حصل مرادنا يحصل طمانية-- فى صدق الله وصدقك وصدق ولايتنا فسال عليه السلام مرادهم بقوله تعالى {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} سال من السماء لامن الارض لما فيها من الروحانية والحناينة كونية غير ممزجة بعناصر الدهر يتولد منه عصيان الله وايضا يسال من السماء خصوصيته -- قوله تعالى {تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} اى اجعلها عبدا ---وعبد المجهور واجعلها سببا لعودنا من رؤية الايات الى رؤية الصفات ---من المريدين وأخرنا من العارفين {وَآيَةً مِّنْكَ} دليلا منك اليك فاجابهم الله سبحانه بما سالوا وهددهم من كفران نعمته بقوله تعالى {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} اى من عاين رؤية صفاتى اياتى ثم يرجع الى الفترة وحظوظ النفس واختبار شهوة لادنيا علينا فانا يحجبه عنا حتى لا تصل الى قلبه نسم عبهر صفاتى وورد جلال مشاهدتى ولا يشرق عقله صبح وصالى ولا تنكشف روحه انوار حسنى وجمالى وان هذا العاب عذاب الفراق وهو اشد العذاب للطالبين قال الشيخ ابو عبد الله كنت نائما فى بدايتى فرايت فى منامى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأله وسلم يحركنى قال قسم يا ابا عبد الله فان من عرفه وأثر غيره عليه فانه يعذبه عذابا لا يعذبه احد من العالمين.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذ قال الحواريون} منصوب باذكر {يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء} هذا السؤال كان فى ابتداء امرهم قبل ان يستحكم معرفتهم بالله ولذلك اساؤا الادب مع عيسى عليه الصلاة والسلام حيث لم يقولوا يا رسول الله او يا روح الله وخاطبوه باسمه ونسبوه الى امه ولو وفقوا للادب لقالوا يا روح الله ونسبوه الى الله ثم رفضوا الادب مع الله وقالوا هل يستطيع ربك كالمتشكك فى استطاعته وكمال قدرته على ما يشاء كيف يشاء ثم اظهروا دناءة همتهم وخساسة نهمتهم اذ طلبوا بواسطة مثل عيسى من الله تعالى مائدة دنيوية فانية وما رغبوا فى فائدة دينية باقية ولو رغبوا فى الفائدة الدينية لنالوا المائدة الدنيوية ايضا قال الله تعالى {أية : من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب} تفسير : [الشورى: 20]. والمائدة الخوان الذى عليه الطعام من ماده اذا اعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم اليها ونظيره قولهم شجرة مطعمة. قال فى الشرعة وضع الطعام على الارض احب الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم على السفرة وهى على الارض والاكل على الخوان فعل الملوك اى آداب الجبارين لئلا يتطأطأوا عند الاكل وعلى المنديل فعل العجم اى اهل فارس من المتكبرين وعلى السفرة فعل العرب وهى فى الاصل طعام يتخذه المسافر للسفر ثم سمى بها الجلد المستدير المحمول هو فيه {قال} كأنه قيل فماذا قال لهم عيسى عليه السلام حين قالوا ذلك فقيل قال {اتقوا الله} اى من امثال هذا السؤال {ان كنتم مؤمنين} اى بكمال قدرته تعالى او بصحة نبوتى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {يا عيسى ابن مريم}: ابن هنا بدل، ولذلك كتب بالألف، و {أن ينزل}: مفعول {يستطيع}، ومن قرأ بالخطاب، فمفعول بالمصدر المقدر، أي: سؤال ربك إنزال مائدة، و {لأولنا وآخرنا}: بدل كل، من ضمير {لنا}، لإفادته الإحاطة والشمول كالتوكيد، و(ذلك): شرط إبدال الظاهر من ضمير الحاضر، وأعيدت اللام مع البدل للفصل، وضمير {لا أعذبه}: نائب عن المصدر، أي: لا أعذب ذلك التعذيب أحدًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء} أي: هل يطيعك ربك في هذا الأمر، أم لا؟ فالاستفهام عن الإسعاف في القدرة، فهو كقول بعض الصحابة لعبد الله بن زيد: هل تستطيع أن ترينا كيف كان يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ مع جزمهم بأن عبدالله كان قادرًا على تعليمهم الوضوء. فالحواريون جازمون بأن الله ـ تعالى ـ قادر على إنزال المائدة، لكنهم شكوا في إسعافه على ذلك. قال ابن عباس: كان الحواريون أعلم بالله من أن يشكو أن الله تعالى يقدر على ذلك، وإنما معناه، هل يستطيع لك؛ أي: هل يطيعك، ومثله عن عائشة، وقد أثنى الله ـ تعالى ـ على الحواريين، في مواضع من كتابه، فدل أنهم مؤمنون كاملون في الإيمان. قال لهم عيسى عليه السلام: {اتقوا الله} من أمثال هذا السؤال واقتراح الآيات، {إن كنتم مؤمنين} بكمال قدرته وصحة نبوتي، فإنّ كمال الإيمان يوجب الحياء من طلب المعجزة، {قالوا نريد أن نأكل منها} أكلاً نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن، {وتطمئن قلوبنا} بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال، أي: نعاين الآية ضرورة ومُشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي في الاستدلال، {ونعلم أن قد صدقتنا} علمًا ضروريًا لا يختلجه وهم ولا شك، {ونكون عليها من الشاهدين} أي: نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس، أو من الشاهدين للعين، دون السامعين للخبر، وليس الخبر كالعيان، والحاصل: أنهم أرادوا الترقي إلى عين اليقين، دون الأكتفاء بعلم اليقين. {قال عيسى ابن مريم} مسعفًا لهم لما رأى لهم غرضًا صحيحًا في ذلك، رُوِي أنه لبس جُبَّةَ شعر، ورداء شعر وقام يصلي ويدعو ويبكي، وقال: {اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدًا لأولنا وآخرنا} أي: لمتقدمنا ومتأخرنا، يعود علينا وقت نزولها كل عام بالفرح والسرور، فنتخذه عيدًا نحن ومن يأتي بعدنا، {و} يكون نزولها {آية منك} على كمال قدرتك وصحة نبوتي، {وارزقنا} المائدة والشكر عليها، {وأنت خير الرازقين} أي: خير من يرزق؛ لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض، ونسبة الرزق إلى غيره مجاز. {قال الله إني منزلها عليكم} كما طلبتم، {فمن يكفر بعدُ منكم فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين} أي: من عالمي زمانهم، أو مطلقًا. قال ابن عمر: ( أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، والمنافقون). رُوِي أنها نزلت سُفرة حمراء بين غمامتين، وهم ينظرون إليها، حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها مثلة وعقوبة، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية، تسيل دسمًا وعند ذنبها خل، وحولها من أنواع البقول ما خلا الكراث، وخمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، قال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ قال: ليس منهما، ولكنه اخترعه الله بقدرته، كلوا ما سألتم، واشكروا الله يمدُدكم ويزدكم من فضله، فقالوا: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة: احيَى بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي، فعادت كما كانت، فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا. وقيل: كانت تأتيهم أربعين يومًا، غِبًّا، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار، يأكلون، فإذا فرغوا، طارت وهم ينظرون في ظلها، ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره، ولا مريض إلا برىء ولم يمرض أبدًا، ثم أوحى الله إلى عيسى: أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس، فمسخ منهم ثلاثة وثمانون. وقيل: لما وعد الله إنزالها بهذه الشريطة، استغفروا وقالوا: لا نريد، فلم تنزل. قلت: المشهور أنها نزلت، ويحكى أن أرجلها باقية بجزيرة الأندلس. والله تعالى أعلم. الإشارة: في سؤال الحواريين لسيدنا عيسى عليه السلام قلة آدب من وجهين: أحدهما: خطابه بقوله: {يا عيسى ابن مريم}؛ وقد كانت هذه الأمة المحمدية تخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، يا نبي الله، لكمال أدبها، وبذلك شرفت وعظم قدرها، فالأدب عند الصوفية ركن عظيم، بل هو روح التصوف وقطب دائرته، قال بعضهم: ( اجعل عملك ملحًا، وأدبك دقيقًا)، والكلام فيه عندهم طويل شهير. والوجه الثاني: ما في قولهم: {هل يستطيع ربك} من بشاعة التعبير، وسوء اللفظ، حتى اتهموا بالكفر من أجله، وقد تقدم تأويله، وأما سؤالهم المائدة، فقال بعض الصوفية: هي عبارة عن المعارف والأسرار الربانية التي هي قوت الأرواح السماوية، فقوت الأشباح الأرضية ما يخرج من الأرض من الأقوات الحسية، وقوت الأرواح السماوية ما ينزل من السماء من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، ينزل على قلوب العارفين، ثم يبرز منها إلى قلوب عائلة المستمعين، ولما طلبوها قبل إبانها وقبل الاستعداد لها، قال لهم: {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}، فلما ألحوا في السؤال، بيَّن الحق لهم أن إنزالها سهل على قدرته، لكن فيه خطر وسوء عاقبة، لأن الحقائق قد تضر بالمريد إذا لم يكمل أدبه واستعداده، فلما بينوا مرادهم من كمال الطمأنينة واليقين؛ دعا الله ـ تعالى ـ فوعدهم بالإنزال مع دوام الإيمان وكمال الإيقان، فمن كفر بها، ولم يعرف قدرها، عذب بعذاب لم يعذبه أحد من العالمين، وهو الطرد والبعد من ساحة حضرة رب العالمين. والله تعالى أعلم. ثم وبخ مَن عبد عيسى من الكفرة، فقال: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ الكسائي والأعشى إِلا النفار {هل تستطيع} بالتاء {ربك} بنصب الباء. الباقون بالياء وضم الباء. وأدغم الكسائي اللام في التاء. قيل في العامل في {إِذ} قولان: أحدهما - أوحيت. الثاني - اذكر إِذ قال الحواريون. وكلاهما يحتمل. وقيل في معنى قوله {هل يستطيع ربك} ثلاثة أقوال: أحدها - هل يقدر وكان هذا في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز من الصفات، ولذلك أنكر عليهم نبيهم، فقال {اتقوا الله إن كنتم مؤمنين}، لانه لم يستكمل ايمانهم في ذلك الوقت. الثاني - هل يفعل ذلك قاله الحسن، كما يقول القائل: هل تستطيع أن تنهض أي هل تفعل، لأن المانع من جهة الحكمة أو الشهوة قد يجعل بمنزلة المنافي للاستطاعة. الثالث - هل يستجيب لك ربك. قال السدي هل يطيعك ربك ان سألته، فهذا على معنى استطاع وأطاع كقولهم استجاب بمعنى أجاب، وانما حكى سيبويه استطاع بمعنى أطاع على زيادة السين. ومعنى قراءة الكسائي {هل تستطيع} ان تستدعي اجابة ربك. وأصله هل تستدعي طاعته فيما قبله من هذا - هذا قول الزجاج وفيه وجه آخر وهو هل تقدر أن تسأل ربك. والفرق بين الاستطاعة والقدرة أن الاستطاعة انطياع الجوارح للفعل والقدرة هي ما أوجبت كون القادر قادراً ولذلك يوصف تعالى بأنه قادر، ولا يوصف بانه مستطيع. والمائدة الخوان لانها تميد بما عليها أي تحركه. قال أبو عبيدة: هي (مفعولة) في المعنى ولفظها (فاعلة) كقوله {أية : عيشة راضية}تفسير : أي مرضية واصل المائدة الحركة من قولهم ماد يميد ميداً اذا تحرك، عن الزجاج. ومنه المائد المدار به في البحر ماد يميد ميداً. وماده اذا أعطاه ومنه قول رؤبة: شعر : نهدي رؤوس المترفين الانداد الى أمير المؤمنين الممتاد تفسير : أي المستعطي ومادهم يميدهم ميداً اذا اطعمهم على المائدة ثم كثر حتى قيل لكل مطعم. وقوله {قال اتقوا الله إِن كنتم مؤمنين} معناه اتقوا معاصيه وكثرة سؤال الآيات، لانكم ان كنتم مؤمنين بالله وبصحة نبوة عيسى، فقد أغناكم ما عرفتموه عن الآيات واتقوا سؤال نزول المائدة، فانكم لا تعلمون ما يفعل الله بكم عند هذا السؤال.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَ الحَوَارِيُّونَ}: اذكر يا عيسى أو يا محمد أو اذ بدل من قيله، لأن الزمان الممتد يعتبر وحداً لأمر ما، كوقوع أشياء فيه، فيبدل منه بدل شىء أو متعلق بقالوا، وفى تعليقه بقالوا دلالة على أن قولهم: {أية : آمنا واشهد بأنا مسلمون }تفسير : ليس من تحقيق ورسوخ لقولهم ما ذكر الله عنهم بقوله عز وجل: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَآءَ}: فان من حقق الايمان، ورسخ فيه، لا يشك فى أن الله تعالى قادر على انزال المائدة من السماء، وعلى كل ممكن، ويدل على عدم التحقيق والرسوخ أيضاً وعلى أنهم شكوا قوله تعالى: {قَالَ}: أى عيسى. {اتَّقُوا اللهَ}: من مثل هذا السؤال، فانه سؤال من شك وسؤال تعنيت، فمن لم يؤمن فانه سؤال لم يسأله أحد قبلكم، وقيل: اتقوا الله فى أمره ونهيه ليعطيكم سؤالكم هذا. {إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ}: بالله وكمال قدرته، أو ان كنتم مؤمنين بالله حقاً، فان من تحقق ايمانه يتحقق عنده أن الله قادر على انزال المائدة، أو ان كنتم مؤمنين بنبوتى، أو صادقين فى دعوى الايمان، وهذا قريب من الوجه الثانى وكل واحد من الأوجه يستلزم الباقية. وقيل: ليس قوله: {هَلْ يَسْتَطِيعُ} شكاً فى قدرة الله، بل معناه هل يكون فى حكمة الله وارادته أن ينزل علينا مائدة من السماء، وكان لفظ الكلام بلفظ يستطيع، لأن الحكمة والارادة اذ كانتا فى شىء لله كانت الاستطاعة، ومثله قولك تأدبا: هل تقدر أن تذهب معى لمن علمت أنه يقدر أن يذهب معك؟ أى هل تريد الذهاب معى وتراه صواباً، واختار بعضهم هذا. وقيل: المعنى هل يحييك ربك من استطاع بمعنى أطاع، أى أجاب كاستجاب، بمعنى أجاب وعليه يحمل ما ورد فى بعض الآثار: من أطاع الله أطاعه الله، أى سخر له ما يحب، وما فى قراءة بعض { أية : انما يخشى الله من عباده العلماء }تفسير : برفع لفظ الجلالة ونصب العلماء أى أيعظمهم، وبهذا قالت عائشة رضى الله عنها اذ قالت: هم أعلم من ذلك، ولكن أرادوا: هل تقدر على ذلك منه، وقرأ الكسائى: هل تستطيع ربك المثناة الفوقية خطاباً لعيسى، وادغام اللام فيها، ونصب ربك، أى هل تستطيع سؤال ربك أن ينزل علينا مائدة، فيكون فى هذه القراءة أن ينزل معمولا للسؤال المقدر، والمائدة الخوان اذا كان عليه الطعام من ماد الماء وغيره يميد اذا تحرك، كأنها تحرك جانباً لامتلائها، أو من مادة اذا أعطاه كأنها تعطى من تقدم اليها كما تقول: شجرة مطعمة، وأطعم النخل وتغلبت عليه الاسمية.

اطفيش

تفسير : {إِذْ قَالَ الحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ} متعلق بقالوا أَو مفعول لا ذكر، وعلى تعليقه بقالوا يكون تنبيهاً على أَن دعواهم الإِيمان واستتباع الجوارح لإِيمان غير متحقق لما ذكر الله عنهم من سؤالهم المائدة، ولو تحققت لم يسأَلوا المائدة ولم يشكوا في استطاعة الله تنزيل المائدة، أَى قالوا آمنا واشهد بأَننا مسلمون، وهم غير قويين فى الإِيمان بل ضعف إِيمانهم ومقتضى الظاهر إِذ قالوا برد الضمير للحواريين، ولكن أُظهر لأَنه كلام فى قصة جرت بينه وبينهم غير ما قبلها، وقال هنا بأَننا بنونين على الأَصل لأَن المؤمن به يفتح الميم الثانية متعدد بى وبرسولى، وفى موضع آخر بنون لأن المؤمن به واحد في آمنا بالله كذا قيل، وفيه سوء أَدب إِذ لا ضعف في ذكر الله وحده مع أَنه لا شئَ إِلا منه ولا قوة إِلا به {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} يقدر ربك، ويحتمل أَن المراد هل فى حكمته تنزيل المائدة فليسوا شاكين ولا غير مصدقين، وصرح بعض بأَنهم مجمع على إِيمانهم، ويدل على إِيمانهم قوله تعالى "أية : فمن يكفر بعد منكم"تفسير : [المائدة: 115] إِلا أَنه يجاب باحتمال أَن يراد فمن يبق على الكفر أَو يزدد كفراً، فإِن كل إِنكار لما يجب الإِيمان به كفر على حدة، فيجاب بأَنه لا دليل على هذا الاحتمال، ولا يقبل المحتمل المخالف للظاهر إِلا بدليل، ويدل على إِيمانهم وصفهم بالحواريون فإِنه ينافى كونهم على الباطل، ودعوى أَنهم حواريون ظاهرا يحتاج إِلى دليل، ويدل على إِيمانهم أَمر الله عز وجل المؤمنين بالتشبه بهم كما قال عز وجل {أية : كونوا أَنصار الله} تفسير : [الصف: 14] كما قال الحواريون الآية، ويدل على إِيمانهم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل نبى حوارى وإِن حواريى الزبير"تفسير : ، رواه قومنا، ودعوى أَن من الحواريين طائفة لم تؤمن، أَو ارتابت فطلبت المائدة تحتاج إِلى صحة، وتفسير تطمئن قلوبنا بزيادة الإِيمان وتفسير صدقتنا بالإلحاح فى علامة أَن الله يجيب دعاءَنا، وقيل يستطيع بمعنى يطيع كاستجاب بمعنى أَجاب، ولكن وصف الله بطاعة غيره ولو كانت بمعنى الإِجابة تحتاج إِلى توقيف، وذكر أَبو شامة أَن أَبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أَخى ادع ربك أَن يشفينى فدعا فكأَنما نشط من عقال، فقال إِن ربك يطيعك، فقال لو أَطعته لكان يطيعك، فاستعمل إِطاعة الله لغيره بمعنى الإِجابة وحسنه المشاكلة لقول عمه إِن ربك يطيعك، أَو يستطيع بمعنى يفعل تعبيراً باللازم لأَنه يلزم من فعل الشئ أَن فاعله قادر عليه، أَو بالملزوم البيانى عن اللازم فإِنه يلزم من استطاعة الشئ فعله أَى ترتبه عليه فى الجملة، أَو بالسبب العادى عن المسبب، فإِن القدرة سبب الفعل، أَو المعنى السؤال لغيرهم ممن لم يطمئن لا لهم كما سأَل موسى الرؤية عن قومه لا عن نفسه، وذلك كله خروج عن كفر الحواريين لأَنهم كالمجمع على إِيمانهم {أَنْ يُنزلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} إِناء يعد للطعام بأَنواع منه، وإِن لم يكن فيه طعام فهو خوان كإِناءِ شرب خمر يسمى كأْساً إِن كان فيه الخمر وإِلا فقدح، وكما يستقى به يسمى ذنوباً وسجلا إِن كان فيه ماء وإِلا فدلو، وكالجلد هو جراب إِن دبغ وإِلا فإِهاب، وهى من ماد تحرك كأَنها تميد بما فيها من الطعام أَو من مادة أَعطاه كأَنها معطية للآكلين كما تقول شجرة مطعمة، وقيل فاعله بمعنى مفعولة أَى معطاة {قَالَ اتَّقُوا الله} من مثل هذا السؤال، واتقوا الله لتحصل الإِجابة كقوله تعالى {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب} تفسير : [الطلاق: 2، 3] {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ} إِيماناً حقيقياً يستتبع الأَعمال الصالحة والإِخلاص، أَو إِن كنتم صادقين فى دعوى الإِيمان والإِسلام، وليس المعنى إِن كنتم مؤمنين بكمال قدرة الله ونبوءَتى لأَن من يسأَل هذا السؤال شاك فى قدرة الله جل وعلا وفى نبوءَة عيسى عليه السلام، فلا يقال له إِن كنت مؤمنا بذلك إِلا أَنه قد تقدم تفاسير فى استطاعته تنزيل المائدة لا تنافى الإِيمان كما أَخبر عنهم بقوله.

الالوسي

تفسير : {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} منصوب بـ { أية : ٱذْكُرْ } تفسير : [المائدة: 110] على أنه ابتداء كلام لبيان ما جرى بينه عليه الصلاة والسلام وبين قومه منقطع عما قبله كمال يشير إليه الإظهار في مقام الاضمار. وجوز أن يكون ظرفاً لِـ { أية : قَالُواْ } تفسير : [المائدة: 111] وفيه ـ على ما قيل حينئذ ـ تنبيه على أن ادعاءهم الإخلاص مع قولهم {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء} لم يكن عن تحقيق منهم ولا عن معرفة بالله تعالى وقدرته سبحانه لأنهم لو حققوا وعرفوا لم يقولوا ذلك إذ لا يليق مثله بالمؤمن بالله عز وجل. وتعقب هذا القول الحلبي بأنه خارق للإجماع. وقال ابن عطية لا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين وأيد ذلك بقوله تعالى: { أية : فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } تفسير : [المائدة: 115] وبأن وصفهم بالحواريين ينافي أن يكونوا على الباطل وبأن الله تعالى أمر المؤمنين بالتشبه بهم والاقتداء بسنتهم في قوله عز من قائل: { أية : كُونُواْ أَنصَـٰرَ ٱللَّهِ } تفسير : [الصف: 14] الآية وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح الزبير «حديث : إن لكل نبي حوارياً وإن حواريَّ الزبير» تفسير : والتزم القول بأن الحواريين فرقتان مؤمنون وهم خالصة عيسى عليه الصلاة والسلام / والمأمور بالتشبه بهم وكافرون وهم أصحاب المائدة، وسؤال عيسى عليه الصلاة والسلام نزول المائدة وإنزالها ليلزمهم الحجة يحتاج إلى نقل ولم يوجد. ومن ذلك أجيب عن الآية بأجوبة فقيل: إن معنى {هَلْ يَسْتَطِيعُ} هل يفعل كما تقول للقادر على القيام: هل تستطيع أن تقوم مبالغة في التقاضي. ونقل هذا القول عن الحسن. والتعبير عن الفعل بالاستطاعة من التعبير عن المسبب بالسبب إذ هي من أسباب الايجاد. وعلى عكسه التعبير عن إرادة الفعل بالفعل تسمية للسبب الذي هو الإرادة باسم المسبب الذي هو الفعل في مثل قوله تعالى: { أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ } تفسير : [المائدة: 6] الخ. وقيل: إن المعنى هل يطيع ربك فيستطيع بمعنى يطيع ويطيع بمعنى يجيب مجازاً ونقل ذلك عن السدي. وذكر أبو شامة أن النبـي صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض فقال له: يا ابن أخي ادع ربك أن يعافيني فقال: اللهم اشف عمي فقام كأنما نشط من عقال فقال: يا ابن أخي إن ربك الذي تعبده يطيعك فقال: يا عم وأنت لو أطعته لكان يطيعك أي يجيبك لمقصودك وحسن استعماله صلى الله عليه وسلم لذلك المشاكلة. وقيل: هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإرادة فكأنهم قالوا: هل إرادة الله تعالى وحكمته تعلقت بذلك أولا؟ لأنه لا يقع شيء بدون تعلقهما به. واعترض بأن قوله تعالى الآتي: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُؤمِنين} لا يلائمه لأن السؤال عن مثله مما هو من علوم الغيب لا قصور فيه. وقيل: إن سؤالهم للاطمئنان والتثبت كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: { أية : أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] ومعنى {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } إن كنتم كاملين في الإيمان والإخلاص ومعنى {نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنَا } نعلم علم مشاهدة وعيان بعد ما علمناه علم إيمان وإيقان. ومن هذا يعلم ما يندفع به الاعتراض. وقرأ الكسائي وعلي كرم الله تعالى وجهه وعائشة وابن عباس ومعاذ وجماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم (هل تستطيع ربك) بالتاء خطاباً لعيسى عليه الصلاة والسلام ونصب {رَبَّكَ } على المفعولية. والأكثرون على أن هناك مضافاً محذوفاً أي سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف. وعن الفارسي أنه لا حاجة إلى تقدير. والمعنى هل تستطيع أن ينزل ربك بدعائك. وأنت تعلم أن اللفظ لا يؤدي ذلك فلا بد من التقدير، والمائدة في المشهور الخوان الذي عليه الطعام من ماد يميد إذا تحرك أو من ماده بمعنى أعطاه فهي فاعلة إما بمعنى مفعولة كـ { أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [القارعة: 7]، واختاره الأزهري في «تهذيب اللغة» أو بجعلها للتمكن مما عليها كأنها بنفسها معطية كقولهم للشجرة المثمرة: مطعمة. وأجاز بعضهم أن يقال فيها ميدة واستشد عليه بقول الراجز: شعر : وميدة كثيرة الألوان تصنع للجيران والإخوان تفسير : واختار المناوي أن المائدة كل ما يمد ويبسط، والمراد بها السفرة، وأصلها طعام يتخذه المسافر ثم سمي بها الجلد المستدير الذي تحمل به غالباً كما سميت المزادة راوية. وجوز أن تكون تسمية الجلد المذكور سفرة لأن له معاليق متى حلت عنه انفرج فأسفر عما فيه. وهذا غير الخوان بضم الخاء وكسرها وهو أفصح ويقال له: إخوان بهمزة مكسورة لأنه اسم لشيء مرتفع يهيأ ليؤكل عليه الطعام، والأكل عليه بدعة لكنه جائز إن خلا عن قصد التكبر. وتطلق المائدة على نفس الطعام أيضاً كما نص عليه بعض المحققين، و {مّنَ ٱلسَّمَاء } يجوز أن يتعلق بالفعل قبله وأن يتعلق بمحذوف وقع صفة لمائدة أي مائدة كائنة من السماء. {قَالَ} أي عيسى / عليه الصلاة والسلام لهم حين قالوا ذلك: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } من أمثال هذا السؤال واقتراح الآيات كما قال الزجاج. وعن الفارسي أنه أمر لهم بالتقوى مطلقاً. ولعل ذلك لتصير ذريعة لحصول المأمول فقد قال سبحانه: { أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } تفسير : [الطلاق: 2-3] وقال جل شأنه: { أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ } تفسير : [المائدة: 35] {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بكمال قدرته تعالى وبصحة نبوتي أو كاملين في الإيمان والإخلاص أو إن صدقتم في ادعاء الإيمان والإسلام.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {إذ قال الحواريّون} يجوز أن تكون من تمام الكلام الذي يكلّم الله به عيسى يومَ يجمع الرسل، فيكون {إذ} ظرفا متعلّقاً بفعل {أية : قالوا آمنّا}تفسير : [المائدة: 111] فيكون ممّا يذكر الله به عيسى يوم يجمع الرسل، فحكي على حسب حصوله في الدنيا وليس ذلك بمقتض أنّ سؤالهم المائدة حصل في أول أوقات إيمانهم بل في وقت آخر {أية : قالوا آمنّا واشهد بأنّنا مسلمون}تفسير : [المائدة: 111]؛ فإنّ قولهم {آمنّا} قد يتكرّر منهم بمناسبات، كما يكون عند سماعهم تكذيب اليهود عيسى، أو عندما يشاهدون آيات على يد عيسى، أو يقولونه لإعادة استحضار الإيمان شأن الصدّيقيين الذين يحاسبون أنفسهم ويصقلون إيمانهم فيقولون في كلّ معاودة. آمنّا واشهد بأنّنا مسلمون. وأمّا ما قرّر به «الكشاف» ومتابعوه فلا يحسن تفسير الكلام به. ويجوز أن يكون جملة: {إذ قال الحواريّون} ابتدائية بتقدير: اذكر، على أسلوب قوله تعالى {أية : إذْ قال موسى لأهله إنّي آنست ناراً }تفسير : في سورة النمل (7)، فيكون الكلام تخلّصاً إلى ذكر قصّة المائدة لمناسبة حكاية ما دار بين عيسى وبين الحواريّين في قوله تعالى: {أية : وإذ أوحيت إلى الحواريّين أن آمنوا بي وبرسولي }تفسير : [المائدة: 111] وابتدأوا خطابهم عيسى بندائه باسمه للدلالة على أنّ ما سيقولونه أمر فيه اقتراح وكلفة له، وكذلك شأن من يخاطب من يتجشّم منه كلفة أن يطيل خطابه طلباً لإقبال سمعه إليه ليكون أوعى للمقصود. وجرى قوله تعالى: {هل يستطيع ربّك} على طريقة عربية في العرض والدعاء، يقولون للمستطيع لأمر: هل تستطيع كذا، على معنى تطلّب العذر له إن لم يجبك إلى مطلوبك وأنّ السائل لا يحبّ أن يكلّف المسؤول ما يشقّ عليه، وذلك كناية فلم يبق منظوراً فيه إلى صريح المعنى المقتضي أنّه يشكّ في استطاعة المسؤول، وإنّما يقول ذلك الأدنى للأعلى منه، وفي شيء يعلم أنه مستطاع للمسؤول، فقرينة الكناية تحقّقُ المسؤول أنّ السائل يعلم استطاعته. ومنه ما جاء في حديث يحيى المازني «أنّ رجلاً قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله يتوضّأ». فإنّ السائل يعلم أنّ عبد الله بن زيد لا يشقّ عليه ذلك. فليس قول الحواريّين المحكي بهذا اللفظ في القرآن إلاّ لفظاً من لغتهم يدلّ على التلطّف والتأدّب في السؤال، كما هو مناسب أهل الإيمان الخالص. وليس شكّاً في قدرة الله تعالى ولكنّهم سألوا آية لزيادة اطمئنان قلوبهم بالإيمان بأن ينتقلوا من الدليل العقلي إلى الدليل المحسوس. فإنّ النفوس بالمحسوس آنس، كما لم يكن سؤال إبراهيم بقوله {أية : ربّ أرني كيف تحيي الموتى}تفسير : [البقرة: 260] شكّاً في الحال. وعلى هذا المعنى جرى تفسير المحققين مثل ابن عطية، والواحدي، والبغوي خلافاً لما في «الكشاف». وقرأ الجمهور: {يستطيع} بياء الغيبة ورفع {ربُّك}. وقرأه الكسائي {هل تَستطيع ربَّك} ـــ بتاء المخاطب ونصب الباء الموحّدة ـــ من قوله {ربّك} على أنّ {ربّك} مفعول به، فيكون المعنى هل تسأل لنا ربّك، فعبّر بالاستطاعة عن طلب الطاعة، أي إجابة السؤال. وقيل: هي على حذف مضاف تقديره هل تستطيع سؤال ربّك، فأقيم المضاف إليه مُقام المضاف في إعرابه. وفي رواية الطبري عن عائشة قالت: كان الحواريّون أعلم بالله عزّ وجل من أن يقولوا: هل يستطيع ربّك، ولكن قالوا: هل تستطيع ربّك. وعن معاذ بن جبل أقرأنا النبي {هل تستطيع ربّك}. واسم {مائدة} هو الخوان الموضوع عليه طعام، فهو اسم لمعنى مركّب يدلّ على طعاممٍ وما يوضع عليه. والخِوان ـــ بكسر الخاء وضمّها ـــ تخت من خشب له قوائم مجعول ليوضع عليه الطعام للأكل، اتّفقوا على أنّه معرّب. قال الجواليقي: هو أعجمي. وفي حديث قتادة عن أنس قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قطّ، ولا في سُكُرُّجَة، قال قتادة: قلت لأنس: فعلاَم كنتم تأكلون قال: على السُّفَر، وقيل: المائدة اسم الطعام، وإن لم يكن في وعاء ولا على خِوان. وجزم بذلك بعض المحقّقين من أهل اللغة، ولعلّه مجاز مرسل بعلاقة المحلّ. وذكر القرطبي أنّه لم تكن للعرب موائد إنّما كانت لهم السفرة. وما ورد في الحديث من قول ابن عباس في الضبّ: لو كان حراماً ما أُكل على مائدة رسول الله، إنّما يعني به الطعام الموضوع على سفرة. واسم السفرة غلب إطلاقه على وعاء من أديم مستدير له معاليق ليرفع بها إذا أريد السفر به. وسمّيت سفرة لأنّها يتّخذها المسافر. وإنّما سأل الحواريّون كون المائدة منزّلة من السماء لأنّهم رغبوا أن تكون خارقة للعادة فلا تكون ممّا صنع في العالم الأرضي فتعيّن أن تكون من عالم علوي. وقول عيسى حين أجابهم {اتّقوا الله إن كنتم مؤمنين} أمر بملازمة التقوى وعدم تزلزل الإيمان، ولذلك جاء بِــ {إن} المفيدة للشكّ في الإيمان ليعلم الداعي إلى ذلك السؤال خشية أن يكون نشأ لهم عن شكّ في صدق رسولهم، فسألوا معجزة يعلمون بها صدقه بعد أن آمنوا به، وهو قريب من قوله تعالى لإبراهيم المحكي في قوله: {قال أو لم تؤمن}، أي ألم تكن غنيّاً عن طلب الدليل المحسوس. فالمراد بالتقوى في كلام عيسى ما يشمل الإيمان وفروعه. وقيل: نهاهم عن طلب المعجزات، أي إن كنتم مؤمنين فقد حصل إيمانكم فما الحاجة إلى المعجزة. فأجابوه عن ذلك بأنّهم ما أرادوا ذلك لضعف في إيمانهم إنّما أرادوا التيمّن بأكل طعام نزل من عند الله إكراماً لهم، ولذلك زادوا {منها} ولم يقتصروا على {أن نأكل} إذ ليس غرضهم من الأكل دفع الجوع بل الغرض التشرّف بأكل من شيء نازل من السماء. وهذا مثل أكل أبي بكر من الطعام الذي أكَل منه ضيفه في بيته حين انتظروه بالعشاء إلى أن ذهب جزء من الليل، وحضر أبو بكر وغضب من تركهم الطعام، فلمّا أخذوا يطعمون جعل الطعام يربو فقال أبو بكر لزوجه: ما هذا يا أختَ بني فِراس. وحمل من الغد بعض ذلك الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه. ولذلك قال الحواريّون: {وتطمئنّ قلوبنا} أي بمشاهدة هذه المعجزة فإنّ الدليل الحسي أظهر في النفس، {ونعلم أن قد صدقتنا}، أي نعلم علم ضرورة لا علم استدلال فيحصل لهم العلمان، {ونكون عليها من الشاهدين}، أي من الشاهدين على رؤية هذه المعجزة فنبلّغها من لم يشهدها. فهذه أربع فوائد لسؤال إنزال المائدة، كلّها درجات من الفضل الذي يرغب فيه أمثالهم. وتقديم الجارّ والمجرور في قوله {عليها من الشاهدين} للرعاية على الفاصلة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: هل يستطيع: هل يطيع ويرضى. مائدة من السماء: المائدة: الخوان وما يوضع عليه أو الطعام والمراد بها هنا الطعام. وتطمئن قلوبنا: أي تسكن بزيادة اليقين فيها. ونكون عليها من الشاهدين: أي نشهد أنها نزلت من السماء. عيداً: أي يوماً يعود علينا كل عام نذكر الله تعالى فيه ونشكره. وآية منك: علامة منك على قدرتك ورحمتك، ونبوة نبيك. فمن يكفر بعد منكم: فمن يكفر بعد نزول المائدة منكم أيها السائلون للمائدة. أحداً من العالمين: أي من الناس أجمعين. معنى الآيات: يقول تعالى لعبده ورسوله عيسى واذكر {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }تفسير : [المائدة: 111]، {إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ}: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}؟ ولما كان قولهم هذا دالاً على شك في نفوسهم وعدم يقين في قدرة ربهم قال لهم عيسى عليه السلام {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} فلا تقولوا مثل هذا القول. فاعتذروا عن قيلهم الباطل {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ} أنها نزلت من السماء بسؤالك ربك ذلك وهنا قال عيسى عليه السلام داعياً ربه ضارعاً إليه {ٱللَّهُمَّ} أي يا الله {رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا} أي للموجودين الآن منا {وَآخِرِنَا} أي ولمن يأتون بعدنا، {وَآيَةً مِّنْكَ}، أي وتكون آية منك أي علامة على وحدانيتك وعظيم قدرتك، وعلى صدقي في إرسالك لي رسولاً إلى بني إسرائيل، {وَٱرْزُقْنَا} وأدم علينا رزقك وفضلك {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، فأجابه تعالى قائلا: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}، وحقاً قد أنزلها، {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} يا بني إسرائيل السائلين المائدة بأن ينكر توحيدي أو رسالة رسولي، أو عظيم قدرتي {فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}، ولذا مسخ من كفروا منهم قردة وخنازير. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- جفاء اليهود وغطرستهم وسوء أدبهم مع أنبيائهم إذ قالوا لموسى {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}تفسير : [المائدة: 24] وقالوا لعيسى {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. 2- في قول عيسى لهم {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} دال على أنهم قالوا الباطل كما أن قولهم {وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا} دال على شكهم وارتيابهم. 3- مشروعية الأعياد الدينية لعبادة الله بالصلاة والذكر شكراً لله تعالى وفي الإِسلام عيدان: الأضحى الفطر. 4- من أشد الناس عذاباً يوم القيامة آل فرعون والمنافقون ومن كفر من أهل المائدة.

القطان

تفسير : المائدة: خِوان الطعام، او الطعام نفسه. العيد: الفرح والسرور، او الموسم الديني الذي يجتمع الناس له في أيام معينة من السنة. آية منك: علامة. لا يزال الكلام عن سيدنا عيسى وأُمه، وهذا عرضٌ لشيء من نعمة الله على قومه، ومن معجزاته التي أيّده الله بها وشهد بها الحواريون، وعدد كبير من قومه. اذا قال الحواريون: يا عيسى: هل يجيبك ربك لو سألته أن يُنزل علينا مائدة من السماء؟ فأجابهم: يا قوم، خافوا الله من أمثال هذا السؤال ان كنتم تؤمنون به، ولا تطلبوا حُججاً غير التي قدمتها لكم. قالوا: نريد أن نأكل من هذه المائدة. عند ذاك تطمئن قلوبنا بما نؤمن به من قدرة الله، ونعلم بالمشاهدة الحيّة انك قد صَدَقتنا فيما أخبرتنا عنه، ونشهد لك بالمعجزة عند قومنا. فاستجاب لهم عيسى وقال: يا ربّنا ومالِكَ أمرِنا، أَنزلْ علينا مائدة من السماء يكون يوم نزولها عيداً للمؤمنين منا، ولتكون معجزة نؤيّد بها دعوتك، وارزُقنا رزقاً طيبا، وانت خير الرازقين. قال الله تعالى: سأُنزل المائدة عليكم من السماء، فأيّ امرىء منكم يكفر بعد ذلك فسوف أعاقبه عقاباً لا أعاقِب بمثله احدا من الناس.. فلقد كفر بعد ما شاهد دليل الإيمان الذي اقترحه. وبين لنا هذا الحوار بين المسيح والحواريّين، ذلك الفرق الكبير بين الحواريّين وأصحابِ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فلقد شاهد الحواريون كثيراً من المعجزات التي اظهرها الله على يد رسولهم، ومع ذلك فهاهم يطلبون معجزة جديدة لتطمئن نفوسهم. اما أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فإنهم لم يطلبوا أية معجزة بعد اسلامهم.. لقد اطمأنت قلوبهم مذ خالطتها بشاشة الايمان، وصدّقوا رسولهم، ومضوا في سبيل الله يعملون في نشر الاسلام، ولم يطلبوا على ذلك دليلا. ولقد تكلم المفسرون كثيراً في موضوع المائدة، هل نزلت فعلاً ام ورد ذلك لضرب المثل، كما تكلم بعضهم في ألوان طعامها، وأطلقوا لخيالهم العنان في كل ذلك. ونحن لا نرى فائدة في ذكر كل ذلك، بل نضرب عنه صفحا، ولكنّنا نشير الى أنه قد ورد عن الحسن البصري، ومجاهد المفسّر الكبير وقَتادة أحد كبار المحدّثين انها لم تنزل. وقالوا في تأويل قوله تعالى {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ...} الى آخر الآية. إن الحواريّين لمّا سمعوا هذا الوعيد قالوا: إننا نستغفر الله ولا نريدها. هذا وقد استدل بعض الكاتبين على عدم نزولها بأن قال: إن النصارى لا يعرفونها وليس لها ذكر في كتبهم. ونحن نقول: إن كتب النصارى التي بين أيديهم كتب ناقصة، فليست هي كل ما جاء به عيسى. اما الاناجيل الاربعة المتداولة فلا تعدو كونها تراجم سيرةٍ لحياة المسيح كتبها أُناس مجهولين بعد المسيح بمدة طويلة. وقد كتبت هذه الاناجيل من الذاكرة، وهي ليست الا قصصاً منقّحاً للأناجيل التي بلغ عددها فوق الخمسين انجيلا. وقد قرر مجمع نيقية المنعقد في سنة 325 ميلادية برئاسة الامبراطور قسطنطين البيزنطي اعتماد هذه الاناجيل الاربعة، وإعدام ما عداها. فالأمر انتقائي وافق هوى نفس الحاكم. ويعلّمنا التاريخ في مثل هذه الحال ان الحاكم لا ينتقي الا ما يتفق ومصلحته في السيطرة والحكم، دون النظر الى الصدق او غيره. وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحقيقة، ولا يلزم ان يكون كل ما قصّه الله تعالى في القرآن قد قصّه في غيره من الكتب المتقدمة، فليس الأمر تجميل طبعات الكتاب الواحد، كما لا يلزم ان يكون أصحاب الاناجيل المارون عدم ذكرهم لقصة المائدة دليلا على عدم ورودها. يقول الاستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيما يختص بنسبة القصص القرآني عامة الى كتب العهد القديم:"وإذا ورد في كتب اهل المِلل او المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص، فعلينا ان نجزم بأن ما أوحاه الله الى نبيه ونُقل إلينا بالتواتر هو الحق، وخَبَره الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطىء او كاذب، فلا نعدّه شُبهة على القرآن، ولا نكلف انفسنا الجواب عنه. فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام، حالكه الظلام، فلا رواية يوثق بها في معرفة رجال سندِها. وقد انتقل العالَم بعد نزول القرآن من حال الى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر، كان يجب عليهم لو أنصفوا أن يؤرخوا به أجمعين". هذا ونحن نؤمن بما قصه القرآن الكريم من ان الحوارين قد سألوا عيسى ان يُنزل عليهم الله المائدة، فسأل عيسى ربه ذلك، واجاب الله سؤاله على كيفيةٍ اقنعتهم. لا يفوتنا هنا ان نشير الى انه قد ورد في الاناجيل خبر يشبه خبر المائدة. ففي إنجيل متّى، نهاية الاصحاح الخامس عشر: "واما يسوع فدعا تلاميذه، وقال إني أُشفق على الجميع، لأن لهم الآن ثلاثة أيام يمشون معي، وليس لهم ما يأكلون، ولست اريد ان اصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق، فقال له تلاميذه: من أين لنا في البرية خُبز بهذا المقدار حتى يُشبع جمعاً هذا عدده؟ فقال لهم يسوع: كم عندكم من الخبز؟ فقالوا: سبعة وقليل من صغار السمك. فأمرالجموع أن يتكئوا على الأرض، وأخذ السبع خبزات والسمك وشكَر وكسَر. وأعطى تلاميذه. والتلاميذ أعطوا الجمع. فأكل الجمع وشبعوا. ثم رفعوا ما فضُل من الكِسر سبع سلال مملوءة، والآكلون كانوا آربعة آلاف ما عدا النساء والأولاد". فإذا سلّمنا جَدَلاً، بصحة هذا الخبر وأمثاله مما ورد في الاناجيل التي كتبت بعد المسيح بأجيال، فان خبر المائدة أحق بالتسليم وأصوب. ولماذا لا يكون هذا الخبر نفسه هو حديث المائدة، لكنّه جاء محرَّفاً لأنه كُتب من الذاكرة بعد سنين عديدة!! قراءات قرأ الكسائي "هل تستطيع ربك", وقرأ نافع وعاصم وابن عامر "إني منزلها" بالتشديد. والباقون "منزلها".

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰعِيسَى} {مَآئِدَةً} (112) - وَمِمّا امْتَنَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى عَبْدِهِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ اسْتِجَابَتُهُ لِدَعْوَتِهِ فِي إِنْزَالِ مَائِدَةٍ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ، فَقَدْ سَأَلَ الحَوَارِيُّونَ عِيسَى قَائِلِينَ: هَلْ يَسْتَجِيبُ لَكَ رَبُّكَ إِنْ سَأَلْتَهُ أَنْ يُنَزِلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى: اتَّقُوا اللهَ أنْ تَقْتَرِحُوا عَليهِ أَمْثَالَ هَذِهِ الاقْتِرَاحَاتِ، التِي كَانَ بَنُو إِسْرائيلَ يَقْتَرِحُونَهَا عَلَى مُوسَى لِلْتَّعْجِيزِ، لِئَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، فَمِنْ شَأْنِ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ ألاَّ يُجَرِّبَ رَبَّهُ، بِاقْتِرَاحِ الآيَاتِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ صَادِقِينَ فِي إِيمَانِكُمْ بِاللهِ. المَائِدَةُ - الخِوَانُ عَلَيْهِ طَعَامٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كان عيسى قال لهم: عليكم بتقوى الله فلا تسألوه هذه الآية، لأنكم مادمتم قد أعلنتم الإيمان فأنتم لا تقترحون على الله آية لإثبات صدق رسوله، وحسبكم ما أعطاه الله لي من آيات لصدق رسالتي. وعليكم ان تلزموا أنفسكم بالمنهج الذي أعلنتم أنكم مؤمنون به. وقد توقف العلماء عند قولهم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} وتساءل العلماء: كيف كان هذا القول، وخصوصاً أن معناه الظاهري: أيقدر ربك؟ وكيف للحواريين أن يقولوا ذلك بالرغم من أنهم أشهدوا عيسى عليه السلام بأنهم مسلمون؟ وقال العلماء أيضاً: إن من يتكلم في اللغة عليه أن يكون متبصراً باشتقاقات الألفاظ واستعمالات الألفاظ وسمات الألفاظ، وكلمة "يستطيع" بمعنى يطيع كما قالوا: استجاب بمعنى أجاب، وكأن معنى سؤالهم: أيستجيب الله وينزل علينا مائدة من السماء؟ و "استطاع" تقابل: "استجاب" وسبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء، وهو الذي يطيعه كل شيء، وهو الذي يرضخ لحكمه كل شيء، والحق لا يطلب، إنما يأمر مصداقاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. الله سبحانه وتعالى لا يقول لشيء كن إلا ويعلم أنه يطيع، ولا يأمره الحق أن يطيع إلا ويكون استعداده الانفعالي أنه حين يسمع قول الله: "كن" فلازم أن يكون، والمثال على هذا هو قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1-2]. إنها لن تنتظر إلا سماع الأمر فقط. وساعة تسمع الأمر فهي تنفعل، ومعنى تنفعل أي تطيع. وكل الكون مطيع لخالقه سبحانه وتعالى. أو يكون معنى هل يستطيع: هل يفعل. وذلك من باب التعبير عن المسبب بالسبب؛ إذ الاستطاعة من أسباب إيجاد الفعل. وقيل المراد: هل تستطيع سؤال ربِّك من غير صارف ولا مانع يمنعك عن سؤاله؟ فقد قرأ الكسائي وغيره هل تستطيع ربَّك بنصب كلمة (ربَّك) وأصلها هل تستطيع سؤال ربَّك، فحذف المضاف (سؤال) وأقيم المضاف إليه وهو كلمة رب مقامه فنصب. وقال الزمخشري: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم، وقولهم: (هل يستطيع) كلام لا يتأتَّى مثله من مؤمنين معظمين لربهم. وقال الحواريون ما جاء به القرآن الكريم: {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} معناهُ هَلْ يُريدُ رَبُّكَ.