٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
70
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} سألوا سؤالاً رابعاً، ولم يمتثلوا الأمر بعد البيان. وذكر البقر لأنه بمعنى الجمع، ولذلك قال: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} فذكّره للفظ تذكير البقر. قال قُطْرُب: جمع البقرة باقر وباقور وبقر. وقال الأصمعي: الباقر جمع باقرة، قال: ويجمع بقر على باقورة؛ حكاه النحاس. وقال الزجاج: المعنى إن جنس البقر. وقرأ الحسن فيما ذكر النحاس، والأعرج فيما ذكر الثعلبي (إن البقر تَشّابه) بالتاء وشدّ الشين؛ جعله فعلا مستقبلاً وأنّثه. والأصل تتشابه، ثم أدغم التاء في الشين. وقرأ مجاهد «تَشَّبّه» كقراءتهما، إلا أنه بغير ألف. وفي مصحف أبي «تشّابهت» بتشديد الشين. قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تُدغم إلا في المضارعة. وقرأ يحيى بن يَعمر «إن الباقر يشابه» جعله فعلاً مستقبلاً، وذكّر البقر وأدغم. ويجوز {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ} بتخفيف الشين وضم الهاء؛ وحكاها الثّعلبي عن الحسن. النحاس: ولا يجوز {يَشَابه} بتخفيف الشين والياء، وإنما جاز في التاء لأن الأصل تتشابه فحذفت لاجتماع التائين. والبقر والباقر والبَيْقور والبَقِير لغاتٌ بمعنىً، والعرب تذكّره وتؤنّثه، وإلى ذلك ترجع معاني القراءات في «تشابه». وقيل: إنما قالوا: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} لأن وجوه البقر تتشابه؛ ومنه حديث حُذيفة بن اليَمان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه ذكر «حديث : فِتْناً كقِطَع الليل تأتي كوجوه البقر»تفسير : . يريد أنها يشبه بعضها بعضاً. ووجوه البقر تتشابه، ولذلك قالت بنو إسرائيل: إن البقر تشابه علينا. قوله تعالى: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} استثناء منهم؛ وفي ٱستثنائهم في هذا السؤال الأخير إنابةٌ مّا وٱنقياد، ودليل ندم على عدم موافقة الأمر. وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو ما ٱستثنوا ما ٱهتدوا إليها أبداً»تفسير : . وتقدير الكلام وإنا لمهتدون إن شاء الله. فقدّم على ذكر الاهتداء ٱهتماماً به. و {شَآءَ} في موضع جزم بالشرط، وجوابه عند سيبويه الجملة «إن» وما عمِلت فيه. وعند أبي العباس المبرّد محذوف. قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} قرأ الجمهور «لا ذلولٌ» بالرفع على الصفة لبقرة. قال الأخفش: {لاَّ ذَلُولٌ} نعته ولا يجوز نصبه. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَمِي «لاَّ ذَلُولَ» بالنصب على النفي والخبر مضمر. ويجوز لا هي ذلول، لا هي تسقي الحرث، هي مُسَلّمة. ومعنى {لاَّ ذَلُولٌ} لم يذلّلها العمل؛ يقال: بقرة مذلَّلة بيّنة الذِّل (بكسر الذال). ورجل ذليل بيّن الذُّلّ (بضم الذال). أي هي بقرة صعبة غير رَيّضة لم تذلَّل بالعمل. قوله تعالى: {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} «تُثير» في موضع رفع على الصفة للبقرة؛ أي هي بقرة لا ذَلُولٌ مُثيرة. قال الحسن: وكانت تلك البقرة وحْشِيّة، ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لا يُسْنَى بها لَسقْي الزرع ولا يُسقى عليها. والوقف ها هنا حسن. وقال قوم: «تثير» فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث لها، وأنها كانت تحرث ولا تسقي. والوقف على هذا التأويل «لا ذلول». والقول الأوّل أصح لوجهين: أحدهما: ما ذكره النحاس عن عليّ بن سليمان أنه قال: لا يجوز أن يكون «تثير» مستأنفاً؛ لأن بعده «ولا تسقي الحرث»، فلو كان مستأنفاً لما جمع بين الواو و «لا». الثاني: أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذلّلتها، والله تعالى قد نفى عنها الذّل بقوله: «لا ذلول». قلت: ويحتمل أن تكون «تثير الأَرْضَ» في غير العمل مرحاً ونشاطاً؛ كما قال ٱمرؤ القيس: شعر : يُهِيل ويُذرِي تُرْبَه ويُثيره إثارةَ نَبّاث الهواجرِ مُخْمِسِ تفسير : فعلى هذا يكون «تثير» مستأنفاً، «ولا تسقي» معطوف عليه؛ فتأمله. وإثارة الأرض: تحريكها وبحثها؛ ومنه الحديث: «حديث : أثِيروا القرآن فإنه عِلْم الأوّلين والآخرين»تفسير : وفي رواية أخرى: «حديث : من أراد العلم فَلْيُثَوِّر القرآن»تفسير : وقد تقدّم. وفي التنزيل: {أية : وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ} تفسير : [الروم: 9] أي قَلبوها للزراعة. والحرث: ما حُرِث وزُرِع. وسيأتي. مسألة: في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته، وإذا ضُبط بالصفة وحُصر بها جاز السَّلَم فيه. وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعيّ واللّيث والشافعيّ. وكذلك كل ما يُضبط بالصفة؛ لوصف الله تعالى البقرة في كتابه وصفاً يقوم مقام التعيين؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها»تفسير : . أخرجه مسلم. فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم الصّفة تقوم مقام الرؤية، وجعل صلى الله عليه وسلم دِيَة الخطأ في ذِمّة من أوجبها عليه دَيْناً إلى أجل ولم يجعلها على الحلول. وهو يرد قول الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثورِيّ والحسن بن صالح حيث قالوا: لا يجوز السَّلَم في الحيوان. ورُوِيَ عن ٱبن مسعود وحُذيفة وعبد الرحمن بن سَمُرة؛ لأن الحيوان لا يوقف على حقيقة صفته من مشي وحركة، وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته. وسيأتي حكم السَّلَم وشروطه في آخر السورة في آية الدَّيْن، إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {مُسَلَّمَةٌ} أي هي مُسَلّمة. ويجوز أن يكون وصفاً؛ أي أنها بقرة مُسَلّمة من العَرَج وسائر العيوب؛ قاله قتادة وأبو العالية. ولا يقال: مُسَلّمة من العمل لنفي الله العمل عنها. وقال الحسن: يعني سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل. قوله تعالى: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي ليس فيها لَوْن يخالف معظم لونها، وهي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد؛ كما قال: {فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا}. وأصل «شِيَة» وَشِي، حُذفت الواو كما حذفت من يشي، والأصل يوشي؛ ونظيره الزِّنَة والعِدَة والصِّلَة. والشِّيَة مأخوذة من وَشْيْ الثوب إذا نُسج على لونين مختلفين. وثَوْرَ مُوَشَّى: في وجهه وقوائمه سواد. قال ٱبن عرفة: الشِّيَة اللّون. ولا يقال لمن نمّ: واشٍ، حتى يُغَيّر الكلام ويُلَوِّنه فيجعله ضروبا ويزّين منه ما شاء. والوَشْيُ: الكثرة. ووَشَى بنو فلان: كثروا. ويقال: فَرَسٌ أبلقُ، وكَبْشٌ أَخْرَجُ، وتَيس أَبْرَقُ، وغرابٌ أَبْقَعُ، وثور أَشْيَهُ. كل ذلك بمعنى البُلْقَة؛ هكذا نصّ أهل اللغة. وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم، ودِين الله يُسْرٌ، والتعمّق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم، نسأل الله العافية. وروي في قصص هذه البقرة روايات تلخيصها: أن رجلاً من بني إسرائيل وُلد له ٱبن، وكانت له عجلة فأرسلها في غَيْضَة وقال: اللَّهُمّ إني أستودعك هذه العجلة لهذا الصبي. ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمّه ـ وكان بَراًّ بها ـ: إن أباك ٱستودع الله عجلة لك فٱذهب فخذها؛ فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها ـ وكانت مستوحِشة ـ فجعل يقودها نحو أمّه؛ فلقيَه بنو إسرائيل ووجدوا بقرة على الصفة التي أمِروا بها؛ فسامُوه فاشتطّ عليهم. وكان قيمتها على ما رُوي عن عكرمة ثلاثة دنانير، فأتَوْا به موسى عليه السلام وقالوا: إن هذا ٱشتطّ علينا؛ فقال لهم: أرْضُوه في مِلكه، فاشتروْها منه بوزنها مَرّة؛ قاله عَبيدة. السُّدِّيّ: بوزنها عشر مرات. وقيل: بملء مَسْكِها دنانير. وذكر مَكّيّ: أن هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض. فالله أعلم. قوله تعالى: {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} أي بيّنت الحق؛ قاله قتادة. وحكى الأخفش: «قالوا الآن» قطع ألفَ الوصل؛ كما يقال: يا الله. وحكى وجهاً آخر «قالوا لاَنَ» بإثبات الواو. نظيره قراءة أهل المدينة وأبي عمرو «عاداً لُولي». وقرأ الكوفيون «قالوا الآن» بالهمز. وقراءة أهل المدينة «قالُ لاَن» بتخفيف الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: «الآن» مبنيّ على الفتح لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام؛ لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد؛ تقول: أنت إلى الآن هنا؛ فالمعنى إلى هذا الوقت. فبُنِيت كما بُنِيَ هذا، وفُتحت النون لالتقاء الساكنين. وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل. قوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} أجاز سيبويه: كاد أن يفعل؛ تشبيهاً بعسى. وقد تقدّم أوّل السورة. وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلّة مبادرتهم إلى أمر الله. وقال القُرَظيّ محمد بن كعب: لغلاء ثمنها. وقيل: خوفاً من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم؛ قاله وهب بن مُنَبِّه.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ} تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد. وقوله: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا } اعتذار عنه، أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا، وقرىء «إن الباقر» وهو اسم لجماعة البقر والأباقر والبواقر، ويتشابه وتتشابه بالياء والتاء، وتشابه ويشابه ويتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين على التذكير والتأنيث، وتشابهت وتشابهت مخففاً ومشدداً، وتشبه بمعنى تتشبه وتشبه بالتذكير ومتشابه ومتشابهة ومتشبه ومتشبهة. {وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } إلى المراد ذبحها، أو إلى القاتل، وفي الحديث «حديث : لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد».تفسير : واحتج به أصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله سبحانه وتعالى، وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة، وأجيب بأن التعليق باعتبار التعلق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ } أسائمة أم عاملة؟{إِنَّ ٱلبَقَرَ } أي جنسه المنعوت بما ذكر {تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا } لكثرته فلم نهتد إلى المقصود {وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } إليهافي الحديث: حديث : لو لم يستثنوا لما بُيّنت لهم لآخر الأبد.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ}. احتج بها الفخر على أن جميع الأشياء من الخير والشر مخلوقة لله تعالى ومرادة له. ورده ابن عرفة/ بإجماعنا على أن الداعي خلق الله تعالى فيقول الخصم: نحمل الآية عليه.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ} استئنافٌ كنظائره {ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ} زيادةُ استكشافٍ عن حالها كأنهم سألوا بـيانَ حقيقتها بحيث تمتاز عن جميع ما عداها مما تشاركها في الأوصاف المذكورة والأحوالِ المشروحة في أثناء البـيان ولذلك علّلوه بقولهم: {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا} يعنُون أن الأوصافَ المعدودةَ يشترك فيها كثير من البقر ولا نهتدي بها إلى تشخيص ما هو المأمورُ بها ولذلك لم يقولوا إن البقرَ تشابهت إيذاناً بأن النعوتَ المعدودةَ ليست بمُشخّصة للمأمور بها بل صادقةً على سائر أفرادِ الجنس، وقرىء إنَّ الباقِرَ وهو اسمٌ لجماعة البَقر والأباقر والبواقر، ويتشابه بالياء والتاء وَيشّابه بطرح التاء والإدغام على التذكير والتأنيث وتَشَابهت مخففاً ومشدداً وتَشَبَّهُ بمعنى تتشبه ويشبّه بالتذكير ومتشابِهٌ ومتشابهةٌ ومُتَشَبِّهٌ ومُتَشَبِّهَةٌ وفيه دلالة على أنهم ميَّزوها عن بعض ما عداها في الجملة وإنما بقي اشتباهٌ بشرف الزوال كما ينبىء عنه قولهم: {وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} مؤكداً بوجوه من التوكيد أي لمهتدون بما سألنا من البـيان إلى المأمور بذبحها وفي الحديث لو لم يستثنوا لما بُـيِّنَتْ لهم آخرَ الأبد. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ} أي لم تُذلَّلْ للكِراب وسقْي الحَرْثَ، و(لا ذلول) صفةٌ لبقرةٌ بمعنى غيرُ ذَلول و(لا) الثانية لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقية، وقرىء لا ذلول بالفتح أي حيث هي كقولك: مررت برجل لا بخيلٍ ولا جبان أي حيث هو وقرىء تُسْقي من أسقىٰ {مُّسَلَّمَةٌ} أي سلَّمها الله تعالى من العيوب أو أهّلها من العمل أو خلص لها لونها من سَلِم له كذا إذا خَلَص له، ويؤيده قوله تعالى: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي لا لونَ فيها يخالف لونَ جلدِها حتى قَرْنُها وظِلْفُها وهي في الأصل مصدرُ وشاه وشّياً وشِيةً إذا خلَط بلونه لوناً آخر {قَالُواْ} عندما سمعوا هذه النعوت {ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} أي بحقيقة وصفِ البقرةِ بحيث ميَّزْتها عن جميع ما عداها ولم يبقَ لنا في شأنها اشتباهٌ أصلاً بخلاف المرتين الأوليـين فإن ما جئتَ به فيهما لم يكن في التعيـين بهذه المرتبة. ولعلهم كانوا قبلَ ذلك قد رأَوْها ووجدوها جامعةً لجميع ما فُصِّل من الأوصاف المشروحةِ في المرات الثلاثِ من غير مشارِكٍ لها فيما عُدَّ في المرة الأخيرة، وإلا فمن أين عرَفوا اختصاصَ النعوت الأخيرةِ بها دون غيرها؟ وقرىء الآنَ بالمد على الاستفهام والآنَ بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام {فَذَبَحُوهَا} الفاء فصيحة كما في فانفجَرت أي فحصّلوا البقرةَ فذبحوها {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كادَ من أفعال المقاربة وُضع لدنوِّ الخبر من الحصول، والجملةُ حال من ضمير ذبحوا أي فذبحوها والحال أنهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه، أو اعتراضٌ تذيـيلي ومآلُه استثقالُ استعصائِهم واستبطاءٌ لهم وأنهم لفَرْط تطويلِهم وكثرةِ مراجعاتِهم ما كاد ينتهي خيطُ استفهامِهم فيها. قيل: مضىٰ من أول الأمرِ إلى الامتثال أربعون سنةً وقيل: كادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها. رُوي أنه كان في بني إسرائيلَ شيخٌ صالحٌ له عِجْلة فأتىٰ بها الغَيْضة وقال: اللهم إني استَوْدعتُكها لابني حتى يكبَرَ وكان برّاً بوالدَيه فتُوفِّيَ الشيخُ وشبَّتِ العِجْلة فكانت من أحسن البقرِ وأسمنِها فساوَموها اليتيمَ وأمَّه حتى اشتَرَوْها بملء مَسْكِها ذهباً لمّا كانت وحيدةً بالصفات المذكورة وكانت البقرةُ إذ ذاك بثلاثة دنانيرَ. واعلم أنه لا خلافَ في أن مدلولَ ظاهرِ النظمِ الكريم بقرةٌ مطلقةٌ مُبْهمة وأن الامتثالَ في آخرِ الأمرِ إنما وقعَ بذبح بقرةٍ معيّنة حتى لو ذبحوا غيرَها ما خَرَجوا عن عُهدة الأمرِ، لكن اختُلفَ في أن المرادَ المأمورُ به - إثرَ ذي أثيرٍ - هل هي المعينةُ وقد أُخِّر البـيانُ عن وقت الخطاب؟ أو المبهمةُ ثم لَحِقها التغيـيرُ إلى المعيَّنة بسبب تثاقلِهم في الامتثال وتماديهم في التعمق والاستكشاف؟ فذهب بعضُهم إلى الأول تمسكاً بأن الضمائرَ في الأجوبة أعني أنها بقرةٌ إلى آخره للمعيَّنة قطعاً، ومن قضيته أن يكون في السؤال أيضاً كذلك، ولا ريب في أن السؤالَ إنما هو عن البقرة المأمور بذبحها فتكونُ هي المعينةُ، وهو مدفوعٌ بأنهم لما تعجّبوا من بقرة ميتةٍ يُضربُ ببعضها ميْتٌ فيحيا ظنُّوها معيّنةً خارجةً عما عليه الجنسُ من الصفات والخواصِّ، فسألوا عنها فرجعت الضمائرُ إلى المعيَّنة في زعمهم واعتقادِهم فعيّنها الله تعالى تشديداً عليهم، وإن لم يكن المرادُ من أول الأمرِ هي المعينة. والحقُّ أنها كانت في أول الأمر مُبْهمةً بحيث لو ذَبَحوا أيةَ بقرةٍ كانت لحصل الامتثالُ بدِلالة ظاهرِ النظم الكريمِ وتكرير الأمرِ قبل بـيان اللون وما بعدَه من كونها مسلّمةً..الخ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو اعترَضوا أدنىٰ بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم» تفسير : ورُوي مثلُه عن رئيس المفسرين عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما، ثم رجع الحكمُ الأولُ منسوخاً بالثاني، والثاني بالثالث تشديداً عليهم، لكن لا على وجه ارتفاعِ حكمِ المُطْلقِ بالكلية وانتقالِه إلى المعيّن، بل على طريقة تقيـيدِه وتخصيصِه به شيئاً فشيئاً، كيف لا، ولو لم يكن كذلك لما عُدّت مراجعاتُهم المَحْكيةُ من قَبـيل الجنايات بل من قبـيل العبادة فإن الامتثالَ بالأمر بدون الوقوفِ على المأمور به مما لا يكاد يتسنّى فتكونُ سؤالاتُهم من باب الاهتمام بالامتثال.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى} أسائمة هى ام عاملة. وفى الكشاف هذا تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها والاستقصاء شؤم. وعن عمر بن عبد العزيز اذا امرتك ان تعطى فلانا شاة سألتنى أضائن ام ماعز فان بينت لك قلت أذكر ام انثى فان اخبرتك قلت اسوداء ام بيضاء فاذا امرتك بشىء فلا تراجعنى وفى الحديث "حديث : اعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لاجل مسألته" تفسير : {ان البقر تشابه علينا} اى جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا ايها نذبح فذكر البقر لارادة الجنس او لان كل جمع حروفه اقل من واحده جاز تذكيره وتأنيثه {وانا انشاء الله لمهتدون} الى البقرة المراد ذبحها وفى الحديث "حديث : لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الابد ".
الطوسي
تفسير : القراءة: القراء كلهم على تخفيف الشين مفتوحة الهاء. وقرأ الحسن: بتشديد الشين، وضم الهاء، وقرأ الاعمش إن البقر متشابه. وكذا هو في مصحف ابن مسعود والمعمول على ما عليه القراء وما هو في المصحف المعروف. تقدير الكلام، قال قوم موسى لما امروا بذبح البقرة لموسى. وترك ذكر موسى، لدلالة الكلام عليه. اللغة: واهل الحجاز يؤنثون البقر. فيقولون: هذه بقر وكذلك النخل. وكل جمع كان واحده بالهاء، وجمعه بطرح الهاء، فانهم يؤنثون ذلك وربما ذكروا ذلك قال الله تعالى { أية : كأنهم أعجاز نخل خاوية } تفسير : ـ بالتأنيث ـ وفي موضع آخر: { أية : كأنهم أعجاز نخل منقعر } تفسير : والاغلب عليهم التأنيث. واهل نجد يذكرون وربما انثوا. والتذكير الغالب. فمن ذكر نصب الهاء من {تشابه} يعني التبس واشتبه. ومن انث رفع الهاء لأنه يريد يتشابه علينا. والبقر، والباقر، والجامل، والجمال بمعنى واحد. وقرأ بعضهم إن الباقر تشابه علينا. وهو شاذ. قال الشاعر: شعر : وما ذنبه ان عافت الماء باقر وما ان تعاف الماء الا لتضربا تفسير : وقال آخر: شعر : ما لي رأيتك بعد اهلك موحشا خلقا كحوض الباقر المنهدم تفسير : وقال آخر: شعر : لهم جامل لا يهدأ الليل سامره تفسير : يريد الجمال. والذي ذهب اليه ابن جريج، وقتادة ورووه عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انهم امروا بادنى بقرة، لكنهم لما شددوا على أنفسهم، شدد الله عليهم: وايم الله، لو انهم لم يستثنوا ما تبينت لهم إلى آخر الدهر يعني انهم لو لم يقولوا وانا ان شاء الله لمهتدون بتعريف الله ايانا، وبما شاء له الله من اللطف والزيادة في البيان. وكل من اختار تاخير بيان المجمل عن حال الخطاب استدل بهذه الآية على جواز ذلك. وسنبين ذلك فيما بعد ان شاء الله.
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} زيادة على ما وصفت بحيث لا يبقى لنا التباس فيها {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} ببيانك روى أنّهم لو لم يستثنوا لما بيّنت لهم آخر الابد.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَّنَا مَا هِى}: تكرير للسؤال واستكشاف زائد ليزدادوا إيماناً بها وقرباً، من امتثال الأمر ومعرفة بها، وهو بمنزلة قولهم: إنا على حالنا الأول لم يكفنا ما أجبتنا به يا موسى، ولذلك أعادوا السؤال الأول بلفظه. وتقدم عن ابن عباس وغيره عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو ذبحوا أى بقرة أرادوا لأجزتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" تفسير : وفى رواية: "حديث : لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم"تفسير : . والاستقصاء شؤم. وكتب بعض الخلفاء إلى عامله أن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فيكتب إليه بأيهما أبدأ؟ فأجابه: إن قلت لك ابدأ بقطع الشجر سألتنى بأى نوع منها أبدأ؟.وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطى فلاناً شاة سألتنى أضأن أم ماعز؟ فان بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أو بيضاء؟ وإذا أمرتك بشئ فلا تراجعنى. وفى الحديث: "حديث : أعظم الناس جرماً من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته"تفسير : . قال الله سبحانه وتعالى: {أية : لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لَكم تسُوءكم}تفسير : ، وقيل معنى قولهم هنا: {ادع لنا ربك يبين لنا ما هى} أسائمة ترعى وتترك للولادة والنمو أم عاملة بالحرث والحمل على ظهرها؟ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا}: هذه الجملة اعتذار عن قولهم ثانياً ما هى؟ وتعليل مستأنف عائد إلى قوله {ادْعُ} أو إلى قوله: {يبيّن} كأنه قيل: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى إن البقر تشابه علينا} يَعْنُون أن جنس البقرة الموصوفة بكونها عواناً صفراء فاقعة اللون سارة للناظرين متشابه، لأن هذه الصفات قد توجد فى بقرات متعددات لا تحصى، وقد توجد فى متعددات قليلة، أو فى بقرتين، فلم تتعين لنا المقصودة بعينها. وقرأ محمد ذو الشامة: {إن البقر تشابه علينا} بفتح المثناة التحتية وتشديد الشين وفتح الموحدة وضم الهاء. والأصل يتشابه أبدلت التاء شيناً وأدغمت فى الشين، والباقر اسم لجماعة البقر. وقرأ: (الأباقر تتشابه علينا) بمثناتين فوقيتين، وتخفيف الشين وفتح الباءِ وضم الهاءِ. والأباقر جمع باقرا وبقرا وبقرة على خلاف ما يقاس عليه. وقرأ: (إن البواقر تتشابة علينا) بمثناتين فوقيتين، وتخفيف الشين وفتح الباء وضم الهاء، والبواقر جمع باقر. وقرأ: (إن البقر يتشابه علينا) بمثناة تحتية فمثناة فوقية، وتخفيف الشين وفتح الموحدة وضم الهاء. وقرأ: (إن البقر يتشابه علينا) بمثناة تحتية وتشديد الشين، وفتح الباء الموحدة وضم الهاء. وقرأ: (تشابه) بمثناة فوقية وتشديد الشين وفتح الموحدة وضم الهاء. وقرأ: (تشابهت) بفتح المثناة الفوقية وتخفيف الشين وفتح الموحدة والهاء آخرها تاء ساكنة. وقرأ: (تشابهت) بهذا الضبط كله نفسه إلا الشين فمشددة. وقرأ: (تشابه) بمثناة فوقية وتشديد الشين والموحدة المفتوحة وضم الهاء وإسقاط الألف، وأصله تتشبه كتتكلم بمعنى تتشابه، وقرأ: (يشبه) بهذا الضبط كله نفسه إلا أن أوله مثناة تحتية. وقرأ: (إن البقر متشابه) بميم مضمومة ومثناة فوقية وشين مفتوحتين خفيفتين وكسر الموحدة بعد الألف، وضم الهاء منونة، وقرأ: (متشابهة) بذلك الضبط إلا أن الهاء مفتوحة بعدها تاء مضمومة منونة. وقرأ (إن البقر مشبهت) بضم الميم وإسكان الشين وكسر الموحدة وفتح الهاء بعدها تاء مضمومة، وقرأ: (إن البقر مشتبه) بذلك الضبط كله إلا أن الهاءَ مضمومة منونة لا تاء بعدها وقرأ: (إن البقر تشابه) بتشديد التاء والشين وفتح الباء والهاء أصله تتشابه أدغمت التاءُ فى التاء وجلبت همزة الوصل. {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ}: إلى وصفها، أو إلى الذى يراد ذبحها، والمعنى واحد: أو إلى القاتل. وفى هذا الكلام منهم انقياد وإنابة وما تلويح وإقرار بأنهم قد تباطئوا وتطاولوا عن الامتثال، وإشعار ما بأنهم ندموا بعض ندم، وبأنهم قد حرضوا الأن على الموافقة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الآبد"تفسير : وفى رواية: "حديث : لولا ما استثنوا ما اهتدوا إليها أبداً"تفسير : ، وما الأولى مصدرية إلى لولا استثناؤهم، وتسمية مثل قولك: إن شاء الله استثناء حقيقة فى اللغة والشرع، لأنك تقول: أقوم، إن أراد زيد فتخص قيامك بإرادته، ولو قلت: أقوم، لكان المعنى أقوم أراد أو لم يرد. فقولك إن أراد إخراج من عموم أقوم، والمراد الآخر الأبد آخر أبد الدنيا، وإلا فالأبد لا آخر له، وفى قولهم إن شاء الله إقرار بأن الاهتداء لا يحدث إلا بارادة الله تعالى، وكذا لا يحدث نقص شئ ولا زيادة شئ إلا بإذن الله عز وجل، وفى الآية عندنا وعند قومنا دلالة على أن الأمر بالشئ قد ينفك عن إرادة وقوعه، كما يأمر الله عز وجل الكفار بالإيمان، وقد قضى وأراد أنهم لا يؤمنون، وكذا النهى عن الشئ قد لا ينفك عن وقوعه كما ينهاهم عن شئ، وقد قضى وأراد أني يفعلوه، وهذه الإرادة بمعنى القضاء، فهى غير حادثة، وذلك أنه أمرهم بالذبح فقالوا إن شاء الله، فاشترطوا للاهتداء مشيئته، فدل أنهُ لو لم يشأ لم يهتدوا، ولو أمرهم وصح الاستدلال بمقالهم، لأن ظاهره أمر شرعى ولم يزجروا عنه، فدل على أنهُ شرعى مقبول. وقالت المعتزلة والكرامية: إن الإرادة حادثة لأنهم قالوا إن شاء الله بالشرط، والشرط مستقبل، ويرده أن المراد إن ثبت أن الله أراد فى الأزل اهتداؤنا، وما تعليقهم الاهتداء بمشيئته إلا لكونه متعلقاً بها، وأقول أما الإرادة المقارنة للفعل أو الترك، فحادثة قطعاً وهى توجيه أسباب الفعل أو الترك.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ} أى ما الوصف الآخر المبين لهذه البقرة العوان، الصفراء الفاقع، أو أرادوا مطلق البقرة التى أمروا بذبحها، إلغاء للبيان المتقدم، وإعراضاً عنه لسوء أدبهم، وعلى كل حال أجابهم عن الله مع إثبات الأوصاف السابقة، بأنها غير مذللكة بالعمل، وأنها كلها على لون واحد {إِنَّ الْبَقَرَ} الموصوف بتلك الصفات {تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا} لكثرته {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ} إليها بوصف تصفها به بعد، قال صلى الله عليه وسلم، لو لم يستثنوا، أى لم يقولوا إن شاء الله لما بينت لهم آخر الآية، وليس قولهم ما هى تكريراً للأول لأنهم قالوا أولا، ما هى، فبينها لهم بأنها عوان، وزادوا سؤالا، ما هى بعد ما وصفتها لنا بأنها صفراء عوان، وهذا يكفى، وهو الأصل، ولا يحتاج إلى ما قيل، إن المراد آخرا بقولهم، ما هى، أسائمة أم عاملة، إذ لا دليل عليه إلا قوله، لا ذلول ولا تسقى، فيسقى على هذا مسلمة لاشية فيها، فالأولى تفويضهم له فى ازدياد بيان، فأجابهم بما أقنعهم.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ} إعادة للسؤال عن الحال والصفة لا لرد الجواب الأول ـ بأنه غير مطابق وأن السؤال باق على حاله ـ بل لطلب الكشف الزائد على ما حصل وإظهار أنه لم يحصل البيان التام. {إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا} تعليل لقوله تعالى: {ٱدْعُ} كما في قوله تعالى: {أية : صَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } تفسير : [التوبة: 103] وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فاشتبه علينا، والتشابه مشهور في البقر، وفي الحديث: «فتن كوجوه البقر» أي يشبه بعضها بعضاً، وقرأ يحيـى وعكرمة ـ (إن الباقر) ـ وهو اسم لجماعة البقر، والبقر اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه ـ كـ {أية : نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } تفسير : [القمر: 20] {أية : وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ }تفسير : ـ [ ق: 10] وجمعه أباقر، ويقال فيه: بيقور وجمع بواقر، وفي «البحر» إنما سمي هذا الحيوان بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها للحرث، وقرأ الحسن {تشـٰبه} بضم الهاء جعله مضارعاً محذوف التاء وماضيه (تشابه) وفيه ضمير يعود على البقر على أنه مؤنث، والأعرج كذلك إلا أنه شدد الشين، والأصل ـ تتشابه ـ فأدغم، وقرىء (تشبه) ـ بتشديد الشين ـ على صيغة المؤنث من المضارع المعلوم، ويشبه بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضاً، وابن مسعود ـ يشابه ـ بالياء والتشديد جعله مضارعاً من تفاعل لكنه أذغم التاء في الشين، وقرىء مشتبه ومتشبه ويتشابه ـ والأعمش ـ متشابه، ومتشابهة ـ وقرىء ـ تشابهت ـ بالتخفيف، وفي مصحف أبيّ بالتشديد، واستشكل بأن التاء لا تدغم إلا في المضارع، وليس في زنة الأفعال فعل ماض على تفاعل بتشديد الفاء ووجه بأن أصله ـ / إن البقرة تشابهت ـ فالتاء الأولى من البقرة؛ والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو ـ الشجرة تمايلت ـ إلا أن جعل التشابه في بقرة ركيك، والأهون القول بعدم ثبوت هذه القراءة فإن دون تصحيحها على وجه وجيه خرط القتاد، ويشكل أيضاً ـ تشابه ـ من غير تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامته إلا أن يقال: إنه على حد قوله:شعر : ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : وابن كيسان يجوزه في السعة. {وَإِنَّا إِن شَاء ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} أي إلى عين البقرة المأمور بذبحها، أو لما خفي من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا، وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ـ مرفوعاً معضلاً ـ وسعيد عن عكرمة ـ مرفوعاً مرسلاً ـ وابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة ـ مرفوعاً موصولاً ـ أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو لم يستثنوا لما تبينت لهم آخر الأبد»تفسير : واحتج بالآية على أن الحوادث بإرادة الله تعالى حيث علق فيما حكاه وجود الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلق المشيئة وهي نفس الإرادة وما قصه الله تعالى في كتابه من غير نكير فهو حجة على ما عرف في محله، وهذا مبني على القول بترادف المشيئة والإرادة، وفيه خلاف وأن كون ما ذكر بالإرادة مستلزم لكون جميع الحوادث بها ـ وفيه نظر ـ واحتج أيضاً بها على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة وليس هو الإرادة كما يقوله المعتزلة لأنه تعالى لما أمرهم بالذبح فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة فلا يكون لقوله: إن شاء الله الدال على الشك وعدم تحقق الاهتداء فائدة بخلاف ما إذا قلنا: إنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على خلاف الواقع للانفكاك، أو يكون مبنياً على ترددهم في كون الأمر منه تعالى يدفعه التقرير إلا أنه يرد أن الاحتجاج إنما يتم لو كان معنى {لَمُهْتَدُونَ} الاهتداء إلى المراد بالأمر أما لو كان المراد إن شاء الله اهتداءنا في أمر ما لكنا مهتدين فلا إلا أنه خلاف الظاهر كالقول بأن اللازم أن يكون المأمور به وهو الذبح مراداً ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى بل هذا أبعد بعيد، والمعتزلة والكرامية يحتجون بالآية على حدوث إرادته تعالى بناء على أنها والمشيئة سواء لأن كلمة (إن) دالة على حصول الشرط في الاستقبال وقد تعلق الاهتداء الحادث بها، ويجاب بأن التعليق باعتبار التعلق فاللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتوسط الشرط بين اسم (إن) وخبرها لتتوافق رؤوس الآي، وجاء خبر (إن) اسماً لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم وللاعتناء بذلك أكد الكلام.
ابن عاشور
تفسير : القول في {ما هي} كالقول في نظيره، فإن كان الله تعالى حكى مرادف كلامهم بلغة العرب فالجواب لهم بـ{أنها بقرة لا ذلول} لما عُلم من أنه لم يبق من الصفات التي تتعلق الأغراض بها إلا الكرامة والنفاسة، وإن كان المحكي في القرآن اختصاراً لكلامهم فالأمر ظاهر. على أن الله قد علم مرادهم فأنبأهم به. وجملة {إن البقر تشابه علينا} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنهم علموا أن إعادتهم السؤال توقع في نفس موسى تساؤلاً عن سبب هذا التكرير في السؤال، وقولهم {إن البقر تشابه علينا} اعتذار عن إعادة السؤال، وإنما لم يعتذروا في المرتين الأوليين واعتذروا الآن لأن للثالثة في التكرير وقعاً في النفس في التأكيد والسآمة وغير ذلك ولذلك كثر في أحوال البشر وشرائعهم التوقيت بالثلاثة. وقد جيء بحرف التأكيد في خبر لا يشك موسى في صدقه فتعين أن يكون الإتيان بحرف التأكيد لمجرد الاهتمام ثم يتوسل بالاهتمام إلى إفادة معنى التفريع والتعليل فتفيد (إن) مفاد فاء التفريع والتسبب وهو ما اعتنى الشيخ عبد القاهر بالتنبيه عليه في «دلائل الإعجاز» ومثله بقول بشار:شعر : بَكّرا صاحِبَيَّ قبْلَ الهَجير إن ذاك النجاحَ في التبكير تفسير : تقدم ذكرها عند قوله تعالى: {أية : إنك أنت العليم الحكيم}تفسير : [البقرة: 32] في هذه السورة وذكر فيه قصة. وقولهم: {أية : وإنا إن شاء الله لمهتدون} تفسير : تنشيط لموسى ووعد له بالامتثال لينشط إلى دعاء ربه بالبيان ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم التي ظهرت بوارقها في قوله: {أية : فافعلوا ما تؤمرون}تفسير : [البقرة: 68] ولإظهار حسن المقصد من كثرة السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات. تفادياً من غضب موسى عليهم. والتعليق بـ{إن شاء الله} للتأدب مع الله في رد الأمر إليه في طلب حصول الخير. والقول في وجه التأكيد في {إنه يقول إنها بقرة} كالقول في نظيره الأول. والذلول ـــ بفتح الذال ـــ فعول من ذل ذلاً ـــ بكسر الذال في المصدر ـــ بمعنى لان وسهل. وأما الذل ـــ بضم الذال ـــ فهو ضد العز وهما مصدران لفعل واحد خص الاستعمال أحد المصدرين بأحد المعنيين. والمعنى إنها لم تبلغ سن أن يحرث عليها وأن يسقى بجرها أي هي عجلة قاربت هذا السن وهو الموافق لما حدد به سنها في التوراة. و{لا ذلول} صفة لبقرة. وجملة {تثير الأرض} حال من {ذلول}. وإثارة الأرض حرثها وقلب داخل ترابها ظاهراً وظاهره باطناً، أطلق على الحرث فعل الإثارة تشبيهاً لانقلال أجزاء الأرض بثورة الشيء من مكانه إلى مكان آخر كما قال تعالى: {أية : فتثير سحاباً}تفسير : [الروم: 48] أي تبعثه وتنقله ونظير هذا الاستعمال قوله في سورة الروم (9): {أية : وأثاروا الأرض} {أية : ولا تسقي الحرث} تفسير : في محل نصب على الحال. وإقحام (لا) بعد حرف العطف في قوله: {ولا تسقي الحرث} مع أن حرف العطف على المنفي بها يغني عن إعادتها إنما هو لمراعاة الاستعمال الفصيح في كل وصف أو ما في معناه أدخل فيه حرف لا كما تقدم في قوله تعالى: {أية : لا فارض ولا بكر}تفسير : [البقرة: 68] فإنه لما قيدت صفة ذلول بجملة تسقى الحرث صار تقدير الكلام أنها بقرة لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث فجرت الآية على الاستعمال الفصيح من إعادة (لا) وبذلك لم تكن في هذه الآية حجة للمبرد كما يظهر بالتأمل. واختير الفعل المضارع في (تثير) و(تسقي) لأنه الأنسب بذلول إذ الوصف شبيه بالمضارع ولأن المضارع دال على الحال. و(مسلمة) أي سليمة من عيوب نوعها فهو اسم مفعول من سلمت المبني للمفعول وكثيراً ما تذكر الصفات التي تعرض في أصل الخلقة بصيغة البناء للمجهول في الفعل والوصف إذ لا يخطر على باب المتكلم تعيين فاعل ذلك، ومن هذا معظم الأفعال التي التزم فيها البناء للمجهول. وقوله: {لا شية فيها} صفة أخرى تميز هذه البقرة عن غيرها. والشية العلامة وهي بزنة فعلة من وشى الثوب إذا نسجه ألواناً وأصل شية وِشية ويقول العرب ثوب موشى وثوب وشي، ويقولون: ثور موشى الأكارع لأن في أكارع ثور الوحش سواد يخالط صفرته فهو ثور أشية ونظائره قولهم فرس أبلق، وكبش أدرع، وتيس أزرق وغراب أبقع، بمعنى مختلط لونين. وقوله: {قالوا الآن جئت بالحق} أرادوا بالحق الأمر الثابت الذي لا احتمال فيه كما تقول جاء بالأمر على وجهه، ولم يريدوا من الحق ضد الباطل لأنهم ما كانوا يكذبون نبيهم. فإن قلت: لماذا ذكر هنا بلفظ الحق؟ وهلا قيل قالوا:الآن جئت بالبيان أو بالثبت؟ قلت: لعل الآية حكت معنى ما عبر عنه اليهود لموسى بلفظ هو في لغتهم محتمل للوجهين فحكى بما يرادفه من العربية تنبيهاً على قلة اهتمامهم بانتقاء الألفاظ النزيهة في مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم كما كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم {راعنا}، فنهينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا}تفسير : [البقرة: 104] وهم لقلة جدارتهم بفهم الشرائع قد توهموا أن في الأمر بذبح بقرة دون بيان صفاتها تقصيراً كأنهم ظنوا الأمر بالذبح كالأمر بالشراء فجعلوا يستوصفونها بجميع الصفات واستكملوا موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض الناس في الكسب للبقر ظناً منهم أن في علم النبي بهذه الأغراض الدنيوية كمالاً فيه، فلذا مدحوه بعد البيان بقولهم {الآن جئت بالحق} كما يقول الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال: الآن أصبت الجواب، ولعلهم كانوا لا يفرقون بين الوصف الطردي وغيره في التشريع، فليحذر المسلمون أن يقعوا في فهم الدين على شيء مما وقع فيه أولئك وذموا لأجله.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَشَابَهَ} (70) - فَعَادُوا إِلى السُّؤالِ، وَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا هِيَ صِفَاتُ هذِهِ البَقَرَةِ، لأَِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيهِمْ، فَلَمْ يَعْرِفُوا أَيَّها المقصودَ، وَإِنَّهُمْ سَيَهْتَدُونَ إِلَيهَا بِمَشِيئَةِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل .. واضح تمام الوضوح عن البقرة .. وعمرها وشكلها ولونها ومنظرها .. فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ينظرون إلى البقر .. وهذا يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا .. والثالث يقول لا بل هي في موقع كذا .. وعادوا إلى موسى يسألونه أن يعود إلى ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم .. وهنا ذكروا الله الذي نسوه ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم: {أية : فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} تفسير : [البقرة: 68] .. فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم وجدلهم .. وجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):