Verse. 78 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

قَالَ اِنَّہٗ يَقُوْلُ اِنَّہَا بَقَرَۃٌ لَّا ذَلُوْلٌ تُثِيْرُ الْاَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ۝۰ۚ مُسَلَّمَۃٌ لَّا شِيَۃَ فِيْہَا۝۰ۭ قَالُوا الْـــٰٔنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ۝۰ۭ فَذَبَحُوْھَا وَمَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ۝۷۱ۧ
Qala innahu yaqoolu innaha baqaratun la thaloolun tutheeru alarda wala tasqee alhartha musallamatun la shiyata feeha qaloo alana jita bialhaqqi fathabahooha wama kadoo yafAAaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول» غير مذللة بالعمل «تثير الأرض» تقلبها للزراعة والجملة صفة ذلول داخلة في النهي «ولا تسقي الحرث» الأرض المهيأة للزراعة «مسلمة» من العيوب وآثار العمل «لا شية» لون «فيها» غير لونها «قالوا الآن جئت بالحق» نطقت بالبيان التام فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه فاشتروها بملء مسكها ذهبا «فذبحوها وما كادوا يفعلون» لغلاء ثمنها وفي الحديث: (لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم).

71

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} أي لم تذلل لكراب الأرض وسقي الحرث، و {لاَّ ذَلُولٌ } صفة لبقرة بمعنى غير ذلول، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية، وقرىء لا ذلول بالفتح أي حيث هي، كقولك مررت برجل لا بخيل ولا جبان، أي حيث هو، وتسقي من أسقى. {مُّسَلَّمَةٌ } سلمها الله تعالى من العيوب، أو أهلها من العمل، أو أخلص لونها، من سلم له كذا إذا خلص له {وَأَنزَلْنَا فِيهَا } لا لون فيها يخالف لون جلدها، وهي في الأصل مصدر، وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لوناً آخر. {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ } أي بحقيقة وصف البقرة وحققتها لنا، وقرىء {ٱلآنَ} بالمد على الاستفهام، ولان بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على السلام. {فَذَبَحُوهَا } فيه اختصار، والتقدير: فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها. {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها. إذ روي: أن شيخاً صالحاً منهم كان له عِجلة، فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر، فشبت وكانت وحيدة بتلك الصفات، فساوموها من اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير. وكاد من أفعال المقاربة وضع لدنو الخبر حصولاً، فإذا دخل عليه النفي قيل معناه الإثبات مطلقاً. وقيل ماضياً، والصحيح أنه كسائر الأفعال ولا ينافي قوله: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } قوله {فَذَبَحُوهَا } لاختلاف وقتيهما، إذ المعنى أنهم ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم، وانقطعت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ } غير مذللة بالعمل {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ } تقلبها للزراعة، والجملة صفة (ذلول) داخلة في النفي {وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ } الأرض المهيأة للزراعة {مُّسَلَّمَةٌ } من العيوب وآثار العمل {لاَّ شِيَةَ } لون {فِيهَا } غير لونها {قَالُواْ ٱلئَٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ } نطقت بالبيان التام فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه فاشتروها بملء مَسْكها ذهبا {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لغلاء ثمنها وفي الحديث (حديث : لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم ).

ابن عطية

تفسير : {ذلول}: مذللة بالعمل والرياضة، تقول بقرة مذللة بيِّنة الذِّل بكسر الذال، ورجل ذلول بين الذُّل بضم الذال، و {ذلول} نعت لـ {بقرة}، أو على إضمار هي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: "لا ذلولَ" بنصب اللام. و {تثير الأرض}، معناه بالحراثة، وهي عند قوم جملة في موضع رفع على صفة البقرة، أي لا ذلول مثيرة، وقال قوم {تثير} فعل مستأنف، والمعنى إيجاب الحرث وأنها كانت تحرث ولا تسقي، ولا يجوز أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، لأنها من نكرة، و {تسقي الحرث} معناه بالسانية أو غيرها من الآلات، و {الحرث} ما حرث وزرع. و {مسلمة} بناء مبالغة من السلامة، قال ابن عباس وقتادة وأبو العالية: معناه من العيوب، وقال مجاهد: معناه من الشيات والألوان، وقال قوم: معناه من العمل. و {لا شية فيها}: أي لا خلاف في لونها هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد قاله ابن زيد وغيره، والموشي المختلط الألوان، ومنه وشي الثوب، تزيينه بالألوان، ومنه الواشي لأنه يزين كذبه بالألوان من القول، والثور الأشيه الذي فيه بلقة، يقال فرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وكلب أبقع، وثور أشيه، كل ذلك بمعنى البلقة. وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم، ودين الله يُسْرٌ، والتعمق في سؤال الأنبياء عليهم السلام مذموم. وقصة وجود هذه البقرة على ما روي، أن رجلاً من بني إسرائيل ولد له ابن، وكانت له عجلة، فأرسلها في غيضة، وقال: اللهم إني قد استودعتك هذه العجلة لهذا الصبي، ومات الرجل، فلما كبر الصبي قالت له أمه: إن أباك قد استودع الله عجلةً لك، فاذهب فخذها، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها، وكانت مستوحشة، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصفة التي أمروا بها، وروت طائفة أنه كان رجل من بني إسرائيل براً بأبيه فنام أبوه يوماً وتحت رأسه مفاتيح مسكنهما، فمر به بائع جوهر فسامه فيه بستين ألفاً، فقال له ابن النائم: اصبر حتى ينتبه أبي، وأنا آخذه منك بسبعين ألفاً، فقال له صاحب الجوهر: نبه أباك وأنا أعطيكه بخمسين ألفاً، فداما كذلك حتى بلغه مائة ألف، وانحط صاحب الجوهر إلى ثلاثين ألفاً، فقال له ابن النائم: والله لا اشتريته منك بشيء براً بأبيه، فعوضه الله منه أن وجدت البقرة عنده، وقال قوم: وجدت عند عجوز تعول يتامى كانت البقرة لهم، إلى غير ذلك من اختلاف في قصتها، هذا معناه، فلما وجدت البقرة ساموا صاحبها، فاشتط عليهم، وكانت قيمتها - على ما روي عن عكرمة - ثلاثة دنانير، فأتوا به موسى عليه السلام، وقالوا: إن هذا اشتط علينا، فقال لهم: أرضوه في ملكه، فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله عبيدة السلماني، وقيل بوزنها مرتين، وقال السدي: بوزنها عشر مرات، وقال مجاهد: كانت لرجل يبر أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير، وحكى مكي: أن هذه البقرة نزلت من السماء، ولم تكن من بقر الأرض، وحكى الطبري عن الحسن أنها كانت وحشية. و {الآن} مبنيٌّ على الفتح ولم يتعرف بهذه الألف واللام، ألا ترى أنها لا تفارقه في الاستعمال، وإنما بني لأنه ضمن معنى حرف التعريف، ولأنه واقع موقع المبهم، إذ معناه هذا الوقت، هو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وقرىء "قالوا الآن" بسكون اللام وهمزة بعدها، "وقالوا الان" بمدة على الواو وفتح اللام دون همز، "وقالوا الآن" بحذف الواو من اللفظ دون همز، "وقالوا ألآن" بقطع الألف الأولى وإن كانت ألف وصل، كما تقول "يا الله". و{جئت بالحق} معناه - عند من جعلهم عصاة- بينت لنا غاية البيان، و {جئت بالحق} الذي طلبناه، لا إنه كان يجيء قبل ذلك بغير حق، ومعناه عند ابن زيد - الذي حمل محاورتهم على الكفر-: الآن صدقت. وأذعنوا في هذه الحال حين بين لهم أنها سائمة، وقيل إنهم عيّنوها مع هذه الأوصاف، وقالوا: هذه بقرة فلان، وهذه الآية تعطي أن الذبح أصل في البقر، وإن نحر أجزأت. وقوله تعالى: {وما كادوا يفعلون} عبارة عن تثبطهم في ذبحها، وقلة مبادرتهم إلى أمر الله تعالى، وقال محمد بن كعب القرظي: كان ذلك منهم لغلاء البقرة وكثرة ثمنها، وقال غيره: كان ذلك خوف الفضيحة في أمر القتال، وقيل: كان ذلك للمعهود من قلة انقيادهم وتعنتهم على الأنبياء، وقد تقدم قصص القتيل الذي يراد بقوله تعالى: {وإذ قتلتم نفساً}، والمعنى قلنا لهم اذكروا إذ قتلتم. و "ادارأتم" أصله: تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال فتعذر الابتداء بمدغم، فجلبت ألف الوصل، ومعناه تدافعتم أي دفع بعضكم قتل القتيل إلى بعض، قال الشاعر: [الرجز] شعر : صَادَفَ درءُ السَّيْلِ دَرْءاً يَدْفَعُهْ تفسير : وقال الآخر [الخفيف]: شعر : مدْرأٌ يدرأُ الخُصُومُ بقولٍ مِثْلَ حَدِّ الصِّمْصَامَةِ الهُنْدُواني تفسير : والضمير في قوله: {فيها} عائد على النفس وقيل على القتلة، وقرأ أبو حيوة وأبو السوار الغنوي "وإذ قتلتم نسمة فادّارأتم"، وقرأت فرقة "فتدارأتم" على الأصل، وموضع {ما} نصب بمخرج، والمكتوم هو أمر المقتول. وقوله: {اضربوه ببعضها} آية من الله تعالى على يدي موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيل فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره، لأن ابن عباس ذكر أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنة، وقال القرظي: لقد أمروا بطلبها وما هي في صلب ولا رحم بعد، وقال السدي: ضرب باللحمة التي بين الكتفين، وقال مجاهد وقتادة وعبيدة السلماني: ضرب بالفخذ، وقيل: ضرب باللسان، وقيل: بالذنب، وقال أبو العالية: بعظم من عظامها. وقوله تعالى: {كذلك يحيي الله الموتى} الآية، الإشارة بـ {كذلك} إلى الإحياء الذي تضمنه قصص الآية، إذ في الكلام حذف، تقديره: فضربوه فحيي، وفي هذه الآية حض على العبر، ودلالة على البعث في الآخرة: وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل، حينئذ حكي لمحمد صلى الله عليه وسلم ليعتبر به إلى يوم القيامة، وذهب الطبري إلى أنها خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله تعالى: {اضربوه ببعضها}، وروي أن هذا القتيل لما حيي وأخبر بقاتله عاد ميتاً كما كان، واستدل مالك رحمه الله بهذه النازلة على تجويز قول القتيل وأن تقع معه القسامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {ذَلُولٌ} أذلها العمل. {تُثِيرُ الأَرْضَ} والإثارة تفريق الشيء {مُسَلَّمَةٌ} من العيوب، أو من الشية: وهي لون يخالف لونها من سواد أو بياض من وشي الثوب: وهو تحسين عيوبه بألوان مختلفة، الواشي: الذي يحسِّن كذبه عند السلطان ليقبله. {جِئْتَ بِالْحَقِّ} بينت الحق، أو قالوا: هذه بقرة فلان جئت بالحق فيها. {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} لغلاء ثمنها، لأنه كان بملء مَسْكها ذهباً أو بوزنها عشر مرات، أو خوفاً من الفضيحة بمعرفة القاتل، وكان ثمنها ثلاثة دنانير.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ...} فسره الزمخشري بوجهين: إما نفي الإشارة فهو على إضمار "لاَ" أي لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، وإما على إثبات الإشارة ونفي السقي أي هي تحرث ولا تسقي. ورد هذا بأنها إذا انتفى عنها أنّها ذلول ثبت كونها صعبة غير مذللةٍ فلا تطاق لا إلى الحرث ولا إلى سقي. وأُجيب عنه بأن ذلولا من أبنية المبالغة فما انتفى عنها إلا الأخص ((من) الذلة فهو نفي (للأخص)، ولم ينتف عنها مطلق الذلة (فهي متوسطة) فلولا كانت صعبة جدا ما حرثت ولا سقت، ولو كانت ذليلة)) فهي منقادة لا صعبة ولا مذللة. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون من نفي الشيء بنفي لازمه مثل قول امرىء القيس: شعر : على لاَحِبٍ لا يهتدي بمناره تفسير : ابن عطية: إنما ذلك حيث يذكر لازم الشيء فقط فيكون نفيه نفيا للملزوم وهنا (ذكر) (الملزوم) ولازمه منفيين فليس من ذلك القبيل إلا لو قيل: لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث ولم يقل: لا ذلول. ورد هذا بأن مراد الطيبي (أنّ) نفي (الذلّة) عنها ونفي السقي يستلزمان نفي (إثارتها) الأرض، لأن الإثارة في (الآية) مثبتة غير منفية، وهو مثل قول الله تعالى: {أية : وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } تفسير : قال الزمخشري: إنه مثل قوله. شعر : على لاَحِب لا يهتدي بمناره تفسير : ((أي ليس هناك خبير فينبئك، وكذا (كمثل) قولهم هذا يوم (لا) ينادي وليد أي ليس فيه وليد فينادي)) ومثل قول صاحب البردة: شعر : فذلك حيِنَ بُلوغٍ من نُبُوَّتهِ فليس يُنْكَر حالُ محتلِمِ تفسير : أي ليست له حال محتلم فتنكر. فإن قلت: الذّلة والإثارة متلازمان؟ قلنا: الذلة في الآية منفية، والإثارة مثبتة، و (لا) يتم ما قال الطيبي إلا إذا (أعرب) "تثير الأرض" صفة لـ "ذلول" فمعناه لا ذلول مثيرة (الأرض) أي ليست مثيرة الأرض فيكون ذلولا كمعنى البيت المتقدم أي ليس له منار يهتدي (به)، وإن أعربناه صفة للبقرة أو استئنافا أو حالا (فما يجيء) فيه ذلك التفسير، وإذا كان صفة لـ "ذلول" فيكون النفي مسلطاً على الموصوف وصفته، (وقصده) ثبوت أحدهما فتكون إما ذلول غير مثيرة ولا مسقية وإما ذلول فقط كقولك: لا رجل صالح في الدار. وضده احتمال كونه: فيها رجل غير صالح، (أو أنها ليس) فيها أحد. قال ابن عرفة: وأخذوا من الآية أن الأمور الجزئية المشخّصة يمكن تعريفها بالخاصة، لأن التعريف بالخواص إنما يكفي عندهم في الأمور الكلية، أما الجزئية فإنها تعرف بتعيينها والإشارة إليها، إذ في الممكن أن يكون في الوجود غيرها مختصا بتلك الصفات. قال: وعادتهم يجيبون بأن الزمان والمكان هنا معينان، فلذلك اكتفى بالتعريف بالخواص ولو كان الزمان (مُبْهَما) لقلنا: في الجائز أن يوجد من هو على تلك الصفة في زمن من الأزمان، أو في غير ذلك المكان إما في ذلك الزمان وإما في ذلك المكان (فيتعين) أن الموصوف شيء واحد لا يحتمل غيره. واحتجوا بهذه الآية على أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه (يمنع) السلم في الحيوان على الصفة، وقال: لا (تخصصه) الصفة، فنقل عنه القرطبي هنا وابن يونس المنع في الحيوان بالإطلاق، ونقل عنه غيرهما أنه خصص ذلك (ببني) آدم. قال ابن عرفة: وله أن يجيب بأن الغرر في البيع معتبر، وهذا ليس ببيع (فلا) يلزم من جواز الاكتفاء (بالصفة) هنا الاكتفاء بها هنالك. انتهى.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}[71] فقال: أي لا علامة فيها تشينها، ولا لون يخالف لون سائر جسدها. وتلك حكمة من صانعها، وعبرة لمن اعتبر بها، وزاد لإيمانه وتوحيده يقيناً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} [الآية:71]. معناه: لا يصلح لكرامتى وإظهار ولايتى عليه إلا من لم يُذلل نفسهُ بالسكون إلى شئ من الأكوان ولم يَسعَ فى طلبِ الحوادثِ بحالٍ مسلمةٍ من منون عوارضِ الخلافِ. {لاَّ شِيَةَ فِيهَا}: لا أثر عليه لأحد بالسكون إليه والاعتماد عليه فهو القائمُ بى والناظرُ إلىَّ والمعتمد علىَّ أظهرتُ عليه آيات قدرتى وجعلتُه أحَدَ شواهد عزّتى فمن شاهده استغرق فى مشاهدته؛ لأنه قد ألبسَ رداء العِزّ وأنشد على أثره. شعر : إذاً فانظُرِى الدنيا بِعَينىَّ واسمَعِى بِأذُنىَّ فيها وَانطقِى بِلسانِى تفسير : قوله تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ} [الآية: 61]: الحرص.

القشيري

تفسير : كما أنَّ تلك البقرة لم يُذلِلْها العملُ، ولم تُبْتَذَلُ في المكاسب، لا لونَ فيها يخالف عِظَمَ لَوْنِها فالإشارة منه أن أهل الولاية الذين لم يتبذلوا بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال والأمثال، ولم يتكلوا على الاختيار والاحتيال، وليسوا نهباً لمطالبات المنى، ولا صيداً في مخلب الدنيا، ولا حكمَ للشهوات عليهم، ولا سلطان للبشرية تَمَلَّكهم، ولم يسعَوْا قط في تحصيل مرادهم، ولم يشقوا لدرك بُغيتهم، وليس عليهم رقم الأغيار، ولا سِمَةُ الأسباب - فَهُمْ قائمون بالله، فانون عما سوى الله، بل هم محو، مُصْرِّفُهم الله. والغالب - على قلوبهم - الله. وكما أن معبودَهم الله كذلك مقصودهم الله. وكما أن مقصودهم الله كذلك مشهودهم الله، وموجودهم الله، بل هم محو بالله و (...) عنهم الله، وأنشد قائلهم: شعر : إذا شِئتِ أن أرْضَى وترضي وتملكي زِمَامِيَ - ما عشنا معاً - وعناني إذن فارمُقي الدنيا بعيني واسمعي بأذني وانطقي بلساني تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ}. طلبوا الحيلة ما أمكنهم فلما ضاقت بهم الحِيَل استسلموا للحكم فتخلصوا من شدائد المطالبات، ولو أنهم فعلوا ما أمِروا به لما تضاعفت عليهم المشاق.

البقلي

تفسير : {لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} اي ليست بمذَللةٍ في عبوديّتى ولا عامرة ارض القلب التى هى مزرعة محتبى ولا ساقية بذر المحبّة فى شريعة العقل وهى محلُّ قرار قربتى {مُسَلَّمَةٌ} اى فارغة عن العبادات وهى عنها بمعزلٍ ابدةٍ عن الحكومات لا رغبة لها في مناجرتى ولا رهبة لها عن معاقبتى لانها خلقت من الضلاله وهى ليسة من الهداية {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} اى لاسمه عليها الاَحدٍ لانها لا تالف الحق ابداً وقال بعضهم لا يصلح لكرامتى واظهار ولايتى علهي الا من يذللُ نفسه بالكسون الى شَئٍ من الاكوان ولم يَسَعَ في طلب الحوادث بحالٍ مُسْلمة من فنون عَوارض الخلاف لاشية فيها لا اثَرَ عليه لاحد بالسكون اليه والاعتماد عليه فهو القائم والناظر الىّ والمعتمد عَلَىّ اظهرت عليه ايات قدرتى وجعلته احد شواهِدِ عزّ فى فمن شاهد استغرق في مشاهدته لانه قد لبس رداء العز واشند على اثره هذه اذاً فانظرى الدنيا بعينى واسمعى باذنى فيها وانطقى بلسانى.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} موسى {انه} تعالى {يقول انها بقرة لا ذلول} مذللة ذللها العمل يقال دابة دلول الذل بالكسر وهو خلاف الصعوبة وهو صفة لبقرة بمعنى غير ذلول ولم يقل ذلولة لان فعولا اذا كان وصفا لم تدخله الهاء كصبور {تثير الارض} اى تقلبها للزراعة وهى صفة ذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة {ولا تسقى الحرث} اى ليست بسانية يسقى عليها بالسواقى ولا الاولى للنفى والثانية مزيدة لتوكيد الاولى لان المعنى لا ذلول تثير وتسقى على ان الفعلين صفتان لذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة وساقية كذا فى الكشاف. قال الامام ابو منصور رحمه الله دلت الآية على ان البقرة كانت ذكرا لان اثارة الارض وسقى الحرث من عمل الثيران واما الكنايات الراجعة اليها على التأنيث فللفظها كما فى قوله وقالت طائفة فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلافا لابى يوسف الا ان يكون اهل ذلك الزمان يحرثون بالانثى كما يحرث اهل هذا الزمان بالذكر {مسلمة} اى سلمها الله من العيوب او معفاة من العمل سلمها اهلها منه او مخلصة اللون من سلم له كذا اذا خلص له لم يشب صفرتها شىء من الالوان ويؤيده قوله تعالى {لا شية فيها} يخالف لون جلدها فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها والاصل وشية كالعدة والصفة والزنة اصلها وعد ووصف ووزن واشتقاقها من وشى الثوب وهو استعمال الوان الغزل فى نسجه {قالوا} عند ما سمعوا هذه النعوت {الآن} اى هذا الوقت بنى لتضمنه معنى الاشارة {جئت بالحق} اى بحقيقة وصف البقرة وما بقى اشكال فى امرها {فذبحوها} الفاء فصيحة اى فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الاوصاف كلها بان وجدوها مع الفتى فاشتروها بملئ مسكها ذهبا فذبحوها {وما كادوا} اى وما قربوا {يفعلون} والجملة حال من ضمير ذبحوا اى فذبحوها والحال انهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. تلخيصه ذبحوها بعد توقف وبطئ قيل مضى من اول الامر الى الامتثال اربعون سنة فعلى العاقل ان يسارع الى الامتثال وترك التفحص عن حقيقة الحال فان قضية التوحيد تستدعى ذلك: قال فى المثنوى شعر : تاخيال دوست دراسرار ماست جاكرى وجان سبارى كار ماست تفسير : وفى الحكم العطائية اخرج من اوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا بالاستسلام لقهره وذلك يقتضى وجود الحفظ من الله تعالى حتى لا يلم العبد بمعصية وان ألم بها فلا تصدر منه واذا صدرت منه فلا يصر عليها اذ الحفظ الامتناع من الذنب مع جواز الوقوع فيه والعصمة الامتناع من الذنب مع استحالة الوقوع فيه فالعصمة للانبياء والحفظ للاولياء فقوله {الآن جئت بالحق} يدل على الرجوع من الهفوة وعدم الاصرار وهذا ايمان محض. وفى التأويلات النجمية {أية : أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} تفسير : [البقرة: 67]. اشارة الى ذبح بقرة النفس البهيمية فان فى ذبحها حياة القلب الروحانى وهذا هو الجهاد الاكبر الذى كان النبى عليه السلام يشير اليه بقوله "حديث : رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر ". تفسير : وبقوله "حديث : المجاهد من جاهد نفسه ". تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : موتوا قبل ان تموتوا ". تفسير : اشار الى هذا المعنى {أية : قالوا أتتخذنا هزوا} تفسير : [البقرة: 67]. اى أتستهزئ بنا فى ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذى همة سنية {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : [البقرة: 67]. الذين يظنون ان ذبح النفس امر هين ويستعدله كل تابع الهوى او عابد الدنيا {أية : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى} تفسير : [البقرة: 68]. اى يعين اى بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فاشار الى بقرة نفس {لا فارض} فى سن الشيخوخة تعجز عن سلوك الطريق لضعف المشيب وخلل القوى النفسانية كما قال بعض المشايخ الصوفى بعد الاربعين فارض {ولا بكر} فى سن شرح الشباب فانه يستهويه سكره {عوان بين ذلك} اى عند كمال العقل قال تعالى {أية : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة}[الأحقاف: 15] {أية : فافعلوا ما تؤمرون} تفسير : [البقرة: 68]. فانكم ان تقربتم الى الله بما امرتم فان الله يتقرب اليكم بما وعدتم {أية : وإنا لا نضيع اجر من احسن عملا} تفسير : [الكهف: 30]. فى الشيب والشباب {أية : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها} تفسير : [البقرة: 69]. يعنى ما لون بقرة نفس تصلح للذبح فى الجهاد {أية : قال إنه يقول إنها بقرة صفراء} تفسير : [البقرة: 69]. اشارة الى صفرة وجوه ارباب الرياضات وسيما اصحاب المجاهدات فى طلب المشاهدات {أية : فاقع لونها} تفسير : [البقرة: 69]. يعنى صفرة زين لا صفرة شين كما هى سيما الصالحين {أية : تسر الناظرين} تفسير : [البقرة: 69]. من نظر اليهم يشاهد فى غرتهم بهاء قد ألبس من اثر الطاعات ويطالع من طلعتهم آثار شواهد الغيب من خمود الشهوات حتى امن من احوال البشرية بوجدان آثار الربوية كقوله تعالى {أية : سيماهم فى وجوههم من اثر السجود} [الفتح: 29] {أية : إن البقر تشابه علينا} تفسير : [البقرة: 70]. اشارة الى كثرة تشبه البطالين بزى الطالبين وكسوتهم وهيئتهم {أية : وإنا إن شاء الله لمهتدون} تفسير : [البقرة: 70]. الى الصادق منهم فالاهتداء اليهم يتعلق بمشيئة الله وبدلالته كما كان حال موسى والخضر عليهما السلام فلو لم يدل الله موسى لما وجده وقوله {انها بقرة لا ذلول تثير الارض} اشارة الى نفس الطالب الصادق وهى التى لا تحمل الذلة تثير بآلة الحرص علو ارض الدنيا لطلب زخارفها وتتبع هوى النفس وشهواتها كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : عز من قنع ذل من طمع ". تفسير : وقال "حديث : ليس للمؤمن ان يذل نفسه ". تفسير : {ولا تسقى الحرث} اى حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الحق فيصرف فى حرث الدنيا فيذهب ماؤه عند الخلق وعند الحق لقوله تعالى {أية : ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب} تفسير : [الشورى: 20]. {مسلمة لا شية فيها} اى نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لاحكام ربها ليس منها طلب غير الله ولا مقصد لها الا الله كما وصفهم الله تعالى بقوله {أية : للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله} تفسير : [البقرة: 273] الى قوله {أية : إلحافا} تفسير : [البقرة: 273]. {فذبحوها وما كادوا يفعلون} يشير الى ان ذبح النفس ليس من الطبيعة الانسانية فمن ذبحها من الصادقين بسيف الصدق كان ذلك من فضل الله تعالى وحسن توفيقه فاما من حيث الطبيعة فما كادوا يفعلون.

الطوسي

تفسير : المعنى ان البقرة التي امرتكم بذبحها، لا ذلول أي لم يذللها العمل باثارة الارض باظلافها. ولا تسقي الحرث. معناه: ولا يستقى عليها الماء، فيسقى الزرع. كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب والعمل. تقول دابة ذلول بين الذل ـ بكسر الذال - وفي مثله من بني آدم رجل ذليل بين الذل والمذلة. قال الزجاج: يحتمل أن يكون اراد ليست بذلول وهي تثير الارض. ويحتمل: انها ليست ذلولة، ولا مثيرة الارض قيل: إنها كانت وحشية في قول الحسن مسلمة. معناه: من السلامة. يقال منها سلمت تسلم، فهي مسلمة من الشية. لاشية فيها لا بياض فيها، ولا سواد. وقال قتادة مسلمة من العيوب: وبه قال الربيع. وقال ابن جريج: لا عوان فيها. قال المؤرخ: لاشية فيها: أي لا وضح فيها بلغة اردشنوه والذي قال اهل اللغة {لاشية فيها}: اي لا لون يخالف لون جلدها واصله: وشى الثوب واصله تحسين عيوب الشيء، يكون فيه بضروب مختلفة من الوان سداه، ولحمته يقال منه: وشيت الثوب: اشيه شية ووشيا. ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان، أو غيره واش لكذبه عليه عنده. وتحسينه كذبه عنده بالاباطيل يقال: وشيت به وشاية. قال كعب بن زهير: شعر : يسعى للوشاة بجنبيها وقولهم انك يابن ابي سلمى لمقتول تفسير : يعني: انهم يتقولون الاباطيل، ويخبرونه انه إن الحق بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قتله وقال بعض اهل اللغة ان الوشي: العلامة واصله: شية من وشيت، لكن لما اسقطت منها الواو وابدلت مكانها الهاء في اخرها: كما قالوا: وزنته زنة ووعدته عدة. وكذلك وشيته شية. وقالوا: {الآن جئت بالحق} موصولة الهمزة واذا ابتدأت، قطعت الالف الاولى، لأن الف الوصل إذا ابتدىء بها قطعت. قال الفراء: والاصل الاوان. فحذفت الواو. والالف واللام دخلتا في آن لانهما ينوبان عن الاشارة. المعنى انت إلى هذا الوقت تفعل هذا. فلم تعرب الآن كما لم تعرب هذا. ومن العرب من يقول {قالوا الآن جئت بالحق} ويذهب الوصل ويفتح اللام، ويحذف الهمزة التي بعد اللام. ويثبت الواو في (قالوا) ساكناً، لأنه انما كان يذهبه لسكون اللام. واللام قد تحركت، لأنه حوّل عليها حركة الهمزة قال الشاعر: شعر : وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة فبح لان منها بالذي انت بايح تفسير : المعنى: ومعنى قوله: {الآن جئت بالحق} يحتمل امرين: احدهما ـ الان بينت الحق. وهو قول قتادة. وهذا يدل على انه كان فيهم من يشك في ان موسى (ع) ما بيّن الحق. وقال عبد الرحمان: يريد انه حين بينها لهم، قالوا هذه بقرة فلان. الآن جئت بالحق وهو قول من جوزانه قبل ذلك لم يجىء بالحق على التفصيل ـ وإن تى به على وجه الجملة ـ وقوله: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} يحتمل امرين: احدهما ـ كادوا لا يفعلون اصلا، لغلاء ثمنها، لأنه حكي عن ابن عباس ومحمد ابن كعب انهم اشتروها بملء جلدها ذهباً من مال المقتول. وقيل بوزنها عشر مرات. والثاني ـ ما قال عكرمة ووهب كادوا ألا يفعلوا خوفاً من الفضيحة على انفسهم في معرفة القاتل منهم، قال عكرمة ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير. اللغة: ومعنى كاد: هم ولم يفعل. ولا يقال كاد أن يفعل. وانما يقال كاد يفعل، قال الله ما كادوا يفعلون قال الشاعر: شعر : قد كاد من طول البلى ان يمصحا تفسير : يقال مصح الشيء اذا فني وذهب. يمصح مصوحاً. وانشد الاصمعي: شعر : كادت النفس ان تفيض عليه اذ ثوى حشو ريطة وبرود تفسير : ولا يجىء منه إلا فعل يفعل وتثنيتها. وقال بعضهم: قد جاءت بمعنى إيقاع الفعل لا بمعنى الهم والقرب من ايقاعه، وانشد قول الاعشى: شعر : قد كاد يسمو إلى الجرباء وارتفعا تفسير : الجرباء: السماء: أي سما وارتفع وقال ذو الرمة: شعر : لو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه ميّ سافراً كاد يبرق تفسير : أي لو تعرضت لعينيه أي دهش وتحير. وروي عن ابي عبد الله السلمي انه قرأ لا ذلول بفتح اللام غير منون وذلك لا يجوز لأنه ليس المراد النفي وانما المراد بها بقرة غير ذلول وعندنا انه يجوز في البقرة غير الذبح. فان نحر مختاراً لم يجز اكله وفيه خلاف، ذكرناه في خلاف الفقهاء. قد استدل اصحابنا بهذه الآيات على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. فان قالوا ان الله امرهم بذبح بقرة هذة الصفات كلها لها، ولم يبين ذلك في اول الخطاب حتى سألوا عنه وراجعوا فيه، فبين حينئذ المراد لهم شيئاً بعد شيء. وهذا يدل على جواز تأخير البيان. فان قيل ولم زعمتم ان الصفات المذكورة في البقرة الأولى التي امروا بذبحها، وما الذي تنكرون انهم امروا بذبح البقرة أي بقرة كانت فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة اخرى هي لا فارض ولا بكر فلما راجعوا تغيرت المصلحة، فأمروا بذبح بقرة صفراء فاقع لونها فلما راجعوا تغيرت المصلحة فأمروا بذبح بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لاشية فيها. وانما يصح لكم لو كانت الصفات المذكورة كلها مرادة في البقرة الاولى. قلنا هذا باطل، لأن الكناية في قوله: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} لا يجوز ان تكون كناية إلا عن البقرة التي تقدم ذكرها وامروا بذبحها، لأنه لم يجر في الكلام ما يجوز ان تكون هذه الكناية عنه إلا البقرة، ويجري ذلك مجرى ان يقول واحد لغلامه: اعطني تفاحة فيقول الغلام ما هي؟ بينها فلا يصرف واحد من العقلاء هذه الكناية إلا إلى التفاحة المأمور باعطائه اياها. ثم يقال بعد ذلك انها بقرة لا فارض ولا بكر وقد علمنا ان الهاء في قوله: انه يقول كناية عنه تعالى، لأنه لم يتقدم ما يجوز ان يكون كناية عنه إلا اسمه تعالى. وكذا يجب ان يكون قوله انها كناية عن البقرة المتقدم ذكرها وإلا فما الفرق بين الامرين؟ وكذلك الكلام في الكناية الثانية والثالثة سواء. ولا خلاف بين المفسرين ان الكناية في الآية من اولها إلى آخرها: كناية عن البقرة المأمور بها في الأول. وقالت المعتزلة: انها كناية عن البقرة التي تعلق التكليف المستقبل بها. ولا خلاف بين المفسرين ان جميع الصفات المذكورات للبقرة اعوز اجتماعها للقوم حتى توصلوا إلى اجتماع بقرة لها هذه الصفات كلها بملء جلدها ذهباً. وروي اكثر من ذلك. ولو كان الامر على ما قاله المخالف لوجب ان لا يعتبروا فيما يبتاعونه إلا الصفات الاخيرة دون ما تقدمها، وتلغي الصفات المتقدمة اجماعهم على ان الصفات كلها معتبرة. دليل على ان الله تعالى أخر البيان. فان قيل لم عنفوا على تأخيرهم امتثال الامر الأول مع ان المراد بالامر الأول تأخر؟ ولم قال فذبحوها وما كادوا يفعلون؟ قلنا ما عنفوا بتأخير امتثال الأمر الأول: وليس في الظاهر ما يدل عليه بل كان البيان يأتي شيئاً بعد شيء كما طلبوه من غير تعنيف فلا قول يدل على انهم بذلك عصاة. فاما قوله: في اخر القصة: {فذبحوها وما كادوا يفعلون}. فانما يدل على انهم كادوا يفرطون في اخر القصة، وعند تكامل البيان. ولا يدل على انهم فرطوا في اول القصة. ويقوي ذلك قوله تعالى بعد جمع الاوصاف: {الآن جئت بالحق} اي جئت به على جهة التفصيل. وان كان جاءهم بالحق مجملاً. وهذا واضح بحمد الله، وقد استوفينا الكلام في هذه الآية وغيرها في العدة في اصول الفقه ما لا مزيد عليه.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} لا تكون مروّضةً مذلّلةً لاثارةً الارض {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} ولا تكون مروّضةً تسقى الحرث بالدّلاء {مُسَلَّمَةٌ} من العيوب {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} لا لون فيها غير الصّفرة يخالطها {قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} من أوصاف البقرة وحقيقتها الّتى بها تمتاز عن غيرها وقد عرفناها هى بقرة فلانٍ واشير فى بعض الاخبار انّهم لو ذبحوا أىّ بقرةٍ عمدوا اليها أجزأهم لكنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم. وفى تفسير الامام (ع) فلمّا سمعوا هذه الصّفات قالوا: يا موسى فقد أمرنا ربّنا بذبح بقرةٍ هذه صفتها؟ - قال: بلى ولم يقل موسى فى الابتداء انّ الله قد أمركم لانّه لو قال: انّ الله قد أمركم لكانوا اذ {قالوا ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما هى} وما لونها كان لا يحتاج الى ان يسأله عزّ وجلّ ذلك ولكن كان يجيبهم هو بأن يقول امركم ببقرة فاىّ شيئٍ وقع عليه اسم البقرة فقد خرجتم من أمره اذا ذبحتموها فلمّا استقرّ الامر عليهم طلبوا هذه البقرة فلم يجدوها الاّ عند شابٍّ من بنى اسرائيل أراه الله فى منامه محمّداً (ص) وعليّاً (ع) وطيّبى ذرّيّتهما فقالا انّك كنت لنا محبّاً مفضّلاً ونحن نريد ان نسوق اليك بعض جزائك فى الدّنيا فاذا راموا شراء بقرتك فلا تبعها الاّ بأمر أمّك فانّ الله يلقّنها ما يغنيك به وعقبك، ففرح الغلام وجاء القوم يطلبون بقرته فقالوا: بكم تبيع بقرتك هذه؟ - قال: بدينارين والخيار لامّى قالوا: رضينا بدينارٍ فسألها، فقالت: بأربعة، فأخبرهم فقالوا، نعطيك دينارين، فأخبر أمّه، فقالت: ثمانية، فما زالوا يطلبون على النّصف ممّا تقول أمّه، ويرجع الى أمّه فتضعف الثّمن حتّى بلغ ثمنها ملأ مسك ثورٍ أكبر ما يكون ملأ دنانير، فأوجبت لهم البيع {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} لغلاء ثمنها وثقله عليهم لانّ ثمنها بلغ الى ملأ جلدها على بعض ما نقل، او ملأ جلد ثور اكبر ما يكون ديناراً وكان ثقيلاً عليهم فانّه بعد ما قبلوه بلغ مقداره الى خمسة آلاف الف دينار ولجاجهم حملهم على أدائها وافتقر القوم كلّهم واستغنى الشّابّ، ونقل أنّه لم يفتقر أحد من أولاده الى سبعين بطناً. وفى تفسير الامام (ع) انّ أصحاب البقرة ضجّوا الى موسى (ع) وقالوا: افتقرت القبيلة وانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا فأرشدهم موسى (ع) الى التّوسّل بنبيّنا فأوحى الله اليه ليذهب رؤساؤهم الى خربة بنى فلانٍ ويكشفوا عن موضع كذا ويستخرجوا ما هناك فانّه عشرة آلاف ألف دينار ليردّوا على كلّ من دفع فى ثمن هذه البقرة ما دفع لتعود أحوالهم على ما كانت. ثمّ ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل وهو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كلّ واحد منهم ليتضاعف أموالهم جزاء على توسّلهم بمحمّد (ص) وآله (ع) واعتقادهم لتفضيلهم.

اطفيش

تفسير : {قَالَ}: موسى. {إِنّهُ}: أى الله أو الشأن. {يَقُولُ}: أى الله. {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ}: لا وما بعدها نعت بقرة، على حد ما مر فى {لا فارض} أى بقرة غير ذلول أو بقرة لا هى ذلول أو لا عاطفة على نعت محذوف، أى بقرة مستصعبة لا ذلول، وذلول فعول بمعنى فاعل، ولذلك لم يقل ذلولة بالتاء. ولو كان بمعنى مفعول لقيل ذلولة لكون الغالب ذلك وهو صفة مبالغة، أى غير كثيرة الذل لأنها لم تذلل لشق الأرض وسقيها للزرع، وإنما فيها الذل المخلوق فى مطلق الأنعام كما قال الله تعالى {وذللناها لهم} وقرأ أبو عبدالرحمن السلمى: لا ذلول بفتح اللام على أن لا هى العاملة عمل أن وخبرها محذوف، والجملة نعت بقرة، أى لا ذلول فى الموضع الذى هى فيه، وذلك كناية عن أنها غير ذلول، إذ لو كانت ذلولا لكان فى الموضع الذى هى فيه حيوان ذلول هو هى، كما يقال مررت برجل لا بخيل ولا جبان أى فى الموضع الذى هو فيه. {تُثِيرُ الأَرْضَ}: تقلب الأرض للزراعة، والجملة نعت ذلول أو بقرة داخلة فى النفى، أى انتفى ذلها، وانتفى إثارتها الأرض هذا هو الصحيح، ومذهب الجمهور. وقال بعضهم: إنها مستأنفة مثبتة، أى من صفتها أنها تثير الأرض ولا تسقى الحرث، وعلى الإثبات بجو كونها نعت ذلول كأنهُ قيل: ليست بالذلول التى تثير الأرض، وإن قلت يلزم على هذا أن يفهم من الكلام أنها الذلول التى لا تثير الأرض؟ قلت: لا يلزم. لأن الكلام حينئذ يكون من القضايا التى تصدق بنفى الموضوع من أصله، أى لا ذلول هنا أصلا مثيرة ولا غير مثيرة. {وَلاَ تَسْقِى الْحَرْثَ}: معطوف على تثير الأرض، فهى فى حكمه من استئناف أو نعت، وإنما أعيدت لا على جعل تثير داخلا فى النفى للتأكيد، وليكون الكلام نصا فى عموم السلب بعد تسليم دخول تثير فى النفى، ولو أسقطت لا لكان محتملا لسلب العموم، وقرئ تسقى بضم التاء من أسقى بالهمزة، والساقية والمسقية التى ترفع الماء من البئر للزراعة مثلا كما هنا. {مُسَلَّمَةٌ}: سلمها الله عز وجل من العيوب، قاله ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: سلمها الله من الألوان وجعل لونها واحداً، وعلى هذا الوجه يكون قوله: {لا شية فيها} تأكيداً له فى المعنى، وكالنتيجة له فيكون قوله: {لا شية} بمعنى سلمت من الألوان، كأنه قيل سلمها الله فسلمت، والمعنى لم يخالط صفرتها لون آخر ولو قليلا، ويقال سلم له كذا إذا خلص له، وقيل سلمها أهلها. قلت أو الله من العمل، لأن كل ما فعله مخلوق فالله خالقه وليس قوله مسلمة بناء مبالغة من السلامة، كما قيل لأن التشديد فى هذه الكلمة للتعدية ولا تحصل التعدية بدونه وبدون الهمزة فى مادة السلامة من هذا المعنى، ولولا التشديد لقيل سالمة أو سليمة، إلا أن يراد أن التعبير بالتسليم أو كد منه بالسلامة ترجيحاً للنسبة الإيقاعية على الوقوعية، ولأن التشديد يكون فى الجملة للتأكيد. {لاَ شِيَةَ فِيهَا}: الشية النكتة وهى لون يخالف سائر لون الجسم، وأصله مصدر بمعنى إثبات النكتة، ثم سميت به النكتة نفسها، يقال وشاه يشيه وشاءَ وشيئة، كوعد يعد ووعد عدة إذا خلط لونه بلون آخر كالرقم والخطوط فى الثوب، ففاء الكلمة محذوف، والمعنى أنه ليس فى تلك البقرة لون سوى الصفرة، حتى قال صاحب الكشاف وهو المعبر عنه بجار الله: أن قرنها وظلفها أصفران، وعلى مقتضى كلامه نحكم بأن أهداب عينها صفر أيضاً وهذا لم يخطر ببالى حتى اطلعت عليهِ فى كلامه، وإنما أخذه من عموم النفى والذى عندى أن الله سبحانه إنما نفى الشيه والشئ إنما ينفى عادة عما قد يتوهم ثبوته فيه والعادة لم تجر بتسمية لون القرن والظلف نكتة ولا شية. وإنما تسمى ما خالف فى الجلد باقيه، وقول ابن زيد: صفراء كلها لا يعين ما قاله الكشاف، بل يحتمل ما ذكرته. وقال مجاهد: لا شية فيها لا سواد ولا بياض، وهو تمثيل بنفى الألوان لا تخصيص بنفى اللونين، وقال قتادة: لا بياض فيها، وعن عطاء: لا عيب فيها، والتحقيق ما ذكرته أولا وهو قول الجمهور ومحمد بن كعب. {قَالُوا الآنَ}: ظرف زمان مبنى على الفتح لأنهُ اسم إشارة، فلو دخل عليها جار كن وإلى لبقى مفتوحاً. {جئْتَ بِالْحَقِّ}: أى الحق الواضح أو بالحق التام، لأن موسى لا يجئ إلا بالحق، فالآية من باب حذف النعت، لأنهم أرادوا أنهُ جاء بالحق الآن فقط، وجاء قبل ذلك بباطل لكفروا. قال ابن هشام فى حذف الصفة: {قالوا الآن جئت بالحق} أى الواضح وإلا كان مفهومه كفراً.. انتهى. ويجوز كون أل للكمال وتقديم الآن للحصر، أى ما جئت بالحق الذى يوضح لنا البقرة وصفتها، ويحققها إلا الآن وما جئت به قبل ذلك من وصفها حق خفى لم يكف، ويحتمل أن ينفوا الحق إلا الآن على جهة غلظ الطبع والجفاء، لا على جهة قصد العناد ولا يعذرون فى هذا. وقرئ الآن بالاستفهام فهو على هذه القراءة بهمزة ممدودة بألف أل، سواءَ لم تنقل حركة همزة أن إلا لام أل ولم تحذف همزة أن أم نقلت حركتها، وحذفت كما قرأ نافع فى رواية ورش، فإنه كان يلقى حركة الهمزة على الساكن قبلها فيتحرك بحركتها، وتسقط هى من اللفظ وذلك إذا كان الساكن غير مد، وكان آخر كلمة والهمزة أول كلمة أخرى، سواء كان الساكن تنويناً كقوله تعالى: {أية : ولم يكن له كفواً أحد} تفسير : أو لام أل نحو: الأرض فان أل كلمة أخرى غير التى بعدها أو سائر حروف المعجم، نحو: (من آمن)، و (ألم أحسب) وبناء ابنى آدم، واستثناء أصحاب أبى يعقوب عن ورش (كِتَابِيَه إِنى ظننت) فسكنوا الهاء لأنه جئ بها للوقف والنقل، إنما هو فى الوصل، قال أبو عمرو الدانى: وبذلك قرأت على مشيخة المصريين، وبه أخُذ. وقرأ الباقون بتحقيق الهمزة فى جميع ما تقدم مع تخلص الساكن قبلها، واختلفوا فى {أية : الآن وقد كنتم} {أية : الآن وقد عصيت}تفسير : فى يونس، وفى قوله: {أية : عاداً الأولى} تفسير : فى النجم كما يأتى إن شاء الله. {فَذَبَحُوهَا}: عطف على محذوف أى ثم وجدوها فذبحوها أو وجدوها فذبحوها، والمحذوف معطوف على قالوا، يعنى أنهم وجدوا بقرة على الصفات كلها التى وصفها موسى عليه السلام، ومرادى بوجودها حصولها بالشراءِ فى أيديهم، ولذا كان العطف بالفاء الاتصالية، ويحتمل تقدير وجود الملاقاة معها فيقدر محذوف آخر، أى ثم وجدوها عند يتيم بار بأمه واشتروها منه، وقد بلغ أو لم يبلغ، لأنهُ وقع برضى أمه، وبأمر الوحى، ولأن ذلك مصلحة له فذبحوها. {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ}: هذه الجملة الكبرى حال من واو ذبحوها، يعنى أنهُ حصل ذبحهم بعد ما بعدوا عن الذبح بالاستقصاء فى السؤال، والحال محكية كأنه قيل إنهم وقت الذبح قد اتصفوا بعدم المقاربة للفعل قبله، وذلك أنهم بعدوا عن الفعل وهو الذبح، ثم ذبحوا، فإثبات (كاد) إثبات ونفى نفى، وليس كما يقال إن نفيها إثبات وإثباتها نفى، ثم رأيت القاضى وان هشام ذكرا أن نفيها نفى، قال ابن هشام: يقول المعربون إن كاد إثباتها نفى ونفيها إثبات، فإذا قيل كاد يفعل فمعناه أنَّهُ لم يفعل، وإذا قيل لم يكد يفعل فمعناهُ أنه فعل، والصواب خلاف قولهم، وقد استدلوا على الأول بقوله تعالى: {أية : وإن كادوا ليفتنونك}تفسير : ، وقول الشاعر: شعر : كادت النفس أن تفيض عليه تفسير : وعلى الثانى بقوله: {وما كادوا يفعلون}، وقد اشتهر ذلك بينهم حتى جعله المعرى لغزاً فقال: شعر : أنحوىَّ هذا العصر ما هى لفظة جرت فى لسانَىْ جرهم وثمود إذا استعملت فى صورة الجحد أثبتت وإن أثبتت قامت مقام جحود تفسير : والصواب أن حكمها حكم سائر الأفعال فى أن نفيها نفى وإثباتها إثبات وبيانه أن معناها المقاربة، ولا شك أن معنى كاد يفعل قارب الفعل، وأن معنى ما كاد يفعل ما قارب الفعل، فخبرها منفى دائماً، أما إذا كانت منفية فواضح لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى مطلقاً حصول ذلك الفعل، ودليله: {أية : إذا أخرج يده لم يكد يراها}،تفسير : ولهذا كان أبلغ من أن يقول لم يرها، لأن من لم يرقد يقارب الرؤية، وأما إذا كانت المقاربة مثبتة، فإن الأخبار بقرب الشئ، يقتضى عرفاً عدم حصوله، وإلا لكان الإخبار حينئذ بحصوله لا بمقاربة حصوله، إذ لا يحسن فى العرف أن يقال لمن صلى قارب الصلاة، وإن كان ما صلى حتى قارب الصلاة، ولا فرق فيما ذكرناه بين كاد ويكاد، فإن أورد على ذلك (وما كادوا يفعلون) مع أنهم قد فعلوا، إذ المراد بالفعل الذبح، وقد قال تعالى: {فذبحوها} فالجواب أنه إخبار عن حالهم فى أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعد أمن ذبحها بدليل ما تلا علينا من تعنتهم، وتكرر سؤالهم، ولما كثر استعمال مثل هذا فيمن انتفت عنه مقاربة الفعل أولا، ثم فعله بعد ذلك توهم من توهم أن هذا الفعل بعينه هو الدال على حصول الفعل وليس كذلك، وإنما فهم حصول الفعل من دليل آخر، كما فهم فى الآية من قوله: {فذبحوها..} انتهى. قال القاضى: فإذا دخل عليه النفى قيل معناه الإثبات مطلقاً، وقيل ماضياً، والصحيح أنه كسائر الأفعال، ولا ينافى قوله: {وما كادوا يفعلون} قوله: {فذبحوها} لاختلاف وقتيهما إذ المعنى أنهم ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم، ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل. وقيل: {ما كادوا يفعلون} لخوف الفضيحة فى ظهور القاتل، وقيل لغلاء ثمنها، وقيل لعزة وجودها فى هذه الأوصاف جميعاً. قال محمد بن كعب القرضى: كان ذلك لغلاء ثمنها.

اطفيش

تفسير : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ} هى {ذَلَولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ} وهذه الإثارة سبب الذل {وَلاَ} هى {تَسْقِي الْحَرْثَ} أو لاصلة بين النعت والمنعوت أو منزلة مع مدخولها منزلة اسم، كما مر، والذلول التى ذلت، وإثارة الأرض قلبها وشقها للزرع، والحرث الأرض المشقوقة للزراعة، أو ما وضع فيها من البذر والمراد أنه ليس يحرث بها فتذل، كما أنها ليست تسقى الحرث فتذل، فتثير فى حيز النفى، وقيل، هى تثير الأرض بأظلافها لقوتها، وبطرها ومرحها، فالإثارة صفة أخرى لها فى الإثبات، وقيل، هى وحشية إذا كانت لا تثير ولا تسقى، وقيل: هى من السماء، والقولان ضعيفان {مُسَلَّمَةٌ} من العيوب، كالعور والعرج وانكسار القرون ومن كل عيب كهزال، لكثرة الحمل عليها {لاَشِيَةَ فِيهَا} لا شىء من اللون فيها يحالف لونها، حتى قيل ظلفها وقرنها وأهداب عينيها صفر، تشديد على أنفسهم أورثهم تشديداً فى ثمنها عليهم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو ذبحوا أى بقرة كانت لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم"تفسير : ، والصحيح أن هذا موقوف على ابن عباس، لا مرفوع. ومرادهم طلب البيان لاستبعادهم إحياء ميت ببقرة ميتة، ظنوا أنها ليست من سائر البقر، وهى منها فى قدرة الله، وتعينت هذه فى قضائه تعالى، وتأخير البيان ممنوع عن وقت التكليف، لا عن وقت الخطاب. {قَالُوا الْئَٰنَ} لا قبل {جِئْتَ بِالْحَقّ} البين التام، وهو الوصف الأخير، إذ قال، لا ذلول... الخ، ومن قبل جئت بحق لم نفهمه باتضاح، وعرفوا أنه الحق البيت التام، لأنه ما وجد على هذا الوصف إلا واحدة، فزال بها تشابه البقر عليهم، وجدوها عند فتى بارّ بأمه، وقال له ملَك: اذهب إلى أمك، وقل لها: امسكى هذه البقرة، فإن موسى بن عمران يشتريها منك بملء مسكها ذهباً. ويروى أن ملكا قال: شاور أمك، ولا تبعها إلا بمشورتى، فلم يشر بالبيع حتى سيمت بملئه ذهباً. وكانت البقرة فى ذلك بثلاثة دنانير، وهى من بقر الأرض، لا كما قيل، نزلت من السماء لأنه لا دليل له، قيل: ولأن قولهم، الآن جئت بالحق يناسب أنهم يبحثون عنها فى بقر الأرض، وإلا قالوا: لا نقدر عليها: قالت، لا يلزم هذا، وفرقوا ثمنها على بنى إسرائيل فأصاب كل فريق ديناران {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} ذبحها، أى ذبحوها بعد ما اتصفوا بالبعد عنه، تباعدوا عن ذبحها جدّاً ولم يقربوا منه، ومع ذلك اتصلوا بها بعد ذلك، وملكوها وذبحوها، ونفى كاد نفى، وإثباتها إثبات كسائر الأمثال، وأخطأ من قال غير ذلك، وذلك أنه طال الوقت لكثرة مراجعتهم لموسى فى بيانها وطول زمان التفتيش عنها، وتوقف أم الفتى فى بيعها، ولأجل الزيادة الخارجة عن العادة فى ثمنها، ولخوف فضيحة القاتل، وغلا ثمنها، ويبعد ما قيل: إنهم طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة، ومن خطأ المحدثين أنهم لا يكادون ينطفون بخبر كاد غير مقرون بأن مع أن قرنه قليل، وأنهم دائماً يقولون مثنى مثنى، ولا يقتصرون على مرة، حاشاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

الالوسي

تفسير : {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ} صفة {بَقَرَةٌ} وهو من الوصف بالمفرد، ومن قال: هو من الوصف بالجملة، وأن التقدير لا هي ذلول فقد أبعد عن الصواب، و {لا} بمعنى غير، وهو اسم على ما صرح به السخاوي وغيره لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفاً ـ كإلا ـ التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22] و ـ الذلول ـ الريض الذي زالت صعوبته يقال: دابة ذلول بينة الذل بالكسر، ورجل ذلول بين الذل بالضم. {تُثِيرُ ٱلاْرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ} {لا} صلة لازمة لوجوب التكرار في هذه الصورة وهي مفيدة للتصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل أن يكون لنفى الاجتماع، ولذا تسمى المذكرة و ـ الإثارة ـ قلب الأرض للزراعة من أثرته إذا هيجته، والحرث الأرض المهيأة للزرع أو هو شق الأرض ليبذر فيها، ويطلق على ما حرث وزرع، وعلى نفس الزرع أيضاً، والفعلان صفتا (ذلول) والصفة يجوز وصفها على ما ارتضاه بعض النحاة وصرح به السمين والفعل الأول داخل في حيز النفي والمقصود نفي إثارتها الأرض ـ أي لا تثير الأرض ـ فتذل فهو من باب:شعر : على لا حب لا يتهدي بمناره تفسير : ففيه نفي للأصل والفرع معاً، وانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، قال الحسن: كانت هذه البقرة وحشية ولهذا وصفت بأنها {لا تُثِيرُ ٱلاْرْضَ} الخ، وذهب قوم إلى أن تثير مثبت لفظاً ومعنى؛ وأنه أثبت للبقرة أنها تثير الأرض وتحرثها ونفى عنها سقي الحرث، ورد بأن ما كان يحرث لا ينتفي عنه كونه ذلولاً، وقال بعض: المراد إنها تثير الأرض بغير الحرث بطراً ومرحاً، ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير تراب الأرض فيكون هذا من تمام قوله: {لاَّ ذَلُولٌ} لأن وصفها بالمرح والبطر دليل على ذلك ـ وليس عندي بالبعيد ـ وذهب بعضهم كما في الكواشي إلى أن جملة {تُثِيرُ} في محل نصب على الحال، قال ابن عطية: ولا يجوز ذلك لأنها من نكرة، واعترض بأنه إن أراد بالنكرة بقرة فقد وصفت، والحال من النكرة الموصوفة جائزة جوازاً حسناً وإن أراد بها {لاَّ ذَلُولٌ} فمذهب سيبويه جواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف، وقد صرح بذلك في مواضع من "كتابه" اللهم إلا أن يقال: إنه تبع الجمهور في ذلك ـ وهم على المنع ـ وجعل الجملة حالاً من الضمير المستكن في ذلول أي: لا ذلول في حال إثارتها ليس بشيء. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: {لاَّ ذَلُولٌ} بالفتح فلا للتبرئة، والخبر محذوف أي هناك، والمراد مكان وجدت هي فيه، والجملة صفة ذلول، وهو نفي لأن توصف بالذل، ويقال: هي ذلول بطريق الكناية لأنه لو كان في مكان البقرة لكانت موصوفة به ضرورة اقتضاء الصفة للموصوف، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به، فهذا كقولهم محل ـ فلان ـ مظنة الجود والكرم، وهذا أولى مما قيل: إن {تُثِيرُ} خبر {لا} والجملة معترضة بين الصفة والموصوف لأنه أبلغ كما لا يخفى، وبعضهم خرج القراءة على البناء نظراً إلى صورة {لا} كما ـ في كنت بلا مال ـ بالفتح، وليس بشيء لأن ذلك مقصور على مورد السماع، وليس بقياسي على ما يشعر به كلام الرضي وقرىء {تَسْقِى} بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقى، وبعض فرق بينهما بأن سقى لنفسه، وأسقى لغيره كماشيته وأرضه. {مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي سلمها الله تعالى من العيوب قاله ابن عباس، أو أعفاها أهلها من سائر أنواع الاستعمال قاله الحسن، أو مطهرة من الحرام لا غضب فيها ولا سرقة قاله عطاء، أو أخلص لونها من الشيات قاله مجاهد، والأولى: ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأن المطلق ينصرف إلى الكامل ولكونه تأسيساً، وعلى آخر الأقوال يكون {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أي لا لون فيها يخالف لونها تأكيداً والتضعيف هنا للنقل والتعدية، ووهم غير واحد فزعم أنه للمبالغة، و ـ الشية ـ مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا إذا زينته بخطوط مختلفة الألوان فحذف فاؤه ـ كعدة وزنة ـ ومنه الواشي للنمام، قيل: ولا يقال له: واش حتى يغير كلامه ويزينه، ويقال: ثور أشْيَهُ، وفرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع ـ كل ذلك بمعنى البلقة ـ وفي «البحر» ليس الأشيه في قولهم: ثور أشيه للذي فيه بلق مأخوذاً من الشيه لاختلاف المادتين، و ـ شية ـ اسم {لا} و {فِيهَا} خبره. {قَالُواْ ٱلئَـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ} أي أظهرت حقيقة ما أمرنا به فالحق هنا بمعنى الحقيقة، وقيل: بمعنى الأمر المقضي أو اللازم؛ وقيل: بمعنى القول المطابق للواقع ولم يريدوا أن ما سبق لم يكن حقاً بل أرادوا أنه لم يظهر الحق به كمال الظهور فلم يجىء بالحق بل أومأ إليه فعلى هذه الأقوال لم يكفروا بهذا القول، وأجراه قتادة على ظاهره وجعله ـ متضمناً أن ما جئت به من قبل ـ كان باطلاً فقال: إنهم كفروا بهذا القول، والأولى عدم الإكفار. و (الآن)/ ظرف زمان لازم البناء على الفتح ولا يجوز تجريده من ـ أل ـ واستعماله على خلافه لحن، وهي تقتضي الحال وتخلص المضارع له غالباً، وقد جاءت حيث لا يمكن أن تكون له نحو {أية : فَٱلآن بَـٰشِرُوهُنَّ }تفسير : [البقرة: 187] إذ الأمر نص في الاستقبال، وادعى بعضهم إعرابها لقوله:شعر : كأنهما ملآن لم يتغيرا تفسير : يريد من الآن فجره وهو يحتمل البناء على الكسر، و (أل) فيها للحضور عند بعض، وزائدة عند آخرين، وبنيت لتضمنها معنى الإشارة، أو لتضمنها معنى ـ أل ـ التعريفية ـ كسحر ـ وقرىء (آلآن) بالمد على الاستفهام التقريري إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له. وقرأ نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وعنه روايتان حذف واو {قَالُواْ} وإثباتها. {فَذَبَحُوهَا} أي فطلبوا هذه البقرة الجامعة للأوصاف السابقة وحصلوها {فَذَبَحُوهَا} فالفاء فصيحة عاطفة على محذوف إذ لا يترتب الذبح على مجرد الأمر بالذبح، وبيان صفتها وحذف لدلالة الذبح عليه؛ وتحصيلها كان باشترائها من الشاب البار بأبويه كما تظافرت عليه أقوال أكثر المفسرين والقصة مشهورة، وقيل: ـ كانت وحشية فأخذوها، وقيل: لم تكن من بقر الدنيا بل أنزلها الله تعالى من السماء ـ وهو قول هابط إلى تخوم الأرض، قيل: ووجه الحكمة في جعل البقرة آلة دون غيرها من البهائم أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب ذلك في قلوبهم، لقوله تعالى: {أية : وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ }تفسير : [البقرة: 93] ثم بعد ما تابوا أراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليكون حقيقة لتوبتهم، وقيل: ـ ولعله ألطف وأولى ـ إن الحكمة في هذا الأمر إظهار توبيخهم في عبادة العجل بأنكم كيف عبدتم ما هو في صورة البقرة مع أن الطبع لا يقبل أن يخلق الله تعالى فيه خاصية يحيا به ميت بمعجزة نبـي؟! وكيف قبلتم قول السامري إنه إلهكم وها أنتم لا تقبلون قول الله سبحانه: إنه يحيا بضرب لحمة منه الميت سبحان الله تعالى! هذا الخرق العظيم. {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كنى على الذبح بالفعل أي ـ وما كادوا يذبحون ـ واحتمال أن يكون المراد: وما كادوا يفعلون ما أمروا به بعد الذبح من ضرب بعضها على الميت بعيد، و ـ كاد ـ موضوعة لدنوّ الخبر حصولاً ولا يكون خبرها في المشهور إلا مضارعاً دالاً على الحال لتأكيد القرب، واختلف فيها فقيل: هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات، فمعنى ـ كاد زيد يخرج ـ قارب ولم يخرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج، وأما عدمه فأمر عقلي خارج عن المدلول ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به أحد، وقيل: هي في الإثبات إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على قياس الأفعال. وتمسك القائل بهذه الآية لأنه لو كان معنى {وَمَا كَادُواْ} هنا نفياً للفعل عنهم لناقض قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا} حيث دل على ثبوت الفعل لهم والحق أنها في الإثبات والنفي كسائر الأفعال، فمثبتها لإثبات القرب، ومنفيها لنفيه، والنفي والإثبات في الآية محمولان على اختلاف الوقتين أو الاعتبارين فلا تناقض إذ من شرطه اتحاد الزمان والاعتبار، والمعنى أنهم ما قاربوا ذبحها حتى انقطعت تعللاتهم فذبحوا كالملجأ أو فذبحوها ائتماراً وما كادوا من الذبح خوفاً من الفضيحة أو استثقالاً لغلو ثمنها حيث روى أنهم اشتروها بملء جلدها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير؛ واستشكل القول باختلاف الوقتين بأن الجملة حال من فاعل {ذَبَحُوهَا} فيجب مقارنة مضمونها لمضمون العامل، والجواب بأنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتاً قرن ـ بقد ـ لتقربه من الحال وإن كان منفياً ـ كما هنا ـ لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي فيفيد المقاربة لا يجدي نفعاً لأن عدم مقاربة الفعل لا يتصور مقارنتها له، ولهذا عول بعض المتأخرين في الجواب على أن {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} كناية عن تعسر الفعل وثقله عليهم وهو مستمر باق، وقد صرح في «شرح التسهيل»/ أنه قد يقول القائل ـ لم يكد زيد يفعل ـ ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ فافهم.

ابن عاشور

تفسير : عطفت الفاء جملة {فذبحوها} على مقدر معلوم وهو فوجدوها أو فظفروا بها أو نحو ذلك وهذا من إيجاز الحذف الاقتصاري، ولما ناب المعطوف في الموقع عن المعطوف عليه صح أن نقول الفاء فيه للفصيحة لأنها وقعت موقع جملة محذوفة فيها فاء للفصيحة ولك أن تقول إن فاء الفصيحة ما أفصحت عن مقدر مطلقاً كما تقدم. وقوله: {وما كادوا يفعلون} تعريض بهم بذكر حال من سوء تلقيهم الشريعة، تارة بالإعراض والتفريط، وتارة بكثرة التوقف والإفراط، وفيه تعليم للمسلمين بأصول التفقه في الشريعة، والأخذ بالأوصاف المؤثرة في معنى التشريع دون الأوصاف الطردية، ولذلك قال ابن عباس: لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم. وروى ابن مردويه والبزار وابن أبي حاتم بسندهم إلى الحسن البصري عن رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم»تفسير : وفي سنده عبادة بن منصور وهوضعيف، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن كثرة السؤال وقال: «فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» وبين للذي سأله عن اللقطة ما يفعله في شأنها فقال السائل: فضالّة الغنم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال السائل فضالة الإبل فغضب رسول الله وقال مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها تشرب الماء وترعى الشجر حتى يأتيها ربها». وجملة: {وما كادوا يفعلون}تحتمل الحال والاستئناف، والأول أظهر لأنه أشد ربطاً للجملة وذلك أصل الجمل أي ذبحوها في حال تقرب من حال من لا يفعل، والمعنى أنهم ذبحوها مكرهين أو كالمكرهين لما أظهروا من المماطلة وبذلك يكون وقت الذبح ووقت الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتاً متحداً اتحاداً عرفياً بحسب المقامات الخطابية للإشارة إلى أن مماطلتهم قارنت أول أزمنة الذبح. وعلى الاستئناف يصح اختلاف الزمنين أي فذبحوها عند ذلك أي عند إتمام الصفات، وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل. ثم إن {ما كادوا يفعلون} يقتضي بحسب الوضع نفي مدلول كاد فإن مدلولها المقاربة ونفي مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى فيقال أنى يجتمع ذلك مع وقوع ذبحها بقوله: {فذبحوها}؟ فأما على وجه الاستئناف فيمكن الجواب بأن نفي مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرروا السؤال وأظهروا المطال ثم وقع الذبح بعد ذلك، وقد أجاب بمثل هذا جماعة يعنون كأن الفعل وقع فجأة بعد أن كانوا بمعزل عنه على أنه مبني على جعل الواو استئنافاً وقد علمتم بعده. فالوجه القالع للإشكال هو أن أئمة العربية قد اختلفوا في مفاد كاد المنفية في نحو ما كاد يفعل فذهب قوم منهم الزجاجي إلى أن نفيها يدل على نفي مقاربة الفعل وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى فيكون إثبات كاد نفياً لوقوع الخبر الذي في قولك كاد يقوم أي قارب فإنه لا يقال إلا إذا قارب ولم يفعل ونفيها نفياً للفعل بطريق فحوى الخطاب فهو كالمنطوق وأن ما ورد مما يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين ومنه قوله تعالى: {وما كادوا يفعلون} في هذه الآية أي فذبحوها الآن وما كادوا يفعلون قبل ذلك، ولعلهم يجعلون الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة على قصد زمانين، وإلى هذا ذهب ابن مالك في «الكافية» إذ قال:شعر : وبثُبوت كاد يُنفَى الخبرُ وحينَ ينفى كادَ ذاك أَجدر وغير ذَا على كَلاَمَيْن يَرِدْ كَوَلَدَتْ هند ولم تَكَد تَلِد تفسير : وهذا المذهب وقوف مع قياس الوضع. وذهب قوم إلى أن إثبات كاد يستلزم نفي الخبر على الوجه الذي قررناه في تقرير المذهب الأول وأن نفيها يصير إثباتاً على خلاف القياس وقد اشتهر هذا بين أهل الأعراب حتى ألغز فيه أبو العلاء المعري بقوله:شعر : أَنْحويَّ هذا العَصر ما هي لفظة أتت في لسانَيْ جُرهم وثَمود إذا استُعْمِلَتْ في صورة الجَحْدِ أَثْبَتَتْ وإن أُثْبِتَتْ قامت مقامَ جُحُود تفسير : وقد احتجوا لذلك بقوله تعالى: {فذبحوها وما كادوا يفعلون} وهذا من غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي. وقد جرت في هذا نادرة أدبية ذكرها الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» وهي أن عنبسة العنسي الشاعر قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف على ناقته بالكناسة ينشد قصيدته الحائية التي أولها:شعر : أَمَنْزِلَتَيْ مَيَ سلام عليكم على النَّأْي والنَّائِي يَوَدُّ وينصَح تفسير : حتى بلغ قوله فيها:شعر : إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحبين لم يَكَدُ رَسِيسُ الهَوَى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ تفسير : وكان في الحاضرين ابن شبرمة فناداه ابن شبرمة يا غيلان أراه قد برح قال: فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال: «لم أجد» عوض «لم يكد» قال عنبسة: فلما انصرفت حدثت أبي فقال لي: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غَيَّر شعره لقول ابن شبرمة: إنما هذا كقول الله تعالى: {أية : ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يَكَدْ يراها}تفسير : [النور: 40] وإنما هو لم يرها ولم يكد. وذهب قوم ـــ منهم أبو الفتح بن جني وعبد القاهر وابن مالك في «التسهيل» ـــ إلى أن أصل كاد أن يكون نفيها لنفي الفعل بالأولى كما قال الجمهور إلا أنها قد يستعمل نفيها للدلالة على وقوع الفعل بعد بطء وجهد وبعد أن كان بعيداً في الظن أن يقع وأشار عبد القاهر إلى أن ذلك استعمال جرى في العرف وهو يريد بذلك أنها مجاز تمثيلي بأن تشبه حالة من فعل الأمر بعد عناء بحالة من بعد عن الفعل فاستعمل المركب الدال على حالة المشبه به في حالة المشبه، ولعلهم يجعلون نحو قوله {فذبحوها} قرينة على هذا القصد. قال في «التسهيل»: «وتنفي كاد إعلاماً بوقوع الفعل عسيراً أو بعدمه وعدم مقاربته» واعتذر في {شرحه للتسهيل} عن ذي الرمة في تغييره بيته بأنه غيره لدفع احتمال هذا الاستعمال. وذهب قوم إلى أن كاد إن نفيت بصيغة المضارع فهي لنفي المقاربة وإن نفيت بصيغة الماضي فهي للإثبات وشبهته أن جاءت كذلك في الآيتين {أية : لم يكد يراها}تفسير : [النور: 40] {وما كادوا يفعلون} وأن نفي الفعل الماضي لا يستلزم الاستمرار إلى زمن الحال بخلاف نفي المضارع. وزعم بعضهم أن قولهم ما كاد يفعل وهم يريدون أنه كاد ما يفعل إن ذلك من قبيل القلب الشائع. وعندي أن الحق هو المذهب الثاني وهو أن نفيها في معنى الإثبات وذلك لأنهم لما وجدوها في حالة الإثبات مفيدة معنى النفي جعلوا نفيها بالعكس كما فعلوا في لو ولولا ويشهد لذلك مواضع استعمال نفيها فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة النفي لا نفي المقاربة ولعل ذلك من قبيل القلب المطرد فيكون قولهم ما كاد يفعل ولم يكد يفعل بمعنى كاد ما يفعل، ولا يبعد أن يكون هذا الاستعمال من بقايا لغة قديمة من العربية تجعل حرف النفي الذي حقه التأخير مقدماً ولعل هذا الذي أشار إليه المعري بقوله: جرت في لساني جرهم وثمود ويشهد لكون ذلك هو المراد تغيير ذي الرمة بيته وهو من أهل اللسان وأصحاب الذوق، فإنه وإن كان من عصر المولدين إلا أنه لانقطاعه إلى سكنى باديته كان في مرتبة شعراء العرب حتى عد فيمن يحتج بشعره، وما كان مثله ليغير شعره بعد التفكر لو كان لصحته وجه فما اعتذر به عنه ابن مالك في شرح التسهيل} ضعيف. وأما دعوى المجاز فيه فيضعفها اطراد هذا الاستعمال حتى في آية {لم يكد يراها} فإن الواقف في الظلام إذا مد يده يراها بعناء وقال تأبط شراً «فأُبت إلى فهم وما كدت آيباً» وقال تعالى: {أية : ولا يكاد يبين}تفسير : [الزخرف: 52]. وإنما قال: {وما كادوا يفعلون} ولم يقل يذبحون كراهية إعادة اللفظ تفنناً في البيان.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآنَ} (71) - فَرَدَّ عَلَيهِمْ مُوسَى قَائِلاً: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّها بَقَرَةٌ لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالحِرَاثَةِ، وَلاَ مُعَدَّةً للسِّقَايَةِ، وَهِيَ سَالِمَةٌ مِنَ العُيُوبِ والأَمْرَاضِ، لَوْنُها وَاحِدٌ، وَلَيْسَ فِيها لَوْنٌ آخَرُ. فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: الآنَ قُلْتَ الحَقَّ وَبَيَّنْتَهُ، فَبَحَثُوا عَنْها، وَاشْتَرَوهَا مِنْ صَاحِبِها، وَذَبَحُوهَا وَكَادُوا أَنْ لا يَقُومُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ ذَبْحِهَا، لِمَا لاَحَظُوهُ مِنْ غَلاَءِ ثَمنِهَا. الذَّلُولُ - المُذَلَّلَةُ والمُرَوَّضَةُ التِي زَالَتْ صُعُوبَتُها. الحَرْثَ - الأَرْضَ المُهَيَّأَةَ لِلزِّرَاعَةِ. مُسَلَّمَةٌ - سَالِمَةٌ مِنَ الأَمْرَاضِ وَالعُيُوبِ. لاَ شِيَةَ فِيها - لَوْنُها وَاحِدٌ، وَلاَ لَوْنَ آخَرَ مَعَ لَوْنِهَا. تُثِيرُ الأَرْضَ - تَقْلِبُها لِلزِّرَاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ} [البقرة: 71] .. البقرة الذلول هي البقرة المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب .. تماماً مثل الخيل المروضة التي لا تتعب راكبها لأنها تم ترويضها .. وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل وساسها .. وقال الله سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة .. لا أحد قادها ولا قامت بعمل .. إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في الحقول بدون قائد .. {تُثِيرُ ٱلأَرْضَ} [البقرة: 71] أي لم تستخدم في حراثة الأرض أو فلاحتها .. {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ} [البقرة: 71] .. أي لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع .. {مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71] أي خالية من العيوب لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها .. ولا رجلها عرجاء، خالية من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع .. وكلمة {لاَّ شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71] .. أي لا شيء فيها. والمتأمل في وصف البقرة كما جاء في الآيات يرى الصعوبة والتشديد في اختيار أوصافها .. كأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يجازيهم على أعمالهم .. ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق عليها هذه المواصفات فقالوا {ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 71] كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجاً عن نطاق الحق. وذبحوا البقرة ولكن عن كره منهم .. لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها، حرصهم على عدم تنفيذ المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله سبحانه وتعالى .. والله يقول لنا أن سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه .. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133]. وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف .. دليل على عشق التكليف .. لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه .. وقوله تعالى: {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] .. يدلنا على أنهم حاولوا الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ. إننا لابد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى .. فالبقرة التي طلبها الله منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة نادرة لا تتكرر .. والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية .. لم تكن تنطبق إلا على بقرة واحدة ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار .. والقصة أنه كان هناك في بني إسرائيل رجل صالح .. يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول والإيمان الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما الصغير .. ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة. اتجه إلى الله وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في المراعي .. لم يوصِّ عليها أحداً ولكن استودعها الله. استودعها يد الله الأمينة على كل شيء .. ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة ولا آمن عليها إلا الله .. ولقد أطلقتها في المراعي.. وعندما كبر الولد قالت له أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة .. فقال يا أمي وأين أجدها؟ .. قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد .. فقال الولد: اللهم رب إبراهيم ورب موسى .. رد إلي ما استودعه أبي عندك .. فإذا بالعجلة تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها ليريها لأمه .. وبينما هو سائر رآه بنو إسرائيل. فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب .. وذهبوا إلى صاحب البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم .. قالوا بثلاثة دنانير .. فذهب ليستشير أمه فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير .. قالت أمه لا .. لا تُباع .. فقال الابن لن أبيعها إلا بملء جلدها ذهباً، فدفعوا له ما أراد .. وهكذا نجد صلاح الأب يجعل الله حفيظاً على أولاده يرعاهم وييسر لهم أمورهم.

زيد بن علي

تفسير : وقولُه تعالى: {وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} أَي لا لَونَ سِوى لون جَميعِ جلْدِهَا. وجمعهُ شِياتُ. والمُسَلَّمَةُ: التي لاَ عَيبَ فِيها. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَذَبَحُوهَا} فالذَّبحُ كانَ فِيهم، والنَّحرُ فِي أُمةِ محمدٍ (ص).

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 24 : 118 - قال سفين في قوله {مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا} قال، ليس فيها لون ولا أثر. [الآية 71].