Verse. 79 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادّٰرَءْتُمْ فِيْہَا۝۰ۭ وَاللہُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُوْنَ۝۷۲ۚ
Waith qataltum nafsan faiddaratum feeha waAllahu mukhrijun ma kuntum taktumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا قتلتم نفساً فأدّارأتم» فيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم «فيها والله مخرج» مظهر «ما كنتم تكتمون» من أمرها وهذا اعتراض وهو أول القصة.

72

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}هذا الكلام مقدّم على أوّل القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفساً فٱدّارأتم فيها: فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا. وهذا كقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً} تفسير : [الكهف: 1] أي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّماً وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً؛ ومثله كثير، وقد بيّناه أوّل القصة. وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لابنة له حسناء أحب أن يتزوجها ٱبنُ عَمّها فمنعه عَمُّه؛ فقتله وحمله من قريته إلى قرية أخرى فألقاه هناك. وقيل: ألقاه بين قريتين. الثاني: قتله طلباً لميراثه، فإنه كان فقيراً وٱدّعى قتله على بعض الأسباط. قال عِكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له ٱثنا عشر باباً لكل باب قوم يدخلون منه، فوجدوا قتيلاً في سِبط من الأسباط، فادّعى هؤلاء على هؤلاء، وٱدّعى هؤلاء على هؤلاء، ثم أتوا موسى يختصمون إليه فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} الآية. ومعنى {فَٱدَّارَأْتُمْ}: ٱختلفتم وتنازعتم؛ قاله مجاهد. وأصله تدارأتم ثم أدغمت التاء في الدال؛ ولا يجوز الابتداء بالمدغم؛ لأنه ساكن فزيد ألف الوصل. {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ} ابتداء وخبر. {مَّا كُنْتُمْ} في موضع نصب بـ «مُخْرِج»؛ ويجوز حذف التنوين على الإضافة. {تَكْتُمُونَ} جملة في موضع خبر كان، والعائد محذوف؛ التقدير تكتمونه. وعلى القول بأنه قتله طلباً لميراثه لم يَرِث قاتلُ عمدٍ من حينئذ؛ قاله عَبِيدة السَّلْمانِيّ. قال ٱبن عباس: قَتل هذا الرجلُ عمَّه ليرثه. قال ٱبن عطية: وبمثله جاء شرعنا. وحكى مالك رحمة الله في «مُوَطَّئه» أن قصة أُحَيْحَة بن الجُلاَح في عَمّه هي كانت سبب ألا يَرِث قاتلٌ؛ ثم ثبّت ذلك الإسلام كما ثّبت كثيراً من نوازل الجاهلية. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يَرِث قاتلُ العمدِ من الدِّية ولا من المال، إلا فرقة شذّت عن الجمهور كلهم أهل بدع. ويرِث قاتل الخطأ من المال ولا يرث من الدّية في قول مالك والأوزاعي وأبي ثور والشافعي؛ لأنه لا يُتَّهم على أنه قتله ليرثه ويأخذ ماله. وقال سفيان الثَّوْرِيّ وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في قول له آخر: لا يرث القاتل عمداً ولا خطأً شيئاً من المال ولا من الدِّية. وهو قول شُريح وطاوس والشَّعْبيّ والنَّخَعِيّ. ورواه الشَّعْبِيّ عن عمر وعليّ وزيد قالوا: لا يرِث القاتل عمداً ولا خطأً شيئاً. وروي عن مجاهد القولان جميعاً. وقالت طائفة من البصريين: يَرِث قاتل الخطأ من الدّية ومن المال جميعاً؛ حكاه أبو عمر. وقول مالك أصح، على ما يأتي بيانه في آية المواريث إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} خطاباً للجميع لوجود القتل فيهم {فَٱدرَأْتُمْ فِيهَا} اختصمتم في شأنها، إذ المتخاصمان يدفع بعضهما بعضاً، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه، وأصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } مظهره لا محالة، وأعمل مخرج لأنه حكاية مستقبل كما أعمل {أية : بَـٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ }تفسير : [الكهف: 18] لأنه حكاية حال ماضية.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: {فَٱدَٰرَأْتُمْ فِيهَا}: اختلفتم، وهكذا قال مجاهد، قال فيما رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، إنه قال في قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَٰرَأْتُمْ فِيهَا}: اختلفتم، وقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال ابن جريج: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَٰرَأْتُمْ فِيهَا} قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال آخرون: بل أنتم قتلمتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} قال مجاهد: ما تغيبون، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سَلْم البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كلام الله: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معيناً في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه، ولم يجىء من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله، ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد بن سنان حدّثنا عفان بن مسلم حدّثنا عبد الواحد بن زياد حدّثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مَسْكها دنانير، فذبحوها، فضربوه - يعني القتيل - بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دماً، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان، وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه ضرب ببعضها، وفي رواية عن ابن عباس أنه ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها، قال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها، فعاش، فقال: قتلني فلان، وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا النضر بن عربي عن عكرمه {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} فضرب بفخذها، فقام، فقال: قتلني فلان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة نحو ذلك. وقال السدي: فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه فقال: قتلني ابن أخي. وقال أبو العالية: أمرهم موسى عليه السلام، أن يأخذوا عظماً من عظامها، فيضربوا به القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتاً كما كان، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها، وقيل: بلسانها، وقيل: بعجب ذنبها، وقوله تعالى: {كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي: فضربوه فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، جعل تبارك وتعالى ذلك الصنيع حجة لهم على المعاد، وفاصلاً ما كان بينهم من الخصومة والعناد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة مما خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة، ونبه تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميماً، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبه، أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت وكيع بن عدس يحدث عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: «حديث : أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضراً؟»تفسير : قال بلى. قال: «حديث : كذلك النشور»تفسير : أو قال: «حديث : كذلك يحيي الله الموتى»تفسير : وشاهد هذا قوله تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ ٱلْعُيُونِ لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ}تفسير : [يس: 33 - 35]. (مسألة) استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني؛ لوثاً بهذه القصة، لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني، فكان ذلك مقبولاً منه؛ لأنه لا يخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك؛ لحديث أنس أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بين حجرين، وعن مالك: إذا كان لوثاً، حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّرءْتُمْ } فيه إدغام( التاء) في الأصل في (الدال) أي تخاصمتم وتدافعتم {فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ } مظهر {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } من أمرها وهذا اعتراض وهو أول القصة.

الشوكاني

تفسير : قد تقدم ما ذكرناه في قصة ذبح البقرة، فيكون تقدير الكلام: {وَإِذَا * قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } فقال موسى لقومه: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } إلى آخر القصة، وبعدها: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } الآية. وقال الرازي في تفسيره: اعلم أن وقوع القتل لا بد أن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل، وعن أنه لا بدّ أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة، فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى، خطأ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر، فغير واجب؛ لأنه تارة يقدم ذكر السبب على ذكر الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت تلك الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة، فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفساً من قبل، ونسب القتل إليهم بكون القاتل منهم. وأصل ادّارأتم تدارأتم، ثم أدغمت التاء في الدال، ولما كان الابتداء بالمدغم الساكن لا يجوز زادوا ألف الوصل، ومعنى ادّارأتم: اختلفتم وتنازعتم؛ لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً، أي: يدفعه، ومعنى {مُخْرِجٌ } مظهر: أي: ما كتمتم بينكم من أمر القتل، فالله مظهره لعباده، ومبينه لهم، وهذه الجملة معترضة بين أجزاء الكلام، أي: فادّارأتم فيها فقلنا. واختلف في تعيين البعض الذي أمروا أن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأيّ: بعض ضربوا به، فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا، فهو من فضول العلم، إذ لم يرد به برهان. قوله: {كَذٰلِكَ يُحِيىٰٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } في الكلام حذف، والتقدير {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } فأحياه الله {كَذٰلِكَ * يَحْيَىٰ * ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } أي: إحياء كمثل هذا الإحياء. {وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ } أي: علاماته، ودلائله الدالة على كمال قدرته، وهذا يحتمل أن يكون خطاباً لمن حضر القصة، ويحتمل أن يكون خطاباً للموجودين عند نزول القرآن. والقسوة: الصلابة واليبس، وهي: عبارة عن خلوّها من الإنابة، والإذعان لآيات الله، مع وجود ما يقتضى خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل، وتكلمه، وتعيينه لقاتله، والإشارة بقوله: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } إلى ما تقدم من الآيات الموجبة لِلين القلوب ورقتها. قيل: «أو» في قوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } بمعنى الواو كما في قوله تعالى: {أية : آثماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الأَنسان: 24] وقيل: هي بمعنى بل، وعلى أن «أو» على أصلها، أو بمعنى الواو، فالعطف على قوله: {كَٱلْحِجَارَةِ } أي: هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشدّ قسوة منها، فشبهوها بأيّ الأمرين شئتم، فإنكم مصيبون في هذا التشبيه، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع «أو» ههنا مع كونها للترديد، أي: لا يليق لعلام الغيوب بثمانية أوجه، وإنما توصل إلى أفعل التفضيل بأشدّ مع كونه يصح أن يقال: وأقسى من الحجارة، لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة، كما قاله في الكشاف. وقرأ الأعمش: «أو أشد» بنصب الدال، وكأنه عطفه على الحجارة، فيكون أشدّ مجروراً بالفتحة. وقوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ } إلى آخره، قال في الكشاف إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً }. انتهى. وفيه أن مجيء البيان بالواو غير مألوف، ولا معروف، والأولى جعل ما بعد الواو تذييلاً أو حالاً. التفجر: التفتح، وقد سبق تفسيره. وأصل {يَشَّقَّقُ } يتشقق أدغمت التاء في الشين، وقد قرأ الأعمش: «يتشقق» على الأصل. وقرأ ابن مصرف "ينشقّ" بالنون. والشق: واحد الشقوق، وهو: يكون بالطول، أو بالعرض، بخلاف الانفجار، فهو الانفتاح من موضع واحد مع اتساع الخرق. والمراد: أن الماء يخرج من الحجارة من مواضع الانفجار، والانشقاق، ومن الحجارة ما يهبط أي: ينحطّ من المكان الذي هو فيه إلى أسفل منه من الخشية لله التي تداخله، وتحل به. وقيل: إن الهبوط مجاز عن الخشوع منها، والتواضع الكائن فيها، انقياداً لله عزّ وجلّ، فهو مثل قوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }تفسير : [الحشر: 21] وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة، كما استعيرت الإرادة للجدار، وكما قال الشاعر:شعر : لَمَا أتَى خَبَرُ الزُّبير تواضَعَتْ سُورُ المَدينَة والجِبَالُ الخُشَّعُ تفسير : وذكر الجاحظ أن الضمير في قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا } راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة، وهو فاسد، فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن قلوب هؤلاء بلغت في القسوة، وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق، والتأثر للمواعظ إلى مكان لم تبلغ إليه الحجارة، التي هي أشدّ الأجسام صلابة، وأعظمها صلادة، فإنها ترجع إلى نوع من اللين، وهي تفجرها بالماء، وتشققها عنه، وقبولها لما توجبه الخشية لله من الخشوع، والانقياد، بخلاف تلك القلوب، وفي قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من التهديد، وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله عز وجل إذا كان عالماً بما يعملونه مطلعاً عليه غير غافل عنه كان لمجازاتهم بالمرصاد. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدارَأْتُمْ فِيهَا } قال: اختلفتم فيها {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } قال: ما تغيبون. وأخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن المسيب بن رافع قال: «ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }» وأخرج أحمد، والحاكم وصححه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة صماء لا باب لها، ولا كوّة خرج عمله إلى الناس كائناً ما كان» تفسير : وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كانت له سريرة صالحة، أو سيئة أظهر الله منها ردّاءً، يعرف به» تفسير : ورواه البيهقي أيضاً بنحوه من قول عثمان قال: والموقوف أصح. وأخرج أبو الشيخ، والبيهقي عن أنس مرفوعاً، حديثاً طويلاً في هذا المعنى ومعناه: أن الله يلبس كل عامل عمله حتى يتحدّث به الناس، ويزيدون، ولو عمله في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد، وفي إسناده ضعف. وأخرج ابن عديّ من حديث أنس أيضاً مرفوعاً: «إن الله مردّ كل امرىء رداء عمله». ولجماعة من الصحابة، والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا } قال: ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة أنهم ضربوه بفخذها. وأخرج مثله ابن جرير، عن عكرمة. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ضرب بالبضعة التي بين الكتفين. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة، وصاحبها لا حاجة إلى التطويل بذكرها، وقد استوفاها في الدرّ المنثور. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } قال: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعد ما أراهم من أمر القتيل: {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } ثم عذر الله الحجارة، ولم يعذر شقيّ بني آدم فقال: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأنْهَـٰرُ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس؛ قال: أي: من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ قال: «إن الحجر ليقع على الأرض ولو اجتمع عليه فئام من الناس ما استطاعوه، وأنه ليهبط من خشية الله».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} يعني من قتل الإسرائيلي؟ الذي قتله ابن أخيه، وفي سبب قتله قولان: أحدهما: لبنت له حسناء، أحب أن يتزوجها. والثاني: طلباً لميراثه، وادعى قتله على بعض الأسباط. وفي قوله تعالى: {... فَادَّارَأْتُم فيها} ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ الَّدْرءَ الاعوجاج، ومنه قول الشاعر: شعر : أمسكت عنهم درء الأعادي وداووا بالجنون من الجنون تفسير : يعني اعوجاج الأعادي. والثاني: وهو المشهور، أن الدرء المدافعة، ومعناه أي تدافعتم في القتل، ومنه قول رؤبة بن العجاج: شعر : أدركتها قدام كل مدره بالدفع عني درء كل منجه تفسير : والثالث: معناه اختلفتم وتنازعتم، قاله السدي، وقيل إن هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة، فهي متقدمة في الخطاب على قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مَوسَى لِقَومِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُم} الآية. لأنهم أُمِرُوا بذبحها، بعد قتلهم، واختلفوا في قاتله. قوله تعالى: {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أي والله مظهر ما كنتم تُسِرّون من القتل، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَو أَنَّ أَحَدَكُم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ، لأَخْرَجَ اللهُ عَمَلَهُ". تفسير : قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} اختلف العلماء في البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة، على خمسة أقاويل: أحدها: أنه ضُرِبَ بفخذ البقرة، وهذا قول مجاهد، وعكرمة وقتادة. والثاني: أنه ضُرِبَ بالبضعة التي بين الكتفين، وهذا قول السدي. والثالث: أنه ضُرِبَ بعظم من عظامها، وهذا قول أبي العالية. والرابع: أنه ضُرِبَ بأُذنها، وهذا قول ابن زيد. والخامس: أنه ضُرِبَ بعجب ذنبها، وهو الذي لا تأكله الأرض، وهذا قول الفراء. والبعض: يَقِلُّ عن النصف. {كَذلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى} يعني، أنه لما ضُرِبَ القتيل ببعض البقرة، أحياه الله وكان اسمه عاميل، فقال قتلني ابن أخي، ثم قبض، فقال بنو أخيه: والله ما قتلناه، فكذّبوا بالحق بعد معاينته. قال الفراء: وفي الكلام حذف، وتقديره: فقلنا اضربوه ببعضها، ليحيا فضربوه، فَحَيِيَ. كذلك يحيي الله الموتى، فدل بذلك على البعث والنشور، وجعل سبب إحيائه الضرب بميت، لا حياة فيه، لئلا يلتبس على ذي شبهة، أن الحياة إنما انتقلت إليه مما ضرب به، لتزول الشبهة، وتتأكد الحجة. وفي قوله تعالى: {كَذلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَى} وجهان: أحدهما: أنه حكاية عن قول موسى لقومه. والثاني: أنه خطاب من الله لمشركي قريش. {وَيُرِيكُم ءَايَاتِهِ} فيه وجهان: أحدهما: علامة قدرته. والثاني: دلائل بعثكم بعد الموت. {لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ} فيه وجهان: أحدهما: تعملون. والثاني: تعتبرون.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَادَّارَءْتُمْ} تدافعتم واختلفتم. {تَكْتُمُونَ} تسرون من القتل.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قتلتم نفساً} خوطبت الجماعة بذلك لوجود القتل فيهم {فادارأتم فيها} قال ابن عباس أي اختلفتم واختصمتم من الدرء وهو الدفع لأن المتخاصمين يدفع بعضهم بعضاً {والله مخرج ما كنتم تكتمون} أي مظهر ما كنتم من أمر القتيل لا محالة ولا يتركه مكتوباً {فقلنا اضربوه} يعني القتيل {ببعضها} أي ببعض البقرة قال ابن عباس ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل الأذن وقيل: ضربوه بلسانها وقيل: بعجب الذنب وقيل: بفخذها اليمين والأقرب أنهم كانوا مخيرين في ذلك البعض وإنهم إذا ضربوه بأي جزء منها أجزأ وحصل المقصود وإنه ليس في القرآن ما يدل على ذلك البعض ما هو. وذلك يقتضي التخيير وفي الآية إضمار تقديره فضربوه فحيي وقام بإذن الله تعالى، وأوداجه تشخب دماً وقال قتلني فلان يعني ابن عمه ثم سقط ميتاً مكانه. فحرم قاتله الميراث وفي الخبر ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة {كذلك} أي كما أحيا الله عاميل صاحب البقرة {يحيي الله الموتى} يعني يوم القيامة {ويريكم آياته لعلكم تعقلون} أي تمنعون أنفسكم عن المعاصي. فإن قلت كان حق القصة أن يقدم ذكر القتيل أولاً، ثم ذكر ذبح البقرة بعد ذلك. فما وجه ترتيب هذه القصة على هذا الترتيب؟ قلت: وجهه أن الله لما ذكر من قصص بني إسرائيل وما وجد من خياناتهم تقريعاً لهم على ذلك وما وجد فيهم من الآيات العظيمة، وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين في نفس الأمر، فالأولى لتقريعهم على ترك المسارعة إلى امتثال الأمر وما يتبعه والثانية لتقريعهم على قتل النفس المحرمة فلو قدم قصة القتيل على قصة الذبح لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض من تثنية التقريع، فلهذا قدم ذكر الذبح أولاً ثم عقبه بذكر القتل. فإن قلت ما فائدة ضرب القتيل ببعض البقرة والله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء من غير ضرب بشيء؟ قلت: الفائدة فيه أن تكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد لاحتمال أن يتوهم متوهم أن موسى عليه السلام، إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة فإذا أحيي القتيل، عندما ضرب ببعض البقرة انتفت الشبهة، وعلم أن ذلك من عند الله تعالى وبأمره كان ذلك. فإن قلت: هلا أمروا بذبح غير البقرة؟ قلت: الكلام في غير البقرة لو أمروا به كالكلام في البقرة ثم في ذبح البقرة فوائد منها التقرب بالقرآن على ما كانت العادة جارية عندهم، ومنها أن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ومنها تحمل المشقة العظيمة في تحصيلها بتلك الصفة ومنها حصول ذلك المال العظيم الذي أخذه صاحبها من ثمنها. فصل: في حكم هذه المسألة في شريعة الإسلام إذا وقعت وذلك أن: إذا وجد قتيل في موضع، ولا يعرف قاتله فإن كان ثم لوث على إنسان ادعى به. واللوه أن يغلب على الظن صدق المدعى بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء ثم تفرقوا عن قتيل فيغلب على الظن أن القاتل فيهم أو وجد قتيل في محلة أو قرية وكلهم أعداء القتيل لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على الظن أنهم قتلوه فإن ادعى الولي على بعضهم حلف خمسين يميناً على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع الإيمان عليهم فإذا حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه، إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن مال المدعى عليه ولا قود عليه في قول الأكثرين، وذهب عمر بن عبدالعزيز إلى وجوب القود وبه قال مالك وأحمد فإن لم يكن ثم لوث فالقول قول المدعي عليه لأن الأصل براءة ذمته من القتل وهل يحلف يميناً واحداً أم خمسين يميناً؟ فيه قولان: أحدهما: أنه يحلف يميناً واحدة كما في سائر الدعاوى. والثاني: أنه يحلف خمسين يميناً تغليظاً لأمر القتيل، وعند أبي حنيفة لا حكم للوث ولا يبدأ بيمين المدعي بل إذا وجد قتيل في محله، يختار الإمام خمسين رجلاً من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا يعرفون له قاتلاً، فإن حلفوا وإلا أخذ الدية من سكانها. والدليل على أن البداءة بيمين المدعي عند وجود اللوث. ما روى عن سهل بن أبي خيثمة قال:حديث : انطلق عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خبير وهي يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبدالله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه. ثم قدم المدينة فانطلق عبدالرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذهب عبدالرحمن يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه: "كبر كبر، وهو أحدث القوم سناً" فسكت، فتكلما فقال أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو قال صاحبكم قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم قالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده تفسير : وفي رواية حديث : يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وذكر نحوه وزاد في رواية فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة تفسير : أخرجاه في الصحيحين، ووجه الدليل من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين ليقوى جانبهم باللوث لأن اليمين أبداً تكون لمن يقوى جانبه وعند عدم اللوث تكون من جانب المدعى عليه من حيث إن الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله مع يمينه والله أعلم. قوله عز وجل: {ثم قست قلوبكم} أي يبست وجفت وقساوة القلب انتزاع الرحمة منه، وقيل معناه غلظت واسودت {من بعد ذلك} أي من بعد ظهور الدلالات التي جاء بها موسى، وقيل: هي إشارة إلى إحياء القتيل بعد ضربه ببعض البقرة {فهي} يعني القلوب في الغلظ والشدة {كالحجارة} أي كالشيء الصلب الذي لا تخلخل فيه {أو} قيل: أو بمعنى بل وقيل بمعنى الواو أي و {أشد قسوة} فإن قلت: لم شبه قلوبهم بالحجارة ولم يشبهها بالحديد وهو أشد من الحجارة وأصلب. قلت: لأن الحديد قابل للين بالنار وقد لان لداود عليه الصلاة والسلام والحجارة ليست قابلة للين فلا تلين قط. ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} قيل: أراد به جميع الحجارة وقيل أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى ليسقي الأسباط والتفجير التفتح بالسعة والكثرة {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} يعني العيون الصغار التي دون الأنهار {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله، وخشيتها عبارة عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد منها، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع. فإن قلت: الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف يخشى؟ قلت: إن الله تعالى قادر على إفهام الحجر والجمادات فتعقل وتخشى بإلهامه لها، ومذهب أهل السنة إن الله تعالى أودع في الجمادات والحيوانات، علماً وحكمة لا يقف عليهما غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله: {أية : وإن من شيء إلا يسبح الله بحمده} تفسير : [الإسراء: 44] وقال تعالى: {أية : والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} تفسير : [النور: 41] فيجب على المرء الإيمان به وبكل علمه إلى الله تعالى (م) عن جابر بن سمرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، وإني لأعرفه الآن" تفسير : عن علي قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول السلام عليكم يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب (خ) عن جابر بن عبدالله قال "كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته فلما وضع المنبر سمعنا للجذع حنيناً مثل صوت العشار حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه، وفي رواية: صاحت النخلة صياح الصبي فنزل صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي لا يسكت حتى استقرت. قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر" قال مجاهد: ما ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله وذلك يشهد لما قلنا {وما الله بغافل عما تعملون} فيه وعيد وتهديد والمعنى أن الله بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم حتى يجازيهم بها في الآخرة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً...} قال ابن عرفة: لِمَ نسب (القتل) إلى الجميع والقاتل إنّما هو واحد؟ قال: وأجيب بأنه راعى في ذلك من رضي (بفعله). قال ابن عرفة: إنّما يتمّ لو كان ظاهرا بحيث علم به البعض ورضي (بالقتل) أما هذا (فهو واحد منهم)، وقد قتل واحد منهم غيلة فلم يعلم به أحد (حتى) يقال: إنّه رضي بقتله. قال ابن عرفة: وإنما الجواب أنه جمعهم باعتبار الدعوى لأن المتهم (بالقتل) ينفيه عن نفسه ويدعيه (على) غيره وذلك الغير ينفيه أيضا عن نفسه ويدعيه (عليه). قال الزمخشري: (خوطبوا مخاطبة) الجماعة لوجود القتل فيهم. قال: فإن قلت: لم يذكر القصة (على ترتيبها)؟ فهلا قدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها؟ ثم قال: هلاّ قدم الأمر بالقتل ثم الذبح ثم الضرب؟ قال ابن عرفة: ظاهر كلامه هذا (متناقض) لأنه قال: الأولى بتقديم الضرب ثم رجع إلى أنّ الأولى تقديم الذّبح ولكن جوابه أنّ الأمر بالذبح (متقدم) على الذبح. انتهى. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. لم يقل: ما كنتم تجحدون، لأن الجاحد للشيء المنكر له قد يكون على الحق فيكون موافقا لظاهره بخلاف الكاتم (فإن) باطنه مخالف لظاهره فهو على الباطل بلا شك. قال الفخر الرازي: يؤخذ من عمومه أنّ الله تعالى يظهر جميع الأشياء من الخير والشر. قال ابن عرفة: يلزم عليه (الخلف) في الحبر لأن الله تعالى يستر على العبيد كثيرا من المعاصي. قال الرازي: هو عام مخصوص لأن المراد ما كنتم تكتمون / من أمر القتل، واحتج بها الفقهاء في قول القتيل: (دمي) عند فلان، إنّه (لَوْثٌ) يوجب القسامة. قال ابن رشد في المقدمات في كتاب القسامة: قول الميّت: دمي عن فلان، لم يختلف قول الإمام مالك: إنه لوث في العمد يوجب القسامة والقَوَد عدلا أو مسخوطا. (وخالفه) الجمهور، وحجة الإمام مالك رضي الله عنه هذه الآية، وأبطله ابن عبد البرّ بأن هذه الآية (معجزة لنبي وآية له فلا يصح الاستدلال بها). وأجاب ابن رشد: بأن الآية إنما كانت في الإحياء، وأما في قوله بعد أن حيي: فلان قتلني، فليس فيه آية. وقد كان الله قادرا على أن يحيي غيره من الأموات فيقول: إن فلانا قتل فلانا. (قلت): ورده ابن عرفة بأن موسى عليه السلام أخبرهم أن الميت يحيا ويخبرهم بمن قتله فكان الأمر كذلك فكلا الأمرين آية. وقد قال الأصوليون (إذا) قال النبي: دليل صدقي أن هذا الميّت يحيا (فصار حيا). ((وقال: هذا الرجل كاذب. فقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (إنّ) ذلك دليل على كذبه. وقال الإمام)) لا يكون دليلا على كذبه. قالوا: وأمّا إن قال: دليل صدقي أن هذا الميت يحيا ويقول لكم: إني صادق، (فيحيا) فيقول: إنه صادق، فلا خوف بينهم أنه دليل على صدقة. فكذلك هذا (هو) معجزة (بلا) شك، فهو خاص بهذه القضية لا يصحّ القياس عليه. وجعل الفقهاء وجود القتيل في محلة قوم لوثا يوجب القسامة. وكانوا يحكون أن مسجد الشماسين بتونس كان داراً لبعض الموحدين وبجواره قوم لهم ولد صغير يجلس على باب الدار بكسوة رفيعة ففقدوه، فبحثوا عليه فوجدوه ميتا بمطمور تلك الدار، فرأوا ذلك لوثا فعوقب الموحد وهدمت داره وبنيت مسجدا.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جريرعن مجاهد في قوله ‏{‏وإذ قتلتم نفساً فأدّارأتم فيها‏} ‏ قال‏:‏ اختلفتم فيها ‏ {‏والله مخرج ما كنتم تكتمون‏}‏ قال‏:‏ ما تغيبون‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏والله مخرج ما كنتم تكتمون‏}. أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن المسيب بن رافع قال‏:‏ ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك كتاب الله ‏ {‏والله مخرج ما كنتم تكتمون‏}‏ ‏.‏ وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة صماء لا باب فيها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عثمان بن عفان قال‏:‏ من عمل عملاً كساه الله رداءه، وإن خيراً فخير وإن شراً فشر‏.‏ وأخرج البيهقي من وجه آخر عن عثمان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله عليه منها رداء يعرف به"‏. تفسير : قال البيهقي‏:‏ الموقوف أصح. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي وضعفه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏"حديث : ‏من المؤمن‏؟‏قالوا: الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏: المؤمن الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يحب، ولو أن عبداً اتقى الله في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون‏.‏ قالوا‏:‏ وكيف يزيدون يا رسول الله‏؟‏ قال‏: لأن التقي لو يستطيع أن يزيد في بره لزاد‏. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من الكافر‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏: الكافر الذي لا يموت حتى يملأ الله مسامعه مما يكره، ولو أن فاجراً فجر في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث به الناس ويزيدون‏. قالوا‏:‏ وكيف يزيدون يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لأن الفاجر لو يستطيع أن يزيد في فجوره لزاد‏ ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن الله مرد كل امرىء رداء عمله‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ثابت قال‏:‏ كان يقال لو أن ابن آدم عمل بالخير في سبعين بيتاً لكساه الله تعالى رداء عمله حتى يعرف به‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ الناس يعملون أعمالهم من تحت كنف الله، فإذا أراد الله بعبد فضيحة أخرجه من تحت كنفه فبدت عورته‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي إدريس الخولاني رفعه قال‏:‏ لا يهتك الله عبداً وفيه مثقال حبة من خير‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ لو أن عبداً اكتتم بالعبادة كما يكتتم بالفجور لأظهر الله ذلك منه‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} منصوبٌ بمُضْمر كما مرت نظائرُه، والخطابُ لليهود المعاصِرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإسنادُ القتلِ والتدارُؤ إليهم لما مر من نسبة جنايات الأسلاف إلى الأخلاف توبـيخاً وتقريعاً، وتخصيصُهما بالإسناد دون ما مر من جناياتهم لظهور قُبْحِ القتلِ وإسناده إلى الغير أي اذكروا وقت قتلِكم نفساً محرمة {فَٱدَّرَأْتُمْ فِيهَا} أي تخاصمتم في شأنها إذ كلُّ واحد من الخصماء يدافع الآخرَ، أو تدافعتم بأن طرَح كلُّ واحد قتلها إلى آخرَ، وأصلُه تَدارأتم فأُدغمت التاءُ في الدال واجتُلبت لها همزةُ الوصل {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي مظهر لما تكتمونه لا محالة، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار، وإنما أُعمِلَ (مُخرجٌ) لأنه حكايةُ حالٍ ماضية.

التستري

تفسير : قوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}[72] أي تنازعتم فيها. قوله: {أية : فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [آل عمران:183] قال سهل: هذا توبيخ من الله عزَّ وجلَّ لهم بما كان من آبائهم من قتلهم الأنبياء. ألا ترى أنه لم يقتل المخاطبون بهذه الآية نبياً في وقت محمد صلى الله عليه وسلم، ولا كان في وقتهم نبي غيره، فواجههم بفعل من كانوا نسلهم ومن فوقهم، كما واجه النبي صلى الله عليه وسلم بما خاطب به أمته، وذلك قوله: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}تفسير : [الطلاق:1] وكذلك معنى قوله: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النبأ:1-2] لأي علة تسألون محمداً صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بذلك.

القشيري

تفسير : الخائن خائف، ولخشية أن يظهر سرُّه يركن إلى التلبيس والتدليس، والإنكار والجحود ولا محالة ينكشف عوارُه، وتتضح أسرارُه، وتهتك عن شَيْنِ فعله أستارُه. قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذ قتلتم نفسا} هذا مؤخر لفظا مقدم معنى لانه اول القصة اى واذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه ان يدعو الله تعالى فقال موسى ان الله يأمركم الآيات ولم يقدم لفظا لان الغرض انما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل واضيف القتل الى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لرضاهم بفعل اولئك وخوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم والقتل نقض البنية الذى بوجوده تنتفى الحياة والمعنى واذكروا يا بنى اسرائيل وقت قتل اسلافكم نفسا محرمة وهى عاميل بن شراحيل {فادارأتم فيها} اصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع اى تدافعتم وتخاصمتم فى شأنها اذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر اى يدفع الفعل عن نفسه ويحيل على غيره {والله مخرج ما كنتم تكتمون} اى مظهر لا محالة ما كنتم وسترتم من امر القتل لا يتركه مكتوما مستورا. فان قلت كيف اعمل مخرج وهو فى معنى المضى. قلت قد حكى ما كان مستقبلا فى وقت التدارئ كما حكى الحاضر فى قوله {أية : باسط ذراعيه} تفسير : [الكهف: 18].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله:{أية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ...}تفسير : [البَقَرَة: 67] وإنما أخَّرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين؛ على ترك المسارعة لامتثال أمر نبيهم، وعلى قتل النفس، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكروا {إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} حرصاً على الدنيا {فَادَّارَأْتُمْ} أي: تدافعتم في شأنها، كل قرية تدفع عنها، {والله} تعالى {مُخْرِجٌ} ومبين {مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} من القتل، ومن قتله، {فَقُلْنَا}: اضربوا القتيل أو قبره {بِبَعْضِهَا} قيل: اللسان، وقيل القلب، وقيل: الفخد أو الذنب، فضربوه فحيى، وأخبر بقاتله كما تقدم، {كَذَلِكَ} أي: كما أحيا هذا القتيل، {يُحْيِي الله الموتى} من قبورها {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} الدالّة على قدرته، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحد يقدر على إحياء الأنفس كلها. واستدلت المالكية بالقصة على التدمية الحمراء، وهي قبول قول القتيل قبل موته بأن فلاناً قتله، وفيه نظر؛ لأن هذا حيى بعد موته فلا يتطرقه الكذب، واستدلت أيضاً على حرمان القتل من الإرث، وفيه نظر؛ لأن هذه شريعة من قبلنا يتطرقها النسخ، لكن ثبت في الحديث أنه لا يرث. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أمر الشيخ المريدين بذبح نفوسهم بخرق عوائدها، فمن تردد منهم في فعل ما تموت به نفسه، كان ذلك دليلاً على قلة صدقه وضعف نهايته، ومن بادر منها إلى قتلها دلّ على صدقه وفلاحه ونجح نهايته، فإذا ماتت النفس بالكلية حييت روحه بالمعرفة والمشاهدة الدائمة، فلا موت بعدها أبداً، قال تعالى:{أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى}تفسير : [الدّخَان: 56]، وأما الموت الطبيعي فإنما هو انتقال من مقام إلى مقام، ومن وطن ضيق إلى وطن واسع، وأنشدوا: شعر : لا تظُنُّوا الموتَ موتاً إنهُ لَحَيَاةٌ، وَهْو غايةُ المنَى لا تَرُعْكُم هَجْمَةُ الموتِ فَما هُو إلا انْتِقَالٌ مِنْ هنَا فاخْلَعُوا الأجْسَادَ مشنْ نفُسِكُم تُبْصِرُوا الحقَّ عيَاناً بَيِّنَا تفسير : قلت: والسيف الذي يُجْهز على النفس ويسرع قتلها هو الذل والفقر، فمن ذلّ نفسه بين أبناء جنسه، وخرق عوائد نفسه، وزهد في الدنيا، ماتت نفسه في طرفة عين، وحيِيَتْ روحه، وظفر بِقُرَّةِ العين، وهي معرفة مولاه، والغيبة عما سواه. وكمال الوقت في ذبح النفس أن تكون متوسطة بين الصغر والكبر، فإن الصغيرة جدّاً لا يؤمن عليها الرجوع، والكبيرة جدّاً قد يصعب عليها النزوع، كاملة الأوصاف بحسن الزهد والعفاف، تسر الناظرين لبهجة منظرها وحسن طلعتها، وكذلك من كان من أهل الشهود والنظرة، تَسْحَرُ مشاهدة القلوب، ويسوقها بسرعة إلى حضرة علام الغيوب، لما أقيم به من مشاهدته الملكوت، حتى إن من لاحظه تناسى أحوال البشرية، واستولت عيله أنوار الروحانية، وغابت في ذكر الحبيب عن البعيد والقريب، كما في الحديث: "حديث : أولياُء اللَّهِ مَنْ إذا رُؤوا ذُكر الله"تفسير : ، وتكون أيضاً هذه النفس غير مذللة بطلب الدنيا والحرص عليها، مسلمة لا عيب فيها، ولا رِقَّ لشيء من الأثر عليها، فحينئذٍ تصلح للحضرة، وتتمتع بنعيم الشهود والنظرة، لم يبق لخصم الفَرْقِ معها تدارؤٌ ولا نزاع، بل أقر الخصم وارتفع النزاع.

الطوسي

تفسير : تقدير الآية: واذكروا إذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها. وهو عطف على قوله: {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}. وهو متقدم على قوله: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} لانهم انما امروا بذبح البقرة بعد تدارئهم في امر المقتول. ومعنى ادارأتم: اختلفتم واصله تدارأتم. فادغمت التاء في الدال بعد ان سكنت، وجعلوا قبلها ألفا لتمكن النطق بها. قال ابو عبيدة: اداراتم: بمعنى اختلفتم فيها. من التدارؤ، ومن الدرء وقيل الدراء: العوج: اي اعوججتم عن الاستقامة، ومنه قول الشاعر: شعر : فنكب عنهم درء الاعادي وداووا بالجنون من الجنون تفسير : اي اعوجاج الاعادي وقال قوم: الدرء المدافعة. ومعناه تدافعتم في القتل. ومنه قوله: {ويدرأ عنها العذاب}. وقال رؤبة ابن العجاج: شعر : ادركتها قدام كل مدره بالدفع عني درء كل عنجه تفسير : ويقال: فلان لا يداري ولا يماري اي: لا يخالف. ومنه قوله: {والله مخرج ما كنتم تكتمون} اي: مظهر ما كنتم تسرون من القتل.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} خطاب الجمع للحاضرين مع انّ القتل كان من واحد او اثنين من الماضين لوجود القتل فيهم ولتعيير الكلّ بوقوع مثل ذلك الامر الشّنيع فيهم ولانّ القاتل كان منهم ولانّ الحاضرين كانوا مشابهين للماضين، وكان حقّ هذا ان يذكر مقدّماً على قوله واذ قال موسى لقومه الى آخر الآية لكنّه فَكَّ وقدّم ذلك وأخّر هذا لانّ المقام لبيان مساوئهم وبيان المساوى فى ذلك كان أتمّ ونوعها أكثر فانّ فيه ذكراً لانكارهم لموسى (ع) واستهزائهم بالامر بقياسهم الفاسد حيث قالوا: كيف يكون ملاقات عضو ميّتٍ لميّتٍ سبب الحياة؟ والاستقصاء فى السّؤال والتّوانى فى الامتثال والتّدانى من ترك الامتثال {فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} تخاصمتم فانّ المخاصمة تستلزم المدافعة او تدافعتم على حقيقته لانّ كّلا دفع قتلها عن نفسه الى صاحبه {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من خبر القاتل وارادة تعجيز موسى والاستهزاء به وهى جملة حاليّة او معطوفة على ادارأتم او معترضة واعمال مخرج لكونه حكاية حال ماضيةٍ متصوّرةٍ بصورة الاستقبال بالنّسبة الى جملة {فادّارأتم فيها}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} أي تدافعتم بعضكم على بعض، أي: يحيله بعضهم على بعض {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} وقد فسّرناه في قصة البقرة. ذكر قصة البقرة قبل تداريهم في قتل النفس. قوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا. قال بعضهم: يريكم آياته أي عِبَرَة. وذكروا عن ابن عباس في قوله: اضربوه ببعضها، أي: بعضدها. وقال مجاهد: بفخذها. ففعلوا فقام فأخبرهم بقاتله، ثم مات. قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أو في هذا الموضع بل، أي بل هي أشد قسوة. وهو كقوله: (أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون) تفسير : [الصافات:147] أي: بل يزيدون. ثم قال: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ}. واللام هاهنا صلة أي: من عيونها ما يكثر ماؤه. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} يعني ما يتشقق فيخرج منه الماء حتى تجري منه الأنهار، ومن عيونها ما يقل ماؤه. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}. واللام هاهنا صلة. قال الحسن: يعني سجودها. إن الجبل يسجد لله ويسبح، وإذا قطع منه شيء فالذي قطع لا يسجد ولا يسبح. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. وقال بعضهم: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}، أي: من بعدما أراهم الله من إحياء الموتى ومن أمر العجائب فقست قلوبهم من بعد ذلك؛ فعذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم فقال: {وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ....} إلى آخر الآية. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً}: رجلا يسمى عاميل، أسند القتل إليهم لأن القاتل منهم وفيهم، وهذا نوع من أنواع الحكم على المجموع، أو يقدر مضاف أى وإذ قتل بعضكم نفساً، ومع ذلك فالخطاب لليهود الذين فى زمان سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما فعل أسلافهم. {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا}: تدافعتم فى شأنها بالخصام أو بالتشاكك، لأن من شأن المخاصمين أن يدفع بعضهم بعضاً، أو يطرح بعضهم قتلها عن نفسه على بعض وهو تفاعل من الدرء بمعنى الدفع، والأصل تدارأتم أبدلت التاء دالا، وأدغمت الدال فى الدال، وزيدت همزة الوصل ليبتدأ بها، إذ لا يبدأ بما هو ساكن، وإنما حذفت همزة الوصل نطقاً للحرف قبلها وهو يقرأ بهمزة ساكنة بعد الراء، وكان أبو عمرو بن العلاء إذا قرأ فى الصلاة أو أدرج قراءَته أو قرأ بالإدغام لم يهمز الهمزة الساكنة فاءاً أو عيناً أو لاماً نحو: {يؤمنون}، و {يولون}، و {المؤتفكات}، و {بئس} و {وبئسما} والذئب، والبئر، والرؤيا، ورؤياك، وكدأب، وجئت، وجئتم، وشئت، وشئتم. فادارأتم واطمأننتم إلا أن يكون سكون الهمزة للجزم نحو: نشأ، وهى وجملته تسعة عشر موضعاً أو للبناء نحو: أنبئهم. وقرأ وهى لنا وجملته أحد عشر موضعاً أو يكون ترك الهمزة فيه أثقل من الهمز وذلك فى قوله: تؤوى وتؤويه، أو يوقع الالتباس بما لا يهمز، وذلك فى قوله: وريئا أو يخرج من لغة إلى لغة، وذلك فى قوله: موصدة، فان ابن مجاهد كان يختار تحقيق الهمزة فى ذلك كله من أجل تلك المعانى، قال أبو عمرو الدانى: وبذلك قرأت فإذا تحركت الهمزة نحو قوله: يؤلف ويؤذن ويؤخرهم فلا خلاف عنه فى تحقيق الهمزة فى ذلك كله.. انتهى. والذى أقرأ به من رواية ورش إبدال الهمزة الساكنة التى هى فاء كما قال فى الدرر اللوامع، أبدل ورش كل فاء سكنت نحو يومن وإن تحركت سهلها نحو: يواخذ ويولف ومود، وقال أبو عمرو الدانى: اعلم أن ورشاً كان يسهل الهمزة سكنت أو تحركت إذا كانت فاء نحو: يأخذ، ولقاءنا إيت، ويومن والمومنون، والذى أوتمن والملك أتونى به، وموجلا ولا تواخذنا الاتوى إليك والماوى وسائر مادة الإيواء، وفاووا إلى الكهف ونحوه ولا يؤده وتؤزهم ومأبا ومآرب أخرى وما تأخروا فإذا وشبهه إذا كانت صورتها ألفاً فهمز جميع ذلك والباقون يحققون الهمزة فى ذلك كله، وسهل ورش أيضاً الهمزة من بيس وبيسما والبير والذيب، ولئلا فى جميع القرآن وتابعة الكسائى على الذيب وحده فترك همزة والباقون يحققون الهمز فى ذلك كله حيث وقع وبالله التوفيق. {وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}: أى والله مُظهِر ما كنتم تكتمونهُ وهو القائل، أو مخرج من حد الغيب إلى حيز البيان ما كنتم تكتمون، ويناسب الوجه الأول مقابلة الإخراج بالكتم والكاتم هو القاتل وحده، كتم القاتل الصادر منه ولم يخبر الناس بأنه هو القاتل، واحتال فى إخفائه بأن ألقاه بعد القتل حيث لا ينسب إليه، فالكتم عدم إخباره عن نفسه أنه القاتل أو الاحتيال المذكور أو كلاهما، وأسند الكتم إليهم لأنه فيهم ومنهم، أو أسنده إليهم لأنهم قد خافوا الفضيحة، كما قيل إن سبب تباطئهم فى الامتثال هو هذا الخوف كما مر، وما مفعول لمخرج، لأن مخرجاً للاستقبال المحكى، وذلك أن الإخراج ماض بالنسبة إلى نزول الآية، لكنه فرض أن زمان تلك القصة حاضر، وفرض أن الكتم واقع وأن الإخراج سيقع، ومذهب الكسائى جواز إعمال الوصف فى المفعول، ولو كان الماضى فيكون المعنى والله أخرج ما كنتم ولا ينافى هذا الوجه قوله:{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها..}

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} هذا القتل أول الأمر وآخره ليبين لهم شأنه وقت الإحياء، ونسب القتل إليهم لأن القاتل من جملتهم، أو قتله جماعة منهم، ولأن الحرص على المال فاش فيهم كلهم، والقاتل حريص، وكذا الحرص على ما يحبون كجمال المرأة {فَادَّٰرَءْتُمْ فِيهَا} تدافعتم فى قتلها، كل ينفيه عن نفسه ويحيله على خصمه، والأصل تدارأتم أبدلت التاء دالاً وأدغمت، فكانت همزة الوصل لسكون الأول، وحذفت الهمزة بعد الراءِ فى المصحف {وَاللهُ مُخْرِجٌ} مظهر {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} كان فيهم من يجب ألا يظهر القاتل كالقاتلين ومن يليهم ممن عرفهم، وغير ذلك ممن لم يناسبه الظهور.

الخليلي

تفسير : في هاتين الآيتين بيان الداعي لأمر بني إسرائيل بذبح البقرة المذكور في الآيات السابقة، وإيضاح للحكمة البالغة التي كانت تكمن وراء هذا الأمر، وذلك أن قتيلاً من بني إسرائيل وجد على باب سبط من أسباطهم فشبت بينهم نار فتنة كادوا يصطلون بأوارها، فقد تداروا مسؤولية قتله، وألقاها كل سبط على عاتق غيره من الأسباط مدعياً براءته منها براءة الذئب من دم يوسف، فما كان منهم إلا أن امتشقوا السيوف وشرعوا الأسنة وكادوا يتجالدون بالسلاح لولا عناية الله التي ساقت بعضهم إلى اقتراح التحاكم إلى موسى نبي الله ورسوله عليه السلام. وقد عنى المفسرون بالمأثور بهذه القصة فأوردوها على وجوه شتى؛ فمن قائل: كان القاتل ابن أخ للقتيل، وقائل: كان ابن عمه، وآخرون ذهبوا إلى أن القاتل أكثر من واحد، وقد ذكرت فيما سبق ما يجمع بين هذه الأقوال. وقد سبق الحديث عن النفس، وهي مؤنثة اللفظ وأما مدلولها فيكون تارة ذكرا وتارة أنثى، وهي هنا بمعنى الإِنسان، وإطلاقها عليه لأنه مشتمل على الروح المسماة بالنفس، وأصل هذه التسمية مأخوذة من التنفس لأنه أبرز علامات وجود الروح. وأصل "ادارأتم" تدارأتم غير أن التاء أدغمت في الدال واجتلبت همزة الوصل لابتداء النطق بها حتى لا يبدأ بساكن عندما يبتدأ في النطق بالفعل، أما اذا كان موصولا بما قبله فثبت همزة الوصل في صورة الأف خطا وتسقط لفظا، ونحو هذا قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 38]، وهو جائز عندما يكون الفعل على وزن تفاعل أو تفعل، وتكون فاؤه دالا، أو ذالا، أو تاءا، أو طاء، او ظاء، أو صاد، أو ضادا، أو زايا، أو سينا، أو شينا. والدرء الدفع، ومنه قوله تعالى: {أية : وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النور: 8]، وتدارؤهم في النفس المقتولة تدافعهم مسؤولية قتلها بتبرؤ كل فريق منها وإلقائها على غيره من الفرقاء، وفسر ابن جرير الدرا بالعوج، واستشهد له بقول أبي النجم: شعر : خشية طغام إذا هم حسر يأكل ذا الدرء ويقصى من حقر تفسير : وقول رؤبة: شعر : أدركتها قدام كل مدره بالدفع عني درء كل عنجه تفسير : وحمل عليه قول السائب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "كنت لا تماري ولا تدارئ، وأتبعه قوله: يعني بقوله لا تداري، لا تخالف رفيقك وشريكك، ولا تنازعه ولا تشاره. وحاصل قوله: أن التدارؤ هو المعاوجة المصحوبة بالشقاق والنزاع وهو قريب من تفسيره بالتدافع، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن هذا التدارؤ لم يكن قوليا فسحب بل كان تدافعا بالأيدي. و"مخرج" بمعنى مظهر، وما كانو يكتمونه هو معرفتهم بالقاتل، فإن القتلة كانوا يعرفون أنفسهم، وكذلك الذين كانوا يشايعونهم على كتمان هذا السر، وإلقاء مسؤولية هذا الأمر على غيرهم. أمر الله أن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة فانبعثت فيه الحياة بأمر الله، وفي طي هذا الأمر حكمة باهرة إذ لو كان الضرب ببعض حي لربما توهم متوهم أن الحياة سرت إلى الميت من ذلك البعض المضروب به وهو حي، أما والبقرة نفسها لم تعد حية فلا مجال للتوهم أن الحياة سرت إلى القتيل من مماسته لعضو حي، وهو من دواعي الإِيمان بأن من وراء الأسباب مسببها، وأن الأسباب لا تؤدي إلى مسبباتها إلا بتقدير من العزيز العليم الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، واختلف في البعض الذي ضرب به على أقوال شتى، هل هو لسانها أو فخذها، أو البضعة التي بين كتفيها أو الغضروف الذي تحت أذنها أو عظم من عظامها أو غير ذلك؟ وهو خلاف مفقودة جدواه لأنه فيما لا يضر جهله ولا يفيد علمه، ولم يقم على شيء من هذه الأقوال دليل، وحسبنا أن نقف حيثما وقف بنا القرآن من الإِجمال. ولم أجد بين المفسرين القدامى والمحدثين خلافا في أن القتيل أحياه الله بهذه الضربة فعين قاتله ثم عاد إلى الموت، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ}، اللهم إلا ما كان من صاحب المنار من ربط هذه القصة بما ذكرته من قبل عن التوراة فيما إذا وُجد قتيل في أرض إسرائيلة ولم يعلم قاتله مِن لزوم ذبح أهل أقرب مدينة إلى موضع القتيل عجلة من البقرة...الخ. وتفسيرها بما يتلاءم مع أذواق المفكرين المعاصرين الذين لا يؤمنون بخوارق العادات؛ وهاكم نص ما في المنار: "والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده، وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم، ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية، ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإِحياء على حد قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} تفسير : [المائدة: 32]، وقوله: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ} تفسير : [البقرة: 179]، فالإِحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين، ثم قال:{وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} بما يفصل بها في الخصومات ويزيل من أسباب الفتن والعداوات، فهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 105]، وأكثر ما يستعمل هذا التعبير في آيات الله في خلقه الدالة على صدق رسله. وهذا التفسير بعيد عن الواقع ومجانب لمدلول القصة حسب نصها القرآني، فإن الفارق واضح جدا بين قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ}، وقوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، ففي الأول نص على أن ذلك كان إحياء بعد موت بخلاف الثاني. وذكر المفسرون أن القاتل أخذ بجريرته فقتل بعدما أخبر عنه الميت ولا يستفاد شيء من ذلك من نص الآية، ولم يستندوا فيه إلى دليل من السنة، ومثل هذه الأخبار لا يجوز الجزم فيها بشيء من غير توقيف، لذلك أرى عدم الخوض فيما قالوه، فإنه من المحتمل أن يكون الخصوم تراضوا في هذه القضية على ما دون القصاص. واستدل المالكية بهذه القصة على أن قول المقتول قبيل وفاته "دمي عند فلان" أو "فلان قتلني" لوث تترتب عليه القسامة، وهو - لو سُلِّم له - مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو ضعيف، على أن الآية لم تشر إلى القسامة من قريب ولا من بعيد، كما أنها لم تشر إلى مصير القاتل بعد حياة القتيل، ومما يوهن هذا الاستدلال أن هذه النازلة خارجة عن المألوف فلا يقاس عليها، فإن حياة الميت بعد قتله وتعيينه القاتل بقوله من خوارق العادات، فلا يحمل عليها قول أحد إثر طعنه "دمي عند فلان" أو "فلان قتلني" لاحتماله الصدق والكذب، ولكونه دعوى لم يقم عليها دليل، وإذا كانت الدعاوى الفارغة من البينات لا تقبل من المال ولو كان دانقا، فكيف تقبل في الدماء؟ والأنفس أغلى من الأموال. أما قول ابن العربي - منتصراً لمذهب مالك - "المعجزة كانت في إحيائه، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد" فهو مردود للفرق بين الحالين، فإن العبد ما لم يفارق الحياة المألوفة لا ينفك عن التكليف، فإذا أحيي من بعد حياة أخرى - كحياة قتيل بني اسرائيل - لم يكن من التكليف في شيء لأنها حياة ما أراد الله بها إلا بيان الواقع. وقد عنى كل من قطب الأئمة في "هيميان الزاد" والقرطبي في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن" بشرح أحكام القسامة في هذا الموضع، وهو ما لا أجد داعيا إليه، إذ لا مناسبة بينها وبين الآية الكريمة لعدم تعرضها لها بشيء، ومثل ذلك التعرُّضُ لعدم ميراث القاتل من المقتول، فإن حكم ذلك لا يستفاد من الآية، وإنما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الناصة عليه. واستدل القرطبي بقصة البقرة هذه على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو استدلال لا وجه له، بل الأقرب أن تكون دليلا على خلاف هذا المذهب، إذ لو كنا مخاطبين بما نُص عليه في القرآن من شرائع الأنبياء السابقين وأحكامهم لكان علينا إذا تشاجر قوم في قتيل لم يُعرف قاتله أن نأمرهم بذبح بقرة وأن يضربوه ببعضها كما في القصة، وهو ما لم يقله أحد حتى من المحسوبين على هذه الأمة فضلا عمن يعتد بقوله. وقوله: {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} تشبيه للإِحياء بالإِحياء، من حيث اتساع القدرة الإِلهية لهما، وقيام البرهان من هذا الإِحياء المقيد في الدنيا على إمكان الإِحياء المطلق في الآخرة، ولا يعني ذلك أن الإِحياء يكون في الآخرة بنفس هذه الكيفية التي كان بها في الدنيا، وأنه يترتب على هذه الأسباب المذكورة، وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون إحياء هذا القتيل منوطا بهذه الأسباب، مع أنه تعالى قادر على إحيائه بدون سبب ذلك لأن الله أراد تعبدهم بهذه الأسباب، وعندما تلكأوا في امتثال أمره، وانتحلوا لذلك الأعذار التافهة شدد الله عليهم {أية : جَزَآءً وِفَاقاً} تفسير : [النبأ: 26]. وقد سمى الله هذه الآية آيات في قوله: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} لكثرة ما تدل عليه، فإنها دالة على قدرة الله تعالى على ما يشاء، وأن وراء الأسباب مسببها وأنه سبحانه محيط بكل شيء علما، فالقاتل ما كان يظن أن سريرته ستنكشف وجريرته ستظهر، وقد أبداها الله سبحانه لعلمه بجميع الخفايا، كما تدل على صحة نبوة موسى عليه السلام لأن الله أجراها على يديه، وعلى ثبوت المعاد الذي نبأ به المرسلون. وهذا الخطاب يحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام لقومه بعدما ظهرت لهم هذه الآية الباهرة، وأن يكون من كلام الله أوحاه الى موسى ليبلغه قومه، وهو الأظهر، والمخاطب على كلا الحالين بنو إسرائيل وشذ من قال إنه خطاب من الله للذين ينكرون البعث عندما أنزل الله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وهم مشركوا العرب، فإن السياق يأباه. والمراد بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} لعلكم تتصرفون تصرف من يستفيد من عقله وينتفع بتجاربه. وتوجيه الخطاب بقوله: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} إلى بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكرته من قبل من كونهم امتدادا لآبائهم الأقدمين أصحاب هذه القصة وما شاكلها فلذلك انصب عليهم التذكير والتقريع من قوله تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ}.. وما بعده. وقد علمتم مما سبق أن الجمهور يرون أن قصة القتل هذه هي جزء من القصة السابقة، وهي أمرهم بذبح بقرة، وإنما فائدة تقسيمها إلى ما يشبه القصتين المستقلين تكرار توبيخهم على أمرين وهما مماطلتهم في امتثال الأمر بذبح البقرة، وصدور القتل بغير حق منهم، ولو أدمجت القصتان في قصة لفات ما يفيده التكرار من زيادة تقريعهم، وقد سبق ذكر رأي الإِمام ابن عاشور، وهو أنه يرى أنهما قصتان مستقلتان، وتجويز القرطبي لذلك، وجوزه أبو حيان أيضا. وما قاله الجمهور أصح وأبين، ولا إشكال في مخالفة الترتيب الذكري للترتب الزمني، لأن الواو لمطلق الجمع، وقد يعطف بها السابق على اللاحق مراعاة للطائف بيانية، ومنها هنا أن الأمر بذبح البقرة من غير تقدم ذكر لأسبابه يشوق النفوس إلى الاطلاع على حكمته خصوصا عندما يرد ذلك في كلام الحق تعالى الذي لا يدانيه الباطل ولا يلابسه الهزل، ولا يحوم حوله الريب، فإذ أتبع ذلك ذكر سببه كانت النفوس أوعى للحكمة، وأفهم للمقصد.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} أي شخصاً أو ذا نفس، ونسبة القتل إلى المخاطبين لوجوده فيهم على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح، وقول بعضهم: ـ إنه لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم ـ غير مسلم، نعم لا بد لإسناده إلى الكل من نكتة ما، ولعلها هنا الإشارة إلى أن الكل بحيث لا يبعد صدور القتل منهم لمزيد حرصهم وكثرة طمعهم وعظم جرأتهم:شعر : فهم كأصابع الكفين طبعاً وكل منهم طمع جسور تفسير : وقيل: إن القاتل جمع وهم ورثة المقتول، وقد روي أنهم اجتمعوا على قتله؛ ولهذا نسب القتل إلى الجمع. {فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع فاجتمعت التاء والدال مع تقارب مخرجيهما وأريد الإدغام فقلبت التاء دالاً وسكنت للإدغام فاجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الإبتداء بها، وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعل فاؤه ـ تاء أو طاء، أو ظاء، أو صاد، أو ضاد ـ والتدارؤ هنا إما مجاز عن الاختلاف والاختصام، أو كناية عنه إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر، أو مستعمل في حقيقته أعني التدافع بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس دفع الصاحب ـ وكل من الطارحين دافع فتطارحهما ـ تدافع، وقيل: إن كلاً منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة فإذا قال أحدهما: أنا بريء وأنت متهم يقول الآخر: بل أنت المتهم وأنا البريء، ولا يخفى أن ما ذكر على كل ما فيه بالمجاز أليق، ولهذا عد ذلك أبو حيان من المجاز، والضمير في {فِيهَا} عائد على النفس، وقيل: على القتلة المفهومة من الفعل، وقيل: على التهمة الدال عليها معنى الكلام، وقرأ أبو حيوة {فتدارأتم} على الأصل، وقيل: قرأ هو وأبو السوار ـ فادرأتم ـ بغير ألف قبل الراء، وإن طائفة أخرى قرءوا ـ فتدارأتم ـ. {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي مظهر لا محالة ما كنتم تكتمونه من أمر القتيل، والقاتل كما يشير إليه بناء الجملة الاسمية وبناء اسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتأكيد الحكم وتقويه ـ وذلك بطريق التفضل عندنا ـ والوجوب عند المعتزلة وتقدير المتعلق خاصاً هو ما عليه الجمهور، وقيل: يجوز أن يكون عاماً في القتيل وغيره، ويكون القتيل من جملة أفراده، وفيه نظر إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى، وأعمل {مُخْرَجَ} لأنه مستقبل بالنسبة للحكم الذي قبله، وهو التدارؤ ـ ومضيه الآن ـ لا يضر والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار. وفي «البحر» ـ إن كان ـ للدلالة على تقدم الكتمان.

ابن عاشور

تفسير : تصديره بإذ على طريقة حكاية ما سبق من تعداد النعم والألطاف ومقابلتهم إياها بالكفران والاستخفاف يومىء إلى أن هذه قصة غير قصة الذبح ولكنها حدثت عقب الأمر بالذبح لإظهار شيء من حكمة ذلك الأمر الذي أظهروا استنكاره عند سماعه إذ قالوا {أية : أتتخذنا هزؤاً}تفسير : [البقرة: 67] وفي ذلك إظهار معجزة لموسى. وقد قيل إن ما حكى في هذه الآية هو أول القصة وإن ما تقدم هو آخرها، وذكروا للتقديم نكتة تقدم القول في بيانها وتوهينها. وليس فيما رأيت من كتب اليهود ما يشير إلى هذه القصة فلعلها مما أدمج في قصة البقرة المتقدمة لم تتعرض السورة لذكرها لأنها كانت معجزة لموسى عليه السلام ولم تكن تشريعاً بعده. وأشار قوله: {قتلتم} إلى وقوع قتل فيهم وهي طريقة القرآن في إسناد أفعال البعض إلى الجميع جرياً على طريقة العرب في قولهم: قتلت بنو فلان فلاناً، قال النابغة يذكر بني حُنّ:شعر : وهم قتلوا الطائي بالجو عنوة أبا جابر واستنكحوا أم جابر تفسير : وذلك أن نفراً من اليهود قتلوا ابن عمهم الوحيد ليرثوا عمهم وطرحوه في محلة قوم وجاءوا موسى يطالبون بدم ابن عمهم بهتاناً وأنكر المتهمون فأمره الله بأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فينطق ويخبر بقاتله، والنفس الواحد من الناس لأنه صاحب نفس أي روح وتنفس وهي مأخوذة من التنفس وفي الحديث «حديث : ما من نفس منفوسة»تفسير : ولإشعارها بمعنى التنفس اختلف في جواز إطلاق النفس على الله وإضافتها إلى الله فقيل يجوز لقوله تعالى حكاية عن كلام عيسى: {أية : تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}تفسير : [المائدة: 116] ولقوله في الحديث القدسي: «حديث : وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي»تفسير : وقيل: لا يجوز إلا للمشاكلة كما في الآية والحديث القدسي والظاهر الجواز ولا عبرة بأصل مأخذ الكلمة من التنفس فالنفس الذات قال تعالى: {أية : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}تفسير : [النحل: 111]. وتطلق النفس على روح الإنسان وإدراكه ومنه قوله تعالى: {تعلم ما في نفسي}وقول العرب قلت في نفسي أي في تفكري دون قول لفظي، ومنه إطلاق العلماء الكلام النفسي على المعاني التي في عقل المتكلم التي يعبر عنها باللفظ. و(ادَّارأْتم) افتعال، وادارأتم أصله تدارأتم تفاعل من الدرء وهو الدفع لأن كل فريق يدفع الجناية عن نفسه فلما أريد إدغام التاء في الدال على قاعدة تاء الافتعال مع الدال والذال جلبت همزة الوصل لتيسير التسكين للإدغام. وقوله: {والله مخرج} جملة حالية من {ادارأتم} أي تدارأتم في حال أن الله سيخرج ما كتمتموه فاسم الفاعل فيه للمستقبل باعتبار عامله وهو {ادارأتم}. والخطاب هنا على نحو الخطاب في الآيات السابقة المبني على تنزيل المخاطبين منزلة أسلافهم لحمل تبعتهم عليهم بناءً على ما تقرر من أن خُلُقَ السلف يسري إلى الخلف كما بيناه فيما مضى وسنبينه إن شاء الله تعالى عند قوله: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}تفسير : [البقرة: 75]. وإنما تعلقت إرادة الله تعالى بكشف حال قاتلي هذا القتيل مع أن دمه ليس بأول دم طل في الأمم إكراماً لموسى عليه السلام أن يضيع دم في قومه وهو بين أظهرهم وبمرأى منه ومسمع لا سيما وقد قصد القاتلون استغفال موسى ودبروا المكيدة في إظهارهم المطالبة بدمه فلو لم يظهر الله تعالى هذا الدم في أمة لضعف يقينها برسولها ولكان ذلك مما يزيدهم شكاً في صدقه فينقلبوا كافرين فكان إظهار هذا الدم كرامة لموسى ورحمة بالأمة لئلا تضل فلا يشكل عليكم أنه قد ضاع دم في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث حويصة ومحيصة الآتي لظهور الفرق بين الحالين بانتفاء تدبير المكيدة وانتفاء شك الأمة في رسولها وهي خير أمة أخرجت للناس. وقوله: {كذلك يحي الله الموتى} الإشارة إلى محذوف للإيجاز أي فضربوه فحيي فأخبر بمن قتله أي كذلك الإحياء يحي الله الموتى فالتشبيه في التحقق وإن كانت كيفية المشبه أقوى وأعظم لأنها حياة عن عدم بخلاف هاته فالمقصد من التشبيه بيان إمكان المشبه كقول المتنبي:شعر : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال تفسير : وقوله: {كذلك يحي الله الموتى} من بقية المقول لبني إسرائيل فيتعين أن يقدر وقلنا لهم كذلك يحي الله الموتى لأن الإشارة لشيء مشاهد لهم وليس هو اعتراضاً أريد به مخاطبة الأمة الإسلامية لأنهم لم يشاهدوا ذلك الإحياء حتى يشبه به إحياء الله الموتى. وقوله: {لعلكم تعقلون} رجاء لأن يعقلوا فلم يبلغ الظن بهم مبلغ القطع مع هذه الدلائل كلها. وقد جرت عادة فقهائنا أن يحتجوا بهذه الآية على مشروعية اعتبار قول المقتول: دمي عند فلان موجباً للقسامة ويجعلون الاحتجاج بها لذلك متفرعاً على الاحتجاج بشرع من قبلنا، وفي ذلك تنبيه على أن محل الاستدلال بهذه الآية على مشروعية ذلك هو أن إحياء الميت لم يقصد منه إلاَّ سماع قوله فدل على أن قول المقتول كان معتبراً في أمر الدماء. والتوراة قد أجملت أمر الدماء إجمالاً شديداً في قصة ذبح البقرة التي قدمناها، نعم إن الآية لا تدل على وقوع القسامة مع قول المقتول ولكنها تدل على اعتبار قول المقتول سبباً من أسباب القصاص، ولما كان الظن بتلك الشريعة أن لا يقتل أحد بمجرد الدعوى من المطعون تعين أن هنالك شيئاً تقوى به الدعوى وهو القسامة. وقد أورد على احتجاج المالكية بها أن هذا من خوارق العادات وهي لا تفيد أحكاماً وأجاب ابن العربي بأن المعجزة في إحياء الميت فلما حيي صار كلامه ككلام سائر الأحياء، وهو جواب لطيف لكنه غير قاطع. والخلاف في القضاء بالقسامة إثباتاً ونفياً وفي مقدار القضاء بها مبسوط في كتب الفقه وقد تقصاه القرطبي وليس من أغراض الآية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا}. لم يصرح هل هذه النفس ذكر أو أنثى؟ وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} تفسير : [البقرة: 73].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: نفساً: نفس الرجل الذي قتله وإرثه استعجالا للإرث. ادارأتم فيها: تدافعتم أمر قتلها كل قبيل يقول قتلها القبيل الآخر. ما تكتمون: من أمر القاتل ستراً عليه دفعاً للعقوبة والفضيحة. ببعضها: ببعض أجزاء البقرة كلسانها أو رجلها مثلا. معنى الآيات: يقول تعالى لليهود موبخاً لهم اذكروا إذ قتل أحد أسلافكم قريبه ليرثه فاختصم في شأن القتل كل جماعة تنفي أن يكون القاتل منها، والحال أن الله تعالى مظهر ما تكتمونه لا محالة إحقاقاً للحق وفضيحة للقاتلين فأمركم أن تضربوا القتيل ببعض أجزاء البقرة فيحيا ويخبر عن قاتله ففعلتم وأحيا الله القتيل وأخبر بقاتله فقتل به فأراكم الله تعالى بهذه القصة آية من آياته الدالة على حلمه وعلمه وقدرته وكان المفروض أن تعقلوا عن الله آياته فتكملوا في إيمانكم وأخلاقكم وطاعتكم، ولكن بدل هذا قست قلوبكم وتحجرت وأصبحت أشد قساوة من الحجارة فهي لا ترق ولا تلين ولا تخشع على عكس الحجارة إذ منها ما تتفجر منه العيون، ومنها ما يلين فيهبط من خشية الله كما اندك جبل الطور لما تجلى له الرب تعالى، وكما اضطرب أُحُد تحت قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ثم توعدكم الرب تعالى بأنه ليس بغافل عما تعملون من الذنوب والآثام وسيجزيكم به جزاء عادلا إن لم تتوبوا إليه وتنيبوا. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- صدق نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتقريرها أمام اليهود إذ يخبرهم بأمور جرت لأسلافهم لم يكن يعلمها غيرهم وذلك إقامة للحجة عليهم. 2- الكشف عن نفسيات اليهود وإنهم يتوارثون الرعونات والمكر والخداع. 3- اليهود من أقسى البشر قلوباً إلى اليوم، إذ كل عام يرمون البشرية بقاصمة الظهر وهم ضاحكون. 4- من علامات الشقاء قساوة القلوب، وفي الحديث: "حديث : من لا يرحم لا يرحم ".

د. أسعد حومد

تفسير : {فَٱدَّارَأْتُمْ} (72) - وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَاخْتَلَفْتُمْ وَتَخَاصَمْتُمْ فِيها، وَاللهُ مُظْهِرٌ مَا تَكْتُمُونَ فِي سَرَائِرِكُمْ مِنْ أَمْر حَادِثِ القَتْلِ، وَمَعْرِفَة القَاتِلِ. ادَّارَأْتُمْ - تَدَافَعْتُمْ، وَاخْتَلَفْتُمْ فِيهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قصة القتيل هي أن رجلاً ثرياً من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه .. وكان له أقارب كل منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل .. والمال والذهب هما حياة بني إسرائيل .. فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ويستولي على أمواله .. ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري .. وفي الصباح قام أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم .. ووجدوه غريباً عن القرية فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن أخيه .. فتجمع أهل القتيل واتهموهم بقتله .. وكان أشدهم تحمساً في الاتهام القاتل ابن أخيه.. وقوله تعالى {فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: 72] الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل واحد ينفيه عن نفسه .. إدارأتم أي أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن نفسه فكل واحد يقول لست أنا .. وليس من الضروري أن يتهم أحداً آخر غيره .. المهم أن يدفعها عن نفسه. ولقد حاول أهل القريتين .. قرية القتيل، والقرية التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن نفسه وربما يتهم بها الآخر .. ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاماً محدداً. بل كانت الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى. وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم يستدل على قاتله .. فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلاً من أعيان القرية التي وجدت بجوارها الجثة .. فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه .. ولا علموا قاتله .. وإذا كان الأعيان والأكابر أقل من خمسين رجلاً .. تكررت الأيمان حتى تصير خمسين يميناً .. فيحلفون أنهم ما قتلوه ولا يعرفون قاتله .. عندها يتحمل بيت المال دية القتيل.. ولكن الله كان يريد شيئاً آخر .. يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الآخر .. ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله .. ويجعلهم يرون البعث وهم أحياء .. ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72] .. أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها شيئاً .. ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد .. ثم حمل الجثة خفية في ظلام الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه .. ثم ذهب إلى قرية مجاورة وألقى بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائداً .. كانت كل هذه الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة لا تنكشف أبداً ولا يعرف سرها أحد. ولكن الله تبارك وتعالى أراد غير ذلك .. أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث .. بأن يريهم البعث وهم أحياء.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} أَي اختَلفتم فيها.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} معطوف على قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ}. والظاهر ترتيب وجود القضيتين ونزولهما على ترتيب وجودهما فيكون الله تعالى قد أمرهم بذبح البقرة فذبحوها وهم لا يعلمون بما له تعالى فيها من السر، ثم وقع بعد ذلك أمر القتيل فأظهر لهم ما كان أخفاه عنهم من الحكمة بقوله: {ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} ولا ضرورة تدعوا إلى اختلاف في الوجود والنزول والتلاوة اعتباراً بما رووا من القصص إذ لم يصح لا في كتاب ولا سنة والحمل على الظاهر أولى إذ العدول إلى غير الظاهر إنما يكون لمرجح ولا مرجح هنا بل تظهر الحكمة البالغة في تكليفهم أولاً بذبح بقرة هل يمتثلون ذلك أم لا وامتثال التكاليف التي لا يظهر فيها ببادىء الرأي حكمة أعظم من امتثال ما يظهر فيه حكمة لأنها طواعية صرف وعبودية محضة واستسلام خالص بخلاف ما تظهر له حكمة فإِن في العقل داعية إلى امتثاله وحضاً على العمل به. والخطاب في قتلتم اما لورثة المقتول. وقد روي أنهم اجتمعوا على قتله أو خطاب للجماعة بما يقع من بعضهم وكني بقوله: نفسا عن الشخص، كما قال: ثلاثة أنفس وثلاث ذود أو اطلاقاً لبعض الشيء على الشيء أو على حذف أي ذا نفس وجعل نسمة مكان نفساً تفسير لا قرآن. وقرىء {فَٱدَّارَأْتُمْ} وتدارأتم والتدار في الادراء التدافع. {فِيهَا} أي في تعيين قاتلها. {وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من أمر القتيل وقاتله وهي جملة اعتراض بين المعطوف، والمعطوف عليه مشعرة بأن التدار لا يجدي إذ الله مظهر ما كتمتوه. {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ} الهاء عائدة على النفس على لغة من ذكر النفس أو على مراعاة الشخص أو على ذي في تقدير من قدر ذا نفس. والبعض غير معين وفيه أقوال مضطربة والهاء عائدة على البقرة المذبوحة وثم محذوفان فضربوه يدل عليه اضربوه وفحيي القتيل يدل عليه. {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي مثل هذا الاحياء للقتيل يحيي الله الموتى والمثيلة في مطلق الاحياء لا في الكيفية. {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} في إحياء ميت بضربة بقطعة من ميت وجاز أن يكون ويريكم معطوفاً على يحيى وأن يكون استئناف أخبار وجمع آيات إذ أراهم الله تعالى هذا الاحياء والعصا والحجر والغمام والمن والسلوى والسحر والبحر والطور وغير ذلك.

الجيلاني

تفسير : {وَ} كيف تفعلونه وأنتم تعلمون أن سبب نزوله تفضيحكم وإظهار ما كتمتم في نفوسكم {إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً} بغير حق {فَٱدَّارَأْتُمْ} وتدافعتم {فِيهَا} أي: في شأنها بأن أسقط كل منكم قتلها عن ذمته وسترتم أمرها وهدرتم دمه {وَٱللَّهُ} المحيط بسرائركم وضمائركم {مُخْرِجٌ} مظهر {مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72] في نفوسكم. {فَقُلْنَا} لكم بعد تدارئكم وتدافعكم وذبحكم البقرة المأمورة {ٱضْرِبُوهُ} أي: المقتول {بِبَعْضِهَا} أي: ببعض البقرة أيُّ بعض كان، فضربوه فحيي بإذن الله، فأخبر بقاتله، ففضحوا وارتفعت المدارأة {كَذَلِكَ} أي: مثل إحياء هذه المقتول بلا سبب تقتضيه عقولكم وترتضيه نفوسكم {يُحْيِي ٱللَّهُ} القادر على ما يشاء جميع {ٱلْمَوْتَىٰ} في يوم الحشر والجزاء بلا أسباب ووسائل اقتضتها عقول العقلاء؛ إذ عنده الإبداء عين الإعادة والإعادة عين الإبداء، بل الكل في مشيئته على السواء {وَيُرِيكُمْ} ظهوره من {آيَاتِهِ} الدالة على تحقيق وقوعه {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] رجاء أن تتفكروا ووتفطنوا منها إليه وتؤمنوا بجميع المعتقدات الشرعية الدنيوية والأخروية. وصدقوها على وجه التعبد والانقياد وبلا مراء ومجادلة مع من أوتي بها من الرسل والأنبياء، ولا يتيسر لكم هذه المرتبة إلا بعد ذبحكم بقرة النفس الأمارة المسلطة بالوقة التامة عليكم، المتلونة بالألوان المسرة لنفوسكم وطباعكم، المسلمة الممتنعة من التكاليف الشرعية من الأوامر والنواهي، وضربكم بها على النفس المطمئنة المقهورة المقتولة ظلماً لتصير حية بالحياة الأبدية، باقية بالبقاء السرمدي، فتخبركم وتذكركم عن صنائع أمارتكم الظالمة المتجاوزة عن الحدود، خلصنا الله من شرورها. {ثُمَّ قَسَتْ} بالقساوة الأصلية {قُلُوبُكُمْ} المتكبرة المتحجرة الصلبة البليدة {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} الإحياء الملين للقلوب الخائفة الوجلة عن خشية الله، وإذا لم تلن قلوبكم ولم يؤثر فيها {فَهِيَ} في الصلابة والقساوة {كَٱلْحِجَارَةِ} التي لا تقبل النقر والأثر أصلاً {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أي: بل قلوبكم أشد صلابة من الحجارة، فإن من الحجارة ما يتأثر بالخير وقلوبك لا تتأثر أصلاً {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} ويتأثر منها، وقلوبكم لا تتأثر بأنهار المعارف المتشعبة عن بحر الذات الجارية على جداول ألسنة الأنبياء صلوات الله عليهم {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} يتأثر بالشقوق في نفسها بتخليل بحر الدهور ومن مؤثر خارجي وإذا تشقق {فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} ويدخل فيه الماء، وقلوبكم لا تتأثر لا بنفسها ولا بالمؤثر الخارجي {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} ينزل من أعلى الجبل {مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} الناشئة عن ظهور الآيات مثل المطر الهاطل والريح العاصف والزلزلة القالعة وغير ذلك من الآيات الظاهرة في الآفاق، لا تتأثر بالآيات الباهرة النازلة عليكم ترغيباً وترهيباً. هذا تقريع وتوبيخ لهم على أبلغ وجه وآكده، وحث على المؤمنين وتحذير لهم من ربكم أمثالها بأنهم مع قابليتهم على التأثر لا يقبلون الأثر النافع لهم في الدارين، والحجارة مع صلابتها وعدم قابليتها تتأثر فهم أسوأ حالاً وأشد قساوة وصلابة منها، ومع ذلك يخادعون الله في الأمر بالستر والإخفاء، ويظنون غفلته {وَمَا ٱللَّهُ} المظهر لهم، المحيط بجميع مخايلهم وحيلهم {بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] ولو طرفة ولمحة وخطرة. ثم لما ذكر سبحانه امتنانه على بني إسرائيل وإنعامه إياهم بأنواع النعم، وذكر أيضاً ظلمهم وعداونهم وكفرانهم نعمه، أراد أن ينبه على المؤمنين المحمديين المتمنين إيمان اليهود وانقيادهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤاخاتهم مع المؤمنين بأن متمناكم وملتمسكم محال.