Verse. 80 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَقُلْنَا اضْرِبُوْہُ بِبَعْضِہَا۝۰ۭ كَذٰلِكَ يُـحْىِ اللہُ الْمَوْتٰى۝۰ۙ وَيُرِيْكُمْ اٰيٰتِہٖ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُوْنَ۝۷۳
Faqulna idriboohu bibaAAdiha kathalika yuhyee Allahu almawta wayureekum ayatihi laAAallakum taAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فقلنا اضربوه» أي القتيل «ببعضها» فضرب بلسانها أو عَجْب ذنبها فحييَ وقال: قتلني فلان وفلان لاِبْنيْ عمه ومات فحرما الميراث وقتلا، قال تعالى: «كذلك» الإحياء «يحيي الله الموتى ويريكم آياته» دلائل قدرته «لعلكم تعقلون» تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.

73

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} قيل: باللسان لأنه آلة الكلام. وقيل: بعَجْب الذَّنَب؛ إذ فيه يُرّكب خَلْق الإنسان. وقيل: بالفخذ. وقيل: بعظم من عظامها؛ والمقطوع به عضو من أعضائها؛ فلما ضُرِب به حَيِيَ وأخبر بقاتله ثم عاد ميتاً كما كان. مسألة: استدل مالك رحمه الله في رواية ٱبن وهب وٱبن القاسم على صحة القول بالقَسَامة بقول المقتول: دمي عند فلان، أو فلانُ قتلني. ومنعه الشافعي وجمهور العلماء، قالوا: وهو الصحيح؛ لأن قول المقتول: دمي عند فلان، أو فلان قتلني، خبر يحتمل الصدق والكذب. ولا خلاف أن دم المدّعَى عليه معصوم ممنوع إباحته إلا بيقين، ولا يقين مع الاحتمال؛ فبطل ٱعتبار قول المقتول دمي عند فلان. وأما قتيل بني إسرائيل فكانت معجزة وأخبر تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمّن الإخبارَ بقاتله خبراً جزماً لا يدخله ٱحتمال؛ فافترقا. قال ٱبن العربيّ: المعجزة كانت في إحيائه؛ فلما صار حيًّا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد. وهذا فَنٌّ دقيق من العلم لم يتفطّن له إلا مالك، وليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلعله أمرهم بالقسامة معه. وٱستبعد ذلك البخاريّ والشافعيّ وجماعة من العلماء فقالوا: كيف يُقبل قوله في الدّم وهو لا يقبل قوله في درهم. مسألة: اختلف العلماء في الحُكْم بالقَسامة؛ فرُوِيَ عن سالم وأبي قِلاَبة وعمر بن عبد العزيز والحكم بن عيينة التَّوَقّف في الحُكم بها. وإليه مال البخاري؛ لأنه أتى بحديث القَسامة في غير موضعه. وقال الجمهور: الحُكْم بالقسامة ثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم ٱختلفوا في كيفيّة الحُكم بها؛ فقالت طائفة: يبدأ فيها المدّعون بالأيمان فإن حَلفوا ٱستحقُّوا، وإن نَكَلُوا حلَف المدّعَى عليهم خمسين يميناً وبَرَأُوا. هذا قول أهل المدينة واللَّيث والشافعي وأحمد وأبي ثور. وهو مقتضى حديث حُوَيِّصَة ومُحَيِّصة، خرّجه الأئمة مالك وغيره. وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدّعَى عليهم فيحلفون ويبرأون. رُوِيَ هذا عن عمر بن الخطاب والشَّعْبِي والنَّخَعِي، وبه قال الثَّوْرِي والكوفيّون؛ وٱحتجُّوا بحديث سعيد بن عبيد عن بُشير بن يسار؛ وفيه: فبدأ بالأيمان المدّعَى عليهم وهم اليهود. وبما رواه أبو داود عن الزُّهْرِي "حديث : عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عن رجال من الأنصار أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لليهود وبدأ بهم: «أيحلف منكم خمسون رجلاً». فأبوا؛ فقال للأنصار: «ٱستحقّوا» فقالوا: نحلف على الغيب يا رسول الله! فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم دِيَّةً على يهود؛ لأنه وُجد بين أظهرهم. وبقوله عليه السلام: «ولكن اليمين على المدّعَى عليه»»تفسير : فعُيِّنُوا. قالوا: وهذا هو الأصل المقطوع به في الدعاوى الذي نَبّه الشرع على حكمته بقوله عليه السلام: «حديث : لو يُعْطَى الناسُ بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدّعى عليه»تفسير : . رَدّ عليهم أهل المقالة الأولى فقالوا: حديث سعيد بن عُبيد في تبدية اليهود وَهَم عند أهل الحديث، وقد أخرجه النسائي وقال: ولم يتابع سعيد في هذه الرواية فيما أعلم، وقد أسند حديث بُشير عن سهل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بدأ بالمدّعين يحيى بنُ سعيد وٱبنُ عُيينة وحمّاد بن زيد وعبدُ الوهاب الثّقَفيّ وعيسى بنُ حماد وبشرُ بن المفضَّل؛ فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عُبيد. قال أبو محمد الأصيلي: فلا يجوز أن يعترض بخبر واحد على خبر جماعة، مع أن سعيد بن عُبيد قال في حديثه: فَوَاده رسول الله صلى الله عليه وسلم مائةً من إبل الصدقة؛ والصدقةُ لا تعطَى في الدّيات ولا يُصالح بها عن غير أهلها، وحديث أبي داود مرسل فلا تعارض به الأحاديث الصحاح المتصلة، وأجابوا عن التمسك بالأصل بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحُرْمة الدماء. قال لابن المنذر. ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البيّنة على المدّعِي واليمينَ على المدّعَى عليه، والحُكْم بظاهر ذلك يجب، إلا أن يخصّ الله في كتابه أو على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم حكماً في شيء من الأشياء فيُستثنى من جملة هذا الخبر. فما دلّ عليه الكتاب إلزام القاذف حدّ المقذوف إذا لم يكن معه أربعة شهداء يشهدون له على صدق ما رمى به المقذوف. وخصّ مَن رمى زوجته بأن أسقط عنه الحدّ إذا شهد أربع شهادات. ومما خصّته السُّنَّة حكم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالقَسَامة. وقد روى ٱبن جُريج عن عطاء عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : البيّنةُ على مَن ٱدّعى واليمينُ على مَن أنكر إلاّ في القَسَامة»تفسير : . خرّجه الدّارَقُطنِيّ. وقد ٱحتج مالك لهذه المسألة في مُوَطَّئه بما فيه كفاية؛ فتأمّله هناك. مسألة: وٱختلفوا أيضاً في وجوب القَوَد بالقسامة؛ فأوجبت طائفة القَوَد بها؛ وهو قول مالك واللّيث وأحمد وأبي ثَوْر؛«حديث : لقوله عليه السلام لحُوَيِّصة ومُحَيِّصة وعبد الرحمن: «أتحلفون وتستحقون دمَ صاحبِكم»»تفسير : . وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قتل رجلاً بالقَسَامة من بني نضر بن مالك. قال الدّارَقُطْنِي: نسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه صحيحة؛ وكذلك أبو عمر بن عبد البر يصحّح حديث عمرو بن شعيب ويحتج به. وقال البخاري: رأيت عليّ بن المدِيني وأحمد بن حنبل والحُمَيْدِي وإسحٰق بن رَاهْوَيْه يحتجّون به؛ قاله الدارقطني في السنن. وقالت طائفة: لا قَوَد بالقسامة، وإنما توجب الدّية. رُوي هذا عن عمر وٱبن عباس؛ وهو قول النَّخَعي والحسن، وإليه ذهب الثَّوْري والكوفيون والشافعي وإسحٰق، وٱحتجوا بما رواه مالك عن ٱبن أبي ليلى بن عبد اللَّه عن سهل بن أبي حَثْمة «حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قوله للأنصار: «إما أن يَدُوا صاحبَكم وإما أن يؤذنوا بحرب»»تفسير : . قالوا: وهذا يدل على الدّية لا على القَوَد؛ قالوا: ومعنى قوله عليه السلام: «حديث : وتستحقّون دَمَ صاحبِكم»تفسير : دية دمِ قتيلِكم؛ لأن اليهود ليسوا بأصحاب لهم؛ ومن ٱستحق دية صاحبه فقد ٱستحق دمه؛ لأن الدّية قد تؤخذ في العمد فيكون ذلك ٱستحقاقاً للدم. مسألة: الموجب للقسامة اللَّوْثُ ولا بُدّ منه. واللّوْثُ: أمارة تغلب على الظن صدق مدّعي القتل؛ كشهادة العدل الواحد على رؤية القتل، أو يرى المقتول يَتَشَحّط في دمه، والمتَّهم نحوه أو قُرْبه عليه آثار القتل. وقد ٱختلف في الّلْوث والقول به؛ فقال مالك: هو قول المقتول دمي عند فلان. والشاهد العدل لوث. كذا في رواية ٱبن القاسم عنه. وروى أشهب عن مالك أنه يُقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة. وروى ٱبن وهب أن شهادة النساء لَوث. وذكر محمد عن ٱبن القاسم أن شهادة المرأتين لَوث دون شهادة المرأة الواحدة. قال القاضي أبو بكر بن العربي: ٱختلف في اللّوث ٱختلافاً كثيراً؛ مشهور المذهب أنه الشاهد العدل. وقال محمد: هو أحبّ إليّ. قال: وأخذ به ٱبن القاسم وٱبن عبد الحكم. ورُوِي عن عبد الملك بن مروان: أن المجروح أو المضروب إذا قال دمي عند فلان ومات كانت القَسَامة. وبه قال مالك واللّيث بن سعد. وٱحتج مالك بقتيل بني إسرائيل أنه قال: قتلني فلان. وقال الشافعيّ: اللَّوْث الشاهد العدل، أو يأتي ببيّنة وإن لم يكونوا عدولاً. وأوْجب الثورِيّ والكوفيون القسامة بوجود القتيل فقط، وٱستغنوا عن مراعاة قول المقتول وعن الشاهد، قالوا: إذا وُجد قتيل في مَحلّة قومٍ وبه أثرٌ حلف أهل ذلك الموضع أنهم لم يقتلوه ويكون عَقْلُه عليهم؛ وإذا لم يكن به أثر لم يكن على العاقلة شيء إلا أن تقوم البيّنة على واحد. وقال سفيان: وهذا مما أُجمع عليه عندنا؛ وهو قول ضعيف خالفوا فيه أهل العلم، ولا سلف لهم فيه، وهو مخالف للقرآن والسُّنة؛ ولأن فيه إلزامَ العاقلة مالاً بغير بيّنة ثبتت عليهم ولا إقرارٍ منهم. وذهب مالك والشافعيّ إلى أن القتيلُ إذا وجُد في مَحلّة قومٍ أنه هَدَر، لا يؤخذ به أقرب الناس داراً؛ لأن القتيل قد يُقتل ثم يُلقى على باب قوم ليلطخوا به؛ فلا يؤاخذ بمثل ذلك حتى تكون الأسباب التي شرطوها في وجوب القسامة. وقد قال عمر بن عبد العزيز: هذا مما يؤخر فيه القضاء حتى يقضي الله فيه يوم القيامة. مسألة: قال القاسم بن مسعدة قلت للنِّسائي: لا يقول مالك بالقسامة إلا باللَّوْث، فلم أوْرَد حديث القسامة ولا لَوث فيه؟ قال النسائي: أنزل مالك العداوة التي كانت بينهم وبين اليهود بمنزلة اللوث، وأنزل اللّوث أو قول الميت بمنزلة العداوة. قال ٱبن أبي زيد: وأصل هذا في قصة بني إسرائيل حين أحيا الله الذي ضُرب ببعض البقرة فقال: قتلني فلان؛ وبأن العداوة لَوْث. قال الشافعي: ولا نرى قول المقتول لوثاً؛ كما تقدّم. قال الشافعي: إذا كان بين قوم وقوم عداوة ظاهرة كالعداوة التي كانت بين الأنصار واليهود، ووجد قتيل في أحد الفريقين ولا يخالطهم غيرهم وَجَبت القسامة فيه. مسألة: وٱختلفوا في القتيل يوجد في المحلة التي أكراها أربابها؛ فقال أصحاب الرأي: هو على أهل الخِطّة وليس على السكان شيء، فإن باعوا دُورهم ثم وُجد قتيل فالدّيَةُ على المشتري وليس على السكان شيء، وإن كان أرباب الدُّور غُيَّباً وقد أكروا دُورهم فالقسامة والدية على أرباب الدور الغُيَّب وليس على السكان الذي وُجد القتيل بين أظهرهم شيء. ثم رجع يعقوب من بينهم عن هذا القول فقال: القسامة والدّية على السكان في الدُّور. وحكى هذا القول عن ٱبن أبي ليلى، وٱحتج بأن أهل خَيْبَر كانوا عُمَّالاً سُكَّاناً يعملون فوُجِد القتيل فيهم. قال الثوري ونحن نقول: هو على أصحاب الأصل، يعني أهل الدور. وقال أحمد: القول قول ٱبن أبي ليلى في القسامة لا في الدية. وقال الشافعي: وذلك كله سواء، ولا عَقْل ولا قَوَد إلا ببيّنة تقوم، أو ما يوجب القسامة فيُقسم الأولياء. قال ٱبن المنذر: وهذا أصح. مسألة: ولا يحلف في القسامة أقلّ من خمسين يميناً؛ «حديث : لقوله عليه السلام في حديث حُوَيصة ومُحَيّصة: «يُقسم خمسين منكم على رجل منهم»»تفسير : . فإن كان المستحقّون خمسين حلف كل واحد منهم يميناً واحدة، فإن كانوا أقل من ذلك أو نَكَل منهم من لا يجوز عفوه رُدّت الأيمان عليهم بحسب عددهم. ولا يحلف في العمد أقل من ٱثنين من الرجال، لا يحلف فيه الواحد من الرجال ولا النساء، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العَصَبة خمسين يميناً. هذا مذهب مالك واللّيث والثَّوْري والأوزاعيّ وأحمد وداود. وروى مُطَرِّف عن مالك أنه لا يحلف مع المدّعَى عليه أحدٌ ويحلف هم أنفُسهم ـ كما لو كانوا واحداً فأكثر ـ خمسين يميناً يبرئون بها أنفسهم؛ وهو قول الشافعي. قال الشافعي: لا يُقسم إلا وارث، كان القتل عمداً أو خطأ. ولا يحلف على مال ويستحقه إلا من له الملك لنفسه أو من جعل الله له الملك من الورثة؛ والورثةُ يُقسمون على قدر مواريثهم. وبه قال أبو ثَوْر وٱختاره ٱبن المنذر وهو الصحيح؛ لأن من لم يدّع عليه لم يكن له سبب يتوجّه عليه فيه يمين. ثم مقصود هذه الأيمان البراءة من الدعوى ومن لم يدّع عليه برىء. وقال مالك في الخطأ: يحلف فيها الواحد من الرجال والنساء، فمهما كملت خمسين يميناً من واحد أو أكثر ٱستحق الحالف ميراثه، ومَن نَكَل لم يستحق شيئاً؛ فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه. هذا قول مالك المشهور عنه؛ وقد رُوِيَ عنه أنه لا يرى في الخطأ قسامة. وتتميم مسائل القسامة وفروعها وأحكامها مذكور في كتب الفقه والخلاف، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق. مسألة: في قصة البقرة هذه دليل على أن شَرْع مَن قبلنا شَرْعٌ لنا؛ وقال به طوائف من المتكلمين وقومٌ من الفقهاء، وٱختاره الكرخي ونصّ عليه ٱبن بُكير القاضي من علمائنا، وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: هو الذي تقتضيه أصول مالك ومَنازعه في كتبه، وإليه مال الشافعي، وقد قال الله: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} أي كما أحْيَا هذا بعد موته كذلك يحيي الله كل من مات. فالكاف في موضع نصب، لأنه نعت لمصدر محذوف. {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي علاماته وقدرته. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} كي تعقلوا. وقد تقدّم. أي تمتنعون من عصيانه. وعقلتُ نفسي عن كذا أي منعتها منه. والمعاقل: الحصون.

البيضاوي

تفسير : {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ } عطف على ادارأتم وما بينها اعتراض، والضمير للنفس والتذكير على تأويل الشخص أو القتيل {بِبَعْضِهَا } أي بعض كان وقيل: بأصغريها. وقيل بلسانها. وقيل بفخذها اليمنى وقيل بالأذن. وقيل بالعُجب {كَذٰلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } يدل على ما حذف وهو فضربوه فحيي، والخطاب مع من حضر حياة القتيل، أو نزول الآية {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ } دلائله على كمال قدرته. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها، أو تعملوا على قضيته. ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرب وأداء الواجب، ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل والشفقة على الأولاد، وأن من حق الطالب أن يقدم قربة، والمتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه، كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار. وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى، والأسباب أمارات لا إثر لها، وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي، فطريقُه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا، ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه، فتحيا حياة طيبة، وتعرب عما به ينكشف الحال، ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ } أي القتيل {بِبَعْضِهَا } فُضربَ بلسانها أو عَجْب ذنبها فحيي وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه ومات فحُرِما الميراث وقتِلا، قال تعالى: {كَذٰلِكَ } الإحياء {يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} دلائل قدرته {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تتدبرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس واحدة قادر على إحياء نفوس كثيرة فتؤمنون.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِبَعْضِهَا} بفخذها، أو ذنبها، أو عظم من عظامها، أو بعض آرابها، أو البضعة التي بين الكتفين. فلما حيي القتيل قال: قتلني ابن أخي، ثم مات فحلف بنو أخيه بالله ما قتلناه.

النسفي

تفسير : و {فَقُلْنَا } والضمير في {ٱضْرِبُوهُ } يرجع إلى النفس، والتذكير بتأويل الشخص والإنسان، أو إلى القتيل لما دل عليه ما كنتم تكتمون. {بِبَعْضِهَا } ببعض البقرة وهو لسانها أو فخذها اليمنى أو عجبها، والمعنى فضربوه فحيـى فحذف ذلك لدلالة {كَذٰلِكَ يُحْيىِِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } عليه. روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله تعالى وقال قتلني فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأُخذا وقُتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك، وقوله «كذلك يحيـي الله الموتى» إما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن النبي عليه السلام، وإما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم كذلك يحيـي الله الموتى يوم القيامة. {وَيُرِيكُمْ ءَايَـٰتِهِ } دلائله على أنه قادر على كل شيء {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فتعملون على قضية عقولكم وهي أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء جميعها لعدم الاختصاص، والحكمة في ذبح البقرة وضربه ببعضها وإن قدر على إحيائه بلا واسطة التقرب به، الإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب والتعليم لعباده ترك التشديد في الأمور والمسارعة إلى امتثال أوامر الله من غير تفتيش وتكثير سؤال وغير ذلك. وقيل: إنما أمروا بذبح البقرة دون غيرها من البهائم لأنها أفضل قرابينهم، ولعبادتهم العجل فأراد الله تعالى أن يهون معبودهم عندهم، وكان ينبغي أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال: وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها، ولكنه تعالى إنما قص قصص بني إسرائيل تعديداً لما وجد منهم من الجنايات وتقريعاً لهم عليها، وهاتان القصتان وإن كانتا متصلتين فتستقل كل واحدة منهما بنوع من التقريع. فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب المراد في تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها إن وصلت بالأولى بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله «اضربوه ببعضها» ليعلم أنهما قصتان فيما يرجـع إلى التقريع وقصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة. وقيل: هذه القصة تشير إلى أن من أراد إحياء قلبه بالمشاهدات فليمت نفسه بأنواع المجاهدات. ومعنى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } استبعاد القسوة {مِن بَعْدِ } ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها. وصفة القلوب بالقسوة مثل لنبوها عن الاعتبار والاتعاظ. من بعد {ذٰلِكَ } إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ } فهي في قسوتها مثل الحجارة {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } منها. وأشد معطوف على الكاف تقديره أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو هي في أنفسها أشد قسوة. يعني أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً، أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة. وإنما لم يقل أقسى لكونه أبين وأدل على فرط القسوة. وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس كقولك «زيد كريم وعمرو أكرم». {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ } بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجـارة {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ } «ما» بمعنى «الذي» في موضع النصب وهو اسم «إن» واللام للتوكيد. والتفجر التفتح بالسعة والكثرة. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ } أصله يتشقق وبه قرأ الأعمش فقلبت التاء شيناً وأدغمت {فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاءُ } يعني أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير، ومنها ما ينشق انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً وقلوبهم لا تندى. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ } يتردى من أعلى الجبل {مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } قيل: هو مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به. وقيل: المراد به حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز. وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة وعلى هذا قوله: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ }تفسير : [الحشر: 21]، الآية. يعني وقلوبهم لا تخشى. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وبالياء مكي وهو وعيد.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا...} قال ابن عرفة: لم (يتعنّتوا) في هذا ولو مكن الله إبليس منهم لقالوا (لموسى): عيّن لنا ذلك البعض ما هو؟ وانظر قضية عمر ابن عبد العزيز مع الأمير. وأورد (ابن عرفة هنا سؤالا قائلا: لمّا أمروا بذبح بقرة مطلقة انتصبوا للسؤال: على أي بقرة هي، والأمر دائر بين أن يكون هذا منهم تعنتا أو استرشادا فإذا تقرر هذا فلأي شيء لم يسألوا هنا ما هو البعض الذي يضربون به ميتهم فيحيِيَ؟ وأجيب: بأن تفاوت أفراد الجنس والصنف ثابت بخلاف أجزاء الكلّ من حيث هو كل. وأجيب أيضا بأنهم قادرون على أن يضربوا بكل بعض من أبعاض تلك البقرة حتى يوافقوا البعض المراد بخلاف الآخر فإنهم غير قادرين على ذبح جميع البقر كلها. قلت: وهذا قريب من الأول. قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ...}. أفرد الخطاب والمخاطبون جماعة: إما لقلة من يتأثر بهذه الآية (منهم)، ثم جمعهم في قوله "وَيُرِيكُمْ" اعتبارا (بظاهر) الأمر، وإما لأن المخاطب واحد بالنوع. واستقرأ الفخر الرازي من الآية فوائد كثيرة: منها أن الزيادة في خطاب نسخ له. ومنها أن النسخ قبل الفعل (جائز وإن لم يجز) قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى (البدء). وردّ ابن عرفة الأول بأنها زيادة على النص. والصحيح أنها ليست (بنصّ) خلافا لأبي حنيفة. وقال الطيبي: إنه من باب (تقييد) المطلق، أو تخصيص العام، لأن البقرة مطلقة.

السيوطي

تفسير : أخرج وكيع والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏فقلنا اضربوه ببعضها‏}‏ قال‏:‏ ضرب بالعظم الذي يلي الغضروف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها، فلما فعلوا أحياه الله حتى أنبأهم بقاتله الذي قتله، وتكلم ثم مات‏. وأخرج وكيع وابن جرير عن عكرمة في الآية قال‏:‏ ضربوه بفخذها فحي، فما زاد على أن قال‏:‏ قتلني فلان، ثم عاد فمات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال‏:‏ ضرب بفخذ البقرة فقام حياً فقال‏:‏ قتلني فلان، ثم عاد في ميتته‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال‏:‏ ضرب بالبضعة التي بين الكتفين‏. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال‏:‏ أمرهم موسى أن يأخذوا عظماً فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع الله روحه فسمى قاتله، ثم عاد ميتاً كما كان‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ {‏كذلك يحيي الله الموتى‏} ‏الآية‏.‏ أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال‏:‏ إن فتى من بني إسرائيل كان براً بوالدته، وكان يقوم ثلث الليل يصلي، ويجلس عند رأس والدته ثلث الليل، فيذكرها بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ويقول‏:‏ يا أمه إن كنت ضعفت عن قيام الليل فكبري الله وسبيحه وهلليه، فكان ذلك عملهما الدهر كله، فإذا أصبح أتى الجبل فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله أن يبيعه، فيتصدق بثلثه ويبقي لعبادته ثلثاً ويعطي الثلث أمه، وكانت أمه تأكل النصف وتتصدق بالنصف، وكان ذلك عملهما الدهر كله‏.‏ فلما طال عليها قالت‏:‏ يا بني اعلم أني قد ورثت من أبيك بقرة وختمت عنقها، وتركتها في البقر على اسم إله إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب، قالت وسأبين لك ما لونها وهيئتها، فإذا أتيت البقر فادعها باسم إله إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب فأنها تفعل كما وعدتني، وقالت‏:‏ إن علامتها ليست بهرمة ولا فتية، غير أنها بينهما وهي صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، إذا نظرت إلى جلدها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وليست بالذلول، ولا صعبة تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها ولونها واحد، فإذا رأيتها فخذ بعنقها فإنها تتبعك بإذن إله إسرائيل‏.‏ فانطلق الفتى وحفظ وصية والدته، وسار في البرية يومين أو ثلاثاً، حتى إذا كان صبيحة ذلك اليوم انصرف فصاح بها فقال‏:‏ بإله إبراهيم وإسمعيل واسحق ويعقوب إلا ما أتيتني، فأقبلت البقرة إليه وتركت الرعي، فقامت بين يدي الفتى، فأخذ بعنقها فتكلمت البقرة وقالت‏:‏ يا أيها الفتى البر بوالدته اركبني فإنه أهون عليك‏.‏ قال الفتى‏:‏ لم تأمرني والدتي أن أركب عليك ولكنها أمرتني أن أسوقك سوقاً فأحب أن أبلغ قولها‏.‏ فقالت‏:‏ بإله إسرائيل لو ركبتني ما كنت لتقدر علي، فانطلق يا أيها الفتى البر بوالدته، لو أنك أمرت هذا الجبل أن ينقلع لك من أصله لانقلع لبرك بوالدتك ولطاعتك إلهك‏.‏ فانطلق حتى إذا كان من مسيرة يوم من منزله استقبله عدوّ الله إبليس، فتمثل له على صورة راع من رعاة البقر، فقال‏:‏ يا أيها الفتى من أين جئت بهذه البقرة، ألا تركبها فإني أراك قد أعييت‏؟‏ أظنك لا تملك من الدنيا مالاً غير هذه البقرة، فإني أعطيك الأجر ينفعك ولا يضرها، فإني من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي، فأخذت ثوراً من ثيراني فحملت عليه طعامي وزادي، حتى إذا بلغت شطر الطريق أخذني وجع بطني، فذهبت لأقضي حاجتي فعدا وسط الجبل وتركني وأنا أطلبه ولست أقدر عليه، فأنا أخشى على نفسي الهلاك وليس معي زاد ولا ماء، فإن رأيت أن تحملني على بقرتك فتبلغني مراعي وتنجيني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين‏.‏ قال الفتى‏:‏ إن بني آدم ليس بالذي يقتلهم اليقين وتهلكهم أنفسهم، فلو علم الله منك اليقين لبلغك بغير زاد ولا ماء، ولست براكب أمراً لم أومر به، إنما أنا عبد مأمور ولو علم سيدي أني أعصيه في هذه البقرة لأهلكني وعاقبني عقوبة شديدة، وما أنا بمؤثر هواك على هوى سيدي، فانطلق يا أيها الرجل بسلام فقال له إبليس‏:‏ أعطيك بكل خطوة تخطوها إلى منزلي درهماً فذلك مال عظيم وتفدي نفسي من الموت في هذه البقرة‏.‏ قال الفتى‏:‏ إن سيدي له ذهب الأرض وفضتها، فإن أعطيتني شيئاً منها علم أنه من ماله، ولكن أعطني من ذهب السماء وفضتها، فأقول أنه ليس هذا من مالك فقال إبليس‏:‏ وهل في السماء ذهب أو فضة، أو هل يقدر أحد على هذا‏؟‏ قال الفتى‏:‏ أو هل يستطيع العبد بما لم يأمر به سيده كما لا تستطيع أنت ذهب السماء وفضتها‏.‏ قال له إبليس‏:‏ أراك أعجز العبيد في أمرك‏.‏ قال له الفتى‏:‏ إن العاجز من عصى ربه‏.‏ قال له إبليس‏:‏ ما لي لا أرى معك زاداً ولا ماء‏؟‏ قال الفتى‏:‏ زادي التقوى، وطعامي الحشيش، وشرابي من عيون الجبال، قال إبليس‏:‏ ألا آمرك بأمر يرشدك‏؟‏ قال‏ الفتى:‏ مر به نفسك فإني على رشاد إن شاء الله‏.‏ قال له إبليس‏:‏ ما أراك تقبل نصيحة‏!‏ قال له الفتى‏:‏ الناصح لنفسه من أطاع سيده وأدى الحق الذي عليه، فإن كنت شيطاناً فأعوذ بالله منك، وإن كنت آدمياً فاخرج فلا حاجة لي في صحابتك‏.‏ فجمد إبليس عند ذلك ثلاث ساعات مكانه، ولو ركبها له إبليس ما كان الفتى يقدر عليها ولكن الله حبسه عنها‏.‏ فبينما الفتى يمشي إذ طار طائر من بين يديه فاختلس البقرة، ودعاها الفتى وقال‏:‏ بإله إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب إلا ما آتيتني، فأتت البقرة إليه وقامت بين يديه، فقالت‏:‏ يا أيها الفتى ألم تر إلى ذلك الطائر الذي طار من بين يديك‏؟‏، فإنه إبليس عدو الله اختلسني، فلما ناديتني بإله إسرائيل جاء ملك من الملائكة فانتزعني منه فردني إليك لبرك بوالدتك وطاعتك إلهك، فانطلق فلست ببارحتك حتى تأتي أهلك إن شاء الله‏. قال‏:‏ فدخل الفتى إلى أمه يخبرها الخبر، فقالت‏:‏ يا بني إني أراك تحتطب على ظهرك الليل و النهار فتشخص، فاذهب بهذه البقرة فبعها وخذ ثمنها فتقوّ به وودع به نفسك‏.‏ قال الفتى‏:‏ بكم أبيعها‏؟‏ قالت‏:‏ بثلاثة دنانير على رضا مني‏.‏ فانطلق الفتى إلى السوق فبعث الله إليه من الملائكة ليري خلقه قدرته، فقال للفتى‏:‏ بكم تبيع هذه البقرة أيها الفتى‏؟‏ فقال‏:‏ أبيعها بثلاثة دنانير على رضا من والدتي‏.‏ قال‏:‏ لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك‏.‏ فقال‏:‏ لو أعطيتني زنتها لم أبعها حتى أستأمرها، فخرج الفتى فأخبر والدته الخبر، فقالت‏:‏ بعها بستة دنانير على رضا مني‏.‏ فانطلق الفتى وأتاه الملك فقال‏:‏ ما فعلت‏؟‏ فقال‏:‏ أبيعها بستة دنانير على رضا من والدتي‏.‏ قال‏:‏ فخذ اثني عشر ديناراً ولا تستأمرها‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ فانطلق الفتى إلى أمه فقالت‏:‏ يا بني إن الذي يأتيك ملك من الملائكة في صورة آدمي، فإذا أتاك فقل له‏:‏ إن والدتي تقرأ عليك السلام، وتقول‏:‏ بكم تأمرني أن أبيع هذه البقرة‏؟‏ قال له الملك‏:‏ يا أيها الفتى يشتري بقرتك هذه موسى بن عمران لقتيل يقتل من بني إسرائيل، وله مال كثير ولم يترك أبوه ولداً غيره، وله أخ له بنون كثيرون، فيقولون كيف لنا أن نقتل هذا الغلام ونأخذ ماله، فدعوا الغلام إلى منزلهم فقتلوه فطرحوه إلى جانب دارهم، فأصبح أهل الدار فأخرجوا الغلام إلى باب الدار، وجاء بنو عم الغلام فأخذوا أهل الدار، فانطلقوا بهم إلى موسى، فلم يدر موسى كيف يحكم بينهم من أجل أن أهل الدار برآء من الغلام‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فشق ذلك على موسى فدعا ربه، فأوحى الله إليه‏:‏ أن خذ بقرة صفراء فاقعاً لونها فاذبحها، ثم اضرب الغلام ببعضها‏.‏ فعمدوا إلى بقرة الفتى فاشتروها على أن يملأوا جلدها دنانير، ثم ذبحوها ثم ضربوا الغلام ببعضها، فقام يخبرهم فقال‏:‏ إن بني عمي قتلوني وأهل الدار مني برآء، فأخذهم موسى فقالوا‏:‏ يا موسى أتتخذنا هزواً قد قتل ابن عمنا مظلوماً، وقد علموا أن سيفضحوا، فعمدوا إلى جلد البقرة فملأوه دنانير ثم دفعوه إلى الفتى، فعمد الفتى فتصدق بالثلثين على فقراء بني إسرائيل وتقوّى بالثلث و‏ {كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون‏}‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ} عطف على فادارأتم وما بـينهما اعتراضٌ، والالتفاتُ لتربـية المهابةِ، والضميرُ للنفس، والتذكيرُ باعتبار أنها عبارةٌ عن الرجل أو بتأويل الشخصِ أو القتيل {بِبَعْضِهَا} أيْ ببعض البقرة أيِّ بعضٍ كان وقيل: بأصغَرَيها، وقيل: بلسانها وقيل: بفخِذِها اليُمنى وقيل: بأذُنها وقيل: بعُجبها، وقيل: بالعظم الذي يلي الغُضْروف، وهذا أولُ القصة كما ينبىء عنه الضمير الراجعُ إلى البقرة كأنه قيل: وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا: اذبحوا بقرةً فاضرِبوه ببعضها، وإنما غُيّر الترتيبُ عند الحكاية لتكرير التوبـيخِ وتثنيةِ التقريعِ، فإن كلَّ واحدٍ من قتل النفس المحرَّمة والاستهزاءِ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم والافتياتِ على أمره وترك المسارعة إلى الامتثال به جنايةٌ عظيمة حقيقة بأن تُنعىٰ عليهم بحيالها، ولو حُكيت القصةُ على ترتيب الوقوعِ لما علم استقلالُ كلَ منها بما يُخَصُّ بها من التوبـيخ وإنما حُكي الأمر بالذبح عن موسى عليه السلام مع أنه من الله عز وجل كالأمر بالضرب لما أن جناياتِهم كانت بمراجعتهم إليه عليه السلام والافتياتِ على رأيه {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} على إرادة قولٍ معطوفٍ على مقدَّر ينسحِبُ عليه الكلام أي فضرَبوه فحَيِـيَ وقلنا كذلك يُحيـي الخ فحذفت الفاءُ الفصيحة في فحِيـيَ مع ما عطف بها، وما عُطف هو عليه لدلالة كذلك على ذلك فالخطابُ في كذلك حينئذ للحاضرين عند حياة القتيل، ويجوزُ أن يكون ذلك للحاضرين عند نزولِ الآيةِ الكريمة فلا حاجة حينئذٍ إلى تقدير القولِ بل تنتهي الحكايةُ عند قوله تعالى: ببعضها مع ما قُدّر بعده، فالجملة معترضة أي مثلَ ذلك الإحياءِ العجيبِ يُحيـي الله الموتىٰ يوم القيامة {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ} ودلائلَه الدالةَ على أنه تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يُراد بالآياتِ هذا الإحياءُ، والتعبـيرُ عنه بالجمع لاشتماله على أمورٍ بديعةٍ من ترتّب الحياة على عضو ميتٍ، وإخبارِه بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تكمُلَ عقولُكم وتعلموا أن من قدَرَ على إحياء نفسٍ قدَر على إحياء الأنفس كلِّها أو تعلموا على قضية عقولِكم، ولعل الحكمة في اشتراط ما اشتُرط في الإحياء مع ظُهور كمالِ قُدرته على إحيائه ابتداءً بلا واسطة أصلاً اشتمالُه على التقرب إلى الله تعالى وأداءِ الواجب ونفعِ اليتيم والتنبـيهُ على برَكة التوكلِ على الله تعالى والشفقةِ على الأولاد ونفعِ برِّ الوالدين وأن من حق الطالب أن يقدّم قُربة، ومن حق المتقرِّب أن يتحرَّى الأنفسَ ويغاليَ بثمنه كما يُروى عن عمرَ رضي الله عنه أنه ضحّى بنَجيبةٍ اشتراها بثلثمائة دينار، وأن المؤثرّ هو الله تعالى، وإنما الأسبابُ أَماراتٌ لا تأثيرَ لها وأن من رام أن يعرف أعدى عدوِّه الساعي في إماتتِه الموتَ الحقيقيَّ فطريقُه أن يذبَحَ بقرةَ نفسِه التي هي قوتُه الشهويةُ حين زال عنها شَرَهُ الصِّبا ولم يلحَقها ضَعف الكِبَر، وكانت معجِبةً رائقةَ المنظرَ غيرَ مذللةٍ في طلب الدنيا مسلَّمةً عن دنسها لا سمة بها من قبائحها بحيث يتَّصلُ أثرُه إلى نفسه فيحيا بها حياةً طيبةً ويُعربَ عما به ينكشف الحالُ ويرتفعُ ما بـين العقل والوهم من التدارُؤ والجدال.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} [الآية: 73]. قيل فيه: إن الله أمَر بقتلِ حىَ لِيُحيى ميتهم أعلمك بذلك أنَّهُ لا يُحيى قَلبَكَ لأنوارِ المعرفة ولا لفهم الخِطابِ إلا بعدَ أن تقتلَ نفسكَ بالاجتهادِ والرياضات، فيبقى جسمكَ هيكلاً لا صفة له من صفاته ولا يؤثر عليه بقاءَ صُورتها شيئًا فتُحيى قلبكَ وتكونُ نَفسكَ رسماً لا حقيقة لها، وقلبُك حقيقةً ليس عليهِ أثر من المريبين.

القشيري

تفسير : أراد الله سبحانه أن يحيي ميتهم ليفضح بالشهادة على قاتله فأمر بقتل حيوان لهم فجعل سبب حياة مقتولهم قتل حيوان لهم، صارت الإشارة منه: أن من أراد حياة قلبه لا يصل إليه إلا بذبح نفسه؛ فمن ذبح نفسه بالمجاهدات حَيِيَ قلبُه بأنوار المشاهدات، وكذلك من أراد الله حياةَ ذِكْرِه في الأبدال أمات في الدنيا ذكره بالخمول.

البقلي

تفسير : {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} فهم من الاية ان الله تعالى اعْلَمَهم اَنَّ فى قتل النفس احياء القلب وفى حيوة القلب حيوة الرّوح واذا صفت الروح بصفاء حيوة القلب عن كدورات النفس تحيى جمع الاموات بانفاسها واثارها كما احيى عيسى عليه السلام الموتى لانه صَافٍ بصفاتها من صفات النفس فظهرت منه الايات والمعجزات وقيل فيه ان الله اَمَرَ بقتل حىّ ليحى ميتهم اعلمك بذلك انه لا يحى قلبك لانوار المعرفة ولا لفهم الخطاب الا بعد ان تقتل نفسك بالاجتهاد والرياضيات فيبقى جسمك هيكلاً لاصفة له من صفاته ولا يوثر عليك بقاء صورتك فيحيى قبلك ويكون نفكس رسماً لا حقيقة لها وقلبك حيقية ليس عليه شئ من المرسومات قوله {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} اى من عَبَدنى لاجل الجزاء والعوض وسكن بالعطاء عن المعطى واحاطت به رؤية افعاله واَعْواضه فاولئك اصحاب البعد لم ينالوا قرب وصالى وحقيقة جمالى وقيل بلى من كسب سيئة رؤية افعلاه واحاطت به خطيئته بظنّه ان افعاله واعماله ينجيه وتقربه فهم المبعدون عنى بما تقربوا به الى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اى الذين شاهدوا والله برسم الارواح فى فضاء الاذليات وخرجوا من الكائنات تهذيبا للاشباح حتى دخلوا جمال الابَديّات اولئك اصحاب القربات ومشاهدات الصفات وسبحان جمال الذات وقيل امنوا اى ايقنوا انَّ النجاة في سعادة الاهل وانّه ليس في الطاعات الا اتباع الامر وانفو من صالح اعمالهم لعلهم بصورها عن حقيقة تبعده اولئك هم الواصلون الى الرضوان الاكبر.

اسماعيل حقي

تفسير : {فقلنا} عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض {اضربوه} اى النفس والتذكير على تأويل الشخص والانسان {ببعضها} اى ببعض البقرة أى بعض كان او بلسانها لانه آلة الكلام او بعجب الذنب لانه اول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق او بغير ذلك من الاعضاء والبعض اقل من النصف والمعنى فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة قوله {كذلك يحيى الله الموتى} ـ روى ـ انه لما ضربوه قام باذن الله وأوداجه تشخب دما وقال قتلنى فلان وفلان لابنى عمه ثم سقط ميتا فاخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ثم ان موسى عليه السلام امرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه نفيا للتهمة كيلا ينسب الى السحر او الحيلة {كذلك} على ارادة القول اى فضربوه فحيى وقلنا كذلك فالخطاب فى كذلك للحاضرين عند حياة القتيل اى مثل ذلك الاحياء العجيب {يحيى الله الموتى} يوم القيامة. فان قلت ان بنى إسرائيل كانوا مقرين بالبعث فما معنى الزامهم بقوله {كذلك يحيى الله الموتى}. قلت كانوا مقرين قولا وتقليدا فثبته عيانا وايقانا وهو كقول ابراهيم عليه السلام {ولكن ليطمئن قلبى} ويجوز ان يكون الخطاب لمنكرى البعث فى زمان النبى عليه السلام والحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ الى تقدير القول بل تنتهى الحكاية عند قوله تعالى ببعضها {ويريكم آياته} دلائله الدالة على انه تعالى على كل شىء قدير {لعلكم تعقلون} يقال عقلت نفسى عن كذا اى منعتها منه اى لكى تكمل عقولكم وتعلموا ان من قدر على احياء نفس واحدة قدر على احياء الانفس كلها وتمنعوا نفوسكم من هواها وتطيعوا الله فيما يأمركم به ولعل الحكمة فى اشتراط ما اشترط فى الاحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها مع ظهور كمال قدرته على احيائه ابتداء بلا واسطة اصلا لاشتماله على التقرب الى الله تعالى واداء الواجب ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى والشفقة على الاولاد ونفع بر الوالد وان من حق الطالب ان يقدم قربة ومن حق المتقرب ان يتحرى الاحسن ويغالى بثمنه كما يروى عن عمر رضى الله عنه انه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار وان المؤثر هو الله تعالى وانما الاسباب امارات لا تأثير لها لان الموتين الحاصلين فى الجسمين لا يعقل ان يتولد منهما حياة وان من رام ان يعرف اعدى عدوه الساعى فى اماتته الموت الحقيقى فطريقه ان يذبح بقرة نفسه التى هى قوته الشهوية حين زال عنها شره الصبى ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة فى طلب الدنيا مسلمة من دنسها لا شية بها من قبائحها بحيث يتصل اثره الى نفسه فيحيى به حياة طيبة ويعرف ما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارئ والجدال. قال بعض اهل المعرفة فى قوله {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى} انما جعل الله احياء المقتول فى ذبح البقرة تنبيها لعبيده ان من اراد منهم احياء قلبه لم يتأت له الا باماتة نفسه فمن اماتها بانواع الرياضات احيى الله قلبه بانوار المشاهدات فمن مات بالطبيعة يحيى بالحقيقة وكما ان لسان البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل وقام باذن الله وقال قتلنى فلان فكذلك من ضرب لسان النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيى الله قلبه بنوره فيقول وما ابرئ نفسى ان النفس لامارة بالسوء: قال السعدى شعر : نميتارد اين نفس سركش جنان كه عقلش تواند كرفتن عنان تو بر كره توسنى در كمر نكر تانبيجد زحكم توسر اكربالهنك از كفت در كسيخت تن خويشتن كشت وخون توريخت تفسير : فيجب علينا غاية الوجوب ان نتقيد باحياء نفوسنا بالحياة الحقيقية واصلاح قلوبنا بالاصلاح الحقيقي واخلاص اعمالنا بالاخلاص الحقيقي فان المنظر الآلهى انما هو القلوب والاعمال لا القصور والاموال كما ورد فى الحديث "حديث : ان الله لا ينظر الى صوركم واحوالكم بل الى قلوبكم واعمالكم ". تفسير : فالمعتبر هو الباطن والسرائر دون السير والظواهر * والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والجاهل من نسى نفسه واتبع هواه وما يعقل ذلك الا العالمون وما يعلمه الا الكاملون: قال السعدى شعر : شخصم بجشم عالميان خوب منظرست وزخبث باطنم سر حجلت فتاده ييش طاوس را بنقش ونكارى كه هست خلق تحسين كننداوحجل ازباى زشت خوسش تفسير : وقد سئل بعض المشايخ عن الاسلام فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة ومخالفتها ترك شهواتها. قال السرى السقطى ان نفسى تطالبنى مدة ثلاثين سنة او اربعين سنة ان اغمس جوزة فى دبس فما اطعمتها ورئيى رجل جالس فى الهواء فقيل له بم نلت هذا قال تركت الهوى فسخر لى الهواء وقيل بعضهم انى اريد ان احج على التجريد فقال جرد اولا قلبك من السهو ونفسك عن اللهو ولسانك عن اللغو ثم اسلك حيث شئت.

الطوسي

تفسير : روي ابن سيرين عن ابي عبيدة السلماني قال: كان رجل من بنى اسرائيل عقيما، وله مال كثير. فقتله وارثه وجره، فقدمه على باب اناس آخرين، ثم اصبح يدعيه عليهم حتى تسلح هؤلاء وهؤلاء، وارادوا ان يقتتلوا فقال ذووا النهى: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟ فامسكوا حتى اتوه، فامرهم أن يذبحوا بقرة، فيضربوه ببعضها. فقالوا: اتتخذنا هزواً. قال: اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين. قال: فوجدوها عند رجل. فقال: لا ابيعها إلا بملء جلدها ذهبا. وكان بارا بابيه. فعوضه الله عن ذلك وجازاه عن بره بابيه، اذ باع البقرة بملء جلدها ذهبا فضربوه ببعضها. فتكلم. فقال: قتلني فلان، ثم عاد ميتاً فلم يورث قاتل بعده. واختلفوا [في البعض من البقرة المضروب به القتيل]. فقال الفراء: ضرب بذنبها. وقال البعض اقل من النصف. وقال ابن زيد: ضرب ببعض ارابها. وقال ابو العالية: ضرب بعظم من عظامها. وقال السدي: ضرب بالبضعة التي بين الكتفين. وقال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: ضرب بفخذ البقرة. والهاء في قوله فاضربوه كناية عن القتيل والهاء في قوله: ببعضها كناية عن البقرة. وهذه الاقاويل كلها محتملة الظاهر. والمعلوم ان الله تعالى امر ان يضرب القتيل ببعض البقرة. ولا يضر الجهل بذلك البعض بعينه، وانما امرهم بذلك لانهم اذا فعلوه احيي الميت. فيقول فلان قتلني: فيزول الخلف، والتداري بين القوم. والقديم تعالى، وان كان قادراً على الاخبار بذلك فان هذا اظهر. والاخبار به أعجب لانه معجز خارق للعادة. والتقدير في الآية فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه فحيي كما قال: {اضرب بعصاك الحجر فانفلق} تقديره فضرب، فانفلق. وكذلك قوله: {يحيي الموتى} فيه اضمار كانه قال: فقلنا اضربوه ببعضها فحيي كذلك يحيي الله الموتى اي اعلموا ان ما عاينتموه ان الله قادر على ان يحيي الموتى للجزاء، والحساب الذي اوعدكم به. ولما ضربوه ببعض البقرة، احياه الله تعالى، فقال: قتلني ابن اخي ثم قبض. وكان اسمه عاميل. فقال بنو اخيه والله ما قتلناه وكذبوا الحق بعد معاينته. وانما جعل سبب احيائه الضرب بموات لا حياة فيه، لئلا يلتبس على ذي شبهة ان الحياة انتقلت اليه مما ضرب به لتزول الشبهة، وتتأكد الحجة. وقوله: {كذلك يحيي الله الموتى} يحتمل ان يكون حكاية عن قول موسى لقومه. ويحتمل ان يكون خطابا من الله تعالى لمشركي قريش. وقوله: {لعلكم تعقلون} اي لتعقلوا. وقد كانوا عقالا قبل ذلك، لأن من لا عقل له، لا تلزمه الحجة، لكنه اراد تنبيههم، وان يقبلوا ما يدعون اليه، ويطيعوه ويعرفوه حق معرفته.

الجنابذي

تفسير : {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ} اى المقتول {بِبَعْضِهَا} ببعض أعضاء البقرة فضربوه بذنبها روى أنّهم أخذوا قطعة وهى عجز الذّنب الّذى منه خلق ابن آدم وعليه يركب اذا أعيد خلقاً جديداً فضربوه بها وقالوا: اللّهمّ بجاه محمّد (ص) وعلىّ (ع) وآله الطّيّبين لمّا أحييت هذا الميّت وأنطقته ليخبر عن قاتله فقام سالماً سويّاً وقال: يا نبىّ الله قتلنى هذان ابنا عمّى حسدانى على بنت عمّى فقتلانى وألقيانى فى محلّة هؤلاء ليأخذوا ديتى فأخذ موسى (ع) الرّجلين فقتلهما. وروى انّ المقتول المنشور توسّل الى الله سبحانه بمحمّد (ص) وآله (ع) ان يبقيه فى الدّنيا متمتّعاً بابنة عمّه ويجزى عنه أعداءه ويرزقه رزقاً كثيراً طيّباً؛ فوهب الله له سبعين سنةً بعد ان كان قد مضى عليه ستّون سنة قبل قتله صحيحةً حوّاسّه فيها قويّة شهواته فتمتّع بحلال الدّنيا وعاش معها لم يفارقها ولم تفارقه وماتا جميعاً معاً وصارا الى الجنّة وكانا فيها زوجين ناعمين {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} اى قلنا اضربوه ببعضها فضربوه فحىّ فقلنا كذلك يحى الله الموتى فلا تستغربوا الحيوة بعد المماة او قلنا اضربوه ببعضها قائلين بعد ضربه وحياته {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ}، او هو مستأنف لبيان كيفيّة احياء الموتى فى الرّجعة او فى المعاد فانّهم كانوا مستغربين لاحياء الموتى ورجعتهم الى الدّنيا، او اعادتهم فى الاخرى وبعد حياة الميّت صار المقام مقام السّؤال عن كيفيّة احياء الموتى كأنّهم قالوا: هل يحى الله الموتى مثل احياء هذا الميّت؟ - فقال تعالى:{كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} عطف على يحى الله اى مثل اراءة هذه الآية العجيبة من احياء الميّت بالتقاء ميّتٍ آخر يريكم سائر آياته النّفسانيّة العجيبة والخارجيّة الغريبة {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} اى تدركون جواز المعاد والرّجعة، او تدركون صحّة نبوّة موسى (ع) وصحّة قوله فى تفضيل محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وآلهما (ع) او لعلّكم تصيرون عقلاء خارجين عن مقام الجهل الى مقام العقل.

اطفيش

تفسير : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا}: لأنه معطوف على ادارأتم فيها، وقوله: {أية : والله مخرج ما كنتم تكتمون} تفسير : معترض أو حال مقدرة، أى ادارأتم فيها، والله مقدر لإخراجها بعد، ولا يتركها خفية القاتل، والهاء فى اضربوه عائدة إلى النفس فى قوله: {أية : وإذ قتلتم نفسا}تفسير : والنفس مؤنث كما أنث فى قوله: وإنما ذكر هنا للتأويل بالشخص أو بالمقتول أو الإنسان أو للنظر إلى المعنى، لأن المقتول رجل، وقيل: النفس يذكر ويؤنث، والمراد بالبعض جزءُ غير معين، فبأى جزء ضربوه امتثلوا الأمر واختلفوا فى أى جزء ضربوه به، وقيل: أمروا بجزء معين، وعلى هذا القول فلم يعين فى الآية مثل أن يقال: فقلنا اضربوه بلسانها أو بكذا، لأن الكلام ليس مسوقاً فى طريق بيانه، بل فى طريق تهوين الأمر فى قدرته، بأن قال إن ضربه بجزء من البقرة مذبوحة كاف، وعدم التعيين لهم أدخل فى الإعجاز والجزء الذى ضربوه به، سواء عين لهم أو لم يعين هو لسانها، لأنه آلة الكلام والضرب، إنما ليتكلم الميت باسم قاتله وهو قول الضحاك، قال الحسن بن الفضل: هذا أولى الأقوال، لأن المراد من إحياء القتيل كلامه، قلت بل كلما بعد الجزء عن مناسبة الحياة كان أدخل فى الإعجاز، لأنه ولو كان المراد إظهار القاتل لكن قصد به الإعجاز أيضاً، ولا سيما قد استدل باحيائه على البعث فى الآية بعده، وقيل بلسانها وقلبها، لأن الكلام يكون فى القلب واللسان يعبر عنه، وقال عطاء بن أبى رباح: هو العصعص، قيل وهو أولى التأويلات بالصواب، لأن العصعص هو الأساس الذى ركب عليه الخلق، وأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، وقال مجاهد: ذنبها. وقال عكرمة والكلبى: فخذها الأيمن. وقال السدى: البضعة التى بين كتفيها، وقيل: الأذن، وقال ابن عباس: بالعظم الذى يلى الغضروف وهو أصل الأذن وهو مقتل. والصحيح أنهُ غير معين إذ لا دليل على تعينه فى الآية والحديث، وفى الكلام حذف، والتقدير فقلنا اضربوه ببعضها ليحيا ويخبركم بقاتله فضربوه به فقام حيا بإذن الله تعالى، وأوداجه تشخب دماً، وقال قتلنى فلان ثم سقط ميتاً، فجرم الميراث وقتل به وقيل: قال قتلنى فلان وفلان لابنى عمه، فسقط ميتاً ثم قتلا وحرما الميراث كذا قيل، ومقتضى شخب أوداجه دماً أنه قتل بالذبح والمتبادر من الآية أنهم ضربوه فى جسده، وعن ابن عباس: ضربوه قبره وذكر عنه أن أمر القتيل وقع قبل جواز البحر، وأنهم قاموا فى طلب البقرة أربعين سنة، روى أنه كان فى بنى إسرائيل شيخ موسر فقتله بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب المدينة، ثم جاءوا يطالبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها فيحيا فيخبر بقاتله، وكان الشيخ صالح منهم عجلة، فأتى بها موضعاً يجتمع فيه الماء وينبت فيه الشجر، وقال: اللهم إنى أستودعتكها لابنى حتى يكبر، فشبت وكانت وحيدة بالصفات التى ذكر الله عز وجل فساوموها اليتيم وأمه، حتى اشتروها بملء جلدها ذهباً، وكانت البقرة بثلاثة دنانير فى ذلك الوقت، ولما تبين قاتلهُ حرم الميراث كما قال صلى الله عليهِ وسلم:"حديث : ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة"، تفسير : يعنى أن حرمان القاتل من الميراث مستمر من زمان هذا القاتل الذى فى قصة هذه البقرة. قيل كان فى بنى إسرائيل رجل غنى له ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طالت عليه حياته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى، وألقاه على بابها، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعى عليهم القتل فجحدوا، واشتبه أمر القتل على موسى عليهِ السلام: فسألوا موسى أن يدعوا الله ليبين لهم ما أشكل عليهم، فسأل موسى ربه فى ذلك فأمره بذبح بقرة، وأمره أن يضربه ببعضها، قال عطاء والسدى: كان فى بنى إسرائيل رجل كثير المال اسمه عاميل، ولهُ ابن عم مسكين لا وارث لهُ غيره، فلما طالت عليه حياته قتله ليرثه، وقال بعضهم: كانت تحت عاميل بنت عم لهُ تضرب مثلا فى بنى إسرائيل بالحسن والجمال، فقتلهُ ابن عمها لينكحها، فلما قتلهُ حملهُ من قرية إلى قرية أخرى فألقاه هنالك. قال عكرمة: كان لبنى إسرائيل مسجد لهُ اثنا عشر باباً، لكل سبط منهم باب، فوجد قتيل على باب سبط وجر إلى باب سبط آخر، فاختلف السبطان فيهِ، وقال ابن سيرين: قتلهُ القاتل ووضعه على باب سبط منهم، ثم أصبح يطلب ثأره ودمه ويدعيه عليهم، وقيل ألقاه بين القريتين فاختم فيه أهلها فجاءوا أولياء المقتول إلى موسى ـ عليه السلام ـ وأتوا بأناس وادعوا عليهم القتل وسألوه القصاص، فسألهم موسى وجحدوا، ولم تكن بينة، واشتبه أمر القتيل على الناس، فوقع بينهم خلاف يدعو إلى القتال وذلك قبل نزول المقاسمة فى التوراة، فسألوا موسى عليهِ السلام أن يدعو الله تعالى ليبين لهم أمر ذلك، فسأل موسى ربه تبارك وتعالى، فأمرهم بذبح البقرة على ما تقدم فى تفسير الآية. قال السدى وغيره: كان رجل من بنى إسرائيل بارا بأبيه، وبلغ من بر أبيه أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها منه بخمسين ألفاً وكان فيها فضل وربح، فقال البائع أعطنى ثمن اللؤلؤة، فقال إن أبى نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلنى حتى يستيقظ وأعطيك الثمن، فقال: أيقظ أباك وأعطنى الثمن، فقال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك على الثمن عشرة ألاف وأمهلنى حتى ينتبه فقال الرجل: أنا أعطيتك عشرة آلاف إن أنت أيقظت أباك وعجلت النقد، فقال: أنا أزيدك عشرين ألفاً إن أنت انتظرت انتباهه، فقال: قبلت، ففعل ولم يوقظ أباه، ولما استيقظ أبوه أخبره، فدعا لهُ وجازاه خيراً، وقال: أحسنت يا بنى، وهذه البقرة لك بما صنعت لى، وكانت بقرة من بقية بقر، وكانت لهُ، قال ـ صلى الله عليهِ وسلم ـ فى هذه القصة: "حديث : انظروا ما صنع البر"؟ تفسير : وقال ابن عباس، ووهب بن منبه: كان فى بنى إسرائيل رجل صالح له ابن صغير، وكانت لهُ عِجْلة فأتى بها إلى موضع الماء والشجر، وقال: اللهم إنى استودعتك هذه العجلة لابنى حتى يكبر، فمات الرجل فشبت العجلة حتى صارت عواناً، وكانت تهرب ممن يرومها، وكان الابن باراً بوالدته، فلما كبر كان يقسم الليل ثلاثة: يصلى ثلثاً، ويجلس عند رأس أمه ثلثاً، وينام ثلثاً، فإذا أصبح انطلق يحتطب على ظهره، فيأت السوق فيبيعه بما شاء الله فيتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى أمه ثلثه، فقالت لهُ أمه يوماً: يا بنى إن أباك ورثك عجلة وذهب بها إلى موضع كذا، واستودعها الله فانطلق إليها، وادع الله أن يردها إليك وإن علامتها إذا نظرت إليها أن يتخيل إليك أن بها شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسن لونها وصفائها وصفرة لونها، فأتى الموضع فرآها ترعى فصاح عليها فقال: أعزم عليك بالله، ورُوِى بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فأقبلت تمشى حتى وقعت بين يديه فقبض على عنقها وقادها، فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى، وقالت: أيها البار بوالدته اركبنى فإن ذلك أهون عليك، قال الفتى: إن أمى لم تأمرنى بذلك، ولكن قالت لى خذ بعنقها، فقالت البقرة: وإله موسى وإله بنى إسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر على أبداً، فانطلق فإنك لو أشرت إلى الجبل أن ينقلع من أصله فينطلق معك لفعل ببرِّك بوالدتك. فانطلق الفتى بها فاستقبله عدو الله إبليس فى صورة راع، فقال: أيها الفتى إنى راع من رعاة البقر اشتقت إلى أهلى فأخذت ثوراً من ثيرانى وحملت عليهِ زادى حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضى حاجتى، فتعدى وصعد إلى الجبل وما قدرت عليهِ، وإنى لأخشى على نفسى الهلكة فإن رأيت أن تحملنى على بقرتك وتنجينى من الموت، وأعطيك أجرتها بقرتين مثل بقرتك، فلم يفعل الفتى وقال: اذهب وتوكل، فلو علم منك الصدق لبلغتك بلا زاد ولا راحلة، فقال إبليس لعنة الله، إن شئت بعنيها وإن شئت فاحملنى وأعطيك عشرة مثلها، فقال الفتى: إن أمى لم تأمرنى بهذا. فبينما الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يديه، ونفرت البقرة هاربة من الفتى، وغاب الراعى فدعاها الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه، وقالت: أيها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذى طار؟ قال: نعم. قالت: إنه إبليس لعنه الله اختلسنى، فلما دعوت بإله إبراهيم جاء ملك فانتزعنى منه وردنى إليك لبرك بأمك وطاعتك لها، فجاء بها الفتى إلى أمهِ، فقالت له أمه: إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق وبع هذه البقرة وخذ ثمنها، فقال: بكم أبيعها؟ فقلت: ثلاثة دنانير، ولا تبعها بغير رضائى ومشورتى، وكان ثمن البقرة فى ذلك الزمان ثلاثة دنانير، فانطلق بها الفتى إلى السوق، فبعث الله تعالى ملكاً ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بأمه، فقال له: بع هذه البقرة لى فباعها بثلاثة دنانير على رضا أمه. فقال لهُ الملك: أعطيك ستة ولا تشاور أمك. فقال الفتى: لو أعطيتنى وزنها ذهباً لم أبع إلا برضى أمى، فردها إلى أمه وأخبرها، فقالت له أمه: ارجع وبعها بستة دنانير على رضائى، فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق فأتى الملك إليه، فقال: أشاورت والدتك؟ فقال الفتى: نعم أمرتنى ألا أنقصها من ستة الدنانير، وعلى أن أستأذنها، فقال الملك: إنى أعطيك اثنى عشر ديناراً على ألا تستأذنها، فأبى الفتى ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك. فقالت: إن ذلك الرجل الذى يأتيك هو ملك من الملائكة يأتيك فى صورة آدمى ليختبرك فإذا أتاك فقل أتأمرنى أن أبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل الفتى فقال لهُ الملك: اذهب إلى أمك وقل لها امسكى هذه البقرة فإن موسى بن عمران يشتريها لقتيل بنى اسرائيل، فلا تبيعوها إلا على ملء جلدها دنانير، فأمسكوا البقرة وقدر الله سبحانه على بنى إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة، وذلك قوله تعالى: {أية : قالوا ادع لنا ربك...} تفسير : الآيات فاشتروها بملء جلدها ذهبا. وقال السدى: اشتروها بوزنها عشر مرات فذبحوها وضربوه ببعضها، وحيِىَ بإذن الله تعالى، فأوحى الله تعالى إلى الأرض المقدسة فينظر كل قتيل يجدوته بين قريتين أو محلتين فيأخذ أقرب قريتين إليه وليلزمهم الدية، وإن علموا قاتله سلموه، وإن لم يعلموه يحضروا الخمسين رجلا من شيوخهم وصلحائهم، ثم يأخذوا بقرة حولية فيذبحوها ويضعوا أيديهم عليها، ويحلفوا بالله العظيم رب السماوات إله بنى إسرائيل ويعقوب إنا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، وإذا حلفوا برئوا من ديته، وإن لم يحلفوا أدوا ديته إلى أوليائه، فلم يزل موسى يقضى بالقسامة إلى أن مات عليه السلام، وكذلك بنو إسرائيل حتى جاء الله بالإسلام، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة، ويأتى بيانه إن شاء الله، وقيل: قتله ابن أخيه، وقيل: ورثه غير معينين وتنازعوا فى أمر قاتله حتى حملوا السلاح كل يقول لآخرين أنتم القاتلون أهل القريتين والسبطان، فقال أهل النهى منهم أنقتتل ورسول الله معنا، فذهبوا إلى موسى فقصوا له القصة وسألوه البيان، فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة فيضرب القتيل ببعضها فيحيا فيخبر بقاتله. وروى أنه لما ذهب الفتى إلى البقرة بأمر أمه فرأته فجاءت إليه حتى أخذ بقرنها، وكانت مستوحشة، فلقيه بنو إسرائيل ووجدوا بقرته على الصفة التى أمروا بها فساوموه فاشتط عليهم، فأتوا به موسى عليه السلام وقالوا له: إن هذا اشتط علينا، فقال لهم: ارضوه فى ملكه فاشتروها منه بوزنها مرة، قاله عبيدة السلمانى، وقيل بوزنها مرتين، وتقدم قول بعشر مرات، وأما حكم المقاسمة فى هذه الشريعة فمذكور فى الديوان، والنيل واللفظ له هكذا باب شرط القسامة أن توجد فى قتيل حر علامة قتل، ولا يعلم قاتله ولا يدعى على معين، ولا يوجد بمسجد تصلى فيه جماعة، ولا قتل من زحام، ولا يكون فى البلد قوم بينه وبينهم عداوة. ومن غيره فإذا كملت الشروط لزم تلك البلد أو المحلة أو قريبا منها أن يحلفوا خمسين يميناً ما قتلناه ولا علمنا قاتله، وليس على أعمى وصبى ومجنون وامرأة أن لم تكن بالمحل وحدها قسامة، وإن وجد به أحد ولو امرأة تكررت عليها الأيمان حتى تتم خمسين ثم يدفع الدية، وتؤدى على امرأة عاقلتها إن كانت لها، وإلا فمن مالها وكذا إن لم يكن إلا مشرك تكررت عليه وتديها عاقلته، وعلى مولى العبد أن انفرد كذلك ومن لا عشيرة له لزمته فى ماله والحى كالدار والبيت فإن وجد فى كدار ربها خصت القسامة به، وكذا أهل الخطة لا تجاوزهم لغيرهم من ساكن أو مسافر أو مشرك ما دام أحد من أهلها، فإن لم يكن لزمت هؤلاء الأصناف ممن كان منهم بها وعلى عواقلهم الدية، وإن وجد بمحل تجب فيه، ولو أب وابنه وزوج وزوجته لزمتهم، وعلى عواقلهم الدية، فمن أبى أن يحلف حبس حتى يحلف أو يقر، وتحب فى الظهور لا فى جارحة غير رأس دون بدن، وإن وجد الرأس وحده أو القتيل مقسوما أنصافا على الطول فهل تجب فيه أو لا؟ قولان. وإن قسم بعرض لزمت فيما يلى الرأس، وإن وجد بين قريتين أو سكتين قيس ما بينهما ولزمت أهل القريبة إليه، وإن استوتا فالكل، ويقاس من موضع رجليه إن وجدتا وإلا فمن بينهما، وقيل من موضع كل لناحية أخرى، وقيل لنا حيتها وإن وجد بوسط منزل أو طرفه لزمت أهله، وكذا شارعهم وأهل الزنقة خاصة. وإن وجد فيها وإن بمسجد رجل أو واديه خص بها، وهل لزمت بوادى عامة أهلها أولا؟ قولان. وكذا بالسوق ولزمت بوجوده فى الأميال أو داخلها لا خارجها وأقرب الحيين إليه، وإن وجد بينهما وهما معاً إن استويا إليه، وإن برحلة مسافرين أو حى فعليهم، ولزمت سائق دابة وجد عليها أو قائدها أو راكبها، وكلهم إن اجتمعوا وكانوا من أهلها وتدعيه عواقلهم، وإن لم يستووا إليه فعلى من كانت بيده يصرفها حيث شاء، وإن لم يوجد معها أحد فعلى أهل موضع وجدت فيه لا على صاحبها، وإن على شجرة أو حائط أو جبل أو سارية فسواء. والخيار فيها للولى، فمن اختاره للحلف حلف، ومن يراه يرى وإن استمسك بواحد فهو إبراء لغيره، وصح إبراء القتيل، وإن ادعى مستمسك به أنه جرحه فإبراء لغيره. ولا يقتل مدعى عليه إلا بإقراره أو بيان عليه، وهل يقبل من أهل خطة وجد فيها على غيرهم أولا؟ قولان. ولا يقبل من وراثه وهو إبراء للغير، ولزمت حاملا له على ظهره وتتكرر عليه الأيمان، وتديه عاقتله كعواقل أهل الخطة إن كانوا من قبائل شتى ولزمت فى سقط به أثر جرح إن كملت خلقته، وإن وجد قتيل بين قوم ولم يعرف لهُ وارث أخذ منهم ديته الإمام، وتصح فى مشرك لا فى عبد لأنه مال، وإن وجد بقرية أصلها لذوى الشرك، والإسلام، وهل لزمت الكل أو تختص بذوى الإسلام خلاف. فصل يؤدى على مكاتب وساع ببعض قيمته ما بقى من ديتهما، ولزمت من كان بسفينة وجد بها، وإن وجد جريح فى قبيلة ولم يدر ما به ولم يزل ملازم فراش حتى مات لزمتهم قسامته وديته وفى اثنين وجد بينهما قتيل لابعد لقاء عسكر عدوه، وإن مات أهل قرية وجد بها وبقى فيها نساء وأطفال ومجانين وغياب، فهم لزمتهم قسامته أولا فيه دون تردد، وإن أعطى أهل خطة دية قتيل فأتى مقر بقتله أو مبين عليه لزمه القود أو الدية وأخذها ردها لمعطيها فالقسامة على أهل الديوان والقتال والفئتان إن وجد فيهم يده على رءوسهم من أموالهم، وقيل لا يحكم على واحد منهم بشئ حتى يتبين قاتله فيقتل به أو يديه إن كان لا يقتل به، وقيل إنما يديه منهم الذين لم تقبل منهم، وقيل: عكسه والحر والعبد والذكر والأنثى، والموحد وغيره والطفل والبالغ، سواء كان كالليل والنهار فى مقاتلتهما، وقيل إن كانت ليلا ولو تعدد القتيل أو قتل من كل والفيئة من ثلاثة فأكثر وجوز وإن من ناحية اثنان، وحكم بذلك إن أبطلتا أو جهل حالهما فيدوه معاً، وإن كانت إحداهما محقة لزمت المبطلة، وإن كان القتيل من محقة لزم المبطلة ديته، وقيل: يوقف حتى يتبين قاتله بإقرار أو بيان كانتا مشتركتين أو بعضهما، ويوقف أمرهم إن كانتا أطفالا أو مجانين حتى يتبين وترد الدية إن بان قاتله بعد أخذها وأما القتل وإتمام العدة بالأطفال والمجانين ففيه تردد. انتهى كلام الديوان بلفظ النيل. وقالت الشافعية: إذ وجد قتيل فى موضع لا يعرف قاتله فإن كان ثم لوث على إنسان ادعى به، واللوث على الظن صدق المدعى بأن اجتمع جماعة فى بيت أو صحراء، ثم تفرقوا على قتيل فيغلب على الظن أن القاتل فيهم إن وجد قتيل فى محلة أو قرية، وكلهم أعداء القتيل لا يخالطهم غيرهم فيغلب على الظن أنهم قتلوه، فإن ادعى الولى على بعضهم حلف خمسين يميناً على من يدعى عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع الإيمان عليهم، فإذا حلفوا أخذوا الديه من عاقلة المدعى عليه ولا قود عليه فى قول الأكثرين، وذهب عمر بن عبدالعزيز إلى وجود القود به. قال مالك وأحمد: فإن لم يكن ثم لوث فالقول قول لما هى عليه، لأن الأصل براءة ذمته من القتل، وهل يحلف يميناً واحدة كما فى سائر الدعاوى، والثانى يحلف خمسين يميناً تغليظاً لأمر القتل، وعند أبى حنيفة ألا حكم للوث ولا يبدأ بيمين المدعى، بل إذا وجد قتيل فى محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا يعرفون له قاتلا، فإن حلفوا وإلا أخذوا الدية من سكانها، والدليل على أن البداءة بيمين المدعى عند وجود اللوث، ما روى عن سهل بن أبى حثمة قال: حديث : انطلق عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خبير وهى يومئذ صلح فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط فى دمه قتيلا، فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبدالرحمن بن سهل وحويصة ابن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب عبدالرحمن يتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كبر كبر" وهو أحدث القوم سنا، فسكت فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم، أو قال صاحبكم؟ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد ولم نر. قال: فيحلف خمسون من اليهود. قال: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار. فعلقه النبى صلى الله عليه وسلم من عنده،تفسير : وفى رواية يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته، وذكر نحوه، وزاد فى رواية: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه ففداه بمائة من إبل الصدقة. أخرجاه فى الصحيحين، وجه الدليل من هذا الحديث. أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بدأ بأيمان المدعين ليقوى جانبهم باللوث، لأن اليمين أبداً تكون لمن يقوى جانبه، وعند عدم اللوث يكون من جانب المدعى عليه من حيث إن الأصل براءة ذمته، فكان القول قوله مع يمينه. والله أعلم. ذكره صاحب لباب التأويل والدميرى من الشافعية. وقالت المالكية: يقسم الولاة خمسين يميناً إذا وجبت القسامة، ويستحقون الدم ولا يحلف فى العمل أقل من رجلين بشرط أن يكون من العصَبة سواء، ورثوا أم لا، فإن لم تكن عصبة من النسبة فالمولى الأعلون لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأخى المقتول بخير وبنى عمه: "حديث : أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟" تفسير : فجمعهم فى الأيمان فلم يفرد الأخ بها دون بنى عمه، ولما كان لا يقتل بأقل من شهادة رجلين لم يستحق دمه بأقل من قسامة رجلين؟ قال أشهب: وقد جعل الله لكل شهادة رجل من الزنى يميناً من الزوج فى لعانه، قال ابن الماجشون: ألا ترى أن النساء لا يقسمن لما كان لا يشهدن فيه، ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد، لأنهُ لا يعلم أقتله الكل أو البعض، والمتحقق منهم واحد والمزيد عليه مشكوك فيه، وتحت القسامة بقول الميت عند دمى فلان بشرط أن يكون بالغاً حرا مسلماً فلا يقبل قول الصبى، ولو كان مراهقاً على المشهور، ولا فرق فى المدعى عليه بين أن يكون حرا أو عبداً صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى، عدلا أو مسخوطاً، مسلماً أو ذمياً. قال فى المدونة: ولو كان المدعى عليه القتل أروع أهل زمانه، وقال ابن عبد الحكم: لا يقبل قول. المسخوط على العدل لبعد دعواه، والأول هو المشهور، وظاهر صاحب الرسالة فى قوله: دمى عند فلان أنهُ يقبل، ولو لم يكن فيه جرح وهو ظاهر المدونة، ورواه ابن وهب عن مالك، وبه قال أصبغ، وعن ابن القاسم أنهُ لا يقبل قوله إلا مع الجرح المتبطن، ويقول بن القاسم: العمل عند المالكية، قال فى المقتصر وهو المشهور، وتجب القسامة أيضاً بشهادة العدل بمعاينة القتل، فيقسم الولاة مع شهادته، ويستحقون الدم ولا يقسمون مع شهادة غير العدل على المشهور، لأن شهادة غير العدل ساقطة شرعاً، وعن مالك أن شهادته لوث وبأن يرى العدل القتيل يتشحط فى دمه والمتهم بالقتل بالقرب منه وعليه آثار القتل من التلطخ والمدية بيده، هذا هو المشهور، وحكى ابن سهل: أن العمل عندهم جار على أن هذا ليس لوثاً، وبأن يشهد المجروح أن فلاناً جرحه أو ضربهُ وشبه ذلك الجرح أو الضرب أو بأن يشهد اثنان أن فلاناً جرح فلاناً أو ضربه عمداً أو خطأ، ولو لم يعاين الجرح أو الضرب أو إقراره بذلك يوماً فأكثر، ولو أكل أو شرب فيقسم الولاة أنه من ذلك الجرح أو الضرب مات، وبأن يشهد واحد بالجرح أو الضرب، سواء قال عمداً أو خطأ، قال فى المدونة: وإن شهد شاهد أن ضربه وعاش الرجل وتكلم، وأكل وشرب ولم يسألوه أين دمك حتى مات ففيه القسامة، ولذلك تثبت القسامة إذا شهد شاهد باقرار المقتول أن فلاناً قتله عمداً، فلو قال خطأ لم تثبت، لأن قول المقتول فى الخطأ جار مجرى الشهادة على العاقلة بمال الشاهد، لا ينقل عنه إلا اثنان، والفرق بين العمد والخطأ لأن العمد لوث محض، والدماء يعمل فيها باللوث، بخلاف الخطأ فإنه مال، والأموال لا يعمل فيها باللوث، ولا بد من ثبوت الموت فى جميع أمثلة اللوث لاحتمال أن يكون حيا ولا قسامة فى حى، وإذا اختلف شاهدا القتل بأن قال أحدهما: قتل بخنجر: وقال الآخر: بل بسيف. بطل الحق لتعارضهما، ولا يبقى إلا مجرد الدعوى، فليس للأولياء أن يقسموا مع شهادة أحدهما نص عليهِ في المدونة، وإذ نكل مدعى القتل على أحد عمداً أو بعضهم سقط الدم وردت الإيمان على المدعى، فيحلف خمسين يميناً وحده وليس له الاستعانة فيها بأحد من ولاته، هذا هو المشهور، ومذهب المدونة، وقول مطرف، وقال، ابن القاسم: له ذلك، وفى مقتضى الكلام، وإن ادعى القتل على جماعة فكل مدعو أو بعضهم سقط الدم أيضاً فترد الأيمان على المدعى عليه، فيحلف كل واحد منهم خمسين يميناً لأنه يدفع عن نفسه القتل، فكل واحد غريم ولا يضرنا أنه لا يقتل بالقسامة إلا واحد، فإن نكل أحد ممن توجه عليه اليمين حبس أبداً حتى يحلف أو يموت، فإن نكل مدعوا الحطأ ردت الأيمان على عدة العاقلة، فإن حلفوا برءوا وإن نكلوا غرموا، وإن نكل البعض وحلف البعض، فمن حلف لم يلزمه غرم، ومن نكل غرم حصته فقط، والقاتل كرجل من العاقلة، هذا قول ابن القاسم. قال ابن رشد: وهو أبين الأقوال، ولابن القاسم أيضاً أن الناكل يلزمه الجميع، وإذا وجد من عصبة المقتول خمسون رجلا فإن الأيمان توزع عليهم، فيحلف كل واحد منهم واحدة فذلك خمسون يميناً وهو أوضح، وإن كانوا أقل قسمت عليهم الأيمان إلى اثنين كما مر أنه لا يحلف فى العمد أقل من رجلين، فيحلف كل واحد منهما خمساً وعشرين يميناً، وإن طلب أحدهما أن يحلف أكثر من نصيبه لم يجز، وإن كانوا أكثر من اثنين قطاع منهم اثنان أن يحلفا جميع الأيمان اكتفى بهما بشرط ألا يكون ذلك نكولا ممن لم يحلف، ويستحق البقية حينئذ ما وجب بالقسامة على المشهور، ولا تحلف المرأة على العمد، وذكر ابن الحاجب أن القسامة أن يحلف الوارثون المكلفون فى الخطأ وكذا إن لم يكن إلا واحد، وسواء الذكر أو الأنثى خمسين يميناً متوالية على البت ولو كان أعمى أو غائباً، وتوزع الأيمان على الميراث وجبر فسر اليمين على ذى الأكثر من الكسر، وقيل على الجميع كما لو تساوى الكسر عليهم، قال بعض الشيوخ: إنما اشترط فى الأيمان توالى لأنه أرهب وأوقع فى النفس، وأما اشتراط كونه بتا فلأنه الذى ورد به النص فى قصة حويصة ومحيصة، وقول الأولياء كيف نحلف ولم نحضر، وأما العمى والغيبة فلا يمنعان من تحصيل أسباب العلم، وأما توزيع الأيمان على الميراث فظاهر لأنها سبب لحصوله، فإن انكسرت يمين فإما أن يساوى الكسر أو يختلف، فإن تساوى حلف كل واحد يميناً كأربع بنين فيحلف كل واحد ثلاث عشرة يميناً، وإن اختلف حلفها أكثرهم نصيباً من اليمين المنكسرة على المشهور، فإن كان ابن وبنت حلف الابن ثلاثاً وثلاثين، وحلفت البنت سبع عشرة لأنها قد خصها من اليمين المنكسرة ثلثها، وقيل يحلف كل واحد يميناً كما إذا تساوى الكسر عليهم، وقيل يحلفها صاحب الأكثر من الأيمان، لا من الكسر فيحلفها الابن فى المثال، فإذا حضر بعض ورثة دية الخطأ وأراد أن يحلف نصيبه من الأيمان ويأخذ نصيبه من الدية لم يكن لهُ، ولكن حتى يحلف جميع أيمان القسامة إذ لا يلزم العقيلة شئ من الدية إلا بعد ثبوت الدم، وهو لا يثبت إلا بعد حلف جميع أيمان القسامة، فإذا وجبت الدية بأيمان من حضر أولا فكل من حضر بعد ذلك حلف نصيبه من الأيمان، فيحلفون كلهم ولو كانوا عشرة آلاف رجل، والقاتل كرجل منهم، فمن حلف لم يلزمهُ شئ ون نكل لزمهُ ما يجب عليه خاصة، وهو أحد قولى أبى القاسم وابن رشد، وهو أبين الأقاويل وأصحها فى النظر، ويحلفون فى القسامة قياماً لأنه أردع للحالف وأهول فى حقه، لعلهُ يرجع للحق إن كان مبطلا، وإن لم يحلف قياماً كان ذلك نكولا منهم، ويجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس من أهل أعمالها للقسامة ولا يجلب إلى غير فى غيره إلا من الأميال اليسيرة، لأن ذلك أيضاً أهول للحالف وأردع للكاذب، ولا قسامة فى جرح، لأنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكم بالقسامة فى نفس، ولأن حرمة الجرح أخفض من حرمة النفس، ألا ترى أن لا كفارة فيه كما فى النفس، وكذلك لا قسامة فى عبد لأنه أخفض رتبة من الحر، وكذلك لا قسامة فى أهل الكتاب لنقصان حرمتهم بالكفر، وإن اقتتلت طائفتان من المسلمين، ثم انفصلوا عن قتلى ولم يعلم من قتلها من الطائفتين، فقيل لا قسامة ولا قود، سواء ادعى المقتول أن دمه عند أحد أم لا. هكذا قال مالك فى المدونة، فأبقاه بعض شيوخها على ظاهره، وقيده آخرون بما إذا لم يكن لوث، وإذا كان فى القسامة وهو تأويل ابن القاسم، وبه قال أصبع ومطرف وابن الماجشون وأشهب، قال بعض المتأخرين: ينبغى ألا يعدل عن هذا، وقال بعض معنى قوله فيها لا قسامة أنه لو قال: دمى عند فلان لم تكن قسامة، لأنه إذا قدم على قتله لا يستكثر عليه الكذب، وأما إذا قام له شاهد بمعاينة القتل فالقسامة، وقيد ابن رشد القاتل بأن يكون من غير الطائفتين، قال بعض: وهو تقييد لا بد منه، وهذا إذا كانتا باغيتين وإن تأولتا هدر دم المقتول، وإن تأولت واحدة هدر ما قتل من الباغية قاله ابن القاسم، ووجود القتيل بقرية قوم أو جدارهم ليست بلوث، وعلله مالك فى المجموعة بأنه لو أخذ بذلك لم يشأ رجل أن يلطخ قوماً بذلك إلا فعل، لأن الغالب أن من قتله لا يترك بموضع يتهم به. انتهى كلام المالكية. ومن قرأ قوله تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها} على قضيب برقوق يوم الجمعة عند طلوع الشمس أربعين مرة، ثم ضرب به وجع كان من سائر الحيوان أو ورم سبع مرات، ويتفل على موضع الوجع أو الورم فى كل مرة، فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. {كَذَلِكَ يُحْيِى اللهُ الْمَوْتَى}: أى يحيى الله الموتى يوم القيامة كما أحيا هذا القتيل، فهذا دليل على أنهم لما ضربوه حيى بإذن الله تعالى، فدل على اعذوف أى فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه، فحيى بإذن الله أو فقام حيا كما مر، وهذا الخطاب لمن أنكر البعث فى زمان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من العرب وغيرهم، ويجوز أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل، على تقدير: وقلنا لهم كذلك يحيى الله الموتى. واقتصر الطبرى على الوجه الأول. {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ}: دلائله على كمال قدرته كما قال: {أية : وهو على كل شئ قدير}.تفسير : والجملة مستأنفة أو معطوفة على {يحيى الله الموتى}. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}: تتفكرون فتعلمون أن القادر على إحياء نفس قادر على أحياء النفوس كلها، أو لعلكم تدركون بعقولكم تلك، أو تعلمون على مقتضى العقل، أو تكمل عقولكم ولعل كما مر للتعليل أو للترجى فى جانب المخلوق، فإن قلت لو أمرهم الله بذبح البقرة، ولم يأمرهم بقتلها مطلقاً أو بالقطع منها، قلت: لأن ضرب القتيل ببعضها انتفاع به، والانتفاع بالميتة لا يجوز لما روى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تستنفعوا من الميتة بشئ إلا بإهابها بعد الدبغ"تفسير : . وفيه روايات مختلفة بعضها عن الربيع بن حبيب، والمعنى واحد ولتؤكل بعد الذبح، ولو قتلت لحرمت، ولأن فى القطع منها حية تعذيباً لها وتحريماً للمقطوع وتصييراً له ميتة، لأن ما قطع من حى وهو حى فهو ميتة. وإن قلت: فهلا أحياه الله بلا ضرب ببعض البقرة؟ قلت: قضى إحياءه بضربه بها لئلا يتوهم أحد أن موسى أحياه بضرب من السحر أو الحيلة فتقوى الحجة، ويعلموا أن ذلك من الله، وخص ذلك بالبقرة الموصوفة لتوجد عند اليتيم المذكور وحده فيربح فيها ذلك الربح العظيم، فلذلك لم يكن ببقرة مطلقاً ولا بجمل ونحوه من الحيوان، والتنبيه على بركة التوكل فإن أبا ذلك اليتيم استودع تلك البقرة فى الصحراء، وقال استودعتكها الله، وللتنبيه على الشفقة على الأولاد، والتنبيه على ما يحصل من الخير لمن بر أبويه، فإنها ليتيم بر أمه كما علمت، ولم يعقّ أباه، أو لرجل بر اباه وأمه كما علمت، ولتحمل المشقة فى تحصيل البقرة بصفاتها، ولتقرب بقربان من أعظم القرابين، وليتقربوا بقربان كما جرت العادة عندهم، وليكونوا قد أدوا واجباً عظيما، وللتنبيه على أن من حق الطالب أن يقدم قربة، وأن من حق المتقرب أن يتحرى الأحسن، ويغالى بثمنه كما روى أبو داود وغيره أن عمر رضى الله عنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار، وهى الناقة الكريمة العظيمة، وللتنبيه على أن المؤثر فى الحقيقة هو الله تعالى، إذ لا تتصور حياة بين ميتين من غيره، قاله القاضى وزكريا. وأنا أنزه فصاحة القرآن وبلاغته وجرياته على أسلوب كلام العرب على كلام صوفى أثبته القاضى هنا، وهو أن فى ذلك تنبيهاً، على أن من أراد أن يعرف أعدا عدوه الساعى فى إماتته الموتى الحقيقى، فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التى هى القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبى، ولم يلحقها ضعف الكبر، وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة فى طلب الدنيا، مسلمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها، بحيث يصل أثره أى أثر الذبح إلى نفسه فيحيا بها حياة طيبة، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارى والنزاع، فإن هذا كله حق لكن لا تعرفه العرب من الكلام، فإن كلامهم لا يفيده فلم يرد القاضى أن العبارة تفيد ذلك، بل أشار إلى أن ذلك تلويح من الله تعالى إلى بنى إسرائيل فى زمان ذلك القتيل وينتبه له كل من أراد الله، وليس ذلك فى شئ من معانى الكلام.

اطفيش

تفسير : {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} أى القتيل فى بدنه قبل أن يدفن، وقيل على قبره {بِبَعْضِهَا} أىّ بعض كان، فاتفق أنهم ضربوه بلسانها أو بذنَبها، أو بقابها، أو بفخذها اليمنى، أو بالأذن، أو بعجب الذنَب، أو ببضعة بين الكتفين، أو بعظم، أو بالغضروف فحيى ولو ضربوه بغير ذلك منها لحيى كذلك، ولما حيى وأوداجه تشخب دما قال: قتلنى فلان وفلان، لابن عمه، أو ابن أخيه، أو فلان ابن أخى، ومات، وحرما الميراث، وقتلا. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ورث قتيل قتيله من عهد أصحاب البقرة"تفسير : ، وخص البقرة لأنهم كانوا يعبدونها، فيذبحون ما حبب إليهم، فيذبحون النفوس الأمارة بالسوء، ولأنهم عبدوا العجل، وأشربوا فى قلوبهم العجل، وخص الضرب بالبيت لئلا يتوهم أن الحياة انتقلت إليه من الحى {كَذَٰلِكَ} كما أحيا الله هذا القتيل {يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى} كلهم يوم القيامة بلا ضرب، وبنو إسرائيل لا ينكرون البعث ولكن وعظهم بالبعث ليستعدوا ويذكر منكرو البعث من العرب، والكف لمن يصلح للخطاب، فيدخلون بالأولى أو لكل واحد فوافق قوله {وَيُرِيكُمْ} عطف على يحيى {ءَايَٰتِهِ} دلائل قدرته، أو ما اشتمل عليه هذا الإحياء، من الآيات، أو كلام الميت، أو كل ما مر من المسخ، ورفع الجبل، وانبجاس الماء، والإحياء، والخطاب لبنى إسرائيل مع غيرهم كالعرب، أو لهم فقط، وكذا فى قوله {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تستعملون فكركم فتدركون أن الله قادر على إحياء غيره كما قدر على إحيائه، وكما أنشأهم. ويجوز أن يكون الخطاب فى كذلك يحيى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون للعرب المنكرين للبعث، اعترض به فى قصة بنى إسرائيل، ويختص ببنى إسرائيل الخطاب فى قوله: {ثُمَّ قَسَتْ} انتفت عن الاتعاظ بالمعجزات واللين لها، وأشبهت فى ذلك الجسم الصلب الذى لا يتأثر بالانغماز، ففيه استعارة تبعية، أو فى الكلام استعارة تمثيلية {قُلُوبُكُمْ} فى الحال وما قبلها قسوة بعيدة عن شأن من شاهد من المعجزات ما شاهدتم بعدا شبيها فى الامتداد بتراخى الزمان، أو بعد مرة من الزمان زادت قسوة، ولا يزيد الظالمين إلا خساراً، وقد زادوا سوءاً بعد نزول الآيات، وأكد البعد بقوله {مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ} بعد ما ذكر من الآيات كإحياء القتيل {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} فى عدم الانفعال، كما لا يطاوعك الانغماز والتثنى. لا تتأثر قلوبهم فى الوعظ بما شاهدوا من الآيات {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} من الحجارة، أى بل أشد قسوة، كقوله"أية : إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" تفسير : [الفرقان: 44] أو يشك الناظر. أهى كالحجارة أم أشد، أو يخير بين أن تشبه بها وأن يقال أشد على جواز التخيير بأَو فى غير الأمر والنهى، أو نوَّعهم إلى قلوب كالحجارة، وقلوب أشد، والحديد، ولو كان أقوى من الحجر، لكن قد يلين بالنار، وقد وقع لينه لداود عليه السلام خارجا بلا نار، وأيضا الحديد لا يخرج منه الماء فلا يناسب ذكر خروج الماء من الحجر وهبوطه من الخشية بعد، ولا سيما أن الحديد إنما يلين بانضمام النار، لا بمجرده ولينه لداود ومعجزة لامساس لها هنا، ولم يقل، أو أقسى لأنه يدل على حصول الشدة لا على زيادتها وأشد قسوة يدل على زيادتها، فهو أبلغ {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ} ينبع نبعاً واسعاً {مِنْهُ الأَنْهَٰرُ} المياه، سماها أنهاراً تسمية للحال باسم المحل، والكلام تعليل جملى الأشد قسوة، وزعم بعض وتبعهم الشيخ عمرو التلاتى، أن الواو تكون للتعليل، ولا يصح، ولو صح لحملنا عليه الآية، أى لأن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، وهو مطلق الحجارة، وزعم بعض أنه أراد حجر موسى الذى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، والأول أصح للإطلاق، ولأن حجر موسى خارق للعادة معجزة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّققُ} بعد أن كان منشقّاً، أصله يتشقق، أبدلت التاء شينا وأدغمت {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} قليلاً دون الانفجار{وَإِنَّ مِنْهَا لَما يَهْبِطُ} يسقط من الجبل على الاستقلال {مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} لا بحيوان أو مطر أو صاعقة أو رعد أو نحو ذلك، خلق الله فيه التمييز والعقل، فيخشع فيسقط. ومن خلق العقل فى الحجر قوله صلى الله عليه وسلم، "حديث : إنى لأعرف حجرا كان يسلم علىَّ قبل أن أبعث"تفسير : ، وأنه صلى الله عليه وسلم بعد بعثه ما مر بحجر أو مدر إلا سلم عليه، وأن الحصى سبح فى كفه، وكف بعض الصحابة، وأن الحجر الأسود يشهد لمن استلمه. وليس المراد هنا الانقياد لما يريد الله، فإن الخلق كله كذلك، حتى قلوب الكفرة فإنها منقادة لما يريد الله من هزال وسمن وصحة ومرض، وزوال وبقاء، وفرح وحزن وغير ذلك {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فهو عالم بما تعملون، فيعاقبكم على مساوئكم المحبطة لمحاسنكم فى الآخرة.

الالوسي

تفسير : {فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} عطف على قوله تعالى: {أية : فَٱدَّارَأْتُمْ}تفسير : [البقرة: 72] وما بينهما اعتراض يفيد أن كتمان القاتل لا ينفعه، وقيل: حال أي والحال أنكم تعلمون ذلك. والهاء في {ٱضْرِبُوهُ} عائد على النفس بناء على تذكيرها إذ فيها التأنيث ـ وهو الأشهر ـ والتذكير، أو على تأويل الشخص أو القتيل، أو على أن الكلام على حذف مضاف أي ذا نفس، وبعد الحذف أقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: الأظهر أن التذكير لتذكير المعنى، وإذا كان اللفظ مذكراً والمعنى مؤنثاً أو بالعكس فوجهان، وذكر هذا الضمير ـ مع سبق التأنيث ـ تفنناً أو تمييزاً بين هذا الضمير والضمير الذي بعده توضيحاً، والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه/ ـ ولم يرد به نقل صحيح ـ. واختلف بم ضربوه فقيل: بلسانها أو بأصغريها أو بفخذها اليمنى أو بذنبها أو بالغضروف أو بالعظم الذي يليه أو بالبضعة التي بين الكتفين أو بالعجب أو بعظم من عظامها، ونقل أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه، ومن قال: إنهم مكثوا في تطلبها أربعين سنة أو أنهم أمروا بطلبها ولم تكن في صلب ولا رحم قال: إن الضرب على القبر بعد الدفن، والأظهر أنه المباشر بالضرب لا القبر، وفي بعض الآثار أنه قام وأوداجه تشخب دماً؛ فقال: قتلني ابن أخي، وفي رواية فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا وما ورث قاتل بعد ذلك، وفي بعض القصص أن القاتل حلف بالله تعالى ما قتلته فكذب بالحق بعد معاينته قال الماوردي: وإنما كان الضرب بميت لا حياة فيه لئلا يلتبس على ذي شبهة أن الحياة إنما انقلبت إليه مما ضرب به فلإزالة الشبهة وتأكد الحجة كان ذلك. {كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} جملة اعتراضية تفيد تحقق المشبه وتيقنه بتشبيه الموعود بالموجود، والمماثلة في مطلق الإحياء، وفي الكلام حذف دلت عليه الجملة أي فضربوه فحيـي، والتكلم من الله تعالى مع من حضر وقت الحياة ـ والكاف ـ خطاب لكل من يصح أن يخاطب ويسمع هذا الكلام لأن أمر الإحياء عظيم يقتضي الاعتناء بشأنه أن يخاطب به كل من يصح منه الاستماع فيدخل فيه أولئك دخولاً أولياً، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَيُرِيكُمْ} الخ ولا بد على هذا من تقدير القول أي قلنا أو وقلنا لهم كذلك ليرتبط الكلام بما قبله، وقيل: حرف الخطاب مصروف إليهم، وكان الظاهر كذلكم على وفق ما بعده إلا أنه أفرده بإرادة كل واحد أو بتأويل فريق ونحوه قصداً للتخفيف، ويحتمل أن يكون التكلم مع من حضر نزول الآية، وعليه لا تقدير إذ ينتظم بدونه بل ربما يخرج معه من الانتظام، وأبعد الماوردي فجعله خطاباً من موسى نفسه عليه السلام. {وَيُرِيكُمْ ءايَـٰتِهِ} مستأنف أو معطوف على ما قبله، والظاهر أن الآيات جمع في اللفظ والمعنى، والمراد بها الدلائل الدالة على أن الله تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بها هذا الإحياء، والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على الضرب بعضو ميت، وإخبار الميت بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادات، وفي «المنتخب» أن التعبير عن الآية الواحدة بالآيات لأنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً، وعلى تعين تلك التهمة على من باشر القتل. {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [لقمان: 28] أو لكي يكمل عقلكم أو لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم، وقد ذكر المفسرون أحكاماً فقهية انتزعوها واستدلوا عليها من قصة هذا القتيل ولا يظهر ذلك من الآية ولا أرى لذكر ذلك طائلاً سوى الطول. هذا ومن باب الإشارة: إن البقرة هي النفس الحيوانية حين زال عنها شَرَهُ الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة النظر لا تثير أرض الاستعداد بالأعمال الصالحة ولا تسقي حرث المعارف والحكم التي فيها بالقوة بمياه التوجه إلى حضرة القدس والسير إلى رياض الأنس، وقد سلمت لترعى أزهار الشهوات ولم تقيد بقيود الآداب والطاعات فلم يرسخ فيها مذهب واعتقاد، ولم يظهر عليها ما أودع فيها من أنواع الاستعداد، وذبحها قمع هواها ومنعها عن/ أفعالها الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة فمن أراد أن يحيا قلبه حياة طيبة ويتحلى بالمعارف الإلهية والعلوم الحقيقية وينكشف له حال الملك والملكوت وتظهر له أسرار اللاهوت والجبروت ويرتفع ما بين عقله ووهمه من التدارؤ والنزاع الحاصل بسبب الألف للمحسوسات فليذبحها وليوصل أثره إلى قلبه الميت فهناك يخرج المكتوم وتفيض بحار العلوم وهذا الذبح هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر وعقباه الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية.شعر : ومن لم يمت في حبه لم يعش به ودون اجتناء النحل ما جنت النحل تفسير : وقد أشير بالشيخ والعجوز والطفل والشاب المقتول على ما في بعض الآثار في هذه القصة إلى الروح والطبيعة الجسمانية والعقل والقلب وتطبيق سائر ما في القصة بعد هذا إليك هذا وسلام الله تعالى عليك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} الآية. أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت. لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس. وقد صرح بهذا في قوله: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان: 28].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 73- فقلنا لكم على لسان موسى: اضربوا القتيل بجزء من هذه البقرة، ففعلتم: فأحيا الله القتيل وذكر اسم قاتله، ثم سقط ميتاً، وكانت معجزة من الله لموسى. لأن الله قادر على كل شئ، وبقدرته هذه يحيى الموتى يوم القيامة، ويريكم دلائل قدرته لعلكم تعقلونها وتعتبرون بها. 74- ثم إنكم بعد هذه الآيات كلها لم تستجيبوا ولم تستقيموا، ولم تلن قلوبكم أو تخشع، بل غلظت وتصلبت وبقيت على قسوتها، بل إنها أشد قسوة من الحجارة، لأن الحجارة قد تتأثر وتنفعل، فهناك أحجار تتفجر منها المياه الكثيرة فتجرى أنهاراً، وهناك أحجار تتشقق فيخرج منها الماء عيوناً فوارة، ومنها ما يتأثر بقدرة الله وينقاد لمشيئته فيتردى من أعلى الجبال انقياداً لما أراده الله تعالى به، أما قلوبكم أيها اليهود فإنها لا تتأثر ولا تلين ولكم الويل على ذلك، فالله ليس بغافل عن أعمالكم، وهو سيؤدبكم بألوان النقم إذا لم تشكروا أنواع النعم. 75- ما كان ينبغى لكم أيها المؤمنون أن تطمعوا فى أن يُؤمن اليهود بدينكم وينقادوا لكم وقد اجتمعت فى مختلف فرقهم أشتات الرذائل التى تباعد بينهم وبين الإيمان بالحق، فقد كان فريقا منهم - وهم الأحبار - يسمعون كلام الله فى التوراة ويفهمونه حق الفهم ثم يتعمدون تحريفه وهم يعلمون أنه الحق، وأن كتب الله المنزلة لا يجوز تغييرها.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِهِ} {يُحْيِي} (73) - فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِضَرْبِ المَيْتِ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ البَقَرَةِ التِي أَمَرَهُمُ اللهُ بِذَبْحِهَا فَفَعَلُوا، وَحَصَلَتِ المُعْجِزَةُ بِخَرْقِ العَادَةِ، فَأَحْيَا اللهُ المَيْتَ، وَذَكَرَ اسْمَ قَاتِلِهِ، ثُمَّ أَمَاتَهُ اللهُ فَسَكَنَتِ الفِتْنَةُ، بَعْدَ أَنْ كَشَفَ اللهُ القَاتِلَ. وَهَكَذَا يُحْيِي اللهُ المَوْتَى، وَيُري بَنِي إِسْرِائِيلَ آيَاتِهِ، لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ بِأَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى بَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّ عَلَيهِمْ إِطَاعَةَ أَوَامِرِ رَبِّهِمْ، وَالانْتِهَاءَ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَحَرَّمَهُ عَلَيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : احتدم الخلاف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة .. فقرروا أن يلجأوا إلى موسى عليه السلام ليطلب من الله تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه الجريمة ويدلهم على القاتل .. وجاء الأمر من الله سبحانه وتعالى أن اذبحوا بقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة .. ولكنهم ظلوا يقولون ما لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه .. حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها .. فأمرهم الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد أن سال دمها وماتت.. وانظر إلى العظمة في القصة .. جزء من ميت يُضرب به ميت فيحيا .. إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلهم يشكون أبداً .. فلو أن الله أحياه بدون أن يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت فيه حياه ثم أفاق بعد إغماءة. ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ليعطيهم درساً إيمانياً بقدرة الله وهم الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالماديات .. وأن يأخذوا جزءاً أو أجزاء منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك.. يقول الحق جل جلاله .. {كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] ليرى بنو إسرائيل وهم على قيد الحياة كيف يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حياً بأسباب الحياة .. ولكن بإرادة مسبب الحياة في أن يقول "كن فيكون".

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} قالَ زَيدُ بن علي عليهما السلامُ: بالعَظمِ الذي يلي الغُضْروف. وقالَ عليُ بن الحسين عليهما السلامُ بفخذِهَا أو بذَنبِهَا. تفسير : وقوله تعالى: {يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} معناهُ يُعلمُكُمْ بِعَلامَاتِهِ.