Verse. 81 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوْبُكُمْ مِّنْۢ بَعْدِ ذٰلِكَ فَہِىَ كَالْحِجَارَۃِ اَوْ اَشَدُّ قَسْوَۃً۝۰ۭ وَاِنَّ مِنَ الْحِجَارَۃِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْہُ الْاَنْہٰرُ۝۰ۭ وَاِنَّ مِنْہَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْہُ الْمَاۗءُ۝۰ۭ وَاِنَّ مِنْہَا لَمَا يَہْبِطُ مِنْ خَشْـيَۃِ اؘ۝۰ۭ وَمَا اللہُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ۝۷۴
Thumma qasat quloobukum min baAAdi thalika fahiya kaalhijarati aw ashaddu qaswatan wainna mina alhijarati lama yatafajjaru minhu alanharu wainna minha lama yashshaqqaqu fayakhruju minhu almao wainna minha lama yahbitu min khashyati Allahi wama Allahu bighafilin AAamma taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم قست قلوبكم» أيها اليهود صلبت عن قبول الحق «من بعد ذلك» المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات «فهي كالحجارة» في القسوة «أو أشد قسوة» منها «وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار وإن منها لما يشقق» فيه إدغام التاء في الأصل في الشين «فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط» ينزل من علو إلى أسفل «من خشية الله» وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع «وما الله بغافل عما تعلمون» وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن الخطاب.

74

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } فيه مسائل: المسألة الأولى: الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل: إنه صار صلباً غليظاً قاسياً، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيهاً بالحجر فيقال: قسا القلب وغلظ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرِّقة فقال: {أية : كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } تفسير : [الزمر: 23]. المسألة الثانية: قال القفال: يجوز أن يكون المخاطبون بقوله: {قُلُوبُكُمْ } أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب، وهذا أولى لأن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } خطاب مشافهة، فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصاً، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع، فعنده قال تعالى واصفاً لهم: إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها. أما قوله تعالى: {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } فيه مسائل. المسألة الأولى: كلمة «أو» للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب، فلا بد من التأويل وهو وجوه. أحدها: أنها بمعنى الواو كقوله تعالى: {أية : إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 147] بمعنى ويزيدون، وكقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لبعواتهن أو آبائهن} تفسير : [النور: 31] والمعنى وآبائهن وكقوله: {أية : أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم } تفسير : [النور: 61] يعني وبيوت آبائكم. ومن نظائره قوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44]، أية : فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً} تفسير : [المرسلات: 5، 6]. وثانيها: أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره: أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه. وثالثها: أن يكون المراد فهي كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة، ورابعها: أن الآدميين إذا اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا: إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله: {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ } تفسير : [النجم: 9] أي في نظركم واعتقادكم. وخامسها: أن كلمة «أو» بمعنى بل وأنشدوا:شعر : فوالله ما أدري أسلمى تغولت أم القوم أو كل إلي حبيب تفسير : قالوا: أراد بل كل. وسادسها: أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين، بل يتردد عليهما، وبالجملة: فليس الغرض إيقاع التردد بينهما، بل نفي غيرهما. وسابعها: أن «أو» حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: «أشد» معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل: «أشد قسوة» فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة. المسألة الثالثة: إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه. أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحشر: 21]. وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38] إلى قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـايَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ } تفسير : [الأنعام: 39] كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم. وثالثها: أو أشد قسوة، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه. المسألة الرابعة: قال القاضي: إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له: إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً. المسألة الخامسة: إنما قال: {أَشَدُّ قَسْوَةً } ولم يقل أقسى، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، وقرىء «قساوة» وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم. ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. فأولها: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأنْهَـٰرُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء: «وإن» بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى: {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } تفسير : [يس: 32]. المسألة الثانية: التفجر التفتح بالسعة والكثرة، يقال: انفجرت قرحة فلان، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور. وقرأ مالك بن دينار «ينفجر» بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار. قالت الحكماء: إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجرياً اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهاراً. وثانيها: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء }، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عيناً لا نهراً جارياً، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار، وقد تقل، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى: {يَشَّقَّقُ } أي يتشقق، فأدغم التاء كقوله: {يَذَّكَّرُ} أي يتذكر وقوله: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ } تفسير : [المزمل: 1]، {أية : يا أيها المدثر} تفسير : [المدثر: 1]. وثالثها: قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }. واعلم أن فيه إشكالاً وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهاً. أحدها: قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا } راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية: وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقاً بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة، واعترضوا عليه من وجهين. الأول: أن قوله تعالى: {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } جملة تامة، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأنْهَـٰرُ } فيجب في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أن يكون راجعاً إليها، الثاني: أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية، وثانيها: قول جمع من المفسرين: إن الضمير عائد إلى الحجارة، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك، وهذا غير مستبعد في قدرة الله، ونظيره قوله تعالى:{أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْء } تفسير : [فصلت: 21]، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية، وقال أيضاً: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَـٰشِعاً مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الحشر: 21]، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار، فكلها كانت تقول: السلام عليك يا رسول الله، قالوا: فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد، فوجب أن لا يلتفت إليهم. وثالثها: قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل. الأول: أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد، وقوله: {مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله: {أية : فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ } تفسير : [الكهف: 77]، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض، ونحو هذا قول بعضهم:شعر : بخيل تضل البلق من حجراته ترى الأكم فيه سجداً للحوافرتفسير : وقول جرير:شعر : لما أتى خبر الزبير تضعضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر، وكذلك الثاني: جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع. وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى: {أية : تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلأرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسرا: 44]، وقوله تعالى: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [النحل: 49] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمن: 6]. الوجه الثاني: في التأويل: أن قوله تعالى: {مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة. وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط، فكلمة «من» لابتداء الغاية فقوله: {مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ }، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب، الوجه الثالث: ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله تعالى لعباده ليزجرهم به. قال وقوله تعالى: {مّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } أي خشية الله، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال: نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس، قال القاضي: هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية. أما قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تفسير : [مريم: 64] وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا. فإن قيل: هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل؟ قلنا: قال القاضي: لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه، بدليل قوله تعالى: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ }تفسير : [البقرة: 255] {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام: 14] والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} القسوة: الصلابة والشدّة واليُبْس. وهي عبارة عن خلوّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى. قال أبو العالية وقتادة وغيرهما: المراد قلوب جميع بني إسرائيل. وقال ٱبن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل؛ لأنهم حين حَيِيَ وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله، وقالوا: كَذَب؛ بعد ما رأوا هذه الآية العظمى؛ فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشدّ تكذيباً لنبيّهم منهم عند ذلك، لكن نفذ حكم الله بقتله. روى الترمذي عن عبد اللَّه بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي»تفسير : . وفي مسند البزار عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أربعة من الشقاء جمود العين وقساء القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا"تفسير : . قوله تعالى: {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} «أو» قيل: هي بمعنى الواو، كما قال: {أية : آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24]. {أية : عُذْراً أَوْ نُذْراً} تفسير : [المرسلات: 6] وقال الشاعر:شعر : نال الخلافة أو كانت له قدراً تفسير : أي وكانت. وقيل: هي بمعنى بل؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] المعنى بل يزيدون. وقال الشاعر:شعر : بَدتْ مِثل قَرْن الشمس في رَوْنق الضحى وصورتِها أو أنت في العين أملح تفسير : أي بل أنت. وقيل: معناها الإبهام على المخاطب؛ ومنه قول أبي الأسود الدُّؤَلِيّ:شعر : أحبّ محمداً حبًّا شديداً وعبّاساً وحمزة أو علِيّا فإن يك حبّهم رشداً أصِبْه ولستُ بمخطىء إن كان غيّا تفسير : ولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر، وإنما قصد الإبهام. وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك: شككت! قال: كلا؛ ثم ٱستشهد بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] وقال: أو كان شاكًّا من أخبر بهذا! وقيل: معناها التخيير، أي شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا؛ وهذا كقول القائل: جالس الحسن أو ٱبن سيرين، وتعلّم الفقه أو الحديث أو النحو. وقيل: بل هي على بابها من الشك، ومعناها عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم: أهي كالحجارة أو أشدّ من الحجارة؟ وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى: {أية : إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات: 147]. وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم مَن قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشدّ من الحجر. فالمعنى: هم فرقتان. قوله تعالى: {أَوْ أَشَدُّ} «أشدّ» مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله «كالحِجَارَة»؛ لأن المعنى فهي مثل الحجارة أو أشدّ. ويجوز أو «أشدَّ» بالفتح عطف على الحجارة. و {قَسْوَةً} نصب على التمييز. وقرأ أبو حَيْوَةَ «قساوة» والمعنى واحد. قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} قد تقدّم معنى الانفجار. ويشقّق أصله يتشقّق، أدغمت التاء في الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تَعْظُم حتى تكون أنهاراً، أو عن الحجارة التي تتشقّق وإن لم يجر ماء منفسح. وقرأ ٱبن مُصَرِّف «ينشقق» بالنون، وقرأ «لمّا يتفجر» «لمّا يتشقّق» بتشديد «لما» في الموضعين. وهي قراءة غير متّجهة. وقرأ مالك ابن دينار «ينفجِر» بالنون وكسر الجيم. قال قتادة: عذر الحجارة ولم يعذِر شقيّ بني آدم. قال أبو حاتم: يجوز لما تتفجر بالتاء، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء؛ لأنه إذا قال تتفجر أنّثه بتأنيث الأنهار؛ وهذا لا يكون في تشقق. قال النحاس: يجوز ما أنكره على المعنى؛ لأن المعنى وإن منها لحجارةً تتشقق؛ وأما يشقق فمحمول على لفظ ما. والشَّق واحد الشُّقوق؛ فهو في الأصل مصدر، تقول: بيد فلان ورجليه شقوق، ولا تقل: شقاق؛ إنما الشُّقاق داء يكون بالدواب، وهو تشقّق يصيب أرساغها وربما ٱرتفع إلى وظيفها؛ عن يعقوب. والشَّق: الصبح. و «ما» في قوله: {لَمَا يَتَفَجَّرُ} في موضع نصب؛ لأنها ٱسم إنّ واللام للتأكيد. «منه» على لفظ ما، ويجوز منها على المعنى؛ وكذلك {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ}. وقرأ قتادة «وإنْ» في الموضعين، مخففة من الثقيلة. قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} يقول: إنّ من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم؛ لخروج الماء منها وتردّيها. قال مجاهد: ما تردّى حجر من رأس جبل، ولا تفجّر نهر من حجر، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله؛ نزل بذلك القرآن الكريم. ومثله عن ٱبن جُرَيج. وقال بعض المتكلمين في قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}: البَرَد الهابط من السحاب. وقيل: لفظة الهبوط مجاز؛ وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها، وتخشع بالنظر إليها، أضيف تواضع الناظر إليها؛ كما قالت العرب: ناقة تاجرة؛ أي تبعث من يراها على شرائها. وحكى الطبريّ عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة؛ كما ٱستعيرت الإرادة للجدار في قوله: {أية : يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}تفسير : [الكهف: 77]، وكما قال زيد الخيل:شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سورُ المدينة والجبالُ الخُشَّعُ تفسير : وذكر ٱبن بحر أن الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا} راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة؛ أي من القلوب لما يخضع من خشية الله. قلت: كل ما قيل يحتمله اللفظ، والأوّل صحيح؛ فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل، كالذي رُوِيَ عن الجِذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحوّل عنه حنّ؛ وثبت عنه أنه قال: «حديث : إن حجراً كان يسلّم عليّ في الجاهلية إني لأعرفه الآن»تفسير : . وكما روي أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال لي ثَبِير ٱهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله»تفسير : . فناداه حراء: إليّ يا رسول الله. وفي التنزيل: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} تفسير : [الأحزاب: 72] الآية. وقال: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر: 21] يعني تذلُّلاً وخضوعاً، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «سبحان» إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} «بغافل» في موضع نصب على لغة أهل الحجاز، وعلى لغة تميم في موضع رفع. والياء توكيد. {عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم؛ {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7 ـ 8]. ولا تحتاج «ما» إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي فيحذف العائد لطول الاسم؛ أي عن الذي تعملونه. وقرأ ٱبن كَثير {يَعْمَلُونَ} بالياء؛ والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة، كما في الحجر. وقساوة القلب مثل في نبوه عن الاعتبار، وثم الاستبعاد القسوة {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } يعني إحياء القتيل، أو جميع ما عدد من الآيات فإنها مما توجب لين القلب. {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ } في قسوتها {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } منها، والمعنى أنها في القساوة مثل الحجارة أو أزيد عليها، أو أنها مثلها، أو مثل ما هو أشد منها قسوة كالحديد، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويعضده قراءة الحسن بالجر عطفاً على الحجارة، وإنما لم يقل أقسى لما في أشد من المبالغة، والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المفضل على زيادة و {أَوْ } للتخيير، أو للترديد بمعنى: أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى منها. {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} تعليل للتفضيل، والمعنى: أن الحجارة تتأثر وتنفعل فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء، وتنفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقياداً لما أراد الله تعالى به. وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى. والتفجر التفتح بسعة وكثرة، والخشية مجاز عن الانقياد، وقرىء {إِنَّ} على أنها المخففة من الثقيلة وتلزمها اللام الفارقة بينها وبين إن النافية، ويهبط بالضم. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد على ذلك، وقرأ ابن كثير ونافع ويعقوب وخلف وأبو بكر بالياء ضما إلى ما بعده، والباقون بالتاء.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل، وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى، وإحيائه الموتى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} كله، فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: {أية : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}تفسير : [الحديد: 16] قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: لما ضرب المقتول ببعض البقرة، جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني، ثم قبض، فقال بنو أخيه حين قبضه الله: والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد أن رأوه، فقال الله: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، يعني: أبناء أخي الشيخ، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء، وإن لم يكن جارياً، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}تفسير : [الإسراء: 44] وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن، وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وقال أبو علي الجياني في تفسيره: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} هو سقوط البرد من السحاب، قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال؛ فإن هذا خروج عن اللفظ بلا دليل، والله أعلم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب يعني: ويحيى بن يعقوب، في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ} قال: كثرة البكاء {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} قال: قليل البكاء {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} قال: بكاء القلب من غير دموع العين، وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة؛ كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله:{أية : يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}تفسير : [الكهف: 77] قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة؛ كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَاُ}تفسير : [الأحزاب: 72] وقال: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} تفسير : [الإسراء: 44] الآية، وقال: { أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}تفسير : [الرحمن: 6] {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ}تفسير : [النحل: 48] الآية، {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت:11] {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ}تفسير : [الحشر: 21] الآية: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [فصلت: 21] الآية، وفي الصحيح: «حديث : هذا جبل يحبنا ونحبه»تفسير : وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: «حديث : إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»تفسير : وفي صفة الحجر الأسود: إنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه، وحكى القرطبي قولاً أنها للتخيير، أي: مثلاً لهذا وهذا وهذا، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين. وكذا حكاه الرازي في تفسيره، وزاد قولاً آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب، كقول القائل: أكلت خبزاً أو تمراً، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: كل حلواً أو حامضاً، أي: لا يخرج عن واحد منهما، أي: وقلوبكم صارت كالحجارة، أو أشد قسوة منها، لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم. (تنبيه) اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} بعد الإِجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: أو: ههنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً}تفسير : [الإنسان: 24] {أية : عُذْراً أَوْ نُذراً}تفسير : [المرسلات: 6] وكما قال النابغة الذبياني:شعر : قالَتْ أَلا لَيْتَما هذا الحَمامُ لنا إلى حمامَتِنا أَوْ نِصْفُهُ فَقَدِ تفسير : تريد: ونصفه، قاله ابن جرير، وقال جرير بن عطية:شعر : نالَ الخِلافةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَراً كَما أَتى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ تفسير : قال ابن جرير: يعني: نال الخلافة، وكانت له قدراً، وقال آخرون: أو ههنا بمعنى بل فتقديره: فهي كالحجارة، بل أشد قسوة، وكقوله: {أية : إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}تفسير : [النساء: 77]، {أية : وَأَرْسَلْنَـٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات: 147]، {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9] وقال آخرون: معنى ذلك: {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} عندكم، حكاه ابن جرير، وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود:شعر : أُحِبُّ مُحَمَّداً حُبّاً شديداً وعَبّاساً وحَمْزَةَ والوَصِيّا فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْداً أُصِبْه وليسَ بمُخْطِىءٍ إن كان غَيّا تفسير : وقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكاً في أن حب من سمى رشد، ولكنه أبهم على من خاطبه، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات، قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله، ثم انتزع بقول الله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ: 24] فقال: أو كان شاكاً من أخبر بهذا من الهادي منهم ومن الضال؟ وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة. قال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة من الحجارة؛ وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره (قلت): وهذا القول الأخير يبقى شبيهاً بقوله تعالى: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}تفسير : [البقرة: 17] مع قوله: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 19] وكقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ}تفسير : [النور: 39] مع قوله: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ}تفسير : [النور: 40] الآية، أي: إن منهم من هو هكذا، ومنهم من هو هكذا، والله أعلم، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج حدثنا علي بن حفص حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله: القلب القاسي»تفسير : رواه الترمذي في كتاب الزهد من جامعه عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد به، ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب به، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم، وروى البزار عن أنس مرفوعاً: «حديث : أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } أيها اليهود صلبت عن قبول الحق {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ } في القسوة {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } منها {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ } فيه إدغام( التاء) في الأصل في (الشين) {فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ } ينزل من علو إلى سُفْلٍ {مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع {وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية[يعلمون] وفيه الإلتفاف عن الخطاب.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} اختلف في المُشَار إليه بالقسوة، على قولين: أحدهما: بنو أخي الميت حين أنكروا قتله، بعد أن سمعوه منه عند إحياء الله له، وهو قول ابن عباس. والثاني: أنه أشار إلى بني إسرائيل كلهم، ومن قال بهذا قال: من بعد ذلك: أي من بعد آياته كلها التي أظهرها على موسى. وفي قسوتها وجهان: أحدهما: صلابتها حتى لا تلين. والثاني: عنفها حتى لا ترأف. وفي قوله تعالى: {مِّنْ بَعْدِ ذلِكَ} وجهان: أحدهما: من بعد إحياء الموتى، ويكون هذا الخطاب راجعاً إلى جماعتهم. والثاني: من بعد كلام القتيل، ويكون الخطاب راجعاً إلى بني أخيه. وقوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} يعني القلوب التي قست. واختلف العلماء في معنى {أَوْ} في هذا الموضع وأشباهه كقوله تعالى: {أية : فَكَانَ قَابَ قَوسَين أَوْ أَدْنَى} تفسير : [النجم: 9] على خمسة أقاويل: أحدها: أنه إبهام على المخاطبين، وإن كان الله تعالى عالماً، أي ذلك هو، كما قال أبو الأسود الدؤلي:ـ شعر : أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة أو علياً فإن يك حبهم رشدا أُصِبه ولستُ بمخطئ إن كان غياً تفسير : ولا شَكَّ، أن أبا الأسود الدؤلي، لم يكن شاكّاً في حبِّهم، ولكن أَبْهَمَ على مَنْ خاطبه، وقد قِيل لأبي الأسود حين قال ذلك: شَكَكْتُ، فقال كلا، ثم استشهد بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّا إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] وقال: أفكان شاكاً مَنْ أخبر بهذا؟ والثاني: أن {أَوْ} ها هنا بمعنى الواو، وتقديره فهو كالحجارة وأشد قسوة، ومثله قول جرير: شعر : جاءَ الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ تفسير : والثالث: أن {أَوْ} في هذا الموضع، بمعنى بل أشد قسوة، كما قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147] يعني بل يزيدون. والرابع: أن معناها الإباحة وتقديره، فإن شبهتموها بالحجارة كانت مثلها، وإن شبهتموها بما هو أشد، كانت مثلها. والخامس: فهي كالحجارة، أو أشد قسوة عندكم. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ} يعني أن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم القاسية، لِتَفَجِّرِ الأنهار منها. ثم قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ} فاختلفوا في ضمير الهاء في "منها"، إلى ماذا يرجع؟ على قولين: أحدهما: إلى القلوب لا إلى الحجارة، فيكون معنى الكلام: وإن من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر. والقول الثاني: أنها ترجع إلى الحجارة، لأنها أقرب مذكور. واختلف من قال بهذا، في هذه الحجارة على قولين: أحدهما: أنها البرد الهابط من السَّحاب، وهذا قول تفرد به بعض المتكلمين. والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: أنها حجارة الجبال الصلدة، لأنها أشد صلابة. واختلف من قال بهذا على قولين: أحدهما: أنه الجبل الذي جعله الله دَكاً، حين كلم موسى. والثاني: أنه عام في جميع الجبال. واختلف من قال بهذا، في تأويل هبوطها، على أربعة أقاويل: أحدها: إن هبوط ما هبط من حشية الله، نزل في ذلك القرآن. والثاني:......... والثالث: أن مِنْ عَظَّم مَنْ أمر الله، يُرَى كأنه هابط خاشع، كما قال جرير: شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشّع تفسير : والرابع: أن الله أعطى بعض الجبال المعرفة، فعقل طاعة الله، فأطاعه، كالذي رُوِيَ عن الجذع، الذي كان يستند إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما تحول عنه حَنَّ، رُوِيَ عن النبي أنه قال: "حديث : إِنَّ حَجَراً كَانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهِليَّةِ إِنِّي لأَعْرَفُهُ الآَنَ" تفسير : ويكون معنى الكلام، إِنَّ من الجبال ما لو نزل عليه القرآن، لهبط من خشية الله تذللاً وخضوعاً.

ابن عطية

تفسير : {قست} أي صلبت وجفت، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى، وقال ابن عباس: المراد قلوب ورثة القتيل، لأنهم حين حيي قال: إنهم قتلوه وعاد إلى حال موته موته أنكروا قتله، وقالوا: كذب بعدما رأوا هذه الآية العظمى، لكن نفذ حكم الله تعالى بقتلهم، قال عبيدة السلماني: ولم يرث قاتل من حينئذ. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وبمثله جاء شرعنا، وحكى مالك رحمه الله في الموطأ، أن قصة أحيحة بن الجلاح في عمه هي التي كانت سبباً لأن لا يرث قاتل، ثم ثبت ذلك الإسلام، كما ثبت كثيراً من نوازل الجاهلية، وقال أبو العالية وقتادة وغيرهما: إنما أراد الله قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك. وقوله تعالى: {فهي كالحجارة} الآية، الكاف في موضع رفع خبر لـ"هي"، تقديره: فهي مثل الحجارة {أو أشد} مرتفع بالعطف على الكاف، {أو} على خبر ابتداء بتقدير تكرار هي، و {قسوة} نصب على التمييز، والعرف في {أو} أنها للشك، وذلك لا يصح في هذه الآية، واختلف في معنى {أو} هنا، فقالت طائفة، هي بمعنى الواو، كما قال تعالى: {أية : آثماً أو كفوراً} تفسير : [الإنسان: 24] أي وكفوراً، وكما قال الشاعر [جرير]: [البسيط] شعر : نال الخلافة أو كانَتْ له قدراً كما أتى ربَّهُ موسى على قَدَر تفسير : أي وكانت له. وقالت طائفة هي بمعنى بل، كقوله تعالى: {أية : إلى مائة ألف أو يزيدون} تفسير : [الصافات: 147] المعنى بل يزيدون، وقالت طائفة: معناها التخيير، أي: شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا، وقالت فرقة: هي على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة. وقالت فرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب، ومنه قول أبي الأسود الدؤلي: شعر : أحب محمّداً حباً شديداً وعباساً وحمزة أو عليّا تفسير : ولم يشك أبو الأسود، وإنما قصد الإبهام على السامع، وقد عورض أبو الأسود في هذا، فاحتجّ بقول الله تعالى: {أية : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} تفسير : [سبأ:24]، وهذه الآية مفارقة لبيت أبي الأسود، ولا يتم معنى الآية إلا بـ"أو"، وقالت فرقة: إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين، وقالت فرقة: إنما أراد عز وجل أنها كانت كالحجارة يترجى لها الرجوع والإنابة، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة، ثم زادت قلوبهم بعد ذلك قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته، فصارت أشد من الحجارة، فلم تخل أن كانت كالحجارة طوراً أو أشد طوراً، وقرأ أبو حيوة: "قساوة"، والمعنى واحد. وقوله تعالى: {وإن من الحجارة} الآية، معذرة للحجارة وتفضيل لها على قلوبهم في معنى قلة القسوة، وقال قتادة: عذر الله تعالى الحجارة ولم يعذر شقيّ بني آدم، وقرأ قتادة: "وإنْ" مخففة من الثقيلة، وكذلك في الثانية والثالثة، وفرق بينها وبين النافية لام التأكيد، في {لما}، وما في موضع نصب اسم لـ {إن}، ودخلت اللام على اسم {إن} لمّا حال بينهما المجرور، ولو اتصل الاسم بـ {إن} لم يصح دخول اللام لثقل اجتماع تأكيدين، وقرأ مالك بن دينار: "ينفجِر" بالنون وياء من تحت قبلها وكسر الجيم، ووحد الضمير في {منه} حملاً على لفظ "ما"، وقرأ أبي بن كعب والضحاك "منها الأنهار" حملاً على الحجارة، و {الأنهار} جمع نهر وهو ما كثر ماؤه جرياً من الأخاديد، وقرأ طلحة بن مصرف: "لمّا" بتشديد الميم في الموضعين، وهي قراءة غير متجهة، {ويشقق} أصله يتشقق أدغمت التاء في الشين، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهاراً، أو عن الحجارة التي تشقق وإن لم يجر ماء منسفح، وقرأ ابن مصرف ينشقق بالنون، وقيل في هبوط الحجارة تفيؤ ظلالها، وقيل المراد: الجبل الذي جعله الله دكاً، وقيل: إن الله تعالى يخلق في بعض الأحجار خشية وحياة يهبطها من علو تواضعاً، ونظير هذه الحياة حياة الحجر المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وحياة الجذع الذي أَنَّ لفقد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل لفظة الهبوط مجاز لما كانت الحجارة يعتبر بخلقها ويخشع بعض مناظرها، أضيف تواضع الناظر إليها، كما قالت العرب: ناقة تاجرة أي: تبعث من يراها على شرائها، وقال مجاهد، ما تدرى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر ولا خرج ماء منه إلا {من خشية الله}، نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابن جريج، وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله تعالى {أية : يريد أن ينقض} تفسير : [الكهف: 77]، وكما قال زيد الخيل: [الطويل] شعر : بِجمعٍ تضِل البُلْقُ في حَجَراتِهِ ترى الأكمَ فيه سجداً للحوافرِ تفسير : وكما قال جرير: والجبال الخشع، أي من رأى الحجر هابطاً تخيل فيه الخشية. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول ضعيف: لأن براعة معنى الآية تختل به، بل القوي أن الله تعالى يخلق للحجارة قدراً ما من الإدراك تقع به الخشية والحركة، و {بغافل} في موضع نصب خبر {ما}، لأنها الحجازية، يقوي ذلك دخول الباء في الخبر، وإن كانت الباء قد تجيء شاذة مع التميمية، وقرأ ابن كثير "يعملون" بالياء، والمخاطبة على هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} الآية، الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطاب: التقرير على أمر فيه بعد، إذ قد سلفت لأسلاف هؤلاء اليهود أفاعيل سوء، وهؤلاء على ذلك السنن، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالحزب، وقال مجاهد والسدي: عني بالفريق هنا الأحبار الذين حرفوا التوراة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد كل من حرف في التوراة شيئاً حكماً أو غيره كفعلهم في آية الرجم ونحوها، وقال ابن إسحاق والربيع: عُني السبعون الذين سمعوا مع موسى صلى الله عليه وسلم ثم بدلوا بعد ذلك. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا القول ضعف، ومن قال إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم، وقرأ الأعمش، "كَلِمَ الله"، وتحريف الشيء إحالته من حال إلى حال، وذهب ابن عباس رضي الله عنه إلى أن تحريفهم وتبديلهم إنما هو بالتأويل ولفظ التوراة باقٍ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدلوا ألفاظاً من تلقائهم وأن ذلك ممكنٌ في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن الله تعالى ضمن حفظه.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَسَتْ قُلُوبُكُم} في ابن أخي الميت لما أنكر قتله بعد سماعه منه، أو في جملة بني إسرائيل قست قلوبهم من بعد جميع الآيات التي أظهرها الله ـ تعالى ـ على موسى. {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أو ها هنا وفيما أشبهه للإبهام على المخاطب. أبو الأسود الدؤلي: شعر : أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة أو علياً تفسير : فلما قيل له في ذلك استشهد بقوله تعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً}، أو تكون بمعنى "الواو" قال جرير: شعر : نال الخلافة أو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر تفسير : أو تكون بمعنى "بلى" أو تكون لإباحة التشبيه بكل واحد منهما. أو هي كالحجارة أو أشد قسوة عندكم. {يَهْبِطُ} هبوطه تفيؤ ظلاله أو هو لجلالة الله سبحانه أو [يُرى] كأنه هابط خاشع لعظم أمر الله تعالى. شعر : لما أتى خبرُ الزبير تواضعت سورُ المدينة والجبالُ الخشعُ تفسير : أو كل حجر تردى من رأس جبل فمن خشية الله تعالى، أو يعطي بعض الجبال المعرفة [فيعقل طاعة الله ـ تعالى ـ] وقد حن الجذع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسَلَّم عليه حجرٌ بمكة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم...} جعل الزمخشري العطف بـ "ثم" لبعد ما بين منزلة الإيمان والكفر. قال ابن عرفة: ولا (يبعد) أن تكون على بابها. (فرد عليه بأن جعل) بعد ذلك لابتداء الغاية (فتناقض) مهلة "ثم"؟ فأجاب بأن دلالة "ثمّ" على المهلة نص لا يحتمل غيره، فهو أقوى من دلالة "من" على ابتداء الغاية. وقال أبو حيان: السياق يقتضي أنها لبعد ما بين المنزلتين. ورده ابن عرفة بأن الأصوليين رجّحوا الدلالة باللّفظ على الدلالة المفهومة من السياق. قيل لابن عرفة: يلزم (على ما قلت) أن يكونوا مرّ عليهم (زمَن) هم فيه مؤمنون؟ فقال: نعم وهو المناسب وهو الزمن الذي كان فيه الرّسول موسى بين أظهرهم، وظاهر الآية أن العقل في القلب. قوله تعالى: {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً...}. منع أبو حيان أن تكون الكاف بمعنى "مثل" محتجا بأنه ليس مذهب سيبويه. وأجاب ابن عرفة بأن ذلك إنما هو إذا جعلها حرفا. ونحن نقول: إنها اسم. وأورد الشيخ الطيبي: أن القلوب شبهت بالحجارة مع أن المشبه بالحجارة إنما هو قسوتها (شبيهة) بقسوة الحجارة. وأجاب: بأن التشبيه في الحقيقة راجع للقسوة، أي (صلبت) وخلت من (الإنابة) والإذعان (لآيات الله تعالى). قاله (ابن عطية). قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد قلوب (ورثة) القتيل لَمّا (أخبرَ) بمن قتله ومات قالوا: كذب. قال ابن عرفة: فالمراد أنّها دامت على القسوة، أو زادت قسوتها لأنهم لم يزالوا قبل ذلك منكرين للقتل، قال: ويضعف هذا بأنه لما قتل قاتل القتيل انقطعت تلك القسوة فلم يبق من هو متصف بها. وجعل السّكاكي هذا من (ترشيح) المجاز. قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ...}. قال الطيبي: إنّها تذليل لما قبلها لأنها في معناها. قال ابن عرفة: الصواب أنها تعليل أو بيان للوجه الّذي كانت به أشدّ من الحجارة ودليل عليه. وهذا تدلي أو ترقي الذّمّ وهو أولى من العكس لأن الحجارة التي تتفجر منها (الأنهار) أفضل وأعلى من الحجارة التي تنشق فيخرج منها الماء. ويلزم من كونها أشد قسوة من التي تنشق فيخرج منها الماء أن تكون أشد قسوة من المتفجرة عن الأنهار فلذلك أتى به بعده. ولو قيل: إن من الحجارة لما (ينشق) فيخرج (منها) الماء، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار لكان تأكيدا. انتهى. قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...}. قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية أنّ الأفضلية ثبتت للجنس بثبوتها لبعض أفراده لأنّ الحجارة الموصوفة بذلك هي بعض من كل، وقد ثبت التفضيل للجميع بقوله: فهي كالحجارة، ولم يقل فهي كالحجارة الموصوفة بكذا، والحجارة عام إما بالألف واللام (أو) بالسياق فقد فضل عليهم جميع الحجارة. قيل لابن عرفة: هذا تقسيم مستوفى فليس (من الحجارة) شيء إلا داخل فيه؟ فقال: الحجارة التي تتفجر منها الأنهار، والتي تنشق عن الماء لا قساوة فيها بوجه، وهم إنّما ذُمّوا بمشاركتهم للأحجار في القساوة مع الزيادة عليها فقد فضلت عليهم الحجارة القاسية لكونها من جنس ما هو غير قاس. قيل له: فكل ما نراه من الأحجار ساقطا من فوق، هلا تقول: إنه (هبط) من خشية الله؟ فقال: ((الآية إنما دلت على (أن) بعض الحجارة يهبط)) من خشية الله لا كلها، وكل ما نراه هابطا يجوز أن يكون هبوطه من خشية الله. قال الفخر: وهذا مثل قوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } تفسير : قال ابن عرفة: ليست مثلها لأن تلك شرطية، والشرط قد يتركب من المحال بخلاف هذه. قال: وقوله: {مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} هو قيد في الجميع، لأن تفجر الأنهار أيضا من خشية الله.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم...} الآية: أي: صلبت وجفَّت، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالَىٰ، قال قتادة وغيره: المراد قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم، وما ركبوه بعد ذلك، و «أَوْ»: لا يصحُّ أن تكون هنا للشكِّ، فقيل: هي بمعنى «الواو»، وقيل: للإضراب، وقيل: للإبهام، وقيل غير ذلك. وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ...} الآية: معذرةٌ للحجارة، وتفضيلٌ لها على قلوبهم، قال قتادة: عذر اللَّه تعالى الحجارة، ولم يعذِر شقيَّ بني آدم. * ت *: وروى البَزَّار عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ العَيْنِ، وَقَسَاوَةُ القَلْبِ، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا» تفسير : . انتهى من «الكوكبِ الدُّرِّيِّ» لأبي العباس أحمد بن سَعْد التُّجِيبِيِّ، قال الغَزَّاليُّ في «المِنْهَاج»: واعلم أن أول الذنب قسوةٌ، وآخره، والعياذ باللَّه، شؤمٌ وشِقْوَةٌ، وسوادُ القلْب يكون من الذنوب، وعلامةُ سواد القلب ألاَّ تجد للذنوب مفزعاً، ولا للطاعات موقعاً، ولا للموعظة منجعاً. انتهى. وقيل في هبوط الحجارة: تفيُّؤ ظلالها، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلُقُ في بعض الأحجار خشيةً وحياةً، يهبط بها من عُلْوٍ تواضعاً، وقال مجاهد: ما تردَّىٰ حجرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تَفَجَّرَ نهر من حَجَر، ولا خَرَج ماء منه، إلا من خشية اللَّه عز وجلَّ؛ نزل بذلك القرآن، وقال مثله ابْنُ جُرَيْجٍ. وقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ...} الآية: الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلْف والجِوَار الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطابِ التقرير على أمر فيه بُعْد؛ إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهودِ أفاعيلُ سوءٍ، وهؤلاء على ذلك السَّنَن. وتحريفُ الشيء: إِمالته من حالٍ إلى حال، وذهب ابن عبَّاس إلى أن تحريفهم وتبديلهم؛ إِنما هو بالتأويل، ولفْظُ التوراة باق، وذهب جماعة من العلماء؛ إلى أنهم بدَّلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأنَّ ذلك ممكن في التوراة؛ لأنهم ٱستحفظُوها، وغير ممكن في القرآن؛ لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ حفظه. قلْتُ: وعن ابن إسحاق؛ أن المراد بـــ «الفريقِ» هنا طائفةٌ من السبعين الذين سمعوا كلامَ اللَّه مع موسى. انتهى من «مختصر الطبريِّ»؛ وهذا يحتاج إلى سند صحيح.

ابن عادل

تفسير : قال القفال: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، أي: اشتدت قلوبكم وقَسَت وضلّت من بعد البَيّنات التي جاءت أوائلكم، والعقاب الذي نزل بمن أَصَرَّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياءهم، فأخبر بذلك عن طُغْيَانهم، وجَفَائهم على ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. قال: لأنه خطاب مُشَافهة فَحَمْله على الحاضرين أولى، ويحتمل أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمان موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ خصوصاً. وروي أن ذلك القتيل لما عين القاتل كذبه، وما ترك الإنكار وساعده عليه جمع، فتكون الإشارة لقوله بعد ذلك إلى ما أظهره الله ـ تعالى ـ من إحياء القتيل بِضَرْبِهِ ببعض البقرة المذبوحة. ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما عدده الله ـ تعالى ـ من النعم العظيمة، والآيات الباهرة التي أظهرها الله ـ تعالى ـ على يد موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإنّ أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتها لها ما خلوا من العِنَاد والاعتراض على موسى عليه الصَّلاة والسَّلام. فإن قيل: لم أتى بـ "ثم" التي تقتضى الترتيب والمُهْلة، فقال: "ثم قست"، وقال: "مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ" والبَعْدية لا تقتضي التعقيب، وقلوبهم لم تزل قاسيةً مع رؤية الآية وبعدها؟ فالجواب: أنه أتى بـ"من" التي لابتداء الغاية فقال: من بعد ذلك فجعل ابتداء المقصود عقيب رؤية الآيات، فنزلت المهلة. وقال أبو عبيدة: "معنى قَسَتْ: جفت". وقال الواقدي: خفت من الشّدة فلم تكن. وقال المؤرج: "غلظت". وقيل: اسودت. وقال الزجاج: "القَسْوة ذهاب اللّين والرحمة والخشوع والخضوع". قوله: "أَوْ أشَدُّ قَسْوَةً" "أو" هذه كـ "أو" التي في قوله: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ}تفسير : [البقرة:19] فكل ما قبل ثمة يمكن القول به هنا، ولما قال أبو الأسود: [الوافر] شعر : 593ـ أُحِبُّ مُحَمَّداً حُبًّا شَديداً وَعَبَّاساً وَحَمْزَةَ أَوْ عَلِيًّا تفسير : اعترضوا عليه في قوله: "أو" التي تقتضي الشك، وقالوا له: أشككت؟ فقال: كلا، واستدل بقوله تعالى: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ}تفسير : [سبأ:24] فقال: أو كان شاكًّا من أخبر بهذا؟ وإنما قصد ـ رحمه الله ـ الإبهام على المخاطب. قال ابن الخطيب: كلمة "أو" للتردد، وهي لا تليق بعلاَّم الغيوب، فلا بد من التأويل وهو من وجوه: أحدهما: أنها بمعنى "الواو" كقوله: {أية : إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ}تفسير : [الصافات:147] وقوله: {أية : وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ}تفسير : [النور:31] وقوله: {أية : أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ}تفسير : [النور:61] ومن نظائره قوله: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طه:44]. وثانيها: أن المراد: فهي كالحجارة ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة. [وثالثها: أي: في نظركم واعتقادكم إذا طلعتم على أحوال قلوبهم قلتم: إنها كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجارة]. ورابعها: أن "أو" بمعنى "بل"؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 594ـ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَقَوَّلَتْ أَمِ النَّوْمُ أَو كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبُ تفسير : وخامسها: أنه على حد قولك: "ما أكل إلا حلواً أو حامضاً" أي: طعامه لا يخرج عن هذين، وليس الغرض إيقاع التردّد بل نفي غيرهما. وسادسها: أن "أو" حرف إباحة، أي: بأي هذين شبّهت قلوبهم كان صدقاً كقولهم: "جالس الحَسَنَ أو ابن سيرين" أي أيهما جالست كنت مصيباً أيضاً. و "أَشَدّ" مرفوع لعطفه على محل "كَالحِجَارةِ" أي: فهي مِثْلُ الحجارة أو أشد. والكاف يجوز أن تكون حرفاً فتتعلّق بمحذوف، وأن تكون اسماً فلا تتعلّق بشيء، ويجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً أي: أو هي أشد. و "قسوة" منصوب على التمييز؛ لأن الإِبْهَامَ حصل في نسبة التفضيل إليهما، والمفضل عليه محذوف للدلالة عليه، أي: أشدّ قسوة من الحِجَارَةِ. وقرىء: "أَشَدّ" بالفتح وَوَجْهُهَا: أنه عطفها على "الحجارة" أي: فهي كالحجارة أو [كأشد] منها. قال الزمخشري موجهاً للرفع: و "أشد" معطوف على الكاف، إما على معنى: أو مثل أشد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على "الحجارة" ويجوز على ما قاله أن يكون مجروراً بالمضاف المحذوف ترك على حاله، كقراءة: {أية : وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}تفسير : [الأنفال:67] بجر "الآخرة" أي: ثواب الآخرة، فيحصل من هذا أن فتحه الدال يُحتمل أن تكون للنصب، وأن تكون للجر. وقال الزمخشري أيضاً: فإن قلت: لم قيل: أشدُّ قسوة مما يَخْرُج منه "أفعل" التفضيل وفعل التعجب؟ يعني: أنه [مستكمل] للشروط من كونه ثلاثيّاً تاماً غير لون ولا عاهة متصرفاً غير ملازم للنفي. ثم قال: قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة، ووجهٌ آخر وهو ألاّ يقصد معنى الأقسى، ولكنه [قصد] وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل "اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشد قسوة". وهذا الكلام حسن، إلا أن كون "القسوة" جوز بناء التعجّب منها فيه نظر من حيث إنها من الأمور الخِلْقِية أو من العيوب، وكلاهما ممنوع منه بناء البابين. وقرىء: "قساوة". فصل في أوجه شدة القسوة من الحجارة إنما وصفها بأنها أشد قسوةً من الحجارة لوجوه: أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة، ورأت هذه الآية لقبلتها كما قال: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر:21]. وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع لما يحدث فيها من أمر الله فقال: وإن كانت قاسيةً، بل منصرفة على مراد الله ـ تعالى ـ غير ممتنعة، وهؤلاء مع ما وصفنا في اتِّصَال الآيات عندهم، وتتابع نِعَمِ الله عليهم يمتنعون من الطاعة، ولا تلين قلوبهم بمعرفة حق الله. وثالثها: أن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، أما قلوب هؤلاء فلا نفع منها ألبتة. فصل في الرد على المعتزلة قال القاضي: إن كان الدَّوام على الكفر مخلوق فيهم، فكيف يحسن ذمهم؟ فلو قال: إن الذي خلق الصَّلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القَسْوة، والخالق في الأحجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكُفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجّتهم على موسى أَوْكد من حجّته عليهم، وهذا النمط قد تكرر مراراً. قوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ}. واعلم أنه ـ سبحانه وتعالى ـ فَضَّل الحجارة على قلوبهم بأنه قد يحصل في الحجارة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع. فأولها: قوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} واللاّم في "لَمَا" لام الابتداء دخلت على اسم "إن" لتقدم الخبر، وهو "من الحجارة"، وهي "ما" التي بمعنى "الذي" في محلّ النصب، ولو لم يتقدم الخبر لم يَجُزْ دخول اللام على الاسم؛ لئلاَّ يتوالى حَرْفَا تأكيد، وإن كان الأصل يقتضي ذلك، والضمير في "منه" يعود على "ما" حملاً على اللفظ. قال أبو البقاء: ولو كان في غير القرآن لجاز "منها" على المعنى. وهذا الذي قاله قد قرأ به أُبّي بن كعب والضحاك. وقرأ مالك بن دينار "يَنْفَجِر" من الانفجار. وقرأ قتادة: "وَإِنْ مِنَ الْحِجَارَةِ" بتخفيف "إِنْ" من الثقيلة، وأتى باللام فارقة بينها وبين "إن" النافية، وكذلك: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} و {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ}، وهذه القراءة تحتمل أن تكون "ما" فيها في محل رفع وهو المشهور، وأن تكون في محلّ نصب؛ لأن "إِنْ" المخففة سمع فيها الإعمال والإهمال، قال تعالى: {أية : وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}تفسير : [هود:111] في قراءة من قرأه. وقال في موضع آخر: {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا}تفسير : [يس:32] إلا أن المشهور الإهمال. والتفجير: الفتح بالسّعة والكثرة؛ يقال: انفجرت قرحة فلان أي: انشقت بالمدّة، ومنه: الفَجْر والفُجُور. فصل في تولد الأنهار قالت الحكماء: الأنهار إنما تتولّد عن أَبْخِرَةٍ تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رَخْواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجريّاً اجتمعت تلك الأَبْخِرَةُ، ولا يزال يتصل بعضها ببعض حتى تكثر كثرة عظيمة، فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مَدِّها أن تنشقّ الأرض، وتسيل تلك المياه أوديةً وأنهاراً. قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} أي: وإنَّ من الحجارة لما يتصدّع، فينبع الماء منه فيكون عَيْناً لا نهراً جارياً. و "يَشَّقَّقُ" أصله: يَتَشَقّق، فأدغم وبالأصل قرأ الأعمش، وقرأ طلحة بن مصرف: "لَمَّا بتشديد "الميم" في الموضعين قال ابن عطية: "وهي قراءة غير متّجهة". وقرأ أيضاً: "ينشقّ" بالنون وفاعله ضمير "ما". وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون فاعله ضمير "الماء"؛ لأن "يَشَّقَّقُ" يجوز أن يُجْعل لـ "الماء" على المعنى، فيكون معك فِعْلان، فيعمل الثاني منهما في الماء، وفاعل الأول مضمر على شريطة التفسير. وعند الكوفيين يعمل الأول، فيكون في الثاني ضمير، يعني: أنه من باب التنازع، ولا بد من حذف عائد من "يشقق" على "ما" الموصولة دلَّ عليه قوله: "منه"، والتقدير: وإن من الحجارة لما يشقق الماء منه، فيخرج الماء منه. وقال أيضاً: ولو قرىء: "تتفجّر" بالتاء جاز. قال أبو حاتم: يجوز "لما تتفجر" بالتاء؛ لأنه أنثه بتأنيث الأنهار، وهذا لا يكون في "تشقق" يعني التأنيث. قال النَّحَّاس: يجوز ما أنكره على المعنى، لأن المعنى: وإن منها الحجارة تتشقق يعني فيراعى به معنى "ما"، فإنها واقعة على الحجارة. قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}. قال أبو مُسْلم: "الضمير في قوله: "وَإِنَّ مِنْها" راجع إلى "القلوب"، فإنه يجوز عليهما الخَشْيَة، والحجارة لا يجوز عليها الخَشْيَة. وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، وأقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين إلاّ أنّ هذا الوصف ألْيَقُ بالقلوب من الحجارة، فوجب رجوع الضمير إلى "القلوب" دون "الحجارة"، وفيه بعد لتنافر الضّمائر. وقال الجمهور المفسرين: الضمير عائد إلى "الحجارة". وقالوا: يجوز أن يكون حقيقة على معنى أن الله خلق فيها قَابِليَّةً لذلك، وأن المراد من ذلك جَبَلُ موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين تقطع وتجلّى له ربه، وذلك لأن الله ـ تعالى ـ خلق فيه الحياة والعقل والإدْرَاك، وهذا غير مستعبد في قدرة الله تعالى. ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [فصلت:21]. فكما جعل الجِلْد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجَبَل وصفه بالخشية. وقال أيضاً: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر:21]. وروي أنه حنّ الجِذْع لصعود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنبر، ولما أتى الوحي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - في أول المبعث، وانصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم - إلى منزله سلمت عليه الحِجَارَةُ فكلها كانت تقول: السَّلام عليك يا رسول الله. قال مجاهد: ما تَرَدَّى حَجَرٌ من رأس جبل، ولا تَفَجَّرَ نَهْرٌ من حَجَر، ولا خرج منه ماء إلاَّ من خشية الله، نزل بذلك القرآنُ، مثله عن ابن جُرَيْجِ وثبت عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: "حديث : إنَّ حَجَراً كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ إنِّي لأَعْرفُهُ الآنَ"تفسير : . وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: حديث : قَالَ لِي ثَبِيرٌ: اهْبِطْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ عَلَى ظَهْرِي فَيُعَذّبني اللَّهُ فَنَادَاهُ حِرَاءٌ: "إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ"تفسير : وقوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ}تفسير : [الأحزاب:72] الآية. وأنكرت المعتزلة ذلك، ولا يلتفت إليهم؛ لأنه لا دليل لهم إلا مجرد الاستبعاد. لو قال بعض المفسِّرين: الضمير عائدٌ إلى "الحجارة" و "الحجارة" لا تعقلُ، ولا تَفْهَم، فلا بدَّ من التأويل، فقال بعضُهُمْ: إسناد الهبوط استعارة؛ كقوله: [الكامل] شعر : 595ـ لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ سُورُ الْمَدِينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ تفسير : وقوله: "مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" أي: ذلك الهبوط لو وجد من العاقل لكان به خاشياً لله، وهو كقوله تعالى: {أية : جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}تفسير : [الكهف:77] أي جداراً قد ظهر فيه المَيَلاَن ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حيّ مختارٍ، لكان مريداً للانقضاض، ونحو هذا قوله: [الطويل] شعر : 596ـ بَخِيْلٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ تفسير : فجعل ما ظهر في الأكم من أثر الحَوَافر من عدم امتناعها مِنْ دفع ذلك عن نفسها كالسُّجود منها للحوافر. الوجه الثاني: من التأويل: قوله: "مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ": أي: من الحجارة ما ينزل، وما يشقق، ويتزايل بعض عن بعض عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خَشْية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة. وتحقيقه أنه كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل الخشية في القلوب. الوجه الثالث: قال الجُبَّائي: "الحجارة" البَرَدُ الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله ـ تعالى ـ لعباده لِيَزْجُرَهُمْ به. قال: وقوله: "مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" أي: خشية الله، أي: ينزل بالتخويف للعباد، أو بما يوجب الخشية لله، كما تقول: نزل القرآن بتحريم كذا، وتحليل كذا، أي: بإيجاب ذلك على الناس. قال القاضي: هذا التأويل ترك للظَّاهر من غير ضرورة؛ لأن البَرَد لا يوصف بالحجارة؛ لأنه ماء في الحقيقة. قوله: "مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" منصوب المحلّ متعلق بـ "يهبط"، و "من" للتعليل. وقال أبو البقاء: "من" في موضع نصب بـ "يهبط"، كما تقول: يهبط بخشية الله، فجعلها بمعنى "الباء" [المعدية] وهذا فيه نظر لا يخفى. و "خشية" مصدر مضاف للمفعول تقديره: من أن يخشى الله، وإسناد الهبوط إليها استعارة؛ كقوله: [الكامل] شعر : 597ـ لَمَّا أَتَى خَبَر الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ سُورُ الْمَدِينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ تفسير : ويجوز أن يكون حقيقة على معنى: أن الله خلق فيها قابليّةً لذلك. وقيل: الضمير في "منها" يعود على "القلوب"، وفيه بُعْد لتنافر الضمائر. قوله: "وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ" قد تقدم في قوله: "وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ". قال القرطبي: "بغافل" في موضع نصب على لغة "الحِجَاز"، وعلى لغة "تميم" في موضع رفع. قوله: "عَمَّا تَعْمَلُونَ" متعلّق بـ "غافل"، و "ما" موصولة اسمية، والعائد الضمير، أي: تعملونه، أو مصدرية فلا يحتاج إليه أي: عن عملكم، ويجوز أن يكون واقعاً موقع المفعول به، ويجوز ألاّ يكون. وقرىء: "يَعْمَلُونَ" بالياء والتاء. فصل في المقصود بالآية والمعنى: أن الله بِالْمِرصَاد لهؤلاء القاسية قلوبهم، وحافظ لأعمالهم مُحْصٍ لها، فهو مجازيهم بها وهو كقوله: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً}تفسير : [مريم:64] وهذا وعيد وتخويف كبير. فإن قيل: هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل؟ قال القاضي: لا يصح؛ لأنه يوهم جواز الغَفْلة عليه، وليس الأمر كذلك؛ لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحّتها عليه، بدليل قوله {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}تفسير : [البقرة:255] {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ}تفسير : [الأنعام:14].

البقاعي

تفسير : ولما كان حصول المعصية منهم بعد رؤية هذه الخارقة مستبعد التصور فضلاً عن الوقوع أشار إليه بقوله {ثم قست} من القسوة وهي اشتداد التصلب والتحجر {قلوبكم} ولما كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال {من بعد ذلك} أي من بعدما تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها تذكيراً لهم بطول إمهاله لهم سبحانه مع توالي كفرهم وعنادهم، وتحذيراً من مثل ما أحل بأهل السبت {فهي} أي فتسبب عن قسوتها أن كانت {كالحجارة} التي هي أبعد الأشياء عن حالها، فإن القلب أحيى حيّ والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنه قد يلين. ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب شيء كانت بحيث تحير الناظر في أمرها فقال {أو} قال الحرالي: هي كلمة تدل على بَهم الأمر وخفيته فيقع الإبهام والإيهام - انتهى. وهذا الإبهام بالنسبة إلى الرائين لهم من الآدميين، وأما الله تعالى فهو العالم بكل شيء قبل خلقه كعلمه به بعد خلقه وزاد أشد مع صحة بناء أفعل من قسى للدلالة على فرط القسوة فقال {أشد قسوة} لأنها لا تلين لما حقه أن يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف للحي يشابه به ما دونه أقبح فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك المشابهة بالإدراك. ولما كان التقدير فإن الحجارة تنفعل بالمزاولة عطف عليه مشيراً إلى مزيد قسوتهم وجلافتهم بالتأكيد قوله: {وإن من الحجارة} وزاد في التأكيد تأكيداً لذلك قوله {لما يتفجر} أي يتفتح بالسعة والكثرة {منه الأنهار} ذكر الكثير من ذلك وتذكيراً بالحجر المتفجر لهم منه الأنهار بضرب العصا ثم عطف على ذلك ما هو دونه فقال: {وإن منها لما يشقق} أي يسيراً بتكلف بما يشير إليه الإدغام والتفعل من التشقق وهو تفعل صيغة التكلف من الشق وهو مصير الشيء في الشقين أي ناحيتين متقابلتين - قاله الحرالي. {فيخرج منه الماء} الذي هو دون النهر، ثم عطف على هذا ما هو أنزل من ذلك فقال: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من الأوامر فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة لما لها من الجمادية وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور عند تجلي الرب. قال الحرالي: والخشية وجل نفس العالم مما يستعظمه. ولما كان التقدير: فما أعمالكم - أو: فما أعمالهم، على قراءة الغيب - مما يرضي الله؟ عطف عليه {وما} ويجوز أن يكون حالاً من قلوبكم أي قست والحال أنه ما {الله} أي الذي له الكمال كله {بغافل} والغفلة فقد الشعور بما حقه أن يشعر به {عما تعملون} فانتظروا عذاباً مثل عذاب أصحاب السبت إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولم أر ذكر قصة البقرة في التوراة فلعله مما أخفوه لبعض نجاساتهم كما أشير إليه بقوله تعالى: {أية : تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً}تفسير : [الأنعام: 91] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسبباً عنه أنه قال في السفر الخامس منها ما نصه: فإذا وجدتم قتيلاً في الأرض التي يعطيكم الله ربكم مطروحاً لا يعرف قاتله يخرج أشياخكم وقضاتكم ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأية قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلاً لم يعمل به عمل ولم يحرث به حرث، فينزل أشياخ تلك القرية العجل إلى الوادي الذي لم يزرع ولم يحرث فيه حرث يذبحون العجل في ذلك الوادي ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم الله ربكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل مضروب، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي ويحلفون ويقولون: ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من قتله فاغفر يا رب لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا عنكم الإثم واعملوا الحسنات بين يدي الله ربّكم - انتهى. وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع هذا الأصل المذكور في القرآن العظيم والله أعلم. ولما بيّن سبحانه أن قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرّؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة الطبع بحيث إنها أشد قسوة من الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكراً للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر من كفرانهم فقال: {أفتطمعون} والطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له {أن يؤمنوا} أي هؤلاء الذين بين أظهركم وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الكثافة وهم راضون بذلك وإلا لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأمي الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها إلاّ الله معترفين "لكم وقد" أي والحال أنه قد {كان فريق} أي ناس يقصدون الفرقة والشتات {منهم} قال الحرالي: من الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى. و{يسمعون كلام الله} المستحق لجميع صفات الكمال والكلام قال الحرالي: هو إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار - انتهى. {ثم يحرفونه} أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه، وفي ذكر الفريق مع المعطوفات عليه تأكيد لعظيم تهمّكهم في العصيان بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقاً في الكفر والعدوان والتبرء من جلباب الحياء، وقوله: {من بعد ما عقلوه} مع كونه توطية لما يأتي من أمر الفسخ مشيراً إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركاً بالبديهة، وأثبت الجار لاختلاف أحوالهم. ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في صلاحه لهم، لأنه إذا اجترأ على العالم بالخفيات كان على غيره أجرأ مشيراً إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه بقوله: {وهم يعلمون *} أي والحال أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له غير غافلين بل متعمدون. ولما كان الكلام مرشداً إلى أن التقدير فهم لجرأتهم على الله إذا سمعوا كتابكم حرفوه وإذا حدثوا عباد الله لا يكادون يصدقون عطف عليه قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا} بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم {قالوا} نفاقاً منهم {آمنا وإذا خلا بعضهم} أي المنافقين {إلى بعض قالوا} لائمين لهم ظنّاً منهم جهلاً بالله لما وجدوا كثيراً من أسرارهم وخفي أخبارهم مما هو في كتابهم من الدقائق وغير ذلك عند المؤمنين مع اجتهاده في إخفائها أن بعضهم أفشاها فعلمت من قبله {أتحدثونهم} من التحديث وهو تكرار حدث القول أي واقعه {بما فتح الله} ذو الجلال والجمال {عليكم} من العلم القديم الذي أتاكم على ألسنة رسلكم أو بما عذب به بعضكم. والفتح قال الحرالي توسعة الضيق حساً ومعنى {ليحاجوكم} أي المؤمنون {به عند ربكم} والمحاجة تثبيت القصد والرأي بما يصححه. ولما كان عندهم أن إفشاءهم لمثل هذا من فعل من لا يفعل قالوا إنكاراً من بعضهم على بعض {أفلا تعقلون *} ويمكن أن يكون خطاباً للمؤمنين المخاطبين يتطمعون، أي أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. ولما كان ظنهم هذا أقبح الفساد لأنه لو لم يكن علمه من قبل الله لم يقدر غيره أن يعبر عنه بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها وصل به قوله موبخاً لهم {أولا} أي ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلا عن الله لما قام عليه من دليل الإعجاز أو لا {يعلمون أن الله} الذي له الإحاطة بكل شيء {يعلم ما يسرون} أي يخفون من قولهم لأصحابهم ومن غيره {وما يعلنون} أي يظهرون من ذلك فيخبر به أولياءه. ولما ذكر سبحانه هذا الفريق الذي هو من أعلاهم كفراً وأعتاهم أمراً عطف عليه قسماً أعتى منه وأفظ لأن العالم يرجى لفته عن رأيه أو تخجيله بالحجاج بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي فقال {ومنهم أميون} ويجوز أن يراد بهم من لا يحسن الكتابة ومن يحسنها وهو غليظ الطبع بعيد عن الفهم، لأن الأمي في اللغة من لا يكتب أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة وهو باق على جبلته وحال ولادته والغبي الجلف الجافي القليل الكلام، فالمعنى أنهم قسمان: كتبة وغير كتبة، وهم المراد بالأميين، وهؤلاء مع كونهم لا يحسنون الكتاب يجوز أن يتعلموا القراءة تلقيناً ولا يفهمون المعاني، ويجوز أن يكون المعنى أنهم قسمان: علماء نحارير عارفون بالمعاني وجهلة غبيون لا حظ لهم من التوراة إلا القراءة الخالية عن التدبر المقرونة بالتمني ولذلك قال: {لا يعلمون الكتاب} أي بخلاف القسم الذي أكد فيه كونهم من أهل العلم. ولما كان المراد سلب العلم عنهم رأساً أبرز الاستثناء مع كونه منقطعاً في صورة المتصل فقال: {إلاّ أماني} جمع أمنية، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، ويقال إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها تقدير بالإضافة لمن يتحقق له المعنى - قاله الحرالي. أي إن كانت الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم لا غيرها من جميع أنواعه. ولما أفهم ذلك أن التقدير ما هم ألا يقدرون تقديرات لا علم لهم بها عطف عليه قوله: {وإن هم إلا يظنون} تأكيداً لنفي العلم عنهم. ولما أثبت لهذا الفريق القطع على الله بما لا علم لهم به وكان هذا معلوم الذم محتوم الإثم سبب عنه الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله وأعداهم فقال: {فويل} والويل جماع الشر كله - قاله الحرالي. {للذين يكتبون} أي منهم ومن غيرهم {الكتاب} أي الذي يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله {بأيديهم} وأشار إلى قبح هذا الكذب وبعّدَ رتبته في الخبث بأداة التراخي فقال {ثم يقولون} لما كتبوه كذباً وبهتاناً {وهذا من عند الله} الملك الأعظم ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة ودناءتهم فقال: {ليشتروا به} أي بهذا الكذب الذي صنعوه {ثمناً قليلاً} ثم سبب عنه قوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} من ذلك الكذب على الله {وويل لهم مما يكسبون *} أي يجدون كسبه مما اشتروه به، وجرد الفعل لوضوح دلالته على الخبث بقرينة ما تقدم وإذا كان المجرد كذلك كان غيره أولى قال الحرالي: والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار على إحساس بمنة فيه وقوة عليه - انتهى. وفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنه لإعجازه لا يقدر أحد أن يأتي من عنده بما يدسه فيه فيلبس به - فللّه المنّة علينا والفضل. ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير: فحرفوا كثيراً في كتاب الله وزادوا ونقصوا، عطف عليه ما بين به جرأتهم وجفاهم وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من الجرائم التي هم أعلم الناس بأن بعضها موجب للخلود في النار فقال تعالى: {وقالوا لن تمسّنا} من المس وهو ملاقاة ظاهر الشيء ظاهر غيره {النار} أي المعدة في الآخرة {إلا أياماً} ولما كان مرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها وكان جمع القلة وإن كان يدل على ذلك لكنه ربما استعير للكثرة فدل على ما لا آخر له أو ما يعسر عده زادوا المعنى تأكيداً وتصريحاً بقولهم: {معدودة} أي منقضية، لأن كل معدود منقض. قال الحرالي: والعدّ اعتبار الكثرة بعضها ببعض، واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى بخلاف ما في آل عمران. ولما ادعوا ذلك ادعوا أن المسلمين يخلفونهم بعد ذلك فيها، روى البخاري في الجزية والمغازي والطب والدارمي في أول المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجمعوا لي من كان ههنا من يهود، فجمعوا له فقال: إن سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه؟ فقالوا: نعم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من أبوكم؟ قالوا فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان، قالوا: صدقت وبررت، قال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اخسؤوا فيها! والله لا نخلفكم فيها أبداً، ثم قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك" تفسير : ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فيما ذا نرد عليهم؟ فقال {قل} منكراً لقولهم {اتخذتم} في ذلك {عند الله} أي الذي له الأمر كله {عهداً فلن} أي فيتسبب عن ذلك أنه يوفي بعهده، لأنه {يخلف الله} الذي له صفات الكمال {عهده أم} لم يكن ذلك فأنتم {تقولون على الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {ما لا تعلمون} ومعنى الإنكار في الاستفهام أنه ليس واحد من الأمرين واقعاً، لا اتخذتم عهداً ولا قلتم ذلك جهلاً، بل قلتموه وأنتم تعلمون خلافه، ولما انتفى الأمران علم أن الكائن غير ما ادعوه فصرح به في قوله: {بلى} أي لتمسنكم على خلاف ما زعمتموه، فإنّ بلى كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن نفي كأنها بل وصلت بها الألف إثباتاً لما أضرب عن نفيه - قاله الحرالي. ونعم جواب لكلام لا جحد فيه. ولما أضرب سبحانه عما قالوه من القضاء في الأعيان قاضياً عليهم بالخسران علل ذلك بوصف هم به متلبسون معلماً بأن من حق الجاهل بالغيب الحكم على الأوصاف التي ناط علام الغيوب بها الأحكام فقال: {من كسب سيئة} أي عملاً من حقه أن يسوء {وأحاطت به خطيئة} بحيث لم يكن شيء من أحواله خارجاً عن الخطيئة بل كانت غامرة لكل ما سواها من أعماله، ولا يكون ذلك إلاّ للكفر الهادم لأساس الأعمال الذي لا يتأتى بقاء الأعمال بدونه. ولما كان إفراد الضمير أنصّ على جزاء كل فرد والحكم بالنكال على الكل أنكأ وأروع وأقبح وأفظع وأدل على القدرة أفرد ثم جمع فقال آتياً بالفاء دليلاً أن أعمالهم سبب دخولهم النار: {فأولئك} أي البعداء البغضاء {أصحاب النار هم} خاصة {فيها خالدون *}. ولما بان بهذا مالهم ولكل من شاركهم في هذا الوصف عطف عليه ما لمن ادّعوا أنهم يخلفونهم في النار ولكل من شاركهم في وصفهم الذي استحقوا به ذلك فقال: {والذين آمنوا} أي أقروا بالوحدانية بألسنتهم {وعملوا الصالحات} بياناً لأن قلوبهم مطمئنة بذلك {أولئك} العالو المراتب الشريفو المناقب، ولم يأت بالفاء دلالة على أن سبب سعادتهم إنما هو الرحمة {أصحاب الجنة} لا غيرهم {وهم} أي خاصة {فيها خالدون *} .

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏ثم قست قلوبكم من بعد ذلك‏} قال‏:‏ من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعدما أراهم من أمر القتيل.‏ {‏فهي كالحجارة أو أشد قسوة‏} ‏ ثم عذر الله الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم فقال ‏ {‏وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {‏وإن من الحجارة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ أي أن من الحجارة لألين من قلوبكم، لما تدعون إليه من الحق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ كل حجر يتفجر منه الماء، أو يشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل فمن خشية الله‏.‏ نزل بذلك القرآن‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وإن منها لما يهبط من خشية الله‏} ‏ قال‏:‏ إن الحجر ليقع على الأرض، ولو اجتمع عليه كثير من الناس ما استطاعوه، وإنه ليهبط من خشية الله‏.‏

ابو السعود

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} الخطاب لمعاصري النبـي صلى الله عليه وسلم. والقسوةُ عبارةٌ عن الغِلَظ والجفاء والصَّلابة كما في الحَجَر استُعيرت لنُبوِّ قلوبهم عن التأثر بالعِظات والقوارعِ التي تميعُ منها الجبالُ وتلينُ بها الصخور، وإيرادَ الفعل المفيدِ لحدوث القساوة مع أن قلوبَهم لم تزل قاسيةً لما أن المرادَ بـيانُ بلوغِهم إلى مرتبة مخصوصةٍ من مراتبِ القساوة حادثةٍ، وإما لأن الاستمرارَ على شيء بعدَ ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه أمرٌ جديد وصنعٌ حادث. و(ثم) لاستبعاد القسوةِ بعد مشاهدةِ ما يُزيلها كقوله تعالى: {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ }تفسير : . [الأنعام، الآية 1] {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من إحياء القتيلِ أو إلى جميع ما عُدِّد من الآيات الموجبة للين القلوبِ وتوجُّهِها نحوَ الحقِّ أيْ من بعد سماعِ ذلك وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه وعلوِّ طبقتِه. وتوحيدُ حرفِ الخطاب مع تعدُّد المخاطبـين إما بتأويل الفريقِ أو لأن المرادَ مجردُ الخطاب لا تعيـينُ المخاطَب كما هو المشهور، {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ} في القساوة، {أَوْ أَشَدَّ} منها، {قَسْوَةً} أي هي في القسوة مثلُ الحجارة أو زائدةٌ عليها فيها أو أنها مثلُها أو مثلُ ما هو أشدُّ منها قسوةً كالحديد، فحُذِف [المضاف] وأقيمَ المضاف إليه مُقامه ويعضُده القراءة بالجر عطفاً على الحجارة. وإيرادُ الجملة اسميةً مع كون ما سبق فعليةً للدلالة على استمرارِ قساوةِ قلوبهم، والفاء إما لتفريع مشابَهتِها لها على ما ذكر من القساوة تفريعَ التشبـيه على بـيان وجه الشبه في قولك: أحمرُ خدُّه فهو كالورد وإما للتعليل كما في قولك: اعبُدْ ربك فالعبادةُ حقٌّ له، وإنما لم يقل أو أقسىٰ منها لما في التصريح بالشدة من زيادةِ مبالغةٍ، ودلالةٍ ظاهرة على اشتراك القسوتين في الشدة واشتمالِ المفضَّل على زيادة، وأو للتخيـير أو للترديدِ بمعنى أن مَنْ عرَفَ حالَها شبَّهها بالحجارة أو بما هو أقسى، أو من عَرَفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، وترْكُ ضميرِ المفضَّل عليه للأمن من الالتباس {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأنْهَـٰرُ} بـيانٌ لأشَدِّية قلوبِهم من الحجارة في القساوة وعدمِ التأثر واستحالةِ صدورِ الخيرِ منها، يعني أن الحجارةَ ربما تتأثّرُ حتى كان منها ما يتفجر منه المياهُ العظيمة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} أي يتشقق {فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء} أي العيونُ {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أي يتردَّى من الأعلى إلى الأسفل بقضية ما أودعه الله عز وجل فيها من الثِقل الداعي إلى المرْكز، وهو مجازٌ من الانقياد لأمره تعالى، والمعنى أن الحجارةَ ليس منها فردٌ إلا وهو منقادٌ لأمره عز وعلا آتٍ بما خُلق له من غير استعصاء، وقلوبُهم ليست كذلك فتكونُ أشدَّ منها قسوةً لا محالة، واللام في (لَما) لامُ الابتداء دخلت على اسم إن لتقدُّم الخبر وقرىء (أن) على أنها مُخفّفة من الثقيلة، واللامُ فارقةٌ، وقرىء يهبُط بالضم {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (عن) متعلقةٌ بغافل، و(ما) موصولة والعائدُ محذوف أو مصدرية، وهو وعيدٌ شديد على ما هو عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الأعمال السيئة، وقرىء بالياء على الالتفات.

القشيري

تفسير : بَيَّن أنهم - وإن شاهدوا عظيم الآيات وطالعوا واضح البينات - فحين لم تساعدهم العناية ولم يخلق الله (لهم) الهداية، لم تزدهم كثرة الآيات إلا قسوة، ولم تبرز لهم من مكامن التقدير إلا شقوة (على شقوة، وشبَّه قلوبهم بالحجارة لأنها لا تنبت ولا تزكو، وكذلك قلوبهم لا تفهم، ولا تغنى. ثم بيَّن أنها أشد (....) من الحجارة، فإنَّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار، ومنها ما تظهر عليه آثار خشية الله، وأمَّا قلوبهم فخالية عن كل خير، وكيف لا وقد مُنِيَتْ بإعراض الحقِّ عنها، وخُصَّتْ بانتزاع الخيرات منها.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم قست قلوبكم} خطاب لاهل عصر النبى عليه السلام من الاحبار وثم لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه ثم انتم تمترون والقسوة والقساوة عبارة عن الغلظ والصلابة كما فى الحجر وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوها عن الاعتبار وان المواعظ لا تؤثر فيها {من بعد ذلك} اى من بعد سماع ما ذكر من احياء القتيل ومسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وغيرها من الآيات والقوارع التى تميع منها الجبال وتلين بها الصخور {فهي} اى القلوب {كالحجارة} اى مثل الحجارة فى شدتها وقسوتها والفاء لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه كقولك احمر خده فهو كالورد {او اشد} منها {قسوة} تمييز وأو بمعنى بل او للتخيير اى ان شئتم فاجعلوها اشد منها كالحديد فانتم مصيبون وانما لم تحمل على اصلها وهو الشك والتردد لما ان ذلك محال على علام الغيوب. فان قلت لم قيل اشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه افعل التفضيل وفعل التعجب. قلت لكونه ابين وادل على فرط القسوة من لفظ اقسى لان دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة فى معنى الشدة بخلاف لفظ الاقسى فان دلالته على الشدة والزيادة فى القسوة بالهيئة فقط ووجه حكمة ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة وتشبيهها بها دون غيرها من الاشياء الصلبة من الحديد والصفر وغيرهما لان الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين كما لان لداود عليه السلام وكذا الصفر حتى يضرب منها الاوانى والحجر لا يلينه نار ولا شىء فلذلك شبه قلب الكافر بها وهذا والله اعلم فى حق قوم علم الله انهم لا يؤمنون {وان من الحجارة} بيان لفضل قلوبهم على الحجارة من شدة القسوة وتقرير لقوله او اشد قسوة ومن الحجارة خبران والاسم قوله {لما} واللام للتأكيد اى الحجر {يتفجر} اى يتفتح بكثرة وسعة {منه} راجع الى ما {الانهار} جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجارى الماء والمعنى وان من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير اى يتصبب {وان منها} اى من الحجارة {لما يشقق} اصله يتشقق اى يتصدع والصدع جعل الشىء ذا نواحى {فيخرج منه الماء} اى ينشق انشقاق بالطول او بالعرض ينبع منه الماء ايضا يعنى العيون دون الانهار {وان منها لما يهبط} اى يتردى وينزل من اعلى الجبل الى اسفله {من خشية الله} وهى الخوف عن العلم وهنا مجاز عن انقيادها لامر الله وانها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء اليهود لا تنقاد ولا تلين ولا تخشع ولا تفعل ما امرت به {وما الله بغافل} بساه {عما تعملون} اى الذى تعملونه وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الاعمال السيئة فقلب الكافر اشد فى القساوة من الحجارة وانها مع فقد اسباب الفهم والعقل منها وزوال الخطاب عنها تخضع له وتتصدع قال تعالى {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله} تفسير : [الحشر: 21]. وقلب الكافر مع وجود اسباب الفهم والعقل وسعة هيئة القبول لا يخضع ولا يلين. قالت المعتزلة خشية الحجر على وجه المثل يعنى لو كان له عقل لفعل ذلك ومذهب اهل السنة ان الحجر وان كان جمادا لكن الله يفهمه ويلهمه فيخشى بالهامه فان لله تعالى علما فى الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره {أية : وإن من شىء إلا يسبح بحمده} تفسير : [الإِسراء: 44]. وقال {أية : والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} تفسير : [النور: 41]. فيجب على المرء الايمان به ويحيل علمه الى الله تعالى روى ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل انزل عنى فانى اخاف ان تؤخذ على فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء الىّ الىّ يا رسول الله. حديث : وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا خطب استند الى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية من فراق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحنت كحنين الناقة حتى سمعها اهل المسجد ونزل رسول الله عليه السلام فاعتنقها فسكنت ". تفسير : قال فى المثنوى شعر : آنكه اوراد نبود ازاسرار داد كى كند تصديق اوناله جماد تفسير : وبينما راع فى غنمه عدا عليه الذئب فاخذ منها شاة فطلبه الراعى حتى استنقذها منه اى استخلصها فالتفت اليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيرى فقال الناس سبحان الله ذئب تكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أومن به وابو بكر وعمر وعلى هذا إنطاق الله جلود الكفار يوم القيامة. وتسبح الحصى فى كفه عليه السلام. وكلام الشاة المسمومة. ومجيىء الشجرتين اليه صلى الله عليه وسلم حتى يستتر بهما فى قضاء حاجته ثم رجوعهما الى مكانهما وأمثال ذلك كثير. ذكر الشيخ قطب وقته الهدائى الاسكدارى فى واقعاته انه كان يسمع فى اثناء سلوكه من الماء الجارى ذكر يا دائم يا دائم: وفى المثنوى شعر : نطق آب ونطق خاك ونطق كل هست محسوس حواس اهل دل فلسفى كومنكر حنانه است از حواس اوليا بيكانه است هر كرا دردل شك وبيجانيست درجهان او فلسفى بنهانيست تفسير : قال بعض الحكماء معنى قوله {ثم قست قلوبكم} يبست ويبس القلب ان ييبس عن ماءين احدهما ماء خشية الله تعالى والثانى ماء شفقة الخلق وكل قلب لا يكون فيه خشية الله ولا شفقة الخلق فهو كالحجارة او اشد قسوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان ابعد الناس من الله القلب القاسى ". تفسير : وقال ايضا "حديث : اربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الامل والحرص على الدنيا ". تفسير : * والاشارة فى تحقيق الآية ان اليهود وان شاهدوا عظيم الآيات فحين لم تساعدهم العناية لم يزدهم كثرة الآيات الا قسوة فان الله اراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحسن ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيحجزهم عن التكذيب والانكار يدل عليه قوله تعالى {أية : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} تفسير : [يوسف: 24]. وهكذا حال بعض الممكورين حين يشرعون فى الرياضات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات فاذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييدات الالهية لم يزدهم الا العجب والغرور واكثر ما يقع هذا للرهابين والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون وانما تشبه قلوبهم بالحجارة لعدم اللين الى الذكر الحقيقى وهو ما يتداركه الحق بذكره كقوله {أية : فاذكروني أذكركم} تفسير : البقرة: 152]. ومراتب القلوب فى القسوة متفاوتة فبعضها بمرتبة الحجارة التى يتفجر منها الانهار وهو قلب يظهر عليه بغلبات انوار الروح لصفائه بعض الاشياء المشبهة لخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة وبعضها بمرتبة {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} وهو قلب يظهر عليه فى بعض الاوقات عند انخراق حجب البشرية انوار الروح فيريه بعض الآيات والمعانى المعقولة كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء وبعضها بمرتبة {وان منها لما يهبط من خشية الله} وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس انوار الروح من وراء الحجب فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض اهل الاديان والملل وهذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم والفرق بينهم ان احوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الايمان فيزيدهم فى قربهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلى انوار الحق كما قال {أية : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} تفسير : [الزمر: 22]. وبعض القلوب بمرتبة الحجر القاسى الذى لا يؤثر فيه القرآن والاخبار والحكمة والموعظة وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق فانه قلب مختوم عليه {وما الله بغافل عما تعملون} فيجازيكم عاجلا وآجلا فاما عاجلا بان يجعل انكاركم سبب مزيد قسوة قلوبكم فيقسيها باعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع انكاركم قال عليه السلام "حديث : ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن فان شاء اقامه وان شاء ازاغه ". تفسير : واما آجلا فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيآت اعمالكم كذا فى التأويلات النجمية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: القسوة والقساوة: هي الصلابة واليبوسة، كالشقوة والشقاوة، يقال حجر قاس، أي: يابس. قال الشاعر: شعر : وَلاَ أرَى أثراً لِلذِّكرِ في جَسدِي والحَبلُ في الجَبَل القاسِي لهُ أثرُ تفسير : و {أو} للإضراب، أو بمعنى الواو، أو للتنويع، فبعضها كالحجارة وبعضها أشد. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم} يا معشر اليهود، ويبست فلم تلن ولم تخضع، مع ما رأت من الآيات كانفجار الحجر بالماء في التيه، وإنزال المنّ والسلوى، وتظليل الغمام، وإحياء الميت وغير ذلك. قال الكلبي: (أنكروا بعد ما رأوا ذلك، وقالوا: ما قتلنا، فما كانوا قد أعمى قلباً، ولا أشد تكذيباً منهم لنبيهم عند ذلك) فقلوبهم كالحجارة، بل أشد، أو إن شَبَّهْتم قلوبهم بالحجارة أصبتم، وبما هو أشد أصبتم، بل في الحجارة فضل عليها في اللين، فإن منها ما تتفجر {مِنْهُ الأنْهَارُ} الكبار، ومنها ما تشقق {فَيَخْرُجُ مِنْهُ} العيون الجارية، ومنها ما تهبط من رأس الجبل {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}. وفي بعض الأخبار: "كل حجر تَرَدَّى من رَأسِ جبلٍ فهو من خشية الله"، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير، نسأل الله السلامة بمنَّه وكرمه. الإشارة: كل مَن أساء الأدب مع أستاذه، أو خرج عن دائرته إلى غيره، قسا قلبه، وذهب حاله ولُبه، فإن رجع قريباً واستدرك ما فات، لان قلبه ونهض حاله، وإلا وقع في مهاوي القطيعة، ولم يأت منه شيء، وللقلب القاسي علامات: منها جمود العين، وطول الأمل، وعدم الحزن على ما فاته من الطاعات وما صدر منه من السيئات، وعدم الفرح بما يصدر منه من الطاعات، فإن المؤمن تسره حسناته وتسيئه سيئاته، ودواؤه: صحبة الفقراء الذاكرين الخاشعين، والجلوس بين يدي العارفين الكاملين، وتعاهد الصيام، والصلاة بالليل والناس نيام، والتضرّع إلى الحيّ القيوم الذي لا ينام، وللشافعي رضي الله الله عنه: شعر : ولَمَا قَسَا قَلْبِي وضَاقَتْ مَذَاهِبي جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لعَفْوِك سُلَّمَا تَعَاظَمنِي ذَنْبي فَلمَّا قَرَنْتُه بعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا تفسير : قوله تعالى:{أية : وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ}تفسير : [البَقَرَة: 74] كذلك القلوب القاسية إذا لانت بالإنابة إلى ربها، والرجوع عن مألوفاتها، تتفجر منها أنهار العلوم، وتشقق منها أسرار الحِكَم، ومنها من تذوب من هيبة المتجلي لها، فتندك جبالها، وتزلزل أرض نفوسها، كما قال القائل: شعر : لَو عَايَنتْ عَينَاكَ يومَ تزلزلتْ أَرضْ النفُوس ودُكَّتِ الأجْبَالُ لَرأَيتَ شَمسَ الحقِّ يسطعُ نورُها حِينَ التزَلْزلِ، والرجَالُ رجالُ تفسير : والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وحده ها هنا عما يعملون بالياء الباقون بالتاء. الخطاب بقوله: {قلوبكم} قيل فيمن يتوجه اليه قولان: احدهما ـ انه اريد بنو اخى المفتول حين انكروا قتله بعد ان سمعوه منه عند احياء الله تعالى له، انه قتله فلان. هذا قول ابن عباس. والثاني ـ قول غيره: أنه متوجه إلى بني اسرائيل كلهم. قال: وقوله: {من بعد ذلك} اي من بعد آيات الله كلها التي اظهرها على يد موسى. وعلى الوجه الاول يكون ذلك اشارة إلى الاحياء. ومعنى {قست قلوبكم} اي: غلظت ويبست وعتت. اللغة: القسوة: ذهاب اللين، والرحمة والخشوع، والخضوع. ومنه يقال: قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة. وقوله من بعد ذلك اي من بعد احياء الميت لكم ببعض من اعضاء البقرة بعد ان تدارأوا فيه واخبرهم بقاتله، والسبب الذى من اجله قتله. وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهد هذا ان يخضع ويلين قلبه. ويحتمل ان يكون من بعد احياء الميت. والآيات الاخرى التي تقدمت كمسخ القردة والخنازير ورفع الجبل فوقهم وانبجاس الماء من الحجر وانفراق البحر وغير ذلك. وانما جاز ذلك وان كانوا جماعة. ولم يقل ذلكم، لان الجماعة: في معنى الجمع والفريق. فالخطاب في لفظ الواحد ومعناه جماعة. قوله: {فهي كالحجارة} يعني قلوبهم، فشبهها بالحجارة في الصلابة واليبس والغلظ والشدة: اي اشد صلابة، لامتناعهم بالاقرار اللازم من حقه الواجب من طاعته بعد مشاهدة الآيات. ومعنى "أو" في الآية: يحتمل امور: احدها ذكره الزجاج: فقال هي بمعنى التخيير كقولك جالس الحسن او ابن سيرين ايهما جالست جائز، فكانه قال: ان شبهت قلوبهم بالحجارة جاز، وان شبهتها بما هو اصلب كان جائزاً. والثاني ان تكون "أو" بمعنى الواو. وتقديره: فهي كالحجارة واشد قسوة، كما قال: {أية : وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون}تفسير : ومثله قول جرير: شعر : نال الخلافة او كانت له قدرا كما اتى ربه موسى على قدر تفسير : وقال توبة ابن الحمر: شعر : وقد زعمت ليلى باني فاجر لنفسي تقاها او عليها فجورها تفسير : اي وعليها. ومثله قوله تعالى: {أية : ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن او آباء بعولتهن} تفسير : ... الآية. والثالث ان يكون المراد الابهام على المخاطبين كما قال ابو الاسود الدؤلي: شعر : احب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة والوصيا فان يك حبهم رشداً اصبه ولست بمخطىء إن كان غيا تفسير : وأبو الاسود لم يكن شاكا في حبهم ولكن ابهم على من خاطبه. وقيل لابي الاسود حين قال ذلك: شككت قال كلا ثم استشهد بقوله تعالى: {أية : قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ظلال مبين} تفسير : افتراه كان شاكا حين اخبر بذلك. والرابع ـ ان يكون اراد بل اشد قسوة، ومثله {وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون} اي بل يزيدون، ولا تكون بل للاضراب عن الاول بل مجرد العطف. والخامس ـ انها كالحجارة، أو اشد قسوة عندكم. والسادس: ان يكون اراد مثل قول القائل اطعمتك حلواً وحامضاً وقد اطعمه النوعين جميعاً. وهو انه لم يشك انه اطعمه الطعمين معاً فكأنه قال: فهي كالحجارة او اشد قسوة. ومعناه ان قلوبهم لا تخرج من احد هذين المثلين. اما ان تكون مثلا للحجارة القسوة. واما ان تكون اشد منها. ويكون معناه على هذا بعضها كالحجارة قسوة وبعضها اشد قسوة من الحجارة. وكل هذه الاوجه محتملة واحسنها الابهام على المخاطبين. ولا يجوز ان يكون المعنى الشك، لأن الله تعالى عالم لنفسه لا يخفى عليه خافية. وكذلك في امثال ذلك نحو قوله: {فكان قاب قوسين أو أدنى} وغير ذلك وانشدوا في معنى او يراد به بل قول الشاعر: شعر : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى فصورتها او انت في العين املح تفسير : الاعراب: يريد بل انت. والرفع في قوله: {أو أشد قسوة} يحتمل امرين: احدهما ـ ان يكون عطفاً على معنى الكاف التي في قوله: كالحجارة، لان معناها، فهي مثل الحجارة. والآخر: ان يكون عطفاً على تكرير هي، فيكون التقدير فهي كالحجارة او هي اشد قسوة من الحجارة. وقرىء بنصب الدال شاذاً فيكون نصبه على ان موضعه الجر بالكاف وانما نصب على انه وزن افعل لا ينصرف. وقوله: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار}. المعنى: معناه ان من الحجارة ما هو انفع من قلوبهم القاسية، يتفجر منها انهار، وان منها لما يهبط من خشية الله، والتقدير ان من الحجارة حجارة يتفجر منها انهار الماء فاستغنى بذكر الانهار عن ذكر الماء. وكرر قوله منه للفظ ما. اللغة: والتفجر: التفعل من فجر الماء: وذلك اذا نزل خارجاً من منبعه وكل سائل شُخص خارجاً من موضعه، ومكانه فقد انفجر. ماء كان او دماء او حديد او غير ذلك. قال عمر بن لحاء: شعر : ولما أن قربت إلى جوير ابى ذو بطنه إلا انفجار تفسير : يعني خروجاً وسيلانا. وقوله: {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} تشقق الحجارة انصداعها واصله يتشقق، لكن التاء ادغمت في الشين فصارت شيئا مشددة. وقوله: {فيخرج منه الماء}. المعنى: يعني فيخرج منه الماء فيكون عينا نابعة لا انها جارية حتى يكون مخالفا للاول. وقال الحسين بن علي المغربي: الحجارة الاولى حجارة الجبال تخرج منها الانهار. والثانية حجر موسى الذي ضربه فانفجر منه عيون، فلا يكون تكراراً. وقوله: {وإن منها لما يهبط من خشية الله}. قال ابو علي والمغربي: معناه بخشية الله، كما قال: يحفظونه من امر الله اي بامر الله. قال وهي حجارة الصواعق والبرد. والكناية في قوله منها قيل فيها قولان: احدهما: انها ترجع إلى الحجارة، لانها اقرب مذكور. وقال قوم: انها ترجع إلى القلوب لا الى الحجارة. فيلون معنى الكلام. وان من القلوب لما يخضع من خشية الله، ذكره ابن بحر وهو احسن من الاول. ومن قال بالاول اختلفوا فيه. فمنهم من قال: إن المراد بالحجارة الهابطة البرد النازل من السحاب. وهذا شاذ، لم يذكره غير ابي علي الجبائي. وقال الاكثر إن المراد بذلك الحجارة الصلبة، لانها اشد صلابة. وقالوا في هبوطها وجوهاً: احدها ـ ان هبوط ما يهبط من خشية الله تفيء ظلاله. وثانيها انه الجبل الذي صار دكا لما تجلى له ربه. وثالثها ـ قاله مجاهد: إن كل حجر تردى من رأس جبل فهو من خشية الله ورابعها ـ ان الله تعالى اعطى بعض الجبال المعرفة، فعقل طاعة الله تعالى، فاطاعه كالذي روي في حنين الجذع. وما روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" انه قال:حديث : إن حجراً كان يسلم عليّ في الجاهلية إني لا اعرفه الآن . تفسير : وهذا الوجه فيه ضعف، لأن الجبل ان كان جماداً، فمحال ان يكون فيه معرفة الله. وان كان عارفا بالله وبنيته بنية الحي فانه لا يكون جبلا. وأما الخبر عن النبي (ع) فهو خبر واحد. ولو صح، لكان معناه ان الله تعالى احيا الحجر فسلم على النبي "صلى الله عليه وسلم" ويكون ذلك معجزاً له "ع". واما حنين الجذع فان الله تعالى خلق فيه الحنين، فكان بذلك خارقا للعادة، لأنه اذا استند اليه النبي "صلى الله عليه وسلم" سكن واذا تنحى عنه، حنّ وقال قوم: يجوز ان يكون الله تعالى بنى داخله بنية حي، فصح منه الحنين. وقال قوم: معنى {يهبط من خشية الله} إنه يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل ناقة تاجرة. اذا كانت من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها: كما قال جرير بن عطية: شعر : واعور من نبهان اما نهاره فاعمى، واما ليله فبصير تفسير : فجعل الصفة لليل والنهار. وهو يريد صاحبه النبهاني الذي يهجوه بذلك من اجل انه كان فيهما على ما وصفه به. والذي يقوى في نفسي ان معنى الآية الابانة عن قساوة قلوب الكفار، وان الحجارة ألين منها، لو كانت تلين لشيء، للانت وتفجرت منها الانهار، وتشققت منها المياه، وهبطت من خشية الله. وهذه القلوب لا تلين مع مشاهدتها الآيات التي شاهدتها بنو اسرائيل: وجرى ذلك مجرى ما يقوله تعالى: {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} تفسير : ومعناه لو انزلنا هذا القرآن على جبل، وكانت الجبال مما تخشع لشيء ما، لرأيته خاشعاً متصدعاً وكقوله تعالى: {أية : ولو أن قرأناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} تفسير : إلى آخرها سواء. وادخلت هذه اللامات فيها تأكيداً للخبر. ويجوز في قوله {فهي كالحجارة} اسكان الهاء وقد قرىء به، لأن الفاء مع الهاء قد جعلت الكلمة بمنزلة تخذ فتحذف الكسرة استثقالا. المعنى: والمعنى في الآية: انه تعالى لما اخبر عن بني اسرائيل وما انعم عليهم به، واراهم من الآيات، وغير ذلك، فقال مخبراً عن عصيانهم، وطغيانهم {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة، أو أشد قسوة} ثم اخبر تعالى انه لا امتناع عند الحجارة مما يحدث فيها من امره، وان كانت قاسية، بل هي متصرفة على مراده لا يعدم شيء مما قدر فيها. وبنو اسرائيل مع كثرة نعمه عليهم وكثرة ما أراهم من الآيات، يمتنعون من طاعته، ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه، بل تقسو وتمتنع من ذلك. وقوله: {وإن منها لما يهبط من خشية الله} أي عند ما يحدث فيها من الآية الهائلة: كالزلازل وغيرها، واضاف الخشية إلى الحجارة. وان كانت جماداً على مجاز اللغة والتشبيه. والمعنى في خشوع الحجارة انه يظهر فيها ما لو ظهر في حي مختار قادر، لكان بذلك خاشعاً. وهو ما يرى من حالها. وانها منصرفة لامتناع عندها مما يراد بها. وهو كقوله: {أية : جداراً يريد أن ينقض} تفسير : لأن ما ظهر فيه من الميلان، لو ظهر من حي لدل على انه يريد أن ينقض، ليس ان الجدار يريد شيئاً في الحقيقة، ومثله {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده}تفسير : وقوله: {أية : الم تر أَن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس}تفسير : وقوله: {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : وقال زيد الخيل: شعر : بجمع تظل البلق في حجراته ترى الاكم فيه سجداً للحوافر تفسير : فجعل ما ظهر في الاكم من آثار الحوافر، وقلة امتناعها عليها، مدافعتها لها كما يدافع الحجر الصلب الحديد الصلب سجوداً لها، ولو أن الاكم كانت في صلابة الحديد حتى يمتنع من الحوافر، ولا تؤثر فيها، ولا تذهب يميناً ولا شمالا، ولا تظاهر بكثرة تزداد الحوافر عليها، ما جاز ان يقال: انها تسجد للحوافر. وقال ابن حمزة: شعر : وعرفت من شرفات مسجدها حجرين طال عليهما القصر ركب الخلاء فقلت اذ بكيا ما بعد مثل بكاهما صبر تفسير : وقال جرير: شعر : لما اتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : فصيرها متواضعة. والعرب يفهم بعضها مراد بعض بهذه الاشياء. فمن تعلق بشيء من هذا ليطعن به، فانما يطعن على لغة العرب بل على لغة نفسه من اهل أي لغة كان. فان هذا موجود متعارف في كل لغة، وعند كل جيل. وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} من قرأ بالتاء، قال: الخطاب متوجه إلى بني اسرائيل فكأنه قال: وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته والجاحدين بنبوة محمد "صلى الله عليه وسلم" عما تعملون. ومن قرأ بالتاء فكان الخطاب لغيرهم والكناية عنهم. والغفلة عن الشيء تركه على وجه السهو والنسيان فأخبرهم الله تعالى انه غير غافل عن اعمالهم السيئة ولا ساه عنها.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} لا تلين بالرّحمة والخير {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} يعنى ما جعلناه سبباً لرقّة قلوبكم صار سبباً لقسوته فانّ تعقيب القساوة لاراءة الآيات يشعر بسببيّتها لها، وهذا ذمّ بليغ لهم لأنّه يشعر بأن خباثة طينتهم جعلت ما كان سبباً لهدايتهم وادراكهم سبباً لقساوتهم وبلاهتهم {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} اى فصارت كالحجارة لكنّه عدل الى الاسميّة اشعاراً بتمكّنهم فى القسوة او فعلهم أنّها كالحجارة فيكون عطفاً باعتبار لازم الحكم {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} بل أشد قسوة وقرء أشدّ بالفتح عطفاً على محلّ الحجارة {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} عطف فى موضع التّعليل او حال كذلك {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ} الّذى هو دون النّهر مثل العيون القليلة الماء {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} ينهار فينحدر من أعلى الجبل الى أسفله انقياداً لأمر الله التّكوينىّ او يتناثر فيهبط من أطراف الاحجار الباقية فى الجبل فيهبط انقياداً للامر التّكوينىّ، واستعمال الخشية مجازٌ او محمولٌ على انّ كلّ الممكنات لها علم وشعور وشوق وخوف وخشية {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} توعيدٌ لهم ثمّ صرف الخطاب عنهم بعد ما وبّخهم الى المؤمنين فقال {أَفَتَطْمَعُونَ}.

اطفيش

تفسير : {ثُمّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ}: عطف على محذوف، أى فعقلتم ثم قست قلوبكم، أو فتذكرتم ثم قست قلوبكم، أو لنتم ثم قست قلوبكم أيها اليهود، ومعنى قسوتها امتناعها عن قبول الحق، شبّه عدم تأثير الحق فيها بعدم تأثير الغمز فى الأجسام الصلبة كالحجر والحديد، أو شبه قلوبهم بالأجسام الصلبة، ففى ذلك استعراة بالكناية رمز إليها بقست، أو شبه عدم قبول الحق بقسوة الأجسام الصلبة، فالاستعارة تصريحية تبعية، أو شبه توجيه الحق إلى قلوبهم وامتناعها عن قبولها بتوجيه نحو الغمز إلى الأجسام الصلبة وعدم تأثيره فيها، فهى استعارة تمثيلية تبعية، ولاعتبار الاستعارة بأوجهها حسن التفريع بقوله فهى كالحجارة، ولك أن تعتبر التعقل الصادر منهم أو التذكر أو اللين الصادر منهم كلا تعقل أو تذكر أو لين لعدم كماله ورسوخه، فتكون ثم لغير التراخى فى الزمان بلا لاستبعاد قسوة القلوب بعد تلك الآيات العظام، فإن نور العقل يستبعدها وتكون عنده مستحيلة، فيجوز العطف بثم على المحذوف الآخر، وهو قولنا فحيى أو على يريكم وما ذكرته أولا أولى، ويدل له قول قتادة وغيره المراد قلوب بنى إسرائيل جميعاً فى معاصيهم وما ركبوه بعد ذلك، وكذا يدل له قوله: {من بعد ذلك} فإن ذلك يناسب كونها للتراخى فى الزمان على الأصل فيها. {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: المذكور فى إحياء القتيل أو المذكور من إحياء القتيل وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، ورفع الجبل، وفرق البحر، ونحو ذلك فإن كل واحد من ذلك مما يوجب الأيمان ولين القلب والعمل بالشرع. {فَهِىَ}: أى قلوبهم. {كَالْحِجَارَةِ}: فى قسوتها. {أَوْ أَشَدُّ}: منها فحذفه لدليل كقولك عمروٌ وكريمٌ وزيدٌ أكرم أى منه. {قَسْوَةً}: أى أو زائدة على الحجارة فى القسوة، وقسوة تمييز، ويجوز أن يكون المعنى أنها مثل الحجارة أو مثل ما هو أشد من الحجارة وهو الحديد مثلا، ووجه التوصل إلى هذا الوجه أن تجعل الكاف اسماً ظاهراً فى محل رفع لا حرفاً، والحجارة مضاف إليها وأشد بالرفع معطوفاً على الكاف على حذف مضاف، أى أو كأشد فالكاف معطوفة على الكاف، وأشد مضاف إليهِ فلما حذف المضاف وهو الكاف الثانية ناب عنه المضاف إليه وهو أشد فارتفع وهذا على إجارة مجئ الكاف اسماً فى السعة، وإن تجعل أشد معطوفاً على ثابتة المقدر قبل الكاف أو على كالحجارة النائب عنهُ على مقدر مضاف، أى أو مثل أشد منها، ويدل على المعنى الثانى وهو أنها كالحجارة، أو مثل ما هو أشد بوجهى التوصل إليه. قرأه الحسن البصرى والأعمش، أو أشد بفتح الدال جراً عطفاً على الحجارة، فهو بمنزلة قولك كالحجارة أو أشد قسوة، ولا يخفى أن الحديد أقوى من الحجر وأقسى، فإنهُ يكسر الحجر ولا يكسره الحجر إلا بعد اللذيا واللتيا وإلا ما رق منه أو داخلته علة، ولا يخفى أيضاً أن الحجر لا يقبل الغمز والحديد يقبله بشدة، ويقبله بالنار، فجاز أن يقال أو مثل أشد من الحجارة وهو الحديد مثلا من حيث أنهُ يكسر الحجر، وقد يقال أشد منه ليس مراداً به الحديد، لأن الكلام فى عدم الليانة والحديد يلين بالنار، بل المراد بأشد الجسم الصلب الذى لا يلين بها، لكن هذا باعتبار الغالب فى أعمال الناس وإلا فالحجارة أيضاً تلين بالنار، لأنها تذوب بعقاقيرها، ولا يستدل على لين الحديد بلينه لداود ـ عليه السلام ـ بلا نار، لأنهُ أمر خارق للعادة، وإنما لم يقل فهى كالحجارة أو أقسى، مع أن قسا يقسو مستكمل لشروط صوغ اسم التفضيل، لأن بعض أشد أدل على فرط القسوة من لفظ أقسى، ولأنهُ يدل على شدة قسوة قلوبهم على شدة قسوة الحجارة، فإن المفضل والمفضل عليه مشتركان فى أصل ما فيه التفضيل، وذكر بعض أنهُ لم يكمل شروط اسم التفضيل لأنه من الأمور الخلقية والعيوب، وقرئ: قيساوة أو على أصلها من الدلالة على النسبة لأحد الشيئين أو الأشياء، فهى للشك باعتبار المخلوق، يعنى أن من عرف حال قلوبهم تردد بين أن يشبهها بالحجارة أو بما هو أشد منها، واختار أبو حيان أنها للتنويع، أى منها ما هو كالحجارة ومنها ما هو أشد، ومن أجاز وقوع أو التخييرية أو الإباحية بعد غير الأمر والنهى أجاز أن تكون هنا للتخيير أى الناس مخيرون بين أن يشبهوا قلوبكم يا بنى إسرائيل بالحجارة أو بما هو أشد أو للإباحة أى أبيح للناس أن يشبهوها بالحجارة أو بما هو أشد لصدق من يشبهها بالحجارة، ولصدق من يشبهها بالحديد، لأن فيها شدة الحجارة وشدة ما هو أقوى منها، ويجوز أن يكون للإضراب كبل، وعليهِ اقتصر الشيخ هود رحمه الله. قال ابن هشام: أو بمعنى بل، عند الفراء: أى بل أشد. وقال بعض البصريين: للإبهام، وقيل للتخيير، أى إذا رأهم الرائى تحير بين أن يقول كالحجارة أو أشد، نقله ابن الشجرى عن سيبويه، وفى ثبوته عنه نظر إذ لا يصح التخيير بين شيئين، الواقع فى نفس الأمر أحدهما لا غير انتهى. قلت: يصح لأن معنى التخيير أنهُ مخير باعتبار قصور نظره، ويقدر فى قوله كما يخير فى أمور شرعية، ويعذر ولو لم يوافق الحق عند الله وكما يخير فى شيئين، وقد قضى الله فى الأزل بأحدهما، قال: وقيل هى للشك مصروفاً إلى الرأى، ذكره ابن جنى، ولا يجوز أن تكون بمعنى الواو انتهى. قلت: يجوز أن تكون بمعنى الواو فإن فى الحديد مثلا قوة الحجارة وزيادة، فما أشبه الحديد قد أشبه الحجارة أيضاً، ففى قلوبهم قسوة الحجارة، والقوة التى زيدت فى الحديد مثلا، روى البزاز عن النبى صلى الله عليهِ وسلم: "حديث : أربعة من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا"تفسير : . قال الغزالى فى المنهاج: أول الذنب قسوة وآخره ـ والعياذ بالله ـ شؤم وشقوة، وسواد القلب يكون من الذنوب، وعلامة سواد القلب ألا تجد للذنوب مفرعاً، وللطاعة موقعاً، وللموعظة منجعاً. {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ}: نتفتح بسعة وكثرة وقرئ هنا وفى الذين بعد هذا، وإن بإسكان النون، فتكون أن مخففة، واللام فى قوله لما فارقه بين النفى والإثبات. وقرأ مالك بن دينار: ينفجر بالنون الساكنة. رحمه الله. {مِنْهُ الأَنهَارُ}: والمراد كل حجر من الحجارة التى انفجر منها عين كبيرة. وقيل أراد الحجر الذى يضرب عليه موسى، والاثنى عشر عينا التى تتفجر منه. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ}: ينخرق طولا وعرضاً. {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ}: فيكون عينا صغيرة، والأصل يتشقق أبدلت التاء شيناً، وأدغمت الشين فى الشين، وقرأ الأعمش: يتشقق على الأصل. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ}: وقرئ بضم الباء الموحدة، أى ينزل من علو لأسفله، وقيل هبوط الحجر بفئ ظله. {مِنْ خَشْيَةِ اللهِ}: يخلق الله جل وعلا فيه تمييزاً فيخاف الله خوفاً مقروناً بتعظيم، فينزل لتلك الخشية، فمن للتعليل، ويجوز أن تكون الخشية مجازاً عن الانقياد لما أراد الله سبحانه به، ثم رأيت الوجه والحمد لله، ذكره النسفى مستدلا له بقوله عز وجل: {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} تفسير : واختاره ابن عطية، قال بعض: يخلق فى بعض الأحجار خشية يهبط بها من علو تواضعا، ويأتى كلام فى (سبحان) إن شاء الله، والأول للقاضى كجار الله، ويجوز عود قوله: {أية : من خشية الله} تفسير : إلى قوله: {يتفجر} وقوله: {يشقق} وقوله: {يهبط} فهو متنازع فيه، ويدل له قول مجاهد: ما تردى حجر من رأس جبل ولا تفجر نهر من حجر، ولا خرج ماء منه إلا من خشية الله ـ عز وجل ـ نزل بذلك القرآن. وقال مثله ابن جريج وقوله تعالى: {وإن من الحجارة} إلى قوله: {من خشية الله} تعليل فى المعنى لقوله: {أو أشد قسوة} ومعطوف فى اللفظ على قوله {هى كالحجارة} ومن يزعم أن الواو تكون للتعليل كالفاء قال إنه تعليل فى اللفظ والمعنى، كأنه قيل أو أشد قسوة من الحجارة، لأن الحجارة يتأثر فيها كلام الله وجلاله وتطاوع فيما أريد منها فمنها ما يتفجر منه العيون، ومنها ما يتشقق فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله، وقلوبكم لا يؤثر فيها ذلك ولا تطاوع فهى لا تلين ولا تخشع. قال الشيخ هود ـ رحمه الله ـ وقتادة: عذر الله الحجارة ولم يعذر شقىّ بنى آدم، يعنى أنه تعالى ذكر عن الحجر الإذعان والامتثال فهو غير مقطوع العذر عند الله لأنه ممتثل. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}: ولكن يؤخركم لوقت يأتى لا محالة، فيجازيكم على ما تعملون من المعاصى المترتبة على قسوة القلوب، أو من قسوة القلوب، لأنها حصلت بأسبابكم وذلك وعيد، قال أبو عمر والدانى: قرأ ابن كثير:{وما الله بغافل عما يعملون} بالتحتية والباقون بالفوقية، وفى التحتية طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، فإن الخطاب فى قلوبكم لبنى إسرائيل وكذا فى (تعلمون) فى قراءة الفوقية، ولا يخفى أن فى التحتية انضماماً إلى قوله: {أن يؤمنوا لكم} وليس فى الفوقية انضمام إلى قوله: {أفتطمعون} لأن الخطاب فى تعلمون ليس لهم وليس كما قيل: إن نافعاً وابن كثير ويعقوب وخلفا وأبا بكر يقرءون بالتحتية، والباقين بالفوقية، قالوا: [من قسا قلبه على أخيه أو ضاق صدره على أهله أو تغير عن حاله الحسن فليأخذ شقف فخار جديد عمل من طين طيب الرائحة كما طلع من التنور، ويكتب فيه بقلم شجرة الآس قوله تعالى: {ثم قست} إلى قوله: {عما تعملون} بنية الشخص الذى يريد أن يلين قلبه، بعسل لم تمسه النار، وخل خمر يدبر الكتابة سبع مرات ويرمى به فى القدح الذى يشرب منه المعمول لهُ فإنهُ يرجع إلى حالهِ الأول إن شاء الله. وإذا تغير السلطان على الرعية فليكتب فى قرطاسه كما تكتب فى الشقفة باسمه واسم أمه، ويجعل فى أعلى موضع من الجبل، فإن سيرتهُ تصلح بإذن الله، وكذا إذا انقطع عليه البئر أو العين أو قل فاكتبها فى شقف طين وارمه فى البئر يكثر ماؤها بإذن الله، وكذلك إذا قل لبن شاة أو بقرة فاكتبها فى طاسة نحاس وامحها بماء طاهر واسقها منه، فإن اللبن يكثر بحول الله تعالى].

الخليلي

تفسير : عطف المذكور هنا على ما قبله بـ"ثم" لإِفادة المهلة الرتبية التي كثيرا ما تفيدها هذه الأداة العاطفة في عطف الجمل بعضها على بعض، وذلك أن من شأن الآيات الجلية والمعجزات الحسية أن ترق لها القلوب وتتأثر بها النفوس فإذا كانت آثارها عكس ذلك فهي حرية بأن يعجب منها ويستغرب من شأنها. فمع ما ذكر من الآيات لا يبقى في نفوس السامعين شك في أن الذين خصوا بها سيقلعون عن كل غي ويرجعون عن كل شطط إلا أن الواقع لما كان خلاف ذلك عطف بيانه بـ "ثم" للاتنقال بهم من النتيجة التي كانوا يرجونها إلى النتيجة التي صاروا يرونها. والمشار إليه بذلك قيل هو هذه الآية وحدها وهي إحياء قتيل بضربه ببعض حيوان أُمِيت، وقيل: هو جميع الآيات والنعم والعقوبات التي تتابع ذكرها من قوله سبحانه: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ...} لأن كلا من ذلك من دواعي الرشد والإِقلاع عن كل غي، وكلا الأمرين محتمل. وفي قوله: {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} تأكيد للتعجيب من حالهم. وذهب الإِمام محمد عبده إلى أن الذين نودي عليهم بالقسوة هنا هم الذين جاءوا بعد سلفهم الأولين الذين شاهدوا تلك الآيات، واستدل لما ذهب إليه بهذا العطف المقتضي للمهلة، وهو قول غير سديد، فإن ثم كما تفيد المهلة الزمنية تفيد المهلة الرتبية، بل ذهب كثير من علماء الإِعراب إلى أنها إن عطفت جملة على أخرى لا تفيد إلا المهلة الرتبية، وقد سبق بيان ذلك، والتأريخ الإِسرائيلي المستفاد من القرآن ومما بأيدي اليهود أنفسهم من كتب يعتبرونها سواء كانت مقدسة أو غير مقدسة يدل على مدى قسوة قلوب الذين عاصرهم موسى عليه السلام منهم، وغلظ أكبادهم، والتواء مسلكهم، وهذا الذي أدى بهم إلى تحريم الأرض المقدسة عليهم، فبقوا في التيه يترددون أربعين سنة حتى انقرض ذلك الجيل وعقبه جيل له خصائص إيمانية ففتح الله على أيديهم الأرض واستخلفهم فيها، وجعل فيهم أنبياء وجعلهم ملوكا، وآتاهم من فضله ما فضلهم به على عالمي زمانهم، حتى نشأ فيهم مرة أخرى الداء العضال الذي كان في آبائهم الأقدمين، فأبدلهم الله بقوتهم ضعفا، وباجتماعهم تشتتا، وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباءوا بغضب من الله. وعلى قول الإِمام محمد عبده فالبعدية الواردة في الجملة المعطوفة - وهي قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} - واضحة لأنها بعدية زمانية، وأما على القول الذي اخترته فقد يتبادر منها إشكال، ذلك لأن القسوة حاصلة فيهم قبل القصة وأثناءها، وبعدها إن قلنا إن الاشارة بذلك خاصة بهذه القصة بالذات، كما أنها حاصلة فيهم في جميع أحوالهم وهم يرون آيات الله تعالى، وينعمون تارة بلطف آلائه، ويتململون أخرى تحت وطأة بلائه إن قلنا إن الإِشارة شاملة لكل ما سبق ذكره عنهم من إنجائهم من عدوهم، وابتلائهم مرة بالنعم وأخرى بالنقم، وينجلي عنكم غيم هذا الإِشكال عندما تعلمون أن البعدية لا يلزم أن تكون زمانية بل تكون أيضا باعتبار بُعدِ الوصف الذي يليها في الذكر في درجات الخير أو دركات الشر، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} تفسير : [القلم: 10-13]، فإن كونه عتلا وزنيما سابق في الوجود على الأوصاف المتقدمة في الذكر، لأنهما صفتا ذات، وتلك صفات فعل، وإنما ذكرا إثر "بعد" للاعتبار الذي ذكرته. والقسوة الشدة والصلابة، وهي وضعا خاصة بالأجسام كالصخر والحديد، ثم استعملت في المعاني كالعقل والوجدان، وهما المعبر عنهما بالقلوب هنا، وفي كثير من آيات القرآن، وطريقة هذا الاستعمال ما يسمى الاستعارة بالكناية، فإن من شأن الأجسام القاسية كالصلد والحديد أن لا يتخللها الماء ولا الهواء، وكذا القلوب المراد بها العقل والوجدان، فإن الموعظة والتذكير لا يجدان إليها سبيلا، فأشبهت الأجسام الصامتة وقد شاع هذا الاستعمال وصار مجازا مشهورا لا يحتاج إلى قرينة حتى عده بعضهم حقيقة عرفية. وبعد هذا الوصف الموحى بالتشبيه صرح به قوله: {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} لتجلية المفهوم المعنوي في صورة المشاهد الحسي، فإن الناس أدرى بما يحسونه منهم بما يفهمونه، وقد بٌني هذا التشبيه على ما قبله بالفاء للإِشعار بأنه مفرع عنه. و"أو" موضوعة للشك، وهو مستحيل في جانب من يعلم الخفايا كالظواهر، وإنما روعي المخاطبون وما هم به أحرياء من الشك في مدى قسوة أولئك المعنيين، هل هي كقسوة الحجارة - التي اشتهرت بشدة القسوة في أوساط الناس، خصوصا في جزيرة العرب حيث تنزل القرآن، لما فيها من الجبال الغليظة ذات الصخور الصلدة - أو أشد منها كالأجسام المتلاحمة ذراتها كالحديد؟ وقيل: إن "أو" للإِضراب كما هي في قوله تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 147]، أي بل يزيدون، وعليه فإن قلوب هؤلاء جديرة بتشبيهها بما هو أقسى من الحجارة، وإنما ذكرت الحجارة في التشيبه لمعرفة الناس بها، وكونها عندهم مثلا في الغلظة. وقيل هي معنى الواو نحو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الانسان: 24]، أي وكفورا، لأن الكفور لا يكون إلا آثما، وقيل هي للتخيير نحو قوله تعالى: {أية : أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} تفسير : [المائدة: 89]، ومقتضى هذا التخيير أن السامع مخير بين تشبيه قسوتهم بالحجارة وتشبيهها بما هو أغلظ منها، وقيل: هي للتنويع، فبعض قلوبهم كالحجارة، وبعضها أقسى منها لأن القساة متفاوتون في إظلام عقولهم، وغلظة أحاسيسهم، وتعنتهم على الحق، ومقاومتهم لأهله، وسائر أوصاف الشر، كما أن ذوي العقول النيرة والمشاعر الرقيقة متفاوتون أيضا في أوصاف الخير، وهو رأي سائغ. وبعد هذا التأكيد على تفوق قلوبهم في القسوة ذكر سبحانه وتعالى ما للحجارة من مزايا خيرية ليست في هذه القلوب ليكون في ذلك دليل على التفاوت بين قلوبهم المشبهة والحجارة المشبهة بها وتفوق قلوبهم في وجه الشبه وهو القسوة، وصُدور ذلك بإن التوكيدية المفيدة لأهمية خبرها والمؤذنة بالتعليل. ومن لطائف التعبير اتباع أداة التأكيد المصدر بها بمن المفيدة للتبعيض للإِيذان بأن الأحجار ليست كلها مشتركة في هذه المزية، وإنما هي لنوع خاص منها، وهو ما يفيده علم طبقات الأرض الحديث، وخلاصته: (أن مياه الأمطار النازلة على الأرض تتخللها تدريجيا حسبما تقتضيه سنة الجاذبية في النزول إلى الأسفل، فإذا تكاثر تصاعد إما لضغط ثقله عليه أو لضغوط أهوية الأرض، ولا تقف في وجه تصاعده الطبقات الترابية لعجزها عن مقاومته فإن من شأن التراب أن يتخلله الماء، ولكن تعترضه الطبقات الصخرية فتمنعه من تصاعده إلا إن كانت هذ الصخور مركبة من مواد كلسية وكان الماء مختلطا بأجزاء من معدن الحامض الفحمي الذي له خاصية تحليل الكلس، ففي هذه الحالة تتشقق تلك الصخور فيخرج منها لماء نابعا كالعيون، وإذا اجتمعت هذه العيون في موضع نشأت عنها الأنهار الكبيرة، وأما غير الصخور الكلسية فلا يفتتها الماء إلا إذا اقترن بعوامل أخرى كالزلازل). وهذه الدقة في التعبير كما تعد أسلوبا بيانيا بليغا صالحة لأن تعد من وجوه الإِعجاز العلمي في هذا الكتاب المنزل في وقت لم يدرس فيه علم طبقات الأرض. ولأولي العناية بإعراب القرآن أقوال في الواو من قوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ} أظهرها ما استظهره ابن عاشور أنها اعتراضية، وأن هذه الجملة وما يليها جمل معترضة بين قوله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} وجملة الحال منها وهي قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. واختلف في المراد بالخشية من قوله سبحانه: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} فأكثر مفسري السلف ومن تبعهم يرونها خشية حقيقية تكون في الأحجار وغيرها من مخلوقات الله نعجز عن تصور كيفيتها، وذهب بعض السلف وكثير من الخلف إلى أنها ليست حقيقة لأنها في الأصل خوف باعث على اتقاء الخائف سخط المخوف، وحقيقتها الشرعية امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الإِمتثال، ولما تعذر ذلك في الجمادات - حسب رأيهم - حملوه على قبول الأمر التكويني، وجعلوه من باب المجاز المرسل بعلاقة التقييد والإِطلاق، أو تمثيلا للهيئة الحاصلة من الجماد عند التكوين بهيئة المكلف حال الامتثال. وبالغ ابن حزم في كتابه "الفصل" في الرد على أصحاب القول الأول مستندا في ذلك إلى أن الخشية ليست إلا نتيجة الإِدراك ولا إدارك للجماد، وأن الحجارة - وغيرها من الجمادات - لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها رسول، وكذب من قال إن للحيوان والجماد تمييزا، وادعى أن العيان يكذب قائل ذلك، وخرج هذه الآية على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ} راجعا إلى القلوب المذكرة في صدر الآية في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}، ومعنى ذلك أن من تلك القلوب القاسية ما يلين فيهبط عن تلك القسوة الى الرقة فيما زجه الإِيمان، وهذا كما يشاهد من تحول الكافر إلى الإِيمان، والعاصي إلى الطاعة وقد حصل ذلك في أهل الكتاب كما يقتضيه قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ}. ثانيها: ما ذكرته من قبل عن الذين فسروا الخشية بقبول الأمر التكويني. ثالثها: أن المراد بـ {لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} الجبل الذي جعله الله دكا بتجليه له لبيان استحالة رؤيته، لكونه من جملة الحجارة، وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وعد ابن حزم هذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة، وبناء على ذلك فقد حمل "يهبط" على معنى "هبط" كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [الأنفال: 30]، ومعناه وإذ مكر واستدل لتعذر إدراكها بقوله تعالى - حاكيا إنكار الخليل ابراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الحجارة - {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ} تفسير : [مريم: 42]، ومثله قوله: {أية : أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الزمر: 43]، وذهب ابن حزم إلى أن كل ما روي من الأحاديث الدالة على خلاف هذا من الخرافات الموضوعة التي نقلها كل كذاب وضعيف، ولا يصح منها شيء من طريق الإِسناد أصلا، واستأنس لقوله هذا بأنه لم يُدخل شيئا من هذه الأحاديث من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث أو ما تستجاز روايته مما يقارب الصحة. وهذا كله عناء فيما لا جدوى منه، وفرار من الحقيقة إلى الوهم، فإن كتاب الله تعالى يصرح لنا بأوضح عبارة أن الكائنات على اختلافها خاشعة لله، مسبحة بحمده، ساجدة لجلاله، وهذا لا ينافي كون الجمادات لا تسمع ولا تعقل ولا تبصر لأنه من غير المستحيل أن يكون لها إدارك خاص لعظمة الله يختلف عن إدراك أجناس العقلاء، ومن النصوص الواضحة في ذلك قوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الحشر: 21]، وقوله: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]، وأخبرنا في آيات كثيرة وفي سور متعددة أن الكائنات بأسرها تسبح بحمده، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44]، ولا عبرة بقول من زعم أن هذا التسبيح هو مجرد الدلالة على وجود الله وعلى تنزهه من النقائص، فإن هذه الدلالة آية بينة لكل أحد تتجلى لجميع الأبصار ويقرع صوتها جميع الأسماع إلا من تعامى عنها وتصامم، فلو كانت هي المراد بالتسبيح لم يكن معنى لما في الآية من استدراك وهو قوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} فإنه واضح وضوح الشمس أن تسبيح غامض ليس في وسع الأفهام إدراكه، ومثل ذلك اخباره عز وجل بسجود الجمادات له في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ} تفسير : [الحج: 18]. وانكار ابن حزم ورود شيء من الأحاديث الصحيحة بما يفيد خلاف قوله مردود بما في صحيح مسلم مرفوعا: "حديث : إني لأعرف حجرا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث"تفسير : . ونحوه أنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه. وحمل الخشية في الآية على أي وجه من الوجوه التي اختارها ضعيف. أما الأول ففيه خروج عما يقتضيه السياق بغير قرينة، ولبس فيما تعود إليه الضمائر، وما استشهد به له من قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية، ليس شاهدا على ما ذهب إليه، فإن الآية في طائفة خاصة من أهل الكتاب ليسوا من ضمن هؤلاء القساة المعنيين في هذه الآية وإنما هم الذين وصفهم الله بقوله: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159]، قوله: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} تفسير : [القصص: 52-53]، ويكفي أن الله وصفهم في آخر الآية التي استشهد بها بقوله: {خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، فأين هذه الصفات من أولئك القساة الذين حرفوا الكلم عن موضعه ونسوا حظا مما ذكروا به؟ وحكى الألوسي هذا الوجه قولا لأبي مسلم، ووصفه بأنه أكثف من الحجر، وقرنه بقول آخر لم ينسبه إلى أحد، وهو أن الخشية هنا حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البَردُ، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله، ووصف هذا القول بأنه أبرد من الثلج. وأما الثاني فهو ينافي ما أريد به من تأكيد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لأنها مشتركة معها في هذا الوصف وهو قبول الأمر التكويني، فإن الإِنسان مهما كانت قسوته لا يخرج عن السنن الكونية العامة في ذلك، وليست أنفاسه المتلاحقة ونبضاته المتتابعة وسائر حركاته الفطرية إلا مظهرا من مظاهر هذا القبول وللأمر التكويني والإِنسجام مع نواميس الوجود. وأما الثالث فالتكلف فيه واضح لأن المتبادر من قوله: {يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} أن هذه حالة مستمرة في بعض الأحجار، فحصره في حالة مضت دون غيرها حمل للكلام على ما لا يدل عليه، والفعل المضارع موضوع للحال والاستقبال، ولا يحمل على الأحداث الماضية إلا بقرينة، وما من قرينة على ذلك هنا. وأما قوله سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فقرينة المضي هنا واضحة وهي "إذ" التي لا تدل إلا على ظرف زماني مضى. فنخلص من هذا كله إلى أن القول الصحيح في الآية هو القول الأول مع سكوتنا عن كيفية هذه الخشية وتفويض علم ذلك إلى الله عز وجل. ولا شكل كون هذا الهبوط ناشئا عن أسباب طبيعية كالزلازل والإِنفجارات البركانية، والعواصف والأمطار والسيول، إذ لا يبعد أن تكون وراء الأسباب الطبيعية الظاهرة حقائق روحية خفية، وذلك كتسبيح الرعد بحمد الله الذي نص عليه القرآن مع أن كلا من الرعد والبرق ظاهرة كونية ناشئة عن أسباب طبيعية معلومة. هذا وذهب جماعة من المفسرين إلى أن مفاد قوله: {مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} مفاد من أجلك في قولهم: فعلت هذا من أجلك، ومحصله أن هبوط الحجارة لأجل إثارة الخشية في نفوس العباد لما يقترن به من أمور مزعجة كالزلازل والبراكين. وحكى علامة الشام القاسمي في تفسيره "محاسن التأويل" عن الإِمام الراغب أنه حاول التوسط في تفسيره للآية بين آراء السلف والخلف بعبارة تقارب بينها، فقسم المعارف إلى خمسة أقسام: 1-المعرقة التامة وهي العلم المطلق الذي لا يكون إلا لعلام الغيوب الذي أحاط بكل شيء علما. 2-المعرفة النامية وهي خاصة بالإِنسان الذي آتاه الله معرفة غريزية وجعل له بذلك سبيلا إلى تعرف كثير مما لم يعرف. 3-معرفة دون ذلك وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإِيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها، واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها. 4-معرفة الناميات من الأشجار والنباتات وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها. 5-معرفة العناصر، فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به، كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلو، وذلك بتسخير الله تعالى بلا اختيار منه. وأتبع ذلك أن الدلالة على هذا كون كل واحد من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهرا أبي إلا العود إليه طوعا، وأن مما يوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه ويأبى الماء الذي يطفئه، وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره، ونسب الراغب هذا التفصل الى قوم من المتقدمين، وبنى عليه أنه إذا قيل لهذه الأشياء معرفة فليس ببعيد متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة، فأما اذا قيل إن للجمادات معارف الإِنسان في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول، واستحسن هذا التأويل منه العلامة القاسمي. وفي هذا التقسيم خلط بين المعرفة - التي هي الإِدراك - والقوى الطبيعية، الاضطرارية مع أن الفارق بينهما واضح، والخشية المعنية هنا ليست من باب ما أشار اليه، وإنما هي من باب عرض الأمانة المذكور في آخر الأحزاب، والسجود المذكور في سورة الحج والتسبيح المذكور في كثير من السور. وجملة: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} حال من فاعل "قست" وتذييل للآية الكريمة ينطوي على تهديد لأولئك القساة بأن الله يحصى أعمالهم ويتولى جزاءهم فلا مفر لهم من بطشه، ولا مناص لهم عن حكمه، وهو بتاء الخطاب في قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير من السبعة وخلف ويعقوب من العشرة "يعملون" بياء الغيبة للانتقال من خطابهم إلى خطاب المسلمين تمهيدا لما يأتي في الآية المستقبلة وما بعدها.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} القسوة في الأصل اليبس والصلابة وقد شبهت هنا حال قلوبهم وهي نبوها عن الاعتبار بحال قسوة الحجارة في أنها لا يجري فيها لطف العمل ففي {قَسَتْ} استعارة تبعية أو تمثيلية، و {ثُمَّ} لاستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلها، وقيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حين قالوا إن الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، والضمير في {قُلُوبُكُمْ} لورثة القتيل عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعند أبـي العالية وغيره لبني إسرائيل {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي إحياء القتيل، وقيل: كلامه، وقيل: ما سبق من الآيات التي علموها ـ كمسخهم قردة وخنازير، ورفع الجبل، وانبجاس الماء، والإحياء ـ وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعليه تكون {ثُمَّ قَسَتْ} الخ عطفاً على مضمون جميع القصص السابقة والآيات المذكورة، وعلى سابقه تكون عطفاً على قصة {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ } تفسير : [البقرة: 72] {فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ} أي في القسوة وعدم التأثر والجمع لجمع القلوب وللإشارة إلى أنها متفاوتة في القسوة كما أن الحجارة متفاوتة في الصلابة ـ والكاف ـ للتشبيه وهي حرف عند سيبويه وجمهور النحويين. والأخفش يدعى اسميتها وهي متعلقة هنا بمحذوف أي كائنة كالحجارة خلافاً لابن عصفور إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء. {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أي من الحجارة فهي كالحديد مثلاً أو كشيء لا يتأثر أصلاً ولو وهماً، و {أَوْ} لتخيير المبالغ ويكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر، أو للتنويع أي بعض كالحجارة وبعض أشدّ أو للترديد بمعنى تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير على ما قيل، أو بمعنى بل ويحتاج إلى تقدير مبتدأ إذا قلنا باختصاص ذلك بالجمل، أو بمعنى الواو أو للشك وهو لاستحالته عليه تعالى يصرف إلى الغير والعلامة لا يرتضي ذلك لما أنه يؤدي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع، وفيه إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره، والحق جواز اعتبار السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جريها على الأصل بالنظر إلى المتكلم فلا بأس بأن يسلك بـ {أَوْ} في الشك مسلك لعل في الترجي الواقع في كلامه تعالى فتلك جادة مسلوكة لأهل السنة. وقد مرت الإشارة إلى ذلك فتذكر. و {أَشَدَّ} عطف على {كَٱلْحِجَارَةِ } من قبيل عطف المفرد على المفرد كما تقول: زيد على سفر أو مقيم، وقدر بعضهم أو هي أشد فيصير من عطف الجمل، ومن الناس من يقدر مضافاً محذوفاً أي مثل ما هو أشد، ويجعله معطوفاً على الكاف إن كان اسماً أو مجموع الجار والمجرور إذا كان حرفاً، ثم لما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه، ولا يخفى أن اعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعد جداً. وقرأ الأعمش {أَوْ أَشَدَّ} مجروراً بالفتحة لكونه غير منصرف/ للوصف ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة واعتبار التشبيه حينئذ ظاهر وإنما لم يقل سبحانه وتعالى ـ أقسى ـ مع أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر ووارد في الفصيح كقوله:شعر : كل خمصانة أرق من الخمـ ـر بقلب (أقسى) من الجلمود تفسير : لما في أشد من المبالغة لأنه يدل على الزيادة بجوهره وهيئته بخلاف أقسى فإن دلالته بالهيئة فقط، وفيه دلالة على اشتداد القسوتين ولو كان أقسى لكان دالاً على اشتراك القلوب والحجارة في القسوة، واشتمال القلوب على زيادة القسوة لا في شدة القسوة وليس هذا مثل قولك زيد أشد إكراماً من عمرو حيث ذكروا أن ليس معناه إلا أنهما مشتركان في الإكرام وإكرام زيد زِيدَ على إكرام عمرو لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام، وشدة إكرام زيد زائدة على شدة إكرام عمرو للفرق بين ما بني للتوصل وما بني لغيره وما نحن فيه من الثاني وإن كان الأول أكثر. والاعتراض ـ بأن أشد محمول على القلوب دون القسوة ـ ليس بشيء لأنه محمول عليها بحسب المعنى لكونها تمييزاً محولاً عن الفاعل أو منقولاً عن المبتدأ كما في «البحر»، ويمكن أن يقال: إن الله تعالى أبرز القساوة في معرض العيوب الظاهرة تنبيهاً على أنها من العيوب بل العيب كل العيب ما صد عن عالم الغيب {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الحج: 46]. {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَـٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تذييل لبيان تفضيل قلوبهم على الحجارة أو اعتراض بين قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} وبين الحال عنها وهو {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ} لبيان سبب ذلك فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب كما في قوله:شعر : فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ولا وصفه يصفو لنا (فنكارمه) تفسير : وجعله جملة حالية مشعرة بالتعليل يأباه الذوق إذ لا معنى للتقييد، وكونه بياناً وتقريراً من جهة المعنى لما تقدم ـ مع كونه بحسب اللفظ معطوفاً على جملة ـ هي كالحجارة أو أشد ـ كما قاله العلامة ـ مما لا يظهر وجهه لأنه إذا كان بياناً في المعنى كيف يصح عطفه ويترك جعله بياناً، والمعنى إن الحجارة تتأثر وتنفعل، وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلاً، وقد ترقى سبحانه في بيان التفضيل كأنه بين أولاً تفضيل قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثر تأثراً يترتب عليه منفعة عظيمة من تفجر الأنهار، ثم على الحجارة التي تتأثر تأثراً ضعيفاً يترتب عليه منفعة قليلة من خروج الماء، ثم على الحجارة التي تتأثر من غير منفعة فكأنه قال سبحانه: ـ قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثر بحيث يترتب عليه المنفعة العظيمة بل الحقيرة بل لا تتأثر أصلاً وبما ذكر يظهر نكتة ذكر تفجر الأنهار وخروج الماء، وترك فائدة الهبوط، وذكر غير واحد أن الآية واردة على نهج التتميم دون الترقي ـ كالرحمن الرحيم ـ إذ لو أريد الترقي لقيل ـ وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار ـ وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي، ويكون {وَإِنَّ مِنْهَا} الأخير تتميماً للتتميم، ولا يخفى أنه يرد عليه منع إفادته لاستيعاب جميع الانفعالات وخلوه عن لطافة ما ذكرناه. و ـ التفجر ـ التفتح بسعة وكثرة كما يدل عليه جوهر الكلمة وبناء التفعل، والمراد من الأنهار الماء الكثير الذي يجري في الأنهار، والكلام إما على حذف المضاف، أو ذكر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازي، قال بعض المحققين: وحملها على المعنى الحقيقي وَهمٌ إذ التفتح لا يمكن إسناده إلى الأنهار اللهم إلا بتضمين معنى الحصول بأن يقال: يتفجر ويحصل منه الأنهار على أن تفجير الحجارة بحيث تصير/ نهراً غير معتاد فضلاً عن كونها أنهاراً، والتشقق التصدع بطول أو بعرض، والخشية الخوف، واختلف في المراد منها فذهب قوم ـ وهو المروي عن مجاهد وغيره ـ أنها هنا حقيقة، وهي مضافة إلى الاسم الكريم من إضافة المصدر إلى مفعوله ـ أي من خشية الحجارة الله ـ ويجوز أن يخلق الله تعالى العقل والحياة في الحجر، واعتدال المزاج والبنية ليسا شرطاً في ذلك خلافاً للمعتزلة، وظواهر الآيات ناطقة بذلك، وفي «الصحيح» «حديث : إني لأعرف حجراً كان يسلم عليّ قبل أن أبعث» تفسير : وأنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه، وورد في ـ الحجر الأسود ـ أنه يشهد لمن استلمه، وحديث تسبيح الحصى بكفه الشريف صلى الله عليه وسلم مشهور، وقيل: هي حقيقة، والإضافة هي الإضافة إلا أن الفاعل محذوف هو العباد، والمعنى: أن من الحجارة ما ينزل بعضه عن بعض عند الزلزال من خشية عباد الله تعالى إياه؛ وتحقيقه أنه لما كان المقصود منها خشية الله تعالى صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك الهبوط فيؤل المعنى أنه يهبط من أجل أن يحصل خشية العباد الله تعالى. وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة، وأن الضمير في {مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} عائد على القلوب، والمعنى إن من القلوب قلوباً تطمئن وتسكن وترجع إلى الله تعالى، وهي قلوب المخلصين، فكنى عن ذلك بالهبوط، وقيل: إنها حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البرد، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله وهذا القول أبرد من الثلج وما قبله أكثف من الحجر وما قبلهما بين بين وقال قوم: إن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر الله تعالى إطلاقاً لاسم الملزوم على اللازم، ولا ينبغي أن تحمل على حقيقتها، أما على القول بأن اعتدال المزاج والبنية شرط وما ورد مما يقتضي خلافه محمول على أن الله تعالى قرن ملائكته بتلك الجمادات، ومنها هاتيك الأفعال ونحو «هذا جبل يحبنا ونحبه» على حذف مضاف أي يحبنا أهله ونحب أهله فظاهر. وأما على القول بعدم الاشتراط فلأن الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل والحياة لا يصح أن يكون بياناً لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة ـ وهو المناسب للمقام ـ والاعتراض بأن قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتم ما ذكر، فالأولى الحمل على الحقيقة أجيب عنه بأن المراد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لقبولها التأثر الذي يليق بها وخلقت لأجله بخلاف قلوبهم فإنها تنبو عن التأثر الذي يليق بها وخلقت له، والجواب بأن ما رأوه من الآيات مما يقسر القلب ويلجؤه فلما لم تتأثر قلوبهم عن القاسرات الكثيرة ويتأثر الحجر من قاسر واحد تكون قلوبهم أشد قسوة لا يخلو عن نظر لأنه إن أريد بذلك المبالغة في الدلالة على الصدق فلا ينفع، وإن أريد به حقيقة الإلجاء فممنوع، وإلا لما تخلف عنها التأثر ولما استحق من آمن بعد رؤيتها الثواب لكونه إيماناً اضطرارياً ـ ولم يقل به أحد ـ ثم الظاهر على هذا تعلق خشية الله بالأفعال الثلاثة السابقة. وقرىء {وَإِنْ} على أنها المخففة من الثقيلة ويلزمها ـ اللام ـ الفارقة بينها وبين النافية، والفراء يقول: إنها النافية ـ واللام ـ بمعنى إلا وزعم الكسائي أن {إن} إن وليها اسم كانت المخففة، وإن فعل كانت النافية، وقطرب إنها إن وليها فعل كانت بمعنى ـ قد ـ وقرأ مالك بن دينار {ينفجر} مضارع انفجر والأعمش {يتشقق} و {يُهْبِطُ} ـ بالضم ـ. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن كثير {يَعْمَلُونَ} ـ بالياء التحتانية ـ ضماً إلى/ ما بعده من قوله سبحانه: {أَن يُؤْمِنُواْ} و{أية : يَسْمَعُونَ } تفسير : [البقرة: 75] وفريق منهم، وقرأ الباقون ـ بالتاء الفوقانية ـ لمناسبة {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ فَٱدَّارَأْتُمْ}تفسير : [البقرة: 72] وتكتمون الخ وقيل: ضماً إلى قوله تعالى: {أية : أَفَتَطْمَعُونَ } تفسير : [البقرة: 75] بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعدلهم، ويبعده أنه لا وجه لذكر وعد المؤمنين تذييلاً لبيان قبائح اليهود.

ابن عاشور

تفسير : (ثم) هنا للترتيب الرتبي الذي تتهيأ له (ثم) إذا عَطفت الجمل، أي ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم ولم تنفعكم الآيات {فقست قلوبكم} وكان من البعيد قسوتها. وقوله: {من بعد ذلك} زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك على حد قول القطامي:شعر : أكفراً بعد ردِّ الموتِ عني وبعدَ عَطائك المائة الرِّتاعَا تفسير : أي كيف أكفر نعمتك أي لا أكفرها مع إنجائك لي من الموت إلخ. ووجه استعمال (بعد) في هذا المعنى أنها مجاز في معنى (مع) لأن شأن المسبب، أن يتأخر عن السبب ولما لم يكن المقصد التنبيه على تأخره للعلم بذلك وأريد التنبيه على أنه معه إثباتاً أو نفياً عُبر ببعد عن معنى (مع) مع الإشارة إلى التأخر الرتبي. والقسوة والقساوة توصف بها الأجسام وتوصف بها النفوس المعبر عنها بالقلوب فالمعنى الجامع للوصفين هو عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة إلى حالة تخالفها. وسواء كانت القساوة موضوعة للقدر المشترك بين هذين المعنيين الحسي والقلبي ـــ وهو احتمال ضعيف ـــ أم كانت موضوعة للأجسام حقيقة واستعملت في القلوب مجازاً وهو الصحيح، فقد شاع هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة وصار غير محتاج إلى القرينة فآل اللفظ إلى الدلالة على القدر المشترك بالاستعمال لا بأصل الوضع وقد دل على ذلك العطف في قوله: {أو أشد قسوة} كما سيأتي. وقوله: {فهي حجارة} تشبيه فرع بالفاء لإرادة ظهور التشبيه بعد حكاية الحالة المعبر عنها بقست لأن القسوة هي وجه الشبه ولأن أشهر الأشياء في هذا الوصف هو الحجر فإذا ذكرت القسوة فقد تهيأ التشبيه بالحجر ولذا عطف بالفاء أي إذا علمت أنها قاسية فشبهها بالحجارة كقول النابغة يصف الحجيج:شعر : عليهن شعثٌ عامدون لربهم فهُنَّ كأطراف الحَنِيِّ خواشع تفسير : وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها، وهذا الأسلوب يسمى عندي تهيئة التشبيه وهو من محاسنه، وإذا تتبعت أساليب التشبيه في كلامهم تجدها على ضربين ضرب لا يهيأ فيه التشبيه وهو الغالب وضرب يهيأ فيه كما هنا والعطف بالفاء في مثله حسن جداً وأما أن يأتي المتكلم بما لا يناسب التشبيه فذلك عندي يعد مذموماً. وقد رأيت بيتاً جمع تهيئة التشبيه والبعد عنه وهو قول ابن نباتة:شعر : في الريق سُكْر وفي الأَصداغ تجعيد هذا المُدَام وهاتيك العناقيد تفسير : فإنه لما ذكر السكر تهيأ التشبيه بالخمر ولكن قوله: تجعيد لا يناسب العناقيد. فإن قلت لم عددته مذموماً وما هو إلا كتجريد الاستعارة؟ قلت: لا لأن التجريد يجيء بعد تكرر الاستعارة وعلم بها فيكون تفنناً لطيفاً بخلاف ما يجيء قبل العلم بالتشبيه. وقوله: {أو أشد قسوة} مرفوع على أنه خبر مبتدأ دل عليه قوله: {فهي كالحجارة} و(أو) بمعنى بل الانتقالية لتوفر شرطها وهو كون معطوفها جملة. وهذا المعنى متولد من معنى التخيير الموضوعة له (أو) لأن الانتقال ينشأ عن التخيير فإن القلوب بعد أن شبهت بالحجارة وكان الشأن يكون المشبه أضعف في الوصف من المشبه به يُبنى على ذلك ابتداءُ التشبيه بما هو أشهر ثم عقب التشبيه بالترقي إلى التفضيل في وجه الشبه على حد قول ذي الرمة:شعر : بَدَتْ مثل قرن الشمس في رونق الضُّحى وصورتِها أو أنتِ في العين أَمْلَح تفسير : فليست (أو) للتخيير في التشبيه أي ليست عاطفة على قوله الحجارة المجرورة بالكاف لأن تلك لها موقع مَا إذا كُرر المشبه به كما قدمناه عند قوله تعالى: {أية : أوْ كصيب من السماء}تفسير : [البقرة: 19]. ويجوز أن تكون للتخيير في الأخبار عطفاً على الخبر الذي هو {كالحجارة} أي فهي مثل الحجارة أو هي أقوى من الحجارة والمقصود من التخيير أن المتكلم يشير إلى أنه لا يرمي بكلامه جزافاً ولا يذمهم تحاملاً بل هومتثبت متحر في شأنهم فلا يُثْبِت لهم إلا ما تبين له بالاستقراء والتقصي فإنه ساواهم بالحجارة في وصف ثم تَقَصَّى فرأى أنهم فيه أقوى فكأنه يقول للمخاطب إن شئت فسَوِّهم بالحجارة في القسوة ولك أن تقول هم أشد منها وذلك يفيد مفاد الانتقال الذي تدل عليه بل وهو إنما يحسن في مقام الذم لأن فيه تلطفاً وأما في مقام المدح فالأحسن هو التعبير ببل كقول الفرزدق:شعر : فقالت لنا أهلاً وسهلاً وزوَّدَتْ جَنَى النَّحْل بل ما زوّدتْ منه أطيب تفسير : ووجه تفضيل تلك القلوب على الحجارة في القساوة أن القساوة التي اتصفت بها القلوب مع كونها نوعاً مغايراً لنوع قساوة الحجارة قد اشتركا في جنس القساوة الراجعة إلى معنى عدم قبول التحول كما تقدم فهذه القلوب قساوتها عند التمحيص أشد من قساوة الحجارة لأن الحجارة قد يعتريها التحول عن صلابتها وشدتها بالتفرق والتشقق وهذه القلوب لم تُجْدِ فيها محاولة. وقوله: {وإن من الحجارة لما يتفجَّر} إلخ تعليل لوجه التفضيل إذ من شأنه أن يُستغرب، وموقع هذه الواو الأولى في قوله: {وإن من الحجارة} عسير فقيل: هي للحال من الحجارة المقدَّرة بعد (أَشَد) أي أشد من الحجارة قسوةً، أي تفضيل القلوب على الحجارة في القسوة يظهرُ في هذه الأحوال التي وُصِفت بها الحجارة ومعنى التقييد أن التفضيل أظهر في هذه الأحوال، وقيل هي الواو للعطف على قوله: {فهي كالحجارة أو أشد قسوة} قاله التفتزاني، وكأنه يجعل مضمون هذه المعطوفات غير راجع إلى معنى تشبيه القلوب بالحجارة في القساوة بل يجعلها إخباراًعن مزايا فَضُلت بها الحجارة على قلوب هؤلاء بما يحصل عن هذه الحجارة من منافع في حين تُعطَّلُ قلوب هؤلاء من صدور النفع بها، وقيل: الواو استئنافية وهو تذييل للجملة السابقة وفيه بعدكما صرح به ابن عرفة، والظاهر أنها الواو الاعتراضية وأن جملة {وإن من الحجارة وما عطف عليها معترضاتٌ بين قوله: {ثم قست قلوبكم} وبين جملة الحال منها وهي قوله: {وما الله بغافل عما تعملون}. والتوكيد بإنَّ للاهتمام بالخبر وهذا الاهتمام يؤذن بالتعليل ووجود حرف العطف قبلها لا يُناكدُ ذلك كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : فإن لكم ما سألتم}تفسير : [البقرة: 61]. ومن بديع التخلص تأخُّر قوله تعالى: {وإنَّ منها لَمَا يهبط من خشية الله} والتعبير عن التَسخُّر لأمر التكوين بالخشية ليتم ظهور تفضيل الحجارة على قلوبهم في أحوالها التي نهايتها الامتثال للأمر التكليفي مع تعاصي قلوبهم عن الامتثال للأمر التلكيفي ليتأتى الانتقال إلى قوله: {وما الله بغافل عما تعملون} وقوله: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}تفسير : [البقرة: 75]. وقد أشارت الآية إلى أن انفجار الماء من الأرض من الصخور منحصر في هذين الحالين وذلك هو ما تقرر في علم الجغرافيا الطبيعية أن الماء النازل على الأرض يخرق الأرض بالتدريج لأن طبع الماء النزول إلى الأسفل جرياً على قاعدة الجاذبية فإذا أضغط عليه بثقل نفسه مِن تكاثُره أو بضاغطٍ آخرمن أهْوية الأرض تطلب الخروج حتى إذا بلغ طبقة صخرية أو صلصالية طفا هناك فالحجر الرملي يشرب الماء والصخور والصلصال لا يخرقها الماءُ إلا إذا كانت الصخور مركبة من مواد كلسية وكان الماءُ قد حمل في جريته أجزاء من معدن الحامض الفحمي فإن له قوة على تحليل الكلس فيحدث ثقباً في الصخور الكلسية حتى يخرقها فيخرج منها نابعاً كالعيون. وإذا اجتمعت العيون في موضع نشأت عنها الأنهار كالنيل النابع من جبال القمر، وأما الصخور غير الكلسية فلا يفتتها الماء ولكن قد يعرض لها انشقاق بالزلازل أو بفلق الآلات فيخرج منها الماء إما إلى ظاهر الأرض كما نرى في الآبار وقد يخرج منها الماء إلى طبقة تحتها فيختزن تحتها حتى يخرج بحالة من الأحوال السابقة. وقد يجد الماء في سيره قبل الدخول تحت الصخر أو بعدَه منفذاً إلى أرض ترابية فيخرج طافياً من سطح الصخور التي جرى فوقها. وقد يجد الماء في سيره منخفضات في داخل الأرض فيستقر فيها ثم إذا انضمت إليه كميات أخرى تَطَلَّبَ الخروج بطريق من الطرق المتقدمة ولذلك يكثر أن تنفجر الأنهار عقب الزلازل. والخشية في الحقيقة الخوفُ الباعث على تقوى الخائف غيرَه. وهي حقيقة شرعية في امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الامتثال. وجُعلت هنا مجازاً عن قبول الأمر التكويني إما مرسلاً بالإطلاق والتقييد، وإما تمثيلاً للهيئة عند التكوين بهيئة المكلَّف إذ ليست للحجارة خشية إذ لا عقل لها. وقد قيل إن إسناد (يهبط) للحجر مجاز عقلي والمراد هبوط القلوب أي قلوب الناظرين إلى الصخور والجبال أي خضوعها فأسند الهبوط إليها لأنها سببه كما قالوا ناقة تاجرة أي تبعث من يراها على المساومة فيها. وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} تذييل في محل الحال أي فعلتم ما فعلتم وما الله بغافل عن كل صنعكم. وقد قرأه الجمهور بالتاء الفوقية تكملة خطاب بني إسرائيل، وقرأ ابن كثير ويعقوب وخلف (يعملون) بالياء التحتية وهو انتقال من خطابهم إلى خطاب المسلمين فلذلك غُيّر أسلوبه إلى الغيبة وليس ذلك من الالتفات لاختلاف مرجع الضميرين لأن تفريع قوله: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}تفسير : [البقرة: 75] عليه دل على أن الكلام نقل من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب المسلمين. وهو خبر مراد به التهديد والوعيد لهم مباشرة أو تعريضاً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} الآية. لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} تفسير : [المائدة: 13]، وقوله: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الحديد: 16] الآية.

الواحدي

تفسير : {ثم قست قلوبكم} يا معشر اليهود، أَي: اشتدَّت وصلبت {من بعد ذلك} من بعد هذه الآيات التي تقدَّمت من المسخ ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من الحجرِ، وإحياء الميت بضرب عضوٍ، وهذه الآيات ممَّا يصدِّقون بها {فهي كالحجارة} في القسوة وعدم المنفعة؛ بل {أشد قسوة} وإنَّما عنى بهذه القسوة تركهم الإِيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا صدقه، وقدرةَ الله تعالى على عقابهم بتكذيبهم إيَّاه، ثمَّ عذر الحجارة وفضَّلها على قلوبهم فقال: {وإنَّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإنَّ منها لما يشقَّق فيخرج منه الماء وإنَّ منها لما يهبط} ينزل من علوٍ إلى أسفلٍ {من خشية الله} . قال مجاهدٌ: كلُّ حجرٍ تفجَّر منه الماء، أو تشقَّق عن ماء]، أو تردَّى من رأس جبلٍ فهو من خشية الله تعالى، نزل به القرآن. ثمَّ أوعدهم فقال: {وما الله بغافلٍ عمَّا تعملون} ثمَّ خاطب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فقطع طمعهم عن إيمانهم، فقال: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم} وحالهم أنَّ طائفةً منهم كانوا {يسمعون كلام الله} يعني التَّوراة {ثم يحرفونه} يُغيِّرونه عن وجهه. يعني: الذين غيَّروا أحكام التَّوراة، وغيَّروا آية الرَّجم، وصفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {من بعد ما عقلوه} أَيْ: لم يفعلوا ذلك عن نسيانٍ وخطأٍ، بل فعلوه عن تعمُّدٍ {وهم يعلمون} أنَّ ذلك مَكْسَبةٌ للأوزار. {وإذا لقوا الذين آمنوا} يعني: منافقي اليهود {قالوا آمنا} بمحمَّدٍ، وهو نبيٌّ صادقٌ نجده في كتبنا {وإذا خلا بعضهم إلى بعض} يعني: إذا رجع هؤلاء المنافقون إلى رؤسائهم لاموهم فقالوا: {أتحدثونهم} أتخبرون أصحاب محمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - {بما فتح الله عليكم} من صفة النَّبيِّ المُبشَّر به {ليحاجُّوكم} ليجادلوكم ويخاصموكم {به} بما قلتم لهم {عند ربكم} في الآخرة، يقولون: كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقة {أفلا تعقلون} أفليس لكم ذهن الإنسانيَّة؟ فقال الله تعالى: {أولا يعلمون أنَّ الله يعلم ما يسرون} من التَّكذيب، يعني: هؤلاء المنافقين {وما يعلنون} من التَّصديق. {ومنهم} ومن اليهود {أميُّون} لا يكتبون ولا يقرؤون {لا يعلمون الكتاب إلاَّ أمانيّ} إلاَّ أكاذيب وأحاديثَ مُفتعلةً يسمعونها من كبرائهم {وإن هم إلاَّ يظنون} أَيْ: إلاَّ ظانِّين ظنَّاً وتوهُّماً، فيجحدون نُبُوَّتَكَ بالظَّنِّ. {فويلٌ} فشدَّةُ عذابٍ {للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} أَيْ: من قِبَلِ أنفسهم من غير أن يكون قد أُنزل {ثم يقولون هذا من عند الله} الآية. يعني اليهود، عمدوا إلى صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وكتبوا صفته على غير ما كانت في التَّوراة، وأخذوا عليه الأموال فذلك قوله تعالى: {وويلٌ لهم ممَّا يكسبون} [من حُطَام الدُّنيا] فلمَّا أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنَّار عند تكذيبهم إيَّاه.

القطان

تفسير : القسوة: الجفاء والغلطة والصلابة. قست: جفَت وغلظت. يتفجر: يخرج بشدة ويسيل. يتشقق: يتصدع. يهبط: ينزل ويتردى من خوف الله. وصف الله بني اسرائيل في ذلك الزمان، وبعد ان رأوا الكثير من آيات الله التي عددها، بقساوة القلوب، وضعف الوازع الديني فيها، حتى أصحبت أشد من الحجارة قساوةً لأن بعض الحجارة يتشقق فيخرج منه النهر الخيّر والماء الزلال النافع، وبعضها يخرّ من خشية اللة لو كان له عقل مثل بني الانسان. أما هذه القلوب فلم تتأثر بالعظات والعبر ولم تنفذ الى أعماقها النذر والآيات. ما الله بغافل عما تعملون، فهو يُحصيه عليكم ثم يجازيكم بألوان من النقم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلأَنْهَارُ} {بِغَافِلٍ} (74) - يُقَرِّعُ اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ شَهِدُوا قُدْرَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَتَحَقَّقُوا مِنْ آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ، ثُمَّ عَادُوا إِلى الكُفْرِ وَالجُحُودِ وَالفَسَادِ، فَيَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ وَأَصْبَحَتْ بَعِيدةً عَنِ التَّأثُّرِ بِالوَازِعِ الدِّينِيِّ، وَبِالمَوَاعِظِ وَالآيَاتِ، فَأَصْبَحَتْ كَالحِجَارَةِ قَسْوَةً. وَيَسْتَدْرِكُ تَعَالَى، فَيَقُولُ: إِنَّ بَعْضَ الحِجَارَةِ أَكْثَرُ لِيناً مِنْ قُلُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَبَعْضُ الحِجَارَةِ تَنْشَقُّ فَتَتَفَجَّرُ مِنْها المِيَاهُ، وَتَسِيلُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْ هذِهِ الحِجَارَةِ لَمَا يَهْبِطُ مِنْ رُؤُوسِ الجِبَالِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ.أَمَّا قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهَا لاَ تَتَأَثَّرُ بِمَوْعِظَةٍ، وَلاَ تَلِينُ لِذِكْرِ اللهِ، وَلا يَزْدَادُونَ إِلا فَسَاداً وَعُتُوّاً فِي الأَرْضِ، فَلَهُمُ الوَيْلُ عَلَى ذلِكَ، فَاللهُ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيهَا الجَزَاءَ الأَوْفى، يَوْمَ القِيَامَةِ. يَتفَجَّرُ - يَتَفَتَّحُ بِسَعَةٍ وَكَثْرَةٍ. يَشَّقَّقُ - يَتَصَدَّعُ بِطُولٍ وَعَرْضٍ.

الثعلبي

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ} قال الكلبي: قالوا بعد ذلك لم نقتله، وأمكروا فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيّهم منهم عند ذلك قال الله: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} الكلبي وأبو روق: يبست واشتدت وقال سائق البربري: شعر : ولا ارى أثراً للذكر في جسدي والحبل في الجبل القاسي له أثر تفسير : أبو عبيدة: جفّت. الواقدي: جفّت من الشّدة فلم تلن. المؤرّخ: غلظت، وقيل: اسودّت. قال الزجاج: تأويل القسوة ذهاب اللّين، [وقال سيبويه] والخشوع والخضوع. {ذٰلِكَ} أي بعد ظهور الدلالات. {فَهِيَ} غلظها وشدتها. {كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أي بل أشد قسوة كقول الشاعر: شعر : [بدت] مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح تفسير : أي بل، وقيل: هو بمعنى الواو والألف صلة أي وأشد قسوة. كقوله تعالى {أية : آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24] أيّ وكفوراً. وقرأ أبو حياة: أو أشد قساوة، وقال الكسائي: القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة ثمّ عذر الحجارة وفضلها على القلب القاسي فقال {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} وقرأ مالك بن دينار ينفجر بالنون كقوله {فَٱنفَجَرَتْ} [البقرة: 60]، وفي مصحف أُبي: منها الأنهار ـ ردّ الكناية إلى الحجارة ـ. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} أي يتشقق هكذا قرأها الأعمش. {فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله. {مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} عزّ وجلّ وقلوبكم يا معاشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد وتهديد أي بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به. {أَفَتَطْمَعُونَ} أي فترجون يعني محمّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} لن يصدّقكم اليهود. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} طائفة منهم. {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} يعني التوراة. {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي يُغيرونه أي ما فيه من الأحكام. {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} علموه وفهموه كما غيّروا آية الرّجم وصفه محمّد صلى الله عليه وسلم. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إنهم كاذبون ـ هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسّدي. وقال ابن عبّاس ومقاتل: نزلت هذه الآية في السبعين المختارين؛ وذلك إنّهم لما ذهبوا مع موسى إلى الميقات وسمعوا كلام الله وما يأمره وما ينهاه رجعوا إلى قومهم فأمّا الصّادقون فأدّوا كما سمعوه وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إنْ إستطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا فأن شئم فلا تفعلوا ولا بأس. {وَإِذَا لَقُواْ} قرأ ابن السُّميقع لاقوا: يعني منافقي اليهود. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بألسنتهم لا بقلوبهم أبا بكر وأصحابه من المؤمنين. {قَالُوۤاْ آمَنَّا} كأيمانكم وشهدنا أنّ محمداً صادق نجده في كتابنا بنعته وصفته. {وَإِذَا خَلاَ} رجع بعضهم إلى بعض أي كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود ولامُوهم على ذلك وـ {قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} قال الكلبي: بما قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّداً حق وقوله صدق، وقال القاضي الفتاح الكسائي: بما بيّنه لكم في كتابكم [من العلم ببعث محمد والبشارة به]. الواقدي: بما أنزل الله في الدنيا والآخرة عليكم نظير {أية : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 96] أي أنزلناه. أبو عبيدة والأخفش: بما منّ الله عليكم وأعطاكم. {لِيُحَآجُّوكُم} ليخاصموكم ويحتجوا بقولكم عليكم [يعني أصحاب محمد]. {بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} وقال بعضهم: هو أنّ الرجل من المسلمين كلما يلقي قرينه وحليفه وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر محمّد صلى الله عليه وسلم فيقولون إنّه لحق [فيقولون قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثمّ تتبعونه] وهو نبيّ. فيرجعون إلى رؤسائهم فيلومونهم على ذلك. قال السّدي: كان ناس من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا وكان يحدثون المؤمنين بما عُذبوا به فقال لهم رؤسائهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي أنزل من العذاب ليعُيروكم به ويقولوا: نحن أكرم على الله منكم. [ابن جرير عن] القاسم بن أبي برة: هذا قول يهود قريظة بعضهم لبعض حين سبّهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا إخوان القردة والخنازير وعبدة الطّاغوت، فقالوا: من أخبر محمّداً بهذا؟ ما خرج هذا إلاّ منكم. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أفليس لكم ذهن الإنسانيّة. قال الله {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ما يخفون وما يبدون يعني اليهود، وقرأ ابن محيصن "ما" على الخطاب {وَمِنْهُمْ} من اليهود. {أُمِّيُّونَ} قال ابن عبّاس وقتادة: يعني غير عارفين معاني الكتاب. يعلمونه حفظاً وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه. وقال الكلبي: لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته ودليل هذا التأويل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّا أُمّة أُمّية لا نكتب ولا نحاسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ". تفسير : وقال أهل المعاني: الأُمّي منسوب إلى الأمة وما عليه العامة معنى الأُمي: العامي الذي لا تمييز له، أو هو جمع أُمي منسوب إلى الأُم كأنّه باق على [الحقيقة] حذفت منه هاء التأنيث لأنّها زائدة وياء النسبة زائدة، ونقلت فرقاً بينها وبين ياء الأضافة. {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} قرأ العامّة بتشديد الياء. وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج {أَمَانِيَّ} بتخفيف الياء في كلّ القرآن حذفوا إحدى اليائين استخفافاً وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح. وقال أبو حاتم: كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها واختلفوا في معنى الأمانيّ، وقال الكلبي بمعنى لا يعلمون إلاّ ما تحدّثّهم بهم علماؤهم. أبو روق وأبو عبيدة: تلاوة وقراءة على ظهر القلب ولا يقرؤنها في الكتب، يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج: 52] وقرآنه. قال الشاعر: شعر : تمنّى كتاب الله أوّل ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر تفسير : مجاهد وقتادة: كذباً وباطلاً. الفرّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة. قال بعض العرب لابن [دلب]: أهذا شيء رويته أم تمنيته؟ وأراد بأماني الأنبياء التّي كتبها علماؤهم من قبل أنفسهم ثمّ أضافوها إلى الله عزّ وجلّ من تغيير نعت محمّد صلى الله عليه وسلم. الحسن وأبو العالية: يعني يتمنوّن على الله الباطل والكذب مثل قولهم {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] وقولهم: {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً} [البقرة: 111]، وقولهم {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18]. {وَإِنْ هُمْ} ما هم. {إِلاَّ يَظُنُّونَ} ظنّاً ووهماً لا حقيقة ويقيناً قاله قتادة والرّبيع. وقال مجاهد: [... يكذبون]. {فَوَيْلٌ} روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ إلى قعره ". تفسير : سعيد بن المسيب: وادٍ في جهنّم لو سرت فيه جبال الدّنيا لماعت من شدّة حرّها. ابن بريدة: جبل من قيح ودم. ابن عبّاس: شدّة العذاب. ابن كيسان: كلمة يقولها كلّ مكروب. الزجّاج: كلمة يستغلّها كل واقع في الهلكة وأصلها العذاب والهلاك. وقيل: هو دعاء الكفّار على أنفسهم بالويل والثّبور. {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وذلك إنّ أحبار اليهود خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم حين قدم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة واحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوّراة وكان صفته فيها حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العين، ربعة فغيروها وكتبوا مكانها طويل أزرق، سبط الشعر. فإذا سألهم سفلتهم عن محمّد صلى الله عليه وسلم قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفاً لصفة محمّد صلى الله عليه وسلم فيكذبونه قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} من تغيير نعت محمّد. {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} من المأكول ولفظة الأيدي للتأكيد كقولهم مشيت برجلي ورأيت بعيني. قال الله تعالى: {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38]. قال الشّاعر: شعر : نظرت فلم تنظر بعينك منظراً تفسير : وقال أبو مالك: حديث : نزلت هذه الآية في الكاتب الّذي يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان قرأ البقرة وآل عمران، وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يملي: غفوراً رحيماً، فيكتب: عليماً حكيماً، فيقول له النبيّ صلى الله عليه وسلم "اكتب كيف شئت" ويملي عليه: عليماً حكيماً، فيكتب: سميعاً بصيراً، فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم "اكتب كيف شئت" قال: فارتدّ ذلك الرّجل عن الإسلام ولحق بالمشركين. قال: أما يعلمكم محمّد صلى الله عليه وسلم أن كنت لأكتب ما شئت أنا، فمات ذلك الرّجل فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم "إنّ الأرض لا تقبله". قال: فأخبرني أبو طلحة: إنّه أتى الأرض الّتي بات فيها فوجده منبوذاً، فقال أبو طلحة: ما شأن هذا؟ قالوا: دفنّاه مراراً فلم تقبله الأرض .

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم - لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف .. وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفاً .. والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة .. فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان .. فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان. وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} تفسير : [الزمر: 23]. وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار .. ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها .. وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". تفسير : إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب .. فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو .. لماذا؟ .. لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبداً لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها. إنه يجد إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفاً .. وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح .. فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام .. ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله .. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبداً ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى السرقة .. لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم. ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] .. الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضاً .. لأن لهم مع الحجارة شوطاً كبيراً عندما تاهوا في الصحراء .. وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه. الله تبارك وتعالى لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورقيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة .. ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد. ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة .. لا تنظر إلى ليونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها. الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلباً قوياً، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته .. أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل .. والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة القسوة .. فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة .. فالخطاف مثلاً أعوج .. هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل .. فعوج الخطاف استقامة لمهمته .. وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة .. وتكون على العكس تماماً من مهمتها.. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ ..} [البقرة: 74]. هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة .. عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: إن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} [البقرة: 74] .. إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبداً ولا تخشع أبداً. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير .. كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله. ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا .. ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا .. وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك .. أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكاً. واقرأ قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً ..} تفسير : [الأعراف: 143]. يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم. وقوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} [الآية: 74]. وإِلى قوله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} [الآية: 74]. قال: كل حجر يتفجر منه الماءُ، أَو ينشق عن ماء أَو يهبط من جبل، فمن خشية الله عز وجل. نزل بذلك القرآن. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} [الآية: 75] يعني الذين يحرفونه، والذين يكتمونه والأُميين منهم، والذين نبذوا ما اوتوا من الكتاب وراءَ ظهورهم كأَنهم لا يعلمون. هؤلاء كلهم يهود. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [الآية: 76]. قال: هذا قول يهود قريظة، حين قال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم:حديث : يا إِخوة القرود والخنازيرتفسير : . فقالوا له: من حدثك بهذا؟ وذلك حين أَرسل إِليهم علياً، عليه السلام. فآذوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: يا إِخوة القردة والخنازير.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} معناهُ جَفَّتْ، فَصارتْ جَافِيةً صَلبةً. من بَعدِ ذَلِكَ: من بَعْدِمَا آراهم الآيةَ.

الأندلسي

تفسير : {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} الخارق العظيم الخارج عن مقدور البشر الموجب للاعتبار ولين القلوب. والضمير في قلوبكم ضمير وإذ قتلتم حتى نقل أنه لم حَييَ القتيل وأخبر بمن قتله قالوا كذبت. والقسوة بنوّ القلب عن الاعتبار وعدم تحركه وتأثره للمواعظ. {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} أي في عدم تأثرها صلبة لا تتخلخل مع ظهور المعجزات. {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} فصّل ونوّع قلوبهم إلى شبه الحجارة في الصلابة وإلى أشد قسوة من الحجارة. وانتصب قسوة على التمييز ويقتضيه أشد وكاف التشبيه وهذا التمييز الذي بعد أفعل التفضيل منقول من المبتدأ وهو نقل غريب أو أشد معطوف على قوله كالحجارة من قبيل عطف المفرد على المفرد كما تقول زيد على سفر أو مقيم (ولا) حاجة إلى تقدير الزمخشري أو هي أشد فيكون من عطف الجمل ولا إلى إضمار مثل أي أو مثل أشد حذف مثل وأقيم أشد مقامه فيكون الضمير في أشد غير عائد على القلوب إذ كان الأصل أو مثل شيء أشد قسوة من الحجارة. وقرىء أو أشد بنصب الدال ويتخرج على هذا التخريج الثاني وقرىء قساوة. ثم قال: {وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ} تبييناً ان قلوبهم لا تتأثر وإن الحجارة قد يوجد فيها ما يتأثر وانها متفاوتة في التأثر وقرىء وإن مشددة في ثلاثتها فما اسم إن دخلت اللام عليه وقرىء مخففة في ثلاثتها فاحتمل أن تكون معملة وما اسمها، واحتمل أن تكون ملغاة، نحو: إن في الدار لزيد، فما: مبتدأ خبره المجرور قبله، واللام: هي لام الابتداء لزمت للفرق أو لام غيرها اجتلبت للفرق قولان للنحاة وقول الكوفيين أنّ إنْ نافية واللام بمعنى إلا. وقرىء {لَمَا} مخففة الميم وما موصولة بمعنى الذي وهي اسم انّ. وقرىء: لما مشددة الميم. قال ابن عطية: وهي قراءة غير متجهة. وما قاله ابن عطية لا يستوي إلا أن نقل عمن قرأ بالتشديد تشديدان فيعسر إذ ذاك توجيهها إما إن قرأ بتخفيف إن وهو المظنون به فيظهر توجيهها بأن تكون إن نافية، ولما بمعنى: الا. كقوله تعالى: {أية : إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}تفسير : [الطارق: 4] في قراءة من شدد لما. ويكون حذف منه المبتدأ تقديره. وما من الحجارة حجر ألا يتفجر منه الأنهار وكذلك ما بعد هذا كقوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات: 164]. أي: وما منا أحد وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به أي وإن من أهل الكتاب أحد وحذف هذا المبتدأ أحسن لدلالة المعنى عليه إلا أنه يشكل معنى الحصر إذ يظهر من هذا التفصيل أن الأحجار متعددة فمنها كذا وإذا حصرت أنهم العموم إن كل فرد فرد من الحجارة فيه هذه الأوصاف كلها أي يتفجر منه الأنهار ويشقق فيخرج منه الماء ويهبط من خشية الله ولا يبعد ذلك إذا حمل على القابلية إذ كل حجر يقبل ذلك، ولا يمتنع إذا أراد الله ذلك فإِن كان الذي قرأ بالتشديد وإن بالتشديد فيعسر توجيهه. ومن زعم أن إنّ ان المشددة بمعنى ما النافية فقوله: لا يصح ولا يثبت في لسان العرب ويمكن توجيه ذلك على أن يكون اسم ان محذوفاً، أي وان منها منقاداً كما حذف في قوله: ولكني زنجي عظيم المشافر، أي: ولكنك ولما بمعنى حين على مذهب الفارسي أو حرف وجوب لوجوب على مذهب سيبويه والمضارع بمعنى الماضي. وقرىء {يَتَفَجَّرُ} مضارع تفجر مطاوع فجر وينفجر مضارع انفجر وطلوع فجر بتخفيف الجيم والتفجر التفتح بالسعة والكثرة. وقرىء {مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ} ومنها الأنهار حملاً على المعنى والتشقق: التصدع بطول أو عرض فينبع منه الماء بقلة. وقرىء: يشقق بشد الشين ويتشقق وينشقق بنون وقافين والفك شاذ. والهبوط التردي من علو إلى سفل. وقرى: يهبط بكسر الياء وضمها. والخشية الخوف وهو من. مجاز الاستعارة كناية عن الانقياد لأمر الله وانها لا تمتنع على ما يريد بين أن الحجارة إلى التأثير فيها أقرب من قلوبهم ثم ذكر تفاوت الحجارة في التأثير فمنها ما هو متخلخل تتفجر منه الأنهار بسرعة ومنها ما فيه صلابة لكنه يتشقق ومنها ما هو سريع الانقياد فينهار بخلاف قلوب هؤلاء فإِنها أشد قسوة من الحجارة ولما كانت قساوة القلوب تنشأ عنها الأعمال القبيحة قال تعالى على سبيل التهديد لهم: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال ابن عطية: بغافل في موضع نصب خبر ما لأنها الحجازية. يقوي ذلك دخول الباء في الخبر وإن كانت الباء قد تجيىء شاذة في التميمية. "انتهى". ولم يذهب نحوي إلى أن دخول الباء في التميمية شاذ فيما علمناه بل النحاة قائلان قائل لا تدخل الباء وهو قول أبي علي في أحد قوليه. وتبعه الزمخشري وقائل تدخل وهو الصحيح وهو كثير في اشعار بني تميم. وقرىء: تعملون بتاء الخطاب على نسق: ثم قست قلوبكم وبالياء التفاتاً.

همام الصنعاني

تفسير : 77- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ}: [الآية: 74]، قال: قست قلوبهم من بعدما أراهم الله الآية، {فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}، ثم عدّد الحجارة، فقال: { وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}: [الآية: 74].