٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما ذكر قبائح أفعال أسلاف اليهود إلى ههنا، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، قال القفال رحمه الله: إن فيما ذكره الله تعالى في هذه السورة من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقصد، أحدها: الدلالة بها على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم، وذلك لا يمكن أن يكون إلا بالوحي ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب، أما أهل الكتاب فلأنهم كانوا يعلمون هذه القصص فلما سمعوها من محمد من غير تفاوت أصلاً، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوحي. وأما العرب فلما يشاهدون من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار. وثانيها: تعديد النعم على بني إسرائيل وما منّ الله تعالى به على أسلافهم من أنواع الكرامة والفضل كالإنجاء من آل فرعون بعدما كانوا مقهورين مستعبدين ونصره إياهم وجعلهم أنبياء وملوكاً وتمكينه لهم في الأرض وفرقه بهم البحر وإهلاكه عدوهم وإنزاله النور والبيان عليهم بواسطة إنزال التوراة والصفح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العجل ونقض المواثيق ومسألة النظر إلى الله جهرة، ثم ما أخرجه لهم في التيه من الماء العذب من الحجر وإنزاله عليهم المن والسلوى ووقايتهم من حر الشمس بتظليل الغمام، فذكرهم الله هذه النعم القديمة والحديثة، وثالثها: إخبار النبي عليه السلام بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاقهم وتعنتهم مع الأنبياء ومعاندتهم لهم وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مشاهدتهم الآيات الباهرة عبدوا العجل بعد مفارقة موسى عليه السلام إياهم بالمدة اليسيرة، فدل على بلادتهم، ثم لما أمروا بدخول الباب سجداً وأن يقولوا حطة ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم ويزيد في ثواب محسنهم بدلوا القول وفسقوا، ثم سألوا الفوم والبصل بدل المن والسلوى، ثم امتنعوا من قبول التوراة بعد إيمانهم بموسى وضمانهم له بالمواثيق أن يؤمنوا به وينقادوا لما يأتي به حتى رفع فوقهم الجبل ثم استحلوا الصيد في السبت واعتدوا، ثم لما أمروا بذبح البقرة شافهوا موسى عليه السلام بقولهم: {أية : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } تفسير : [البقرة: 67]، ثم لما شاهدوا إحياء الموتى ازدادوا قسوة، فكأن الله تعالى يقول: إذا كانت هذه أفعالهم فيما بينهم ومعاملاتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من الرق والآفة بسببه، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه السلام، فليهن عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم وإعراضهم عن الحق. ورابعها: تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. وخامسها: تحذير مشركي العرب أن ينزل العذاب عليهم كما نزل على أولئك اليهود، وسادسها: أنه احتجاج على مشركي العرب المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء، وهو المراد من قوله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ يُحْيىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 73] إذا عرفت هذا فنقول: إنه عليه السلام كان شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه، وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم، فقص الله تعالى عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: في قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وجهان: الأول: وهو قول ابن عباس أنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه هو الداعي وهو المقصود بالاستجابة واللفظ وإن كان للعموم، لكنا حملناه على الخصوص لهذه القرينة، روي أنه عليه السلام حين دخل المدينة ودعا اليهود إلى كتاب الله وكذبوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني: وهو قول الحسن أنه خطاب مع الرسول والمؤمنين. قال القاضي: وهذا أليق بالظاهر لأنه عليه السلام وإن كان الأصل في الدعاء فقد كان في الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان ويظهر لهم الدلائل وينبههم عليها، فصح أن يقول تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } ويريد به الرسول ومن هذا حاله من أصحابه وإذا كان ذلك صحيحاً فلا وجه لترك الظاهر. المسألة الثانية: المراد بقوله: {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول عليه السلام لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع. المسألة الثالثة: ذكروا في سبب الاستبعاد وجوهاً. أحدها: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم ما آمنوا بموسى عليه السلام، وكان هو السبب في أن الله خلصهم من الذل وفضلهم على الكل، ومع ظهور المعجزات المتوالية على يده وظهور أنواع العذاب على المتمردين. الثاني: أفتطمعون أن يؤمنوا ويظهروا التصديق ومن علم منهم الحق لم يعترف بذلك، بل غيره وبدله. الثالث: أفتطمعون أن يؤمن لكم هؤلاء من طريق النظر والاستدلال وكيف وقد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ويعلمون أنه حق ثم يعاندونه. المسألة الرابعة:لقائل أن يقول: القوم مكلفون بأن يؤمنوا بالله. فما الفائدة في قوله: {أية : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ }؟ تفسير : [العنكبوت: 26] الجواب: أنه يكون إقراراً لهم بما دعوا إليه ولو كان الإيمان لله كما قال تعالى: {فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } لما أقر بنبوته وبتصديقه، ويجوز أن يراد بذلك أن يؤمنوا لأجلكم ولأجل تشددكم في دعائهم إليه فيكون هذا معنى الإضافة. أما قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } فقد اختلفوا في ذلك الفريق، منهم من قال: المراد بالفريق من كان في أيام موسى عليه السلام لأنه تعالى وصف هذا الفريق بأنهم يسمعون كلام الله. والذين سمعوا كلام الله هم أهل الميقات، ومنهم من قال: بل المراد بالفريق من كان في زمن محمد عليه الصلاة والسلام، وهذا أقرب لأن الضمير في قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } راجع إلى ما تقدم وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } وقد بينا أن الذين تعلق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. فإن قيل: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا الميقات، قلنا: لا نسلم بل قد يجوز فيمن سمع التوراة أن يقال: إنه سمع كلام الله كما يقال لأحدنا سمع كلام الله إذا قرىء عليه القرآن. أما قوله تعالى: {ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال القفال: التحريف التغيير والتبديل وأصله من الانحراف عن الشيء والتحريف عنه، قال تعالى:{أية : إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } تفسير : [الأنفال: 16] والتحريف هو إمالة الشيء عن حقه، يقال: قلم محرف إذا كان رأسه قط مائلاً غير مستقيم. المسألة الثانية؛ قال القاضي: إن التحريف إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، وحمل التحريف على تغيير اللفظ أولى من حمله على تغيير المعنى، لأن كلام الله تعالى إذا كان باقياً على جهته وغيروا تأويله فإنما يكونون مغيرين لمعناه لا لنفس الكلام المسموع، فإن أمكن أن يحمل على ذلك كما روي عن ابن عباس من أنهم زادوا فيه ونقصوا فهو أولى، وإن لم يمكن ذلك فيجب أن يحمل على تغيير تأويله وإن كان التنزيل ثابتاً، وإنما يمتنع ذلك إذا ظهر كلام الله ظهوراً متواتراً كظهور القرآن، فأما قبل أن يصير كذلك فغير ممتنع تحريف نفس كلامه، لكن ذلك ينظر فيه، فإن كان تغييرهم له يؤثر في قيام الحجة به فلا بد من أن يمنع الله تعالى منه وإن لم يؤثر في ذلك صح وقوعه فالتحريف الذي يصح في الكلام يجب أن يقسم على ما ذكرناه، فأما تحريف المعنى فقد يصح على وجه ما، لم يعلم قصد الرسول باضطرار فإنه متى علم ذلك امتنع منهم التحريف لما تقدم من علمهم بخلافه كما يمتنع الآن أن يتأول متأول تحريم لحم الخنزير والميتة والدم على غيرها. المسألة الثالثة: اعلم أنا إن قلنا بأن المحرفين هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، فالأقرب أنهم حرفوا ما لا يتصل بأمر محمد صلى الله عليه وسلم. روي أن قوماً من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به موسى وما نهى عنه، ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس، وأما إن قلنا: المحرفون هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام فالأقرب أن المراد تحريف أمر محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك إما أنهم حرفوا نعت الرسول وصفته أو لأنهم حرفوا الشرائع كما حرفوا آية الرجم وظاهر القرآن لا يدل على أنهم أي شيء حرفوا. المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: كيف يلزم من إقدام البعض على التحريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟ أجاب القفال عنه فقال: يحتمل أن يكون المعنى كيف يؤمن هؤلاء وهم إنما يأخذون دينهم ويتعلمونه من قوم هم يتعمدون التحريف عناداً، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وغيروه عن وجهه والمقلدة لا يقبلون إلا ذلك ولا يلتفتون إلى قول أهل الحق وهو كقولك للرجل: كيف تفلح وأستاذك فلانٰ أي وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره. المسألة الخامسة: اختلفوا في قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ } فقال قائلون: آيسهم الله تعالى من إيمان هذه الفرقة وهم جماعة بأعيانهم. وقال آخرون: لم يؤيسهم من ذلك إلا من جهة الاستبعاد له منهم مع ما هم عليه من التحريف والتبديل والعناد، قالوا: وهو كما لا نطمع لعبيدنا وخدمنا أن يملكوا بلادنا. ثم إنا لا نقطع بأنهم لا يملكون بل نستبعد ذلك. ولقائل أن يقول: إن قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } استهفام على سبيل الإنكار، فكان ذلك جزماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة فإيمان من أخبر الله عنه أنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المقررة للخبر على ما تقدم. أما قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ }، فالمراد أنهم علموا بصحته وفساد ما خلقوه فكانوا معاندين مقدمين على ذلك بالعمد، فلأجل ذلك يجب أن يحمل الكلام على أنهم العلماء منهم وأنهم فعلوا ذلك لضرب من الأغراض على ما بينه الله تعالى من بعد في قوله تعالى: {أية : وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً } تفسير : [آل عمران: 187] وقال تعالى: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } تفسير : [البقرة: 146] [الأنعام: 20] ويجب أن يكون في عددهم قلة لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم كتمان ما يعتقدون لأنا إن جوزنا ذلك لم يعلم المحق من المبطل وإن كثر العدد. أما قوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فلقائل أن يقول: قوله تعالى: {عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تكرار لا فائدة فيه: أجاب القفال عنه من وجهين، الأول: من بعد ما عقلوه مراد الله فأولوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. الثاني: أنهم عقلوا مراد الله تعالى، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم الوزر والعقوبة من الله تعالى، ومتى تعمدوا التحريف مع العلم بما فيه من الوزر كانت قسوتهم أشد وجراءتهم أعظم، ولما كان المقصود من ذلك تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: قال القاضي قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } على ما تقدم تفسيره، يدل على أن إيمانهم من قبلهم لأنه لو كان بخلق الله تعالى فيهم لكان لا يتغير حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدم ذكرهم، ولما صح كون ذلك تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأن على هذا القول أمرهم في الإيمان موقوف على خلقه تعالى ذلك، وزواله موقوف على أن لا يخلقه فيهم ومن وجه آخر وهو أعظامه تعالى لذنبهم في التحريف من حيث فعلوه وهم يعلمون صحته، ولو كان ذلك من خلقه لكان بأن يعلموا أو لا يعلموا لا يتغير ذلك وإضافته تعالى التحريف إليهم على وجه الذم تدل على ذلك، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة. المسألة الثانية: قال أبو بكر الرازي: تدل الآية على أن العالم المعاند فيه أبعد من الرشد وأقرب إلى اليأس من الجاهل، لأن قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } يفيد زوال الطمع في رشدهم لمكابرتهم الحق بعد العلم به.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود؛ أي إن كفروا فلهم سابقة في ذلك. والخطاب لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجِوار الذي كان بينهم. وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة؛ عن ٱبن عباس. أي لا تحزن على تكذيبهم إياك، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا. و «أنْ» في موضع نصب، أي في أن يؤمنوا؛ نصب بأن، ولذلك حذفت منه النون. يقال: طَمِع فيه طَمَعاً وَطَماعِيَة ـ مخفف ـ فهو طَمِعٌ؛ على وزن فَعِل. وأطمعه فيه غيره. ويقال في التعجب: طَمُع الرجل ـ بضم الميم ـ أي صار كثير الطمع. والطمع: رِزق الجُنْد؛ يقال: أمرَ لهم الأمير بأطماعهم؛ أي بأرزاقهم. وٱمرأة مِطماع: تُطمِع ولا تُمَكِّن. الثانية: قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} الفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه، وجمعه في أدنى العدد أفرقة، وفي الكثير أفرقاء. {يَسْمَعُونَ} في موضع نصب خبر «كان». ويجوز أن يكون الخبر «مِنْهم»، ويكون {يَسْمَعُونَ} نعتاً لفريق؛ وفيه بُعْدٌ. {كَلاَمَ ٱللَّهِ} قراءة الجماعة. وقرأ الأعمش «كَلِمَ اللَّهِ» على جمع كلمة. قال سيبويه: وأعلم أن ناساً من ربيعة يقولون «مِنْهِم» بكسر الهاء إتباعاً لكسر الميم؛ ولم يكن المسكّن حاجزاً حصيناً عنده. «كلام الله» مفعول بـ «ـيسمعون». والمراد السبعون الذين ٱختارهم موسى عليه السلام؛ فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره، وحرّفوا القول في إخبارهم لقومهم. هذا قول الربيع وٱبن إسحٰق؛ وفي هذا القول ضعف. ومن قال: إن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى وٱختصاصه بالتكليم. وقد قال السُّدِّي وغيره: لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم ورغِبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم؛ فلما فرغوا وخرجوا بدّلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:6] فإن قيل: فقد روى الكلبيّ عن أبي صالح عن ٱبن عباس أن قوم موسى سألوا موسى أن يسأل ربه أن يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتاً كصوت الشَّبُّور: «إني أنا الله لا إلٰه إلا أنا الحيّ القيوم أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديدة». قلت: هذا حديث باطل لا يصح، رواه ٱبن مَرْوان عن الكلبيّ وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وإنما الكلام شيء خُصّ به موسى من بين جميع ولد آدم؛ فإن كان كلّم قومه أيضاً حتى أسمعهم كلامه فما فَضْلُ موسى عليهم؛ وقد قال وقوله الحق: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}تفسير : [الأعراف:144] وهذا واضح. الثالثة: وٱختلف الناس بماذا عرف موسى كلام الله ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه؛ فمنهم من قال: إنه سمع كلاماً ليس بحروف وأصوات، وليس فيه تقطيع ولا نفس؛ فحينئذ علم أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين. وقال آخرون: إنه لمّا سمع كلاماً لا من جهة، وكلامُ البشر يُسمع من جهة من الجهات الستّ؛ علم أنه ليس من كلام البشر. وقيل: إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام؛ فعلم أنه كلام الله. وقيل فيه: إن المعجزة دلّت على أن ما سمعه هو كلام الله؛ وذلك أنه قيل له: ألق عصاك، فألقاها فصارت ثعباناً؛ فكان ذلك علامة له على صدق الحال، وأن الذي يقول له: {أية : إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ}تفسير : [طه:12] هو الله جلّ وعز. وقيل: إنه قد كان أضمر في نفسه شيئاً لا يقف عليه إلا علام الغيوب، فأخبره الله تعالى في خطابه بذلك الضمير؛ فعلم أن الذي يخاطبه هو الله جل وعز. وسيأتي في سورة «القصص» بيان معنى قوله تعالى: {أية : نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [القصص:30] إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} قال مجاهد والسُّدِّى: هم علماء اليهود الذين يحرّفون التوراة فيجعلون الحرام حلالاً والحلال حراماً ٱتباعاً لأهوائهم. {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي عرفوه وعلموه. وهذا توبيخ لهم؛ أي إن هؤلاء اليهود قد سلفت لآبائهم أفاعيل سوء وعناد، فهؤلاء على ذلك السَّنن، فكيف تطمعون في إيمانهم! ودلّ هذا الكلام أيضاً على أن العالم بالحق المعاند فيه بعيد من الرشد؛ لأنه علم الوعد والوعيد ولم ينهه ذلك عن عناده.
البيضاوي
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } أن يصدقوكم، أو يؤمنوا لأجل دعوتكم. يعني اليهود. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } طائفة من أسلافهم {يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } يعني التوراة. {ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } كنعت محمد صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم. أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون. وقيل هؤلاء من السبعين المختارين سمعوا كلام الله تعالى حين كلم موسى عليه السلام بالطور، ثم قالوا سمعنا الله تعالى يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا. {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } أي فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم مفترون مبطلون، ومعنى الآية: أن أحبار هؤلاء ومقدميهم كانوا على هذه الحالة، فما ظنك بسفلتهم وجهالهم، وأنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في ذلك.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} أيها المؤمنون {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} أي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي: يتأولونه على غير تأويله {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَٰضِعِهِ}تفسير : [المائدة: 13] قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ} وليس قوله: يسمعون التوراة، كلهم قد سمعها، ولكن هم الذي سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها. وقال محمد بن إسحاق، فيما حدثني بعض أهل العلم: إنهم قالوا لموسى: يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم، مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام، أمرهم موسى أن يسجدوا، فوقعوا سجوداً، وكلمه ربه، فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا منه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاؤوهم، حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله: إنما قال: كذا وكذا؛ خلافاً لما قال الله عز وجل لهم، فهم الذين عنى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقال السدي: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} قال: هي التوراة حرفوها، وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 6] أي: مبلغاً إليه، ولهذا قال قتادة في قوله: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال: هم اليهود، كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه، وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم، وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم فحرفوه عن مواضعه، وقال السدي: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: إنهم أذنبوا، وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: {يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حراماً، والحرام فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً، والباطل فيها حقاً، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئاً ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} الآية، قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤا ءَامَنَّا} أي: إن صاحبكم محمداً رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم، فأنزل الله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ} أي: تقرون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبركم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به. يقول الله تعالى: { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، وقال السدي: هؤلاء ناس من اليهود، آمنوا ثم نافقوا. وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «حديث : لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن»تفسير : فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر، ويرجعون إليهم بعد العصر، وقرأ قول الله تعالى: {أية : وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}تفسير : [آل عمران: 72] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فإذا رجعوا، رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون، وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا، فيقولون: بلى، فإذا رجعوا إلى قومهم، يعني الرؤساء، قالوا: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} الآية، وقال أبو العالية {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ} قال: كانوا يقولون: سيكون نبي، فخلا بعضهم ببعض، فقالوا {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي برزة عن مجاهد في قوله تعالى: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: «حديث : يا إخوان القردة والخنازير ويا عبدة الطاغوت»تفسير : فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمداً؟ ما خرج هذا القول إلا منكم {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجة عليكم، قال ابن جريج عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم علياً، فآذوا محمداً صلى الله عليه وسلم وقال السدي: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} من العذاب {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ} هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} من العذاب؛ ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. وقال عطاء الخراساني: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} يعني: بما قضى لكم وعليكم. وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود، كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم. وقوله تعالى: { أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم، وكذا قال قتادة، وقال الحسن: {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما فتح الله عليهم مما في كتابهم؛ خشية أن يحاجهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بما في كتابهم عند ربهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} يعني: حين قالوا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم آمنا. كذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ } أيها المؤمنون {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} أي اليهود {لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ } طائفة {مِنْهُمْ } أحبارهم {يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ } في التوراة {ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } يغيرونه {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } فهموه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم مفترون؟ والهمزة للإنكار أي لا تطمعوا فلهم سابقة بالكفر.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ } هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار، كأنه آيسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود. والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو له ولهم. و {يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } أي: لأجلكم، أو على تضمين آمن معنى استجاب، أي: أتطمعون أن يستجيبوا لكم. والفريق: اسم جمع لا واحد له من لفظه. و{كَلاَمَ ٱللَّهِ } أي: التوراة. وقيل: إنهم سمعوا خطاب الله لموسى حين كلمه، وعلى هذا فيكون الفريق هم: السبعون الذين اختارهم موسى، وقرأ الأعمش: {كلم الله}. والمراد من التحريف: أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة، فجعلوا حلاله حراماً، أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى فزادوا فيه، ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر، وإنكار على من طمع في إيمانهم، وحالهم هذه الحال: أي: ولهم سلف حرفوا كلام الله، وغيروا شرائعه، وهم مقتدون بهم، متبعون سبيلهم. ومعنى قوله: {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } أي: من بعد ما فهموه بعقولهم مع كونهم يعلمون أن ذلك الذي، فعلوه تحريف مخالف لما أمرهم الله به من بليغ شرائعه كما هي، فهم وقعوا في المعصية عالمين بها، وذلك أشد لعقوبتهم، وأبين لضلالهم. {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني أن المنافقين إذا لقوا الذين آمنوا: {قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } أي: إذا خلا الذين لم ينافقوا بالمنافقين قالوا لهم عاتبين عليهم: {أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: حكم عليكم من العذاب، وذلك أن ناساً من اليهود أسلموا، ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذّب به آباؤهم، وقيل إن المراد ما فتح الله عليهم في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنى خلا. والفتح عند العرب: القضاء، والحكم، والفتاح: القاضي بلغة اليمن. والفتح: النصر، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [البقرة: 89] وقوله: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } تفسير : [الأنفال: 19] ومن الأوّل: {أية : ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ} تفسير : [سبأ: 26] {أية : وأنت خير الفاتحين}تفسير : [الأعراف: 89] أي: الحاكمين، ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين، والمحاجة: إبراز الحجة، أي: لا تخبروهم بما حكم الله به عليكم من العذاب، فيكون ذلك حجة لهم عليكم، فيقولون: نحن أكرم على الله منكم، وأحق بالخير منه. والحجة، الكلام المستقيم، وحاججت فلاناً، فحججته أي غلبته بالحجة. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ما فيه الضرر عليكم من هذا التحدث الواقع منكم لهم. ثم وبخهم الله سبحانه {أَولا * يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } من جميع أنواع الإسرار وأنواع الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر، وإعلانهم الإيمان. وقد أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: ثم قال الله لنبيه، ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } وليس قوله يسمعون التوراة كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } الآية، قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرّفونه من بعد ما سمعوه، ووعوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } الآية، قال: الذين يحرفونه، والذين يكتبونه هم العلماء منهم، والذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود. وأخرج ابن جرير، عن السدى في قوله: {يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } قال: هي التوراة حرفوها. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } أي: بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه إليكم خاصة {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } قالوا لا تحدثوا العرب بهذا، فقد كنتم تستفتحون به عليهم، وكان منهم {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } أي: تقرّون بأنه نبيّ، وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبيّ الذي كان ينتظر، ونجد في كتابنا: اجحدوه ولا تقرّوا به. وأخرج ابن جرير، عنه أن هذه الآية في المنافقين من اليهود وقوله: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } يعني: بما أكرمكم به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي قال: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا، ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب لتقولوا نحن أحبّ إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن زيد أن سبب نزول الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخلنّ علينا قصبة المدينة إلا مؤمن،تفسير : فكان اليهود يظهرون الإيمان، فيدخلون ويرجعون إلى قومهم بالأخبار، وكان المؤمنون يقولون لهم: أليس قد قال الله في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون: نعم، فإذا رجعوا إلى قومهم: {قَالُواْ أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } الآية». وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، أن سبب نزول هذه الآية: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام لقوم قريظة تحت حصونهم فقال:حديث : يا إخوان القردة، والخنازير، ويا عبدة الطاغوت، تفسير : فقالوا: من أخبر هذا الأمر محمداً؟ ما خرج هذا الأمر إلا منكم: {أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ }» أي: بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة أن السبب في نزول الآية: «أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمهم، وهو ابن صوريا فقال له:حديث : احكم، تفسير : قال: فجبوه والتجبية: يحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار، فقال رسول اصلى الله عليه وسلم: حديث : أبحكم الله حكمت؟تفسير : قال: لا، ولكن نساءنا كنّ حساناً، فأسرع فيهنّ رجالنا، فغيرنا الحكم، وفيه نزل: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } الآية» وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } قال: هم اليهود، وكانوا إذا لقوا الذين إمنوا قالوا آمنا، فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } نهى بعضهم بعضاً أن يحدثوا بما فتح الله عليهم، وبين لهم في كتابه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ونعته، ونبوّته، وقالوا: إنكم إذا، فعلتم ذلك احتجوا بذلك عليكم عند ربكم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أو لا يعلمون أن الله يعلم وما يسرّون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. واخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {أَولا * يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } يعني من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولكذبهم، وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين آمناً، وقد قال بمثل هذا جماعة من السلف.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {... وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُون كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} في ذلك قولان: أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم وهذا قول مجاهد والسدي. والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق. وفي كلام الله الذي يسمعونه قولان: أحدهما: أنها التوراة التي عَلِمَها علماء اليهود. والثاني: الوحي الذي كانوا يسمعونه كما تسمعه الأنبياء. وفي قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلَوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} وجهان: أحدهما: من بعد ما سمعوه، وهم يعلمون أنهم يحرفونه. والثاني: من بعد ما عقلوه، وهم يعلمون، ما في تحريفه من العقاب. قوله تعالى: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، إذا خلوا مع المنافقين، قال لهم المنافقون: أتحدثون المسلمين، بما فتح الله عليكم. والثاني: أنهم اليهود، قال بعضهم لبعض: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيكُم} وفيه أربعة أقاويل: أحدها: بما فتح الله عليكم، أي مما أذكركم الله به، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: بما أنزل الله عليكم في التوراة، من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبعثه، {ليُحَآجُّوكم بَهِ عِنْدَ رَبِّكُم} رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو قول أبي العالية وقتادة. والثالث: أنهم أرادوا قول يهود بني قريظة، حين شبههم النبي صلى الله عليه وسلم، بأنهم إخوة القردة، فقالوا: من حدثك بهذا؟ وذلك حين أرسل إليهم، علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهذا قول مجاهد. والرابع: أن ناساً من اليهود أسلموا، ثم نافقوا فكانوا يحدثون المسلمين من العرب، بما عُذِّبَ به (آباؤهم)، فقال بعضهم لبعض، أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، وهذا قول السدي. وفي {فتح الله} وجهان: أحدهما: بما علمكم الله. والثاني: بما قضاه الله، والفتح عند العرب القضاء والحكم، ومنه قول الشاعر: شعر : ألا أبلغ بني عُصُم رسولاً بأني عن فِتاحِكُم غنيُّ تفسير : ويُقَالُ للقاضي: الفتّاح، ومنه قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا افْتَح بَيْنَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89]. قوله تعالى: {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم}، فَحُذِفَ ذكُر الكتاب إيجازاً. والثاني: {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم} فتظهر له الحُجَّة عليكم، فيكونوا أولى بالله منكم، وهذا قول الحسن. والثالث: {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم} يوم القيامة، كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّكُم يَومَ القيِامَةِ عِنْدَ رَبِّكُم تَخْتَصِمُونَ} تفسير : [الزمر: 31].
ابن عبد السلام
تفسير : {يُحَرِّفُونَهُ} نزلت فيمن حرّف التوراة فحرّم حلالها وأحل حرامها. أو في السبعين سمعوا كلام الله ـ تعالى ـ ثم حرّفوه لقومهم.
النسفي
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ } الخطاب لرسول الله والمؤمنين. {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } أن يؤمنوا لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم كقوله تعالى: {أية : فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ }تفسير : [العنكبوت: 26]، يعني اليهود. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } طائفة فيمن سلف منهم. {يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ } أي التوراة. {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } كما حرفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. {مِن بَعْدِِ مَا عَقَلُوهُ } من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون مفترون. والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك. {وَإِذَا لَقُواْ } أي المنافقون أو اليهود. {ٱلَّذِينَ آمنواْ } أي المخلصون من أصحاب محمد عليه السلام. {قَالُواْ } أي المنافقون {آمنَا } بأنكم على الحق وأن محمداً هو الرسول المبشر به. {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ } الذين لم ينافقوا {إِلَىٰ بَعْضِ } إلى الذين نافقوا {قَالُواْ } عاتبين عليهم {أَتُحَدِّثُونَهُم } أتخبرون أصحاب محمد عليه السلام {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بما بين الله لكم في التوراة من صفة محمد عليه السلام {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ } ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم به وقولهم هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله تعالى هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد؟ وقيل: هذا على إضمار المضاف أي عند كتاب ربكم. وقيل: ليجادلوكم ويخاصموكم به بما قلتم لهم عند ربكم في الآخرة يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أن هذه حجة عليكم حيث تعترفون به ثم لا تتابعونه {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ } جميع {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان. {وَمِنْهُمُ } ومن اليهود {أُمِّيُّونَ } لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها {لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة {إِلاَّ أَمَانِىَّ } إلا ما هم عليه من أمانيهم وأن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياماً معدودة، أو إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد ومنه قول عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت منذ أسلمت، أو إلا ما يقرؤون من قوله: شعر : تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لا في حمام المقادر تفسير : أي لا يعلمون هؤلاء حقيقة المنزل وإنما يقرؤون أشياء أخذوها من أحبارهم. والاستثناء منقطع. {وَإِنْ هُمْ } وما هم {إِلاَّ يَظُنُّونَ } لا يدرون ما فيه فيجحدون نبوتك بالظن. ذكر العلماء الذين عاندوا بالتحريف مع العلم ثم العوام الذين قلدوهم {فَوَيْلٌ } في الحديث «حديث : ويل واد في جهنم» تفسير : {لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } المحرف {بِأَيْدِيهِمْ } من تلقاء أنفسهم من غير أن يكون منزلاً. وذكر الأيدي للتأكيد وهو من مجاز التأكيد {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } عوضاً يسيراً. {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } من الرشا. {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل. وعن مجاهد رضي الله عنه: كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً. {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ } متعلق بمحذوف تقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } «أم» إما أن تكون معادلة أي أتقولون على الله ما تعلمون أم تقولون عليه ما لا تعلمون، أو منقطعة أي بل أتقولون على الله ما لا تعلمون. {بَلَىٰ } إثبات لما بعد النفي وهو لن تمسنا النار أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله «هم فيها خالدون» {مَن كَسَبَ سَيّئَةً } شركاً عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضي الله عنهم {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } وسدت عليه مسالك النجاة بأن مات على شركه، فأما إذا مات مؤمناً فأعظم الطاعات وهو الإيمان معه فلا يكون الذنب محيطاً به فلا يتناوله النص، وبهذا التأويل يبطل تشبث المعتزلة والخوارج. وقيل: استولت عليه كما يحيط العدو ولم ينفضّ عنها بالتوبة، «خطياته» مدني. {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {أفتطمعون} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه هو الداعي إلى الإيمان وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنهم كانوا يدعونهم إلى الإيمان أيضاً ومعنى أفتطمعون أفترجعون {أن يؤمنوا لكم} أي يصدقكم اليهود بما تخبرونهم وقيل: معناه أفتطمعون أن يؤمنوا لكم مع أنهم لم يؤمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وكان هو سبب في خلاصهم من الذل وظهور المعجزات على يده {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} قيل المراد بالفريق: هم الذين كانوا مع موسى يوم الميقات، وهم الذين سمعوا كلام الله تعالى، وقيل المراد بهم: الذي كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الأقرب لأن الضمير راجع إليهم في أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، فعلى هذا يكون معنى يسمعون كلام الله يعني التوراة، لأنه يصح أن يقال لمن يسمع التوراة يسمع كلام الله {ثم يحرفونه} أي يغيرون كلام الله، ويبدلونه فمن فسر الفريق الذين يسمعون كلام الله بالفريق الذين كانوا مع موسى عليه السلام استدل بقول ابن عباس رضي الله عنهما إنها نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه، وذلك لأنهم لما رجعوا إلى قومهم بعد ما سمعوا كلام الله أما الصادقون منهم فإنهم أدوا كما سمعوا وقالت طائفة منهم: سمعنا الله يقول في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا وإن شئتم فلن تفعلوا، فكان هذا تحريفهم ومن فسر الفريق الذين كانوا يسمعون كلام الله بالذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان تحريفهم تبديلهم صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة {من بعد ما عقلوه} أي علموا صحة كلام الله ومراده فيه ثم مع ذلك خالفوه {وهم يعلمون} أي فساد مخالفته ويعلمون أيضاً أنهم كاذبون. قوله عز وجل {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} نزلت هذا الآية في اليهود، الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به وإن صاحبكم صادق وقوله حق وإنا نجد نعته وصفته في كتابنا {وإذا خلا بعضهم إلى بعض} يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا ورؤساء اليهود لاموا منافقي اليهود على ذلك و{قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} يعني قص الله عليكم في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه حق وقوله صدق {ليحاجوكم به} أي ليخاصمكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحتجوا عليكم بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم لم لا تتبعونه، وذلك أن اليهود قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في إتباع محمد صلى الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه نبي حق ثم لام بعضهم بعضاً، وقالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم لتكون لهم الحجة عليكم {عند ربكم} أي في الدنيا والآخرة وقيل: هو قول يهود بني قريظة بعضهم لبعض. حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: يا إخوان القردة والخنازير. قالوا: من أخبر محمداً بهذا؟ هذا ما خرج إلا منكم وقيل: إن اليهود أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به من الجنايات. فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما قضى الله عليكم من العذاب ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله {أفلا تعقلون} أي إن ذلك لا يليق بما أنتم عليه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ...} استفهام على (سبيل) الاستغراب فيتناول النّبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، (أو على الإنكار فيتناول المؤمنين فقط). قوله تعالى: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ...}. (ابن عطية: قال ابن إسحاق: وهم السبعون الّذين سمعوا كلام الله مع موسى، ثم بدلوه. ابن عطية): وهذا ضعيف وخطأ لأن فيها (إذهابا) لفضيلة موسى في اختصاصه (بالتّكليم). قال ابن عرفة: بل هو مقرر للفضيلة لأنهم (إنما) سمعوا كلام الله بحضرته من أجله وعلى سبيل التّبعية له. وقيل: المراد سماعهم تلاوة التوراة والصحف من موسى، وكونهم بدلوا فيها وغيّروا، فالسماع الأول حقيقة وهذا شبه مجاز في المسموع لا في نفس السّماع، لأن مسموعهم ليس هو كلام الله تعالى، إنما هو كلام موسى عليه السلام، ومدلوله كلام الله، ونظيره سماعك كلام زيد من ناقل (نقله عنه). قال الزمخشري: والمراد (بالتحريف) ما يتلونه من التوراة، ثم يحرفونه كما حرفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. قيل لابن عرفة: لم يبدلوا آية الرجم إنما وضع مدرّسهم يده عليها فقط؟ فقال: المراد بالتحريف الكتم أو عدم العمل بمقتضاها. قيل لابن عرفة: إن الشيخ أبا علي ناصر الدين البجائي المشذالي كان يحتج بهذه الآية على إثبات العمل بالقياس، وقرره بأنه سجل على هؤلاء بالكفر قياسا على أحبارهم ومن سلف (منهم) الذين شاهدوا الآيات البينات وسمعوا كلام الله إمّا مشافهة أو بواسطة؟ فقال ابن عرفة: إنما فيها استحالة ثبوت المعنى وهو الإيمان لوجود المانع (منه) وهو أحبارهم (يحدثونهم) بتحريف من سلف (منهم) وكفرهم. واللام في قوله عز وجل {يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} الأصوب (أن تكون بمعنى "مع" ويبعد كونها) للتعليل أي يؤمنوا لأجلكم لأن مفهومه حصول الإيمان منهم بسبب آخر غير المؤمنين.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {إلا أماني} حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله {تلك أمانيهم} {وليس بأمانيكم ولا أماني} {وغرتكم الأماني} فإن أربعتهن بالإسكان عنده {بأيديهم} بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة {خطيآته} بالجمع: أبو جعفر ونافع. الوقوف: {يعلمون} (ه) {آمنا} (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود {عند ربكم} (ط) {أفلا تعقلون} (ه) {يعلنون} (ه) {يظنون} (ج) {قليلاً} (ط) {يكسبون} (ه) {معدودة} (ط) {ما لا تعلمون} (ه) {النار} (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر. {خالدون} (ه) {الجنة} (ج) {خالدون} (ه). التفسير: لما ذكر الله سبحانه وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟ كقوله {فآمن له لوط} {وقد كان فريق منهم} طائفة من أسلافهم {يسمعون كلام الله} وهو ما يتلونه من التوراة {ثم يحرفونه} كما حرفوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس {من بعد ما عقلوه} فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة {وهم يعلمون} أنهم مفترون كذابون. والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟ فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية {وإذا لقوا} أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا. {وإذا خلا بعضهم} الذين لم ينافقوا {إلى بعض} الذين نافقوا {قالوا} عاتبين عليهم {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود {ليحاجوكم به عند ربكم} ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه. جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله. ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟ وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم تعالى من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه. وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة. وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي. وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا {أفلا تعقلون} أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم {أو لا يعلمون أن الله يعلم} جميع {ما يسرون وما يعلنون} ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله تعالى بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية {ومنهم أميون} لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة {لا يعلمون الكتاب} التوراة {إلا أماني} وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر. تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة. وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد. يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟ وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب. وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: شعر : تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر تفسير : والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه. ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً. ومن قرأ {أماني} بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح {وإن هم إلا يظنون} كالمحقق لما تقدمه من قوله {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم. وعن الثوري: صديد أهل الجحيم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره". تفسير : وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره. ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد {يكتبون الكتاب} المحرف {بأيديهم} تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك. حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله. فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله {ليشتروا به ثمناً قليلاً} تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم {فويل لهم مما كتبت أيديهم} أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم {وويل لهم مما يكسبون} بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي {وقالوا لن تمسنا النار} نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل. والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل. وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة. وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين. والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره سبحانه كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر. و {أتخذتم} استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي. {فلن يخلف الله عهده} لتنزهه سبحانه عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص. فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف. قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل. و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو {أية : وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}تفسير : [سبأ: 8]، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً. فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات. وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي. ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم {بلى} إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله {لن تمسنا النار} أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله تعالى {هم فيها خالدون} عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد. قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب. ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري {أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}تفسير : [المطففين: 14] فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار. وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة. وقوله {سيئة} يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة. ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به. والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم. والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة. واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة. منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر. والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه سبحانه يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين. أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله {أية : ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها}تفسير : [النساء: 14] وقوله {أية : وإن الفجار لفي جحيم}تفسير : [الإنفطار: 14] وقوله {أية : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً}تفسير : [النساء:10] ومن الحديث "حديث : من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة. ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم"تفسير : وعن أبي سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار"تفسير : وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى. وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل. ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات. القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله تعالى {أية : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} تفسير : [النحل: 27] {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} تفسير : [الزمر: 53] {أية : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} تفسير : [الرعد: 6] {أية : لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى} تفسير : [الليل: 15 - 16] وبالعمومات الواردة في الوعد مثل {أية : والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} تفسير : [البقرة: 3] الآية. حكم بالفلاح على كل من آمن. وعورض بعمومات الوعيد. أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء: 48] وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد. وأيضاً القرآن مملوء من قوله {عفواً غفوراً} {رحيماً} {كريماً}. وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر. وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟ إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما. فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث. ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.
ابن عادل
تفسير : قال القرطبي: هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أَيْأَسَهُمْ من إيمان هذه الفرقة من اليهود. ويقال: طَمِع فيه طَمَعاً وطَماعيةً ـ مخفف ـ فهو طَمِعٌ على وزن "فَعِل" وأطمعه فيه غيره. ويقال في التعجب: طَمُعَ الرُّجل ـ بضم الميم ـ أي: صار كثير الطّمع. والطمع: رزق الجُنْد، يقال: أمر لهم الأمير بأَطْمَاعهم، أي: بأرزاقهم. وامرأة مِطْمَاع: تُطْمِعُ وَلاَ تُمَكِّن. فصل في قبائح اليهود لما ذكر قَبَائح أفعال أَسْلاف اليهود شرع في قَبَائح أفعال اليَهُود الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. قال القَفّال رحمه الله: إن فيما ذكره الله ـ تعالى ـ في [سورة البقرة] من أقاصيص بني إسرائيل وجوهاً من المقاصد. أحدها: الدلالة بها على صحّة نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه أخبر عنها من غير تعلّم، وذلك لا يكون إلا بالوَحْي، ويشترك في الانتفاع بهذه الدلالة أهل الكتاب والعرب. أما أهل الكتاب فكانوا يعلمونها، فلما سمعوها من محمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ من غير تفاوت، علموا لا محالة أنه ما أخذها إلا من الوَحْي. وأما العرب فلما [شاهدوا] من أن أهل الكتاب يصدقون محمداً في هذه الأخبار، فلم يكونوا يسمعون هذه الأخبار إلاّ من علماء أهل الكتاب، فيكون ميلهم إلى الطّاعة أقرب. وثانيها: تعديد النِّعَم على بني إسرائيل، وما مَنَّ الله به على أَسْلاَفهم من أنواع النعم، كالإنْجَاءِ من آل فرعون بعد اسْتِبْعَادهم، وتَصْيِيْرِ أبنائهم أنبياء وملوكاً، وتمكينهم في الأرض، وفَرْق البحر لهم، وإهلاك عَدُوّهم، وإنزال التوراة والصَّفْح عن الذنوب التي ارتكبوها من عبادة العَجْل، ونَقْض المَوَاثيق، ومسألة النَّظَر إلى الله جَهَرةً، ثم ما أخرجه لهم في التِّيْهِ من الماء من الحَجَر، وإنزال المَنّ والسَّلْوَى وتَظْلِيل الغَمَام من حَرّ الشمس، فذكّرهم بهذه النعم كلها. وثالثها: إخبار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقديم كُفْرهم وخلافهم، وتعنّتهم على الأنبياء، وعِنَادهم، وبلوغهم في ذلك ما لم يبلغه أحد من الأمم قبلهم، وذلك لأنهم بعد مُشَاهدتهم الآيات الباهرة عَبَدوا العِجْل بعد مفارقة موسى بمدّة يسيرة، ولما أمروا بدخول الباب سُجّداً وأن يقولوا حطّة، ووعدهم أن يغفر لهم خَطَاياهم، ويزيد في ثواب محسنهم، فبدلوا القول وفَسَقوا، وسألوا الفُومَ البَصَلَ بَدَلَ المَنّ والسَّلوى، وامتنعوا من قَبُول التوراة بعد إيمانهم بموسى ـ عليه الصّلاة والسلام ـ وأخذ منهم المَوَاثيق أن يؤمنوا به حين رفع فوقهم الجَبَل، ثم استحلّوا الصيد في السّبت واعتدوا، ثم أمروا بذبح البقرة، فشافهوا موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقولهم: "أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً". ثم لما شاهدوا إحْيَاء الموتى ازدادوا قَسْوى، فكأن الله ـ تعالى ـ يقول: إذا كانت هذه أفعالهم مع نبيهم الذي أعزّهم الله به، فغير بديع ما يعامل به أخلافهم محمداً عليه الصلاة والسلام، فَلْيَهُنْ عليكم أيها النبي والمؤمنون ما ترونه من عنادهم، وإعراضهم عن الحق. ورابعها: تحذير أَهْل الكِتَاب الموجودين في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من نزول العذاب عليهم كما نزل بأسلافهم في تلك الوقائع المعدودة. وخامسها: الاحتجاج على من أنكر الإعادة من مشركي العرب مع إقراره بالابتداء كما في قوله: {أية : كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [البقرة:73]. فصل في تسلية النبيّ صلى الله عليه وسلم اعلم أن المراد تسلية رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ فيما يظهر من أَهْل الكتاب في زمانه من قلّة القبول فقال: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ}. قال الحسن: هو خطاب مع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمؤمنين. قال القاضي: وهذا الأليق بالظاهر، وإن كان الأصل في الدّعاء، فقد كان من الصحابة من يدعوهم إلى الإيمان، ويظهر لهم الدلائل. قال ابن عَبَّاس: إنه خطاب مع النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ خاصّة؛ لأنه هو الدّاعي، وهو المقصود بالاستجابة. واللفظة وإن كانت للعموم لكن حملناها على هذا الخصوص لهذه [القرينة]. روي أنه حين دخل "المدينة"، ودعا اليهود إلى كتاب الله، وكذبوه، فأنزل الله ـ تعالى ـ وسبب هذه الاستعباد ما ذكرناه أي: أتطمعون أن يؤمنوا مع أنهم ما آمنوا بموسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ الذي كان هو السبب في خَلاَصهم من الذّل، وفضلهم على الكل بظهور المُعْجزات المتوالية على يَدِهِ، مع ظهور أنواع العذاب على المتمردين، فأي استبعاد في عدم إيمان هؤلاء. فصل في إعراب الآية قوله: {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} ناصب ومنصوب، وعلامة النصب حذف النون والأصل في "أن" وموضعها نصب أو جر على ما عرف، وعدي "يؤمنوا" باللاّم لتضمّنه معنى أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم قاله الزمخشري. فإن قيل: ما معنى الإضافة في قوله: "يُؤْمنُوا لَكُمْ" والإيمان إنما هو لله؟ فالجواب: أن الإيمان ـ وإن كان الله ـ فهم الدّاعون إليه كما قال تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ}تفسير : [العنكبوت:26] لما آمن بنبوّته وتصديقه، ويجوز أن يراد أن يؤمنوا لأجلكم، ولأجل تشدّدكم في دعائهم. قوله: {وَقَدْ كَانَ فِرِيقٌ منْهُمْ} "الواو": للحال. قال بعضهم: وعلامتها أن يصلح موضها "إذ"، والتقدير: أفتطمعون في إيمانهم، والحال أنهم كاذبون محرفون لكلام الله تعالى. و "قد" مقربة للماضي من الحال سوّغت وقوعه حالاً. و "يَسْمَعُون" خبر "كان". و "منهم" في محلّ رفع صفة لـ "فريق"، أي: فريق كائن منهم. قال سيبويه: واعلم أن ناساً من ربيعة يقولون: "مِنْهِم" بكسر الهاء إتباعاً لكسرة الميم. لم يكن المسكن حاجزاً حصيناً عندهم. و "الفريق" اسم جمع لا واحد له من لفظه كـ "رَهْط وَقَوْم"، وجمعه في أدنى العدد "أَفْرقة"، وفي الكثير "أَفْرِقَاء". و "يَسْمَعُون" نعت لـ "فريق"، وفيه بعد، و "كان" وما في حَيّزها في محلّ نصب على ما تقدم. وقرىء: "كَلِمَ اللَّهِ" وهو اسم جنس واحدة كلمة، وفرّق النحاة بين الكلام والكلم، بأن الكلام شرطه الإفادة، والكلم شرطه التركيب من ثلاث فصاعداً؛ لأنه جمع في المعنى، وأقلّ الجمع ثلاثة، فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه، وهل "الكلام" مصدر أو اسم مصدر؟ خلاف. والمادة تدل على التأثير، ومنه الكَلْم وهو الجُرْح، والكَلاَم يؤثر في المخاطب. قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 598ـ................ وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ تفسير : ويطلق الكلام لغة على الخَطِّ والإشارةِ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 599ـ إِذَا كَلَّمَتْنِي بِالعُيُونِ الفَوَاتِرِ رَدَدْتُ عَلَيْهَا بِالدُّمُوعِ الْبَوادِرِ تفسير : وعلى النفساني؛ قال الأخطل: [الكامل] شعر : 600ـ إِنَّ الْكَلاَمَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنِّمَا جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلاً تفسير : وقيل: لم يوجد هذا البيت في ديون الأخطل. وأما عند النحويين [فيطلق] على اللّفظ المركب المفيد بالوضع. و "ثم" للتراخي إما في الزمان أو الرتبة. و "التحريف": الإمالة والتحويل، وأصله من الانحراف عن الشيء، ويقال: قلم محرّف إذا كان مائلاً. قوله: {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} متعلق بـ "يحرفونه"، و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية، أي: ثم يحرفون الكلام من بعد المعنى الذي فهموه وعرفوه، ويجوز أن تكون مصدرية. والضمير في "عقلوه" يعود حينئذ على الكلام أي: من بعد تعقلهم إياه. قوله: "وَهُمْ يَعْلَمُونَ" جملة حالية، وفي العامل قولان: أحدهما: "عقلوه"، ولكن يلزم منه أن تكون حالاً مؤكدة؛ لأن معناها قد فهم من قوله: "عقلوه". والثاني وهو الظاهر: أنه "يحرفونه"، أي: يحرفونه حال علمهم بذلك. فصل في تعيين الفريق قال بعضهم: الفريق مَنْ كان في زمن موسى عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنه وصفهم بأنهم سمعوا كلام الله، والذين سمعوا كلام الله هم أهل المِيْقَاتِ. قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السَبعين المختارين الذين ذهبوا مع موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى المِيْقَات، سمعوا كلام الله، وأمره ونهيه، فلما رجعوا إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم، وأما الصادقون منهم فأدّوا كما سمعوا. قالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم ألاَّ تفعلوا فلا بأس. قال القرطبي: ومن قال: إنّ السبعين سمعوا كما سمع موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقد أخطأ، وأذهب بفضيلة موسى، واختصاصه بالتكليم. وقال السُّدِّي وغيره: لم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم، فلمَّا فرغوا وخرجوا بدلت طائفة منهم ما سمعت من كلام الله على لسان موسى عليه الصلاة والسَّلام، كما قال تعالى: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:6]. ومنهم من قال: المراد بالفريق مَنْ كان في زمن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما غيّروا آية الرجم، وصفة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم يعلمون أنهم كاذبون، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسدي وهذا أقرب؛ لأن الضمير في قوله: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} راجع إلى ما تقدم من قوله: {أَفتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} والذي تعلّق الطبع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. وقولهم: الذين سمعوا كلام الله هم الذين حضروا المِيْقَات ممنوع؛ لأن من سمع التوراة والقرآن يجوز أن يقال: إنه سمع كلام الله. فإن قيل: كيف يلزم من إقدام البعض على التَّحْريف حصول اليأس من إيمان الباقين، فإن عناد البعض لا ينافي إقرار الباقين؟ أجاب القَفَّال فقال: يحتمل أن يكون المعنى يؤمن هؤلاء، وهم إنما يأخذون دينهم، ويتعلمونه من علمائهم وهم قوم يتعمدون التحريف عناداً، فأولئك إنما يعلمونهم ما حرفوه وعرفوه. فصل في كلام القدرية والجبرية قوله:{أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} استفهام على سبيل الإنكار، فكان ذلك جَزْماً بأنهم لا يؤمنون ألبتة، وإيمانُ من أخبر الله ـ تعالى ـ عنهم بأنه لا يؤمن ممتنع، فحينئذ تعود الوجوه المذكورة للقدرية والجبرية. قال القاضي: قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} يدل على أن إيمانهم من قلبهم؛ لأنه لو كان بخلق الله ـ تعالى ـ فيهم لكان لا يتغيّر حال الطمع فيهم بصفة الفريق الذي تقدّم ذكرهم، ولما صحّ كون ذلك تسليةً للرسول وللمؤمنين؛ لأن الإيمان موقوف على خلقه ـ تعالى ـ ذلك، وزواله موقف على ألا يخلقه فيهم. وأيضاً إعظامه ـ تعالى ـ لكذبهم في التحريف من حيث فعلوه، وهم يعلمون صحته. وإضافته ـ تعالى ـ التحريف إليهم على وجه الذم يدلّ على ذلك، واعلم أن الكلام عليه قد تقدم جوابه مراراً. فصل في ذم العالم المعاند قال أبو بكر الرازي: الآية تدلّ على أن العالم المعاند أبعد من الرّشد، وأقرب إلى اليأس من الجاهل؛ لأن تعمّده التحريف مع العلم بما فيه من العذاب يكون أشد قسوة، وأعظم جناية. فصل في بيان أنهم إنما فعلوا ذلك لأغراض فإن قيل: إنما فعلوا ذلك لضرب من الأغراض كما قال تعالى: {أية : وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}تفسير : [آل عمران:187] وقال: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ}تفسير : [البقرة:146]. قال ابن الخطيب: ويجب أن يكونوا قليلين؛ لأن الجَمْع العظيم لا يجوز عليهم كِتْمَان ما يعتقدون؛ لأنا إنْ جوزنا ذلك لم نعلم المحق من المبطل، إن كثر العدد. فإن قيل: قوله: {عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تكْرار. أجاب القَفّال ـ رضي الله عنه ـ بوجهين: أحدهما: "مَنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوا مراد الله ـ تعالى ـ منه"، فأوّلوه تأويلاً فاسداً يعلمون أنه غير مراد الله تعالى. والثاني: أنهم عقلوا مراد الله تَعَالى، وعلموا أن التأويل الفاسد يكسبهم العذاب والعقوبة من الله تعالى. واعلم أن المقصود من ذلك تسلية الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وتصبيره على عنادهم فكلما كان عنادهم أعظم كان ذلك في التسلية أقوى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ثم قال الله لنبيه ومن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} وليس قوله التوراة كلهم، وقد سمعها ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم...} الآية. قال: فالذين يحرفونه والذين يكتبونه هم العلماء منهم، والذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم هؤلاء كلهم يهود. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {يسمعون كلام الله} قال: هي التوراة حرفوها.
ابو السعود
تفسير : قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن اليهود إثرَ ما عُدَّت سيئاتُهم ونُعيتْ عليهم جناياتُهم إلى النبـي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، والهمزةُ لإنكار الواقع واستبعادِه كما في قولك: أتضرِبُ أباك؟ لا لإنكار الوقوعِ كما في قولك: أأضرِبُ أبـي؟ والفاء للعطف على مقدّرٍ يقتضيه المقامُ ويستدعيه نظامُ الكلام، لكن لا على قصد توجيهِ الإنكار إلى المعطوفين معاً كما في (أفلا تبصرون) على تقدير المعطوفِ عليه منفياً أي ألا تنظُرون فلا تبصرون؟ فالمُنْكَر كلا الأمرين بل إلى ترتب الثاني على الأول مع وجوب أن يترتَّبَ عليه نقيضُه كما إذا قُدِّر الأول مُثْبتاً، أي أتنظرون فلا تبصرون؟ فالمنْكَر ترتُّبُ الثاني على الأول مع وجوب أن يترتب عليه نقيضُه أي أتسمعون أخبارَهم وتعلمون أحوالَهم فتطمعون؟ ومآلُ المعنى: أبَعْدَ أنْ علِمتم تفاصيلَ شؤونِهم المُؤْيِسةِ عنهم تطمعون؟ {أَن يُؤْمِنُواْ} فإنهم متماثلون في شدة الشكيمةِ والأخلاقِ الذميمة، لا يتأتىٰ من أخلافِهم إلا مثلُ ما أتىٰ من أسلافِهم، وأنْ مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ، والأصلُ: في أن يؤمنوا، وهي مع ما في حيِّزها في محل النصبِ أو الجرِّ على الخلاف المعروف. واللام في (لَكُمْ) لتضمين معنى الاستجابة كما في قوله عز وجل: {أية : فَـئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } تفسير : [ العنكبوت، الآية 26] أي في إيمانهم مستجيبـين لكم، أو للتعليل أي في أن يُحدثوا الإيمان لأجل دعوتِكم، وصلةُ الإيمان محذوفةٌ لظهور أن المرادَ به معناه الشرعيُّ، وستقف على ما فيه من المزية بإذن الله تعالى {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} الفريقُ اسمُ جمعٍ لا واحد له من لفظه كالرهط والقومِ، والجار والمجرور في محل الرفعِ، أي فريق كائنٌ منهم، وقوله تعالى: {يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ} خبرُ كان وقرىء كلِمَ الله، والجملة حاليةٌ مؤكِّدة للإنكار حاسمةٌ لمادة الطمَع مثلُ أحوالِهم الشنيعةِ المحْكيةِ فيما سلف على منهاج قوله تعالى: {أية : وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} تفسير : [الكهف، الآية 50] بعد قوله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى} تفسير : [الكهف، الآية 50] أي والحالُ أن طائفةً منهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم قومٌ من السبعين المختارين للميقات كانوا يسمعون كلامَه تعالى حين كلّم موسى عليه السلام بالطور وما أُمِرَ به ونُهيَ عنه {ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ} عن مواضعه لا لقصورِ فهمِهم عن الإحاطة بتفاصيله على ما ينبغي لاستيلاء الدهشةِ والمهابةِ حسبما يقتضيه مقامُ الكبرياء بل {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي فهِموه وضبَطوه بعقولهم، ولم تبقَ لهم في مضمونه ولا في كونه كلامَ ربِّ العزةِ رِيبةٌ أصلاً، فلما رجَعوا إلى قومهم أدّاه الصادقون إليهم كما سمعوا. وهؤلاء قالوا: سمعنا الله تعالى يقول في آخر كلامه: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياءَ فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس، فثُم للتراخي زماناً أو رتبةً قال القفال: سمِعوا كلامَ الله وعقَلوا مرادَه تعالى منه فأوّلوه تأويلاً فاسداً وقيل: هم رؤساءُ أسلافِهم الذين تولَّوْا تحريفَ التوراة بعد ما أحاطوا بما فيها علماً وقيل: هم الذين غيّروا نعتَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم في عصره وبدّلوا آيةَ الرجْم، ويأباه الجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل الدالِّ على وقوع السماعِ والتحريفِ فيما سلف إلا أن يُحملَ ذلك على تقدّمه على زمانِ نزولِ الآية الكريمةِ لا على تقدمه على عهده عليه الصلاة والسلام. هذا والأول هو الأنسبُ بالسماع والكلام إذ التوراةُ وإن كانت كلامَ الله عز وعلا لكنها باسم الكتاب أشهرُ وأثرُ التحريفِ فيه أظهر، ووصفُ اليهودِ بتلاوتها أكثر، لا سيما رؤساؤُهم المباشرون للتحريف فإن وظيفتهم التلاوةُ دون السماع فكان الأنسبَ حينئذ أن يقالَ: يتلون كتابَ الله تعالى فالمعنى أفتطمعون في أن يؤمنَ هؤلاءِ بواسطتكم ويستجيبوا لكم والحالُ أن أسلافَهم الموافقين لهم في خِلال السوءِ كانوا يسمعون كلامَ الله بلا واسطةٍ ثم يحرِّفونه من بعد ما علِموه يقيناً ولا يستجيبون له؟ هيهاتَ. ومن ههنا ظهر ما في إيثار (لكم) على بالله من الفخامة والجزالة. وقوله عز وجل: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملة حالية من فاعل (يحرّفونه) مفيدةٌ لكمال قباحةِ حالِهم مُؤْذِنةٌ بأن تحريفَهم ذلك لم يكن بناءً على نسيان ما عقَلوه أو على الخطأ في بعض مقدِّماته بل كان ذلك حالَ كونهم عالمين مستحضِرين له أو وهم يعلمون أنهم كاذبون ومُفترون.
القشيري
تفسير : أنبأهم عن إيمانهم، وذكر أنهم بعد سماع الخطاب من الله - سبحانه - حرَّفوا وبدّلوا فكيف يؤمنون لكم وإنما يسمعون بواسطة الرسالة، ومن لم يَبقَ على الإيمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان، والذي لم يصلح للحق لا يصلح لكم، ومن لم (يحتشم من الحق) فكيف يحتشم منكم؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفتطمعون} كان عليه السلام شديد الحرص على الدعاء الى الحق وقبولهم الايمان منه وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم فقص الله عليه اخبار بنى اسرائيل فى العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من اهل الكتاب فى زمانه من قلة القبول والاستجابة والخطاب للنبى عليه الصلاة والسلام واصحابه والهمزة لانكار الواقع واستبعاده كما فى قولك أتضرب اباك لا لانكار الوقوع كما فى قوله اضرب ابى والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أى أتسمعون اخبارهم وتعلمون احوالهم فتطمعون ومآل المعنى أبعد ان علمتم تفاصيل شؤونهم المؤيسة منهم فتطمعون فى {ان يؤمنوا} جميع اليهود او علماؤهم فانهم متماثلون فى شدة الشكيمة والاخلاق الذميمة لا يتأتى من اخلاقهم الا مثل ما أتى من اسلافهم فلا تحزنوا على تكذيبهم واللام فى {لكم} لتضمين معنى الاستجابة اى فى ايمانهم مستجيبين لكم او للتعليل اى فى ان يحدثوا الايمان لأجل دعوتكم {و} الحال {قد كان فريق} كائن {منهم} اى طائفة ممن سلف منهم والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط {يسمعون كلام الله} وهو ما يتلونه من التوراة {ثم يحرفونه} اى يغيرون ما فيها من الاحكام كتغييرهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما امر به ونهى ثم قالوا سمعنا الله يقول فى آخره ان استطعتم ان تفعلوا هذه الاشياء فافعلوا وان شئتم ان لا تفعلوا فلا بأس. قال فى التيسير الصحيح انهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطة فان ذلك كان لموسى على الخصوص لم تشركه فيه غيره فى الدنيا ومعنى يسمعون كلام الله اى التوراة من موسى بقراءته {من بعد ما عقلوه} اى من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم يبق لهم شبهة فى صحته يقول كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلدون اولئك الآباء فهم من اهل السوء الذين مضوا بالعناد فلا تطمعوا فى الايمان منهم {وهم يعلمون} اى يحرفونه والحال انهم يعلمون انهم كاذبون مفترون.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: ضمن الإيمان معنى الإذعان والإقرار؛ ولذلك عداه باللام، وجملة {قد كان} حال من فاعل الإيمان، و {إذا لقوا} عطف على {كان}، والتقدير: أفتطمعون في إيمانهم والحالة أن مَن سلف منهم كانوا يُحرفون كلام الله، ومن حضر منهم الآن ينافقونكم في دين الله، فلا مطمع في إيمان مَنْ هذا وصفه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أَفَتَطْمَعُونَ} يا معشر المسلمين أن يذعن لكم أهل الكتاب ويصدقوكم {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}، وهم السبعون الذين ذهبوا مع موسى للاعتذار، {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّهِ} حين كلّمهم وكلّفهم بمشاق التوراة، فحرفوا وقالوا: قال: افعلوا ما استطعتم، فإذا لم يحصل لهم الإيمان مع سماع الكلام بلا واسطة، فكيف يؤمن لكم هؤلاء، وهم إنما يسمعونه بواسطة الرسالة؟ أو {يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّهِ} في التوراة ثم يحرفونه، محواً أو تأويلاً، كصفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، {مِنْ بعْدِ} ما فهموه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه كلام الله، أو {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم محرفون ومغيرون لكلام الله. وكيف تطمعون أيضاً في إيمانهم وهم منافقون؟ {إذَا لَقُوا} المؤمنين {قَالُوا آمنَّا}، وصفة نبيكم مذكورة في كتابنا، {وَإذَا خَلا بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ} لامهم مَن لم ينافق، و {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ} من علم التوراة فتطلعونهم عليه {ليُحَاجُّوكُم بِهِ} أي: يغلبوكم بالحجة {عِنْدَ رَبِّكُمْ} في الدنيا والآخرة، فيقولون: كنتم عالمين بنبوة نبينا فجحدتم وعاندتم، {أَفَلا تَعْقِلُونَ} حتى تطلعوهم على ما فتح الله به عليكم. أو يقول الحق تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} يا معشر المسلمين فتطمعون في إيمانهم بعد هذه الخصال التي فيهم، قال الحقّ جلّ جلاله: {أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ} لا يخفى عيله شيء، بل {يَعْلَمُ} ما يسرونه وما يعلنونه، فيجازيهم على ما أخفوا وما أعلنوا. الإشارة: مَن سبقت له المشيئة بالخذلان، وحكم عليه القدر والقضاء بالحرمان، يرجع إلى الدليل والبرهان، بعد الاستشراف على الشهود والعيان، فيرجع إلى مشاهدة الآثار والرسوم، وينسى ما كان يعهده من دقائق العلوم، سبب ذلك كلَّه: الإخلال بالأدب مع المشايخ والأصحاب، أو مفارقة الإخوان، وعدم مواصلة أهل العرفان، وضم إلى ذلك الإنكار على أولياء الله، وتحريف ما سمعه منهم من مواهب الله، فلا مطمع في رجوعه وإيابه، وقد بَعُد من الفتح وأسبابه، لا سيما إذا اتصف بالنفاق، إذا لقي أهل النسبة أظهر الوفاق، وإذا خلا إلى العامة أظهر الشقاق، فمِثلُ هذا لا يرجى له فلاح، ولا يَسعد بصلاح ونجاح. نعوذ بالله من ذلك.
الطوسي
تفسير : المعنى: الألف في قوله أفتطمعون ألف استفهام والمراد به الانكار، كقوله: {أية : ألم يأتكم نذير قالوا بلى} تفسير : فاذا كان في الاول نفياً، كان الجواب بلى واذا لم يكن نفياً كان الجواب لا. وهذا خطاب لامة النبي "صلى الله عليه وسلم" فكأنه قال: أفتطمعون أيها المؤمنون أن يؤمنوا لكم من طريق النظر والاعتبار، ونفي التشبيه، والانقياد للحق وقد كان فريق منهم: أي ممن هو في مثل حالهم من اسلافهم يسمعون كلام الله ثم يعلمون انه الحق، ويعاندون فيحرّفونه ويتأولونه، على غير تأويله. وقوله: {وقد كان فريق منهم} والفريق جمع كالطائفة لا واحد له من لفظه وهو فعيل من الفرق سمي به الجمع كما سميت الجماعة بالحزب من التحزب قال اعشى بن تغلبة: شعر : اخذوا فلما خفت ان يتفرقوا فريقين منهم مصعد ومصوب تفسير : وقوله: {منهم} يعني من بني اسرائيل، وانما جعل الله الذين كانوا على عهد موسى ومن بعد: من بني اسرائيل من اليهود الذين قال الله تعالى لاصحاب محمد "صلى الله عليه وسلم" افتطمعون أن يؤمنوا لكم، لأنهم كانوا آباؤهم واسلافهم، فجعلهم منهم اذ كانوا عشائرهم وفرقهم واسلافهم. وقوله: {يسمعون كلام الله} قال قوم منهم مجاهد والسدي: إنهم علماء اليهود يحرفون التوراة، فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالا ابتغاء لأهوائهم واعانة لمن يرشوهم. وقال ابن عباس والربيع وابن اسحاق والبلخي: انهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا امره، وحرفوا القول في اخبارهم لقومهم حتى رجعوا اليهم وهم يعلمون انهم قد حرفوا. وهذا اقوى التأويلين، لأنه تعالى اخبر عنهم بانهم يسمعون كلام الله والذين سمعوا كلام الله. بلا واسطة هم الذين كانوا مع موسى. فاما هؤلاء فانما سمعوا ما يضاف إلى كلامه بضرب من العرف دون حقيقة الوضع. ومن قال بهذا. قال: هم الذين سمعوا كلام الله الذي اوحى الله إلى موسى. وقال قوم هو التوراة التي علمها علماء اليهود. وقوله: {من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}. قيل فيه وجهان: احدهما ـ وهم يعلمون انهم يحرفونه. والثاني ـ من بعد ما تحققوه وهم يعلمون ما في تحريفه من العقاب. والذي يليق بمذهبنا في الموافاة أن نقول: ان معناه وهم يعلمون انهم يحرّفونه. فان قيل فلماذا اخبر الله عن قوم بانهم حرفوا وفعلوا ما فعلوا من المعاندة ما يجب أن يؤيس من ايمان من هو في هذا الوقت، وأي علقة بين الموضوعين والحالين؟ قيل: ليس كلما يطمع فيه يؤيس منه على وجه الاستيقان بانه لا يكون، لأن الواحد من افناء العامة لا يطمع ان يصير ملكا. ومع ذلك لا يمكن القطع على كل حال ان ذلك لا يكون ابداً. ولكن لا يطمع فيه لبعده، والله تعالى نفى عنهم الطمع ولم يؤيسهم على القطع والثبات وانما لم يطمع فيهم لبعد ذلك من الوهم منهم مع احوالهم التي كانوا عليها. وشبههم باسلافهم المعاندين، وقد كانوا قادرين على ان يؤمنوا وكان ذلك منه جائزاً. وهؤلاء الذين عاندوا ـ وهم يعلمون ـ كان قليلا عددهم، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق وكتمان الحق، وانما يمتنع ذلك في الجمع العظيم والخلق الكثير، لأمر يرجع إلى اختلاف الدواعي. فأما على وجه التواطؤ والعمد فلا يمتنع فيهم ايضاً، فيبطل بذلك قول من نسب فريقاً إلى المعاندة دون جميعهم وان كانوا باجمعهم كفاراً.
الجنابذي
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ} بعد ما سمعتم من أحوال أسلافهم الموافقين لهم فى الشّؤن {أَن يُؤْمِنُواْ} اى هؤلاء الموجودون المشابهون لهم {لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} اى من اسلافهم {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} فى اصل جبل طورٍ حين ذهابهم مع موسى (ع) لسماع كلام الله والشّهادة لبنى اسرائيل بسماع كلام الله تعالى او يسمعون كلام الله من التّوراة او الانجيل او من لسان الانبياء والاولياء او المراد افتطمعون ان يؤمن هؤلاء الموجودون لكم وقد كان فريق من هؤلاء يسمعون كلام الله من الكتاب النّازل عليكم، او من لسان محمّدٍ (ص) او من التّوراة فى وصف محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وطريقهما {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} التّحريف جعل الشّيئ فى طرفٍ من الحرف بمعنى الطّرف وتحريف الكلام جعله فى طرفٍ من موضعه الّذى وضع فيه وتحريف الكلم من بعد مواضعه بمعنى جعله فى طرف بعد وقوعه فى موضعه ويلزم تحريف الكلم تغييره؛ ولذلك قد يفسّر به، وتحريف كلام الله امّا بتغيير لفظه باسقاطٍ وزيادةٍ وتقديم وتأخير حتّى يظّنّ به غير معناه المقصود، او بتفسيره وتبيينه بغير المعنى المقصود منه حتّى يشتبه على من لا خبرة له {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} ادركوه بعقولهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} انّهم يحرّفونه اوهم العلماء ومن شأن العالم وخصوصاً اذا عقل أمراً ان لا يحرّفه فهم أشدّ عذاباً من غيرهم حيث خالفوا مقتضى علمهم وتعقّلهم.
الأعقم
تفسير : {أفتطمعون} الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين. {أن يؤمنوا لكم} اي يحدثون الايمان لأجل دعوتكم. {وقد كان فريق منهم} طائفة ممن سلف منهم. {يسمعون كلام الله} يعني ما يتلونه من التوراة ثم يحرفونه كما حرفوا صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآية الرجم، وقيل: كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلاماً حين كلم الله تعالى موسى بالطور وما أمر الله به ونَهَى ثم قالوا: سمعنا الله تعالى يقول في آخر كلامه: ان استطعتم ان تفعلوا هذه الاشياء فافعلوا وان شئتم فلا تفعلوا ولا بأس عليكم. {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} الآية، "حديث : نزلت في بني قريظة قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "يا اخوان القردة والخنازير"، قالوا: من أخبر محمداً بهذا ما خرج إلاّ منكم" تفسير : عن مجاهد، وقيل: كان ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين بما عذب به أَسلافهم، فقال بعضهم لبعض: أتقولون ذلك لهم ليقولوا نحن أكرم على الله منكم، وقيل: ان قوماً من اليهود قالوا للشيخين أبا بكر وعمر: انا آمنا لأنا نعلم أنه نبيٌ ونجد صفته في التوراة فلما خلوا الى رؤسائهم قالوا لهم: {قالوا أتحدثونهم بما} قصّ {الله عليكم} من صفة محمد لتكون الحجة عليكم لهم. {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ} والكتاب التوراة، الأماني ما هم عليه من أمانيهم من ان النار لا تمسهم الا اياماً معدودة، وقيل: أكاذيبٌ مختَلِفة. {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} الآية، قيل: نزلت في أحبار اليهود وعلمائهم الذين حرفوا التوراة على العوام وذلك انهم عرفوا زوال رئاستهم فغيروا صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). {وويل لهم مما يكسبون} من الرشا. {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودةً} قيل: أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل، وقيل: كانوا يقولون مدة الدنيا عندهم سبعة آلاف سنة وانما نعذب مكان كل سنة يوماً. {بلى} أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله تعالى: {هم فيها خالدون}. {من كسب سيئة} من السيئات يعني كبيرة من الكبائر. {وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} وسأل رجل الحسن عن الخطيئَة فقال: "سبحان الله ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئَة انظر في المصحف فكل آية نهَاك الله تعالى عنها واخبرك انه من عمل بها دخل النار فهي الخطيئَة المحبطَة".
الهواري
تفسير : قوله: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أفتطمعون أن يصدقوكم، يعني به جماعة اليهود، وقد قال: (أية : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) تفسير : [البقرة:145]، يعنى به جماعتهم، لأن الخاصة قد تتبع قبلته. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. قال الحسن: التوراة، حرّفوا كلام الله في محمد والإِسلام، يجعلونها قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً. وقد فسّرنا قول الكلبي فيها قبل هذا الموضع. وقول الحسن أحبّ إلي، والله أعلم. قوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا} وهم اليهود {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ} أي بما بيّن الله لكم في كتابكم من بعث محمد عليه السلام. {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. فما يسرون: مما قال اليهود بعضهم لبعض، وما يعلنون: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا. وقال بعضهم: ما يسرّون كفرهم بمحمد وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وقال مجاهد: هذا حين شَتَمهم النبيُّ وقال: يا إخوة القردة والخنازير قالوا: من حدّثه بهذا؟. قال الكلبي: قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابكم من أمر نبيهم ثم لا تتبعونهم ولا تدخلون في دينهم؟ فهذه حجة لهم عليكم ليحاجوكم بها عند ربكم. قالوا وهم يتلاومون: أفلا تعقلون. يقول الله لنبيه: أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. وهذا قول علمائهم، وهم الذين كتموا وكذبوا فاتَّبَعتهم السوقة.
اطفيش
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ}: أيها المؤمنون، فالخطاب للمؤمنين، وقيل لهم وللنبى صلى الله عليه وسلم، وقيل للنى، صلى الله عليه وسلم، خوطب بخطاب الجماعة تعظيماً له، صلى الله عليه وسلم، ووجه الأول أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار الذى كان بينهم، وكانوا يدعونهم إلى الإسلام. والاستفهام إنكار، لأن يقع طمعهم موقعاً صحيحاً، أى طمعتم فى غير مطمع أو إنكار على طريق النهى، أى لا تطمعوا. {أَنْ يُؤْمِنُوا}: أى فى أن يؤمنوا. {لَكُمْ}: أى يصدقكم اليهود، وإنما عداه باللام لتضمنه معنى الخضوع أو الإذعان أو الإقرار، أو اللام للتعليل، أى أن يؤمنوا لأجلكم أى لأجل دعائكم إياهم إلى الإيمان. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ}: طائفة. {مِنْهُمْ}: من سلفهم. {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ}: قال ابن عباس وابن اسحاق: هم السبعون الذين اختار موسى، قيل إنهم سمعوا كلام الله كموسى، ولما رجعوا قالوا: سمعنا الله. يقول فى آخر كلامه: إن استطعتم أن تفعلوا بهذه الأشياء، فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، وقيل قالت ذلك طائفة من السبعين لا كلهم، فالباقون أدوا كما سمعوا فتحريفهم هو هذا الكذب، ويحتمل أن يكون الله عز وجل قد قال ذلك تهديداً كقوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، وتحريفهم إيهام الناس أن ذلك إباحة لهم مع أنهم قد علموا أن ذلك تهديد لدليل نصبه لهم الله سبحانه، وتقدم الرد على من قال إنهم سمعوا كلام الله كما سمعهُ موسى، بأن ذلك يبطل خصوصية موسى بالكلام، وأقول لا يبطله لأن الخطاب إنما هو لموسى لا هم معه، ولو كان بصيغة خطابهم، وإنما خاطبه بما يفعل وما يفعلون، وما يترك وما يتركون، ووجه الكلام إليه وهم يسمعون بإذن الله تعالى، والهاء فى منهم عائدة إلى اليهود مطلق، وقيل: المراد بالهاء فى منهم عائدة إلى اليهود الذين فى زمانه صلى الله عليه وسلم، والمراد بالفريق علماؤهم الذين سمعوا التوراة ممن أقرأهم إياها أو سمعوها مما كتبت، فهى عن الله، فإن من قرأ كتاباً من كتب الله واكتسبه من الأوراق، فقد سمع كلام الله وعلى هذا فتحريفهم تبديلهم صفة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة وآية الرجم وجدوه صلى الله عليه وسلم: أكحل أعين ربعة أجعد الشعر حسن الوجه. فكتبوا بدل ذلك طويلا أزرق سبط الشعر، وبدلوا الرجم للمحصن بالجلد والتحميم، وهو تسويد الوجه، وكتبوا ذلك وهكذا كتبوا ما يحبون بدل ما لا يحبون، لأنهم استحفظوه فلم يحفظ، وأما القرآن فحفظه الله ـ جل وعلا ـ ولم يكله لغيره، فلم تكن لأحد طاقة على تبديله. أو المراد بتحريفه تحريفه عن معناه، بأن فسروه بما يشتهون، وبهذا الوجه قال ابن عباس وعن الحسن تحريفها: إخفاؤهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله جل وعلا: {أية : تجعلونها قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً}تفسير : ، وقد يترجح كون المراد بالفريق علمائهم الذين على عهده صلى الله عليه وسلم، بأنه أنسب للمضمر فى قوله: {أن يؤمنوا} وطعن بعضهم فى الرواية المذكورة عن ابن عباس أنهم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام، بأن راويها الكلبى وهذا كذاب، وعلى كل وجه من الأوجه المذكورة، تكون الآية ملوحة بأن لليهود سلف سوء، فهم على سنن سلفهم وباستبعاد إيمانهم، إذ لم يؤمنوا بموسى الذى كان منهم، وكان نجاتهم من القبط والبحر على يده، فكيف يؤمنون لكم؟ وتحريف الشئ إمالته عن حاله. وقرئ (يسمعون كلم الله) بكسر اللام. أى كلماته. {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ}: أى من بعد عهم إياه أى من بعد فهمهم إياه بعقولهم، ولم يبق لهم فيه شك. وما مصدرية. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}: أنهم كاذبون مبطلون.
اطفيش
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ} إنكار للياقة الطمع، العطف على قست، والهمزة من جملة المعطوف، أو على مقدر بعد الهمزة، والخطاب للمؤمنين، قيل، والنبى أيضاً، أى تحسبون أن قلوبهم صالحة للإيمان فتطمعون، وقيل للأنصار، وفى ذلك تشديد العقاب، ويقال، الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، لأنهم يطمعون فلا حاجة ولا دليل على أن الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع تعظيماً، كما هو قول ابن عباس {أَنْ يُؤمِنُوا} أى فى أن يؤمن اليهود، أى ينقادون {لَكُمْ}، أو يؤمنوا لأجلكم، والواو لليهود فى المدينة وما قرب منها، كيف تطمعون فى إيمانهم مع ما فيهم من موانع الإيمان، تحريف الحق مع العلم به فى طائفة من الأحبار، ونفاقهم إليكم بظاهر الإيمان وإخلاص الكفر، إذا خلا بعض ببعض فى طائفة، وتحذير بعض بعضا عن التحدث برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المذكورة فى التوراة فى طائفة واعتقاد الباطل توراة فى طائفة، وكتابة كلام يقولون إنه من التوراة، وليس منها، فى طائفة، وأشار إلى ذلك كله بقوله {وَقَدْ كَانَ} إلى قوله إلا يظنون، أى طمعكم فى إيمانهم وبعيد، والحال أنه قد كان {فَرِيقٌ} طائفة، أحبار تفرقوا طوائف {مِّنْهُمْ} ممن حضروا وأسلافهم {يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ اللهِ} فى التوراة ممن قرأ من كتاب الله، أو رأه بعينه، وفهمه، والمراد القرآن {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} يردونه فى ظرف غير ما هو فيه بمحوه أو إسقاط بعضه أو زيادة ما يفسد به، أو تفسيره بخلاف ما هو عليه {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} فهموه حقّا وأنه من الله. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنه حق، وأنهم مبطلون، وأنه من الله، وأنهم كاذبون فى التحريف ومبطلون فيه، فقد يحرف المرء شيئاً ولا يعلم أنه مبطل فى تحريفه، وما مجملة ولا حاجة إلى جعلها تأكيداً فى المعنى لقوله عقلوه، ومن ذلك تبديل ما فى التوراة من الرحم بالتسخيم وتسويد الوجه وما فيها من أنه صلى الله عليه وسلم أبيض ربعة بأنه أسمر طويل، وأنهم طلبوا أن يسمعوا كلام الله تعالى كموسى، فأمرهم أن يتطهروا ويلبسوا ثياباً نظيفة فأسمعهم فزادوا، أنه قال لهم، إن شئتم فلا تفعلوا، وهم السبعون الذين اختارهم.
الخليلي
تفسير : كان الحديث فيما تقدم موجها إلى بني إسرائيل بأسلوب الخطاب الجامع بين تذكيرهم بالنعم، والتشهير بهم بكفرانها، وإحضار ما كانوا يرونه من الآيات الداعية إلى الإِيمان، الرادعة عن العصيان، وتقريعهم على التعنت المستمر - مع ما كانوا يشاهدونه - وصدودهم عن أوامر الحق حتى يلجأوا إلى قبولها بما لا يدع لهم مناصا عن القبول؛ وهنا ثُني عنان الخطاب إلى مسامع المؤمنين ليتلى عليها جانب آخر من مساوئ بني اسرائيل، تحذيرا من دسائسهم، وتنفيرا من صنيعهم، وفي أثناء هذا السرد الطويل لسيئات اليهود وسوآتهم تأتي وقفات يواجهون فيها بالخطاب، كما وُوجهوا به من قبل. وبما أن أهل الكتاب على بقية من علم النبوات لما بقى في أيديهم، على أصله من الكتاب الذي أوتوه، كان المؤمنون يرجون منهم المسارعة إلى الإِيمان بالنبي الخاتم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، إذ ليس شأنهم في ذلك كشأن العرب الأميين الذين طال بهم العهد في ظلمات الجاهلية، فلم يبق لهم شيء من نور الوحي يهتدون به، فعدواتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناشئة عن جهلهم الذي يشامله أحيانا الحسد الناشئ عن تنافس البيوتات في الشرف والرفعة. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خفيا عند أهل الكتاب، فإن الله قد أودع ما عندهم من الكتاب من نعوته الكاشفة عن حقيقة أمره وآياته الدالة على صدق نبوته ما لا يدع لهم مجالا للشك فيه، ولا عذرا في ترك تصديقه ومناصرته على ما جاء به من الحق، كيف وهم أقرب الناس عهدا بالنبوات والوحي؟ وقد أخذ الله عليهم الميثاق بألسنة أنبيائهم أن يؤمنوا به ويناصروه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 81-82]، وهذا العهد وإن كان في ظاهره مأخوذا على النبيين فهو في حقيقته، مأخوذ على أممهم لأن الله علم أن أولئك النبيين لن يدركوا عهد نبوته عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنما تدركه أعقاب أممهم، فكان هذا الواجب حتما عليهم، وهذا العهد لازما في رقابهم، وما كونه على ألسنة النبيين دونهم إلا إمعان في توكيده، فإن الهدى لم يأتهم إلا من طريقهم، والحق لم يدركوه إلا ببيانهم، فنكثهم لهذا العهد ما هو إلا رد لما جاءهم به أنبياؤهم من الحق والهدى. وقد ظل صوت البشارة الإِلهية بمبعث خاتم النبيين يتردد في أسماع أهل الكتاب من تلاوة الكتاب الذي أوتوه لم يُخفته التحريف الذي شوه وجه ذلك الكتاب، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، متطلعين إلى مبعثه بكل لهفة وشوق، غير أن الحسد بأن كان من ولد إسماعيل ولم يكن من ولد إسرائيل هو الذي حال بينهم وبين اتباعه عندما منّ الله به على الإِنسانية. ونظرا إلى ما كان بأيديهم من الحق الذي أنزله الله على النبيين وقرب عهدهم بالرسالات كان المسلمون يميلون إليهم بأفئدتهم، ويتعاطفون معهم في محنتهم، فلذلك حزن المسلمون عندما ارتد الجيش الرومي النصراني القهقري أمام الزحف الساساني المجوسي، لأن المجوس - وإن قال من قال بأن أصولهم الدينينة ترجع إلى وحي سماوي - هم أبعد عهدا بالنبوات وأشد كفرانا من أهل الكتاب - اليهود والنصارى - ولكن المسلمين أصيبوا بصدمة مؤلمة عندما وجدوا أهل الكتاب - وخصوصا اليهود - يقفون في وجه دعوة الحق وقفة عداء لا يقل عن عداء المجوس ومشركي العرب ولم يكتفوا بتجاهل ما عندهم من العلم بنبوته صلى الله عليه وسلم وإنكاره، بل أخذوا يؤلبون عليه المشركين، وعندما سألتهم قريش هل نحن أهدى أو محمد وأصحابه؟ قالوا: بل أنتم أهدى منهم. {أية : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 51]، وبعد سرد مناكرهم المتنوعة في قصتهم الطويلة المذكورة من قبل جاءت تسلية المؤمنين في هذه الآية عما كانوا يطمعون فيه من إيمانهم بأسلوب الاستفهام التعجيبي المشوب بالإِنكار، أي إذا كانت هذه قصتهم مع النبي الذي أنجاهم الله تعالى به من أشرس عدو، وأراهم على يديه أعجب الآيات، وأسبغ عليهم في ظل دعوته صنوف الآلاء، فيكف تطمعون مع ذلك في إيمانهم؟ وهذا كما تُحدِّث أحدا بمساوئ أحد وبعد استطرادك في تعدادها تخاطب كليمك بقولك أفتطمع مع هذا كله في استقامته وإقلاعه عن غيه. وذهب الإِمام ابن عاشور إلى أن هذه الآية وما بعدها إلى آية (82) اعتراض استطرادي بين القصة الماضية والقصة التي أولها: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} فجميع الجمل في هذه الآيات داخلة في هذا الاستطراد. والصحيح ما قدمته لأن تخلل هذه الجمل الكثيرة ذات المعاني المختلفة بين قصتين متناسقتين لا يتلاءم مع انسجام الكلام وأخذ بعضه بحجزة بعض كما هو شأن بليغ البيان فضلا عن القرآن الذي يسمو فوق كل كلام بسلاسة أسلوبه، وترابط حروفه وكلماته، فضلا عن جمله وآياته. ومن حيث إن عدم إيمان أهل الكتاب بما يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لم يكن ناشئا إلا عن هوى في نفوسهم، وعناد مردوا عليه حتى أصبح كالأمر الجبلي فيهم، وإلا فالدعوة واضحة، والحجة ساطعة، ذهب الإِمام محمد عبده إلى أن الحديث لم يزل في معرض بيان هداية الكتاب وانقسام الناس تجاهه إلى الأقسام الثلاثة المذكورة من قبل في صدر السورة، فكلما بعد العهد عن ذلك جاء ما يذكر به تذكيرا. والفاء لتفريع الاستفهام بما تضمنه من التعجيب المشوب بالإِنكار عن جملة: {ثُمَّ قَسَتْ...} الخ، أو عن جميع القصة المسرودة بكل ما تضمنته من أحداث لأنها جميعا داعية إلى اليأس من إيمانهم. والطمع المبالغة في الرجاء الناشئ عن تعلق القلب بالمرجو فهو أخص من مطلق الرجاء، لأن الرجاء كثيرا ما يكون مقترنا بسبب، أما الطمع فهو مقطوع عن الأسباب ما عدا الشغف بالمطلوب. وما ذُكر لا ينافي وجوب دعوتهم إلى الإِيمان لأن هذه هي مهمة المرسلين وأتباعهم، وذلك كما قال الحق تعالى: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ..} تفسير : [يس: 6] إلى قوله: {أية : وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 10]، فما على المرسلين وأتباعهم إلا إبلاغ الدعوة وإقامة الحجة، والإِعذار بالبشارة والإِنذار، {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40]، وإنما يستفاد من الآية الكريمة نهي المؤمنين عن الاسترسال في رجاء إيمانهم إلى حد أن يتخذوا منهم بطانة لما يترتب على ذلك من المفاسد في الدنيا والدين. وقد سبق الكلام في الإِيمان وهو هنا مضمن معنى الاستجابة، وفي هذا جواب على سؤالين: أولهما: تعدية الإِيمان باللام مع أن الأصل فيه أن يعدى بالباء، وهذا نحو قوله تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} تفسير : [العنكبوت: 26]. ثانيهما: أن المؤمنين لم يكونوا يدعونهم إلى أن يؤمنوا بهم، وإنما كانوا يدعونهم إلى ما يقتضيه الدين من الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، والعمل بمقتضى ذلك. وذهب العلامة ابن عاشور إلى أن اللام في {لكم} لتضمين {يؤمنوا} معنى يقروا قال: "وكأن فيه تلميحا إلى أن إيمانهم بصدق الرسول حاصل ولكنهم يكابرون ويلحدون على نحو قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ...} تفسير : الآية [البقرة: 146]، فما أبدع نسج القرآن، ويجوز حمل اللام على التعليل، وجعل "يؤمنوا" منزل منزلة اللازم تعريضا بهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الذي جاءهم على ألسنة أنبيائهم وهم أخص الناس بهم، أفتطمعون أن يعترفوا به لأجلكم". والواو في قوله: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ...} الخ، للحال، وما وليها قيد لما في الإِستفهام من التعجيب والإِنكار. والفريق البعض المفارق للكل كالفرقة والفرق، وإنما الفريق أكثر منهما، وهو في الثلاثة الأوزان بمعنى مفعول. واختلف في المراد بكلام الله الذي سمعه هذا الفريق ثم حرفه من بعد ما عقله، قيل المراد به كلامه تعالى لموسى عليه السلام في الطور، والفريق هم السبعون الذين صحبوه إلى ميقات ربه، وسألوه رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة، وذلك أنهم قالوا لموسى عليه السلام قد حيل بيننا وبين رؤية ربنا فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم مرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا، ففعلوا لك ثم خرج بهم حتى أتوْا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا فوقعوا سجودا، وكلمه ربه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا منه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني اسرائيل فلما جاؤوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به، وقالوا حين قال موسى لبني اسرائيل إن الله أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله إنما قال كذا وكذا، خلافا لما قال الله عز وجل لهم. روى ذلك محمد ابن اسحاق عن بعض أهل العلم، وهو يقتضي أن السبعين سمعوا كلام الله كما سمعه موسى عليه السلام، واختار هذا القول الإِمام أبو السعود وعضده بأن اسم الكلام أدل على المذكور منه على التوراة، لأنها باسم الكتاب أشهر، ووصف اليهود بتلاوتها أكثر، لا سيما رؤساؤهم المباشرون للتحريف، فإن وظيفتهم التلاوة دون السماع، فكان الأنسب لو كانت هي المقصودة بالكلام أن يقال يتلون كتاب الله. وضعّف كل من ابن عطية والقرطبي هذا القول وقالا بتخطئة من قال إن السبعين سمعوا ما سمعه موسى عليه السلام من كلام الله لأن في قوله إذهابا لفضيلة موسى عليه السلام واختصاصه بالتكليم، ونحوه ما قاله الإِمام ابن عاشور وصححه الألوسي وهو أن سماع الكلام كان خاصا بموسى عليه السلام، وذهب قطب الأئمة في الهيميان إلى جواز سماعهم كلام الله مع موسى عليه السلام، وأن ذلك لا يبطل خصوصية موسى بالتكليم لأن الخطاب إنما كان لموسى لا لهم معه، ولو كان بصيغة خطابهم، وإنما خاطبه بما يفعل ويفعلون، وما يترك وما يتركون، ووجه الكلام إليه وهم يسمعون بإذن الله تعالى. وسيأتي إن شاء الله بحث هذه المسألة ببسط في سورة الأعراف. وقيل المراد به التوراة لأنها من وحي الله وتنزيله، ويصدق عليها أنها كلامه تعالى، كما قال الله في القرآن {أية : حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 6]، وعليه فهذا الفريق من أحبارهم الذين كانوا يتلون التوراة، وكانت ألفاظها ترن على أسماعهم بتلاوة كل منهم لها، وبسماع بعضهم إياها من تلاوة بعض، ثم يحرفونها بعدما وعوا مقاصدها، وأدركوا مراشدها بتبديل كلمها وتوجيه تأويلها الى غير مراد الله، كما حرفوا نعوت النبي عليه أفضل الصلاة والسلام حسدا له ولقومه، وكان صدور ذلك منهم بعد عقلهم للمراد بها، ومع علمهم أنها عهد الله إليهم، وبما يترتب على قطع هذا العهد من سخط الله الموجب لعقوبته. وهذا القول أظهر مما قبله فإن الخطاب موجه الى المؤمنين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يطمعون في إيمان معاصريهم من أهل الكتاب، والمراد به بيان أن هذا الطمع ليس في محله لأن إعراض أهل الكتاب عن الإِيمان ليس ناتجا عن جهلهم بالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام وصدقه فيما يقوله عن ربه، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما يجدونه من صفاته فيما أنزل إلى أنبيائهم واتمنوه من كتاب ربهم، وإنما هو ناشئ عن الحسد الذي أدى بهم إلى تحريف ما بأيديهم من الكتاب، وطمس ما فيه من البشائر ببعثته صلى الله عليه وسلم، وهذا الوصف ينطبق على من كان في عهد الرسالة من أهل الكتاب، ولا ينطبق عليهم أنهم سمعوا كلام الله لموسى في الطور ثم حرفوه. وبعد هذا الكلام في اليهود عامة عُطف عليه ما يخص طائفة منهم، وهم الذين تقمصوا الإِسلام ليتمكنوا من حربه من الداخل باطلاعهم على أسرار أبنائه بما يكون بينهم من الإِختلاط، وهم المنافقون الذين تحدثت عنهم هذه السورة حديثا مسهبا في فاتحتها، وقد تقدم هناك أن معظم المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا من العنصر اليهودي، ولا إشكال في عطف حديث يخص البعض على ما يشملهم مع غيرهم من مجموعتهم لأن القرائن هي التي تبين ما يقصد بكل جانب من الحديث، وهذا كمخاطبة مجموعة من الناس بخطاب واحد له وجوه من المقاصد لكل طائفة من تلك المجموعة وجه منها، لأن القرائن هي التي تعين المعنيين بكل وجه، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} تفسير : [البقرة: 232]، فإن صدر الخطاب موجه إلى الأزواج لأنهم هم الذين يصدر منهم الطلاق، وآخره موجه إلى الأولياء لأنهم هم الذين يمكنهم العضل. ويستفاد من الآية أن منافقي اليهود كانوا يسترسلون في حديثهم مع المسلمين إذا اختلطوا بهم وادعوا أنهم مثلهم في إيمانهم بالحق الذي أنزل على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن الإِسترسال يؤدي بهم إلى كشف بعض الحقائق التي يبطنونها من علم الكتاب الذي بأيديهم، كالعهود التي أخذها الله عليهم، والأحكام التي حكم بها تعالى عليهم فإذا خلوا بأنفسهم أو مع أوليائهم - وهم الذين سماهم الله شياطين في صدر السورة - تلاوموا على ذلك وأنكر بعضهم على بعض كشف هذه الأسرار. والفتح هو الحكم في لغة أهل اليمن، ومنه تسميتهم القاضي فتاحا، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما كنت أعرف معنى قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 89]، حتى سمعت بنت سيف بن ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك، ومن إعجاز القرآن نزوله جامعا لخلاصة لغات العرب ومحاسنها. وعليه فالمراد بما فتح عليهم ما ابتلاهم به من صنوف العذاب وضروب المحن نكالا من عند الله لكفرهم بآياته وتعنتهم على رسله، أو ما أوجبه عليهم من الإِيمان بنبوة خاتم النبيين عند بعثته. وقيل الفتح هنا على أصله المعروف عند سائر العرب، وهو ضد الإِغلاق، وعليه، فالمقصود في الآية ما أفاضه الله عليهم من المعارف الإِلهية التي من بينها علم نبوة النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل، وشمول رسالته، وعموم دعوته. وقد قيل: إن مرادهم بقولهم عند لقاء المؤمنين {آمَنَّا} أنهم آمنوا بصدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه غير أنهم يدعون أن نبوته لا تتعدى العرب وحدهم، فلا تشمل بني اسرائيل وغيرهم من شعوب الأرض، وفي أثناء هذا الإِعتراف بنبوته صلى الله عليه وسلم المحصورة في العرب - حسب زعمهم - كانت تتساقط من أفواههم كلمات عما يجدونه من وصفه فيما عندهم من الكتاب، وهي قاضية بضد ما يدعون من انحصار نبوته بين قومه لدلالتها على شمول رسالته التي يأتي بها للعالمين على أن الاعتراف بصدقه يقتضي تصديقه في كل شيء، ومن ذلك أن رسالته موجهة إلى جميع الناس كافة لدلالة الكتاب الحق الذي جاء به على ذلك في نصوص شتى، منها قوله تعالى: {أية : وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [القلم: 52]، وقوله: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 90 - يوسف: 104 - ص: 87 - التكوير: 27]، فلذلك يتلاومون في خلواتهم على هذا الاعتراف الصادر منهم لئلا يكون حجة للمؤمنين عليهم عند ربهم. والعندية هنا بمعنى الحكم، كما يقول الفقيه هذه المسألة عندي كذا، أو هذا القول عندي صحيح أو راجح أو مرجوح، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [النور: 13]، أي في حكمه تعالى، وقيل: هي بمعنى في. وقيل: بأن العندية هنا على بابها من الظرفية، ومرادهم بها عندية، التحاكم إلى الله، وذلك يوم القيامة لا محالة أي يجعلون ذلك حجة عليكم أمام الله على صدق رسولهم وعلى تبعتكم في عدم الإِيمان به، وأيد هذا الإمام ابن عاشور، وعده المناسب لقوله: {لِيُحَآجُّوكُم}، ثم قال: وذلك جار على حال عقيدة اليهود من تشبيههم الرب سبحانه وتعالى بحكام البشر في تمشي الحيل عليه، وفي أنه إنما يأخذ المسببات من أسبابها الظاهرية، فلذلك كانوا يرتكبون التحيل في شرعهم، وتجد كتبهم ملأى على أن الله ظهر له كذا، وعلم أن الأمر الفلاني كان على خلاف المظنون، وكقولهم في سفر التكوين، وقال الرب هو ذا الإِنسان قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر؛ وقال فيه: ورأى الرب أن شر الإِنسان قد كثر فحزن الرب أنه عمل الإِنسان في الأرض، وتأسف في قلبه فقال: أمحو عن وجه الأرض الذي خلقته - وبعد ذكره أمثلة من هذه الكفريات اليهودية قال: فما ظنك بقوم هذه عقائدهم أن لا يقولوا لا تعلموهم لئلا يحاجوكم عند الله يوم القيامة. وبهذا الذي ذكره من معتقدات اليهود في ربهم تظهر صحة هذا التأويل، ويسقط اعتراض الذين اعترضوه - من علماء التفسير كالبيضاوي - بدعوى أنهم كانوا يعرفون ربهم فما كان لهم أن يظنو خفاء شيء عن علمه. وفي اختتام الآية بقوله: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} تأييد ظاهر لهذا القول. هذا، وفي التفاسير المأثورة أقوال في سبب نزول الآية، وفيما يراد بها، فعن ابن زيد عند ابن جرير أن سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن، فكان اليهود يظهرون الإِيمان فيدخلون ويرجعون إلى قومهم بالأخبار، وكان المؤمنون يقولون لهم: أليس الله قد قال في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون: نعم، فإذا رجعوا إلى قومهم {قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ...}" تفسير : الآية. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وبعد بن حميد عن مجاهد أن سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم قام لقوم قريظة تحت حصونهم، فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت، فقالوا من أخبر هذا الأمر محمدا؟ ما خرج هذا الأمر إلا منكم {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عُذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم، وأخرج ابن اسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} أي بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضكم الى بعض قالوا لا تحدثوا العرب بهذا، فقد كنتم تستفتحون به عليهم وكان منهم ليحاجوكم به عند ربكم، أي تقرون به أنه نبي، وقد علمتم أنه أخذ عليكم الميثاق باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ينتظر، ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به، وأخرج ابن جرير عنه أن هذه الآية نزلت في المنافقين من اليهود، والمراد: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} ما أكرمكم به، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا}، قال هم اليهود. وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضا أن يحدثوا بما فتح الله عليهم، وبين لهم في كتابه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوته، وقالوا إنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا بذلك عليكم عند ربكم. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة أن سبب نزول الآية امرأة من اليهود أصابت فاحشة فجاءوا الى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمهم وهو ابن صوريا فقال له: احكم، قال فجبوه - والتجبية يحملونه على حمار ويجعلون وجهه إلى ذنب الحمار - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أبحكم الله حكمت؟ قال: لا ولكن نساءنا كن حساناً فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه نزل: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ...}" تفسير : الآية. وأكثر هذه الأقوال المروية موافق للأقوال التي أوردتها سابقا، وإنما فيها بيان سبب نزول الآية، والأسباب المذكورة في هذه الروايات متعارضة، وأنتم تدرون أن معظم هذه الروايات منقطعة الأسانيد، فلا تقوم بها حجة تقوم بها حجة في تعيين ذات السبب على أن كثيرا من الصحابة أنفسهم يقولون بأن آية كذا نزلت في حادثة كذا، وهم لا يعنون بذلك إلا صدقها على حكم تلك الحادثة، وقد يكون الصحابي لا علم له بنزول آية ما حتى تعرض قضية فيسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوها إبان ذلك، فيظن أنها نزلت من أجل تلك القضية، وقد سبق بيان ذلك في مقدمة التفسير والحمد لله. والحجة الدليل الواضح مأخوذة من محجة الطريق، لأن كلا منهما موصل الى القصد، وإنما يفرق بينهما أن الوضوح والإِيصال في الحجة معنويان، وفي المحجة حسيان، والمفاعلة المصوغة منها ليست هنا على بابها من المشاركة، وإنما هي للمبالغة، كما في خادع بمعنى خدع، وقد سبق بيان ذلك. وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} استفهام إنكاري مراد به التحديث بما فتح الله عليهم، فهو في مقولتهم المحكية، وإن قال بعض أهل التفسير بأنه من مقول الله تعالى الموجه إلى المؤمنين إنكارا لطمعهم في إيمان أولئك، وهو غير سائغ لأنه لم يؤلف في خطاب الله سبحانه لعباده المؤمنين إلا لطف العبارة، ورقة الأسلوب، ولو في مقام العتاب، فلا يتفق ذلك مع تقريعهم بمثل هذا الخطاب العنيف الموحى بأنهم نزلوا منزلة غير العقلاء. كيف ومن بين المخاطبين - لو صح أن الخطاب لهم - سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بلغ ذروة الكمال العقلي والسمو النفسي؟ على أن المؤمنين لم يدفعهم إلى هذا الطمع في إيمان أهل الكتاب، غير ما هم مجبولون عليه من حب هداية البشر مع ما يعرفونه عن أهل الكتاب من مزايا اختصوا بها كعلم النبوات وتوفر البشائر عندهم بمبعث خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والتسليم. وقوله: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} إنكارا لما ذكر عنهم من التلون في حال ملاقاة المؤمنين وخلوهم إلى اخوانهم من الكافرين بحيث يلقون هؤلاء بوجه وأولئك بآخر فإن هذا التصرف من شأنه أن لا يصدر إلا ممن يظن أن حيلته ومكره يحولان بين ما هم آتُوه وعلم الله سبحانه، وإذا كانوا من ضلال الفكر وزيغ العقيدة بحيث يحسبون أن الله سبحانه تخفى عليه الخوافي من أعمالهم بسبب تحريفهم للكتاب، ووصفهم الحق تعالى بما لا يليق بعضهم جلاله وعلو شأنه، فإن آيات الله في أنفسهم وفيما حولهم من مخلوقاته تنادي عليهم بالإِفك، وتشهد عليهم بالضلال، فلو ألقوا نظرة الى شيء منها لأدركوا أن الله سبحانه يعلم السريرة كالعلانية، ويحيط بالجزئيات كالكليات، فلا مفر لهم منه، ولا مناص لهم عن عقابه، فهو سبحانه يعلم ما يسرونه من الكفر كما يعلم ما يظهرونه من دعاوى الإِيمان. وقدم هنا ذكر ما يسر على ما يعلن، بخلافه في قوله تعالى: {أية : وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 284]، لأجل التأكيد هنا بأن الله يعلم السريرة كالعلانية عكس ما يتوهمون، ولأن قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} في معرض ذكر الحساب، والحساب يبدأ بالأعمال الظاهرة ثم بالخفايا.
الالوسي
تفسير : {أَفَتَطْمَعُونَ} الاستفهام للاستبعاد أو للإنكار التوبيخي، والجملة قيل: معطوفة على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قَسَتْ }تفسير : [البقرة: 74] أو على مقدر بين ـ الهمزة والفاء ـ عند غير سيبويه، أي تحسبون أن قلوبكم صالحة للإيمان فتطمعون ـ والطمع ـ تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقاً قوياً ـ وهو أشد من الرجاء لا يحدث إلا عن قوة رغبة وشدة إرادة ـ والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والمؤمنين ـ أو للمؤمنين ـ قاله أبو العالية وقتادة، أو للأنصار ـ قاله النقاش ـ والمروي عن ابن عباس ومقاتل أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، والجمع للتعظيم. {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} أي يصدقوا مستجيبين لكم، فالإيمان بالمعنى اللغوي والتعدية ـ باللام ـ للتضمين كما في قوله تعالى: {أية : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } تفسير : [العنكبوت: 26] أو يؤمنوا لأجل دعوتكم لهم فالفعل ـ منزل منزلة اللازم ـ والمراد بالإيمان المعنى الشرعي ـ واللام لام الأجل ـ وعلى التقديرين {أَن يُؤْمِنُواْ} معمول لـتطمعون على إسقاط حروف الجر وهو في موضع نصب عند سيبويه، وجر عند الخليل والكسائي، وضمير الغيبة لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم لأنهم المطموع في إيمانهم، وقيل: المراد جنس اليهود ليصح جعل طائفة منهم مطموع الإيمان وطائفة محرّفين وفيه ما لا يخفى. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ} أي طائفة من أسلافهم وهم الأحبار {يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ} أي يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلاً فاسداً حسب أغراضهم، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والجمهور على أن تحريفها بتبديل كلام من تلقائهم ـ كما فعلوا ذلك في نعته صلى الله عليه وسلم ـ فإنه روي أن من صفاته فيها أنه أبيض ربعة فغيروه بأسمر طويل وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه ـ كما في البخاري ـ وقيل: المراد بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور، فيكون المراد من الفريق طائفة من أولئك السبعين، وقد روى الكلبـي أنهم سألوا موسى عليه السلام أن يسمعهم كلامه تعالى، فقال لهم: اغتسلوا والبسوا الثياب النظيفة ففعلوا فأسمعهم الله تعالى كلامه، ثم قالوا: سمعنا يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا. والتحريف على هذا الزيادة. ثم لا يخفى أن فيما افتروا شاهداً على فساده حيث علقوا الأمر بالاستطاعة والنهي بالمشيئة ـ وهما لا يتقابلان ـ وكأنهم أرادوا بالأمر غير الموجب على معنى افعلوا إن شئتم وإن شئتم فلا تفعلوا كذا أفاده العلامة ومقصوده بيان منشأ تحريفهم الفاسد، فلا ينافي كون عدم التقابل شاهداً على فساده، ومقتضى هذه الرواية أن هؤلاء سمعوا كلامه تعالى بلا واسطة كما سمعه موسى عليه السلام، والمصحح أنهم لم يسمعوا بغير واسطة، وأن ذلك مخصوص به عليه السلام، وقيل: المراد به الوحي المنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم، كان جماعة من اليهود يسمعونه فيحرفونه قصداً أن يدخلوا في الدين ما ليس منه، ويحصل التضاد في أحكامه {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } تفسير : [التوبة: 32] وقرأ الأعمش {كَلَـٰمَ ٱللَّهِ}. {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي ضبطوه وفهموه ـ ولم يشتبه عليهم صحته ـ و {مَا} مصدرية أي من بعد عقلهم إياه، والضمير في {عَقَلُوهُ} عائد على كلام الله، وقيل: {مَا} موصولة والضمير عائد عليها وهو بعيد. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} متعلق العلم محذوف، أي إنهم مبطلون كاذبون، أو ما في تحريفه من العقاب، وفي ذلك كمال مذمتهم، وبهذا التقرير يندفع توهم تكرار ما ذكر ـ بعد ما عقلوه ـ وحاصل الآية استبعاد الطمع في أن يقع من هؤلاء السفلة إيمان، وقد كان أحبارهم ومقدموهم على هذه الحالة الشنعاء، ولا شك أن هؤلاء أسوأ خلقاً وأقل تمييزاً من أسلافهم أو استبعاداً لطمع في إيمان هؤلاء الكفرة المحرفين، وأسلافهم الذين كانوا زمن نبيهم فعلوا ذلك فلهم فيه سابقة، وبهذا يندفع ما عسى أن يختلج في الصدر من أنه كيف يلزم من إقدام بعضهم على التحريف حصول اليأس من إيمان باقيهم.
سيد قطب
تفسير : انقضى المقطع السابق في السورة في تذكير بني إسرائيل بأنعم الله عليهم وجحودهم لهذا الإنعام المتواصل؛ وباستعراض مشاهد الإنعام والجحود، بعضها باختصار وبعضها بتطويل؛ وانتهى هذا الاستعراض بتقرير ما انتهت إليه قلوبهم في نهاية المطاف من قسوة وجفاف وجدب، أشد من قسوة الحجارة وجفافها وجدبها. فالأن يأخذ السياق في الاتجاه بالخطاب إلى الجماعة المسلمة يحدثها عن بني إسرائيل، ويبصرها بأساليبهم ووسائلهم في الكيد والفتنة؛ ويحذرها كيدهم ومكرهم على ضوء تاريخهم وجبلتهم، فلا تنخدع بأقوالهم ودعاويهم ووسائلهم الماكرة في الفتنة والتضليل. ويدل طول هذا الحديث، وتنوع أساليبه على ضخامة ما كانت تلقاه الجماعة المسلمة من الكيد المنصوب لها والمرصود لدينها من أولئك اليهود! وبين آن وآخر يلتفت السياق إلى بني إسرائيل ليواجههم - على مشهد من المسلمين - بما أخذ عليهم من المواثيق، وبما نقضوا من هذه المواثيق؛ وبما وقع منهم من انحرافات ونكول عن العهد وتكذيب بأنبيائهم، وقتلهم لهؤلاء الأنبياء الذين لا يطاوعونهم على هواهم، ومن مخالفة لشريعتهم، ومن التوائهم وجدالهم بالباطل، وتحريفهم لما بين أيديهم من النصوص. يستعرض جدالهم مع الجماعة المسلمة وحججهم ودعاويهم الباطلة، ويلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يفضح دعاويهم، ويفند حججهم، ويكشف زيف ادعاءاتهم، ويرد عليهم كيدهم بالحق الواضح الصريح: فلقد زعموا أن لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة بحكم ما لهم من المكانة الخاصة عند الله! فلقن الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم قولهم هذا: {قل: أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟}.. وكانوا إذا دعوا إلى الإسلام {قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم}.. فلقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يفضح دعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم: {قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون؟ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا. قالوا: سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين!}.. وكانوا يدعون أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. فلقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتحداهم بدعوتهم إلى المباهلة أي أن يجتمع الفريقان: هم والمسلمون، ثم يدعون الله أن يميت الكاذب: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}.. وقرر أنهم لن يتمنوه أبداً - وهذا ما حدث. فقد نكصوا عن المباهلة لعلمهم أنهم كاذبون فيما يدعون! وهكذا يمضي السياق في هذه المواجهة، وهذا الكشف، وهذا التوجيه.. ومن شأن هذه الخطة أن تضعف - أو تبطل - كيد اليهود في وسط الصف المسلم؛ وأن تكشف دسائسهم وأحابيلهم؛ وأن تدرك الجماعة المسلمة طريقة اليهود في العمل والكيد والادعاء، على ضوء ما وقع منهم في تاريخهم القديم. وما تزال الأمة المسلمة تعاني من دسائس اليهود ومكرهم ما عاناه أسلافها من هذا المكر ومن تلك الدسائس؛ غير أن الأمة المسلمة لا تنتفع - مع الأسف - بتلك التوجيهات القرآنية، وبهذا الهدى الإلهي، الذي انتفع به أسلافها، فغلبوا كيد اليهود ومكرهم في المدينة، والدين ناشئ، والجماعة المسلمة وليدة.. وما يزال اليهود - بلؤمهم ومكرهم - يضللون هذه الأمة عن دينها، ويصرفونها عن قرآنها، كي لا تأخذ منه أسلحتها الماضية، وعدتها الواقية. وهم آمنون ما انصرفت هذه الأمة عن موارد قوتها الحقيقية، وينابيع معرفتها الصافية.. وكل من يصرف هذه الأمة عن دينها وعن قرآنها فإنما هو من عملاء يهود؛ سواء عرف أم لم يعرف، أراد أم لم يرد، فسيظل اليهود في مأمن من هذه الأمة ما دامت مصروفة عن الحقيقة الواحدة المفردة التي تستمد منها وجودها وقوتها وغلبتها - حقيقة العقيدة الإيمانية والمنهج الإيماني والشريعة الإيمانية - فهذا هو الطريق. وهذه هي معالم الطريق: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ أفلا تعقلون؟ أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟}.. كانت صورة الجفاف والقسوة والجدب هي التي صور الله بها قلوب بني إسرائيل في نهاية الدرس الماضي. صورة الحجارة الصلدة التي لا تنض منها قطرة، ولا يلين لها ممس، ولا تنبض فيها حياة.. وهي صورة توحي باليأس من هذه الطبيعة الجاسية الجامدة الخاوية.. وفي ظل هذا التصوير، وظل هذا الإيحاء، يلتفت السياق إلى المؤمنين، الذين يطمعون في هداية بني إسرائيل، ويحاولون أن يبثوا في قلوبهم الإيمان، وأن يفيضوا عليها النور.. يلتفت إلى أولئك المؤمنين بسؤال يوحي باليأس من المحاولة، وبالقنوط من الطمع: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم؟ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؟}.. ألا أنه لا مطمع ولا رجاء في أن يؤمن أمثال هؤلاء. فللإيمان طبيعة أخرى، واستعداد آخر. إن الطبيعة المؤمنة سمحة هينة لينة، مفتحة المنافذ للأضواء، مستعدة للإتصال بالنبع الأزلي الخالد بما فيها من نداوة ولين وصفاء. وبما فيها من حساسية وتحرج وتقوى. هذه التقوى التي تمنعها أن تسمع كلام الله ثم تحرفه من بعد تعقله. تحرفه عن علم وإصرار. فالطبيعة المؤمنة طبيعة مستقيمة، تتحرج من هذا التحريف والالتواء. والفريق المشار إليه هنا هو أعلم اليهود وأعرفهم بالحقيقة المنزلة عليهم في كتابهم هم الأحبار والربانيون، الذين يسمعون كلام الله المنزل على نبيهم موسى في التوراة ثم يحرفونه عن مواضعه، ويؤولونه التأويلات البعيدة التي تخرج به عن دائرته. لا عن جهل بحقيقة مواضعه، ولكن عن تعمد للتحريف، وعلم بهذا التحريف. يدفعهم الهوى، وتقودهم المصلحة، ويحدوهم الغرض المريض! فمن باب أولى ينحرفون عن الحق الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد انحرفوا عن الحق الذي جاء به نبيهم موسى - عليه السلام - ومن باب أولى - وهذا خراب ذممهم، وهذا إصرارهم على الباطل وهم يعلمون بطلانه - أن يعارضوا دعوة الإسلام، ويروغوا منها ويختلقوا عليها الأكاذيب! {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ أفلا تعقلون؟}.. أفتطمعون أن يؤمنوا لكم، وهم يضيفون إلى خراب الذمة، وكتمان الحق، وتحريف الكلم عن مواضعه.. الرياء والنفاق والخداع والمراوغة؟ وقد كان بعضهم إذا لقوا المؤمنين قالوا: آمنا.. أي آمنا بأن محمداً مرسل، بحكم ما عندهم في التوراة من البشارة به، وبحكم أنهم كانوا ينتظرون بعثته، ويطلبون أن ينصرهم الله به على من عداهم. وهو معنى قوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}.. ولكن: {إذا خلا بعضهم إلى بعض}.. عاتبوهم على ما أفضوا للمسلمين من صحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن معرفتهم بحقيقة بعثته من كتابهم، فقال بعضهم لبعض: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم}.. فتكون لهم الحجة عليكم؟.. وهنا تدركهم طبيعتهم المحجبة عن معرفة صفة الله وحقيقة علمه؛ فيتصورون أن الله لا يأخذ عليهم الحجة إلا أن يقولوها بأفواههم للمسلمين! أما إذا كتموا وسكتوا فلن تكون لله عليهم حجة!.. وأعجب العجب أن يقول بعضهم لبعض في هذا: {أفلا تعقلون؟}.. فيا للسخرية من العقل والتعقل الذي يتحدثون عنه مثل هذا الحديث!! ومن ثم يعجب السياق من تصورهم هذا قبل أن يمضي في استعراض ما يقولون وما يفعلون: {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون؟}.. ثم يستطرد يقص على المسلمين من أحوال بني إسرائيل: إنهم فريقان. فريق أمي جاهل، لا يدري شيئاً من كتابهم الذي نزل عليهم، ولا يعرف منه إلا أوهاماً وظنوناً، وإلا أماني في النجاة من العذاب، بما أنهم شعب الله المختار، المغفور له كل ما يعمل وما يرتكب من آثام! وفريق يستغل هذا الجهل وهذه الأمية فيزوّر على كتاب الله، ويحرف الكلم عن مواضعه بالتأويلات المغرضة، ويكتم منه ما يشاء، ويبدي منه ما يشاء ويكتب كلاماً من عند نفسه يذيعه في الناس باسم أنه من كتاب الله.. كل هذا ليربح ويكسب، ويحتفظ بالرياسة والقيادة: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلاً. فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون}.. فكيف ينتظر من أمثال هؤلاء وهؤلاء أن يستجيبوا للحق، وأن يستقيموا على الهدى، وأن يتحرجوا من تحريف ما يقف في طريقهم من نصوص كتابهم نفسه؟ إن هؤلاء لا مطمع في أن يؤمنوا للمسلمين. وإنما هو الويل والهلاك ينتظرهم. الويل والهلاك لهم مما كتبت أيديهم من تزوير على الله؛ والويل والهلاك لهم مما يكسبون بهذا التزوير والاختلاق! من تلك الأماني التي لا تستقيم مع عدل الله، ولا تتفق مع سنته، ولا تتمشى مع التصور الصحيح للعمل والجزاء.. أن يحسبوا أنهم ناجون من العذاب مهما فعلوا، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات يخرجون بعدها إلى النعيم.. علام يعتمدون في هذه الأمنية؟ علام يحددون الوقت كأنهم مستوثقون؟ وكأنها معاهدة محدودة الأجل معلومة الميقات؟ لا شيء إلا أماني الأميين الجهال، وأكاذيب المحتالين العلماء! الأماني التي يلجأ إليها المنحرفون عن العقيدة الصحيحة، حين يطول بهم الأمد، وينقطع ما بينهم وبين حقيقة دينهم، فلا يبقى لهم منه إلا اسمه وشكله، دون موضوعه وحقيقته ويظنون أن هذا يكفيهم للنجاة من العذاب بحكم ما يعلنونه بألسنتهم من أنهم على دين الله: {وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة. قل: أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟}.. وهذا هو التلقين الإلهي للحجة الدامغة: {أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده؟}.. فأين هو هذا العهد؟ {أم تقولون على الله ما لا تعلمون}.. وهذا هو الواقع. فالاستفهام هنا للتقرير. ولكنه في صورة الاستفهام يحمل كذلك معنى الإنكار والتوبيخ! هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه الدعوى، في صورة كلية من كليات التصور الإسلامي، تنبع من فكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان: إن الجزاء من جنس العمل، ووفق هذا العمل. {بلى! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.. ولا بد أن نقف قليلاً أمام ذلك التصوير الفني المعجز لحالة معنوية خاصة، وأمام هذا الحكم الإلهي الجازم نكشف عن شيء من أسبابه وأسراره: {بلى! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته..}.. الخطيئة كسب؟ إن المعنى الذهني المقصود هو اجتراح الخطيئة. ولكن التعبير يومئ إلى حالة نفسية معروفة.. إن الذي يجترح الخطيئة إنما يجترحها عادة وهو يلتذها ويستسيغها؛ ويحسبها كسباً له - على معنى من المعاني - ولو أنها كانت كريهة في حسه ما اجترحها، ولو كان يحس أنها خسارة ما أقدم عليها متحمسا، وما تركها تملأ عليه نفسه، وتحيط بعالمه؛ لأنه خليق لو كرهها وأحس ما فيها من خسارة أن يهرب من ظلها - حتى لو اندفع لارتكابها - وأن يستغفر منها، ويلوذ إلى كنف غير كنفها. وفي هذه الحالة لا تحيط به، ولا تملأ عليه عالمه، ولا تغلق عليه منافذ التوبة والتكفير.. وفي التعبير: {وأحاطت به خطيئته}.. تجسيم لهذا المعنى. وهذه خاصية من خواص التعبير القرآني، وسمة واضحة من سماته؛ تجعل له وقعاً في الحس يختلف عن وقع المعاني الذهنية المجردة، والتعبيرات الذهنية التي لا ظل لها ولا حركة. وأي تعبير ذهني عن اللجاجة في الخطيئة ما كان ليشع مثل هذا الظل الذي يصور المجترح الآثم حبيس خطيئته:يعيش في إطارها، ويتنفس في جوها، ويحيا معها ولها. عندئذ.. عندما تغلق منافذ التوبة على النفس في سجن الخطيئة.. عندئذ يحق ذلك الجزاء العادل الحاسم: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. ثم يتبع هذا الشطر بالشطر المقابل من الحكم. {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}.. فمن مقتضيات الإيمان أن ينبثق من القلب في صورة العمل الصالح.. وهذا ما يجب أن يدركه من يدعون الإيمان.. وما أحوجنا - نحن الذين نقول أنا مسلمون - أن نستيقن هذه الحقيقة: أن الإيمان لا يكون حتى ينبثق منه العمل الصالح. فأما الذين يقولون: إنهم مسلمون ثم يفسدون في الأرض، ويحاربون الصلاح في حقيقته الأولى وهي إقرار منهج الله في الأرض، وشريعته في الحياة، وأخلاقه في المجتمع، فهؤلاء ليس لهم من الإيمان شيء، وليس لهم من ثواب الله شيء، وليس لهم من عذابه واق ولو تعلقوا بأماني كأمانيّ اليهود التي بين الله لهم وللناس فيها هذا البيان. ثم يمضي السياق يحدث الجماعة المسلمة عن حال اليهود، ومواقفهم التي يتجلى فيها العصيان والالتواء والانحراف والنكول عن العهد والميثاق. ويواجه اليهود بهذه المواقف على مشهد من المسلمين: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله؛ وبالوالدين إحساناً؛ وذي القربى واليتامى والمساكين؛ وقولوا للناس حسناً؛ وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة.. ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون. وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم. ثم أقررتم وأنتم تشهدون.. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون}.. ولقد سبقت الإشارة إلى الميثاق في معرض تذكير الله لبني إسرائيل بإخلاف موقفهم معه في الدرس الماضي. فهنا شيء من التفصيل لبعض نصوص هذا الميثاق. ومن الآية الأولى ندرك أن ميثاق الله مع بني إسرائيل، ذلك الميثاق الذي أخذه عليهم في ظل الجبل، والذي أمروا أن يأخذوه بقوة وأن يذكروا ما فيه.. أن ذلك الميثاق قد تضمن القواعد الثابتة لدين الله. هذه القواعد التي جاء بها الإسلام أيضاً، فتنكروا لها وأنكروها. لقد تضمن ميثاق الله معهم: ألا يعبدوا إلا الله.. القاعدة الأولى للتوحيد المطلق. وتضمن الإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين. وتضمن خطاب الناس بالحسنى، وفي أولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. كذلك تضمن فريضة الصلاة وفريضة الزكاة. وهذه في مجموعها هي قواعد الإسلام وتكاليفه.. ومن ثم تتقرر حقيقتان: الأولى هي وحدة دين الله؛ وتصديق هذا الدين الأخير لما قبله في أصوله. والثانية هي مقدار التعنت في موقف اليهود من هذا الدين، وهو يدعوهم لمثل ما عاهدوا الله عليه، وأعطوا عليه الميثاق. وهنا - في هذا الموقف المخجل - يتحول السياق من الحكاية إلى الخطاب، فيوجه القول إلى بني إسرائيل. وكان قد ترك خطابهم والتفت إلى خطاب المؤمنين. ولكن توجيه الخطاب إليهم هنا أخزى وأنكى: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون}.. وهكذا تتكشف بعض أسرار الالتفات في سياق القصص وغيره في هذا الكتاب العجيب! ويستمر السياق يوجه الخطاب إلى بني إسرائيل، وهو يعرض عليهم متناقضات موقفهم من ميثاقهم مع الله.. {وإذ أخذنا ميثاقكم: لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم. ثم أقررتم وأنتم تشهدون}.. فماذا كان بعد الإقرار وهم شاهدون حاضرون؟ {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان. وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم. أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟}.. ولقد كان هذا الذي يواجههم به واقعاً قريب العهد قبيل غلبة الإسلام على الأوس والخزرج. كان الأوس والخزرج مشركين، وكان الحيّان أشد ما يكون حيّان من العرب عداء. وكان اليهود في المدينة ثلاثة أحياء ترتبط بعهود مع هذا الحي وذاك من المشركين.. كان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس. فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه؛ فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي اليهودي من الفريق الآخر - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم - وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم - ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فادوا الأسارى، وفكوا أسر المأسورين من اليهود هنا أو هناك، عندهم أو عند حلفائهم أو أعداء حلفائهم على السواء - وذلك عملاً بحكم التوراة وقد جاء فيها: إنك لا تجد مملوكاً من بني إسرائيل إلا أخذته فأعتقته.. هذا التناقض هو الذي يواجههم به القرآن؛ وهو يسألهم في استنكار: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟}.. وهذا هو نقض الميثاق الذي يتهددهم عليه بالخزي في الحياة الدنيا، والعذاب الأشد في الآخرة. مع التهديد الخفي بأن الله ليس غافلاً عنه ولا متجاوزاً: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب. وما الله بغافل عما تعملون}.. ثم يلتفت إلى المسلمين وإلى البشرية جميعاً، وهو يعلن حقيقتهم وحقيقة عملهم: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون}.. وكذبوا إذن في دعواهم أن لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة.. فهؤلاء هم هناك: {فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون}.. وقصة شرائهم الحياة الدنيا بالآخرة هنا في هذه المناسبة: هي أن الدافع لهم على مخالفة ميثاقهم مع الله، هو استمساكهم بميثاقهم مع المشركين في حلف يقتضي مخالفة دينهم وكتابهم. فإن انقسامهم فريقين، وانضمامهم إلى حلفين، هي هي خطة إسرائيل التقليدية، في إمساك العصا من الوسط؛ والانضمام إلى المعسكرات المتطاحنة كلها من باب الاحتياط، لتحقيق بعض المغانم على أية حال؛ وضمان صوالح اليهود في النهاية سواء انتصر هذا المعسكر أم ذاك! وهي خطة من لا يثق بالله، ولا يستمسك بميثاقه، ويجعل اعتماده كله على الدهاء، ومواثيق الأرض، والاستنصار بالعباد لا برب العباد. والإيمان يحرم على أهله الدخول في حلف يناقض ميثاقهم مع ربهم، ويناقض تكاليف شريعتهم، باسم المصلحة أو الوقاية، فلا مصلحة إلا في اتباع دينهم، ولا وقاية إلا بحفظ عهدهم مع ربهم. ثم يمضي السياق يواجه بني إسرائيل بمواقفهم تجاه النبوات وتجاه الأنبياء.. أنبيائهم هم، وما كان من سوء صنيعهم معهم كلما جاءوهم بالحق، الذي لا يخضع للأهواء.. {ولقد آتينا موسى الكتاب، وقفينا من بعده بالرسل؛ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس. أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، ففريقا كذبتم، وفريقا تقتلون؟}.. ولقد كانت حجة بني إسرائيل في إعراضهم عن الإسلام، وإبائهم الدخول فيه، أن عندهم الكفاية من تعاليم أنبيائهم، وأنهم ماضون على شريعتهم ووصاياهم.. فهنا يفضحهم القرآن ويكشف عن حقيقة موقفهم من أنبيائهم وشرائعهم ووصاياهم. ويثبت أنهم هم هم كلما واجهوا الحق، الذي لا يخضع لأهوائهم. وفيما تقدم واجههم بالكثير من مواقفهم مع نبيهم موسى - عليه السلام - وقد آتاه الله الكتاب. ويزيد هنا أن رسلهم توالت تترى، يقفو بعضهم بعضاً؛ وكان آخرهم عيسى بن مريم. وقد آتاه الله المعجزات البينات، وأيده بروح القدس جبريل - عليه السلام - فكيف كان استقبالهم لذلك الحشد من الرسل ولآخرهم عيسى عليه السلام؟ كان هذا الذي يستنكره عليهم؛ والذي لا يملكون هم إنكاره، وكتبهم ذاتها تقرره وتشهد به: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم: ففريقاً كذبتم وفريقا تقتلون!}! ومحاولة إخضاع الهداة والشرائع للهوى الطارىء والنزوة المتقلبة. ظاهرة تبدو كلما فسدت الفطرة، وانطمست فيها عدالة المنطق الإنساني ذاته. المنطق الذي يقتضي أن ترجع الشريعة إلى مصدر ثابت - غير المصدر الإنساني المتقلب - مصدر لا يميل مع الهوى، ولا تغلبه النزوة. وأن يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت الذي لا يتأرجح مع الرضى والغضب، والصحة والمرض، والنزوة والهوى، لا أن يخضعوا الميزان ذاته للنزوة والهوى! ولقد قص الله على المسلمين من أنباء بني إسرائيل في هذا ما يحذرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تسلب منهم الخلافة في الأرض والأمانة التي ناطها بهم الله، فلما وقعوا في مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، وطرحوا منهج الله وشريعته، وحكموا أهواءهم وشهواتهم، وقتلوا فريقاً من الهداة وكذبوا فريقاً. ضربهم الله بما ضرب به بني إسرائيل من قبل، من الفرقة والضعف، والذلة والهوان، والشقاء والتعاسة.. إلا أن يستجيبوا لله ورسله، وإلا أن يخضعوا أهواءهم لشريعته وكتابه، وإلا أن يفوا بعهد الله معهم ومع أسلافهم، وإلا أن يأخذوه بقوة، ويذكروا ما فيه لعلهم يهتدون. ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم، يبينه ويقرره، ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الجديدة والنبي الجديد، فإذا هم هم، كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل: {وقالوا: قلوبنا غلف. بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. فلعنة الله على الكافرين. بئسما اشتروا به أنفسهم: أن يكفروا بما أنزل الله - بغياً، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباؤوا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين. وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا. ويكفرون بما وراءه، وهو الحق مصدقا لما معهم، قل:فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور: خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا. قالوا: سمعنا وعصينا، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. قل: بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين!}.. إن الأسلوب هنا يعنف ويشتد، ويتحول - في بعض المواضع - إلى صواعق وحمم.. إنه يجبههم جبهاً شديداً بما قالوا وما فعلوا؛ ويجردهم من كل حججهم ومعاذيرهم، التي يسترون بها استكبارهم عن الحق، وأثرتهم البغيضة، وعزلتهم النافرة، وكراهتهم لأن ينال غيرهم الخير، وحسدهم أن يؤتي الله أحداً من فضله. جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم.. {وقالوا: قلوبنا غلف. بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون}.. قالوا: إن قلوبنا مغلفة لا تنفذ إليها دعوة جديدة، ولا تستمع إلى داعية جديد! قالوها تيئيساً لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين، من دعوتهم إلى هذا الدين؛ أو تعليلاً لعدم استجابتهم لدعوة الرسول.. ويقول الله رداً على قولتهم: {بل لعنهم الله بكفرهم}.. أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم. فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى.. {فقليلاً ما يؤمنون}.. أي قليلاً ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حق عليهم جزاء كفرهم السابق، وضلالهم القديم. أو أن هذه حالهم: أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان، حالة لاصقة بهم يذكرها تقريراً لحقيقتهم.. وكلا المعنيين يتفق مع المناسبة والموضوع. وقد كان كفرهم قبيحاً، لأنهم كفروا بالنبي الذي ارتقبوه، واستفتحوا به على الكافرين، أي ارتقبوا أن ينتصروا به على من سواهم. وقد جاءهم بكتاب مصدق لما معهم: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به}.. وهو تصرف يستحق الطرد والغضب لقبحه وشناعته.. ومن ثم يصب عليهم اللعنة ويصمهم بالكفر:{فلعنة الله على الكافرين}.. ويفضح السبب الخفي لهذا الموقف الشائن الذي وقفوه؛ بعد أن يقرر خسارة الصفقة التي اختاروها: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله، بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. فباؤوا بغضب على غضب، وللكافرين عذاب مهين}.. بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا... لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل. أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها ولكن هذا هو الواقع. وإن بدا تمثيلاً وتصويراً. لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلى الموكب الكريم العزيز ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم من العذاب المهين. وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه! وكان الذي حملهم على هذا كله هو حسدهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وكان هذا بغياً منهم وظلماً فعادوا من هذا الظلم بغضب على غضب؛ وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم. وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب شديد؛ وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها؛ ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبرى، التي تربط البشرية جميعاً.. وهكذا عاش اليهود في عزلة، يحسون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة؛ ويتربصون بالبشرية الدوائر؛ ويكنون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشرية رجع هذه الأحقاد فتناً يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض، وحروباً يثيرونها ليجروا من ورائها المغانم، ويروون بها أحقادهم التي لا تنطفىء، وهلاكاً يسلطونه على الناس، ويسلطه عليهم الناس.. وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: {بغياً.. أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده}.. {وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاَ لما معهم}.. وكان هذا هو الذي يقولونه إذا دعوا إلى الإيمان بالقرآن وبالإسلام. كانوا يقولون {نؤمن بما أنزل علينا}.. ففيه الكفاية، وهو وحده الحق، ثم يكفرون بما وراءه. سواء ما جاءهم به عيسى عليه السلام، وما جاءهم به محمد خاتم النبيين. والقرآن يعجب من موقفهم هذا، ومن كفرهم بما وراء الذي معهم {وهو الحق مصدقاً لما معهم}.. وما لهم وللحق؟ وما لهم أن يكون مصدقاً لما معهم! ما داموا لم يستأثروا هم به؟ إنهم يعبدون أنفسهم، ويتعبدون لعصبيتهم. لا بل إنهم ليعبدون هواهم، فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به.. ويلقن الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بهذه الحقيقة، كشفاً لموقفهم وفضحاً لدعواهم: {قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين؟}.. لم تقتلون أنبياء الله من قبل، إن كنتم حقاً تؤمنون بما أنزل إليكم؟ وهؤلاء الأنبياء هم الذين جاؤوكم بما تدعون أنكم تؤمنون به؟ لا بل إنكم كفرتم بما جاءكم به موسى - نبيكم الأول ومنقذكم الأكبر-: {ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون}.. فهل اتخاذكم العجل من بعدما جاءكم موسى بالبينات، وفي حياة موسى نفسه، كان من وحي الإيمان؟ وهل يتفق هذا مع دعواكم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم؟ ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة. بل كان هنالك الميثاق تحت الصخرة، وكان هناك التمرد والمعصية: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور: خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا. قالوا: سمعنا وعصينا، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم}.. والسياق هنا يلتفت من الخطاب إلى الحكاية.. يخاطب بني إسرائيل بما كان منهم، ويلتفت إلى المؤمنين - وإلى الناس جميعاً - فيطلعهم على ما كان منهم.. ثم يلقن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالترذيل والتبشيع لهذا اللون من الإيمان العجيب الذي يدعونه إن كان يأمرهم بكل هذا الكفر الصريح: {قل: بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين!}.. ونقف هنا لحظة أمام التعبيرين المصورين العجيبين: {قالوا: سمعنا وعصينا}.. {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم}.. إنهم قالوا: سمعنا. ولم يقولوا عصينا. ففيم إذن حكاية هذا القول عنهم هنا؟ إنه التصوير الحي للواقع الصامت كأنه واقع ناطق. لقد قالوا بأفواههم: سمعنا. وقالوا بأعمالهم:عصينا. والواقع العملي هو الذي يمنح القول الشفوي دلالته. وهذه الدلالة أقوى من القول المنطوق.. وهذا التصوير الحي للواقع يومىء إلى مبدأ كلي من مباديء الإسلام: إنه لا قيمة لقول بلا عمل. إن العمل هو المعتبر. أو هي الوحدة بين الكلمة المنطوقة والحركة الواقعة، وهي مناط الحكم والتقدير. فأما الصورة الغليظة التي ترسمها: {وأشربوا في قلوبهم العجل} فهي صورة فريدة. لقد أشربوا. أشربوا بفعل فاعل سواهم. أشربوا ماذا؟ أشربوا العجل! وأين أشربوه؟ أشربوه في قلوبهم! ويظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة الساخرة الهازئة: صورة العجل يدخل في القلوب إدخالاً، ويحشر فيها حشراً، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت هذه الصورة المجسمة لتؤديه، وهو حبهم الشديد لعبادة العجل، حتى لكأنهم أشربوه إشراباً في القلوب! هنا تبدو قيمة التعبير القرآني المصور، بالقياس. إن التعبير الذهني المفسر.. إنه التصوير.. السمة البارزة في التعبير القرآني الجميل. ثم لقد كانوا يطلقونها دعوى عريضة.. إنهم شعب الله المختار. إنهم وحدهم المهتدون. إنهم وحدهم الفائزون في الآخرة. إنه ليس لغيرهم من الأمم في الآخرة عند الله نصيب. وهذه الدعوى تتضمن أن المؤمنين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا نصيب لهم في الآخرة. والهدف الأول هو زعزعة ثقتهم بدينهم وبوعود رسولهم ووعود القرآن لهم.. فأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو اليهود إلى مباهلة. أي بأن يقف الفريقان ويدعوا الله بهلاك الكاذب منهما: {قل: إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}. ويعقب على هذا التحدي بتقرير أنهم لن يقبلوا المباهلة، ولن يطلبوا الموت. لأنهم يعلمون أنهم كاذبون؛ ويخشون أن يستجيب الله فيأخذهم. وهم يعلمون أن ما قدموه من عمل لا يجعل لهم نصيباً في الآخرة. وعندئذ يكونون قد خسروا الدنيا بالموت الذي طلبوه، وخسروا الآخرة بالعمل السيىء الذي قدموه.. ومن ثم فإنهم لن يقبلوا التحدي. فهم أحرص الناس على حياة. وهم والمشركون في هذا سواء: {ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم. والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة. ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يُعمر ألف سنة. وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، والله بصير بما يعملون}. لن يتمنوه. لأن ما قدمته أيديهم للآخرة لا يطمعهم في ثواب، ولا يؤمنهم من عقاب. إنه مدخر لهم هناك، والله عليم بالظالمين وما كانوا يعملون. وليس هذا فحسب. ولكنها خصلة أخرى في يهود، خصلة يصورها القرآن صورة تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}.. أية حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة ولا حياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير! حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام! إنها يهود، في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء. وما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة. فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس، وعنت الجباه جبناً وحرصاً على الحياة.. أي حياة! {ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، والله بصير بما يعملون}.. يود أحدهم لو يعمر ألف سنة. ذلك أنهم لا يرجون لقاء الله، ولا يحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة. وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لا تتصل بحياة سواها، ولا تطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة.. إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة. نعمة يفيضها الإيمان على القلب. نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني. المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود، إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة. فالإيمان بالآخرة - فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى - هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية، وعلى امتلاء بالحياة لا يقف عند حدود الأرض؛ إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لا يعلم إلا الله مداه، وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعداً إلى جوار الله. ويمضي السياق بتلقين جديد من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - يتحداهم به، ويعلن الحقيقة التي يتضمنها على رؤوس الأشهاد: {قل: من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله، مصدقاً لما بين يديه، وهدى وبشرى للمؤمنين. من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال، فإن الله عدو للكافرين}.. وفي قصة هذا التحدي نطلع على سمة أخرى من سمات يهود. سمة عجيبة حقاً.. لقد بلغ هؤلاء القوم من الحنق والغيظ من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده مبلغاً يتجاوز كل حد، وقادهم هذا إلى تناقض لا يستقيم في عقل.. لقد سمعوا أن جبريل ينزل بالوحي من عند الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - ولما كان عداؤهم لمحمد قد بلغ مرتبة الحقد والحنق فقد لج بهم الضغن أن يخترعوا قصة واهية وحجة فارغة، فيزعموا أن جبريل عدوهم، لأنه ينزل بالهلاك والدمار والعذاب؛ وأن هذا هو الذي يمنعهم من الإيمان بمحمد من جراء صاحبه جبريل! ولو كان الذي ينزل إليه بالوحي هو ميكائيل لآمنوا، فميكائيل يتنزل بالرخاء والمطر والخصب! إنها الحماقة المضحكة، ولكن الغيظ والحقد يسوقان إلى كل حماقة. وإلا فما بالهم يعادون جبريل؟ وجبريل لم يكن بشراً يعمل معهم أو ضدهم، ولم يكن يعمل بتصميم من عنده وتدبير؟ إنما هو عبد الله يفعل ما يأمره ولا يعصى الله ما أمره! {قل: من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله}.. فما كان له من هوى شخصي، ولا إرادة ذاتية، في أن ينزله على قلبك، إنما هو منفذ لإرادة الله وإذنه في تنزيل هذا القرآن على قلبك.. والقلب هو موضع التلقي، وهو الذي يفقه بعد التلقي، ويستقر هذا الكتاب فيه ويحفظ.. والقلب يعبر به في القرآن عن قوة الإدراك جملة وليس هو هذه العضلة المعروفة بطبيعة الحال. نزله على قلبك.. {مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين}.. والقرآن يصدق في عمومه ما سبقه من الكتب السماوية، فأساس دين الله واحد في جميع الكتب السماوية وجميع الديانات الإلهية.. وهو هدى وبشرى للقلوب المؤمنة، التي تتفتح له وتستجيب.. وهذه حقيقة ينبغي إبرازها.. إن نصوص القرآن لتسكب في قلب المؤمن من الإيناس، وتفتح له من أبواب المعرفة، وتفيض فيه من الإيحاءات والمشاعر ما لا يكون بغير الإيمان. ومن ثم يجد فيه الهدى، كما يستروح فيه البشرى. وكذلك نجد القرآن يكرر هذه الحقيقة في مناسبات شتى.. {هدى للمتقين}.. {هدى لقوم يؤمنون}.. {هدى لقوم يوقنون}.. {شفاء ورحمة للمؤمنين}. فالهدى ثمرة الإيمان والتقوى واليقين.. وبنو إسرائيل لم يكونوا يؤمنون أو يتقون أو يوقنون! وكانوا - كعادتهم في تفريق الدين وتفريق الرسل - قد فرقوا بين ملائكة الله الذين يسمعون أسماءهم وأعمالهم، فقالوا: إنهم على صداقة مع ميكائيل أما مع جبريل فلا! لذلك جمعت الآية التالية جبريل وميكال وملائكة الله ورسله، لبيان وحدة الجميع، ولإعلان أن من عادى أحداً منهم فقد عاداهم جميعا، وعادى الله سبحانه، فعاداه الله. فهو من الكافرين.. {من كان عدواً لله وملائكته ورسله، وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين}.. ثم يتجه بالخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يثبته على ما أنزل عليه من الحق، وما آتاه من الآيات البينات، مقررا أنه لا يكفر بهذه الآيات إلا الفاسقون المنحرفون. ويندد ببني إسرائيل الذين لا يستقيمون على عهد. سواء عهودهم مع ربهم وأنبيائهم من قبل، أو عهودهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يندد بنبذهم لكتاب الله الأخير الذي جاء مصدقاً لما معهم: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون، أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون. ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون...}.. لقد كشف القرآن هنا عن علة كفر بني إسرائيل بتلك الآيات البينات التي أنزلها الله.. إنه الفسوق وانحراف الفطرة. فالطبيعة المستقيمة لا يسعها إلا الإيمان بتلك الآيات. وهي تفرض نفسها فرضاً على القلب المستقيم. فإذا كفر بها اليهود - أو غيرهم - فليس هذا لأنه لا مقنع فيها ولا حجة، ولكن لأنهم هم فاسدو الفطرة فاسقون. ثم يلتفت إلى المسلمين - وإلى الناس عامة - مندداً بهؤلاء اليهود، كاشفاً عن سمة من سماتهم الوبيئة.. إنهم جماعة مفككة الأهواء - رغم تعصبها الذميم - فهم لا يجتمعون على رأي، ولا يثبتون على عهد، ولا يستمسكون بعروة. ومع أنهم متعصبون لأنفسهم وجنسهم، يكرهون أن يمنح الله شيئاً من فضله لسواهم، إلا أنهم - مع هذا - لا يستمسكون بوحدة، ولا يحفظ بعضهم عهد بعض، وما من عهد يقطعونه على أنفسهم حتى تند منهم فرقة فتنقض ما أبرموا، وتخرج على ما أجمعوا: {أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم؟ بل أكثرهم لا يؤمنون}.. وقد أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد، وأخيراً نبذ فريق منهم عهدهم الذي أبرموه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أول مقدمه إلى المدينة؛ وهو العهد الذي وادعهم فيه بشروط معينة، بينما كانوا هم أول من أعان عليه أعداءه؛ وأول من عاب دينه، وحاول بث الفرقة والفتنة في الصف المسلم، مخالفين ما عاهدوا المسلمين عليه.. وبئس هي من خلة في اليهود! تقابلها في المسلمين خلة أخرى على النقيض، يعلنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله "حديث : المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم"..تفسير : يسعى بذمتهم أدناهم، فلا يخيس أحد بعهده إذا عاهد، ولا ينقض أحد عقده إذا أبرم، ولقد كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - وهو قائد لجيش عمر - رضي الله عنه - وهو الخليفة يقول: إن عبداً أمن أهل بلد بالعراق. وسأله رأيه. فكتب إليه عمر: إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا.. فوفوا لهم وانصرفوا عنهم.. وهذه سمة الجماعة الكريمة المتماسكة المستقيمة. وذلك فرق ما بين أخلاق اليهود الفاسقين وأخلاق المسلمين الصادقين. {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم، نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون}.. وكان هذا مظهراً من مظاهر نقض فريق لكل عهد يعاهدونه. فلقد كان ضمن الميثاق الذي أخذه الله عليهم، أن يؤمنوا بكل رسول يبعثه، وأن ينصروه ويحترموه. فلما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم، خاسوا بذلك العهد، ونبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم، يستوي في هذا النبذ كتاب الله الذي معهم، والذي يتضمن البشرى بهذا النبي وقد نبذوه، والكتاب الجديد مع النبي الجديد وقد نبذوه أيضاً! وفي الآية ما فيها من سخرية خفية، يحملها ذلك النص على أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. فلو كانوا هم المشركين الأميين لكان نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم مفهوماً! ولكنهم هم الذين أوتوا الكتاب. هم الذين عرفوا الرسالات والرسل. هم الذين اتصلوا بالهدى ورأوا النور.. وماذا صنعوا؟ إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم! والمقصود طبعاً أنهم جحدوه وتركوا العمل به، وأنهم أبعدوه عن مجال تفكيرهم وحياتهم. ولكن التعبير المصور ينقل المعنى من دائرة الذهن إلى دائرة الحس؛ ويمثل عملهم بحركة مادية متخيلة، تصور هذا التصرف تصويراً بشعاً زرياً، ينضح بالكنود والجحود، ويتسم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحة؛ ويدع الخيال يتملى هذه الحركة العنيفة. حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور.. ثم ماذا؟ ماذا بعد أن نبذوا كتاب الله المصدق لما معهم؟؟ ألعلهم قد لاذوا بما هو خير منه؟ ألعلهم قد لجأوا إلى حق لا شبهة فيه؟ ألعلهم قد استمسكوا بكتابهم الذي جاء القرآن يصدقه؟ كلا.. لا شيء من هذا كله. إنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ليجروا خلف أساطير غامضة لا تستند إلى حقيقة ثابتة. {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، ولكن الشياطين كفروا. يعلمون الناس السحر، وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وما يعلمان من أحد حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه - وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله - ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون}.. لقد تركوا ما أنزل الله مصدقاً لما معهم؛ وراحوا يتتبعون ما يقصه الشياطين عن عهد سليمان، وما يضللون به الناس من دعاوى مكذوبة عن سليمان، إذ يقولون: إنه كان ساحراً، وإنه سخر ما سخر عن طريق السحر الذي كان يعلمه ويستخدمه. والقرآن ينفي عن سليمان - عليه السلام - أنه كان ساحراً، فيقول: {وما كفر سليمان}. فكأنه يعد السحر واستخدامه كفراً ينفيه عن سليمان - عليه السلام - ويثبته للشياطين: {ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر}.. ثم ينفي أن السحر منزل من عند الله على الملكين: هاروت وماروت. اللذين كان مقرهما بابل: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت}.. ويبدو أنه كانت هناك قصة معروفة عنهما، وكان اليهود أو الشياطين يدعون أنهما كانا يعرفان السحر ويعلمانه للناس، ويزعمان أن هذا السحر أنزل عليهما! فنفى القرآن هذه الفرية أيضاً. فرية تنزيل السحر على الملكين. ثم يبين الحقيقة، وهي أن هذين الملكين كانا هناك فتنة وابتلاء للناس لحكمة مغيبة. وأنهما كانا يقولان لكل من يجيء اليهما، طالباً منهما أن يعلماه السحر: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}.. ومرة أخرى نجد القرآن يعتبر السحر وتعلمه واستخدامه كفراً؛ ويذكر هذا على لسان الملكين: هاروت وماروت. وقد كان بعض الناس يصر على تعلم السحر منهما، على الرغم من تحذيره وتبصيره. وعندئذ تحق الفتنة على بعض المفتونين: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه}.. وهو الأذى والشر الذي حذرهم منه الملكان.. وهنا يبادر القرآن فيقرر كلية التصور الإسلامي الأساسية، وهي أنه لا يقع شيء في هذا الوجود إلا بإذن الله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}.. فبإذن الله تفعل الأسباب فعلها وتنشىء آثارها وتحقق نتائجها.. وهذه قاعدة كلية في التصور لا بد من وضوحها في ضمير المؤمن تماماً. وأقرب ما يمثل هذه القاعدة في مثل هذا المقام، أنك إذا عرضت يدك للنار فإنها تحترق. ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلا بإذن الله. فالله هو الذي أودع النار خاصية الحرق وأودع يدك خاصية الاحتراق بها. وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصية حين لا يأذن لحكمة خاصة يريدها؛ كما وقع لإبراهيم - عليه السلام - وكذلك هذا السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه، ينشئ هذا الأثر بإذن الله. وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصية فيه حين لا يأذن لحكمة خاصة يريدها.. وهكذا بقية ما نتعارف عليه بأنه مؤثرات وآثار.. كل مؤثر مودع خاصية التأثير بإذن الله، فهو يعمل بهذا الإذن، ويمكن أن يوقف مفعوله كما أعطاه هذا المفعول حين يشاء.. ثم يقرر القرآن حقيقة ما يتعلمون، وما يفرقون به بين المرء وزوجه.. إنه شر عليهم هم أنفسهم لا خير: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم}.. ويكفي أن يكون هذا الشر هو الكفر ليكون ضراً خالصاً لا نفع فيه! {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق}.. ولقد علموا أن الذي يشتريه لا نصيب له في الآخرة، فهو حين يختاره ويشتريه يفقد كل رصيد له في الآخرة وكل نصيب.. فما أسوأ ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون حقيقة الصفقة: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون}.. {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون}.. وينطبق هذا القول على الذين كانوا يتعلمون السحر من الملكين ببابل، وعلى الذين يتبعون ما تقصه الشياطين عن عهد سليمان وملكه، وهم اليهود الذين ينبذون كتاب الله وراءهم ظهرياً، ويتبعون هذا الباطل وهذا الشر الذميم. وبعد فلا بد من كلمة هنا عن السحر، وعما يفرق بين المرء وزوجه، مما كان أولئك اليهود يجرون خلفه، ويتركون كتاب الله وراء ظهورهم من أجله.. إنه ما يزال مشاهداً في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد. لقد سمي بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها!.. هذا "التيليباثي" - التخاطر عن بعد - ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يملك إنسان أن يدعو إنساناً على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت الإنسان في العادة ولا بصره، فيتلقى عنه، دون أن تقف بينهما الفواصل والأبعاد؟ وهذا التنويم المغنطيسي ما هو وكيف يتم؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة، وأن يتصل فكر بفكر، فإذا أحدهما يوحي إلى الآخر، وإذا أحدهما يتلقى عن الآخر، كأنما يقرأ من كتاب مفتوح؟ إن كل ما استطاع العلم أن يقوله إلى اليوم في هذه القوى التي اعترف بها، هو أن أعطاها أسماء! ولكنه لم يقل قط: ما هي؟ ولم يقل قط كيف تتم؟ وثمة أمور كثيرة أخرى يماري فيها العلم. إما لأنه لم يجمع منها مشاهدات كافية للاعتراف بها؛ وإما لأنه لم يهتد إلى وسيلة تدخلها في نطاق تجاربه. هذه الأحلام التنبئية - وفرويد الذي يحاول إنكار كل قوة روحية لم يستطع إنكار وجودها - كيف أرى رؤيا عن مستقبل مجهول، ثم إذا هذه النبوءة تصدق في الواقع بعد حين؟ وهذه الأحاسيس الخفية التي ليس لها اسم بعد. كيف أحس أن أمراً ما سيحدث بعد قليل أو أن شخصاً ما قادم بعد قليل؛ ثم يحدث ما توقعت على نحو من الأنحاء! إنه من المكابرة في الواقع أن يقف إنسان لينفي ببساطة مثل هذه القوى المجهولة في الكائن البشري، لمجرد أن العلم لم يهتد بعد إلى وسيلة يجرب بها هذه القوى. وليس معنى هذا هو التسليم بكل خرافة، والجري وراء كل أسطورة.. إنما الأسلم والأحوط أن يقف العقل الإنساني أمام هذه المجاهيل موقفاً مرناً.. لا ينفي على الإطلاق ولا يثبت على الإطلاق، حتى يتمكن بوسائله المتاحة له بعد ارتقاء هذه الوسائل من إدراك ما يعجز الآن عن إدراكه؛ أو يسلم بأن في الأمر شيئاً فوق طاقته، ويعرف حدوده، ويحسب للمجهول في هذا الكون حسابه.. السحر من قبيل هذه الأمور. وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور. وقد تكون صورة من صوره: القدرة على الإيحاء والتأثير، إما في الحواس والأفكار، وإما في الأشياء والأجسام.. وإن كان السحر الذي ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له: {فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} - ولا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه، وبين الصديق وصديقه. فالانفعالات تنشأ من التأثرات. وإن كانت الوسائل والآثار، والأسباب والمسببات، لا تقع كلها إلا بإذن الله، على النحو الذي أسلفنا. أما من هما الملكان: هاروت وماروت؟ ومتى كانا ببابل؟ فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود. بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها. وقد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها؛ وكان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض، ولم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر. لأن هذا التفصيل ليس هو المقصود. ولا أحب أن نجري نحن - في ظلال القرآن - خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصة الملكين. فليست هنالك رواية واحدة محققة يوثق بها. ولقد مضى في تاريخ البشرية من الآيات والابتلاءات ما يناسب حالتها وإدراكها في كل طور من أطوارها. فإذا جاء الاختيار في صورة ملكين - أو في صورة رجلين طيبين كالملائكة - فليس هذا غريباً ولا شاذاً بالقياس إلى شتى الصور وشتى الابتلاءات الخارقة، التي مرت بها البشرية وهي تحبو، وهي تخطو، وهي تقفو أشعة الشعلة الإلهية المنيرة في غياهب الليل البهيم! والمفهومات الواضحة المحكمة في هذه الآيات تغني عن السعي وراء المتشابه فيها بالقياس إلينا بعد ذلك الزمن المديد. وحسبنا أن نعلم منها ضلال بني إسرائيل في جريهم وراء الأساطير، ونبذهم كتاب الله المستيقن، وأن نعرف أن السحر من عمل الشيطان؛ وأنه من ثم كفر يدان به الإنسان، ويفقد به في الآخرة كل نصيب وكل رصيد.
ابن عاشور
تفسير : هذا اعتراض استطرادي بين القصة الماضية والقصة التي أولها: {أية : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تَعبدون}تفسير : [البقرة: 83] فجميع الجمل من قوله تعالى: {أفتطمعون} - إلى قوله: - {وإذ أخذنا} داخلة في هذا الاستطراد. والفاء لتفريع الاستفهام الإنكاري أو التعجيبي على جملة {أية : ثم قست}تفسير : [البقرة: 74] أو على مجموع الجمل السابقة لأن جميعها مما يقتضي اليأس من إيمانهم بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فكأنَّه قيل: فلا تطمعوا أن يؤمنوا لكم أو فَاعْجَبُوا من طمعكم، وسيأتي تحقيق موقع الاستفهام مع حرف العطف في مثله عند قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم}تفسير : [البقرة: 87]. والطمع ترقب حصول شيء محبوب وهو يرادف الرجاء وهو ضد اليأس، والطمع يتعدى بفي حذفت هنا قبل (أَنْ). فإن قلت، كيف يُنهى عن الطمع في إيمانهم أو يُعَجَّب به والنبي والمسلمون مأمورون بدعوة أولئك إلى الإيمان دائماً؟ وهل لمعنى هذه الآية ارتباط بمسألة التكليف بالمحال الذي استحالته لتعلق عِلْمِ الله بعدم وقوعه؟ قلت: إنما نُهينا عن الطمع في إيمانهم لا عن دعائهم للإيمان لأننا ندعوهم للإيمان وإن كنا آيسين منه لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم وفي الآخرة أيضاً، ولأن الدعوة إلى الحق قد تصادف نفساً نيّرة فتنفعها، فإن استبعاد إيمانه حُكم على غالبهم وجَمْهَرتهم أما الدعوة فإنها تقع على كل فرد منهم والمسألة أخص من تلكَ المسألة لأن مسألة التكليف بالمحال لتعلق العلم بعدم وقوعه مفروضة فيما عَلِمَ الله عدَم وقوعه وتلك قد كنا أجبنا لكم فيها جواباً واضحاً وهو أن الله تعالى وإن عَلِمَ عدم إيمان مثل أبي جهل إلا أنه لم يطلعنا على ما عَلمه فيه والأوامر الشرعية لم تجيءْ بتخصيص أحد بدعوة حتى يقال كيف أُمر مع علم الله بأنه لا يؤمن، وأما هذه الآية فقد أظهرت نفي الطماعية في إيمان من كان دأبهم هذه الأحوال فالجواب عنها يرجع إلى الجواب الأعم وهوأن الدعاء لأجل إقامة الحجة وهو الجواب الأعم لأصحابنا في مسألة التكليف بما علم الله عدم وقوعه، على أن بعض أحوالهم قد تتغير فيكون للطماعية بعدَ ذلك حظ. واللام في قوله: {لكم} لتضمين {يؤمنوا} معنى يُقِرُّوا وكأنَّ فيه تلميحاً إلى أن إيمانهم بصدق الرسول حاصل ولكنهم يكابرون ويجحدون على نحو قوله تعالى: {أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}تفسير : [البقرة: 146] الآية فما أبدعَ نسج القرآن. ويجوز حمل اللام على التعليل وجعل {يؤمنوا} مُنزَّلاً منزلة اللازم تعريضاً بهم بأنهم لم يؤمنوا بالحق الذي جاءهم على ألسنة أنبيائهم وهم أخص الناس بهم أفتطمعون أن يعترفوا به لأجلكم. وقوله: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله} جملة حالية هي قيدُ إنكار الطمع في إيمانهم فيكون قد عُلل هذا الإنكار بعلتين إحداهما بالتفريع على ما عَلِمْناه، والثانية بالتقييد بما عَلَّمَنَاه. وقوله: {فريق منهم} يحتمل أن يريد من قومهم الأقدمين أومن الحاضرين في زمن نزول الآية. وسماعهم كلامَ الله على التقديرين هو سماع الوحي بواسطة الرسول إن كان الفريق من الذين كانوا زمن موسى أو بواسطة النقل إن كان من الذين جاءوا من بعده. أما سماع كلام الله مباشرة فلم يقع إلا لموسى عليه السلام. وأيًّا ما كان فالمقصود بهذا الفريق جمع من علمائهم دون عامتهم. والتحريف أصله مصدر حَرَّف الشيء إذا مال به إلى الحرف وهو يقتضي الخروج عن جادة الطريق، ولمَّا شاع تشبيه الحق والصواب والرشد والمكارم بالجادة وبالصراط المستقيم شاع في عكسه تشبيه ما خالف ذلك بالانحراف وببنيات الطريق. قال الأشتر:شعر : بقَّيْتُ وفْرى وانحرفتُ عن العُلا ولَقِيتُ أَضْيَافِي بوَجْهٍ عَبُوسٍ تفسير : ومن فروع هذا التشبيه قولهم: زَاغ، وحاد ومَرق، وألْحَد. وقوله تعالى: {أية : ومن الناس من يعبد الله على حرف}تفسير : [الحج: 11]. فالمراد بالتحريف إخراج الوحي والشريعة عما جاءت به، إما بتبديل وهو قليل وإما بكتمان بعض وتناسيه وإما بالتأويل البعيد وهو أكثر أنواع التحريف. وقوله: {وهم يعلمون} حال من {فريق} وهو قيد في القَيد يعني يسمعونه ثم يعقلونه ثم يحرفونه وهم يعلمون أنهم يحرفون، وأن قوماً توارثوا هذه الصفة لا يطمع في إيمانهم لأن الذين فعلوا هذا إما أن يكونوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو بني عمهم فالغالب أن يكون خلقهم واحداً وطباعهم متقاربة كما قال نوح عليه السلام: {أية : ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً}تفسير : [نوح: 27] وللعرب والحكماء في هذا المعنى أقوال كثيرة مرجعها إلى أن الطباع تورث، ولذلك كانوا يصفون القبيلة بصفات جمهورها، أو أراد بالفريق علماءهم وأحبارهم، فالمراد لا طمع لكم في إيمان قوم هذه صفات خاصتهم وعلمائهم فكيف ظنكم بصفات دهمائمهم لأن الخاصة في كل أمة هم مظهر محامدها وكمالاتها فإذا بلغت الخاصة في الانحطاط مبلغاً شنيعاً فاعلم أن العامة أفظع وأشنع، وأراد بالعامة الموجودين منهم زمن القرآن لأنهم وإن كان فيهم علماء إلا أنهم كالعامة في سوء النظر ووهن الوازع.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: افتطمعون: الهمزة للإنكار الاستبعادي، والطمع تعلق النفس بالشيء رغبة فيه. يؤمنوا لكم: يُتابعونكم على دينكم (الإسلام). كلام الله: في كتبه كالتوراة والإِنجيل والقرآن. يحرفونه: التحريف الميل بالكلام على وجه لا يدل على معناه كما قالوا في نعت الرسول صلى الله عليه وسلم في التوراة: أكحل العينين ربعة جعد الشعر حسن الوجه قالوا: طويل أزرق العينين سبط الشعر. إذا لقوا الذين آمنوا: إذا لقي منافقوا اليهود المؤمنين قالوا آمنا بنبيكم ودينكم. أتحدثونهم: الهمزة للاستفهام الإنكاري، وتحديثهم إخبار المؤمنين بنعوت النبي في التوراة. بما فتح الله عليكم: إذا خلا منافقوا اليهود برؤسائهم أنكروا عليهم إخبارهم المؤمنين بنعوت النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وهو مما فتح الله به عليهم ولم يعلمه غيرهم. ليحاجوكم به: يقولون لهم لا تخبروا المؤمنين بما خصكم الله به من العلم حتى لا يحتجوا عليكم به فيغلبوكم وتقوم الحجة عليكم فيعذبكم الله. أميون: الأمي: المنسوب إلى أمه كأنه ما زال في حجر أمه لم يفارقه فلذا هو لم يتعلم الكتابة والقراءة. أماني: الآماني جمع أمنية وهي إمّا ما يتمناه المرء في نفسه من شيء يريد الحصول عليه، وإما القراءة من تمني الكتاب إذا قرأه. معنى الآيات: ينكر تعالى على المؤمنين طمعهم في إيمان اليهود لهم بنبيهم ودينهم، ويذكر وجه استبعاده بما عرف به اليهود سلفاً وخلفاً من الغش والاحتيال بتحريف الكلام وتبديله تعمية وتضليلا حتى لا يُهتدى إلى وجه الحق فيه ومن كان هذا حاله يبعد جداً تخلصه من النفاق والكذب وكتمان الحق {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} وهم كاذبون وإذا خلا بعضهم ببعض أنكروا على أنفسهم ما فَاه به بعضهم للمسلمين من صدق نبوة الرسول وصحة دينه متعللين بأن مثل هذا الاعتراف يؤدي الى احتجاج المسلمين به عليهم وغلبهم في الحجة وسبحان الله كيف فسد ذوق القوم وساء فهمهم حتى ظنوا أن ما يخفونه يمكن إخفاؤه على الله قال تعالى في التنديد بهذا الموقف الشائن {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}؟ ومن جَهْلِ بعضهم بما في التوراة وعدم العلم بما فيها من الحق والهدى والنور ما دل عليه قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} أي إلاَّ مُجرَّد قراءة فقط أما إدراك المعاني الموجبة لمعرفة الحق والإِيمان به واتباعه فليس لهم فيها نصيب، وما يقولونه ويتفوهون به لم يَعْدُ الْخَرْصَ والظَّنُّ الكاذِبَ. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- أن أبعد الناس عن قبول الحق والإذعان له اليهود. 2- قبح إنكار الحق بعد معرفته. 3- قبح الجهل بالله وبصفاته العلا وأسمائه الحسنى. 4- ما كل من يقرأ الكتاب يفهم معانية فضلا عن معرفة حِكمه وأسراره وواقع أكثر المسلمين اليوم شاهد على هذا فإن حفظة القرآن منهم من لا يعرفون معانيه فضلا عن غير الحافظين له.
القطان
تفسير : انتقل الكلام هنا من مخاطبة اليهود في شأن أجدادهم الى الحديث مع المسلمين، فقد كان النبي شديد الحرص على دخول اليهود في الاسلام، لأن أصل الدينين واحد من حيث التوحيد والتصديق بالبعث، فافتتح الكلام بهذه الجملة الاستفهامية: افتطمعون ان يؤمنوا لكم..؟ أبعد كل ما قصصناه يطمع طامع في ايمان هؤلاء القوم وهم الوارثون لذلك التاريخ الملوث؟ ثم يقص علينا من مساوىء أفعال اليهود واقاويلهم في زمان البعثة زهاء عشرين سبباً لا تبقي مطمعاً لطامع في ايمانهم. وهو لا يدع زعماً من مزاعمهم الا قفى عليه بالرد والتفنيد، وقد بدأ هذا الوصف بتقسيمهم فريقين: علماء يحرّفون كلام الله ويتواصون بكتمان ما عندهم من العلم لئلا يكون حجة عليهم، وجهلاء أميين هم ضحايا التلبيس الذي يأتيه علماؤهم. فمن ذا الذي يطمع في صلاح أمة جاهلها مضلَّل باسم الدين وعالمها مضلِّل يكتب من عنده ويقول هذا من عند الله! لذلك ينبهنا الله الى انه: ما كان ينبغي لكم أيها المؤمنون ان تطمعوا في ان يؤمن اليهود بدينكم، وقد اجتمعت في مختلف فرقهم اشتات الرذائل. ان احبارهم يسمعون كلام الله ويفهمونه ثم يحرّفونه عمداً. واذا لقي اناس منهم أصحاب النبي قالوا لهم كذباً. ونفاقاً أنّا آمنا كإيمانكم وان محمداً هو الرسول الذي بشّرت به التوراة، فاذا خلا بعضهم الى بعض عاتبهم الباقون منهم على قولهم السابق، خشية ان يكون ذلك حجة على اليهود قاطبة يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {كَلاَمَ} (75) - كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمُونَ شَدِيدِي الحِرْصِ عَلَى دُخُولِ اليَهُودِ في الإِسْلاَمِ، لأَِنَّ شَرِيعَة مُوسَى - كَمَا نَزَلَتْ مِنْ عِنْدَ اللهِ - تَدْعُو مِثْلَ الإِسْلاَمِ إِلى التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَإِلى الإِيمَانِ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ، وَكِتَابُهُمُ التَّورَاةُ يُبَشِّرُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبِعْثَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، وَيُصَدِّقُُ القُرآنَ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَكَشَفَ اللهُ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ وَلِلْمُسْلِمِينَ حَالَ اليَهُودِ وَعِنادَهُمْ وَكُفْرَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِباً النَّبِيَّ وَالمُسْلِمينَ: أَتَطْمَعُونَ أَنْ يَنْقَادَ اليَهُودُ إِليكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَقَدْ شَاهَدَ آباؤهم مِنْ آيَاتِ اللهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الكَثِيرَ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ بَعْدَ ذلِكَ، وَكَانَ فَرِيقٌ مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يَتَأوَّلُونَهُ، وَيُعْطُونَهُ مَعْنىً آخَرَ غَيْرَ مَعْنَاهُ الصَّحِيحِ (يُحَرِّفُونَهُ) مِنْ بِعْدِ مَا عَرَفُوهُ، وَفَهِمُوا مَعْنَاهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَمَعَ ذلِكَ فَإِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ عَنْ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أّنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فِيمَا ذَهَبُوا إِليهِ مِنْ تَأوُّلٍ وَتَحْرِيفٍ. الطَّمَعُ - تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِإِدْرَاكِ مَا تُحِبُّ تَعَلُّقاً قَوِيّاً. يُحَرِّفُونَهُ - يُعْطُونَهُ مَعنىً غَيرَ مَعْنَاهُ الصَّحِيحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعطينا الحق تبارك وتعالى هنا الحكمة .. فيما رواه لنا عن بني إسرائيل وعن قصصهم. لأنهم سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة، ثم في بيت المقدس، ثم في المسجد الأقصى .. فهو يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ربهم. وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود. وإذا كان هذا موقفهم يا محمد مع الله ومع نبيهم .. فلا تطمع أن يؤمنوا لك ولا أن يدخلوا في الإسلام، مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام.. هذه الآيات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم. وتطالبه ألا يحزن على عدم إيمان اليهود به لأنه عليه البلاغ فقط؛ ولكن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يؤمن كل أهل الأرض يهودا ونصارى وكفاراً، ليس معناه أنه لم يفهم مهمته، ولكن معناه أنه أدرك حلاوة التكليف من ربه، بحيث يريد أن يهدي كل خلق الله في الأرض .. فيطمئنه الله ويقول له لا تعتقد أنهم سيؤمنون لك. وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقاً .. فتكذيبهم لك لا ينبغي أن يؤثر فيك .. فلا تطمع يا محمد أن يؤمنوا لك.. ما هو الطمع؟ .. الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوباً لها .. والأصل في الإنسان العاقل ألا يطمع إلا في حقه .. والإنسان أحياناً يريد أن يرفه حياته ويعيش مترفاً ولكن بحركة حياته كما هي. نقول له إذا أردت أن تتوسع في ترفك فلابد أن تتوسع في حركة حياتك؛ لأنك لو أترفت معتمداً على حركة حياة غيرك .. فسيفسد ميزان حركة الحياة في الأرض، أي إن كنت تريد أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك؛ لأنك إن فعلت غير ذلك تسرق وترتشي وتفسد. فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه. إذن فكلمة "أفتطمعون" هنا تحدد أنه يجب ألا نطمع إلا فيما نقدر عليه. هؤلاء اليهود هل نقدر على أن نجعلهم يؤمنون؟ يقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم .. هذا أمر زائد على ما كلفت به .. لأن عليك البلاغ، وحتى لو كان محبباً إلى نفسك .. فإن مقدماتهم مع الله لا تعطيك الأمل في أنك ستصل إلى النتيجة التي ترجوها.. وهذه الآية فيها تسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما سيلاقيه مع اليهود. وتعطيه الشحنة الإيمانية التي تجعله يقابل عدم إيمان هؤلاء بقوة وعزيمة .. لأنه كان يتوقعه فلا يحزن ولا تذهب نفسه حسرات، لأن الله تبارك وتعالى قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم .. فإذا جاء تصرفهم وفق ما سيحدث .. يكون ذلك أمراً محتملاً من النفس .. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} [البقرة: 75] انظر إلى الأمانة والدقة .. فريق منهم ليس كلهم .. هذا هو ما استنبط منه العالم نظرية صيانة الاحتمال .. وهي عدم التعميم بحيث تقول إنهم جميعاً كذا .. لا بد أن تضع احتمالاً في أن شخصاً ما سيؤمن أو سيشذ أو سيخالف .. هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل .. وعندما بعث آمنوا به، وهؤلاء لم يحرفوا كلام الله. لو أن القرآن جاء بالحكم عاماً لتغيرت نظرة الكافرين للإسلام .. ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين أننا حرفنا كتاب الله ولكننا لم نحرفه ونحن ننتظر رسوله .. فكأن هذا الحكم غير دقيق .. ولابد أن شيئاً ما خطأ .. لأن الله الذي نزل هذا القرآن لا يخفى عليه شيء ويعرف ما في قلوبنا جميعاً .. ولكن لأن الآية الكريمة تقول إن فريقاً منهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه .. الكلام بلا تعميم ومنطبق بدقة على كل حال.. والحق جل جلاله يقول: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] .. هذه معصية مركبة سمعوا كلام الله وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه .. لقد قرأوه في التوراة وقرأوا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنهم يعرفونه كأبنائهم .. ثم حرفوا كلام الله وهم يعلمون .. ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة .. كانوا يقولون السَّأم عليكم بدلاً من السلام عليكم .. ولم يتوقف الأمر عند التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلام من عندهم وقالوا إنه من التوراة.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى عناد اليهود، وعدم امتثالهم لأوامرالله تعالى، ومجادلتهم للأنبياء الكرام، وعدم الانقياد والإِذعان، عقَّب ذلك بذكر بعض القبائح والجرائم التي ارتكبوها كتحريف كلام الله تعالى، وادعائهم بأنهم أحباب الله، وأن النار لن تمسَّهم إِلا بضعة أيام قليلة، إلى آخر ما هم عليه من أماني كاذبة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وقد بدأ تعالى الآيات بتيئيس المسلمين من إِيمانهم لأنهم فطروا على الضلال، وجبلوا على العناد والمكابرة. اللغَة: {أَفَتَطْمَعُونَ} الطمع: تعلق النفس بشيء مطلوب تعلقاً قوياً، فإِذا اشتد فهو طمع، وإِذا ضعف كان رجاءً ورغبةً {فَرِيقٌ} الفريق: الجماعة وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط والقوم. {يُحَرِّفُونَهُ} التحريف: التبديل والتغيير وأصله من الانحراف عن الشيء {عَقَلُوهُ} عقل الشيء أدركه بعقله والمراد فهموه وعرفوه {أُمِّيُّونَ} جمع أمي وهو الذي لا يحسن القراءة والكتابة، سميَّ بذلك نسبة إِلى الأم، لأنه باقٍ على ما ولدته عليه أمه من عدم المعرفة {أمانيّ} جمع أمنية وهي ما يتمناه الإِنسان ويشتهيه، أو يقدّره في نفسه من مُنى ولذلك تطلق على الكذب قال أعرابي لإِنسان: "أهذا شيء رأيته أم تمنيته" أي اختلقته، وتأتي بمعنى قرأ قال حسان: تمنّى كتاب الله أول ليلة {فَوَيْلٌ} الويل: الهلاك والدماء وقيل: الفضيحة والخزي، وهي كلمة تستعمل في الشر والعذاب قال القاضي: هي نهاية الوعيد والتهديد كقوله {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} تفسير : [المطففين: 1] وقال سيبويه: ويلٌ لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها. سَبَبُ النّزول: 1 - نزلت في الأنصار كانوا حلفاء لليهود وبينهم جوارٌ ورضاعة وكانوا يودون لو أسلموا فأنزل الله تعالى {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ ..} الآية. 2 - وروى مجاهد عن ابن عباس أن اليهود كانوا يقولون: إِن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإِنما نُعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإِنما هي سبعة أيام معدودة فأنزل الله تعالى {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. التفِسير: يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين فيقول {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} أي أترجون يا معشر المؤمنين أن يسلم اليهود ويدخلوا في دينكم {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} أي والحال قد كان طائفة من أحبارهم وعلمائهم يتلون كتاب الله ويسمعونه بيناً جلياً {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي يغيّرون آيات التوراة بالتبديل أو التأويل، من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم يرتكبون جريمة أي أنهم يخالفونه على بصيرة لا عن خطأٍ أو نسيان {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} أي إِذا اجتمعوا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال المنافقون من اليهود آمنا بأنكم على الحق، وأن محمداً هو الرسول المبشَّر به {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي إِذا انفرد واختلى بعضهم ببعض {قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي قالوا عاتبين عليهم أتخبرون أصحاب محمد بما بيَّن الله لكم في التوراة من صفة محمد عليه السلام {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} أي لتكون الحجة للمؤمنين عليكم في الآخرة في ترك اتباع الرسول مع العلم بصدقه {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ أي أفليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟ والقائلون ذلك هم اليهود لمن نافق منهم قال تعالى رداً عليهم وتوبيخاً {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} أي ألا يعلم هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفون وما يظهرون، وأنه تعالى لا تخفى عليه خافية، فكيف يقولون ذلك ثم يزعمون الإِيمان!! ولما ذكر تعالى العلماء الذين حرّفوا وبدّلوا، ذكر العوام الذين قلدوهم ونبّه أنهم في الضلال سواء فقال: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ} أي ومن اليهود طائفة من الجهلة العوامّ، الذين لا يعرفون القراءة والكتابة ليطلعوا على ما في التوراة بأنفسهم ويتحققوا بما فيها {إِلاَّ أَمَانِيَّ} أي إِلاَّ ما هم عليه من الأماني التي منّاهم بها أحبارهم، من أن الله يعفو عنهم ويرحمهم، وأن النار لن تمسهم إِلا أياماً معدودة، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، إِلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أي ما هم على يقين من أمرهم، بل هم مقلّدون للآباء تقليد أهل العمى والغباء. ثم ذكر تعالى جريمة أولئك الرؤساء المضلّين، الذين أضلّوا العامة في سبيل حطام الدنيا فقال {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} أي هلاك وعذاب لأولئك الذين حرّفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} أي يقولون لأتباعهم الأميين هذا الذي تجدونه هو من نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، مع أنهم كتبوها بأيديهم ونسبوها إِلى الله كذباً وزوراً {لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أي لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي فشدة عذاب لهم على ما فعلوا من تحريف الكتاب {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} أي وويل لهم مما يصيبون من الحرام والسحت {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} أي لن ندخل النار إِلا أياماً قلائل، هي مدة عبادة العجل، أو سبعة أيام فقط {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} أي قل لهم يا محمد على سبيل الإِنكار والتوبيخ: هل أعطاكم الله الميثاق والعهد بذلك؟ فإذا كان قد وعدكم بذلك {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} لأن الله لا يخلف الميعاد {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أم تكذبون على الله فتقولون عليه ما لم يقله، فتجمعون بين جريمة التحريف لكلام الله، والكذب والبهتان عليه جل وعلا. ثم بيَّن تعالى كذب اليهود، وأبطل مزاعمهم بأن النار لن تمسهم وأنهم لا يخلدون فيها فقال: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} أي بلى تمسكم النار وتخلدون فيها، كما يخلد الكافر الذي عمل الكبائر، وكذلك كل من اقترف السيئات {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} أي غمرته من جميع جوانبه، وسدّت عليه مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود {فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي فالنار ملازمة لهم لا يخرجون منها أبداً {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي وأما المؤمنون الذين جمعوا بين الإِيمان، والعمل الصالح فلا تمسهم النار، بل هم في روضات الجنات يحبرون {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي مخلدون في الجنان لا يخرجون منها أبداً، اللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين. البَلاَغَة: أولاً: قوله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملة مفيدة لكمال قبح صنيعهم، فتحريفهم للتوراة كان عن قصد وتصميم لا عن جهل أو نسيان، ومن يرتكب المعصية عن علم يستحق الذم والتوبيخ أكثر ممن يرتكبها وهو جاهل. ثانياً: قوله {يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} ذكر الأيدي هنا لدفع توهم المجاز، وللتأكيد بأن الكتابة باشروها بأنفسهم كما يقول القائل: كتبته بيميني، وسمعته بأذني. ثالثاً: قوله {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فيه من المحسّنات البديعية ما يسمى بـ (الطباق) حيث جمع بين لفظتي "يسرون" و "يعلنون" وهو من نوع طباق الإِيجاب. رابعاً: التكرير في قوله {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ} وقوله {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} وقوله {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} للتوبيخ والتقريع ولبيان أن جريمتهم بلغت من القبح والشناعة الغاية القصوى. خامساً: قوله {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} هو من باب الاستعارة حيث شبّه الخطايا بجيش من الأعداء نزل على قوم من كل جانب فأحاط به إِحاطة السوار بالمعصم، واستعار لفظة الإِحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، فكأنها أحاطت بها من جميع الجهات. الفَوائِد: الفائدة الأولى: تحريف كلام الله يصدق بتأويله تأويلاً فاسداً، ويصدق بمعنى التغيير وتبديل كلام بكلام، وقد وقع من أحبار اليهود التحريف بالتأويل، وبالتغيير، كما فعلوا في صفته عليه السلام قال العلامة أبو السعود: روي أن أحبار اليهود خافوا زوال رياستهم فعمدوا إِلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة وكانت هي فيها "حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، أبيض ربعة" فغيرّوها وكتبوا مكانها "طوال، أزرق، سبط الشعر" فإِذا سألهم العامة عن ذلك قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفاً لما في التوراة فيكذبونه. الثانية: التحريف بقسميه وقع في الكتب السماوية كالتوراة والإِنجيل كما قال تعالى {أية : يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ} تفسير : [النساء: 46] أما التحريف بمعنى التأويل الباطل فقد وقع في القرآن من الجهلة أو الملاحدة، وأما التحريف بمعنى إِسقاط الآية ووضع كلام بدلها فقد حفظ الله منه كتابه العزيز {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. الثالثة: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال "حديث : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاةٌ فيها سمٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، فقال لهم رسول الله: مَنْ أبوكم؟ قالوا: فلان قال: كذبتم بل أبوكم فلان فقالوا: صدقتَ وبررت ثم قال لهم: هل أنتم صادقيَّ عن شيء إِن سألتكم عنه؟ قالوا نعم يا أبا القاسم، وإِن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبداً، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم صادقيَّ عن شيء إِن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا نعم قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إِن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإِن كنت نبياً لم يضرك ".
الأندلسي
تفسير : كان المؤمنون من الأنصار بينهم وبين اليهود حلف وجوار فكانوا يودون إسلامهم. والطمع تعلق النفس بإِدراك مطلوب تعلقاً قوياً. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي من اليهود لبعدهم عن الإِيمان. {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} أي من كتابهم التوراة أو من الوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أي يميلون به إلى غير جهته ويبدلون. {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أي فهموه ومع عقلهم له على وضعه يحرفونه عن وضعه. {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ما في تحريفه من الاثم واستحقاق غضب الله فمن كانت حاله هذه لا يطمع في إيمانه وأبناؤهم تابعو أسلافهم في البعد عن الخير والإِيمان. ثم ذكر من نفاقهم موافقة المؤمنين بقولهم. {قَالُوۤاْ آمَنَّا} ومن خبثهم كونهم لا ينطقون بمتعلق آمنا. والجملة من قوله: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ} في موضع الحال، أي في طماعيتكم في إيمان هؤلاء مع أن حال أسلافهم أو حال فريق من الحاضرين منهم هذه الحال مستبعدة لا تجامع هذه الحال. {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي انفرد بعضهم ببعض. {قَالُوۤاْ} أي المنفرد على سبيل العتاب. {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} من وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم وما جرى لأسلافكم من المغازي وما حل بهم من النقم والفتح الاعلام أي بما أعلمكم أو الحكم أي بما حكم الله عليكم أو على أسلافكم وحدث هنا تعدت إلى واحد بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر واللام في. {لِيُحَآجُّوكُم} تتعلق بأتحدثونهم وهي لام كي على تجوز لأن الناشىء عن شيء وإن لم يقصد كالعلة وكونها للصيرورة قول مشهور والضمير في "له" عائد على ما الموصولة الاسمية. {عِنْدَ رَبِّكُمْ} أي في الآخرة. فقول ابن أبي الفضل: ان الصحيح أن يكون عند ربكم متعلقاً بقوله: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}، أي من عند ربكم ليحاجوكم. قال: لأن الاحتجاج عليهم بما كان في الدنيا ليس بصحيح للفصل بين عند والعامل فيها الذي هو فتح بقوله: {لِيُحَآجُّوكُم} وهو أجنبي منهما إذ هو متعلق بأتحدثونهم على الأظهر. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} داخل تحت قوله: {قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم} أي بما يكون حجة لهم عليكم. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ما في ذلك من التسليط عليكم وإظهار الحجة وذهب الزمخشري إلى أن بين الهمزة والفاء في نحو: أفلا تعقلون وبين الهمزة والواو في نحو: أولاً، وكذا! فلم يسيروا، أو لم يروا فعلاً محذوفاً عطف عليه ما بعده كأنه يقدر أجهلتم أفلا تعقلون أمكثوا فلم يسيروا ومذهب النحاة ان الواو والفاء وثم بعطف ما بعدها على الجملة التي قبل الهمزة والهمزة متأخرة في التقدير وقدمت لأن الاستفهام له صدر الكلام وقد رجع الزمخشري إلى قول النحاة في ذلك إذ لم يطرد له الحذف في مواضع.
الجيلاني
تفسير : {أَ} لم تسعموا قصتهم، ولم تعرفوا خيانتهم ودناءتهم وزلتهم المضروبة عليهم وسوء معاملتهم مع نبيهم المبعوث عليهم {فَتَطْمَعُونَ} وترجون {أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} أي: بنبيكم، ويصادقوا ويحاقوا ويتلوا معكم كلام الله مع علمكم بحالهم {وَ} لم تسعموا أنه {قَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} من أسلافهم قوم {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ} النازل لهم، وفيه وصف نبينا صلى الله عليه وسلم فيضطربون ويستقلون بعثته {ثُمَّ} لما قرب عهده صلى الله عليه وسلم وظهر أمره، واستشعروا من أمارته أنه هو النبي الموعود في كتابهم {يُحَرِّفُونَهُ} أي: الكتاب، حسداً وعناداً ويغيرونه مكابرة {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} جزموه وحققوه أنه هو {وَهُمْ} أيضاً {يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] مكابرتهم ومعاندتهم ويجزمونه في نفوسهم بحقيته، ويقولون في خلواتهم: إنا وإن كان النبي الموعود لكن لا نؤمن له؛ لأنه من العرب لا منّاً. {وَ} منهم من آمن وصدق ظاهراً لمصلحة دنيوية وهو على خباثته الأصلية ودنائته الجبلية، بل أخبث منها بحيث {إِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأخلصوا في إيمانهم {قَالُوۤاْ آمَنَّا} برسولكم الذي هو الرسول الموعود في التوراة يقيناً، وصدقنا جمع ما جاء به من عند ربه {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي: المنافقين مع المصرين {قَالُوۤاْ} أي: كل من الفريقين للآخر عند المشاورة وبث الشكوى: أترون أمر هذا الرجل كيف يعلو ويرتقي وما هو إلا النبي المؤيد الموعود في كتابنا؟ أي شيء تعلمون يا معاشر اليهود؟ {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} في كتابكم من وصفه {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ} ويغلبوا عليكم ويتقربوا {عِنْدَ رَبِّكُمْ} فالعار كل العار، أم تحرفون الكتاب ولا تسلمونه غيرة وحمية؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] تتفكرون وتتأملون أيها المتيدنون بدين الآباء في أمر هذا الرجل؟ هكذا جرى حالتهم دائماً بأن قالوا بأمثال هذه الهذيانات إلى أن تتفرقوا. قال لهم يا أكمل الرسل: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ} المحيط بظواهركم وبواطنكم {يَعْلَمُ} بالعلم الحضوري {مَا يُسِرُّونَ} من الكفر والتكذيب عناداً ومكابرة {وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77] من القول الغير المطابق للاعتقاد.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن اليأس من إيمانهم بغاية خذلانهم بقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} [البقرة: 75]، إلى قوله تعالى: {وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77]، والإشارة في تحقيق الآيات بمجرد سماع الكلام من الله تعالى وإن كان بلا واسطة لا يحصل الإيمان الحقيقي، فإن الفريق الذين يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، ولو كان لهم من الإيمان الحقيقي حاصل ما حرفوا كلام الله وهم يعلمون العلم الحقيقي أنه حق، وهذا يدل على أن علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله تعالى لا يفيد الإيمان الحقيقي إلا أن يزيكه الله تعالى بفضله ورحمته كما قال تعالى: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً}تفسير : [النور: 21]، وإن الله تعالى كلم إبليس وخاطبه بقوله: {أية : إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص: 75]، وما أفاده الإيمان الحقيقي إذا لم يكن مؤيداً من الله بفضله ورحمته قال في حقه: {أية : وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ}تفسير : [البقرة: 34]. {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} [البقرة: 76] يعني: إذا لم يكن سماع الكلام يفيد الفريق منهم فكيف يفيد هؤلاء منا: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76]، وهم من جهلهم وغفلتهم: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77]، فيطلع رسوله على أسرارهم، وهذا أحد معاني إعجاز القرآن؛ يخبرهم عن مخفيات ضمائرهم ومجيبات سرائرهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77]، من تصديق بلا تحقيق وهم من عمى بصائر قلوبهم لا يبصرون المعجزات ولا يؤمنون بها. ثم أخبر عن غاية جهلهم وخسة عقلهم بقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ} [البقرة: 78]، الآيتين، الإشارة فيهما: أن اليهود متفاوتون في مراتب كفرهم، فقوم منهم أميون لا يعلمون الكتاب ما هو في الحقيقة إلا أماني أي: ما يتمنون من عند أنفسهم كما قال تعالى: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ}تفسير : [الشورى: 52]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس الدين بالتمني"تفسير : فبعضهم أحسن من درجة وأكثر جهلاً، ركنوا إلى التقليد المحض، ولا يمكنهم استيفاء شهوة، بل اعترضوا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة، فهم الذين لا ينصيب لهم من كتبهم إلا قراءتها دون معرفة معانيها وإدراك أسرارها وحقائقها، وهذا حال أكثر أهل زماننا من مدعي الإسلام، ومنهم: من أكثر شأنه ما يتمناه في نفسه ولا يساعده مكان إلا بظنون وتخمين، ومنهم: من يعتمد على كتب الأوائل وأقاويلهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة ويكتبونه بأيديهم {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 79]، من الحطام الدنيوية والوجاهة عند الناس {فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]، من الكفر والإلحاد عن الحق والاعتقاد السوء، وإغواء الخلق وإضلالهم، كما قال تعالى: {أية : قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً}تفسير : [المائدة: 77]، في هذه الآيات أيضاً إشارة إلى بعض المنتمين إلى هذه الطائفة من مدعي الإخلاص في الصحبة في طريق الحق، فينضم إلى الأولياء وأرباب القلوب ظاهراً، ثم يصدق له الإرادة ويميل إلى أهل الغفلة، وله مع هذه الطريقة جانب؛ كلما دعته هواتف الحظوظ يسارع إلى الإجابة طوعاً، وإذا قادته دواعي الحق يتكلف كرهاً من الحالة ما لم يختص نيته، وما أشد ندمه فيما أؤخر عن الله تعالى إن لم يصلح طويته حين اشترى بالحقوق الباقية الحظوظ الفانية. ثم أخبر عن وساوسهم الشيطانية وهواجسهم النفسانية بقوله: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} [البقرة: 80]، إلى قوله: {خَالِدُونَ} البقرة: 81]، والإشارة فيها: أن بعض المغرورين بالعقل من ضلاَّلا الفلاسفة وجهال الطبائعية وغيرهم نوط غفلتهم وغلبات مغاليط ظنونهم، قد ظنوا أن قبائح أعمالهم وفضائح أفعالهم وأقوالهم لا تؤثر في صفاء أرواحهم، وتغيير أحوالهم، فإذا فارقت الأرواح إلى حضائر القدس، ولا يصحبها شيء من نتائج الأعمال. {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80]، وذلك من فطام الأرواح عن ألبان التمتعات الحيوانية، وهذا ظن فاسد وكفر صريح من وسواس الشيطان وهواجس النفوس وليس بمعقول؛ لأن العاقل يشاهد حساً وعقلاً أن تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية تورث الأخلاق الذميمة من الحرص والأمل والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك؛ إن هذه وإن كانت من صفات النفس الأمارة بالسوء؛ فتصير بالمجاورة والشعور بأخلاق الروح ويتدنس بها، ويتكدر صفاؤه، ويتبدل أخلاقه الروحانية الملكية من الحلم والكرم والمروة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك بالأخلاق الحيوانية السبعية الشيطانية، وإن الذي يرتاض نفسه بالمجاهدات وترك الشهوات وينهاها عن المألوفات والمستلذات، ويمنعها عن الأخلاق المذمومات تورث هذه المعاملات مكارم الأخلاق وصفاء القلب ورقة النظر وصدق الفراسة وإصابة الرأي ونور العقل وعلو الهمة وغلو السر وشوق الروح وتحننه إلى وطنه الأصلي، وغير ذلك من المقامات العلية والأحوال السنية، فلا يشك العاقل في أن الروح المتبع للنفس الأمارة، كما يكون للعوام، لا يكون مساوياً بعد المفارقة مع الروح المتبع لإلهامات الحق كما يكون للخواص؛ لقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الملك: 22]، وبعضهم قالوا: وإن تكدرت الأرواح بقبائح أفعال الأشباح فدنست بقدر تعلقاتها بمحبوبات طباعهم فبعد المفارقة بقيت في العذاب أياماً معدودة على قدر انقطاع التعلقات عند وزر الكدورات، ثم يتخلص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب، وهذا خيال فاسد، وكذبهم الله تعالى بقوله: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} [البقرة: 81]، تظهر على مرآة قلبه بقدرها ديناً، فإن تاب محي عنه، وإن لم يتب ويصر على السيئات حتى إذا أحاطت مرآة قلبه زين السيئات بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطري، وخرج منه نور الإيمان وضوء الطاعات فأحبط أعماله الصالحات وأحاط به الخطيئات {فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، والذي يدل على هذا قوله تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]، ومن كان في قلبه ذرة من الإيمان فلم يحط به خطيئته، وإن كان من أهل الكبائر يخرج من النار، ولا يخلد فيها بالشفاعة الشافعين، وجاء في الحديث الصحيح: "حديث : يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيكون مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات ". تفسير : وفيه أيضاً إشارة إلى بعض أرباب الطلب فمن يركن بنفسه في أثناء الطلب إلى شيء من الزخارف الدنيا ويميل إلى شيء من شهواتها، فيظهر عليه الشيطان بذلك فيوسوس له؛ ليقطع عليه الطلب ويغره بمعاملاته وزهده وعزلته فيوقعه في ورطة العجب فينظر إلى نفسه بنظر التعظيم وإلى الخلق بنظر التحقير فيهلك المغرور، أو يغتر ببعض الأحوال التي تظهر على أهل الطلب في أثناء السلوك من الوقائع الصادقة والروايات الصالحات، وشيء من المشاهدات الروحانية الرحمانية، فيظن المغرور الممكور أن ليس وراء عيان هذه المقامات قرية، وأنه بلغ مبلغ الرجال البالغين ووصل إلى مقام الواصلين، فيسكن عن الطلب وتعتريه الآفات حتى أحاطت به خطيئته فيبقى بهذه الواقعة في نار الطبيعة ويرجع قهقرى إلى أسفل الطبيعة نعوذ بالله من الحور بعد الكور.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا قطع لأطماع المؤمنين من إيمان أهل الكتاب، أي: فلا تطمعوا في إيمانهم وحالتهم لا تقتضي الطمع فيهم، فإنهم كانوا يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وعلموه، فيضعون له معاني ما أرادها الله، ليوهموا الناس أنها من عند الله، وما هي من عند الله، فإذا كانت هذه حالهم في كتابهم الذي يرونه شرفهم ودينهم يصدون به الناس عن سبيل الله، فكيف يرجى منهم إيمان لكم؟! فهذا من أبعد الأشياء. ثم ذكر حال منافقي أهل الكتاب فقال: { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } فأظهروا لهم الإيمان قولا بألسنتهم، ما ليس في قلوبهم، { وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } فلم يكن عندهم أحد من غير أهل دينهم، قال بعضهم لبعض: { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي: أتظهرون لهم الإيمان وتخبروهم أنكم مثلهم، فيكون ذلك حجة لهم عليكم؟ يقولون: إنهم قد أقروا بأن ما نحن عليه حق، وما هم عليه باطل، فيحتجون عليكم بذلك عند ربكم { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي: أفلا يكون لكم عقل، فتتركون ما هو حجة عليكم؟ هذا يقوله بعضهم لبعض. { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } . { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فهم وإن أسروا ما يعتقدونه فيما بينهم، وزعموا أنهم بإسرارهم لا يتطرق عليهم حجة للمؤمنين، فإن هذا غلط منهم وجهل كبير، فإن الله يعلم سرهم وعلنهم، فيظهر لعباده ما أنتم عليه. { وَمِنْهُمْ } أي: من أهل الكتاب { أُمِّيُّونَ } أي: عوام، ليسوا من أهل العلم، { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ } أي: ليس لهم حظ من كتاب الله إلا التلاوة فقط، وليس عندهم خبر بما عند الأولين الذين يعلمون حق المعرفة حالهم، وهؤلاء إنما معهم ظنون وتقاليد لأهل العلم منهم. فذكر في هذه الآيات علماءهم، وعوامهم، ومنافقيهم، ومن لم ينافق منهم، فالعلماء منهم متمسكون بما هم عليه من الضلال، والعوام مقلدون لهم، لا بصيرة عندهم فلا مطمع لكم في الطائفتين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):