٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
76
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من قبائح أفعال اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق وأن قوله حق ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض قال الرؤساء لهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نعته وصفته ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضاً من الاعتراف بذلك عند محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال القفال: قوله: {فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } مأخوذ من قولهم قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه. أما قوله: {عِندَ رَبّكُمْ } ففيه وجوه. أحدها: أنهم جعلوا محاجتهم به وقوله هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، ألا تراك تقول هو في كتاب الله هكذا وهو عند الله هكذا بمعنى واحد. وثانيها: قال الحسن: أي ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم الله تعالى من اتباع الرسل تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه. وثالثها: قال الأصم: المراد يحاجوكم يوم القيامة وعند التساؤل فيكون ذلك زائداً في توبيخكم وظهور فضيحتكم على رؤوس الخلائق في الموقف لأنه ليس من اعتراف بالحق ثم كتم كمن ثبت على الإنكار فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك مما يزيد في انكشاف فضيحتهم في الآخرة. ورابعها: قال القاضي أبو بكر: إن المحتج بالشيء قد يحتج ويكون غرضه من إظهار تلك الحجة حصول السرور بسبب غلبة الخصم وقد يكون غرضه منه الديانة والنصيحة، فقط ليقطع عذر خصمه ويقرر حجة الله عليه فقال القوم عند الخلوة قد حدثتموهم بما فتح الله عليكم من حجتهم في التوراة فصاروا يتمكنون من الاحتجاج به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه قد أوجبت عليك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي فإن قبلت أحسنت إلى نفسك وإن جحدت كنت الخاسر الخائب. وخامسها: قال القفال: يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي، وهذا عند الشافعي حلال وعند أبي حنيفة حرام، أي في حكمهما وقوله: {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } أي لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله. وتأول بعض العلماء قوله تعالى: {أية : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ} تفسير : [النور: 13] أي في حكم الله وقضائه لأن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً. أما قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ففيه وجوه. أحدها: أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال: أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم. وهو قول الحسن. وثانيها: أنه راجع إليهم فكأن عند ما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم. أما قوله تعالى: {أَوْ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ففيه قولان، الأول: وهو قول الأكثرين إن اليهود كانوا يعرفون الله ويعرفون أنه تعالى يعلم السر والعلانية فخوفهم الله به. الثاني: أنهم ما علموا بذلك فرغبهم بهذا القول في أن يتفكروا فيعرفوا أن لهم رباً يعلم سرهم وعلانيتهم وأنهم لا يأمنون حلول العقاب بسبب نفاقهم، وعلى القولين جميعاً، فهذا الكلام زجر لهم عن النفاق، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد. والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك، لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر: أولا يعلم كيت وكيت إلا وهو عالم بذلك الشيء، ويكون ذلك الشيء زاجراً له عن ذلك الفعل، وقال بعضهم: هؤلاء اليهود كيف يستجيزون أن يسر إلى إخوانهم النهي عن إظهار دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهم ليسوا كالمنافين الذين لا يعلمون الله ولا يعلمون كونه عالماً بالسر والعلانية، فشأنهم من هذه الجهة أعجب. قال القاضي: الآية تدل على أمور. أحدها: أنه تعالى إن كان هو الخالق لأفعال العباد فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال. وثانيها: أنها تدل على صحة الحجاج والنظر وأن ذلك كان طريقة الصحابة والمؤمنين وأن ذلك كان ظاهراً عند اليهود حتى قال بعضهم لبعض ما قالوه، وثالثها: أنها تدل على أن الحجة قد تكون إلزامية لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة وباشتمالها على ما يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة. ورابعها: أنها تدل على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً ووزراً،والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} هذا في المنافقين. وأصل «لقوا» لقِيُوا وقد تقدم. {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} الآية في اليهود، وذلك أن ناساً منهم أسلموا ثم نافقوا، فكانوا يحدّثون المؤمنين من العرب بما عُذِّب به آباؤهم؛ فقالت لهم اليهود: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي حكم الله عليكم من العذاب، ليقولوا نحن أكرم على الله منكم، عن ٱبن عباس والسُّدِّي. وقيل: «حديث : إن عليًّا لما نازل قُرَيظة يوم خَيْبر سَمع سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فٱنصرف إليه وقال: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرَّض له؛ فقال: «أظنك سمعت شتمي منهم لو رأوني لكفّوا عن ذلك» ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم: «أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته»"تفسير : فقالوا: ما كنت جاهلاً يا محمد فلا تجهل علينا، من حدّثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندناٰ روي هذا المعنى عن مجاهد. قوله تعالى: {وَإِذَا خَلاَ} الأصل في «خلا» خَلَوَ، قُلبت الواو ألفاً لتحرّكها وٱنفتاح ما قبلها؛ وتقدّم معنى «خلا» في أوّل السورة. ومعنى «فَتَحَ» حَكَم. والفتح عند العرب: القضاء والحُكم؛ ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} أي الحاكمين. والفَتَّاح: القاضي بلغة اليمن؛ يقال: بيني وبينك الفَتّاح؛ قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. والفتح: النصر؛ ومنه قوله: {أية : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البقرة: 89]، وقوله: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}تفسير : [الأنفال: 19] ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين. قوله تعالى: {لِيُحَآجُّوكُم} نصب بلام كيّ، وإن شئت بإضمار أنْ، وعلامة النصب حذف النون. قال يونس: وناس من العرب يفتحون لام كي. قال الأخفش: لأن الفتح الأصل. قال خلف الأحمر: هي لغة بني العنبر. ومعنى {لِيُحَآجُّوكُم} ليعيِّروكم، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم. وقيل: المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم؛ يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه. وقيل: إن الرجل من اليهود كان يلقى صديقه من المسلمين فيقول له: تمسّك بدين محمد فإنه نبيّ حقًّا. {عِندَ رَبِّكُمْ} قيل في الآخرة؛ كما قال: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}تفسير : [الزمر: 31]. وقيل: عند ذكر ربكم. وقيل: «عند» بمعنى «في» أي ليحاجّوكم به في ربكم؛ فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم؛ روي عن الحسن. والحجة: الكلام المستقيم على الإطلاق؛ ومن ذلك مَحَجّةُ الطريق. وحاججتُ فلاناً فحججته، أي غلبته بالحجة؛ ومنه الحديث: «حديث : فحجّ آدمُ موسى»تفسير : . {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قيل: هو من قول الأحبار للأتباع. وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين؛ أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال؛ ثم وبّخهم توبيخاً يُتْلَى فقال: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ} الآية. فهو ٱستفهام معناه التوبيخ والتقريع. وقرأ الجمهور «يعلمون» بالياء، وٱبن مُحَيْصِن بالتاء؛ خطاباً للمؤمنين. والذي أسَرّوه كفرهم، والذي أعلنوه الجَحْدُ به.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } يعني منافقيهم. {قَالُواْ ءَامَنَّا } بأنكم على الحق، وإن رسولكم هو المبشر به في التوراة {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُواْ } أي الذين لم ينافقوا منهم عاتبين على من نافق. {أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } بما بين لكم في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو الذين نافقوا لأعقابهم إظهاراً للتصلب في اليهودية، ومنعاً لهم عن إبداء ما وجدوا في كتابهم، فينافقون الفريقين. فالاستفهام على الأول تقريع وعلى الثاني إنكار ونهي {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم بكتاب الله وحكمه محاجة عنده كما يقال عند الله كذا، ويراد به أنه جاء في كتابه وحكمه، وقيل عند ذكر ربكم، أو بين يدي رسول ربكم. وقيل عند ربكم في القيامة وفيه نظر إذ الإخفاء لا يدفعه. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إما من تمام كلام اللائمين وتقديره: أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم به فيحجونكم، أو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله: {أفتطعمون}، والمعنى: أفلا تعقلون حالهم وأن لا مطمع لكم في إيمانهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ } أي منافقوا اليهود {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } بأن محمداً صلى الله عليه وسلم نبيّ وهو المبشر به في كتابنا {وَإِذَا خَلاَ } رجع {بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُواْ } أي رؤساؤهم الَّذين لم ينافقوا لمن نافق {أَتُحَدّثُونَهُم } أي المؤمنين {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي عرّفكم في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {لِيُحَاجُّوكُم } ليخاصموكم واللام للصيرورة {بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } في الآخرة ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أنهم يحاجونكم إذا حدثتموهم فتنتهون.
ابن عطية
تفسير : المعنى: وهم أيضاً إذ لقوا يفعلون هذا، فكيف يطمع في إيمانهم؟ ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفاً مقطوعاً من معنى الطمع، فيه كشف سرائرهم. وورد في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن" تفسير : ، فقال كعب بن الأشرف ووهب بن يهوذا وأشباههما: اذهبوا وتحسسوا أخبار من آمن بمحمد وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم، فنزلت هذه الآية فيهم، وقال ابن عباس: نزلت في منافقين من اليهود، وروي عنه أيضاً أنها نزلت في قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنه نبي ولكن ليس إلينا، وإنما هو إليكم خاصة، فلما خلوا قال بعضهم: لم تقرون بنبوته وقد كنا قبل نستفتح به؟ فهذا هو الذي فتح الله عليهم من علمه، وأصل {خلا} "خَلَوَ" تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً، وقال أبو العالية وقتادة: إن بعض اليهود تكلم بما في التوارة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كفرة الأحبار: أتحدثون {بما فتح الله عليكم} أي عرفكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم فيحتجون عليكم إذ تقرون به ولا تؤمنون به؟، وقال السدي: إن بعض اليهود حكى لبعض المسلمين ما عذب به أسلافهم، فقال بعض الأحبار، {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} من العذاب، فيحتجون عليكم ويقولون نحن أكرم على الله حين لم يفعل بنا مثل هذا؟ وفتح على هذا التأويل بمعنى حكم، وقال مجاهد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبني قريظة: يا إخوة الخنازير والقردة، فقال الأحبار لأتباعهم: ما عرف هذا إلا من عندكم، أتحدثونهم؟ وقال ابن زيد: كانوا إذا سئلوا عن شيء، قالوا في التوراة كذا وكذا، فكرهت الأحبار ذلك، ونهوا في الخلوة عنه، ففيه نزلت الآية. والفتح في اللغة ينقسم أقساماً تجمعها بالمعنى التوسعة وإزالة الإبهام، وإلى هذا يرجع الحكم وغيره، والفتاح هو القاضي بلغة اليمن، و {يحاجوكم} من الحجة، وأصله من حج إذا قصد، لأن المتحاجَّيْن كل واحد منهما يقصد غلبة الآخر، و {عند ربكم} معناه في الآخرة، وقيل عند بمعنى في ربكم، أي فيكونون أَحق به، وقيل: المعنى عند ذكر ربكم. وقوله تعالى: {أفلا تعقلون} قيل: هو من قول الأحبار للأتباع، وقيل: هو خطاب من الله للمؤمنين، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال. والعقل علوم ضرورية. وقرأ الجمهور "أولا يعلمون" بالياء من أسفل، وقرأ ابن محيصن "أولا تعلمون" بالتاء خطاباً للمؤمنين، والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد صلى الله عليه وسلم والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع. و {أميون} هنا عبارة عن جهلة بالتوراة، قال أبو العالية ومجاهد وغيرهما: المعنى ومن هؤلاء اليهود المذكورين، فالآية منبهة على عامتهم وأتباعهم، أي إنهم ممن لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضلال، وقيل: المراد هنا بالأميين قوم ذهب كتابهم لذنوب ركبوها فبقوا أميين، وقال عكرمة والضحاك: هم في الآية نصارى العرب، وقيل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قال: هم المجوس. والضمير في {منهم} على هذه الأقوال هو للكفار أجمعين، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقول أبي العالية ومجاهد أوجه هذه الأقوال، وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة "أميون" بتخفيف الميم، والأمي في اللغة الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب، نسب إلى الأم: إما لأنه بحَال أمه من عدم الكتاب لا بحال أبيه، إذ النساء ليس من شغلهن الكتاب، قاله الطبري، وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها لم ينتقل عنها، وقيل نسب إلى الأمة وهي القامة والخلقة، كأنه ليس له من الآدميين إلا ذلك، وقيل نسب إلى الأمة على سذاجتها قبل أن تعرف المعارف، فإنها لا تقرأ لا تكتب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في العرب: "إنا أمة أميّة لا نحسب ولا نكتب"، والحديث: والألف واللام في {الكتاب} للعهد، ويعني به التوراة في قول أبي العالية ومجاهد. والأماني جمع أمنية، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع في بعض ما روي عنه " أماني" بتخفيف الياء، وأصل أمنية أمنوية على وزن أفعولة، ويجمع هذا الوزن على أفاعل، وعلى هذا يجب تخفيف الياء، ويجمع على أفاعيل فعلى هذا يجيء أمانيي أدغمت الياء في الياء فجاء "أماني". واختلف في معنى {أماني}، فقالت طائفة: هي هنا من تمني الرجل إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكتب ولا يقرأ وإنما يقول بظنه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب، وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قوله تعالى {أية : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} تفسير : [الحج: 52] ومنه قول الشاعر [كعب بن مالك]: [الطويل] شعر : تمنى كتاب الله أول ليله وآخرة لاقى حمام المقادِرِ تفسير : فمعنى الآية أنهم لا يعلمون الكتاب إلا سماع شيء يتلى لا علم لها بصحته، وقال الطبري: هي من تمنى الرجل إذا حدث بحديث مختلق كذب، وذكر أهل اللغة أن العرب تقول تمنى الرجل إذا كذب واختلق الحديث، ومنه قول عثمان رضي الله عنه: "ما تمنيت ولا تغنيت منذ أسلمت". فمعنى الآية أن منهم أميين لا يعلمون الكتاب إلا أنهم يسمعون من الأحبار أشياء مختلقة يظنونها من الكتاب، وإن نافية بمعنى ما، والظن هنا على بابه في الميل إلى أحد الجائزين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَتَحَ اللَّهُ} ذكركم الله ـ تعالى ـ به، أو أنزله في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو قول بني قريظة للرسول صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: "حديث : يا إخوة القردة "تفسير : من حدثك بهذا، أو أسلم منهم ناس، ثم نافقوا وحدثوا العرب بما عُذبوا به، فقال بعضهم لبعض {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي بما قضى وحكم، والفتح: القضاء والحكم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...} عبر بـ "إذا" مع أنهم يكرهون لقاء المؤمنين لوجهين: إما لعلم الله تعالى أنهم لا بد لهم من لقائهم، وإما لأنّ النبي عليه السلام مأمور بتبليغ الوحي لهم ولغيرهم فلا بدّ (لهم) من لقائه، وإنما قال {وَإِذَا لَقُواْ} ولم يقل وإذا أتوا، إشارة إلى أن لقاءهم للمؤمنين إنما يكون فجأة غير مقصود (ومن خبثهم أنّهم) {قَالُوۤاْ ءَامَنَّا} من غير تأكيد نزّلوا أنفسهم منزلة البريء (الغير متّهم)، ولم يذكروا بمن آمنوا حتى يبقى الكلام مطلقا يفهمه المخاطب على شيء، ويقصد به المتكلم شيئا آخر. قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ...}. قال ابن عرفة: هذا من رؤسائهم المنكرين عليهم قصور الإنكار والمناسب لحالهم المبالغة في الإنكار (عليهم) لأنهم ما أنكروا عليهم إلا التحدث الموجب للحاجة فمفهومه أنهم أباحوا (لهم) مطلق الحديث مع المؤمنين لكن يبقى النظر/ هل اللام في "لِيُحَآجُّوكُم" تعليل للحديث أو للإنكار؟ (وهل) اللام سابقة على الهمزة، (ثم) دخلت الهمزة على الحديث لأجل (المصاحبة) فأنكرته بعلته أو الهمزة سابقة فدخل التعليل بعدها فكان علة الإنكار؟ (وهل) قبل حديثهم لأجل (المحاججة) هو المنكر أو المراد أن الحديث في (الإطلاق) وأنكر (خوف) المحاجة به؟ وجعل أبو حيان اللام في "لِيُحَآجُّوكُمْ" للصيرورة بناء عنده على أنه تعليل للتحدث وإذا جعلناها للإنكار (تبقى) اللام (على بابها) من التعليل الحقيقي ويكون الإنكار بليغا لا قصور فيه بوجه. قلت: ورده بعضهم بأنه على هذا يكون المعنى لا تحدثوهم بما فتح الله عليكم لئلا يحاجوكم به عند ربكم، فيكون الرؤساء أقروا (أن) للمؤمنين عليهم حجة بذلك يوم القيامة، وهم إنما غرضهم (التمويه) على العوام، وتنفيرهم من الإيمان فكيف يقرون لهم بصحة هذا الدين؟ وأعرب الطيبي "عِندَ رَبِّكُمْ" بدلا (مما) {فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} لأنه هو. ورده ابن عرفة: إنما يكون (هُوَ إن لَوْ) قيل: ليحاجوكم. قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. إما من كلام الله أو من (قول) المنكرين، وعلى هذا حمله ابن عطية على العقل التكليفي فقال: العقل علوم ضرورية. قال ابن عرفة: والصواب أنه العقل النّافع أي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ من أجل هذا.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا...} الآية: المعنى: وهم أيضاً، إذا لُقُوا يفعلون هذا، فكيف يُطْمَع في إيمانهم، ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنَفاً؛ فيه كشف سرائرهم؛ وَرَدَ في التفسير؛ «حديث : أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْنَا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إِلاَّ مُؤْمِنٌ»، فقال كَعْبُ بن الأشْرَفِ وأشباهه: ٱذهبوا وتحسَّسوا أخبارَ من آمَنَ بمحمَّد، وقولوا لهم: آمنا، وٱكْفُرُوا إِذا رجعتم»تفسير : ، فنزلتْ هذه الآية، وقال ابن عبَّاس: نزلَتْ في المنافقين من اليهود، وروي عنه أيضاً أنها نزلَتْ في قومٍ من اليهود، قالوا لبعض المؤمنين: نحن نؤمن أنه نبيٌّ، ولكن ليس إلَيْنا، وإنما هو إِليكم خاصَّة، فلما خلوا، قال بعضهم: لم تُقِرُّونَ بنبوءته، وقال أبو العالية وقتادةُ: إِن بعض اليهود تكلَّم بما في التوراة من صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال لهم كفرةُ الأحبار: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي: عرَّفكم من صفة محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. و {يُحَاجُّوكُم}: من الحجة، و {عِندَ رَبِّكُمْ }: معناه: في الآخرة. وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: قيل: هو من قول الأحبار لَلأتباعِ، وقيل: هو خطابٌ من اللَّه تعالَىٰ للمؤمنين، أي: أفلا تعقلون أن بني إِسرائيل لا يؤمنون، وهم بهذه الأحوال. و {أُمِّيُّونَ} هنا: عبارةٌ عن عامَّة اليهود، وجهلتهم، أي: أنهم لا يطمع في إيمانهم لما غمرهم من الضَّلاَل، والأُمِّيُّ في اللغة: الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتابٍ؛ نُسِبَ إلى الأُمِّ؛ إِما لأنه بحالِ أمِّه من عَدَمِ الكتب، لا بحال أبيه؛ إذ النساء ليس من شغلهن الكَتْبُ؛ قاله الطبريُّ؛ وإما لأنه بحال ولدته أمه فيها، لم ينتقل عنها. و {ٱلْكِتَـٰبَ}: التوراة. والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، وٱختلف في معنى {أَمَانِيَّ}، فقالت طائفة: هي ههنا من: تمنَّى الرجل، إذا ترجَّىٰ، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه، فيتمنَّىٰ أنه من الكتاب. وقال آخرون: هي من تمنَّىٰ إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : تَمَنَّىٰ كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ وَآخِرَهُ لاَقَىٰ حِمَامَ المَقْادِرِ تفسير : فمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يُتْلَىٰ، لا عِلْمَ لهم بصحَّته. وقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب. * ص *: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}: «إِنْ»: نافية؛ بمعنى «مَا». انتهى.
ابن عادل
تفسير : روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أن منافقي أهل الكتاب كانوا إذا لقوا أصحاب محمد صلى عليه وسلم قالوا لهم: آمنا بالذي آمنتم به، نشهد أنَّ صاحبكم صادق، وأنَّ قوله حقّ، ونجده بِنَعْتِهِ وصفته في كتابنا، ثم إذا خَلاَ بعضهم إلى بعض قال الرؤساء كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا وغيرهم أتحدّثونهم بما فتح الله عليكم في كتابه من نَعْتِهِ وصفته ليحاجوكم به. قال القَفَّال ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله تعالى: {فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}: مأخوذ من قولهم: فتح الله على فلان في علم كذا أي [رزقه الله ذلك] وسهل له طلبه. قال الكَلْبي: بما قضى الله عليكم من كتابكم أن محمداً حق، وقوله صِدْق، ومنه قيل للقاضي: الفَتَّاح بلغة "اليَمَن". وقال الكِسَائي: ما بَيّنه الله عليكم. وقال الواقدي: بما أنزل الله عليكم نظيره {أية : لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف:96] أي: أنزلنا. وقال أبو عبيدة والأخفش: بما مَنَّ الله عليكم به، وأعطاكم من نصركم على عدوكم. وقيل: بما فتح الله عليكم أي: أنزل من العذاب ليعيروكم به، ويقولون فمن أكرم على الله منكم. وقال مجاهد والقاسم بن أبي بزّة: حديث : هذا قول يهود "قُرَيظة" بعضهم لبعض حين سبهم النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقال: "يَا إخْوَانَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ" فَقَالُوا: من أخبر محمداً بهذا؟ ما خرج هذا إلاَّ منكم تفسير : وقيل: الإعلام والتبيين بمعنى: أنه بيّن لكم صفة محمد عليه الصلاة والسلام. فصل في إعراب الآية قد تقدّم الكلام على نظير قوله: "وإذ لَقُوا" في أول السورة وهذه الجملة الشرطية تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مستأنفة كاشفة عن أحوال اليهود والمنافقين. والثاني: أن تكون في محلّ نصب على الحال معطوفة على الجملة الحالية قبلها وهي: "وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ" والتقدير: كيف تطمعون في إيمانهم وحالهم كيت وكيت؟ وقرأ ابن السّميفع: "لاَقوا" وهو بمعنى "لقوا" فَاعَل بمعنى فَعِل نحو: "سافر" وطارقت النعل: وأصل "خلا": "خَلَو" قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وتقدم معنى "خلا" و "إلى" في أول السورة. قوله: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ} متعلق بـ "التحديث" قبله، و "ما" موصولة بمعنى "الذي" والعائد محذوف، أي: فتحه. وأجاز أبو البَقَاءِ أن تكون نكرة موصوفة أو مصدرية، أي: شيء فتحه، فالعائد محذوف أيضاً، أو بِفَتْحِ الله عليكم. وفي جعلها مصدرية إشكال من حيث إنَّ الضمير في قوله بعد ذلك: "لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ" عائد على "ما" و "ما" المصدرية حرف لا يعود عليها ضمير على المشهور، خلافاً للأخفش، وأبي بكر بن السراج، إلاّ أن يُتَكَلّف فيقال: الضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: "أَتُحَدِّثُونَهُمْ" أو من قوله: "فتح"، أي: ليحاجُّوكم بالتحديث الذي حدّثتموهم، أو بالفتح الذي فتحه الله عليكم. والجملة في قوله: "أَتُحَدِّثُونَهُمْ" في محلّ نصب بالقول، قال القُرْطبي: ومعنى فتح: حكم. والفتح عند العرب: القضاء والحكم، ومنه قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ}تفسير : [الأعراف:89] أي: الحاكمين. والفتاح: القاضي بلغة "اليمن"، يقال: بيني وبينك الفَتّاح، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم. والفتح: النصر، ومنه قوله: {أية : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [البقرة:89] وقوله: {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}تفسير : [الأنفال:19]. قوله: "لِيُحَاجُّوكُمْ" أي: ليخاصموكم، ويحتجوا بقولكم عليكم، وهذه اللام تسمى لام "كي" بمعنى أنها للتعليل، كما أن "كي" كذلك لا بمعنى أنها تنصب ما بعدها بإضمار بـ "كي" كما سيأتي، وهي حرف جر، وإنما دخلت على الفعل؛ لأنه منصوب بـ "أن" المصدرية مقدّرة بعدها، فهو معرب بتأويل المصدر أي: للمُحَاجَّة، فلم تدخل إلاّ على اسم، لكنه غير صريح. والنصب بـ "أن" المضمرة كما تقدم لا بـ "كي" خلافاً لابن كَيْسَان والسّيرافي، وإن ظهرت بعدها نحو قوله تعالى: {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ}تفسير : [الحديد:23] لأن "أَنْ" هي أم الباب، فادعاء إضمارها أولى من غيرها. وقال الكوفيون: النَّصْب بـ "اللام" نفسها، وأن ما يظهر بعدها من "كي"، ومن "أَنْ" إنما هو على سبيل التأكيد، وللاحتجاج موضعٌ غير هذا. ويجوز إظهار "أن" وإضمارها بعد هذه "اللام" إلاَّ في صورة واحدة، وهي إذا وقع بعدها "لا" نحو قوله: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ}تفسير : [الحديد:29] {أية : لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:150] وذلك لما يلزم من توالي لاَمَيْنِ، فَيثْقُل اللفظ. والمشهور في لغة العرب كسر هذه اللام؛ لأنها حرف جر، وفيها لغة شاذة وهي الفتح. قال الأخفش: "لأن الفتح الأصل". قال خلف الأحمر: هي لغة بني العَنْبَر. وهذه اللام متعلّقة بقوله: "أَتُحَدِّثُونَهُمْ". وذهب بعضهم إلى أنها متعلّقة بـ "فتح" وليس بظاهر؛ لأن المُحَاجَّة ليست علّة للفتح، وإنما هي نشأت عن التحديث، اللّهم إلا أن يقال: تتعلّق به على أنها لام العاقبة، وهو قول قيل به، فصار المعنى أن عاقبة الفتح ومآله صار إلى أن يحاجُّوكم. أو تقول: إن اللاَّم لام العلّة على بابها، وإنما تعلّقت بـ "فتح"؛ لأنه سبب للتحديث، والسبب والمسبب في هذا واحد. والحُجّة: الكلام المستقيم على الإطلاق، ومن ذلك محجّة الطريق، وحاججت فلاناً [فحججته] أي: غالبته، ومنه الحديث: "حديث : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى"تفسير : ، وذلك لأن الحجّة نفي الطَّريق المسلوك الموصّلة للمراد. والضمير في "به" يعود على "ما" من قوله تعالى: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ} وقد تقدم أنه يضعف القول بكونها مصدرية، وأنه يجوز أن يعود على أحد المصدرين المفهومين من "أَتُحَدِّثُونَهُمْ" و "فتح". قوله: "عِنْدَ رَبِّكُمْ" ظرف معمول لقوله: "لِيُحَاجُّوكُمْ" بمعنى: ليحاجُّوكم يوم القيامة، فيكون ذلك زائداً في ظهور فضيحتكم على رؤوس الخَلاَئق في الموقف، فكنى عنه بقوله: "عِنْدَ رَبِّكُمْ" قاله الأصم وغيره. وقال الحسن: "عند" بمعنى "في" أي: ليحاجُّوكم في ربكم أي: فيكونون أحقّ به منكم. وقيل: ثم مضاف محذوف أي: عند ذكر ربكم. وقال القَفّال رحمه الله تعالى: يقال: فلان عندي عالم أي: في اعتقادي وحُكْمي، وهذا عند الشَّافعي حَلاَل، وعند أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ حرام أي: في حكمهما وقوله: {لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} أي: لتصيروا محجوجين [عند ربكم] بتلك الدلائل في حكم الله. ونظيره تأويل بعض العلماء قوله: {أية : يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}تفسير : [النور:13] اي: في حكم الله وقضائه أن القاذف إذا لم يأت بالشهود لزمه حكم الكاذبين وإن كان في نفسه صادقاً. وقيل: هو معمول لقوله: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ} أي: بما فتح الله من عند ربّكم ليحاجّوكم، وهو نَعْته ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأخذ ميثاقهم بتصديقه. ورجّحه بعضهم وقال: هو الصحيح؛ لأن الاحتجاج عليهم هو بما كان في الدّنيا. وفي هذا نظر من جهة الصناعة، وذلك أن "ليُحَاجُّوكُمْ" متعلق بقوله: "أَتُحَدِّثُونَهُمْ" على الأظهر كما تقدم، فيلزم الفَصْل به بين العامل ـ وهو "فتح" وبين معموله ـ وهو عند ربك ـ وذلك لا يجوز؛ لأنه أجنبي منهما. قوله: "أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" في هذه الجملة قولان: أحدهما: أنها مندرجة في حَيِّز القول، أي: إذا خَلاَ بعضهم ببعض قالوا لهم: أتحدثونهم بما يرجع وَبَاله عليكم وصِرْتُم محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق، وهذا أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم، فَعَلَى هذا محلها النصب. والثاني: أنها من خطاب الله ـ تعالى ـ للمؤمنين، وكأنه قدح في إيمانهم، لقوله: {أية : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ}تفسير : [البقرة:75] قاله الحسن. فعلى هذا لا محلّ له، ومفعول "تعقلون" يجوز أن يكون مراداً، ويجوز ألاّ يكون. قوله: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ} تقدم أن مذهب الجمهور أن النّية بالواو والتقديم على الهمزة؛ لأنها عاطفة، وإنما أخرت عنها، لقوة همزة الاستفهام، وأن مذهب الزمخشري تقدير فعل بعد الهمزة و "لا" للنفي. و {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ} في محلّ نصب وفيها ـ حينئذ ـ تقديران: أحدهما: أنها سادّة مسدّ مفرد إن جعلنا "علم" بمعنى "عرف". والثاني: أنها سادّة مسدّ مفعولين إن جعلناها متعدية لاثنين كـ "ظننت"، وقد تقدم أن هذا مذهب سيبويه والجمهور، وأن الأخفش يدعي أنها سدّت مسدّ الأول، والثاني محذوف. و "ما" يجوز أن تكون بمعنى "الذي"، وعائدها محذوف، أي: ما يسرونه ويعلنونه، وأن تكون مصدرية، أي: يعلم سرهم وعلانيتهم. [والسر] والعلانية يتقابلان. وقرأ ابن محيصن "تسرون" و "تعلنون" بالتاء على الخطاب. فصل في أن المراد بالسؤال هو التخويف والزجر في الآية قولان: الأول: وهو قول الأكثرين أن اليهود كانوا يعرفون أن الله يعلم السّر والعلانية، فخوّفهم به. والثاني: أنهم ما علموا بذلك، فرغبهم بهذا القول في أن يتفكّروا، فيعرفوا أن ربهم يعلم سرهم وعلانيتهم، وأنهم لا يأمنون حلول العِقَابِ بسببِ نِفَاقِهِمْ، وعلى كلا القولين فهذا الكلام زَجْر لهم عن النفاق، وعن وصية بعضهم بعضاً بكتمان دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. والأقرب أن اليهود المخاطبين بذلك كانوا عالمين بذلك؛ لأنه لا يكاد يقال على طريق الزجر: أو لا يعلم كيف وكيت، إلاّ وهو عالم بذلك الشيء، ويكون ذلك زاجراً له عن ذلك الفعل. فصل في الاستدلال بالآية على أمور قال القاضي: الآية تدلّ على أمور منها: أنه ـ تعالى ـ إن كان هو الخالق لأفعال العباد، فكيف يصح أن يزجرهم عن تلك الأقوال والأفعال، ومنها أنها تدلّ على صحّة الحجاج والنظر وأن ذلك قد كان على طريقة الصّحابة والمؤمنين. ومنها أنها تدلّ على أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرماً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} أي بصاحبكم رسول الله ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم فكان منهم {ليجادلوكم به عند ربكم} أي يقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ عليكم الميثاق باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كان ينتظر، ونجده في كتابنا اجحدوه ولا تقروا به. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا...} الآية. قال: هذه الآية في المنافقين من اليهود. وقوله {بما فتح الله عليكم} يعني بما أكرمكم به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال "حديث : يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت. فقالوا: من أخبر هذا الأمر محمداً، ما خرج هذا الأمر إلا منكم {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} بما حكم الله ليكون لهم حجة عليكم ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن. فقال: رؤساء اليهود: اذهبوا فقولوا آمنا واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر، وهو قوله {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [آل عمران : 72] وكانوا يقولون: إذا دخلوا المدينة نحن مسلمون ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، فكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون لهم: أليس قد قال لكم في التوراة كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم قالوا {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية في ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض {أتحدثونهم بما فتح الله به عليكم} من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم وأكرم على الله منكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة "حديث : أن امرأة من اليهود أصابت فاحشة، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبتغون منه الحكم رجاء الرخصة، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عالمهم وهو ابن صوريا، فقال له: احكم... قال: فجبؤه. والتجبئة يحملونه على حمار ويجعلون على وجهه إلى ذنب الحمار. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبحكم الله حكمت؟ قال: لا. ولكن نساءنا كن حساناً، فأسرع فيهن رجالنا فغيرنا الحكم، وفيه أنزلت {وإذا خلا بعضهم إلى بعض...} الآية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} قالوا: هم اليهود، وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، فصانعوهم بذلك ليرضوا عنهم، وإذا خلا بعضهم إلى بعض نهى بعضهم بعضاً أن يحدثوا بما فتح الله عليهم، وبين لهم في كتابه من أمر محمد عليه السلام رفعته ونبوته، وقالوا: إنكم إذا فعلتم ذلك احتجوا عليكم بذلك عند ربكم {أفلا تعقلون، أوَ لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} قال: ما يعلنون من أمرهم وكلامهم إذا لقوا الذين آمنوا، وما يسرون إذا خلا بعضهم إلى بعض من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون} يعني من كفرهم بمحمد وتكذيبهم به {وما يعلنون} حين قالوا للمؤمنين: آمنا.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ} جملةٌ مستأنفة سيقتْ إثرَ بـيانِ ما صدر عن أشباههم لبـيان ما صدرَ عنهم بالذات من الشنائع المُؤْيسةِ عن إيمانهم من نفاق بعضٍ وعتابِ آخَرين عليهم، أو معطوفةٌ على ما سبق من الجملة الحالية، والضميرُ لليهود لما ستقف على سره لا لمنافقيهم خاصةً كما قيل تحرّياً لاتحاد الفاعل في فعلي الشرط والجزاءِ حقيقةً {ٱلَّذِينَ آمنواْ} من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ} أي اللاقون لكن لا بطريق تصدّي الكلِّ للقول حقيقةً بل بمباشرة منافقيهم وسكوتِ الباقين، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتلُ واحد منهم، وهذا أدخلُ في تقبـيح حال الساكنين أولاً العاتبـين ثانياً لما فيه من الدلالة على نفاقهم واختلافِ أحوالهم وتناقضِ آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصةً بتقدير المضافِ أي قال منافقوهم {آمنا} لم يقتصروا على ذلك بل عللوه بأنهم وجدوا نعتَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم في التوراة وعلموا أنه النبـيُّ المبشَّر به، وإنما لم يصرَّحْ به تعويلاً على شهادة التوبـيخِ الآتي: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ} أي بعض المذكورين وهم الساكتون منهم أي إذا فرَغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجِّهين ومنضمَّين {إِلَىٰ بَعْضِ} آخرَ منهم وهم منافقوهم بحيث لم يبقَ معهم غيرُهم، وهذا نصٌّ على اشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين كما أشير إليه آنفاً إذِ الخلوُّ إنما يكون بعد الاشتغال، ولأن عتابَهم معلقٌ بمحض الخلوِّ، ولولا أنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يُجعلَ سماعُهم لها من تمام الشرط، ولأن فيه زيادةَ تشنيعٍ لهم على ما أتَوْا من السكوت ثم العتاب {قَالُواْ} أي الساكتون موبّخين لمنافقيهم على ما صنعوا {أَتُحَدّثُونَهُم} يعنون المؤمنين {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} (ما) موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ أي بـيَّنه لكم خاصةً في التوراة من نعْت النبـي صلى الله عليه وسلم والتعبـيرِ عنه بالفتْح للإيذان بأنه سرٌّ مكنونٌ وباب مغلَقٌ لا يقف عليه أحدٌ. وتجويزُ كونِ هذا التوبـيخ من جهة المنافقين لأعقابهم ــ إراءةً للتصلُّب في دينهم كما ذهب إليه عصابةٌ ــ مما لا يليق بشأن التنزيل الجليلِ، واللامُ في قوله عز وجل: {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ} متعلقةٌ بالتحديث دون الفتح، والمرادُ تأكيدُ النكير وتشديدُ التوبـيخ، فإن التحديثَ بذلك وإن كان مُنْكراً في نفسه، لكن التحديثَ به لأجل هذا الغَرَض مما لا يكاد يصدُرُ عن العاقل أي أتحدِّثونهم بذلك ليحتجّوا عليكم به فيُبَكِّتوكم؟ والمحدّثون به وإن لم يحوموا حولَ ذلك الغرضِ لكن فعلَهم ذلك لما كان مستتبِعاً له ألبتة جُعلوا فاعلين للغرض المذكور إظهاراً لكمال سخافةِ عقولِهم وركاكة آرائهم. {عِندَ رَبّكُمْ} أي في حُكمه وكتابه كما يقال: هو عند الله كذا أي في كتابه وشرعه، وقيل: عند ربكم يومَ القيامة، ورُدَّ عليه بأن الإخفاءَ لا يدفعه إذ هم عالمون بأنهم محجوجون يومئذ حدَّثوا به أو لم يحدثوا، والاعتذارُ بأنه إلزامَ المؤمنين إياهم وتبكيتَهم بأن يقولوا لهم: ألم تحدِّثونا بما في كتابكم في الدنيا من حقّية دينِنا وصدقِ نبـيِّنا أفحشُ، فيجوز أن يكون المحذورُ عندهم هذا الإلزامَ بإرجاع الضمير في (به) إلى التحديث دون المحدَّث به، ولا ريب في أنه مدفوعٌ بالإخفاء لا تساعده الآيةُ الكريمة الآتيةُ كما ستقف عليه بإذن الله عز وجل {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} من تمام التوبـيخ والعتابِ، والفاءُ للعطف على مقدَّر ينسحبُ عليه الكلام أي ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأَ الفاحشَ أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها هذا؟ فالمنْكرُ عدمُ التعقُّل ابتداءً. أو أتفعلون ذلك فلا تعقلون بُطلانَه مع وضوحه حتى تحتاجوا إلى التنبـيه عليه؟ فالمنكرُ حينئذ عدمُ التعقل بعد الفعل، هذا وأما ما قيل من أنه خطابٌ من جهة الله سبحانه للمؤمنين متصلٌ بقوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} والمعنى أفلا تعقلون حالَهم وأن لا مطْمَعَ لكم في إيمانهم فيأباه.
القشيري
تفسير : تواصوا فيما بينهم بإنكار الحق، وإخفاء الحال على المسلمين، ولم يعلموا أن الله يُطْلِعُ رسولَه عليه السلام على أسرارهم، وأن نوراً أظهره الغيب لا ينطفئ بمزاولة الأغيار. وموافقةُ اللِّسانِ مع مخالفة العقيدة لا يزيد إلا زيادة الفُرقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا لقوا} اى اليهود {الذين آمنوا} من اصحاب النبى عليه السلام {قالوا} اى منافقوهم {آمنا} كايمانكم وان محمدا هو الرسول المبشر به {واذا خلا} مضى ورجع {بعضهم} الذين لم ينافقوا اى اذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجهين ومنضمين {الى بعض} اى الى الذين نافقوا بحيث لم يبق معهم غيرهم {قالوا} اى الساكتون عاتبين لمنافقيهم على ما صنعوا {أتحدثونهم} تخبرونهم والاستفهام بمعنى النهى اى لا تحدثوهم يعنون المؤمنين {بما فتح الله عليكم} اى بينه الله لكم خاصة فى التوراة من نعت النبى عليه السلام والتعبير عنه بالفتح للايذان بانه سر مكنون وباب مغلق لا يقف عليه احد {ليحاجوكم به} اللام متعلقة بالتحديث دون الفتح والضمير فى به لما فتح الله اى ليحتجوا عليكم به فيقطعوكم بالحجة ويبكتوكم {عند ربكم} اى فى حكمه وكتابه كما يقال هو عند الله كذا اى فى كتابه وشرعه والمحدثون به وان لم يحوموا حول ذلك الغرض وهو المحاجة لكن فعلهم ذلك لما كان مستتبعا له البتة جعلوا فاعلين للغرض المذكور اظهارا لكمال سخافة عقلهم وركاكة آرائهم {أفلا تعقلون} متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب اى ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش وهو ان ذلك حجة لهم عليكم فالمنكر عدم التعقل ابتداء او أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون الى التنبيه عليه فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل.
الطوسي
تفسير : هذه الآية فيها اخبار عمن رفع الله الطمع في ايمانهم من يهود بني اسرائيل الذين كانوا بين اظهرهم فقال: افتطمعون ايها المؤمنون ان يؤمنوا لكم، وهم القوم الذين كان فريق منهم يسمعون كلام، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وهم الذين اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا: أي صدقنا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبما صدقتم به واقررنا بذلك. فأخبر الله بانهم تخلقوا باخلاق المنافقين وسلكوا منهاجهم. {وإذا خلا بعضهم إلى بعض}: أي اذا خلا بعض هؤلاء اليهود الذين وصف الله صفتهم، الى بعض منهم فصاروا في خلاء الناس، وذلك هو الموضع الذي ليس فيه غيرهم، قالوا يعني بعضهم لبعض ـ: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم. وقال ابن عباس بما فتح الله عليكم أي بما ألزمكم الله به. فيقول له آخرون انما نستهزىء بهم ونضحك. وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس ان معناه قالوا لا تحدثوا العرب بهذا. فانكم قد كنتم تستفتحون به عليهم. فانزل الله هذه الآية: أي تقرون بانه نبي وقد علمتم انه قد اخذ له الميثاق عليكم باتباعه وهو يخبركم بانه النبي الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا. اجحدوه ولا تقروا به لهم. فقال الله تعالى: {أية : أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} تفسير : وقال ابو العالية: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم: اي بما انزله في كتابكم من بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) وبه قال قتادة وقال مجاهد: ذلك قول يهود بني قريظة حين سبهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بانهم اخوة القردة والخنازير. قالوا من حدثك بهذا ـ حين ارسل اليهم علياً (ع) فاذوا محمداً (صلى الله عليه وسلم) ـ فقال: يا اخوة القردة والخنازير قال بعضهم لبعض: ما اخبره بهذا إلا منكم اتحدثونهم بما فتح الله عليكم، ليكون لهم حجة عليكم؟ وقال السدي: هؤلاء ناس آمنوا من اليهود ثم نافقوا وكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به فقال بعضهم لبعض: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به، ليقولوا نحن احب إلى الله منكم واكرم عليه منكم؟ ومثله روي عن ابي جعفر "ع" واصل الباب الفتح في لغة العرب: القضاء والنصرة والحكم. يقال اللهم افتح بيني وبين فلان: أي احكم بيني وبينه، ومنه قوله تعالى: {أية : ويقولون متى هذا الفتح}تفسير : يعني هذا القضاء فقال تعالى: {أية : قل يوم الفتح} تفسير : يعني يوم القضاء. وقال الشاعر: شعر : ألا ابلغ بني عصم رسولا فاني عن فُتاحتكم غنيّ تفسير : ويقال للقاضي الفتاح قال الله تعالى: {أية : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} تفسير : يعني احكم به. ويقال فتح بمعنى علم، فقال افتح على هذا أي اعلمني بما عندك فيه. واذا كان معنى الفتح ما وصف فقد بان ان معنى الآية. اتحدثونهم بما حكم الله عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقهم من الايمان بمحمد "صلى الله عليه وسلم" بما بينه في التوراة ومن قضائه انه جعل منهم القردة والخنازير. فاذا ثبت ذلك، فان اقوى التأويلات: قول من قال: اتحدثونهم بما فتح الله عليكم من بعث محمد "صلى الله عليه وسلم" وصفته في التوارة، وانه رسول الله "صلى الله عليه وسلم" إلى خلقه. وروي عن ابي جعفر "ع" انه قال: كان قوم من اليهود ليسوا بالمعاندين المتواطئين، اذا لقوا المسلمين، حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد "صلى الله عليه وسلم" فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، وقالوا: لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد "صلى الله عليه وسلم" فيحاجوكم به عند ربكم، فنزلت الآية. ومعنى قوله: {أفلا تعقلون} افلا تفهمون ايها القوم أن اخباركم محمد "صلى الله عليه وسلم" واصحابه، بما تحدثونهم به واقراركم لهم بما تقرون لهم من وجودكم بعث محمد في كتبكم وانه نبي مبعوث حجة عليكم عند ربكم يحتجون بها عليكم. وقال ابو عبيدة {بما فتح الله عليكم} أي بما منّ عليكم واعطاكم ليحاجوكم به. وقال الحسن: في قوله {ليحاجوكم به عند ربكم} أي في ربكم فيكونوا اولى منكم اذا كانت حجتهم عليكم. قال الحسن: ثم رجع إلى المؤمنين فقال: {أفلا تعقلون} ايها المؤمنون فلا تطمعوا في ذلك.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عطف على يسمعون {قَالُوۤاْ آمَنَّا} اظهاراً للموافقة للمؤمنين كسلمان ومقدادٍ وغيرهما من غير مواطاةٍ للقلب ولم يؤكّدوا كلامهم لعدم اقبال قلوبهم عليه ولاظهار أنّ ايمانهم لا ينبغى ان يشكّ فيه فلا ينبغى ان يؤكّد {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ} اى قال بعضهم للآخرين {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} من صفات محمّدٍ (ص) وشريعته وموطنه ومهاجره وذلك انّ قوماً من اليهود الّذين لم ينافقوا مع المسلمين كانوا اذا لقوا المسلمين أخبروهم بما فى التّوراة من صفة محمّدٍ (ص) ودينه وكان ذلك سبباً لغضب الآخرين المنافقين فقالوا فى الخلوة للمحدّثين: اتحدّثونهم بنعت محمّدٍ (ص) ووصيّه (ع) ودينه {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} ليحاجّ المسلمون بما أخبرتموهم ممّا فتح الله عليكم عند ربّكم فيقولوا عند ربّكم انّكم علمتم حقّيّة ديننا ونبيّنا وما آمنتم وعاندتمونا، وقد زعم هؤلاء لحمقهم وسفاهتهم أنّهم ان لم يحدّثوهم بما عندهم من دلائل نبوّة محمّدٍ (ص) لم يكن لهم عليهم حجّة عند ربّهم، واذا لم يكن لهم عليهم حجّة عند ربّهم لم يؤاخذهم الله، وهذا كما ترى قياس اقترانىّ فاسد صغراه وكبراه، لا يتّفوه بمثله الاّ السّفيه والصّبىّ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} انّ فيما تخبرون حجّة عليكم وهذا خطاب من منافقى القوم للآخرين.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا لَقُوا}: قال ابن عباس: أى اليهود الذين نافقوا ولم يظهروا الشرك كما أظهره سائر اليهود، ولم يؤمنوا إيماناً صادقاً كما آمن بعضهم، وذلك تفسير بالواقع، وإلا فالضمير عائد للمجموع، والحكم للجموع، وهكذا حيث لم يتقدم ذكر للخصوص، مما مرأو يأتى فلا تغفل، وهذا وما بعده كلام مستأنف منقطع عما قبله، وتحتمل اتصاله بما قبله على العطف، فيكون المعنى أفتطمعون فى إيمانهم، وقد كان من صفتهم أنهم يحرفون وأنهم إذا لقوا: {الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمنّا}: بمحمد أنه رسول من الله حقا، وأنه المبشر فى التوراة وأنكم محقون فى اتباعه، روى حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا يدخل علينا قصبة المدينة إلا مؤمن، فقال كعب بن الأشراف وأشباههُ: اذهبوا وتحسسوا وأخبروا من آمن بمحمد، وقولوا لهم آمنا واكفروا إذا رجعتم تفسير : فنزلت الآية. {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا آَتُحَدِّثُونَهُمْ}: قال اليهود الذين أشركوا صراحاً أحباراً أو غير أحبار لمن نافق منهم، حبراً كان أو من الأتباع أتحدثون المسلمين. {بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ}: بما أعطاكم فى التوراة من بيان صفة محمد، والاستفهام للعتاب والتوبيخ والتقريع، ولا مانع من أن يقال للإنكار، ويجوز أن يكون المعنى: قال الذين نافقوا من اليهود لأولادهم: أتحدثون المؤمنين بما فتح الله عليكم فى التوراة من بيان صفة محمد؟ يقولون لهم ذلك إنكاراً ونهياً عن أن يقولوا، وإظهاراً للتمسك باليهودية سواء رأوهم يقولون أو رأوهم أرادوا أن يقولوا، أو رأوهم لا يبالون بالإظهار، فأنكروا عليهم وأمروهم بالثبوت على اليهودية، فيكونون قد استعملوا النفاق مع أولادهم ومع المؤمنين. وقال أبو العالية وقتادة: إن بعض اليهود تكلم بما فى التوراة من صفات النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال لهم كفرة الأحبار: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم، أى عرَّفكم من صفات محمد صلى الله عليه وسلم: ومن ذلك التحدث ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن منافقى اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لهم آمنا بالذى آمنتم به، وأن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، وأنا نجد نعته وصفته فى كتابنا، وأنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم فى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه نبى حق. وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما: حديث : أنها نزلت فى قوم من اليهود قالوا لبعض المؤمنين نحن نؤمن أنهُ نبى ولكن ليس إلينا، وإنما هو إليكم معشر العرب خاصة. ولما خلوا قال بعضهم لبعض لما تقرون بنبوته؟ وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليهود بنى قريظة يا إخوان القردة والخنازير. وقالوا من أخبر محمد بهذا ما خرج إلا منكم أتحدثونهم بما فتح ا لله عليكم، وقيل أن اليهود أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به من الجنايات، فقال بعضهم لبعض أتحدثونهم بما فتح الله عليكم،تفسير : أى بما قضى عليكم من العذاب ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله كما قال: {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم}: ليخاصمكم أصحاب محمد فى الفضل فيغلبوكم فى إثبات الكرامة لأنفسهم عليكم فى الدنيا والآخرة. والتفاسير الأولى فى التحدث بما فتح الله أولى، فيكون معنى ليحاجوكم عند ربكم ليخاصموكم عند ربكم فى الدنيا والآخرة، فتكون الغلبة لهم يقولون قد أقررتم أنهُ نبى حق فى كتابكم فَلِمَ لا تتبعونه؟ وإذا أقررتم أنه رسول الله إلى العرب خاصة، فإن من ثبتت رسالته من الله ولو إلى إنسان واحد لا يكون كاذباً، فكل ما قال صلى الله عليه وسلم صدق، وقد قال: "حديث : بعثت للناس كافة" تفسير : فهو صادق فى البعث للناس كافة، وجاء بالقرآن فهو صادق أنهُ من الله، فثبتت رسالته إلى الناس كلهم، وبطلت دعواكم فى اختصاصه بالعرب. وقيل معنى: (عند ربكم يوم القيامة) واعترض تفسير العندية بيوم القيامة وحده، أو به وبالدنيا، بأن إخفاء ما بين لهم فى التوراة لا يدفع المحاجة يوم القيامة، وفى نفس الأمر وإن كان يدفعها فى زعمهم. والجواب أن ذلك من كلام الكفرة، ومعلوم أنهم يقولون ما لا يصح إما جهلا منهم، وإما تجاهلا وعناداً وإيهاماً للباطل أنهُ حق، ويجوز أن يكون معنى العندية المحاجة بكتاب الله تعالى وهو التوراة، بأن جعلوا المحاجة بما أخبروا المؤمنين به مما فى التوراة محاجة عند الله، تقول: لا يجوز كذا عند الله أو يجوز عنده، تعنى أنه لا يجوز فى كتابه أو يجوز فيه، وتقول: يجوز كذا عند سيبويه تريد أنه يحكم به أو أنه فى كتابه، ويجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف، أى ليحاجوكم به عند ذكر ربكم، فإن ذكر أمر الدين والرسالة ذكر الله عز وجل، أو ليحاجوكم به عند رسول ربكم، أى بين يدى رسول ربكم وهو موسى، واللام للصيرورة لأنهُ ليس غرضهم فى التحدث أن يحاجهم المؤمنون، لكن يؤول التحدث إلى أن يحاجهم المؤمنون بما حدثونهم به، وقد أغنى الله المؤمنين عما يحدثونهم بالقرآن، والوحى إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: خطاب ممن لا يحدث من اليهود لمن يحدث، أو من يحدث لأولادهم، أى أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم بما تحدثونهم به، فيغلبونكم في الحجة، أو خطاب من الله تبارك وتعالى للمؤمنين متصل بقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ} أى أفلا تعقلون أنهم لا يؤمنون.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا لَقُوا} أى اليهود، إذ القائل منهم، لا كل فرد، أو إذا لقى منافقوهم، والمراد أشرار علمائهم، ومن معهم من العرب كعبد الله بن أبى {الَّذِينَ آمَنُوا قَالُواْ ءَامَنَّا} بمحمد رسولا مبشراً به فى التوراة، وأنكم على الحق فى اتباعه، وهذا إلى قوله، أفلا تعقلون داخل فى توبيخ المؤمنين على الطمع فى إيمانهم، أتطمعون أن يؤمنوا مع أنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا... إلخ، وإما وبخهم على ذلك الطمع، لأن الطمع تعلق النفس بإدراك المطلوب تعلقا قويا، وهو أشد من الرجاء، فشدد عليهم فيه، لأنه ربما يؤدى إلى ملاينة لا تجوز {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا} أى رؤساؤهم الذين يصرحون بالكفر ولم ينافقوا، أى قالوا لمن نافق منهم. قام النبى صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم فقال، يا إخوان القردة، يا إخوان الخنازير وعبدة الطاغوت، فقالوا: ما أخبر بهذا محمداً إلا أحد منكم أتحدثونهم...إلخ، كما قال {أَتُحَدِّثُونَهُمْ} أتحدثون المؤمنين، وهذا توبيخ على ماض مستمر، فهو موجود فى الحال إذ اعتقدوا أن منافقيهم لم يقطعوا نياتهم عن التحديث والتوبيخ، رفع على ماض وحاضر، أو صورا حالهم الماضية من التحديث بصورة الحاضر {بِمَا فَتَحَ} به {اللهُ عَلَيْكُمْ} أنعم به عليكم من العلم برسالة محمد فى التوراة وصفاته، والإيجاب على الأنبياء أن يؤمنوا به، أو قضى عليكم به، أو أنزله عليكم بوساطة موسى، أو بينه لكم كما يقال: فتح على الإمام، إذا ذكر ما توقف عنه، وذلك الأمر قبل بيانه كالشىء المغلق عليه، وبعد بيانه كالشىء المفتوح عليه، فذلك إقرار منهم بأن الله قضى عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليهم رسالته، وتفسيره بالإنزال معنوى {لِيُحَاجُّوكُم} ليحاجوكم حجّاً عظيما، والمفاعلة مبالغة، لا على بابها {بِهِ} بما فتح الله عليكم فيغلبوكم، والللام لام العاقبة مجاز على التعليل، أى فيكون المآل أن يخاصموكم به {عِنْدَ رَبِّكُمْ} فى الآخرة، بأن يشهدوا عليكم بإقراركم بأن الله حكم علينا، أى قضى بأن نؤمن بمحمد وكتابه فستقام عليكم الحجة بترك اتباعه مع إقراركم بصدقه، وهو متعلق ليحاجوا {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} عطف على أتحدثونهم، أو يقدر، ألا تتأملون فلا تعقلون أنهم يحاجونكم يوم القيامة بأن محمداً رسول الله فى التوراة، وذلك من جهلهم، فإنهم يوم القيامة محجوبون بما فى التوراة، حدثوا المؤمنين به أم لم يحدثوا، وإن رجعنا هاء به للتحديث، أى ليحاجوكم بتحدثكم بأن يقول المؤمنون، ألم تقولوا لنا إن محمداً رسول الله فى التوراة كان المعنى أنه اشتد عليهم أن يحاجوهم بالتحديث، ولو كانوا لا ينجون مع من قطع العذر، ولو لم يحدثوهم إلا أنه يضعف رد الهاء للتحديث بقوله: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ} عطف على ما قبل، أو يقدر، أيلومونهم ولا يعلمون {أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} مطلقا، ومنه إسرارهم الكفر، وصافت الله، وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا يُعْلِنُونَ} مطلقا، ومنه إظهارهم الإيمان فإنه أنسب بردها إلى ما فتح الله، وأيضاً قد يمكنهم إنكار التحديث، لا ما فتح عليهم والمشركون قد يحققون ما علموا أن الله عالم به لفرط دهشتهم، وذلك فى الآخرة، كقوله تعالى" أية : والله ربنا ما كنا مشركين" تفسير : [الأنعام: 23] وقوله {أية : أخرجنا منها} تفسير : [المؤمنون: 107] وقد علموا فهم لا يخرجون، فينكرون التحديث، ولو علموا أن الله عالم به، ويجوز أن يكون، أفلا تعقلون كلام الله للمؤمنين، لا من كلام اليهود، كما أن، أولا يعلمون. الآية من كلام الله، أى أفلا تعقلون أنه لا مطمع فى إيمانهم.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا} جملة مستأنفة سيقت إثر بيان ما صدر عن أسلافهم لبيان ما صدر عنهم بالذات من الشنائع المؤيسة عن إيمانهم من نفاق بعض وعتاب آخرين عليهم، ويحتمل أن تكون معطوفة على {أية : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } تفسير : [البقرة: 75] الخ، وقيل: معطوف على {أية : يَسْمَعُونَ } تفسير : [البقرة: 75] وقيل: على قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا }تفسير : [البقرة: 72] عطف القصة على القصة وضمير {لَقُواْ} لليهود على طبق {أية : أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ }تفسير : [البقرة: 75] وضمير {قَالُواْ} للاقين لكن لا يتصدى الكل للقول حقيقة، بل بمباشرة منافقيهم وسكوت الباقين، فهو إسناد ما للبعض للكل ـ ومثله أكثر من أن يحصى ـ وهذا أدخل، كما قال مولانا ـ مفتي الديار الرومية ـ في تقبيح حال الساكتين أولاً: العاتبين ثانياً لما فيه من الدلالة على نفاقهم واختلاف أحوالهم وتناقض آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصة بتقدير المضاف، أي قال منافقوهم ـ كما فعله البعض ـ وقيل: الضمير الأول لمنافقي اليهود كالثاني ليتحد فاعل الشرط والجزاء مراعاة لحق النظم ويؤيده ما روي عن ابن عباس والحسن وقتادة في تفسير {وَإِذَا لَقُواْ} يعني منافقي اليهود المؤمنين الخلّص قالوا: إلا أن السباق واللحاق ـ كما رأيت وسترى ـ يبعدان ذلك، وقرأ ابن السميقع {لاقوا}. {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي إذا انفرد بعض المذكورين ـ وهم الساكتون منهم ـ بعد فراغهم عن الاشتغال بالمؤمنين متوجهين منضمين إلى بعض آخر منهم وهم من نافق، وهذا كالنص على اشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين، إذ ـ الخلو ـ إنما يكون بعد الاشتغال، ولأن عتابهم معلق بمحض ـ الخلو ـ ولولا إنهم حاضرون عند المقاولة لوجب أن يجعل سماعهم من تمام الشرط، ولأن فيه زيادة تشنيع لهم على ما أوتوا من السكوت ثم العتاب. {قَالُواْ} أي أولئك البعض الخالي موبخين لمنافقيهم على ما صنعوا بحضرتهم. {أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} أي تخبرون المؤمنين بما بينه الله تعالى لكم خاصة من نعت نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أو من أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه صلى الله عليه وسلم ونصرته، والتعبير عند ـ بالفتح ـ للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق، وفي الآية إشارة إلى أنهم لم يكتفوا بقولهم: {ءامَنَّا} بل عللوه بما ذكر، وإنما لم يصرح به تعويلاً على شهادة التوبيخ، ومن الناس من جوّز كون هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا، وحينئذ يكون البعض الذي هو فاعل خلا عبارة عن المنافقين، وفيه وضع المظهر موضع المضمر تكثيراً للمعنى ـ والاستفهام إنكار ـ ونهي عن التحديث في الزمان المستقبل وليس بشيء ـ وإن جل قائله ـ اللهم إلا أن يكون فيه رواية صحيحة، ودون ذلك خرط القتاد. {لِيُحَاجُّوكُم بِهِ} متعلق بالتحديث دون الفتح خلافاً لمن تكلف له، والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ، فإن التحديث ـ وإن كان منكراً في نفسه ـ لكنه لهذا الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل، والمفاعلة هنا غير مرادة، والمراد ليحتجوا به عليكم، إلا أنه إنما أتى بها للمبالغة، وذكر ابن تمجيد أنه لو ذهب أحد/ إلى المشاركة بين المحتج والمحتج عليه بأن يكون من جانب احتجاج ومن جانب آخر سماع لكان له وجه ـ كما في بايعت زيداً ـ وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر. ـ واللام ـ هذه ـ لام كي ـ والنصب بأن مضمرة بعدها أو بها، وهي مفيدة للتعليل ـ ولعله هنا مجاز ـ لأن المحدثين لم يحوموا حول ذلك الغرض، لكن فعلهم ذلك ـ لما كان مستتبعاً له البتة ـ جعلوا كأنهم فاعلون له إظهاراً لكمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم، وضمير {بِهِ} راجع إلى {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ} على ما يقتضيه الظاهر. {عِندَ رَبّكُمْ} أي في كتابه وحكمه ـ وهو عند عصابة ـ بدل من {بِهِ}، ومعنى كونه بدلاً منه أن عامله الذي هو نائب عنه بدل منه إما بدل الكل إن قدر صيغة اسم الفاعل أو بدل اشتمال إن قدر مصدراً، وفائدته بيان جهة الاحتجاج بما فتح الله تعالى، فإن الاحتجاج به يتصور على وجوه شتى، كأنه قيل: ليحاجوكم به بكونه في كتابه، أي يقولوا: إنه مذكور في كتابه الذي آمنتم به، وبما ذكر يظهر وجه الجمع بين قوله تعالى: {بِهِ} أي {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} وقوله تعالى: {عِندَ رَبّكُمْ} واندفع ما قيل لا يصح جعله بدلاً لوجوب اتحاد البدل والمبدل منه في الإعراب، وهٰهنا ليس كذلك لكون الثاني ظرفاً والأول مفعولاً به بالواسطة، وقيل: المعنى بما عند ربكم فيكون الظرف حالاً من ضمير {بِهِ} وفائدته التصريح بكون الاحتجاج بأمر ثابت عنده تعالى وإن كان ذلك مستفاداً من كونه بما فتح الله تعالى، وقيل: عند ذكر ربكم، فالكلام على حذف مضاف، والمراد من الذكر الكتاب وجعل المحاجة بما فتح الله تعالى باعتبار أنه في الكتاب محاجة عنده توسعاً وهذه الأقوال مبنية على أن المراد بالمحاجة في الدنيا وهو ظاهر لأنها دار المحاجة والتأويل في قوله تعالى: {عِندَ رَبّكُمْ} وقيل: عند ربكم على ظاهره ـ والمحاجة يوم القيامة ـ واعترض بأن الإخفاء لا يدفع هذه المحاجة لأنه إما لأجل أن لا يطلع المؤمنون على ما يحتجون به ـ وهو حاصل لهم بالوحي ـ أو ليكون للمحتج عليهم طريق إلى الإنكار، وذا لا يمكن عنده تعالى يوم القيامة ولا يظن بأهل الكتاب أنهم يعتقدون أن إخفاء ما في الكتاب في الدنيا يدفع المحاجة بكونه فيه في العقبى لأنه اعتقاد منهم بأنه تعالى لا يعلم ما أنزل في كتابه وهم برآء منه، والقول بأن المراد: ليحاجوكم يوم القيامة وعند المسائل، فيكون زائداً في ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رؤس الأشهاد في الموقف العظيم، فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك في الدنيا يزيد ذلك في الآخرة للفرق بين من اعترف وكتم، وبين من ثبت على الإنكار، أو بأن المحاجة بأنكم بلغتم وخالفتم ـ تندفع بالإخفاء ـ يرد عليه أن الإخفاء حينئذ إنما يدفع الاحتجاج بإقرارهم ـ لا بما فتح الله عليهم على أن المدفوع في الوجه الأول زيادة التوبيخ والفضيحة ـ لا المحاجة ـ وقيل: {عِندَ رَبّكُمْ} بتقدير ـ من عند ربكم ـ وهو معمول لقوله تعالى: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} وهو مما لا ينبغي أن يرتكب في فصيح الكلام، وجوّز الدامغاني أن يكون {عِندَ } للزلفى أي: ليحاجوكم به متقربين إلى الله تعالى ـ وهو بعيد أيضاً ـ كقول بعض المتأخرين: إنه يمكن أن تجعل المحاجة به عند الرب عبارة عن المباهلة في تحقق ما يحدثونه، وعليه تكون المحاجة على مقتضى المفاعلة ـ وعندي ـ أن رجوع ضمير {بِهِ} لما فتح الله من حيث إنه محدث به وجعل القيد هو المقصود، أو للتحديث المفهوم من {أَتُحَدّثُونَهُم} وحمل {عِندَ رَبّكُمْ} على يوم القيامة، والتزام أن الإخفاء يدفع هذا الاحتجاج ليس بالبعيد ـ إلا أن أحداً لم يصرح به ـ ولعله أولى من بعض الوجوه فتدبر. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} عطف إما على {أَتُحَدّثُونَهُم} ـ والفاء ـ لإفادة ترتب عدم عقلهم على تحديثهم، وإما على مقدر أي ألا تتأملون فلا تعقلون، والجملة مؤكدة لإنكار التحديث، وهو من تمام/ كلام اللائمين، ومفعوله إما ما ذكر أولاً، أو لا: مفعول له ـ وهو أبلغ ـ وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله تعالى: {أية : أَفَتَطْمَعُونَ }تفسير : [البقرة: 75] والمعنى: أفلا تعقلون حال هؤلاء اليهود وأن لا مطمع في إيمانهم، وهم على هذه الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة، ويبعده قوله تعالى: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ...}.
ابن عاشور
تفسير : الأظهر أن الضمير في {لقوا} عائد على بني إسرائيل على نسق الضمائر السابقة في قوله: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا}تفسير : [البقرة: 75] وما بعده، وأن الضمير المرفوع بقالوا عائد عليهم باعتبار فريق منهم وهم الذين أظهروا الإيمان نفاق أو تفادياً من مر المقارعة والمحاجة بقرينة قوله: {آمنا} وذلك كثير في ضمائر الأمم والقبائل ونحوها نحو قوله تعالى: {أية : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن}تفسير : [البقرة: 232] لأن ضمير {طلقتم} للمطلقين وضمير {تعضلوا} للأولياء لأن الجميع راجع إلى جهة واحدة وهي جهة المخاطبين من المسلمين لاشتمالهم على الصنفين، ومنه أن تقول لئن نزلت ببني فلان ليكرمنك وإنما يكرمك سادتهم وكرماؤهم ويكون الضمير في قوله: {بعضهم} عائد إلى الجميع أي بعض الجميع إلى بعض آخر ومعلوم أن القائل من لم ينافق لمن نافق، ثم تلتئم الضمائر بعد ذلك في {يعلمون} و{يُسرون} و{يُعلنون} بلا كلفة وإلى هذه الطريقة ذهب صاحب «الكشاف» ويرجحها عندي أن فيها الاقتصار على تأويل ما به الحاجة والتأويل عند وجود دليله بجنبه وهو {آمنا}. وجملة {إذا لقوا} معطوفة على جملة {أية : وقد كان فريق منهم}تفسير : [البقرة: 75] على أنهم حال مثلها من أحوال اليهود وقد قصد منها تقييد النهي أو التعجيب من الطمع في إيمانهم فهو معطوف على الحال بتأويل وقد كان فريق منهم آخرُ إذا لقوا. وقوله: {وإذا خلا بعضهم} معطوف على {إذا لقوا} وهم المقصود من الحالية أي والحال أنهم يحصل منهم مجموع هذا لأن مجرد قولهم {آمنا} لا يكون سبباً للتعجب من الطمع في إيمانهم فضمير {بعضهم} راجع إلى ما رجع إليه {لقوا} وهم عموم اليهود. ونكتة التعبير بـ{قالوا آمنا} مثلها في نظيره السابق في أوائل السورة [البقرة: 14]. وقوله: {أتحدثونهم} استفهام للإنكار أو التقرير أو التوبيخ بقرينة أن المقام دل على أنهم جرى بينهم حديث في ما ينزل من القرآن فاضحاً لأحوال أسلافهم ومثالب سيرتهم مع أنبيائهم وشريعتهم. والظاهر عندي أن معناه أنهم لما سمعوا من القرآن ما فيه فضيحة أحوالهم وذكر ما لا يعلمه إلا خاصتهم ظنوا أن ذلك خلص للنبي من بعض الذين أظهروا الإيمان من أتباعهم وأن نفاقهم كان قد بلغ بهم إلى أن أخبروا المسلمين ببعض قصص قومهم ستراً لكفرهم الباطن فوبخوهم على ذلك توبيخ إنكار أي كيف يبلغ بكم النفاق إلى هذا وأن في بعض إظهار المودة للمسلمين كفاية على حد قول المثل الذي حكاه بشار بقوله:شعر : واسعدْ بما قال في الحلم ابنُ ذي يَزَن يَلْهُو الكِرام ولا يَنْسَوْن أحسابا تفسير : فحكى الله ذلك عنهم حكاية لحيرتهم واضطراب أمرهم لأنهم كانوا يرسلون نفراً من قومهم جواسيس على النبي والمسلمين يظهرون الإسلام ويبطنون اليهودية ثم اتهموهم بخرق الرأي وسوء التدبير وأنهم ذهبوا يتجسسون فكشفوا أحوال قومهم، ويدل لهذا عندي قوله تعالى بعد: {أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} وأخبار مروية عن بعض التابعين بأسانيد لبيان المتحدث به، فعن السدي كان بعض اليهود يحدث المسلمين بما عذب به أسلافهم، وعن أبي العالية قال بعض المنافقين: إن النبي مذكور في التوراة، وعن ابن زيد كانوا يخبرون عن بعض قصص التوراة. والمراد {بما فتح الله} إما ما قضى الله به من الأحوال والمصائب فإن الفتح بمعنى القضاء وعليه قوله تعالى: {أية : ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق}تفسير : [الأعراف: 89] والفتاح القاضي بلغة اليمن، وإما بمعنى البيان والتعليم، ومنه الفتح على الإمام في الصلاة بإظهار الآية له وهو كناية مشهورة لأن القضاء يستلزم بيان الحق، ومنه قوله تعالى: {أية : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}تفسير : [البقرة: 89] أي يسألونهم العلم بالأمور التشريعية على أحد وجهين، فالمعنى بما علمكم الله من الدين. وقوله: {ليحاجوكم به عند ربكم} صيغة المفاعلة غير مقصود بها حصول الفعل من جانبين بل هي لتأكيد الاحتجاج أي ليحتجوا عليكم به أي بما فتح الله عليكم. واللام في قوله تعالى: {ليحاجوكم} لام التعليل لكنها مستعملة في التعقيب مجازاً أو ترشيحاً لاستعمال الاستفهام في الإنكار أو التقرير مجازاً فإنه لما كان الاستفهام الموضوع لطلب العلم استعمل هنا في الإنكار أو التقرير مجازاً لأن طلب العلم يستلزم الإقرار والمقرر عليه يقتضي الإنكار لأن المقر به مما ينكر بداهة وكانت المحاجة به عند الله فرعاً عن التحديث بما فتح الله عليهم جعل فرع وقوع التحديث المنكر كأنه علة مسؤول عنها أي لكان فعلكم هذا معللاً بأن يحاجوكم، وهو غاية في الإنكار إذ كيف يسعى أحد في إيجاد شيء تقوم به عليه الحجة فالقرينة هي كون المقام للإنكار لا للاستفهام ولذلك كانت اللام ترشيحاً متميزاً به أيضاً. والأظهر أن قوله: {عند ربكم} ظرف على بابه مراد منه عندية التحاكم المناسب لقوله: {يحاجوكم} وذلك يوم القيامة لا محالة أي يجعلون ذلك حجة عليكم أمام الله على صدق رسولهم وعلى تبعتكم في عدم الإيمان به وذلك جار على حكاية حال عقيدة اليهود من تشبيههم الرب سبحانه وتعالى بحكام البشر في تمشي الحيل عليه وفي أنه إنما يأخذ المسببات من أسبابها الظاهرية فلذلك كانوا يرتكبون التحيل في شرعهم وتجد كتبهم ملأى بما يدل على أن الله ظهر له كذا وعلم أن الأمر الفلاني كان على خلاف المظنون وكقولهم في سفر التكوين «وقال الرب هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر» وقال فيه: «ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه فقال: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته» وجاء في التكوين أيضاً «لما شاخ إسحاق وكلت عيناه عن النظر دعا ابنه الأكبر عيسو وقال له: إني شخت ولست أعرف يوم وفاتي فالآن خذ عدتك واخرج إلى البرية فتصيد لي صيداً واصنع لي أطعمة حتى أباركك قبل أن أموت فسمعت (رفقة) أمهما ذلك فكلمت ابنها يعقوب وقالت: اذهب إلى الغنم وخذ جديين جيدين من المعزى فاصنعهما أطعمة لأبيك حتى يباركك قبل وفاته فقال: يعقوب لأمه إن عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس ربما يجسني أبي فأكون في عينيه كمتهاون وأجلب على نفسي لعنة فقالت: اسمع لقولي فذهب وصنعت له أمه الطعام وأخذت ثياب ابنها الأكبر عيسو وألبستها يعقوب وألبست يديه وملاسة عنقه جلود الجديين فدخل يعقوب إلى أبيه وقال: يا أبي أنا ابنك الأكبر قد فعلت كما كلمتني فجسه إسحاق وقال الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو فباركه (أي جعله نبيئاً) وجاء عيسو وكلم أباه وعلم الحيلة ثم قال لأبيه: باركني أنا فقال قد جاء أخوك بكرة وأخذ بركتك» إلخ فما ظنك بقوم هذه مبالغ عقائدهم أن لا يقولوا لا تعلموهم لئلا يحاجوكم عند الله يوم القيامة وبهذا يندفع استبعاد البيضاوي وغيره أن يكون المراد بعند ربكم يوم القيامة بأن إخفاء الحقائق يوم القيامة لا يفيد من يحاوله حتى سلكوا في تأويل معنى قوله {عند ربكم} مسالك في غاية التكلف قياساً منهم لحال اليهود على حال عقائد الإسلام ففسروا (عند) بمعنى الكتاب أو على حذف مضاف أو حذف موصول ثم سلك متعقبوهم في إعرابه غاية الإغراب. وقوله: {أفلا تعقلون} من بقية مقولهم لقومهم ولا يصح جعله خطاباً من الله للمسلمين تذييلاً لقوله: {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}تفسير : [البقرة: 75] لأن المسلمين وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلم ليسوا جديرين بمثل هذا التوبيخ وحسبهم ما تضمنه الاستفهام من الاستغراب أو النهي. فإن قلت: لم لم يذكر في الآية جواب المخاطبين بالتبرؤ من أن يكونوا حدثوا المؤمنين بما فتح الله عليهم كما ذكر في قوله المتقدم: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن}؟ قلت: ليس القرآن بصدد حكاية مجادلاتهم وأحوالهم فإنها أقل من ذلك وإنما يحكي منها ما فيه شناعة حالهم وسوء سلوكهم ودوام إصرارهم وانحطاط أخلاقهم فتبريهم مما نسب إليه كبراؤهم من التهمة معلوم، للقطع بأنهم لم يحدثوا المسلمين بشيء ولما دل عليه قوله الآتي أو لا يعلمون أن الله يعلم} إلخ. وأما ما في الآية المتقدمة من تنصلهم بقولهم {إنا معكم} فلأن فيه التسجيل عليهم في قولهم فيه: {إنما نحن مستهزئون}. وقوله: {أو لا يعلمون} الآية، الاستفهام فيه على غير حقيقته فهو إما مجاز في التقرير أي ليسوا يعلمون ذلك والمراد التقرير بلازمه وهو أنه إن كان الله يعلمه فقد علمه رسوله وهذا لزوم عرفي ادعائي في المقام الخطابي أو مجاز في التوبيخ والمعنى هو هو، أو مجاز في التحضيض أي هل كان وجود أسرار دينهم في القرآن موجباً لعلمهم أن الله يعلم ما يسرون والمراد لازم ذلك أي يعلمون أنه منزل عن الله أي هلا كان ذلك دليلاً على صدق الرسول عوض عن أن يكون موجباً لتهمة قومهم الذين تحققوا صدقهم في اليهودية، وهذا الوجه هو الظاهر لي ويرجحه التعبير بيعلمون بالمضارع دون علموا. وموقع الاستفهام مع حرف العطف في قوله: {أفلا تعقلون} وقوله: {أو لا يعلمون} سيأتي على نظائره وخلاف علماء العربية فيه عند قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم}تفسير : [البقرة: 87].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 76- وكان فريق من منافقيهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا مخادعين لهم: آمنا بأنكم على الحق وأن محمداً هو النبى الذى جاء وصفه فى التوراة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض عاتبهم الفريق الآخر على غفلتهم، إذ تنزلق ألسنتهم فى أثناء خداعهم للمؤمنين بعبارات تفيد خصومهم ولا يستدعيها الخداع، فيذكرون لهم ما ورد فى التوراة من أوصاف محمد ويعطونهم بذلك حُجة عليهم يوم القيامة. 77- وهل غاب عن هؤلاء وأولئك أن الله ليس فى حاجة إلى مثل هذه الحُجة لأنه يعلم ما يخفون وما يبدون؟. 78- ومن اليهود فريق جهلة أميون لا يعرفون عن التوراة إلا أكاذيب تتفق مع أمانيهم، لفَّقها لهم أحبارهم، وألقوا فى ظنهم أنها حقائق من الكتاب. 79- فالهلاك والعذاب لهؤلاء الأحبار الذين يكتبون كتباً بأيديهم، ثم يقولون للأميين: هذه هى التوراة التى جاءت من عند الله، ليصلوا من وراء ذلك إلى غرض تافه من أغراض الدنيا فيشتروا التافه من حطام الدنيا بثمن غال وعزيز هو الحقيقة والصدق، فويل لهم مما تقوَّلوه على الله، وويل لهم مما يكسبون من ثمرات افترائهم. 80- ومن اختلاقاتهم وأكاذيبهم ما يتلقونه من أحبارهم من أن النار لن تمس يهودياً مهما ارتكب من المعاصى إلا أياماً معدودة، فقل لهم يا محمد: هل تعاهدتم مع الله على ذلك فاطمأننتم، لأن الله لا يخلف عهده، أم أنكم تفترون الكذب عليه؟. 81- الحق أنكم تفترون الكذب على الله، فحكم الله العام نافذ فى خلقه جميعاً لا فرق بين يهودى وغير يهودى، لأن من ارتكب سيئة وأحاطت به آثامه حتى سدت عليه منافذ الخلاص، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {آمَنَّا} (76) - وَكَانَتْ فِئَةٌ مِنَ اليَهُودِ إِذَا التَقَوْا بِالمُسْلِمِينَ قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ رَسُولُ اللهِ حَقّاً، وَلكِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً. وَإِذا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، قَالَتْ فِئَةٌ مِنْهُمْ لاَ تُحَدِّثُوا العَرَبَ بِهذا. فَإِنَّكُمْ كُنْتُم تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيهِمْ، وَتَقُولُونَ لَهُمْ إِنَّ نَبِيّاً سَيُبْعَثُ قَريباً، وَقَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، وَإِنَّكُمْ سَوْفَ تُقَاتِلُونَ العَرَبَ تِحْتَ لِوائِهِ، وَتَنْتَقِمونَ مِنْهُمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ مِنْهُم، فَإِذا أَقْرَرْتُمْ بِنُبُوَّتِهِ قَامَتْ عَلَيكُمُ الحُجَّةُ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللهَ أَخَذَ لَهُ المِيثَاقَ عَلَيكُم بِاتِّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ وَنَصْرِهِ، وَأَنَّهُ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ هُوَ النَّبِيُّ الذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ بِعْثَتَهُ، وَنَجِدُهُ فِي كُتُبِنا؛ فَاجْحَدُوهُ وَلاَ تُقِرُّوا بِهِ. (وَقَالَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ إِنَّ المَقْصُودَ بِهذِهِ الآيَةِ أُنَاسٌ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا ثُمَّ نَافَقُوا، وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذا دَخَلُوا المَدِينَةَ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ لِيَعْلَمُوا خَبَرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمِينَ. فَإِذا رَجَعُوا إِلى قَوْمِهِمْ رَجَعُوا إِلى الكُفْرِ. وَكَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ. فَيَقُولُونَ لَهُمْ أَلَيْسَ اللهُ قَدْ قَالَ لَكُمْ كَذا وَكَذا ... فَيَقُولُونَ: بَلى. فَقَالَ بَعْضُ اليَهُودِ لِبَعْضٍ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فِي كُتُبِكُمْ مِنْ بَعْثِ النَّبِيِّ وَصِفَاتِهِ، أَفَلاَ تَعْقِلُونَ أَنَّ هذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ مِنْكُمْ، وَأَنَّ ذلِكَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيكُمْ؟). خَلاَ بَعْضُهُمْ - مَضَى إِلَيهِ أَوِ انْفَرَدَ بِهِ. فَتَحَ اللهُ عَلَيكُمْ - حَكَمَ بِهِ أَوْ قَصَّهُ عَلَيكُمْ فِي كُتُبِكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه صور من صور نفاق اليهود. والناس مقسمون إلى ثلاث: مؤمنون وكافرون منافقون .. المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه .. والكافر ولا انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع الكون، والكون يلعنه .. والمنافق لا انسجم مع نفسه ولا انسجم مع الكون، والآية تعطينا صورة من صور النفاق وكيف لا ينسجم المنافق مع نفسه ولا مع الكون .. فهو يقول ما لا يؤمن به .. وفي داخل نفسه يؤمن بما لا يقول .. والكون كله يلعنه، وفي الآخرة هو في الدرك الأسفل من النار. وهذه الآية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه السورة .. وهي قوله تعالى: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [البقرة: 14]. في الآية الأولى كان الدور لليهود، وكان هناك منافقون من غير اليهود وشياطينهم من اليهود .. وهنا الدور من اليهود والمنافقين من اليهود. الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا} [البقرة: 76] وهل الإيمان كلام؟ .. الإيمان يقين في القلب وليس كلاماً باللسان .. والاستدلال على الإيمان بالسلوك فلا يوجد إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقاً أو رياء .. يقول آمنت نفاقاً ولكن سلوكه لا يكون سلوك المؤمن .. ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم. يقول تعالى: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76].. وفي سورة أخرى يقول الحق: {أية : وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ..} تفسير : [آل عمران: 119]. وفي سورة المائدة يقول سبحانه: {أية : وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ..} تفسير : [المائدة: 61]. هنا أربع صور من صور المنافقين .. كلها فيها التظاهر بإيمان كاذب .. في الآية الأولى {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 14] وفي الآية الثانية: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]. وفي الآية الثالثة: {أية : عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ} تفسير : [آل عمران: 119]. وفي الآية الرابعة: {أية : وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 61]. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث كان اليهود يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود عندنا في التوراة أوصافه كذا .. حينئذ كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76] فكأنهم علموا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم أرادوا أن يخفوها .. إن الغريب أنهم يقولون: {بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 76]. وإذا كان هذا فتحاً من الله فلا فضل لهم فيه .. ولو أراد الله لهم الفتح لآمنت القلوب.. قوله تعالى: {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76] يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الأرض يعلمون أنهم من خلق الله، وأن الله هو الذي خلقهم .. وما داموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون بخالقهم؟ {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ} [البقرة: 76] أي لتكون حجتهم عليكم قوية عند الله .. ولكنهم لم يقولوا عند الله بل قالوا {عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76] والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل منهما وجهة نظر مختلفة. وتقام بينهما مناظرة يدلي فيها كل فريق بحجته. واقرأ قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ ..} تفسير : [البقرة: 258]. هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم عليه السلام والنمرود الذي آتاه الله الملك .. ماذا قال إبراهيم؟ {أية : إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ ..} تفسير : [البقرة: 258]. هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى الله، فرد عليه النمرود بحجة مزيفة. قال أنا أحيي وأميت .. ثم جاء بواحد من جنوده وقال لحراسه اقتلوه .. فلما اتجهوا إليه قال اتركوه .. ثم التفت إلى إبراهيم: {أية : قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ..} تفسير : [البقرة: 258]. جدل عقيم لأن هذا الذي أمر النمرود بقتله. كان حياً وحياته من الله والنمرود حين قال اقتلوه لم يمته ولكنه أمر بقتله .. وفرق بين الموت والقتل .. القتل أن تهدم بنية الجسد فتخرج الروح منه لأنه لا يصلح لإقامتها .. والموت أن تخرج الروح من الجسد والبنية سليمة لم تهدم .. الذي يميت هو الله وحده، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 144]. والنمرود لو قتل هذا الرجل ما كان يستطيع أن يعيده إلى الحياة .. ولكن إبراهيم عليه السلام .. لم يكن يريد أن يدخل في مثل هذا الجدل العقيم .. الذي فيه مقارعة الحجة بالحجة يمكن فيه الجدال ولو زيفاً .. ولذلك جاء بالحجة البالغة التي لا يستطيع النمرود أن يجادل فيها: {أية : قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 258]. هذا هو معنى الحاجّة .. كل طرف يأتي بحجته، وما داموا يحاجونكم عند ربكم وهم يعتقدون أن القضية لن تمر أمام الله بسلام لأنه رب الجميع وسينصف المظلوم من الظالم .. إذا كانت هذه هي الحقيقة فهل أنتم تعملون لمصلحة أنفسكم؟ الجواب لا .. لو كنتم تعلمون الصواب ما كنتم وقعتم في هذا الخطأ فهذا ليس فتحاً .. وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76] ختام منطقي للآية .. لأن من يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل .. الذي يقول {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} [البقرة: 76] يكون مؤمناً بأن له رباً، ثم لا يؤمن بهذا الإله ولا يخافه لا يمكن أن يتصف بالعقل.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ بما مَنَّ الله عليكم؛ فيحتجوا عليكم بهِ.
همام الصنعاني
تفسير : 78- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ}: [الآية: 76]، قال: كانوا يقولون: إِنَّهُ سيكون نبيّ. فجاء بعضهم فقالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحتجوا به عليكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):