٥ - ٱلْمَائِدَة
5 - Al-Ma'ida (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: أما الكلام في {ٱللَّهُمَّ } فقد تقدم بالاستقصاء في سورة آل عمران في قوله {أية : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء} تفسير : [آل عمران: 26] فقوله: {ٱللَّهُمَّ } نداء، وقوله {رَبَّنَا } نداء ثان وأما قوله {تَكُونُ لَنَا } صفة للمائدة وليس بجواب للأمر، وفي قراءة عبد الله {تَكُنْ } لأنه جعله جواب الأمر. قال الفراء: وما كان من نكرة قد وقع عليها أمر جاز في الفعل بعده الجزم والرفع، ومثاله قوله تعالى: {أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِى } تفسير : [مريم: 5 ـ 6] بالجزم والرفع {أية : فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً يُصَدّقُنِى } تفسير : [القصص: 34] بالجزم والرفع، وأما قوله {عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } أي نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة عيداً نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا، ونزلت يوم الأحد فاتخذه النصارى عيداً، والعيد في اللغة اسم لما عاد إليك في وقت معلوم، واشتقاقه من عاد يعود فأصله هو العود، فسمي العيد عيداً لأنه يعود كل سنة بفرح جديد، وقوله {وآية منك} أي دلالة على توحيدك وصحة نبوة رسولك {وَٱرْزُقْنَا } أي وارزقنا طعاماً نأكله وأنت خير الرازقين. المسألة الثانية: تأمل في هذا الترتيب فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضاً، فقدموا ذكر الأكل فقالوا {أية : نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } تفسير : [المائدة: 113] وأخروا الأغراض الدينية الروحانية، فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذكر أغراضه فيها قدم الأغراض الدينية وأخر غرض الأكل حيث قال {وَٱرْزُقْنَا } وعند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح في كون بعضها روحانية وبعضها جسمانية، ثم إن عيسى عليه السلام لشدة صفاء دينه وإشراق روحه لما ذكر الرزق بقوله {وَٱرْزُقْنَا } لم يقف عليه بل انتقل من الرزق إلى الرازق فقال {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } فقوله {رَبَّنَا } ابتداء منه بذكر الحق سبحانه وتعالى، وقوله {أُنزِلَ عَلَيْنَا } انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله {تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وآخرنا} إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم وقوله {وآية منك} إشارة إلى كون هذه المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله {وَٱرْزُقْنَا } إشارة إلى حصة النفس وكل ذلك نزول من حضرة الجلال. فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلاً إلى الأدون فالأدون. ثم قال: {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق ومن غير الله إلى الله ومن الأخس إلى الأشرف، وعند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية ونزولها اللهم اجعلنا من أهله. المسألة الثالثة: في قراءة زيد {يَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا } والتأنيث بمعنى الآية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ} الأصل عند سيبويه يا الله، والميمان بدل من «يا». «رَبَّنَا» نداء ثان، لا يجيز سيبويه غيره، ولا يجوز أن يكون نعتا، لأنه قد أشبه الأصوات من أجل ما لحقه. {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً} المائدة الخوان الذي عليه الطعام، قال قُطْرُب: لا تكون المائدة مائدة حتى يكون عليها طعام، فإن لم يكن قيل: خوان، وهي فاعلة من مَادَ عبده إذا أطعمه وأعطاه، فالمائدة تميد ما عليها أي تعطي، ومنه قول رؤبة ـ أنشده الأخفش: شعر : تُهدي رؤوس المترَفين الأنداد إلى أمير المؤمنين الممتَاد تفسير : أي المستعطَى المسؤول، فالمائدة هي المطعمة والمعطية الآكلين الطعام. ويسمى الطعام أيضاً مائدة تجوزاً، لأنه يؤكل على المائدة، كقولهم للمطر سماء. وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لحركتها بما عليها، من قولهم: مَادَ الشيء إذا مال وتحرّك، قال الشاعر: شعر : لعلك باكٍ إنْ تَغنّتْ حمامُة يَميدُ بها غُصْن من الأيْكِ مائلُ تفسير : وقال آخر: شعر : وأقلقني قتلُ الكنانيّ بعده فكادَتْ بي الأرضُ الفضاءُ تَميدُ تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } تفسير : [النحل: 15]. وقال أبو عبيدة: مائدة فاعلة بمعنى مفعولة، مثل { أية : عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 21 والقارعة: 7] بمعنى مرضية و { أية : مَّآءٍ دَافِقٍ } تفسير : [الطارق: 7] أي مدفوق. قوله تعالى: {تَكُونُ لَنَا عِيداً} «تكون» نعت لمائدة وليس بجواب. وقرأ الأعمش «تكن» على الجواب، والمعنى: يكون يوم نزولها {عِيداً لأَوَّلِنَا} أي لأوّل أمتنا وآخرها، فقيل: إن المائدة نزلت عليهم يوم الأحد غدوة وعشية، فلذلك جعلوا الأحد عيداً. والعيد واحد الأعياد، وإنما جمع بالياء وأصله الواو للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقد عيَّدوا أي شهدوا العيد، قاله الجوهريّ. وقيل: أصله من عاد يعود أي رجع فهو عِود بالواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها، مثل الميزان والميقات والميعاد، فقيل ليوم الفطر والأضحى: عيداً لأنهما يعودان كل سنة. وقال الخليل: العيد كل يوم يجمع كأنهم عادوا إليه. وقال ابن الأنباريّ: سُمّي عيدا للعود في المَرَح والفَرَح، فهو يوم سرور الخلق كلهم، ألا ترى أن المسجونين في ذلك اليوم لا يطالبون ولا يعاقبون، ولا يصاد الوحش ولا الطيور، ولا تنفذ الصبيان إلى المكاتب. وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته، ألا ترى إلى اختلاف ملابسهم وهيئاتهم ومآكلهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف، ومنهم من يرحَم ومنهم من يُرحَم. وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف تشبيهاً بالعيد: وهو فحل كريم مشهور عند العرب وينسبون إليه، فيقال: إبل عيدية، قال: شعر : عِيـدِيَّـة أُرهِنَـتْ فيهـا الدنانِيـرُ تفسير : وقد تقدّم. وقرأ زيد بن ثابت «لأولاَنَا وأُخْرَانَا» على الجمع. قال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما يأكل منها أوّلهم. {وَآيَةً مِّنْكَ} يعني دلالة وحجة. {وَٱرْزُقْنَا} أي أعطنا. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي خير من أعطى ورزق، لأنك الغنيّ الحميد.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} لما رأى أن لهم غرضاً صحيحاً في ذلك، أو أنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها. {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً} أي يكون يوم نزولها عيداً نعظمه. وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيداً. وقرىء «تكن» على جواب الأمر. {لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا} بدل من لنا بإعادة العامل أي عيداً لمتقدمينا ومتأخرينا. روي: أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً. وقيل يأكل منها أولنا وآخرنا. وقرىء «لأولانا وأخرانا» بمعنى الأمة أو الطائفة. {وَءَايَةً} عطف على «عيداً». {مِنكَ} صفة لها أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي. {وَٱرْزُقْنَا} المائدة والشكر عليها. {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض. {قَالَ ٱللَّهُ إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} إجابة إلى سؤالكم. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم {مُنَزِّلُهَا} بالتشديد. {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً} أي تعذيباً ويجوز أن يجعل مفعولاً به على السعة. {لاَّ أُعَذِّبُهُ} الضمير للمصدر، أو للعذاب إن أريد ما يعذب به على حذف حرف الجر. {أَحَداً مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي من عالمي زمانهم أو للعالمين مطلقاً فإنهم مسخوا قردة وخنازير، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم. روي: أنها نزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، ثم قام فتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال: ليس منهما ولكن اخترعه الله سبحانه وتعالى بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله، فقالوا: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا. وقيل كانت تأتيهم أربعين يوماً غباً يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها، ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره، ولا مريض إلا بريء ولم يمرض أبداً، ثم أوحي الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناس لذلك فمسخ منهم ثلاثة وثمانون رجلاً. وقيل لما وعد الله إنزالها بهذه الشريطة استعفوا وقالوا: لا نريد فلم تنزل. وعن مجاهد أن هذا مثل ضربه الله لمقترحي المعجزات. وعن الصوفية: المائدة ههنا عبارة عن حقائق المعارف، فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها، فقال لهم عيسى عليه الصلاة والسلام: إن حصلتما الإِيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها، فلم يقلعوا عن السؤال وألحوا فيه فسأل لأجل اقتراحهم، فبين الله سبحانه وتعالى أن إنزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالاً بعيداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمآءِ تَكُونُ لَنَا } أي يوم نزولها {عِيداً } نعظمه ونشرفه {لأَوَّلِنَا } بدل من (لنا) بإعادة الجار {وَءاخِرِنَا } ممن يأتي بعدنا {وَءَايَةً مِّنك} على قدرتك ونبوّتي {وَٱرْزُقْنَا } إياها {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ }.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى عن عيسى أنه أجابهم إلى دعاء الله في أمر المائدة. فروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي ويدعو. و {اللهم} عند سيبويه أصلها يا الله فجعلت الميمان بدلاً من ياء و {ربنا} منادى آخر، ولا يكون صفة لأن {اللهم} يجري مجرى الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير، وقرأ الجمهور "تكون لنا" على الصفة للمائدة. وقرأ ابن مسعود والأعمش "تكن لنا" على جواب {أنزل} والعيد: المجتمع واليوم المشهود، وعرفه أن يقال فيما يستدير بالسنة أو بالشهر والجمعة ونحوه. وهو من عاد يعود فأصله الواو ولكن لزمته الياء من أجل كسرة العين، وقرأ جمهور الناس "لأولنا وآخرنا" وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري: "لأولنا وأخرانا". واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال السدي وقتادة وابن جريج وسفيان: لأولنا معناه لأول الأمة ثم لمن بعدهم حتى لآخرها يتخذون ذلك اليوم عيداً. وروي عن ابن عباس أن المعنى يكون مجتمعاً لجميعنا أولنا وآخرنا، قال: وأكل من المائدة حين وضعت أول الناس كما أكل آخرهم. قال القاضي أبو محمد: فالعيد على هذا لا يراد به المستدير، وقوله {وآية منك} أي علامة على صدقي وتشريفي. فأجاب الله دعوة عيسى وقال {إني منزلها عليكم} ثم شرط عليهم شرطه المتعارف في الأمم أنه من كفر بعد آية الاقتراح عذب أشد عذاب، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم "إني مُنَزّلها" بفتح النون وشد الزاي، وقرأ الباقون "منْزلها" بسكون النون، والقراءتان متجهتان نزل وأنزل بمعنى واحد، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف، "قال الله إني سأنزلها عليكم"، واختلف الناس في نزول المائدة، فقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد: إنهم لما سمعوا الشرط في تعذيب من كفر استعفوها فلم تنزل. قال مجاهد فهو مثل ضربه الله تعالى للناس لئلا يسألوا هذه الآيات، وقال جمهور المفسرين: نزلت المائدة، ثم اختلفت الروايات في كيفية ذلك، فروى الشعبي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: نزلت المائدة خبزاً وسمكاً، وقال عطية: المائدة سمكة فيها طعم كل طعام، قال ابن عباس نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أين ما نزلوا إذا شاؤوا، وقاله وهب بن منبه، قال إسحاق بن عبد الله: نزلت المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، قال: فسرق منها بعضهم فرفعت، وقال عمار بن ياسر: سألوا عيسى عليه السلام مائدة يكون عليها طعام لا ينفد، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم وما لم تخبئوا أو تخونوا، فإن فعلتم عذبتم قال فما مضى يوم حتى خبؤوا وخانوا فمسخوا قردة وخنازير، وقال ابن عباس في المائدة أيضاً،كان طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا، وقال عمار بن ياسر: نزلت المائدة عليها ثمار من ثمار الجنة، وقال ميسرة: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا اللحم. قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في قصص هذه المائدة بما رأيت اختصاره لعدم سنده وقال قوم: لا يصح أن لا تنزل المائدة لأن الله تعالى أخبر أنه منزلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير لازم لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه قوله {فمن يكفر بعد منكم}، وسائغ ما قال الحسن، أما أن الجمهور على أنها نزلت وكفرت جماعة منهم فمسخهم الله خنازير قاله قتادة وغيره، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون، ويذكر أن شمعون رأس الحواريين قال لعيسى حين رأى طعام المائدة، يا روح الله أمن طعام الدنيا هو أم من طعام الآخرة؟ قال عيسى عليه السلام: ألم ينهكم الله عن هذه السؤالات، هذا طعام ليس من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، بل هو بالقدرة الغالبة، قال الله له كن فكان، وروي أنه كان على المائدة بقول سوى الثوم والكراث والبصل، وقيل كان عليها زيتون وتمر وحب رمان.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّلهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ} سأل ذلك لإظهار صدقه عند من جعله قبل استحكام المعرفة، أو تفضل بالسؤال بعد معرفتهم. {عِيداً} نتخذ يوم أنزالها عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا، أو عائدة من الله ـ تعالى ـ علينا وبرهاناً لنا ولمن بعدنا، أو نأكل منها أوَّلنا وآخرنا {وَءَايَةً مِّنكَ} على صدق أنبيائك، أو على توحيدك. {وَارْزُقْنَا} ذلك من عندك، أو الشكر على إجابة دعوتنا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاءِ...} الآية، أي: أجابهم عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ إلى ما سألوا، فيُرْوَىٰ أنه لَبِسَ جُبَّة شَعْرٍ، ورداءَ شَعْرٍ، وقام يصلِّي، ويبْكِي، والعيدُ: المجتمعُ، وقوله: {لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا}، رُوِيَ عن ابن عَبَّاس؛ أن المعنَىٰ: يكون مجتمعاً لجميعنا أوّلِنا وآخرنا، قال: فأكل من المائدة حِينَ وُضِعَتْ أولُ النَّاس؛ كما أكل آخرِهم، {وَآيَةً مِّنْكَ}، أيْ: وعلامةً علَىٰ صِدْقي، فأجاب اللَّه تعالَىٰ دعوةَ عيسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ، وقال: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}، ثم شَرَطَ عليهم سبحانه شرْطَهُ المتعارَفَ في الأمم؛ أنه مَنْ كَفَر بعد آية الاقتراحِ، عُذِّب أشدَّ عذابٍ، والجمهور أنَّ المائدة نزلَتْ كما أخبر اللَّه سبحانه، واختلفوا في كيفيَّة ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: نزلَتِ المائدةُ خُبْزاً وسَمَكاً، وقال عطية: المائدةُ سمكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ طعامٍ، وقال ابنُ عبَّاس: نزل خُوَانٌ عليه خْبُز وسَمَكٌ يأكلون منه أينما نَزَلُوا، إذا شاءوا، وقال عمَّار بن ياسر: سألوا عيسَىٰ مائدةً يكون عليها طعامٌ لا ينفَذُ، فقيل لهم: إنها مقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئُوا، أو تخونُوا، فإن فعلتم، عُذِّبتم، قال: فما مضَىٰ يومٌ؛ حتى خَبَّئُوا، وخانوا، يعني: بني إسرائيل، فمُسِخُوا قردةً وخنازيرَ، وقال ميسرة: كانَتِ المائدة، إذا وُضِعت لبني إسرائيل، ٱختلفَتْ عليهم الأيدِي بكلِّ طعامٍ إلا اللحم، وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممَّا رأَيْتُ ٱختصارَهُ؛ لعدم سَنَده.
ابن عادل
تفسير : "اللَّهُمَّ رَبَّنَا" تقدَّم الكلامُ عليه، قوله: "ربَّنا" نِدَاءٌ ثاني. قوله تعالى: {تَكُونُ لَنَا عِيداً}: [في "تَكُونُ" ضمير يعود على "مَائِدَة" هو اسمُها، وفي الخبر احتمالان: أظهرهما: أنه عيد]، و"لَنَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من "عِيداً"؛ لأنها صفة له في الأصل. والثاني: أنها حال من ضمير "تَكُونُ" عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالها في الحال. والوجه الثاني: أنَّ "لَنَا" هو الخبر، و"عِيداً" حال: إمَّا من ضمير "تَكُونُ" عند مَنْ يَرَى ذلك، وإمَّا من الضمير في "لَنَا"، لأنه وقع خبراً فتحمَّل ضميراً، والجملةُ في محلِّ نَصْبٍ صفةً لمائدة. وقرأ عبدُ الله: "تَكُنْ" بالجزمِ على جوابِ الأمرِ في قوله: "أنْزَلَ"، قال الزمخشري - رحمه الله -: وهما نظيرُ "يَرِثُنِيَ [وَيَرِثُ"] يريد قوله تعالى: {أية : فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي} تفسير : [مريم: 5، 6] بالرفع صفةً، وبالجزم جواباً، ولكن القراءتان هناك متواترتان، والجزمُ هنا في الشاذ. والعيدُ هنا مشتقٌّ من العود؛ لأنه يعود كلَّ سنة، قاله ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ، وقال ابن الأنباريِّ: "النحويُّون يقولون: يوم العيدِ؛ لأنَّه يعود بالفَرَحِ والسُّرورِ فهو يَوْمُ سُرُورِ الخَلْقِ كلهم، ألا ترى أنَّ المَسْجُونين في ذلك اليَوْم لا يُطَالَبُونَ ولا يُعَاقَبُون، ولا يُصادُ الوَحْشُ ولا الطُّيُورُ، ولا تَغْدُو الصِّبْيَان إلى المَكَاتِب". وقيل: هو عِيدٌ؛ لأنَّ كُلَّ إنْسَان يَعُودُ إلى قَدْرِ مَنْزِلَتهِ؛ ألا ترى إلى اختلافِ ملابِسِهم وهَيْئَاتِهِم ومآكِلِهم، فمنهم من يُضيف ومنهم من يُضاف، ومنهم من يَرْحَم ومنهم من يُرْحَم. وقيل: سُمِّي بذلك؛ لأنَّهُ يَوْمٌ شريف، تَشْبيهاً بالعيدِ وهو فحلٌ كريم مشهور عند العربِ ويَنْسِبُون إليه، فيقالُ: إبل عيدية. قال الشاعر: [البسيط] شعر : 2089-........................... عِيدٌ بِهَا أزْهَرَتْ فِيهَا الدَّنَانِيرُ تفسير : وقال الخليلُ: العيدُ كل يومٍ يَجْمَعُ، كأنَّهُم عَادُوا إلَيْه عند العرب؛ لأنه يعود بالفَرَح والحُزْن، وكلُّ ما عاد إليك في وقت، فهو عيد؛ حتَّى قالوا لِلطَّيْفِ عِيدٌ؛ قال الأعشى: [ الطويل] شعر : 2090- فَوَاكَبِدِي مِنْ لاعِجِ الحبِّ والهَوَى إذَا اعْتَادَ قَلْبِي مِنْ أمَيْمَةَ عِيدُهَا تفسير : أيْ: طَيْفُهَا، وقال تأبَّطَ شَرًّا: [البسيط] شعر : 2091- يَا عِيدُ مَا لَكَ مِنْ شَوْقٍ وإيرَاقِ تفسير : وقال أيضاً: [الخفيف] شعر : 2092- عَاد قَلْبِي مِنَ الطَّوِيلَةِ عِيدُ ......................... تفسير : وقال الراغبُ: والعيدُ حالةٌ تُعاوِدُ الإنسانَ، والعائدَة: كلُّ نفْعٍ يرجع إلى الإنسانِ بشَيْء، ومنه "العَوْدُ" للبعيرِ المُسِنِّ: إمَّا لمعاوَدَتِهِ السَّيْرَ والعمل فهو بمعنى فاعلٍ، وإمَّا لمعاوَدَةِ [السنين] إياه [ومَرِّهَا] عليه، فهو بمعنى مفعول، قال امْرُؤُ القَيْسِ: [الطويل] شعر : 2093- عَلَى لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ إذا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا تفسير : وصَغَّروه على "عُيَيْدٍ" وكسَّروه على "أعْيَاد"، وكان القياسُ عُوَيْد وأعْوَاد؛ لزوالِ مُوجِبِ قَلْبِ الواوِ ياء؛ لأنها إنما قُلبتْ لسكونها بعد كَسْرةٍ، كـ "مِيزَانٍ"، وإنما فعلوا ذلك؛ قالوا: فرقاً بينه وبَيْن عُودِ الخَشَبِ. قوله: "لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا" فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنه وقع صفةً لـ "عِيداً". الثاني: أنه بدلٌ من "نَا" في "لَنَا"، قال الزمخشريُّ: "لأوَّلِنَا وآخِرِنَا" بدلٌ من "لَنَا" بتكرير العاملِ، ثم قال: "وقرأ زيدُ بنُ ثابتٍ، وابن مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ: "لأولاَنَا وَأخْرَانَا" بدل "لَنَا"، والتأنيثُ على معنى الأمَّة"، وخَصّص أبو البقاء كلَّ وجْه بشيء؛ وذلك أنه قال: "فأمَّا "لأوَّلنَا وآخِرِنَا"، فإذا جعلت "لَنَا" خبراً أو حالاً من فاعل "تَكُونُ" فهو صفةٌ لـ "عِيداً"، وإن جعلت "لَنَا" صفة لـ "عِيد"، كان "لأوَّلِنَا" بدلاً من الضمير المجرور بإعادة الجَارِّ". قال شهاب الدين: إنما فعل ذلك؛ لأنه إذا جعل "لَنَا" خبراً، كان "عِيداً" حالاً، وإن جعله حالاً، كان "عِيداً" خبراً؛ وعلى التقديرين لا يمكنُه جَعْلُ "لأوَّلِنَا" بدلاً من "لَنَا"؛ لئلا يلزم الفصلُ بين البدلِ والمبدلِ منه: إمَّا بالحال، وإما بالخبر، وهو "عِيد"، بخلافِ ما إذا جُعِل "لَنَا" صفةً لـ "عِيد"، [ولكن يُقالُ: قوله: فإن جعلت "لَنَا" صفةً لـ "عيداً"] كان "لأوَّلِنَا" بدلاً مُشْكِلٌ أيضاً؛ لأنَّ الفصل فيه موجود، لا سيما أنَّ قوله لا يُحْمل على ظاهره؛ لأنَّ "لَنَا" ليس صفةً بل هو حالٌ مقدمة، ولكنه نَظَرَ إلى الأصل، وأنَّ التقدير: عيداً لَنَا لأوَّلِنَا؛ فكأنه لا فَصْلَ، والظاهرُ جوازُ البدل، والفصلُ بالخبر والحال لا يَضُرُّ؛ لأنه من تمامه، فليس بأجنبيٍّ. واعلم: أن البدل من ضمير الحاضر، سواءٌ كان متكلِّماً أم مخاطباً، لا يجوز عند جمهور البصريِّين في بدلِ الكلِّ من الكُلِّ، لو قلت: "قُمْتُ زَيْدٌ" تعْني نَفْسَكَ، و"ضَرَبْتُكَ عَمْراً"، لم يَجُزْ، قالوا: لأنَّ البدل إنما يؤتى به للبيانِ غالباً، والحاضِرُ متميِّزٌ بنفسه؛ فلا فائدةَ في البدلِ منه، وهذا يَقْرُبُ من تعليلهم في مَنْعِ وصفه، وأجازَ الأخفشُ ذلك مُطْلَقاً مستدِلاًّ بظاهر هذه الآية الكريمة؛ لقول القائل: [الوافر] شعر : 2094- أنَا سَيْفُ العَشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي حُمَيْداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّنَامَا تفسير : فـ "حُمَيْداً" بدل من ياء "اعْرِفُوني"، وقولِ الآخر: [الطويل] شعر : 2095- وَشَوْهَاءَ تَغْدُو بي إلى صَارِخ الوَغَى بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الفَنِيقِ المُدَجَّلِ تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 2096- بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلِّيلا تفسير : وفي الحديث: "أتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَفَرٌ مِنَ الأشْعَرِيين" والبصريون يُؤوِّلونَ جميعَ ذلك، أمَّا الآية الكريمة فعلى ما تقدَّم في الوجه الأول، وأمَّا "حُمَيْداً"، فمنصوبٌ على الاختصاص، وأمَّا "بِمُسْتَلئم"، فمن باب التجريدِ، وهو شيءٌ يعرفه أهلُ البيانِ، يعني أنه جَرَّد من نفسه ذاتاً متصفةً بكذا، وأمَّا "قُرَيْشٍ" فالروايةُ بالرفع على أنه منادى نُوِّنَ ضرورةً؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2097- سَلاَمُ اللَّهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلامُ تفسير : وأمَّا "نفرٌ"، فخبر مبتدأ مضمرٍ، أي: نَحْنُ، ومنع ذلك بعضهم، إلا أنْ يُفيدَ البدلُ توكيداً، وإحاطة شمولٍ، واستدلَّ بهذه الآيةِ، وبقول الآخر: [الطويل] شعر : 2098- فَمَا بَرِحَتْ أقْدَامُنَا فِي مُقَامِنَا ثَلاَثَتِنَا حَتَّى أزيرُوا المَنَائِيَا تفسير : بجر "ثَلاَثِينَا" بدلاً من "نَا"، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّ "ثَلاَثَتِنَا" توكيدٌ جارٍ مَجْرى "كُلّ". قال القُرْطُبِي: وقرأ زَيْدُ بن ثابتٍ: "لأولَيْنَا وأُخْرَيْنَا" على الجَمْعِ قال ابنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: يَأكُلُ منهما آخرُ النَّاس كما يَأكُل أوَّلهُم. قوله: "وآيةً": عطف على "عيداً"، و"منك". فصل رُوِي أنَّ عيسى - عليه السلام - اغتسلَ ولبس المسْحَ، وصلَّى ركْعَتَيْن، فَطَأطَأ رَأسَهُ، وغضَّ بصرَهُ وبَكَى وقال: "اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا" أي: عائِدَة من الله علينا حُجَّةً وبُرْهَاناً، والعيدُ يومُ السُّرورِ، سُمِّي به لِلْعَوْدِ من التَّرَحِ إلى الفَرَح، وهو اسم لما اعتدته يَعُودُ إليك، وقد تَقدَّم. وقال السدي: مَعْنَاهُ يُتَّخَذُ اليومُ الذي أنْزِلَتْ فيه عِيداً لأوَّلنا لأهلِ زماننا، وآخرنا لمن يجيء بَعْدَنا. وقال ابنُ عباسٍ: يأكلُ منها آخِرُ النَّاسِ كما أكَلَ أوَّلُهُم. قوله: "وآيةً مِنْكَ" دِلاَلَةً وحُجَّةً. قيل: نَزَلَتْ يوم الأحد، فاتَّخَذَهُ النَّصَارى عِيداً. وقوله "وارْزُقْنَا" أي: طعاماً نَأكُلُه {وأنْتَ خَيرُ الرَّازِقِين}.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} لما رأى عليه السلام أن لهم غَرَضاً صحيحاً في ذلك، وأنهم لا يُقلعون عنه، أزمعَ على استدعائها واستنزالها، وأراد أن يُلزِمَهم الحجةَ بكمالها. رُويحديث : أنه عليه الصلاة والسلام اغتسل ولبس المِسْح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصرَه ثم قال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ}تفسير : ، ناداه سبحانه وتعالى مرتين، مرةً بوصف الألوهية الجامعةِ لجميع الكمالات، ومرةً بوصف الربوبـية المُنْبئةِ عن التربـية، وإظهاراً لغاية التضرّع، ومبالغةً في الاستدعاء {أُنزِلَ عَلَيْنَا} تقديمُ الظرف على قوله: {مَائِدَةً} لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، وقوله: {مّنَ ٱلسَّمَاء} متعلق بأنزل أو بمحذوفٍ هو صفةٌ لمائدة، أي كائنةً من السماء نازلةً منها. وقوله: {تَكُونُ لَنَا عِيداً} في محل النصب على أنه صفةٌ لمائدة، واسم تكون ضمير المائدة، وخبرُها إما عيداً و(لنا) حال منه، أو من ضمير (تكون) عند من يجوِّز إعمالَها في الحال، وإما (لنا)، وعيداً حال من الضمير في لنا، لأنه وقع خبراً فيحمِلُ ضميراً، أو من ضمير (تكون) عند من يرى ذلك، أي يكون يومُ نزولها عيداً نعظمه، وإنما أُسند ذلك إلى المائدة لأن شرَفَ اليوم مستعار من شرفها، وقيل: العيدُ السرورُ العائد، ولذلك سمِّيَ يومُ العيد عيداً، وقرىء (تكن) بالجزم على جواب الأمر كما في قوله: {أية : فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي} تفسير : [مريم، الآية 46] خلا أن قراءةَ الجزم هناك متواترة وهٰهنا من الشواذ {لأَِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا} بدل من (لنا) بإعادة العامل، أي عيداً لمتقدمينا ومتأخرينا. رُوي أنها نزلت يوم الأحد، ولذلك اتخذه النصارى عيداً، وقيل: للرؤساء منا والأتباع، وقيل: يأكل منها أولُنا وآخرُنا، وقرىء (لأُولانا وأُخْرانا) بمعنى الأمة والطائفة {وَءايَةٌ} عطف على عيداً {مِنكَ} متعلق بمحذوف وهو صفة لآية، أي كائنةً منك دالةً على كمال قدرتك وصحةِ نبوتي {وَٱرْزُقْنَا} أي المائدة أو الشكر عليها {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تذيـيلٌ جارٍ مَجْرى التعليل، أي خيرُ من يرزق لأنه خالقُ الأرزاق ومعطيها بلا عِوَض، وفي إقباله عليه السلام على الدعاء ـ بتكرير النداء المُنْبىءِ عن كمال الضراعة والابتهال وزيادتِه ما لم يخطُرْ ببال السائلين من الأمور الداعية إلى الإجابة والقَبول ـ دلالةٌ واضحةٌ على أنهم كانوا مؤمنين، وأن سؤالهم كان لتحصيل الطمأنينة، كما في قول إبراهيم عليه السلام. {قَالَ ٱللَّهُ} استئناف كما سبق {إِنّي مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ} ورودُ الإجابة منه تعالى بصيغة التفعيل المُنْبئة عن التكثير مع كون الدعاء منه عليه السلام بصيغة الإفعال لإظهار كمالِ اللطف والإحسان، كما في قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ } تفسير : [الأنعام، الآية 64] الخ، بعد قوله تعالى: {أية : لَّئِنْ أَنجَـٰنَا مِنْ هَـٰذِهِ } تفسير : [الأنعام، الآية 63] الخ، مع ما فيه من مراعاة ما وقعَ في عبارة السائلين، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعلِ خبرِها اسماً، تحقيقٌ للوعد وإيذان بأنه تعالى منجزٌ له لا محالة من غير صارفٍ يَثنيه ولا مانعٍ يَلويه، وإشعارٌ بالاستمرار أي إني منزلُ المائدة عليكم مراتٍ كثيرة، وقرىء بالتخفيف، وقيل: الإنزالُ والتنزيلُ بمعنى واحد {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ} أي بعد تنزيلها {مّنكُمْ} متعلق بمحذوفٍ وقع حالاً من فاعل (يكفرْ) {فَإِنّى أُعَذّبُهُ} بسبب كفره بعد معاينة هذه الآيةِ الباهرة {عَذَاباً} اسم مصدرٍ بمعنى التعذيب، وقيل: مصدر بحذف الزوائد، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين، وجَوَّز أن يكون الفعل مفعولاً به على الاتساع، وقوله تعالى: {لاَّ أُعَذّبُهُ} في محل النصب على أنه صفة لعذاباً، والضمير له أي (أعذبه) تعذيباً لا أعذب مثل ذلك التعذيب {أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي من عالَمِي زمانِهم أو من العالمين جميعاً، قيل: لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضُهم، فاستعفَوْا وقالوا: لا نريدها فلم تنزِلْ، وبه قال مجاهدٌ والحسن رحمهما الله: والصحيحُ الذي عليه جماهيرُ الأمة ومشاهيرُ الأئمة أنها قد نزلت. روي (أنه عليه السلام لما دعا بما دعا وأُجيب بما أجيب، إذا بسفْرةٍ حمراءَ نزلت بـين غمامتين، غمامةٌ من فوقها وغمامةٌ من تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بـين أيديهم، فبكىٰ عيسى عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمةً للعالمين، ولا تجعلها مُثْلةً وعقوبة، ثم قام وتوضأ وصلى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خيرِ الرازقين، فإذا سَمَكةٌ مشوية بلا فلوس ولا شَوْك تسيل دسَماً، وعند رأسها مِلْحٌ وعند ذنبها خَلٌّ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكُرَّاثَ، وإذا خمسةُ أرغفةٍ على واحد منها زيتونٌ، وعلى الثاني عَسَلٌ، وعلى الثالث سَمْنٌ، وعلى الرابع جُبْنٌ، وعلى الخامس قدَيدٌ، فقال شمعونُ رأسُ الحواريـين: يا روحَ الله أمن طعام الدنيا أو من طعام الآخرة؟ قال: ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بالقُدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يُمدِدْكم الله ويزِدْكم من فضله، فقالوا: يا روحَ الله لو أَرَيتَنا من هذه الآية آيةً أخرى؟ فقال: يا سمكةُ احْيَـيْ بإذنِ الله، فاضطربت، ثم قال لها: عُودي كما كنت، فعادَتْ مشويةً ثم طارت المائدة، ثم عَصَوا فمُسخوا قردةً وخنازيرَ). وقيل: كانت تأتيهم أربعين يوماً غِباً، يجتمع عليها الفقراء والأغنياء، والصغار والكبار، يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظللها. ولم يأكل منها فقير إلا غَنِيَ مدةَ عُمُرِه، ولا مريضٌ إلا برِىءَ ولم يمرَضْ أبداً، ثم أوحىٰ الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: أنِ اجعلْ مائدتي في الفقراء والمرضَى دون الأغنياء والأصحاء، فاضطرب الناسُ لذلك فمُسِخَ منهم من مُسِخَ، فأصبحوا خنازيرَ يسعَوْن في الطرقات والكُناسات، ويأكلون العَذِرة في الحُشوش، فلما رأى الناس ذلك فزِعوا إلى عيسى عليه السلام وبكَوُا الممسوخين، فلما أبصرت الخنازيرُ عيسى عليه السلام بكتْ وجعلت تطيف به، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحداً بعد واحد، فيبكُون ويُشيرون برؤوسهم، ولا يقدِرون على الكلام، فعاشوا ثلاثةَ أيام ثم هلَكوا. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً ثم سَلوا الله ما شئتم يُعطِكم، فصاموا فلما فرَغوا قالوا: إنا لو عمِلنا لأحدٍ فقضَيْنا عملَه لأطعَمَنا، وسألوا الله تعالى المائدة، فأقبلت الملائكةُ بمائدة يحمِلونها عليها سبعةُ أرغفةٍ وسبعةُ أحواتٍ، حتى وضعتْها بـين أيديهم، فأكل منها آخِرُ الناس كما أكل منها أولُهم. قال كعب: نزلت منكوسةً تطير بها الملائكةُ بـين السماء والأرض، عليها كلُّ الطعام إلا اللحمَ. وقال قتادة: كان عليها ثمرٌ من ثمار الجنة. وقال عطيةُ العوفي: نزلت من السماء سمكةٌ فيها طعمُ كل شيء. وقال الكلبـي ومقاتل: نزلت سمكةٌ وخمسةُ أرغفةٍ فأكلوا ما شاء الله تعالى والناس ألفٌ ونيِّفٌ، فلما رجعوا إلى قُراهم ونشروا الحديث ضحِك من لم يشهَدْ وقالوا: ويحكم إنما سحَر أعينَكم، فمن أراد الله به الخيرَ ثبّته على بصيرة، ومن أراد فتنته رجَع إلى كفره، فمُسخوا خنازيرَ، فمكثوا كذلك ثلاثةَ أيام ثم هلكوا لم يتوالدوا، ولم يأكُلوا ولم يشربوا، وكذلك كلُّ ممسوخ.
القشيري
تفسير : شَتَّان بين أمة طلب لهم نبيُّهم سكوناً بإنزال المائدة عليهم، وبين أمة بدأهم - سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد، قال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ}تفسير : [الفتح: 4]. وقال في صفتهم: {أية : وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً}تفسير : [الأنفال: 2]. وفَرْقٌ بين مَنْ زيادةُ إيمانه بآياته التي تتلى عليهم وبين من يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تُبَاحُ لهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال عيسى ابن مريم} لما رأى عليه السلام ان لهم غرضا صحيحا فى ذلك وانهم لا يقلعون عنه ازمع على استدعائها واستنزالها واراد ان يلزمهم الحجة بكمالها {اللهم} اى يا الله والميم عوض عن حرف النداء وهى كلمة عظيمة من قالها فقد ذكر الله تعالى بجميع اسمائه وفى الميم سبعون اسما من اسمائه تعالى قد اندرجت فيها {ربنا} ناداه سبحانه مرتين اظهارا لغاية التضرع ومبالغة فى الاستدعاء {انزل علينا مائدة من السماء} متعلق بأنزل {تكون لنا عيدا} صفة لمائدة واسم تكون ضمير المائدة وخبرها عيدا ولنا حال منه اى يكون يوم نزولها عيدا فعظمه وانما اسند ذلك الى المائدة لان شرف اليوم مستفاد من شرفها وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمى يوم العيد عيدا {لاولنا وآخرنا} بدل من لنا باعادة العامل اى عيدا لمتقدمينا ومتأخرينا ـ روى ـ انها نزلت يوم الاحد ولذلك اتخذه النصارى عيدا {وآية} كائنة {منك} دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتى {وارزقنا} اى المائدة والشكر عليها {وانت خير الرازقين} تذييل جار مجرى التعليل اى خير من يرزق لانه خالق الارزاق ومعطيها بلا عوض. قال فى التأويلات النجمية {ربنا أنزل علينا مائدة من السماء} اى مائدة الاسرار والحقائق التى تنزلها من سماء العناية عليها اطعمة الهداية {تكون لنا} يعنى لاهل الحق وارباب الصدق {عيدا} نفرح بها {لاولنا وآخرنا} اى لاول انفاسنا وآخرها فان ارباب الحقيقة يراقبون الانفاس اولها وآخرها لتصعد مع الله وتهوى مع الله ففى صعود النفس مع الله يكون عيدا لهم وفى هويه مع الله عيدا لهم: كما قال بالفارسية [صوفيان دردمى دوعيد كنند].
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن عيسى (ع) أنه سأل ربه أن ينزل عليه مائدة من السماء تكون عيداً لهم لأولهم وآخرهم على ما يقترحه قومه. ورفع (تكون) لانه صفة للمائدة كما قال {أية : فهب لي من لدنك ولياً يرثني}تفسير : في قراءة من رفعه لأنه جعله صفة. وفيه محذوف، لأن تقديره عيداً لنا ولأولنا وآخرنا لتصح الفائدة في تكرير اللام في أولنا وآخرنا، وقيل في معناه قولان: أحدهما - نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً نعظمه نحن ومن يأتي بعدنا - في قول السدي وقتادة وابن جريج - وهو قول أبي علي. الثاني - يكون ذلك عائدة فضل من الله ونعمة منه تعالى. والاول هو وجه الكلام. وقيل: إِنها نزلت يوم الاحد. وقوله {وآية منك} فالآية هي الدلالة العظيمة الشأن في إِزعاج قلوب العباد إلى الاقرار بمدلولها، والاعتراف بالحق الذي يشهد به ظاهرها، فهي دلالة على توحيدك وصحة نبوة نبيك. وقيل في طعام المائدة ثلاثة أقوال: أولها - قال ابن عباس وأبو عبد الرحمن: هو خبز وسمك، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) قال عطية كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام. الثاني - قال عمار بن ياسر: كانا ثمراً من ثمار الجنة. الثالث - قال زادان وابو ميسرة: كان عليها من كل طعام إِلا اللحم. وقوله: {وارزقنا} قيل في معناه - ها هنا ـ قولان: أحدهما - واجعل ذلك رزقاً لنا. الثاني - وارزقنا الشكر عليها - ذكرهما الجبائي - وانما يكون الشكر رزقا منه لنا لأنه لطف فيه ووفق له وإِعانة عليه كما يكون المال رزقا لنا اذا ملكنا إِياه لا بخلقه له. وفي الآية دلالة على أن العباد يرزق بعضهم بعضا بدلالة قوله {وأنت خير الرازقين} لانه لو لم يصح ذلك لم يجز {خير الرازقين} كما أنه لما لم يجز أن يكونوا آلهة لم يصح أن يقول أنت خير الآلهة، وصح {أية : أرحم الراحمين}تفسير : و {أية : أحكم الحاكمين}تفسير : و {أية : أسرع الحاسبين}تفسير : و {أية : أحسن الخالقين}.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ} تكرار النّداء حين الدّعاء وظيفة الدّعاة {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً} اى يكون يوم نزولها يوم عيدٍ، او تكون لنا سروراً لانّ السّرور يعود وقتاً بعد وقتٍ {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} بدل تفصيلىّ يعنى للحاضرين ولمن لم يأت الى يوم القيامة او لجميعنا {وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} من وسائط الرّزق من افراد الانسان ومن الاسباب العلويّة والارضيّة ومن القوى النّباتيّة الّتى هى اقرب الوسائط للرّزق الصورىّ ومن افراد الانسان من الاعداء والاحباب الّذين كانوا اسباب كمالٍ للعباد بالقهر واللّطف ومن معلّمى الحرف والصّناعات ومن مكمّلى النّفوس بالتّعليم الحقيقى الرّوحانىّ ومن المدارك الظّاهرة والباطنة الحيوانيّة والانسانيّة للرّزق الحقيقىّ الرّوحانى.
اطفيش
تفسير : {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ}: حين رأى غرضهم صحيحاً فى طلب المائدة، وما شرطوا على أنفسهم، أو رأى لجاجهم فى طلبها حتى انه ان لم يفعل شكوا فى رسالته، أو جزموا بعدها، فأراد الزام الحجة عليهم. {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ}: أى يكون نزولها. {لَنَا عِيداً}: نعظمه. {لأوَّلِنَا وَآخِرنَا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقنَا}: أى المائدة أو الشكر عليها. {وَأنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}: وجملة {تَكُونُ لَنَا عِيداً} نعت المائدة، وقرأ عبد الله بن مسعود تكون بالجزم فى جواب الدعاء، وقوله: {لأوَّلِنَا} بدل كل من قوله: {لَنَا} باعتبار ما عطف على أولنا، وهو آخرنا، وقرأ زيد بن ثابت: لأولانا وأخرانا بضم الهمزة فيهما واسكان الواو والخاء، والتأنيث بالألف، أى للجماعة أو الأمة أولانا وأخرانا، وذلك العيد اتفق أنه يوم الأحد، أجاب الله دعاءه فنزلت يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيداً. وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيد، أى يوم فرح يعود، ومعنى كونها عيداً لهم لأولهم وآخرهم أن يكون نزولها عيداً يعظمونه ويصلون فيه، متقدموهم ومتأخروهم، والمراد أولنا وآخرنا معشر بنى اسرائيل، وقال الحسن: معشر المسلمين. وقال ابن عباس: معناه يأكل منها آخر الناس، كما يأكل منها أولهم لا يتغير آخره، ففى هذا التفسير لا يلزم دوام طعامها، ولا تكرير نزولها، وفى الأقوال قبله يلزم أحدهما، ومنك نعت آية أى آية ثابتة منك، أو نازلة منك دالة على كمال قدرتك، وصحة نبوتى، ومعنى كون الله خير الرازقين أنه خير من يعطى لأنه يعطى بلا من ولا عوض، ويوسع العطاء، وأنه خالق الرزق، والله رازق، والمخلوق رازق ورزق الله أفضل بمعنى أنه الذى يعطى ما لا يعطى المخلوق، وما يعطى المخلوق هو اعطاء من الله على يده. روى أن عيسى عليه السلام قال لهم ذات يوم: هل لكم فى صيام ثلاثين يوما لله سبحانه، ثم ان سألتموه حاجة قضاها؟ فلما صاموها قالوا: يا معلم الخير ان حق من عمل عملا أن يطعم، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، أرادوا أن تكون المائدة عيد ذلك الصوم، وقيل: سألوا المائدة كما ذكر الله جل وعلا عنهم، فأمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً، وقال لهم: انكم اذا صمتم ذلك وأفطرتم فلا تسألوا الله شيئاً الا أعطاكم، فصاموا فقالوا له: أنجز لنا بما وعدتنا من المائدة بعد صومنا.
اطفيش
تفسير : {قَالَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ} أَظهر بعد الإِضمار زيادة في تفخيم شأنه عليه السلام في إِجابته إِلى مرغوب فيه {اللَّهُمَّ رَبَّنَا} بدل أَو منادى بمحذوف لا نعت، اللهم لا ينعت ولا يعطف عليه بحرف ولا ببيان؛ لأَن الله لا يخفى عنه، وقيل يجوز نعته والعطف عليه نحو اللهم وخالق كل شئ {أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}لم يقل المائدة مع عهدها تعظيماً ولأَن المعهود من كلامهم مطلق المائدة وإلى فى دعائه مقيدة بأَنها تكون عيداً كما قال {تَكُونُ لَنَا عيداً} يكون يوم نزولها عيداً نعظمه كل عام على استمرار، فنزلت يوم الأَحد فاتخذوه عيداً وتركوا الجمعة المأمورين هم بها، أَو المخيرين فيها وفى غيرها، فحذف مضافان، أَو سماها عيداً لأَنها سبب كون اليوم عيداً، أَو عيداً سروراً، أَى نتخذ يوم نزولها يوم سرور وعبادة، وما يعود ويتكرر يسمى عيدا، ويوم العيد يعود كل سنة، أَو يعود بالفرح ويقال لكل حالة تعاود الإِنسان أَو غيره عيد، والياء عن واو، وتكون لنا طعاماً يعود إِلينا مرة بعد أُخرى، وإِسناد العيدية إِليها على هذا حقيقة {لأَوَّلِنَا وآخِرنَا} بدل من لنا أَى لمتقدمينا ومتأَخرينا بدل مطابق لأَن المتقدمين والمتأَخرين هم معنى نا من قولهم لنا، والمراد لنا، ولمن بعدنا، فإِما أَن يريدوا يوم نزولها وهو مستمر أَويريدوا دوامها أَو تجدد نزولها {وَآيةً مِنْكَ} يا رب تدل على كمال قدرتك وصحة نبوءَتى {وَارْزقْنَا} المائدة وكل ما نحتاج إِليه والشكر على الرزق {وَأَنْتَ خَيْر الرَّازِقِينَ} لأَنك خالق الرزق جواد معط بلا عوض، لما رأَى غرضهم صحيحاً فى ذلك ورآهم لا يكفون عنه، وخاف كفرهم إِن لم يفعل قام مستقبلا وصف قدميه حتى أَلصق كعباً بكعب ووضع يمناه على يسراه فوق صدره وبكى حتى ابتلت لحيته، ووصل الدمع الأَرض وطأَطأَ رأَسه وغض وقال: اللهم ربنا أَنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأَولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأَنت خير الرازقين.
الالوسي
تفسير : {قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} لما رأى أن لهم غرضاً صحيحاً في ذلك، وأخرج الترمذي في «نوادر الأصول» وغيره عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام لما رأى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام فألقى عنه الصوف ولبس الشعر الأسود ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله تعالى فلما قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع بالأصابع ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره وغض بصره وطأطأ رأسه خشوعاً ثم أرسل عينيه بالبكاء فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه فلما رأى ذلك دعا الله تعالى فقال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَا} ناداه سبحانه وتعالى مرتين على ما قيل مرة بوصف الألوهية الجامعة لجميع الكمالات وأخرى بوصف الربوبية المنبئة عن التربية إظهاراً لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء وإنما لم يجعل نداء واحداً بأن يعرب {رَبَّنَا } بدلاً أو صفة لأنهم قالوا: إن لفظ اللهم لا يتبع وفيه خلاف لبعض النحاة. وحذف حرف النداء في الأول وعوض عنه الميم وكذا في الثاني إلا أن التعويض من خواص الاسم الجليل أي يا الله يا ربنا. {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً } أي خواناً عليه طعام أو سفرة كذلك، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. وقوله سبحانه وتعالى: {مّنَ ٱلسَّمَاء } / متعلق إما بانزل أو بمحذوف وقع صفة لمائدة أي كائنة من السماء، والمراد بها إما المحل المعهود وهو المتبادر من اللفظ وإما جهة العلو، ويؤيد الأول ما أخرجه ابن حميد وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر أن المائدة التي نزلت كان عليها من ثمر الجنة وكذا روي عن وهب بن منبه. ويؤيد الثاني ما روي عن سلمان الفارسي من خبر طويل أن المائدة لما نزلت قال شمعون رأس الحواريين لعيسى عليه الصلاة والسلام يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بسبب هذه الآية فقال شمعون: لا وإله اسرائيل ما أردت بها سوءاً يا ابن الصديقة فقال عيسى عليه الصلاة والسلام. ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا إنما هو شيء ابتدعه الله تعالى في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة فقال له كن فكان في أسرع من طرفة عين فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم فإنه بديع قادر شاكر. وقوله تعالى: {تَكُونُ لَنَا عِيداً } صفة «مائدة» و «لنا» خبر كان و «عيداً» حال من الضمير في الظرف أو في {تَكُونُ } على رأي من يجوز إعمالها في الحال، وجوز أن يكون «عيداً» الخبر و «لنا» حينئذ إما حال من الضمير في «تكون» أو حال من {عِيداً } لأنه صفة له قدمت عليه، والعيد العائد مشتق من العود ويطلق على الزمان المعهود لعوده في كل عام بالفرح والسرور، وعليه فلا بد من تقدير مضاف، والمعنى يكون نزولها لنا عيداً، ويطلق على نفس السرور العائد وحينئذ لا يحتاج إلى التقدير، وفي الكلام لطافة لا تخفى، وذكر غير واحد أن العيد يقال لكل ما عاد عليك في وقت، ومنه قول الأعشى: شعر : فوا كبدي من لاعج الحب والهوى إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها تفسير : وهو واوي كما ينبىء عنه الاشتقاق ولكنهم قالوا في جمعه: أعياد وكان القياس أعواد لأن الجموع ترد الأشياء إلى أصولها كراهة الاشتباه ـ كما قال ابن هشام ـ بجمع عود، ونظر ذلك الحريري بقولهم: هو أليط بقلبي منك أي ألصق حباً به فإن أصله الواو لكن قالوا ذلك ليفرق بينه وبين قولهم. هو ألوط من فلان، ولا يخفى أن هذا مخالف لما ذكره محققو أهل اللغة، وعن الكسائي يقال: لاط الشيء بقلبي يلوط ويليط وهو ألوط وأليط، ثم إنهم إنما لم يعكسوا الأمر في جمع عود وعيد فيقولوا في جمع الأول أعياد وفي جمع الثاني أعواد مع حصول التفرقة أيضاً اعتباراً على ما قيل للأخف في الأكثر استعمالاً مع رعاية ظاهر المفرد، وقرأ عبد الله «تكن» بالجزم على جواب الأمر. {لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} أي لأهل زماننا ومن يجيء بعدنا. روي أنه نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن المعنى يأكل منها أول الناس وآخرهم، والجار والمجرور عند بعض بدل من الجار والمجرور أعني «لنا»، وقال أبو البقاء إذا جعل «لنا» خبراً أو حالاً فهو صفة لعيداً وإن جعل صفة له كان هو بدلاً من الضمير والمجرور بإعادة الجار، وظاهره أن المبدل منه الضمير لكن أعيد الجار لأن البدل في قوة تكرار العامل، وهو تحكم لأن الظاهر كما أشير إبدال المجموع من المجموع، ثم إن ضمير الغائب يبدل منه وأما ضمير الحاضر فأجازه بعضهم مطلقاً وأجازه آخرون كذلك، وفصل قوم فقالوا إن أفاد توكيداً واحاطة وشمولاً جاز وإلا امتنع. واستظهر بعضهم على قول الحبر أن يكون «لنا» خبراً أي قوتاً أو نافعة لنا. وقرأ زيد وابن محيصن / والجحدري «لأولانا وأخرانا» بتأنيث الأول والآخر باعتبار الأمة والطائفة، وكون المراد بالأولى والأخرى الدار الأولى أي الدنيا والدار الأخرى أي الآخرة مما لا يكاد يصح. {وَءايَةٌ } عطف على «عيداً»، وقوله سبحانه وتعالى: {مِنكَ } متعلق بمحذوف وقع صفة له أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي {وَٱرْزُقْنَا } أي الشكر عليها على ما حكي عن الجبائي أو المائدة على ما نقل عن غير واحد والمراد بها حينئذ ـ كما قيل ـ ما على الخوان من الطعام أو الأعم من ذلك وهذه ولعله الأولى {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } تذييل جار مجرى التعليل أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا ملاحظة عوض.
ابن عاشور
تفسير : إن كان قوله: {أية : إذ قال الحواريّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن ينزّل علينا مائدة من السماء}تفسير : [المائدة: 112] من تمام الكلام الذي يلقيه الله على عيسى يوم يجمع الله الرسل كانت هذه الجملة وهي {قال عيسى ابن مريم اللهمّ ربّنا أنزل علينا مائدة} الخ... معترضة بين جملة {أية : وإذ أوحيت إلى الحواريّين}تفسير : [المائدة: 111] وجملة {أية : وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس}تفسير : [المائدة: 116] الآية. وإن كان قوله: {أية : إذ قال الحواريّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن ينزّل}تفسير : [المائدة: 112] الآية ابتداء كلام بتقدير فعل اذكر كانت جملة: {قال عيسى ابن مريم اللهم ربّنا} الآية مجاوبة لقول الحواريّين {أية : يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك}تفسير : [المائدة: 112] الآية على طريقة حكاية المحاورات. وقوله: {اللهمّ ربّنا أنزل علينا مائدة} اشتمل على نداءين، إذ كان قوله: {ربّنا} بتقدير حرففِ النداء. كرّر النداء مبالغة في الضراعة. وليس قوله: {ربّنا} بدلاً ولا بياناً من اسم الجلالة، لأنّ نداء {اللهمّ} لا يتبع عند جمهور النحاة لأنّه جار مجرى أسماء الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير حتى صار كأسماء الأفعال. ومن النحاة من أجاز إتْباعه، وأيّاً ما كان فإنّ اعتباره نداء ثانياً أبلغ هنا لا سيما وقد شاع نداء الله تعالى {ربّنا} مع حذف حرف النداء كما في الآيات الخواتم من سورة آل عمران. وجمع عيسى بين النداء باسم الذات الجامع لصفات الجلال وبين النداء بوصف الربوبية له وللحواريّين استعطافاً لله ليجيب دعاءهم. ومعنى {تكون لنا عيداً} أي يكون تذكّر نزولها بأن يجعلوا اليوم الموافق يوم نزولها من كلّ سنة عيداً، فإسناد الكون عيداً للمائدة إسناد مجازي، وإنّما العيد اليوم الموافق ليوم نزولها، ولذلك قال: {لأوّلنا وآخرنا}، أي لأوّل أمّة النصرانية وآخرها، وهم الذين ختمت بهم النصرانية عند البعثة المحمدية. والعيد اسم ليوم يعود كلّ سنة، ذكرى لنعمة أو حادثة وقعت فيه للشكر أو للاعتبار. وقد ورد ذكره في كلام العرب. وأشهر ما كانت الأعياد في العرب عند النصارى منهم، قال العجاج:شعر : كمَا يعُودُ العيدَ نصرانيّ تفسير : مثل يوم السباسب في قول النابغة:شعر : يُحَيَّوْنَ بالرّيْحَان يوْمَ السَّبَاسب تفسير : وهو عيد الشعانين عند النصارى. وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر عيداً في قوله لأبي بكر لمَّا نهى الجواريَ اللاّء كنّ يغَنِّين عند عائشة «إنّ لكلّ قوم عيداً وهذا عيدنا» وسمّى يوم النحر عيداً في قوله: «شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجّة». والعيد مشتقّ من العَوْد، وهو اسم على زنة فعل، فجعلت واوه ياء لوقوعها إثر كسرة لازمة. وجمعوه على أعياد بالياء على خلاف القياس، لأنّ قياس الجمع أنّه يردّ الأشياء إلى أصولها، فقياس، جمعه أعواد لكنَّهم جمعوه على أعياد، وصغّروه على عُييد، تفرقة بينه وبين جمع عُودٍ وتصغيره. وقوله: {لأوّلنا} بدل من الضمير في قوله {لنا} بدلَ بعض من كلّ، وعطف {وآخرنا} عليه يصيّر الجميع في قوة البدل المطابق. وقد أظهر لام الجرّ في البدل، وشأن البدل أن لا يظهر فيه العامل الذي عمل في المبدل منه لأنّ كون البدل تابعاً للمبدل منه في الإعراب مناف لذكر العامل الذي عمل في المتبوع، ولهذا قال النحاة: إنّ البدل على نية تكرار العامل، أي العامل منوي غير مصرّح به. وقد ذكر الزمخشري في «المفصّل» أنّ عامل البدل قد يصرّح به، وجعل ذلك دليلاً على أنّه منوي في الغالب ولم يقيّد ذلك بنوع من العوامل، ومثّله بقوله تعالى: {أية : لجعلنا لمنْ يكفر بالرحمٰن لبيُوتهم سُقفاً من فضّة}تفسير : [الزخرف: 33]، وبقوله في سورة الأعراف (75) {أية : قال الملأ الذين استكبروا.. للذين استضعفوا لمَنْ آمن منهم}تفسير : وقال في الكشاف في هذه الآية {لأوّلنا وآخرنا} بدل من {لَنَا} بتكرير العامل. وجوّز البدل أيضاً في آية الزخرف ثم قال: ويجوز أن يكون اللاّمان بمنزلة اللاّمين في قولك: وهبت له ثوباً لقميصه. يريد أن تكون اللام الأولى متعلّقة بــ {تكون} والثانية متعلّقة بــ {عيدا}. وقد استقريْتُ ما بلغت إليه من موارد استعماله فتحصّل عندي أنّ العامل الأصيل من فعل وشبهه لا يتكرّر مع البدل، وأمّا العامل التكميلي لعامل غيره وذلك حرف الجرّ خاصّة فهو الذي ورد تكريره في آيات من القرآن من قوله تعالى: {أية : قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم} تفسير : في سورة الأعراف (75)، وآية سورة الزخرف، وقوله: {أية : ومن النخل من طلعها قنوان دانية}تفسير : [الأنعام: 99]. ذلك لأنّ حرف الجرّ مكمّل لعمل الفعل الذي يتعلّق هو به لأنّه يعدّي الفعل القاصر إلى مفعوله في المعنى الذي لا يتعدّى إليه بمعنى مصدره، فحرف الجرّ ليس بعامل قوي ولكنّه مكمّل للعامل المتعلّق هو به. ثمّ إنّ علينا أن نتطلّب الداعي إلى إظهار حرف الجرّ في البدل في مواقع ظهوره. وقد جعل ابن يعيش في «شرح المفصّل» ذلك للتأكيد قال: «لأن الحرف قد يتكرّر لقصد التأكيد». وهذا غير مقنع لنا لأنّ التأكيد أيضاً لا بدّ من داع يدعو إليه. فما أظهر فيه حرف الجرّ من هذه الآيات كان مقتضي إظهاره إمّا قصد تصوير الحالة كما في أكثر الآيات، وأمّا دفع اللبس، وذلك في خصوص آية الأعراف لئلاّ يتوهّم السامع أنّ من يتوهّم أنّ «من آمن» من المقول وأنّ «من» استفهام فيظنّ أنّهم يسألون عن تعيين من آمن من القوم، ومعنى التأكيد حاصل على كلّ حال لأنّه ملازم لإعادة الكلمة. وأمّا ما ليس بعامل فهو الاستفهام وقد التزم ظهور همزة الاستفهام في البدل من اسم استفهام، نحو: أين تنزل أفي الدار أم في الحائط، ومنْ ذا أسعيد أم عَلِي. وهذا العيد الذي ذكر في هذه الآية غير معروف عند النصارى ولكنّهم ذكروا أنّ عيسى ـــ عليه السلام ـــ أكل مع الحواريّين على مائدة ليلة عيد الفِصح، وهي الليلة التي يعتقدون أنّه صلب من صباحها. فلعلّ معنى كونها عيداً أنّها صيّرت يوم الفصح عيداً في المسيحية كما كان عيداً في اليهودية، فيكون ذلك قد صار عيداً باختلاف الاعتبار وإن كان اليوم واحداً لأنّ المسيحيين وفّقوا لأعياد اليهود مناسبات أخرى لائقة بالمسيحية إعفاء على آثار اليهودية. وجملة {قال الله إنّي منزّلها} جواب دعاء عيسى، فلذلك فصلت على طريقة المحاورة. وأكّد الخبر بــ {إنّ} تحقيقاً للوعد. والمعنى إنّي منزّلها عليكم الآن، فهو استجابة وليس بوعد. وقوله: {فَمنْ يكفرْ} تفريع عن إجابة رغبتهم، وتحذير لهم من الوقوع في الكفر بعد الإيمان إعلاماً بأهمّية الإيمان عند الله تعالى، فجعل جزاء إجابته إيّاهم أن لا يعودوا إلى الكفر فإن عادوا عُذّبوا عذاباً أشدّ من عذاب سائر الكفَّار لأنّهم تعاضد لديهم دليل العقل والحسّ فلم يبق لهم عُذر. والضمير المنصوب في قوله {لا أعذّبه} ضمير المصدر، فهو في موضع المفعول المطلق وليس مفعولاً به، أي لا أعذّب أحداً من العالمين ذلك العذاب، أي مثل ذلك العذاب. وقد وقفت قصّة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطُوي خبر ماذا حدث بعد نزولها لأنّه لا أثر له في المراد من القصّة، وهو العبرة بحال إيمان الحواريَّين وتعلّقهم بما يزيدهم يقيناً، وبقربهم إلى ربّهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من يأتي بعدهم، وعلى ضراعة المسيح الدالّة على عبوديته، وعلى كرامته عند ربّه إذْ أجاب دعوته، وعلى سعة القدرة. وأمّا تفصيل ما حوته المائدة وما دار بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه. وقد أكثر فيه المفسَّرون بأخبار واهية الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده إلى عمّار بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً»تفسير : الحديث. قال الترمذي: هذا الحديث رواه غير واحد عن عمّار بن ياسر موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً. واختلف المفسّرون في أنّ المائدة هل نزلت من السماء أو لم تنزل. فعن مجاهد والحسن أنّهم لمّا سمعوا قوله تعالى: {فَمَن يكفر بعد منكم} الآية خافوا فاستعفوا من طلب نزولها فلم تنزل. وقال الجمهور: نزلت. وهو الظاهر لأنّ قوله تعالى: {إنّي منزّلها عليكم} وعد لا يخلف، وليس مشروطاً بشرط ولكنه معقّب بتحذير من الكفر، وذلك حاصل أثره عند الحواريّين وليسوا ممّن يخشى العود إلى الكفر سواء نزلت المائدة أم لم تنزل. وأمّا النصارى فلا يعرفون خبر نزول المائدة من السماء، وكم من خبر أهملوه في الأناجيل.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَآئِدَةً} {آخِرِنَا} {وَآيَةً} {ٱلرَّازِقِينَ} (114) - وَلَمَّا عَلِمَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ صِدْقَ نِيَّتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ تَعْجِيزَهُ، وَلا اقْتراحَ الآيَاتِ عَلَيْهِ، دَعَا اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الدُّعَاءِ الكَرِيمِ: فَقَالَ: يَا أللهُ، يَا مَالِكَ أَمْرِنَا وَمُتَوَلِّي تَرْبِيَتِنَا، أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ يَرَاهَا هَؤُلاَءِ المُقْتَرِحُونَ بِأَبْصَارِهِمْ، وَتَتَغَذَّى بَهَا أبْدَانُهُمْ، وَتَكُونُ عِيداً خَاصّاً بنَا، مَعْشَرَ المُؤْمِنينَ، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَنا، وَاجْعَلْهَا عَلاَمَةً مِنْ لَدُنْكَ تُرْشِدْ بِهَا القَوْمَ إلى صِحَّةِ دَعْوَتي، وَصِدْقِ نُبُوَّتِي، وَارْزُقْنَا رِزْقاً هَنِيئاً بِلاَ كُلْفَةٍ، وَلاَ تَعَبٍ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ رَزَقَ. عِيداً - فَرَحاً وَسُرُوراً أَوَ يَوْماً نُعَظِّمُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} إنما يعني أن هناك لله موائد منصوبة في الأرض. والكون كلمة مائدة فيها من الخير الكثير إن استطاع الإنسان أن يكد ويكدح. والإنسان منا عندما يكد ويكدح ويستخرج من الأرض الزرع ويرعى الحيوانات فإنه يأتي إلى زوجه بمخزون قد يكفيهم كأسرة لمدة عام من دقيق وأرز وعسل وسكر وزيت، فتأخذ الزوجة طيراً فتذبحه وتطهو معه الخبز والخضراوات. إذن فالكون كله مائدة الله المنصوبة والتي يأخذ منها كل إنسان على قدر عمله. وكلمة "مائدة" لا تطلق إلا على الخوان وعليه طعام. أما إن كانت بغير طعام فنطلق عليها "خواناً"؛ لأن "المائدة" مأخوذة من مادة "الميم والألف والدال" والمائدة تميد أي تضطرب من كثرة ما عليها من أشياء. أو هي تعطي مما عليها من أشياء. فالمائد هو المُعْطَي. وقول عيسى عليه السلام يمتلئ بكل المعاني القيمة، فهو يطلب أن تكون المائدة مناسبة لعيد يفرح به الأولون والآخرون وآية من الحق سبحانه وتعالى، ويطلب من فضل ربوبية الرازق أن يرزقهم، ويعترف بامتنان أن الحق هو خير الرازقين. والمقارنة بين قول الحواريين وقول عيسى تدلنا على الفارق بين إيمان المبلغ عن الله، وإيمان الذين تلقوا البلاغ عن عيسى. إيمان عيسى هو الإيمان القوي الناضج. أما إيمان الحواريين فهو إيمان ناقص، لقد كانت قوة إيمان عيسى نابعة من أنه يتلقى عن الله مباشرة، أما الحواريون فليسوا كذلك، على الرغم من أنهم آمنوا بالبلاغ عن الله وتم ذلك بواسطة رسول، ولذلك يعلو الرسول على المؤمنين ببلاغة في سلم الإيمان درجة أعلى. إنه يتلقى عن الله، ولهذا صحح عيسى عليه السلام طلبهم من الله وهو يدعو ربه. إنه رسول مُصطفى مُجتَبَى؛ لذلك يضع الأمور في نصابها اللائق فيقول: "اللهم ربنا" و "اللهم" هي في الأصل "يا الله"، وعندما كثر النداء بها حذفنا منها حرف النداء وعوضناه بالميم في آخرها، فصارت: "اللهم". وكأن هذا اللفظ: "اللهم" تتهيأ به نفس الإنسان لمناجاة الله في تقديس وثقة في أنه سبحانه يستجيب، وهو نداء يقوم على عشق العبد لمولاه، فلا يوسط بينه وبين اسم ربه أي حرف من حروف النداء. إننا نلحظ أن عيسى عليه السلام قدم كلامه لله بصفة الألوهية: "اللهم" فهو كنبي مرسل يعلم تجليات صفة الله. وهي تجليات عبادة من معبود إلى عابد. أما تجليات كلمة "رب" فهي تجليات تربية من رب إلى مربوب، والفارق بين عطاء الألوهية للخلق، وعطاء الربوبية، هو أن عطاء الألوهية تكليف من معبود إلى عابد. والعابد يطيع المعبود فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، أما عطاء الربوبية فهو سبحانه المتولي للتربية للأجسام والعقول والمواهب والقلوب، والرب هو رب للمؤمن وللكافر. ويتولى الرب تربية الكافر على الرغم من إنكار الكافر للألوهية. فسبحانه يربي الماديات التي تقيم حياته. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول عن هؤلاء الكافرين: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [لقمان: 25]. والحق سبحانه يبلغ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل الكفار عمن خلق السموات والأرض، ولن يجدوا إجابة على ذلك إلا قولهم: إن الله هو الخالق. وهي إجابة الفطرة الأولى. ونرى في حياتنا أكثر من مثل على ذلك - ولله المثل الأعلى - عندما يسأل الأطفال عن شيء من الذي أحضره؟ فإننا نجد الإجابات تتسلسل إلى أن تصل إلى أن معطي كل شيء هو الله، فإن سأل الطفل أمه: ماذا سنأكل؟ وتجيب الأم - على سبيل المثال - سنأكل بامية مثلاً. ويسأل الطفل: من أين؟ تجيب الأم: اشتراها والدك من بائع الخضر. ويسأل الطفل: ومن أين جاء بها بائع الخضر؟ تقول: الأم. من تاجر في السوق. يسأل الطفل: ومن أين جاء بها التاجر؟ تجيب الأم: من الفلاح الذي حرث الأرض وبذر فيها بذور البامية. يقول الطفل: من الذي خلق الأرض وأنبت النبات؟ تقول الأم: إنه الله ربنا خالق كل شيء. لقد وصلت الأم بحوارها مع الطفل إلى عطاء الربوبية الذي يستوفي فيه المؤمن والكافر، والمؤمن هو الذي يأخذ بجانب عطاء الربوبية عطاء الألوهية أيضاً، وهو التكليف. فعطاء الألوهية يعطي المؤمن عطاء الربوبية مضافاً إليه العطاء الذي لا ينفذ، إنه يعطي المؤمن زمانا لا يموت فيه ونعمة لا يتركها ولا تتركه، ويأخذ المؤمن بالمنهج يقين الإشراق والإقبال على العمل في ضوء منهج الله. لقد قال عيسى ابن مريم داعيا الله: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} وألزم عيسى نفسه بنداء الألوهية أولاً معترفاً بالعبودية لله ملتزماً بالتكليف القادم منه ثم جاء بنداء الربوبية. فيا من أنزلت علينا التكليف ويا من تتولى تربيتنا نحن ندعوك أن تنزل علينا مائدة من السماء. وأخذ نداءه زاوية القيم ثم زاوية المادية وهي الرزق، لكن الحواريين قدموا بشريتهم فطلبوا من المائدة الأكل والطعام فقالوا: (نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين)، أما عيسى ابن مريم بصفائية اختياره رسولاً فقد أخر الطعام عن القيم فقال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}. صحيح أن الرزق يمس الأكل، ولكن الرزق ليس كله أكلاً. فالرزق هو كل شيء تحتاج إليه وتنتفع به، فالأكل رزق، والشرب رزق، والملبس رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، وكل شيء تنتفع به هو رزق من عند الله، ولذلك جاء عيسى بالكلمة العامة التي يدخل فيها الأكل وتتسع لغيره. ويجيب الحق على دعاء عيسى ابن مريم: {قَالَ ٱللَّهُ...}
همام الصنعاني
تفسير : 764- عبد الرزاق، عن المنذر بن النعمان، أنه سمع وهْبَ بن منبه يقولُ في قوله تعالى: {أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً}: [الآية: 114]، قال أنَزَلَ عليهم أقرصة من شعير وأحوات، قال أبو بكر، فحدثت به عبد الصمد بن معقل، قال: سمعْتُ وهْباً يقول، وقيل له: ومَا كانَ ذلِك يُغْنِي عنْهُمْ؟ قال: لا شيء ولكن اللهَ حشا بين أضْعافِهنَّ البركة، فكان قَوْمٌ يأكُلُون، ثم يخرجون، ويجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون، حتى أكَلوا جميعهم وأفضلوا منها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):