Verse. 784 (AR)

٥ - ٱلْمَائِدَة

5 - Al-Ma'ida (AR)

قَالَ اللہُ اِنِّىْ مُنَزِّلُہَا عَلَيْكُمْ۝۰ۚ فَمَنْ يَّكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَاِنِّىْۗ اُعَذِّبُہٗ عَذَابًا لَّاۗ اُعَذِّبُہٗۗ اَحَدًا مِّنَ الْعٰلَمِيْنَ۝۱۱۵ۧ
Qala Allahu innee munazziluha AAalaykum faman yakfur baAAdu minkum fainnee oAAaththibuhu AAathaban la oAAaththibuhu ahadan mina alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال الله» مستجيب له «إني منزِّلها» بالتخفيف والتشديد «عليكم فمن يكفر بعد» أي بعد نزولها «منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين» فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات فأكلوا منها حتى شبعوا قاله ابن عباس وفي حديث أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا لغد فخافوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير.

115

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم ونافع {مُنَزّلُهَا } بالتشديد، والباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل وأنزل وقيل: بالتشديد أي منزلها مرة بعد أخرى، وبالتخفيف مرة واحدة. المسألة الثانية:قوله {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ } أي بعد إنزال المائدة {فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال ابن عباس: يعني مسخهم خنازير وقيل: قردة وقيل: جنساً من العذاب لا يعذب به غيرهم. قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذلك العذاب معجلاً لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون مؤخراً إلى الآخرة، وقوله {مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } يعني عالمي زمانهم. المسألة الثالثة: قيل: إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند نزولهم في مفازة على غير ماء ولا طعام ولذلك قالا نريد أن نأكل منها. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان قد أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله أعلم. المسألة الخامسة: اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة. فقال الحسن ومجاهد: ما نزلت واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن القوم لما سمعوا قوله {أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أعذبه أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } استغفروا وقالوا لا نريدها. الثاني: أنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة. وقال الجمهور الأعظم من المفسرين: أنها نزلت لأنه تعالى قال {إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } وهذا وعد بالإنزال جزماً من غير تعليق على شرط، فوجب حصول هذا النزول. والجواب عن الأول: أن قوله {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ } شرط وجزاء لا تعلق له بقوله {إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } والجواب عن الثاني: أن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم. المسألة السادسة: روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها. فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل. وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسماً. وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله: أمن طعام الدنيا أمن طعام الآخرة؟ فقال: ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزيدكم من فضله، فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها، فمُسِخوا قردةً وخنازير.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير. قال ابن عمر: إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون، قال الله تعالى: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}. واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور ـ وهو الحق ـ نزولها، لقوله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}. وقال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب مَثَل ضَرَبه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقيل: وعدهم بالإجابة فلما قال لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} ـ الآية ـ استعفوا منها، واستغفروا الله وقالوا: لا نريد هذا، قاله الحسن. وهذا القول والذي قبله خطأ، والصواب أنها نزلت. قال ابن عباس: إن عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل: «صُوموا ثلاثين يوماً ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم» فصاموا ثلاثين يوماً وقالوا: يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا لأطعمنا، وإنا صُمْنا وجعنا فادع الله أن ينزّل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات، فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم. وذكر أبو عبدالله محمد بن عليّ الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول» له: حدّثنا عمر بن أبي عمر قال حدّثنا عمّار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظليّ عن عليّ بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهديّ عن سلمان الفارسيّ قال: لما سألت الحواريون عيسى ابن مريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ المائدة قام فوضع ثياب الصوف، ولبس ثياب المسوح ـ وهو سربال من مسوح أسود ولِحَاف أسود ـ فقام فألزق القدم بالقدم، وألصق العقب بالعقب، والإبهام بالإبهام، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم طأطأ رأسه، خاشعاً لله، ثم أرسل عينيه يبكي حتى جرى الدمع على لحيته، وجعل يقطر على صدره ثم قال: {ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} الآية، فنزلت سفرة حمراء مدوّرة بين غمامتين، غمامة من فوقها وغَمامة من تحتها، والناس ينظرون إليها، فقال عيسى: «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطي» فهبطت بين يدي عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطّى، فخرَّ عيسى ساجداً والحواريون معه، وهم يجدون لها رائحة طيبة لم يكونوا يجدون مثلها قبل ذلك، فقال عيسى: «أيكم أعبد لله وأجرأُ على الله وأوثق بالله فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها» فقال الحواريون: يا روح الله أنت أحقُّ بذلك، فقام عيسى ـ صلوات الله عليه - فتوضأ وضوءاً حسناً، وصلّى صلاة جديدة، ودعا دعاء كثيراً، ثم جلس إلى السفرة، فكشف عنها، فإذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك تسيل سيلان الدّسم، وقد نُضّد حولها من كل البقول ما عدا الكراث، وعند رأسها ملح وخَلّ، وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمس رمّانات، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر زيتون. قال الثعلبيّ: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قَديد. فبلغ ذلك اليهود فجاءوا غماً وكمدا ينظرون إليه فرأوا عجباً، فقال شمعون ـ وهو رأس الحواريون ـ يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى صلوات الله عليه: «أما افترقتم بعد عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذّبوا». فقال شمعون: وإله بني إسرائيل ما أردت بذلك سوءاً. فقالوا: يا روح الله لو كان مع هذه الآية آية أخرى، قال عيسى عليه السلام: «يا سمكة احْيَيْ بإذن الله» فاضطربت السمكة طريّة تبص عيناها، ففزع الحواريون فقال عيسى: «مالي أراكم تسألون عن الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا» وقال: «لقد نزلت من السماء وما عليها طعام من الدنيا ولا من طعام الجنة ولكنه شيء ابتدعه الله بالقدرة البالغة فقال لها كوني فكانت» فقال عيسى: «يا سمكة عودي كما كنت» فعادت مشوية كما كانت، فقال الحواريون: يا روح الله كن أوّل من يأكل منها، فقال عيسى: «معاذ الله إنما يأكل منها من طلبها وسألها» فأبت الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مَثُلَة وفتنة، فلما رأى عيسى ذلك دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى والزمني والمجذَّمين والمقعدين والعميان وأهل الماء الأصفر، وقال: «كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله عليه» وقال: «يكون المهنأ لكم والعذاب على غيركم» فأكلوا حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلثمائة يتجشئون فبرىء كل سقيم أكل منه، واستغنى كل فقير أكل منه حتى الممات، فلما رأى ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا فقير إلا جاءوا يأكلون منه، فضغط بعضهم بعضاً فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا بينهم، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، كناقة ثمود ترعى يوماً وتشرب يوماً، فنزلت أربعين يوماً تنزل ضُحاً فلا تزال هكذا حتى يفيء الفيء موضعه. وقال الثعلبيّ: فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صُعُداً فيأكل منها الناس، ثم ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلّها حتى تتوارى عنهم، فلما تمّ أربعون يوماً أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام «يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء» فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء وشكّوا وشكّكوا الناس، فقال الله يا عيسى: «إني آخذ بشرطي»، فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيراً يأكلون العَذِرة يطلبونها بالأكباء، والأكباء ـ هي الكُناسة واحدها كبا ـ بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيّب وينامون على الفرش اللينة، فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون، وجاءت الخنازير فجثوا على ركبهم قدّام عيسى، فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم عيسى فجعل يقول: «ألست بفلان»؟ فيومىء برأسه ولا يستطيع الكلام، فلبثوا كذلك سبعة أيام ـ ومنهم من يقول: أربعة أيام ـ ثم دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم، فأصبحوا لا يدري أين ذهبوا؟ الأرض ابتلعتهم أو ما صنعوا؟! قلت: في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده. وعن ٱبن عباس وأبي عبد الرحمن السُّلَمي كان طعام المائدة خبزاً وسمكاً. وقال ابن عطية: كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام؛ وذكره الثعلبي. وقال عمّار بن ياسر وقَتَادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار الجنة. وقال وهب بن مُنَبِّه: أنزل الله تعالى أقرصة من شعير وحيتاناً. وخرّج التِّرمذي في أبواب التفسير عن عمّار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنزلت المائدةُ من السماء خبزاً ولحماً وأُمِروا ألا يَخونوا ولا يَدّخِروا لغدٍ فخانوا وادّخروا ورفعوا لغدٍ فَمُسِخوا قِرَدة وخنازير » تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عَرُوَبة عن قَتَادة عن خِلاَسٍ عن عمّار بن ياسِرٍ موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث الحسن بن قَزَعة؛ حدّثنا حُمَيد بن مَسْعدة قال حدّثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً. وقال سعيد بن جُبَير: أُنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم وقال عطاء: نزل عليها كلّ شيء إلا السمك واللحم وقال كعب: نزلت المائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم. قلت: هذه الثلاثة أقوال مخالفة لحديث التِّرمذي وهو أولى منها؛ لأنه إن لم يصح مرفوعاً فصح موقوفاً عن صحابي كبير. والله أعلم. والمقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه. وذكر أبو نعيم عن كعب أنها نزلت ثانية لبعض عُبَاد بني إسرائيل، قال كعب: ٱجتمع ثلاثة نفر من عباد بني إسرائيل فاجتمعوا في أرض فَلاَةٍ مع كل رجل منهم ٱسم من أسماء الله تعالى؛ فقال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بما شئتم؛ قالوا: نسألك أن تدعو الله أن يظهر لنا عيناً ساحّة بهذا المكان؛ ورياضاً خُضراً وعَبْقرياً، قال: فدعا الله فإذا عين ساحّة ورياض خُضر وعَبْقري. ثم قال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بمَا شئتم؛ فقالوا: نسألك أن تدعو الله أن يطعمنا شيئاً من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم بَسْرة فأكلوا منها لا تقلب إلا أكلوا منها لوناً ثم رفعت؛ ثم قال أحدهم: سَلُوني فأدعوَ الله لكم بمَا شئتم؛ فقالوا: نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا المائدة التي أنزلها على عيسى؛ قال: فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت؛ وذكر تمام الخبر. مسألة ـ جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت سُفْرة لا مائدة ذات قوائم، والسُّفْرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم وموائد العرب؛ خرّج أبو عبدالله التِّرمذي الحكيم: حدّثنا محمد بن بَشَّار، قال حدّثنا مُعاذ بن هِشام، قال حدّثني أبي، عن يونس، عن قَتَادة، عن أنَس قال: حديث : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خُوان قَطُّ ولا في سُكُرُّجَة ولا خُبِز له مُرَقّقٌ. قال قلت لأنس: فعلامَ كانوا يأكلون؟ قال: على السُّفَرْتفسير : ؛ قال محمد بن بشار: يونس هذا هو أبو الفرات الإسْكَاف. قلت: هذا حديث صحيح ثابت اتفق على رجاله؛ البخاري ومسلم، وخرجه التِّرمذي قال: حدّثنا محمد بن بشّار قال حدّثنا معاذ بن هِشام فذكره وقال فيه: حسن غريب. قال التِّرمذي أبو عبدالله: الخُوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم، وما كانت العرب لتمتهنها، وكانوا يأكلون على السُّفَر واحدها سُفْرة وهي التي تتخذ من الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج، فبالإنفراج سُميت سُفْرة؛ لأنها إذا حُلّت معاليقها ٱنفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السُّفْرة وإنما سمي السَّفَر سَفَرا لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت. وقوله: ولا في سُكُرُّجة؛ لأنها أوعية الأَصْباغ، وإنما الأصباغ للألوان ولم تكن من سِماتهم الألوان، وإنما كان طعامهم الثَّريد عليه مقطّعات اللحم. وكان يقول: « حديث : ٱنْهسُوا الّلحم نَهْساً فإنه أَشْهى وأَمْرأْ ». تفسير : فإن قيل: فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث؛ من ذلك حديث ابن عباس قال: لو كان الضَّب حراماً ما أُكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم؛ خرّجه مسلم وغيره. وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : تُصلّي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة » تفسير : خرجه الثّقات؛ وقيل: إن المائدة كل شيء يُمدُّ ويُبسَط مثل المِنْديل والثّوب، وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعَّفة، فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل: مائدة؛ والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة؛ ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل كما قالوا: سِرُّ كاتم وهو مكتوم، وعيشة راضية وهي مرضية، وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل على مخرج مفعول فقالوا: رجل مشئوم، وإنما هو شائم، وحجاب مستور وإنما هو ساتر، فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه، والمائدة ما مُدّ وبُسط، والسُّفْرة ما أسفر عما في جوفه، وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها. وعن الحسن قال: الأكل على الخُوان فعل الملوك، وعلى المْنديل فعل العجم، وعلى السُّفْرة فعل العرب وهو السنة والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ } مستجيباً له {إِنِّى مُنَزِّلُهَا } بالتخفيف والتشديد {عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ } أي بعد نزولها {مِنكُمْ فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ } فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات فأكلوا منها حتى شبعوا قاله ابن عباس. وفي حديث [حديث : أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً فأُمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا لغد، فخانوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير]

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} لما شرط عليهم العذاب إن كفروا بها استعفوا منها فلم تنزل، قاله الحسن ـ أو نزلت تحقيقاً للوعد، وكان عليها ثمار الجنة، أو خبز ولحم، أو سبعة أرغفة، وسبع جفان، أو سمكة فيها طعم كل طعام، أو كل طعام إلاّ اللحم، أُمروا أن يأكلوا ولا يخونوا ولا يدخروا فخانوا وادخروا فرُفعت، قال مجاهد: ضُربت مثلاً للناس لئلا يقترحوا الآيات على الأنبياء. {عَذَاباً} بالمسخ، أو عذاباً لا يعذب به غيرهم، لأنهم رأوا من الآيات ما لم يره غيرهم، وذلك العذاب في الدنيا، أو في الآخرة. {الْعَالَمِينَ} عالمي زمانهم، أو جميع الخلق، فيعذبون بجنس لا يعذب به غيرهم.

ابن عادل

تفسير : قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ وعاصمٌ: "مُنَزِّلُهَا": بالتشديد، فقيل: إنَّ أنْزَلَ ونَزَّلَ بمعنًى، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وقيل: التشديدُ للتكثير، فإنها نزلت مرَّاتٍ متعددة. قوله: "بَعْدُ": متعلِّق بـ "يَكْفُرْ"، وبُنِي؛ لقَطْعِه عن الإضافة؛ إذ الأصل: بَعْدَ الإنْزَالِ، و"مِنْكُمْ" متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حال من فاعل "يَكْفُرْ"، وقوله: "عَذَاباً" فيه وجهان: أظهرهما: أنه اسمُ مصدرٍ بمعنى التعذيب، أو مصدرٌ على حذفِ الزوائد؛ نحو: "عَطَاء ونَبَات" لـ "أعْطَى" و"أنْبَتَ"، وانتصابُه على المصدريَّة بالتقديرين المذكورين. والثاني - أجازه أبو البقاء -: أن يكون مفعولاً به على السَّعَة، يعني: جَعَلَ الحَدَثَ مفعولاً به على السَّعة؛ مبالغةً، وحينئذٍ يكون نصبه على التشبيه بالمفعول به، والمنصوبُ على التشبيه بالمفعول به عند النحاة ثلاثةُ أنواعٍ: معمولُ الصفةِ المشبهة، والمصدرُ، والظرفُ المتَّسَعُ فيهما: أمَّا المصدرُ، فكما تقدَّم، وأمَّا الظرفُ، فنحو: "يَوْمَ الجُمُعَةِ صُمْتُهُ"، ومنه قوله في ذلك: [الطويل] شعر : 2099- وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وعَامِراً قَلِيلٌ سِوَى الطَّعْنِ النِّهَالِ نَوَافِلُهْ تفسير : قال الزمخشريُّ: "ولو أُريدَ بالعذاب ما يُعَذَّبُ به، لكان لا بُدَّ من البَاءِ" قال شهاب الدين: إنما قال ذلك؛ لأنَّ إطلاقَ العذاب على ما يُعَذَّبُ به كثيرٌ، فخاف أن يُتوهَّمَ ذلك، وليس لقائلٍ أن يقول: كان الأصلُ: بِعَذَابٍ، ثم حذفَ الحرف؛ فانتصب المجرورُ به؛ لأنَّ ذلكَ لم يَطَّرِدْ إلاَّ مع "أنْ" و"أنَّ" بشرطِ أمْنِ اللَّبْسِ. قوله: "لاَ أعَذِّبُهُ" الهاءُ فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها عائدة على "عَذَاب" الذي تقدَّم أنه بمعنى التعْذِيب، والتقدير: فإنِّي أعَذِّبُهُ تَعْذِيباً لا أعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذيبِ أحَداً، والجملة في محلِّ نَصْبٍ صفةً لـ "عَذَاباً"، وهذا وجه سالمٌ من تَكَلُّفٍ ستَرَاهُ في غيره، ولمَّا ذكر أبو البقاء هذا لوجه - أعني عودَها على "عَذَاباً" المتقدِّم - قال: "وفيه على هذا وجهان: أحدهما: على حَذْفِ حرف الجر، أي: لا أعَذِّبُ به أحداً، والثاني: أنه مفعولٌ به على السَّعة". قال شهاب الدين: أمَّا قوله "حُذِفَ الحَرْف"، فقد عرفْتَ أنه لا يجوز إلا فيما استثني. الثاني - من أوجه الهاء -: أنها تعودُ على "من" المتقدِّمة في قوله: "فَمَنْ يَكْفُرْ"، والمعنى: لا أعَذِّبُ مِثْلَ عَذَاب الكَافِرِ أحَداً، ولا بُدَّ من تقدير هذين المضافَيْنِ؛ لِيَصِحَّ المعنى، قال أبو البقاء في هذا الوجهِ: "وفي الكلامِ حَذْفٌ أي: لا أعذِّبُ الكَافِرَ، أي: مثل الكافرِ، أي: مثل عذابِ الكَافر". الثالث: أنها ضميرُ المصدرِ المؤكِّد؛ نحو: "ظَنَنْتُهُ زَيْداً قَائِماً"، ولمَّا ذكر أبو البقاء هذا الوجه، اعترضَ على نفسه، فقال: "فإنْ قلْتَ: "لا أعَذِّبهُ" صفةٌ لـ "عَذَاب"، وعلى هذا التقدير لا يعودُ من الصفة على الموصُوف شَيْءٌ، قيل: إنَّ الثانِيَ لما كان واقعاً موقعَ المصدر والمصدرُ جنْسٌ، و"عَذَاباً" نكرةٌ، كان الأوَّل داخِلاً في الثاني، والثاني مشتملٌ على الأوَّل، وهو مثل: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ". انتهى، فجعل الرابطَ العمومَ، وهذا الذي ذكرهُ من أنَّ الربْطَ بالعمومِ، إنما ذكره النحويُّون في الجملةِ الواقعةِ خبراً لمبتدأ، ولذلك نظَّره أبو البقاء بـ "زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ"، وهذا لا ينبغي أن يُقاسَ عليه؛ لأن الربطَ يحصُلُ في الخبر بأشياءَ لا تجوز في الجملة الواقعةِ صفةً، وهذا منها، ثم هذا الاعتراضُ الذي ذكره واردٌ عليه في الوجه الثاني؛ فإنَّ الجملة صفةٌ لـ "عَذَاباً"، وليس فيها ضميرٌ، فإن قيل: ليست هناك بصفة، قيل: يَفْسُدُ المعنى بتقدير الاستئناف، وعلى تقدير صحَّته، فلتكنْ هنا أيضاً مستأنفةً، و"أحَداً" منصوبٌ على المفعُول الصريحِ، و"مِنَ العَالمِينَ" صفةٌ لـ "أحداً" فيتعلَّق بمحْذُوف. فصل في معنى الآية معنى الآية الكريمة {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} أي: بَعْد إنْزَال المَائِدَة، {فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} أي: جنس عذابٍ لا أعَذِّبُهُ أحَداً من العالمين - يعني: على زمانه - فَجَحَد القَوْمُ وكَفَرُوا بعد نُزُولِ المَائِدَة. قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنهما -: مُسِخُوا خَنَازِير، وقيل: قِرَدَةً، وقيل: جِنْساً من العَذَابِ، لا يُعذَّبُ به غَيْرُهُم. قال الزَّجَّاج: ويجُوزُ أن يكون ذَلِكَ العذابُ مُعَجَّلاً في الدُّنْيا، ويجُوزُ أن يكُون مُؤخَّراً في الآخِرَةِ. قال عَبْدُ الله بن عمرو - رضي الله عنهما -: "أنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ القِيَامَةِ المُنَافِقُونَ، ومن كَفَر مِنْ أصْحَابِ المائدةِ وآلُ فِرْعَوْن". واخْتَلَف العُلَماءُ - رضي الله تعالى عنهم - هَلْ نَزَلَتْ أمْ لا؟. فقال مُجَاهِد، والحَسَن: لم تَنْزِلْ، فإنَّ الله تعالى لَمَّا أوْعَدَ على كُفْرِهم بَعْد نُزُولِ المائدة خافُوا أن يَكْفُر بَعْضُهُم، فاستعفوا وقالوا: لا نُرِيدُهَا؛ فلم تَنْزِلْ. وقوله: {إني مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} - يعني: إن سَألْتُم، والصَّحِيحُ الذي عَلَيْه الأكْثَرُون: أنَّها نَزَلَتْ لقوله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} ولا خُلْفَ في خبره، ولِتَوَاتُرِ الأخْبَار فيه عن رسُول الله صلى الله عليه وسلم أنَّها نَزَلَت. وقيل لهم: إنَّها مُقِيمَةٌ لكم ما لم تَخُونُوا وتخبؤوا؛ فما مضَى يومها حتَّى خَانُوا وخَبُّئوا، فَمسخُوا قِرَدَةً وخَنَازير. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنَّ عيسى - عليه السلام - قال لهم: صُومُوا ثلاثينَ يَوْماً، ثم سَلُوا اللَّه ما شِئْتُم يُعْطِيكُمْ، فَصَامُوا، فلمَّا فَرغُوا قالوا: يا عيسى: إنَّا لو عَمِلْنَا لأحدٍ قَضَيْنَا عَمَلَهُ لأطْعَمَنَا، وسَألُوا اللَّهَ المَائِدَة، فأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ - عليهم الصَّلاة والسَّلام - بمائدةٍ يحمِلُونَهَا، عَلَيْهَا سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَة أخْوَان، حتَّى وضعتْهَا بين أيْدِيهِمْ، فأكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كما أكَلَ أوَّلُهُم. قال كَعْبُ الأحْبار: نزلت مَنْكُوسَةً تطيرُ بها المَلائِكَةُ بين السماء والأرض، عليها كُلُّ الطَّعَامِ إلاَّ اللَّحْم. وقال سَعِيدُ بن جُبَيْر - رضي الله عنهما -، عن ابنِ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: أنْزَلَ على المَائِدَة كُلَّ شيءٍ إلاَّ الخُبْزَ واللَّحْمَ. قال قَتَادَةُ: كان عليها ثَمَرٌ من ثِمَار الجَنَّةِ. وقال عَطِيَّة العوفي: نَزَلَتْ من السَّمَاء سَمَكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ شَيْء. وقال الكَلْبِيُّ: كان عَلَيْهَا خُبْزُ رُزٍّ، وبَقْلٌ. وقال وَهْبُ بن مُنَبِّه: أنْزَلَ اللَّهُ - تبارك وتعالى - قُرْصَةً من شَعِيرٍ وحِيتَاناً، فكان قَومٌ يأكُلُون ثم يَخْرجُون، ثُمَّ يَجِيءُ آخَرُون فَيَأكُلُون، حتَّى أكَل أجْمَعُهُم. وقال الكَلْبِيُّ ومُقَاتِل: أنْزَلَ اللَّهُ سَمَكاً وخَمْسة أرْغِفَةٍ، فأكَلُوا ما شاء اللَّهُ، والنَّاسُ ألْفٌ ونَيفٌ، فلمَّا رَجَعُوا إلى قُرَاهُم، ونَشَرُوا الحَديث، ضحكَ مِنْهُم مَنْ لم يَشْهَد؛ وقالُوا: ويْحَكُم، إنَّما سَحَر أعْيُنَكُم، فمن أرَادَ اللَّهُ به تعالى الخَيْرَ ثَبَّتَهُ على بَصِيرتِهِ، ومن أرادَ فِتْنَتَهُ رجَعَ إلى كُفْرِه، فَمُسِخُوا خَنِازِيرَ ليْسَ صَبِيٌّ ولا امْرَأةٌ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثم هَلَكُوا، ولم يَتَوالَدُوا، ولم يَأكُلوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، وكذلك كُلُّ مَمْسُوخٍ وقال قتادةُ: كانت تَنْزِلُ عليهم بُكرةً وعَشِيًّا، كالمَنِّ والسَّلْوى لِبَنِي إسْرَائِيل. وروَى عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، عن سَلْمان الفَارِسِيّ: لما سَأل الحَوَارِيُّونَ المائدة، لَبِسَ عيسى - عليه الصلاة والسلام - صُوفاً وبَكَى، وقال: "اللهم أنزل علينا مائدة من السماء"، فنزلت سُفْرَةٌ حَمْراء بين غَمَامَتَيْنِ، غَمَامَة من تَحْتِهَا، وغَمَامَة من فَوْقِهَا وهُمْ يَنْظُرُون إلَيْهَا، وهي تَهْوي خَافِضَة، حتَّى سَقَطَتْ بين أيديهمْ، فَبَكَى عيسى - عليه الصلاة والسلام - وقال: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي من الشَّاكرين، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رحْمَةً ولا تَجْعَلْهَا عُقُوبَةً، واليَهُود يَنْظُرون إلى شَيْء لم يَرَوا مِثْلَهُ قَطّ، ولم يَجِدُوا رِيحاً أطيب من ريحهِ، فقال عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: لِيَقُمْ أحسَنُكُم عَمَلاً، فيكشف عنها، ويذكر اسم اللَّهِ تعالى، فقال شَمْعُون الصَّفَّار رَأسٌ من الحَواريِّين أنْتَ أوْلَى بذلك مِنَّا، فَقَامَ عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - فَتَوَضَأ وصلَّى وبكَى كَثِيراً، ثم كَشَفَ المِنْدِيل، وقال: بِسْم الله خير الرَّازِقين، فإذا سَمَكةٌ مشْويَّةٌ ليس عليها فلوسها ولا شَوْك تَسِيل من دَسِمِهَا، وعند رأسِها ملح وعنْد ذَنَبِها خلٌّ، وحولَهَا من أنْوَاع البُقُول مَا خَلاَ الكُرَّاث، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ على واحدٍ زَيْتُونٌ، وعلى الثَّاني عَسَلٌ، وعلى الثَّالِثَ سَمْن، وعلى الرَّابع جُبْنٌ، وعلى الخَامس: قَدِيدٌ، فقال شَمْعُون: يا رُوحَ اللَّه أمن طعامِ الدُّنْيَا هذا أوْ مِنْ طعامِ الآخِرة؟ قال: لَيْسَ مِنْهُمَا، ولكنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَهُ اللَّهُ بالقُدْرَة العَالِيَة، كلوا ما سَألْتُم واشْكُرُوا اللَّه يُمْدِدكم ويَزِدْكُمْ من فَضْلِهِ. فقال الحَوَارِيُّون: يا رُوحَ الله كُنْ أوَّل من يَأكُلُ منها، فقال: مَعَاذ الله أنْ آكُلَ منها، ولكن يأكُلُ منها من سَألَهَا، فَخَافُوا أن يَأكُلُوا منها، فدَعَا أهْلَ الفَاقَةِ والمَرَضِ وأهْلَ البَرَصِ والجُذَامِ والمُقْعَدِين وقال: كُلُوا من رِزْقِ الله - عزَّ وجلَّ - لكم الهنَاءُ، ولِغَيْرِكُم البَلاَءُ، فأكَلُوا، وصدر عنها ألْفٌ وثلثمائة رَجُلٍ وامْرأةٌ من فَقِيرٍ، وزمن ومريضٍ، ومُبْتَلى كُل مِنْهُم شَبْعَان، وإذا السَّمَكَةُ كَهَيْئَتِهَا حين نزلت، ثُمَّ طارتِ المائدةُ صعداً وهم يَنْظُرُون إلَيْهَا حتَّى تَوَارَتْ، فلم يَأكُلْ منها زمنٌ ولا مَرِيضٌ ولا مُبْتَلى إلاَّ عُوفِي، ولا فَقِير إلاَّ اسْتَغْنَى، ونَدِمَ من لم يأكُلْ فلَبِثَتْ أرْبَعِين صَبَاحاً تَنْزِلُ ضُحًى، فإذا نَزَلَت اجْتَمَع الأغْنِيَاء والفُقَرَاء والصِّغَارُ والكبارُ والرِّجَال والنِّساءُ، ولا تزالُ منْصُوبةً يُؤكَلُ منها حتَّى إذا فاء الفيءُ طارت، وهم يَنْظُرُون في ظِلِّها حتى تَوَارَتْ عَنْهُم، فكانت تَنْزِلُ غِبّاً تَنْزِلُ يوماً ولا تَنْزِلُ يَوْماً كَنَاقَةِ ثَمُود، فأوْحى اللَّهُ - تبارك وتعالى - إلى عيسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: اجعل مَائِدَتِي ورِزْقِي للفُقَرَاءِ دُون الأغْنِيَاء، فعظم ذلِكَ الأغْنِيَاء حتى شَكُّوا وشَككُوا النَّاسَ فيها، وقالُوا: تَرَوْن المائدةَ حقاً تَنْزِلُ من السَّمَاء؟ فأوْحَى الله - تبارك وتعالى - إلى عيسى: إنِّي شَرَطْتُ أنَّ من كَفَرَ بَعْد نُزُولِها، عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لا أعَذِّبُهُ أحَداً من العالمِين، فقال - عليه السلام -: "إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنَّهُمْ عِبَادُكَ، وإن تَغْفِرْ لَهُم فإنَّك أنْتَ العَزيز الحَكِيمُ" فَمَسَخ اللَّهُ منهم ثلاثمائة وثلاثِين رجُلاً من لَيْلَتِهمْ على فُرُشِهِم مع نِسَائِهِم، فأصْبَحُوا خَنَازِير يَسْعَون في الطُّرُقَات والكنَّاسَات، ويأكُلُون العُذْرَة في الحشُوشِ، وعاشُوا ثلاثة أيَّامٍ ثُمَّ هلكوا والعياذ باللَّه.

البقاعي

تفسير : ولما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة للاضطراب وإن كان للإلهاب، أكد الجواب فقال: {إني منزلها عليكم} أي الآن بقدرتي الخاصة بي {فمن يكفر بعد} أي بعد إنزالها {منكم} وهذا السياق معشر بأنه يحصل منهم كفر، وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام، فألقى شبهه عليه، ولهذا خصه بهذا العذاب فقال: {فإني أعذبه} أي على سبيل البتّ والقطع {عذاباً لا أعذبه} أي مثله أبداً فيما يأتي من الزمان {أحداً من العالمين *} وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات، وفي ذكر قصة المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب، وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من المعجزات ومنَّ عليها به من حسن الاتباع، وتحذير من كفران هذه النعم المعددة عليهم، وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها؛ قال أبو حيان: وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازيرتفسير : انتهى. قلت: ثم صحح الترمذي وقفه على عمار وقال: لا نعلم للحديث المرفوع أصلاً، غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قِبَل الرأي، ولا أعلم أحداً ذكر عماراً فيمن أخذ عن أهل الكتاب، فهو مرفوع حكماً، وهذا الخبر يؤكد أن الخبر في الآية على بابه، فيدفع قول من قال: إنها لم تنزل، لأنهم لما سمعوا الشرط قالوا: لا حاجة لنا بها، لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول لديه، وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة؛ روى البيهقي في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقيت رجلاً من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟ قالت: أطلب رجلاً يصحبني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فتعالي فأنا أصحبك، قالت: فانتظرني حتى أملأ سقائي ماءً، قال: معي ماء ما لا تريدين ماءً، فانطلقت معهم فساروا يومهم حتى أمسوا، فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال: يا أم شريك! تعالي إلى العشاء! فقالت: اسقني من الماء فإني عطشى، ولا أستطيع أن آكل حتى أشرب، فقال لها: لا أسقيك حتى تهودي! فقالت: لا جزاك الله خيراً! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء، فقال: لا والله لا أسقيك منه قطرة حتى تهودي، فقالت: لا والله لا أتهود أبداً بعد إذ هداني الله للإسلام؛ فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت، قالت: فما أيقظني إلا برد دلو قد وقع على جبيني، فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ملأته، ثم رفع بين يديّ وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء، فلما أصبحت جاء اليهودي فقال: يا أم شريك! قلت: والله قد سقاني الله، قال: من أين أنزل عليك؟ من السماء؟ قلت: نعم، والله لقد أنزل الله عليّ من السماء ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصت عليه القصة، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها نفسها فقالت: يا رسول الله! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني من شئت، فزوجها زيداً وأمر لها بثلاثين صاعاً وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لجارية لها: بلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولي: أم شريك تقرئك السلام، وقولي: هذه عكة سمن أهديناها لك، فانطلقت بها الجارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوها ففرغوها، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: علقوها ولا توكوها، فعلقوها في مكانها، فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمناً، فقالت: يا فلانة! أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقالت: قد والله انطلقت بها كما قلت، ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر منها شيء ولكنه قال: علقوها ولا توكوها، فعلقتها في مكانها، وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعاً لم ينقص منه شيء، قال: وروي ذلك من وجه آخر، ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي الله عنه. وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى المدينة وليس معها زاد، فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت عطشاً شديداً، قالت: فسمعت هفيفاً شديداً فوق رأسي، فرفعت رأسي فإذا دلو مدلى من السماء برشاء أبيض، فتناولته بيدي حتى استمسكت به، قالت: فشربت منه حتى رويت، قالت: فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة. قال: وفي الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال: "حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عيناً، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم - فذكر الحديث حتى قال: فابتاع خبيباً - يعني ابن عدي الأنصاري - بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيراً، فأخبرني عبيد الله بن عياض أن ابنة الحارث قالت: والله ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يوماً يأكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ثمر، وكانت تقول: إنه لرزق من الله رزق خبيباً" تفسير : الحديث. ومن الأمر الجلي أن عيسى عليه السلام بعد أمر الله تعالى له بذكر هذه النعم يقول في ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها، وهو الثناء على المنعم بها بما يليق بجلاله، فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق بذلك المقام في ذلك الجمع، فمن أنسب الأمور حينئذ سؤاله - وهو المحيط علماً بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر - عما كفر به النصارى، فلذلك قال تعالى عاطفاً على قوله {أية : إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك}تفسير : [المائدة: 110] {وإذ قال الله} أي بما له من صفات الجلال والجمال مشيراً إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء: {يا عيسى بن مريم} وذلك تحقيقاً لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتاً لمن ضل فيه من النصارى وإنكاراً عليهم {أأنت قلت للناس} أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل، وكأنه عبر بذلك لزيادة التوبيخ لهم، لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب، فكأنه لا ناس غيرهم {اتخذوني} أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في الله بأن تأخذوني {وأمي إلهين}. ولما كانت عبادة غير الله - ولو كانت على سبيل الشرك - مبطلة لعبادة الله، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء، ولا يرضى الشرك إلا فقير، قال: {من دون الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، فيكون المعنى: اتخذوا تألهنا سلماً تتوصلون به إلى الله، ويجوز أن يكون المعنى على المغايرة، ولا دخل حينئذ للمشاركة. ولما كان من المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك، صرح به هنا توبيخاً لمن أطراه، وتأكيداً لما عندنا من العلم، وتبجيلاً له صلى الله عليه وسلم بما يبدي من الجواب، وتفضيلاً بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب، بل بذل الجهد في الوفاء بالعهد، وتقريعاً لمن قال ذلك عنه وهو يدعي حبه واتباعه عليه السلام وتخجيلاً لهم، فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان، وكان في ذكره من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه، ذكره سبحانه قائلاً: {قال} مفتتحاً بالتنزيه {سبحانك} أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص، ودل بالمضارع على أن هذا القول لا يزال ممنوعاً منه فقال: {ما يكون لي} أي ما ينبغي ولا يصح أصلاً {أن أقول} أي في وقت من الأوقات {ما ليس لي} وأغرق في النفي كما هو حق المقام فقال: {بحق}. ولما بادر عليه السلام إعظاماً للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل عنه، أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في الجواب عنه: أنت أعلم، وإنما أجاب بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت من ادّعاه له، فقال دالاً على أنه لم يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن المقام للخضوع: {إن كنت قلته} أي مطلقاً للناس أو حدثت به نفسي {فقد علمته} وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة وتفويض الأمر كله إلى رب العزة؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص الإله فقال: {تعلم} ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات، وكان القول يطلق على النفس، فإذا انتفى انتفى اللساني، قالك {ما في نفسي} أي وإن اجتهدت في إخفائه، فإنه خلقك، وما أنا له إلا آلة ووعاء، فكيف به إن كنت أظهرته. ولما أثبت له سبحانه ذلك، نفاه عن نفسه توبيخاً لمن ادعى له الإلهية فقال مشاكلة: {ولا أعلم ما في نفسك} أي ما أخفيته عني من الأشياء؛ ثم علل الأمرين كليهما بقوله: {إنك أنت} أي وحدك لا شريك لك {علام الغيوب *}. ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه، أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى الإلهية منفياً مرتين: إشارة وعبارة، فقال معبراً عن الأمر بالقول مطابقة للسؤال، وفسر بالأمر بياناً لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر من حيث الاعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه بتلك المنزلة، لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها، يعبد الله تعالى بذلك: {ما قلت لهم} أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء {إلا ما أمرتني به} ثم فسره دالاً بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف التفسير بقوله: {أن اعبدوا} أي ما أمرتهم إلا بعبادة {الله} أي الذي لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره؛ ثم أشار إلى أنه كما يستحق العبادة لذاته يستحقها لنعمه فقال: {ربي وربكم} أي أنا وأنتم في عبوديته سواء، وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير، وللإفراد على أنها بمعنى سفول المنزلة، وهو من بدائع الأمثلة. ولما فهم صلى الله عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه، فنزه الله سبحانه وعز شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق، اعتذر عن نفسه بما يؤكد ما مضى نفياً وإثباتاً فقال: {وكنت عليهم} أي خاصة لا على غيرهم. ولما كان سبحانه قد أرسله شاهداً، زاد في الطاعة في ذلك إلى أن بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال معبراً بصيغة المبالغة: {شهيداً} أي بالغ الشهادة، لا أرى فيهم منكراً إلا اجتهدت في إزالته {ما دمت فيهم} وأشار إلى الثناء على الله بقوله: {فلما توفيتني} أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي {كنت أنت} أي وحدك {الرقيب} أي الحفيظ القدير {عليهم} لا يغيب عليك شيء من أحوالهم، وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئاً غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات {وأنت على كل شيء} أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد {شهيد *} أي مطلع غاية الاطلاع، لا يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة، فإن كانوا قالوا ذلك فأنت تعلمه دوني، لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن أحوالهم.

القشيري

تفسير : أجابه إلى سؤاله لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده لِيَعْلَمَ السالكون أَنَّ المراد إذا حصل، وأَنْ الكرامة إذا تحققت - فالخطر أشدُّ والحالُ من الآفة أقربُ، وكلما كانت الرتبة أعلى كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلَّت جلَّت.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال الله انى منزلها عليكم} اجابة الى سؤالكم {فمن يكفر بعد} اى بعد تنزيلها {منكم} حال من فاعل يكفر {فإنى أعذبه} بسبب كفره بعد معاينة هذه الآية الباهرة {عذابا} اسم مصدر بمعنى التعذيب اى تعذيبا {لا اعذبه} صفة لعذابا والضمير له اى اعذبه تعذيبا لا اعذب ذلك التعذيب اى مثل ذلك التعذيب {أحدا من العالمين} اى من عالمى زمانهم او من العالمين جميعا فانهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذب مثل ذلك غيرهم ـ روى ـ ان عيسى عليه السلام اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين فطأطأ رأسه وغض بصره ثم دعا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون حتى سقطت بين ايديهم فبكى عيسى عليه الصلاة والسلام وقال اللهم اجعلنى من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة للعالمين ولا تجعلها مثلة وعقوبة ثم قام وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل الذى عليها وقال بسم الله خير الرازقين فاذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوكة يسيل دسمها وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من انواع البقول ما خلا الكراث واذا خمسة ارغفة على واحد منها زيتون وعلى الثانى عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون رأس الحواريين يا روح الله أمن طعام الدنيا ام من طعام الآخرة قال ليس منهما ولكنه اخترعه الله بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله فقالوا يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية اخرى فقال يا سمكة احيى باذن الله فاضطربت ثم قال لها عودى كما كنت فعادت مشوية فلبث المائدة يوما واحدا فأكل من اكل منها ثم طارت ولم تنزل بعد ذلك اليوم وقيل كانت تأتيهم اربعين يوما غبا اى تنزل يوما ولا تنزل يوما يجتمع عليها الفقراء والاغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى اذا فاء الفيىء طارت وهم ينظرون فى ظلها ولم يأكل منها فقير الا غنى مدة عمره ولا مريض الا برىء ولم يمرض ابدا ثم اوحى الله الى عيسى ان اجعل مائدتى فى الفقراء والمرضى دون الاغنياء الاصحاء فاضطرب الناس بذلك اى تعاظم على الاغنياء والاصحاء حتى شكوا وشككوا الناس فى شأن المائدة ونزولها من السماء حقيقة فمسخ منهم من مسخ فاصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة فى الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى وبكوا على الممسوخين فلما ابصرت الخنازير عيسى بكت وجعلت تطوف به وجعل يدعوهم باسمائهم واحدا بعد واحد فيبكون ويشيرون برؤسهم فلا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة ايام ثم هلكوا ولم يتوالدوا وكذلك كل ممسوخ. والاشارة ان الله تعالى سلخ صورة الانسانية عن حقائق صفات الحيوانية وألبسهم الصور من حقائق صفاتهم فمسخوا خنازير ليعتبر الخلق ويتحقق لهم ان الناس يحشرون على صور صفاتهم يوم تبلى السرائر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه كما قال عليه السلام "حديث : يموت الناس على ما عاشوا فيه ويحشرون على ما ماتوا عليه " .تفسير : يعنى يحشرون على صورة صفاتهم التى ماتوا عليها: وفى المثنوى شعر : هر خيالى كوكند در دل وطن روز محشر صورتى خواهد شدن زانكه حشر حاسدان روز كزند بى كمان بر صورت كركان كنند حشربر حرص وخس ومردارخوار صورت خوكى بود روز شمار زانيانرا كنده اندام نهان خمر خوارانرا همه كنده دهان سيرتى كاندر وجودت غالبست هم بران تصوير حشرت واجبست تفسير : قال القاضى فى تفسيره وعن بعض الصوفية المائدة عبارة عن حقائق المعارف فانها غذاء الروح كما ان الاطعمة غذاء البدن وعلى هذا فلعل الحال انهم رغبوا فى حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها وقال لهم عيسى ان حصلتم الايمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها فلم يقلعوا عن السؤال والجواب فيها فسأل لاجل اقتراحهم فبين الله تعالى ان انزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف وعاقبة فان السالك اذا انكشف له ما هو اعلى من مقامه لعله لا يتحمله ولا يستقر له فيضل به ضلالا بعيدا انتهى كلام القاضى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان قوم عيسى عليه السلام عصوا مرة فرفعت المائدة وانا نعصى فى كل وقت مع ان نعم الله تعالى مترادفة وذلك لان المائدة التى نزلت عليهم من مرتبة الصفة والنعم الفائضة علينا مرتبة الذات وما هو من الذات لا يتغير ولا يتبدل وانما التغير فى الصفة وقد بقى هنا شىء وهو ان الاعياد اربعة لاربعة اقوام. احدها عيد قوم ابراهيم كسر الاصنام حين خرج قومه الى عيد لهم. والعيد الثانى عيد قوم موسى واليه الاشارة بقوله تعالى فى سورة طه {أية : قال موعدكم يوم الزينة}تفسير : [طه: 59]. والعيد الثالث عيد قوم عيسى واليه الاشارة بقوله تعالى {أية : ربنا انزل علينا مائدة} تفسير : [المائدة: 114] الآية. والعيد الرابع عيد امة محمد عليه السلام وهو ثلاثة عيد يتكرر كل اسبوع وعيدان يأتيان فى كل عام مرة من غير تكرر فى السنة فاما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الاسبوع وهو مرتب على اكمال الصلوات المكتوبات لان الله فرض على المؤمنين فى اليوم والليلة خمس صلوات وان الدنيا تدور على سبعة ايام فكلما كمل دور اسبوع من ايام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم شرع لهم فى يوم استكمالهم يوم الجمعة وهو اليوم الذى كمل فيه الخلق وفيه خلق آدم وادخل الجنة واخرج منها وفيه ينتهى امر الدنيا فتزول وتقوم الساعة فيه وفيه الاجتماع على سماع الذكر والموعظه وصلاة الجمعة وجعل ذلك لهم عيدا ولذلك نهى عن افراده بالصوم وفى شهود الجمعة شبه من الحج ويروى انها حج المساكين. وقال سعيد بن المسيب شهود الجمعة احب الى من حجة نافلة والتكبير فيها يقوم مقام الهدى على قدر السبق والشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب الى الجمعة الاخرى اذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر كما ان الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة الى الحجة الاخرى. وقد روى اذا سلمت الجمعة سلمت الايام. واما العيدان اللذان يتكرران فى كل عام انما يأتى كل واحد منهما مرة واحدة فاحدهما عيد الفطر من صوم رمضان وهو مرتب على اكمال الصيام وهو الركن الثالث من اركان الاسلام ومبانيه فاذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم استوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار فان صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وآخره عتق من النار والعيد الثانى عيد النحر وهو اكبر العيدين وافضلهما وهو مترتب على اكمال الحج وهو الركن الرابع من اركان الاسلام ومبانيه فاذا اكمل المسلمون حجتهم غفر لهم وانما يكمل الحج يوم عرفة والوقوف بعرفة ركن الحج الاعظم ـ وروى ـ انس رضى الله عنه انه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال قد ابدلكم الله بهما خيرا منهما الفطر والاضحى واجتمعت الامة على هذا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا بلا نكير منكر فهذه اعياد الدنيا تذكر اعياد الآخرة وقد قيل كل يوم كان للمسلمين عيدا فى الدنيا فهو عيد لهم فى الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه فيوم الجمعة فى الجنة. يدعى يوم المزيد ويوم الفطر والاضحى يجتمع اهل الجمعة فيهما للزيارة هذا لعوام اهل الجنة واما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا والخواص كانت ايام الدنيا كلها لهم اعيادا فصارت ايامهم فى الآخرة كلها اعيادا. واما اخص الخواص فكل نفس عيد لهم.

الطوسي

تفسير : قرأ {منزلها} بالتشديد أهل المدينة وابن عامر، وعاصم. الباقون بالتخفيف. من خفف طابق بينه وبين قوله {أنزل علينا} ومن ثقل، فلأن نزل وأنزل بمعنى قال تعالى {أية : تبارك الذي نزل الفرقان}.تفسير : وقال {أية : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب}تفسير : لما سئل الله عيسى (ع) أن ينزل عليه المائدة تكون عيداً لأولهم وآخرهم، قال تعالى مجيبا له إلى ما التمسه {إني منزلها عليكم} يعني المائدة {فمن يكفر بعد منكم} يعني بعد إِنزالها عليكم {فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين} وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة: مسخوا قردة وخنازير، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام ولم يمسخ أحد خنازير سواهم. الثاني - أنه أراد به من عالمي زمانهم. الثالث - أنه أراد به جنسا من العذاب لا يعذب به أحداً غيرهم. وانما استحقوا هذا النوع من العذاب بعد نزول المائدة لانهم كفروا بعدما رؤا الآية التي هي من أزجر الآيات عن الكفر لم يرها غيرهم بعد سؤالهم لها وتعلق سببهم بها فاقتضت الحكمة اختصاصهم بضرب من العذاب عظيم الموقع. كما اختصت آيتهم بضرب من الزجر في عظيم الموقع. وقال الحسن ومجاهد: ان المائدة لم تنزل عليهم، لانهم استعفوا من نزولها لما سمعوا الوعيد المقرون بها. وقال قوم: هذا غلط من قائله، لانه تعالى وعد بانزالها ولا خلاف لقوله وأكثر أهل العلم على أنها أنزلت: منهم ابن عمر، وعمار بن ياسر وأبو عبد الرحمن السلمي، وقتادة والسدي، وهو ظاهر القرآن. وأيضا فلا يجوز أن يسأل نبي على رؤوس الملا آية لايجاب اليها، لان ذلك ينفر عنه. وقال الحسن: انما كان الوعد من الله بانزال المائدة بشرط أن يكون بتقدير اني منزلها عليكم ان تقبلتم الوعيد فيها {فمن يكفر بعد منكم..} الآية، وهذا الشرط الذي ذكره لا دليل عليه. والمطلق لا يحمل على المقيد الا بقرينة وقال قوم: انها لو نزلت فكفروا لعذبوا وأنزل ذلك في القرآن ولو لم يكفروا لكانت المائدة قائمة للمسلمين الى يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح لانه يجوز أن يكون عنى بالعذاب ما يفعله بالآخرة. ويجوز أن يكون عنى عذاب الدنيا ولم يذكره، لانه ليس بواجب أن يكون كل من اختصه بضرب من العذاب لا بد أن يخبرنا عنه في القرآن، لانه يكون تجويز ذلك على منازل عظيمة في الجملة أهول وأملأ للصدر من ذكره بالتصريح على تفصيل أمره. وأما بقاؤها الى يوم القيامة فلا يلزم لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شريعتهم.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ} مجيباً لهم {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} نزول الآية وكيفيّة المائدة وكيفيّة اكلهم مذكورة فى المفصّلات باختلافٍ فى الرّوايات من اراد فليرجع اليها.

اطفيش

تفسير : {قَالَ اللهُ}: اجابة لدعاء عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. {إِنِى مُنَزِّلُهَا}: باسكان النون وتشديد الزاى عند نافع وابن عامر وعاصم، وقرأ غيرهم بفتح النون وكسر الزاى مشددة. {عَلَيْكُم فَمَن يَكْفُر بَعْدُ}: بعد تنزيلها. {مِنْكُم فَإِنِى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً}: اسم مصدر مفعول مطلق، أى أعذبه تعذيباً أو مفعول به على نزع الخافض، أى بعذاب على أن يراد بالعذاب المعنى الحاصل بالمصدر. {لا أُعَذِّبُهُ}: الهاء مفعول مطلق، لأنها بمعنى المصدر لعودها الى العذاب الواقع بمعنى التعذيب، أو على تقدير الباء، أى لا أعذبه وفى الهاء على الوجهين استخدام لا نفى لتذيبه مبنى لفظاً على أمكن ثبوته، تقول: لا يبصر فيمن يمكن أن يبصر، وللقول جدار أعمى لا يبصر، فعلمنا أن هذا استخدام لأن تعذيب ذلك لا يعذب به ذلك بل مثله من جنسه. {أحَداً}: مفعول به لأعذب، وليس له مفعولان، لأن الهاء مفعول مطلق، أو على تقدير الباء وجملة لا أعذبه نعت عذاباً. {مِّنَ العَالَمِينَ}: نعت لأحد، وذلك التعذيب فى الدنيا وهو مسخهم قردة وخنازير، والمراد بالعالمين العالمون مطلقاً، فان المعتدين فى السبت مسخوا قردة فقط، ومن وراء عذاب الدنيا عذاب الآخرة، وقيل: المراد عالموا زمانهم، وقيل: مسخوا خنازير ولم يمسح قبلهم أحد خنزير، أو قيل: المراد عذاب الآخرة، قال ابن عمر: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون. قال قتادة، عن حلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نزلت المائدة عليها خبز ولحم "تفسير : وذلك أن عيسى عليه السلام سألوه طعاماً يأكلون منه، ولا ينفد فقال، لهم: انى فاعل، وانها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا، فان فعلتم ذلك عذبتم، فما مضى يومهم حتى خبئوا وخانوا، وفى بعض الروايات: أن بعضهم سرق منها وقال: لعلها ترفع فلا تنزل أبداً فرفعت، ومسخوا قردة وخنازير. وروى أنه لما صاموا الثلاثين يوماً التى أمرهم بها قالوا: صمنا وجعنا، فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء، فلبس المسوح، وافترش التراب، ودعا الله عز وجل وقال: اللهم أنزل علينا مائدة من السماء، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة، وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس، كما أكل منها أولهم. وعن عطاء، عن زادان وميسرة: كانت المائدة اذا وضعت لبنى اسرائيل اختلفت عليها الأيدى بكل طعام الا اللحم، وقيل: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شىء، وعن قتادة كانت مائدة تنزل من السماء، وعليها ثمر من ثمار الجنة، تنزل بكرة وعشية، حيث كانوا كالمن والسلوى، وقيل: كانت تنزل ويأكلون منها ما شاءوا. وعن وهب بن منبه: أنزل الله قرصة من شعير وحيتاناً، وما كان ذلك يغنى عنهم شيئاً، ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، ويأتى آخرون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل. وقال كعب الأحبار رضى الله عنه: نزلت مائدة منكوسة، تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، وعليها كل طعام الا اللحم، وقال مقاتل والكلبى: استجاب الله تعالى لعيسى عليه السلام وقال: {إِنِى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} كما سألتم، فمن أكل من ذلك الطعام ثم لم يؤمن جعلته مثلا بعده ولعنته، ثم قالوا: رضينا، فدعا شمعون الصفار، كان رأس الحواريين فقال: هل معك طعام؟ قال: نعم، معى سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: على بها فقطعهن صغاراً، ثم قال: اقعدوا فى روضة وترافقوا رفاقاً، كل رفقة عشرة، ثم قال عيسى عليه السلام ودعا ربه سبحانه فاستجاب له، وأنزل بها البركة، فصار خبزاً صحيحاً وسمكاً صحاحاً، ثم قام عيسى عليه السلام، فجعل يلقى فى كل رفقة ما حملت أصابعه، ثم قال: باسم الله، فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ما شاء الله، وفضل منه والناس خمسة آلاف ونيف. فقال الناس جميعاً: نشهد أنك عبد الله ورسوله، ثم سألوا مرة أخرى، فدعا عيسى عليه السلام فأنزل الله تعالى خمسة أرغفة وسمكتين، فصنع عيسى ما صنع فى المرة الأولى، فلما رجعوا ونشروا هذا الحديث ضحك منهم قوم ممن لم يشهد وقالوا لهم: ويحكم انما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة، ومن أراد الله به فتنة رجع الى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبى ولا امرأة، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام وهلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا. عن عطاء بن أبى رباح، عن سلمان الفارسى: لما سأل الحواريون المائدة، لبس عيسى الصوف وقال: {أية : اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء }تفسير : الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة من فوقها، وغمامة من تحتها، وهم ينظرون اليها، وهى تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللهم اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، واليهود ينظرون اليها، ينظرون الى شىء لم يروا مثله قط، ولم يجدوا ريحاً أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملا، ويكشف عنها وذكر اسم الله ويأكل منها، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منا، فقال عيسى فتوضأ وصلى صلاة طويلة، وبكى كثيراً، ثم كشف المنديل عنها وقال: باسم الله خير الرازقين، فاذا هو بسمكة مشوية، ليس عليها فلوس ولا شوك، تسيل دسماً وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحواليها من ألوان البقول ما خلا الكراث، واذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثانى عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد. فقال شمعون: أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: ليس من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، ولكنه شىء افتعله الله بقدرته العالية، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، فقالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى: معاذ الله أن آكل منها، انما يأكل منها من سألها، فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها عيسى عليه السلام أهل الفاقة، وأهل البرص والجذام، والمقعدين والمبتلين، فقال: كلوا من رزق الله، ولكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدروا عنها ألف وثلثمائة من رجال ونساء حتى شبعوا، ثم نظر عيسى الى السمكة، فاذ هى كهيئتها حين نزلت من السماء، ثم طارت الى السماء ينظرون اليها حتى توارت، فلم يأكل منها مبتلى الا عوفى، ولا فقير الا استغنى، ولم يزل غنياً حتى مات وندم الحواريون، ومن لم يأكل منها. وكانت اذا نزلت اجتمع اليها الأغنياء والفقراء، والكبار والصغار، والرجال والنساء، ولما رأى ذلك عيسى عليه السلام جعلها نوبة بينهم، فلبث أربعين صباحاً تنزل ضحى فلا تزال منصوبة، يؤكل منها حتى يفىء الفىء طارت ينظرون فى ظلها تنزل يوماً، ولا تنزل يوماً فأوحى الله الى عيسى عليه السلام: اجعل مائدتى ورزقى للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شككوا الناس فيها. ويروى أنه لما قال: كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال عيسى عليه السلام: يا سمكة احيى باذن الله، فاضطرت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها، ففزعوا فقال عيسى عليه السلام: ما لكم تسألون أشياء، فاذا أعطيتموها ما أخوفنى عليكم أن تعذبوا يا سمكة كونى كما كنت باذن الله، فعادت كما كانت السمكة مشوية، فقالوا: يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها، فقال: معاذ الله انما يأكل منها من سألها الى آخر ما مر، ولما عظم على الأغنياء تخصيص الفقراء بها بعد اشتراكهم، صعب عليهم فقالوا للناس: أترون أن المائدة تنزل من السماء حقاً، فأوحى الله عز وجل الى عيسى عليه السلام: أنى شرطت أنه من كفر بها بعد نزولها عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فزعم بعض أن عيسى قال فى ذلك: {أية : ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم }تفسير : فمسخ الله منهم ثلثمائة وثلاثين رجلا باتوا ليلتهم مع نسائهم على فرشهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات، يأكلون العذرات. ولما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى عليه السلام وبكوا، ولما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطوف به، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم لا يقدرون على الكلام، وماتوا لثلاث ليال. وعن ابن عباس: فى المائدة كل طعام الا اللحم وعنه: خبز وسمك يأكلون منها أين ما نزلوا ومتى شاءوا، وقيل: مسخ منهم ثلاثة وثمانون، وقيل لما شرط الله عليهم فى انزالها تعذيب من لا يؤمن بها عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين استعفوا وقالوا: لا نريد فلم تنزل، وأن معنى {إنِى مُنَزِّلُهَا} أى أنزلها على ذلك الشرط ان قبلتم فلم يقبلوا، فلم تنزل، وعن الحسن: والله ما نزلت، ولو نزلت لكانت عيداً الى يوم القيامة، والصحيح أنها نزلت وهو الموافق لقوله تعالى: {إنِى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} وهو رواية عن مجاهد، والأخرى عنه كقول الحسن، وعن مجاهد أنها لم تنزل ولم يكن الكلام فى المائدة حقيقة، ولكن المائدة مثل ضربه الله لمقترحى المعجزات. قال القاضى، وعن بعض الصوفية: المائدة هاهنا عبارة عن حقائق المعارف فانها غذاء الروح، كما أن الأطعمة غذاء البدن، وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا فى حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها، فقال لهم عيسى عليه السلام: ان حصلتم الايمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها، فلم يقطعوا عن السؤال وألحوا فيه، فسأل لأجل اقتراحهم، فبين الله تعالى أن انزالها سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة، فان السالك اذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله، ولا يستقر له فيضل به ضلالا بعيداً.

اطفيش

تفسير : {قَالَ اللهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا} مرارا كما يدل عليه التشديد {عَلَيْكُمْ} إِجابة لدعائك وسؤالهم {فَمَنْ يَكْفُرْ} بى أَو بك أَو بصفة من صفاتى {بَعْدُ} بعد نزولها {مِنْكُمْ فإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَاباً} اسم مصدر هو التعذيب مفعول مطلق لا مفعول به، لأَن عذب متعد لواحد وهو هاء أُعذبه {لاَ أُعَذِّبُهُ} هذه الهاء مفعول مطلق واقعة على عذاب بمعنى التعذيب، كقولك القيام قمته لا مفعول به والمفعول به هو قوله {أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ} الخلق كلهم لأَنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يعذب بذلك أَحد قبلهم ولا بعدهم، وقوم داود الصائدون فى السبت مسخوا قردة خاصة مع أَنهم ماضون والآية فى المستقبل، فالمراد لا أُعذبه بعدهم فإِنه قال لا أُعذبه ولم يقل لم أُعذبه، أَو المراد عالمو زمانهم، وقيل: مسخ قوم داود قردة وخنازير وأَصحاب المائدة خنازير فقط، وقيل المراد عذاب الآخرة، فعن ابن عمر أَشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أَصحاب المائدة، والمنافقون وآل فرعون، والمشهور ما ذكر من أَنها نزلت، وقيل عن مجاهد والحسن أَنه لما قال فمن يكفر إِلخ قالوا لا حاجة لنا بها، فلم تنزل والصحيح نزولها ولما نزلت جاء اليهود ينظرون فرأَوا ما غمهم وغاظهم فرجعوا، شرط عليهم أَلا يخونوا ولا يدخروا ففعلوا ما نهوا عنه فرفعت. روى أَنها نزلت سفرة حمراءَ بين غمامتين وهم ينظرون حتى سقطت بين أَيديهم فبكى عليه السلام وقال "اللهم اجعلنى من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة للعالمين، ولا تجعلها مثلة وعقوبة" ثم قام فتوضأَ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال "باسم الله خير الرازقين" فإِذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من أَنواع البقول ما خلا الكراث، وإِذا خمسة أَرغفة على واحد زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد، وقيل على واحد زيتون وعلى الآخر تمرات وعلى الآخر خمس رُمَّانَات، وقيل فيها سبعة أَرغفة وسبعة أَحوات، والفلوس ما يقشر منها والشوك عظامها الشبيهة بالشوك، فقال شمعون: يا روح الله أَمن طعام الدنيا أَو من طعام الآخرة؟ قال: ليس منهما ولكن اخترعه الله تعالى بقدرته، كلوا ما سأَلتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم، الله من فضله، فقالوا: يا ريوح الله لو أَريتنا من هذه الآية آية أُخرى، فقال: يا سمكة احيى بإِذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودى كما كنت، فعادت مشوية وأَكل من أكل من المائدة فى ذلك فطارت وقد شبعوا، ولم تنزل بعد. قال القرطبى: جاءَ في حديث سلمان أَن المائدة سفرات لا مائدة ذات قوائم، والسفرة مائدة النبى صلى الله عليه وسلم، وموائد العرب، ويقال الخوان ما ارتفع من الأَرض بقوائمه، والمائدة ما بسط على الأَرض من الثياب والمناديل، والسفرة من أَسفر عما فى جوفه، وعن الحسن الأَكل على الخوان فعل الملوك وعلى المنديل الأَعاجم وعلى السفر فعل العرب، والسفرة في الأَصل طعام يتخذه المسافر، والغالب حمله في جلد مستدير فنقل اسمه لذلك الجلد فسمى به، ولأَن للجلد المذكور مغاليق تنضم وتنفرج فللانفراج سميت سفرة، أَو عصوا بعد ما رفعت فمسخوا، وفيل كانت تأتيهم أربعين يوماً تأتي فى يوم ولا تأْتى فى يوم تجتمع عليها الفقراء والأَغنياء والصغار والكبار يأْكلون حتى إِذا فاءَ الفئ طارت وهم ينظرون فى ظلها ويقعد لها أَربعة آلاف ولا ينقص منها شئ ولا يأكل منها فقير إِلا غنى مدة عمره ولا مريض إِلا برئَ ولا يمرض أَبداً حتى أَوحى الله إِلى عيسى عليه السلام أَن اجعل مائدتى فى الفقراء دون الأَغنياء والأَصحاء فاضطربت الناس، فمسخ منهم ثلاثة وثمانين رجلا، وروى ثلثمائة وثمانون باتوا ليلتهم مع نسائهم ثم أصبحوا خنازير، ولما أَبصرت الخنازير عيسى بكت وجعلت تطيف به، وجعل يدعوهم بأَسمائهم ويشيرون برءُوسهم ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أَيام، وماتوا، وقيل سبعة، وقيل أربعة، وقيل دعا الله عيسى أَن يقبض أَرواحهم فأَصبحوا لا يدرى هل الأَرض ابتلعتهم أَو ما الله فاعل بهم، وعن كعب: نزلت تطير بها الملائكة بين السماءَ والأَرض عليها كل الطعام إِلا اللحم، وعن قتادة عليها ثمر من ثمر الجنة وهو رواية عمار بن ياسر، وعن عطية العوفى: نزلت سمكة فيها طعم كل شئ، وذكروا أَنهم قالوا لعيسى عليه السلام: ابدأ الأَكل فقال معاذ الله إِنما يبدأ من طلبها، فقيل لما قال ذلك تحاصوها فدعا لها الفقراءَ والزمنى، فقال: ابدأُوا باسم الله واختموا بحمده سبحانه، وقيل: أَكل منها مرة واحدة أَلف إِنسان بين ذكر وأنثى وثلثمائة، وقيل كررت وتزاحم الناس فجعلت للفقراء والصبيان فكفر الأَغنياء بها، وقيل لما نزلت لم يكشف عليها عيسى بل قال: ليقم أَحسنكم عملا فيكشف عنها ويسم الله، ففعل شمعون وهو رئيس الحواريين، وقال الحسن ومجاهد: لما أَراد الله إِنزالها على شرط إِن لم يؤمنوا عذبوا استعفوا فلم تنزل، فمعنى أَنى منزلها أنزلها على قبول الشرط فلم يقبلوه، وأَخطأَ من قال: المائدة عبارة عن حقائق المعارف رغبوا في الوقوف عليها وشرط عليهم أَن يتقوا فيطلعهم عليها وأَن لا يضعفوا عن مقامها فيزلوا فيهلكوا.

الالوسي

تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ } مرات عديدة كما ينبىء عن ذلك صيغة التفعيل، وورود الإجابة منه تعالى كذلك مع كون الدعاء منه عليه الصلاة والسلام بصيغة الإفعال لإظهار كمال اللطف والإحسان مع ما فيه من مراعاة ما وقع في عبارة السائلين، وفي تصدير الجملة بكلمة التحقيق وجعل خبرها اسماً تحقيق للوعد وإيذان بأنه سبحانه وتعالى منجز له لا محالة وإشعار بالاستمرار، وهذه القراءة لأهل المدينة والشام وعاصم وقرأ الباقون كما قال الطبرسي {منزلها} بالتخفيف، وجعل الإنزال والتنزيل بمعنى واحد. {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ } أي بعد تنزيلها حال كونه كائناً {مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ } بسبب كفره ذلك {عَذَاباً } هو اسم مصدر بمعنى التعذيب كالمتاع بمعنى التمتيع، وقيل: مصدر محذوف الزوائد وانتصابه على المصدرية في التقديرين، وقيل: منصوب على التوسع، والتشبيه بالمفعول به مبالغة كما ينصب الظرف ومعمول الصفة المشبهة كذلك، وجوز أبو البقاء أن يكون نصبه على الحذف والإيصال، والمراد بعذاب وهو حينئذ اسم ما يعذب به، ولا يخفى أن حذف الجار لا يطرد في غير أن وإن عند عدم اللبس، والتنوين للتعظيم أي عذاباً عظيماً. وقوله سبحانه وتعالى: {لاَّ أُعَذّبُهُ } في موضع النصب على أنه صفة له. والهاء في موضع المفعول المطلق كما في ظننته زيداً قائماً. ويقوم مقام العائد إلى الموصوف كما قيل. ووجه بأنه حينئذ يعود إلى المصدر المفهوم من الفعل فيكون في معنى النكرة الواقعة بعد النفي من حيث العموم فيشمل العذاب المتقدم، ويحصل الربط بالعموم واورد عليه أن الربط بالعموم إنما ذكره النحاة في الجملة الواقعة خبراً فلا يقاس عليه الصفة وجوز أن يكون من قبيل ضربته ضرب زيد أي عذاباً لا أعذب تعذيباً مثله، وعلى هذا التقدير يكون الضمير راجعاً على العذاب المقدم فالربط به. وقيل: الضمير راجع إلى «من» بتقدير مضافين أي لا أعذب مثل عذابه. {أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي عالمي زمانهم أو العالمين مطلقاً، وهذا العذاب إما في الدنيا، وقد عذب من كفر منهم بمسخهم قردة وخنازير. وروي ذلك عن قتادة وإما في الآخرة وإليه يشير ما أخرجه أبو الشيخ. وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون ويدل هذا على أن المائدة نزلت وكفر البعض بعد. وأخرج ابن جرير وغيره عن الحسن ومجاهد أن القوم لما قيل لهم: «فمن يكفر» الخ قالوا: لا حاجة لنا بها فلم تنزل. والجمهور على الأول وعليه المعول. فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر موقوفاً ومرفوعاً. والوقف أصح قال: أنزلت المائدة من السماء خبزاً / ولحماً وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير وكان الخبز من أرز على ما روي عن عكرمة. وروي أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما سأله قومه ذلك فدعا أنزل الله تعالى عليهم سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وغمامة تحتها وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من السماء تهوي إليهم وعيسى عليه الصلاة والسلام يبكي خوفاً من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا رائحة مثلها قط وخر عيسى عليه الصلاة والسلام والحواريون سجداً شكراً لله تعالى وأقبل اليهود ينظرون إليهم فرأوا ما يغمهم ثم انصرفوا فأقبل عيسى عليه الصلاة والسلام ومن معه ينظرونها فإذا هي مغطاة بمنديل فقال عليه الصلاة والسلام: من أجرؤنا على كشفه وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه حتى نراها ونحمد ربنا سبحانه وتعالى ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا روح الله وكلمته أنت أولى بذلك فقام واستأنف وضوءاً جديداً ثم دخل مصلاه فصلى ركعات ثم بكى طويلاً ودعا الله تعالى أن يأذن له في الكشف عنها ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً ثم انصرف وجلس حول السفرة وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين وكشف عنها فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير وليس في جوفها شوك يسيل السمن منها قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث وعند رأسها خل وعند ذنبها ملح وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الآخر تمرات وعلى الآخر خمس رمانات، وفي رواية على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن. وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فسأله شمعون عنها وأجابه بما تقدمت روايته. ثم قالوا له عليه الصلاة والسلام: إنما نحب أن ترينا آية في هذه الآية فقال عليه السلام: سبحان الله تعالى أما اكتفيتم ثم قال: يا سمكة عودي بإذن الله تعالى حية كما كنت فأحياها الله تعالى بقدرته فاضطربت وعادت حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد تدور عيناها لها بصيص وعادت عليها بواسير ففزع القوم منها وانحاشوا فقال عليه الصلاة والسلام لهم: ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ما أخوفني عليكم بما تصنعون يا سمكة عودي بإذن الله تعالى كما كنت مشوية ثم دعاهم إلى الأكل فقالوا: يا روح الله أنت الذي تبدأ بذلك فقال: معاذ الله تعالى يبدأ من طلبها فلما رأوا امتناع نبيهم عليه الصلاة والسلام خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة فتحاموها فدعا عليه الصلاة والسلام لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم وأحمدوا الله تعالى الذي أنزلها لكم ليكون مهنؤها لكم وعقوبتها على غيركم وافتتحوا كلكم باسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة وصدروا منها وكل واحد منهم شبعان يتجشى ونظر عيسى عليه السلام والحواريون ما عليها فإذا ما عليها كهيئته إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها وبرىء كل زمن منهم أكل منها فلم يزالوا أغنياء صحاحاً حتى خرجوا من الدنيا وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم وبقيت حسرتها في قلوبهم، وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنوا اسرائيل إليها من كل مكان يسعون فزاحم بعضهم بعضاً الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضاً فلما رأى عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك جعلها نوبا بينهم فكانت تنزل يوماً ولا تنزل / يوماً فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحى فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم باذن الله تعالى إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام أن اجعل رزقي لليتامى والمساكين والزمنى دون الأغنياء من الناس فلما فعل الله تعالى ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر وأدرك الشيطان منهم حاجته وقذف وسواسه في قلوب المرتابين فلما علم عيسى عليه السلام ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم فلما فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقا وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها فابشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله تعالى وأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام إني آخذ المكذبين بشرطي وإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين فلما أمسى المرتابون وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين وكان آخر الليل مسخهم الله تعالى خنازير وأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن عيسى عليه الصلاة والسلام قال لبني اسرائيل: هل لكم أن تصوموا ثلاثين يوماً ثم تسالوه فيعطيكم ما سألتم فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا: إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء} إلى قوله تعالى: {أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ } فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم. وجاء عنه أن المائدة كانت تنزل عليهم حيث نزلوا، وعن وهب بن منبه أن المائدة كان يقعد عليها أربعة آلاف فإذا أكلوا شيئاً أبدل الله تعالى مكانه مثله فلبثوا بذلك ما شاء الله عز وجل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ} (115) - فَقَالَ اللهُ لِعِيسى: إنَّهُ اسْتَجَابَ لِدُعَائِهِ، وَإنَّهُ سَيُنْزِلُ المَائِدَةَ التِي سَأَلَها، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَهُ إلى أنَّهُ سَيُعَاقِبُ مَنْ يَكْفُرُ بَعْدَ إنزَالِ هَذِهِ الآيَةِ الكُبْرَى (المَائِدَةِ) عَذاباً لا يُعَذِّبُهُ أحَداً مِنَ العَالَمِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة يقول الحق: "إني" فهو يستخدم نون الإفراد. ونعلم أن هناك أسلوبين لحديث الحق سبحانه عن نفسه. إنه ساعة يتحدث عن وحدانيته يأتي بنون الإفراد فيقول سبحانه: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ} تفسير : [طه: 14]. وساعة يتحدث سبحانه وتعالى عن سيال القدرة الشاملة العامة لكل صفات الكمال التي تتطلب إيجاد الشيء يأتي بنون التعظيم فيقول: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. وهو سبحانه أراد هنا أن يعطينا معنى التوحيد فقال: {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ}. ذلك أن المائدة ستنزل من السماء، ولا يقدر على ذلك إلا الله وحده سبحانه وتعالى. ويتبع الحق ذلك بقوله: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}. فسبحانه يرسل رسله بعد أن يجتبيهم، وإياك أيها العبد أن تقول: إن فلاناً بذاته من الرسل أفضل من فلان؛ لأن الحق هو الأعلم برسله: {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}. وعلينا أن نتبع الرسل، وعندما حاول بعض من أهل الجاهلية التعجب من شأن القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم كما يخبر القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [الزخرف: 31-32]. وقال أهل الجاهلية: لماذا لم ينزل القرآن على رجل عظيم من مكة أو من الطائف؟! قالوا ذلك استهزاء بشأن محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الحق سبحانه وتعالى في ذلك القول الفصل، فليس لأحد أن يختار الرسول؛ لأن الرسول مُصطفى من الله، ولا يملك أحد من البشر أن يختار رسولاً من أصحاب السلطان أو الجاه. وسبحانه وتعالى يعد كل رسول الإعداد اللائق لمهمته، ومقام الرسالة النبوية هو الأعلى في الدنيا والآخرة. والحق سبحانه - وهو المنظم لأمور خلقه - قسّم الموّاهب - رحمة منه - فيما بين العباد ليتساندوا ويتآزروا ويحتاج كل منهم إلى عمل الآخر. وحين يرسل سبحانه رسولاً فهو يختار الآية المناسبة له وللعصر الذي جاء فيه، وما اقترح قوم آية وجاء بها الله، ثم لم يؤمن الذين اقترحوا الآية بعد مجيئها إلاّ أنزل الحق سبحانه بهم العذاب الأليم. وحين يطلب اتباع الرسول آيات معينة، إنما يحمل هذا الطلب في طياته التفلّت والتحلل من الالتزام بمنهج الله، كأن الذين يطلبونها يصرون على الكفر بالرسول على الرغم من طلبهم الآية، ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} تفسير : [الإسراء: 59]. وكذلك اقترح قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآيات غير آيات القرآن، على الرغم من أن آيات القرآن تقنع كل من له عقل يفكر وقلب يحس، وسنة الله مع الذين يطلبون الآيات ثم لا يؤمنون بها واضحة وهي العذاب الشديد، ومثال ذلك قوم ثمود الذين طلبوا ناقة للدلالة على صدق رسالة صالح عليه السلام، وعندما حدثت المعجزة كفروا بها فعاقبهم الله شر العقاب. وبعض من قوم الرسول صلى الله عليه وسلم غالوا في طلب آيات غريبة: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 90-93]. وكان محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً بآله وعشيرته، لذلك لم يطلب من الحق آيات غير التي أنزلها الله عليه، وعيسى عليه السلام دعا بأدب الرسل أن ينزل المائدة. واختلف العلماء أأنزل الحق سبحانه وتعالى المائدة أم لم ينزلها؟ إن هناك من تمسكوا بقول الحق سبحانه: {قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا}، وهناك من قالوا: إن الحق سبحانه وضع شروطاً لنزول المائدة، وهو إنزال العذاب بهم إن لم يؤمنوا، فتراجعوا عن طلب إنزالها ومن قالوا بنزول المائدة اختلفوا في مواصفاتها، فمنهم من قال: إن المائدة نزلت وعليها سمكة مشوية من غير فلوس وقشور ولا شوك فيها. ذلك أنها مائدة من السماء ومعها خمسة أرغفة، وعلى كل رغيف شيء مما يعرفون: رغيف عليه عسل، وآخر عليه زيتون، وثالث عليه سمن، ورابع عليه جبن، وخامس عليه قديد من اللحم. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ...}

الجيلاني

تفسير : {قَالَ ٱللَّهُ} المطلع لاستعداداتكم {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} وإن لم تكونوا قابلين لها {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ} أي: بعد نزولها {مِنكُمْ فَإِنِّيۤ} بعزتي وجلالي وقوتي {أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ} أي: لا أعذب مثله {أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ} [المائدة: 115] فكفروا بعد ذلك فمُسخوا عن لوازم الإنسانية بالمرة، ورُدوا إلى مرتبة الحيوانات وأخبثها، العياذ بالله من غضب الله. {وَ} اذكر {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ} حين فشا غلو النصارى في حق عيسى وأمه، ونسبتهما إلى الألوهية، وقولهم بالتثليث والأقانينم والحلول والاتحاد: {يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} واعبدوني مثل عبادته، أم اتخذوك من تلقاء أنفسهم؟ {قَالَ} عيسى منزهاً لله، مبعداً نفسه إليها عن أمثاله: {سُبْحَانَكَ} أنزهك تنزيهاً عن أن يكون لك شريك {مَا يَكُونُ} ما يصح ويليق {لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا} أي: قولاً {لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} لائق جائز أن أقوله، سيما بعد لطفك إلي، وفضلك وامتنانك علي {إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} إذ {تَعْلَمُ} بالعلم الحضوري {مَا فِي نَفْسِي وَ} أنا {لاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} وذاتك وشأنك وسلطانك {إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [المائدة: 116]. وإنما خاطبه سبحانه، وعاتبه بما عابته مع أن الأمر معلوم عنده؛ ليوبخ ويقرع على الغالين المتخذين؛ لعلهم ينتهون بسوء صنيعهم، وقبح معاملتهم مع الله المتوحد، المتفرد المنزه بذاته عن الأهل والولد، الصمد المقدس الذي {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4].